الفصل الخامس

رأس المال البشري: موظَّفوك ليسوا أصولًا، هم متطوعون

أكثر رءوس الأموال قيمة هو رأس المال الذي يُستثمر في البشر.

ألفريد مارشال، «مبادئ الاقتصاد»، ١٨٩٠

في مجتمع المعرفة، أكثر الافتراضات أرجحية للمؤسسات — وهو بالتأكيد الافتراض الذي تُدير شئونها بناءً عليه — هو أنها تحتاج إلى مشتغلين بالمعرفة أكثر بكثير من احتياج المشتغلين بالمعرفة إليها.

بيتر دراكر (مقتبس في ديفيد بويل، «حصيلة التذمر»، ٢٠٠١)

استُخدم مصطلح «رأس المال البشري» لأول مرة من جانب الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل ثيودور دبليو شولتز، وذلك في مقال نُشر عام ١٩٦١ في مجلة «أمريكان إيكونوميك ريفيو». وكانت أطروحته الأساسية تتمحور حول فكرة أن الاستثمار في رأس المال البشري يجب أن يُخصَّص له حيز مثلما يُخصَّص حيز للمباني والتجهيزات والآلات. هذا ليس مفهومًا جديدًا، لكنه بالتأكيد يقود إلى نقطة التقاء بين الاقتصاد ومهنة المحاسبة على الأقل من الناحية النظرية؛ فقد كان الاقتصاديون يقولون إن المحاسبين يجب أن يتعاملوا مع الاستثمار في البشر بالطريقة نفسها التي يتعاملون بها مع الاستثمار في الأشياء؛ لكننا نحن المحاسبين لم نتعلم الدرس أبدًا، ونواصل التعامل مع الموظفين باعتبارهم مجرد نفقات.

•••

رون: التحدي الواضح هو أن الاستثمار في الأصول المادية المحسوسة يمكن حسابه وفهمه، لكن يتعذر ذلك فيما يتصل بالاستثمار في البشر. إن الأمر أشبه بتقدير المحاسبين لقيمة الإنسان العادي بثلاثة دولارات بما أن هذه هي القيمة التقريبية لعناصرنا الكيميائية المختلفة. من الصعوبة بمكان رؤية الملصق الخارجي عندما تكون بداخل زجاجة الخمر. فرأس المال البشري مثل المادة المظلمة من الكون؛ إذ نعلم أنها موجودة لكننا لا نستطيع قياسها. ومن جديد، كان بيتر دراكر في صدارة المفكرين في هذا الجانب عندما ابتكر مصطلحَي «مجتمع المعرفة» و«المشتغلون بالمعرفة» في كتابه الذي نُشر عام ١٩٦٨ تحت عنوان «عصر الانقطاع». فقد افترض أن قانون حقوق الجنود العائدين من الحرب — الذي أتاح التعليم العالي لنحو ٢٣٣٢٠٠٠ محارب، وكان بالتأكيد أضخم استثمار في رأس المال البشري حتى ذلك الوقت — أحدث التحوُّل إلى مجتمع المعرفة. وحاليًّا، يُعيَّن أقل من خُمس قوة العمل في وظائف مكتبية في حين يُمثل المشتغلون بالمعرفة نحو خُمسي قوة العمل.
لا يسهم المهنيون بعملهم فحسب، ولكنهم يُسهمون بالمعرفة أيضًا في الشركات التي تُعيِّنهم؛ هم مشتغلون بالمعرفة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فلو كان المجهود البدني هو الأهم، لتوقعنا من العاملين الأصغر سنًّا أن يحققوا مستويات الدخل الأعلى بما أن القوة البدنية تكون في أوجها في هذه المرحلة الحياتية. في الواقع، إن ما نراه هو أنه بينما يتقدَّم المشتغلون بالمعرفة في العمر، ترتفع دخولهم، وهذا يتَّسق مع نظرية رأس المال البشري التي قدمها شولتز وغيره من الاقتصاديين. فمن الممكن النظر إلى الدخل المتزايد باعتباره «أرباحًا» متزايدة من استثمارات في رأس المال البشري، بالرغم من أننا قد نُطلِق على هذا الدخل «أجورًا» من منظور محاسبي. ولا يمكن التقليل من أهمية رأس المال البشري مطلقًا، حتى من المنظور غير الاقتصادي، كما يوضح المثال التالي المقتبس من كتاب توماس سويل الرائع الذي يحمل اسم «الاقتصاد الأساسي: دليل المواطن للاقتصاد»:

أَسهم عدم فهم أهمية رأس المال البشري في هزيمة الألمان واليابان في الحرب العالمية الثانية. وقد مثَّل المقاتلون الطيارون الخبراء بالحروب استثمارًا كبيرًا جدًّا في رأس المال البشري. ومع ذلك لم يُخرِج الألمان واليابانيون بطريقة منهجية طياريهم الخبراء من مهامهم القتالية من أجل صون رأس مالهم البشري وتوجيههم لنقل جانب من رأس مالهم البشري إلى الطيارين الجدد الذين تعوزهم الخبرة، والذين لا يزالون يتدرَّبون على أداء المهام القتالية. وقد اتبع كلا الطرفين السياسات التي وضعها الألمان: «لا تتوقف عن الطيران حتى الموت.»

وكانت المحصلة النهائية هي أنه في الوقت الذي كان يُعدُّ فيه الطيارون المقاتلون الألمان واليابانيون خصومًا مرعبين للطيارين الأمريكيين والبريطانيين الذين قاتلوهم في وقت مبكر من الحرب، فقد رجحت كِفة المهارات لصالح الطيارين الأمريكيين والبريطانيين في وقت لاحق من الحرب، بعد أن فُقِد جانبٌ كبيرٌ من رأس المال البشري الألماني والياباني في الجو عندما قُتل المقاتلون الطيارون الأكثر كفاءة وخبرة، وحلَّ محلهم طيارون يفتقرون إلى الخبرة كانوا في حاجة إلى تعلم كل شيء في عمليات قتالية جوية مباشرة كان الخطأ البسيط فيها مهلكًا. إن المفاهيم الاقتصادية تنطبق حتى عندما لا يحدث تبادل أموال. وقد كانت القوات الجوية الألمانية واليابانية أقل كفاءة في تخصيص الموارد الشحيحة التي كان لها استخداماتٌ بديلة.

قد لا يروق لبعض الناس فكرة اعتبار البشر رأسَ مالٍ. هذا ليس تحقيرًا من شأنهم بل تعزيزًا لقيمة الحياة البشرية. فإضافة إلى القيمة الجوهرية للحياة بالنسبة إلى كل فرد، تُبرز فكرة رأس المال البشري قيمة هذا الفرد بالنسبة إلى الآخرين. والممارسة العسكرية القديمة ببذل الجهود القصوى من أجل إنقاذ مدفع في معركة في الوقت الذي يُستخدم فيه الجنود كما لو كانوا موردًا يمكن تعويضه، فتحت الباب منذ ذلك الحين أمام استخدام أسلحة عالية التقنية وباهظة التكلفة كما هو الحال في حرب الخليج عام ١٩٩١؛ من أجل التقليل من الوفيات بين العسكريين إلى أدنى درجة ممكنة؛ إذ اعتُبروا رأس مال بشري عالي القيمة. (سويل، ٢٠٠٠: ٣٤١-٣٤٢)

•••

بول: تعليق «لا تتوقف عن الطيران حتى الموت.» ملائم تمامًا هنا. ففي العديد من الشركات، يكون الشعار الظاهر هو «استمر في احتساب ساعات العمل حتى تنفد تمامًا.»

•••

رون: على مدى التاريخ، لم يشعر الناس بارتياح بشأن شراء وبيع العمال، كموروث على الأغلب للاسترقاق (ممارسة تواجدت في كل قارة قطنها بشر). غير أن أغلب الدخل الشخصي مشتق من الرواتب والأجور؛ ومِن ثَمَّ فإن التفكير على أساس مستثمري رأس المال البشري يُضفي كرامة واحترامًا على قيمة كل شخص. وكلمة «بشري» مشتقة من كلمة لاتينية معناها بالعربية «إنسان»، ومصطلح «رأس المال» مشتقٌّ من كلمة لاتينية معناها «رأس». بعبارة أخرى، رأس المال جميعه مصدره العقل، كما ناقشنا في الفصل الرابع. وبأسلوب صارم، لا تُصنع معرفة شركة الخدمات المهنية إلا على أيدي أفراد — وإن كان جانب منها يُصنع على أيدي أفراد لا يعملون لدى الشركة — ومِن ثَمَّ لا يمكن أن تُصنع المعرفة دون بشر. جذب مشتغلين بالمعرفة والاحتفاظ بهم حاليًّا أحد أكبر التحديات التي تواجه الشركات من جميع الأحجام، وفقًا لاستطلاعات إدارة الممارسات المحاسبية التي أُجريت منذ سنوات عديدة، والتي دائمًا ما تُصنَّف في المرتبة الثالثة من حيث الأهمية. ثمة عدة أسباب وراء كون مسألة جذب المواهب والاحتفاظ بها قد أصبحت قضيةً كبيرة هذه الأيام، ما يُسبِّب ذعرًا بين قادة الشركات حول العالم.

يمثل متوسط العمر أحد هذه الأسباب؛ فعمر المشتغل العادي بالمعرفة اليوم سوف يتجاوز عمر رب العمل؛ حيث يبلغ متوسط الفترة الإنتاجية للمشتغل العادي بالمعرفة نحو ٥٠ عامًا مقارنة بمتوسط الفترة الإنتاجية للمؤسسة التي تبلغ نحو ٣٠ عامًا. وهذا يُترجم إلى مشتغل عادي بالمعرفة يعمل في أكثر من وظيفة، بل يكون أمامه أكثر من حياة مهنية واحدة مقارنة بمن سبقوه منذ قرن من الزمن. ثمة سبب آخر وهو التراجع الشديد في أعداد الأشخاص الذين ينضمون إلى المهنة في المرحلة الجامعية — تراجع بنسبة ٥٠ بالمائة تقريبًا بين الطلاب الذين يتخصصون في المحاسبة — وزيادة في تحول المهنيين من العمل في المؤسسات العامة إلى مؤسسات القطاع الخاص والهيئات الحكومية والمؤسسات غير الربحية والمؤسسات التعليمية. كما أسهم تسطح النموذج الهرمي التقليدي للشركة إضافة إلى التطورات التكنولوجية أيضًا في تراجع في أعداد المهنيين الموهوبين.

ثمة سبب ثالث، جزء منه تخميني والآخر افتراضي، ربما يقوم على أساس ملاحظة المهنة على مدى العشرين عامًا الماضية. وهذا السبب يتلخص في أن الشركات لا تفهم على ما يبدو قيمة العاملين بها. فهم يتعاملون معهم كما لو كانوا أصولًا — أو موارد، وهو الأسوأ — بدلًا من التعامل معهم باعتبارهم مستثمرين لرأس المال لديهم وسائلهم الإنتاجية الخاصة التي تصبح بالتبعية ملكًا للشركة. وكما الحال بالنسبة إلى معظم المستثمرين، فإنهم سيتجهون إلى حيث يستطيعون تحقيق عائد اقتصادي مناسب — يُقاس بالأجور والمزايا الإضافية وغير ذلك من المكاسب المالية — إضافة إلى تفضيلهم المكان الذي يحظون فيه بمعاملة طيبة وباحترام — وهو ما يمكن أن نطلق عليه العائد النفسي إن أردت. ومع ذلك، فإن النظر إلى موظَّفِيك باعتبارهم أصولًا أمرٌ مهين؛ فالموظفون جديرون باحترام يتجاوز احترام الهواتف وأجهزة الكمبيوتر. فالأصول سلبية تُشترى وتُباع في السوق حسب رغبة أصحابها؛ على النقيض من ذلك، يملك المشتغلون بالمعرفة زمامَ السيطرة على حياتهم المهنية. فإذا كان العاملون أصولًا، فما الذي يصنع مديرين وشركاء؟ الحافلات لها سائقون والطائرات لها طيارون، لكن هل هذا يجعل أرباب العمل يحلُّون محل السائقين فيما يتصل بالعاملين لديهم؟ بالطبع لا.

إن النظر إلى العاملين باعتبارهم موردًا، وهي كلمة تعني التجدُّد والظهور من جديد، أمر أشد سوءًا؛ إذ يوحي بأن الناس لا يختلفون عن الأصول المادية كالأخشاب أو الموارد النفطية التي تُحصد في نهاية الأمر. تأمل التقرير السنوي للشركة، أو تحدث إلى الشركاء في شركة خدمات مهنية من أي مكان في العالم، وسوف تسمع حتمًا من يقولون: «موظفونا هم أعظم الأصول (أو الموارد) لدينا.» حتى مايكل أيزنر، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة «ديزني»، قال حسبما أوضح تسجيل له: «مخزوننا السلعي يعود إلى المنزل ليلًا.» هذه أيضًا نظرة ثالثة مختلفة؛ إذ يُنظر إلى العاملين لدى الشركة باعتبارهم مخزونًا سلعيًّا له معدل دوران! وقد أشار أحد الخبراء إلى أننا نُعامل جميع الرواتب والأجور باعتبارها رأسَمالٍ في الميزانية العمومية بما يعكس حقيقة أن العاملين جزء من رأس مال الشركة. وأنا أشك في ذلك: فمن واقع معرفتي بالمحاسبين العاديين، فإنهم سيُفردون مقابل ذلك بندًا لاحتياطي الإهلاك مثل بقية الموارد المستهلَكة، وهذه النظرة إلى العاملين لديهم ليست أفضل حالًا. لماذا الإصرار على تأبيد ذلك الاعتقاد بأن الموظفين موارد تُستغل وليسوا رأس مال بشريًّا يُطوَّر ويُنَمَّى؟

يشير مثلٌ صيني إلى أن بداية الحكمة هي أن تُسمِّي الأشياء بأسمائها. فالعاملون لديك ليسوا أصولًا أو موارد أو مخزونًا سلعيًّا، لكنهم مستثمرون لرأس المال البشري يبحثون عن عائدٍ له وزنه من استثمارهم. في الواقع، سنطرح على صفحات هذا الكتاب فكرةَ أن العاملين لديك هم «متطوعون»؛ إذ إن مسألة عودتهم إلى العمل في أحد الأيام من عدمه أمر يخضع بالكامل لإرادتهم الخاصة. فكر للحظة كيف أن الناس يختارون مؤسساتِ عمل تطوعي بعينها يتطوعون بالإسهام ببعضٍ من مواهبهم وقدراتهم من أجلها. وعادةً ما يعتمد الاختيار على الرغبة في الإسهام بشيء ما أكبر من ذاتهم؛ فهم يعملون بجد من أجل تلك المؤسسات — ربما يقول البعض إنهم يعملون بجد أكبر من جدهم في عملهم بوظائفهم الأصلية — وذلك لأنهم مخلصون للهدف ولديهم الرغبة والحماس والتطلع لصنع فارق في حياة الآخرين. كل هذا دون مقابل مادي. والسبب هو أن قرارهم هذا ليس قرارًا اقتصاديًّا فحسب، وإنما هو قرار نفسي وعاطفي.

لكن مع كل أدلة السلوك البشري هذه، لا يزال العديد من الشركات يتعامل مع الموظفين كما لو كانوا سيتكاسلون في عملهم إذا لم يُحاسبوا على كل دقيقة من يومهم. هل هذا يمكن أن يلهم الموظفين بأي حال من الأحوال ويشجعهم على بذل قصارى جهدهم؟ أهذا من شأنه أن يغرس روح الخدمة والإخلاص والتفاني في العمل من أجل تحقيق أهداف وتطلعات العملاء؟ أم أن هذا ليس سوى نمط بالٍ في التفكير يرى أصحابه أن المرء يتكاسل إذا لم يُجبر على العمل؟ ربما يقضي العاملون لديك وقتًا طويلًا في العمل، لكن هذا قد يحدث دون عزيمة من جانبهم وعلى غير رغبة منهم.

هذه مشكلة بالغة الأهمية لدى الشركات، ومع ذلك فإنها تغيب عن أنظار معظم الشركاء. فلطالما اعتبرت الشركات العاملين لديها أشياء قابلة للاستهلاك؛ فإذا لم يعملوا بما فيه الكفاية، فيتعين طردهم من العمل، أو بعبارة أخرى، إنها تتعامل معهم باعتبارهم موارد يجري حصدها أو مخزونًا سلعيًّا يجري تغييره. وهذه الطرق لم تعد ناجعة لجذب أصحاب المواهب وتنمية مواهبهم.

•••

بول: تأمل الأمر للحظة من منظور العميل. عبَّر كل من فريد كروفورد ورايان ماثيوز عن هذا في كتابهما «أسطورة التميز»: «لقد أظهرت أبحاثنا بوضوح أن المستهلكين يبحثون عن القيم وليس القيمة المادية وحدها» (كروفورد وماثيو، ٢٠٠١).

ألا ينطبق الأمر نفسه بالضبط على أفراد الفريق؟ هم يريدون شركة تُقدرهم كبشر لا أن تعاملهم باعتبارهم مجرد مورد قابل للاستهلاك تُسجل عليهم أفعالهم كل ست دقائق. لمزيد من التوضيح، جرب التمرين التالي: اكتب أفضل إعلان يمكنك كتابته ويكون مصممًا بحيث يجذب أفرادًا جددًا في فريقك (هذا ليس معناه أن الإعلانات هي أفضل طريقة لجذب الناس، ولكن عليك أداء التمرين بما يخدم أهدافنا هنا). أوضح في إعلانك هذا مقدار التحدي الذي تنطوي عليه الوظيفة المعلن عنها ومدى روعة الشركة ومدى جودة الراتب. وأضف إلى ذلك أن الشركة لديها مركز رعاية نهارية للأطفال إن أردت. ثم ضع أسفل الإعلان هذه الملحوظة: «نطلب منك أن تُسجل ما تُنجزه من عمل كل ست دقائق.» هذه العبارة الأخيرة تقول الكثير جدًّا عن مقدار تقديرك للناس؛ باختصار، أنت لا تقدِّرهم!

في الأقسام التالية من هذا الفصل، سوف نتناول مسألة جذب رأس المال البشري والاحتفاظ به ومكافأته. أما زيادة حجم العاملين في مهنة المحاسبة، فهي قضية سوف نتناولها في الفصل الثاني عشر.

(١) كيف تجذب شركتك الموهوبين؟

رون: لماذا من الأسهل عليك الانضمامُ إلى جامعة «هارفارد» أو «برنستون» من أن تُعيَّن من جانب شركة «ساوث وست إيرلاينز» التي لا تقبل سوى ٤ بالمائة من عدد ٩٠ ألف متقدم لها كل عام؟ فيما يلي الكيفية التي فسَّر بها هيرب كيليهر الأمر لرابطة التعويضات الأمريكية، وذلك في عام ١٩٩٥ عندما كان يشغل منصب الرئيس التنفيذي لشركة «ساوث وست إيرلاينز»:

يبدأ الأمر بالتعيين. نحن متحمسون للتعيينات، ونبحث عن نوعية معينة من الأشخاص بصرف النظر عن فئة الوظيفة التي يشغلونها. نحن نبحث عن المواقف العقلية الإيجابية وعن الأشخاص الذين يهبون أنفسهم للأهداف. نريد الأشخاص الذين لديهم حس الفكاهة ولديهم اهتمام بالعمل كفريق ويستمتعون بالنتائج الجماعية وليس الإنجازات الفردية. (بروساك وكوهين، ٢٠٠١: ٩٣)

ليست المهارات هي ما تدفع شركة «ساوث وست إيرلاينز» للتعيين؛ فسوف تُدرب الشركة الملتحقين بها على ما يحتاجون معرفته. إنما تسعى الشركة لانضمام من لديهم موقف عقلي إيجابي، وهو الشيء الذي يصعب للغاية التدريب عليه أو تغييره. لقد أصاب كيليهر تمامًا عندما أشار قائلًا: «نحن نُعيِّن الإيجابيين في تفكيرهم، ونُعلمهم طريقة العمل لدينا.»

إن جذب الأشخاص الجيدين وتعيينهم هما أهم مهمتَيْن يمكن أن يُسهم فيهما كل فرد في الشركة بأفكاره وآرائه. يقضي الشركاء — أو على الأقل ينبغي أن يقضوا — وقتًا كبيرًا في اتخاذ قرارات بالتعيينات أكثر من الوقت الذي يقضونه في أي قرارات أخرى. فما من قرارات أخرى يكون لها هذا الكم نفسه من الانعكاسات والنتائج في أرجاء الشركة أو يكون لها تأثيرات كبيرة ودائمة مثل قرارات التعيين. «مؤسسة هيرتيج»، وهي مؤسسة بحثية مقرها واشنطن العاصمة، تُطبق مبدأ «الأشخاص هم جوهر السياسة» فيما يتعلق بالإدارات الجديدة التي تصنع قرارات التعيين بها. قد تتوقع أن تجد مستوًى مرتفعًا من الالتزام والحماس لهذه المهمة، لكن في شركات الخدمات المهنية العادية، لا تجد ذلك؛ إذ تبلغ درجة جودة أداء الشركة ٠٫٣٣٣ فيما يتصل بقراراتها الخاصة بالتعيين؛ بمعنى أنه يتبين أن ثلث قراراتها يُوصف بأنه جيد وثلثًا يُوصف بأنه يحقق الدرجة الدنيا من الفعالية وثلثًا يُوصف بأنه قرارات فاشلة تمامًا. ومن النادر في أي مجال آخر أن يقبل قادة الشركات هذا المستوى من الأداء.

ما نريد أن نقوله هو أن مؤسسات رأس المال الفكري هي شركات تعتمد على «الأفراد»، والتعامل مع الأفراد سوف يكون مليئًا دومًا بالتحديات. فعندما تُعيِّن شخصًا ما، لا تحصل على ما تقدمه يداه من عمل فحسب، بل تحصل كذلك على عواطفه ورغباته وأحلامه وتطلعاته وتوقعاته وقلبه في واقع الأمر. إن مسألة جذب مستثمري رأس المال البشري تتعلق ﺑ «التسويق»، وأغلب الشركات لا تفهم هذا على ما يبدو (بخلاف الشركات الكبرى، لربما). وكما الحال في جميع عمليات التسويق، لا يتحقق التسويق بالنظر «إلى الداخل» والسؤال «ما الذي نريده ونحتاجه؟» بل يتحقق بالنظر «إلى الخارج» والسؤال «ما الذي تريدونه وتحتاجونه؟» وثمة فارق هائل بين هذَين النهجَين؛ فالأخير يُغيِّر التوجه العقلي من «تخصيص» الموارد إلى «جذب» المستثمرين. يعمل «وادي السيليكون» بمبدأ تشغيلي يقوم على جذب الموارد وليس تخصيص الموارد. فإذا كانت ثمة فكرة تتمتع بجدارة كافية، فإنها ستجذب رأس مال وموارد في صورة رأس مال مخاطرة أو قفزة ثقة لمنظمي المشروع. كما تستخدم المراكز البحثية المبدأ نفسه؛ فهي تجمع الأفكار من كل مكان، وليس فقط ممن يصنعونها، وتضعها في مقابل أفكار أخرى لأغراض الفحص والتقييم. في واقع الأمر، تحتاج الشركات عند تعيين أشخاص جدد أن تفعل الشيء نفسه الذي تفعله بهدف كسب عملاء جدد وهو: أن تُظهر لهم سبب كونها بديلهم التنافسي الأمثل.

يختلف المشتغلون بالمعرفة عن عمال الثورة الصناعية الذين كانوا يعتمدون على رب العمل في توفير وسائل الإنتاج (المصانع والآلات). فاليوم، يملك المشتغلون بالمعرفة أنفسهم وسائل الإنتاج لدى الشركة — أي رأس مالها الفكري — في رءوسهم. ومثل عناصر التسويق الأربعة التي سنتناولها بمزيد من التفصيل في الفصل التاسع، فإن النظر إلى المشتغلين بالمعرفة لدى الشركة باعتبارهم مستثمري رأس مال فكري يدفع الشركة إلى التركيز على القيمة وليس التكاليف.

ونظرًا لأن المشتغلين بالمعرفة يستثمرون رأس مالهم الفكري مع الشركات التي ستدفع عائدًا مناسبًا، فبدلًا من طرح السؤال التالي: «ما قيمة هذا الشخص بالنسبة للشركة؟» يكون السؤال الفعلي الذي ينبغي أن يُطرح هو: «ما قيمة الشركة بالنسبة لهذا الشخص المشتغل بالمعرفة؟ كيف يمكن للشركة أن تضيف إلى رأس المال الفكري بل تطوره أكثر؟» تلك هي الأسئلة المهمة التي ينبغي الإجابة عنها لتحقيق نجاح دائم. وحتى مع كل هذا الحديث عن العمل الحر، لا يزال الموظفون بحاجة إلى مؤسسات لإنتاج السلع والخدمات التي يطلبها العملاء.

إن النظر إلى التعيينات الجديدة باعتبارها استثمارات في رأس المال الفكري لهو نموذجٌ أفضل بكثير من أجل صنع أفضل قرارات التعيين. وفي حين يشكو الشركاء في جميع الشركات تقريبًا من قلة الكفاءات بقولهم: «أنت لا تستطيع أن تجد الأشخاص الجيدين» (وهنا يروق لي رد بول الذي يطلب تغيير الضمير «أنت» إلى الضمير «أنا»)، فإن الحقيقة البسيطة هي أنك لن تستطيع تعيين أفضل الأشخاص على نحو دائم. فهذا أمر مستحيل من الناحية الإحصائية؛ نظرًا لأن قوة العمل لا تتضمن كوادر متميزة بنسبة مائة بالمائة. لقد توصل بيل جوي بشركة «صن مايكروسيستمز» إلى هذا القانون: «معظم الموظفين الأكثر ذكاءً لا يُوجدون قط في شركتك أنت.» لكن ميزتك التنافسية لا تكمن بالضرورة في جذب أفضل الكفاءات، وإنما تكمن في القدرة على تطوير من تُعيِّنهم بالفعل. عادة، عندما يتحدث الناس عن شركاتهم، دائمًا ما يذكرون إلى أي مدى يتمتع العاملون لديهم بالكفاءة. وهذه نظرة طبيعية وصحية أيضًا. لكن السؤال المهم الذي يترتب على هذا الأمر هو: «الكفاءة في ماذا؟»

•••

بول: في الواقع، معظم العاملين في المهنة لا يجعلون أنفسهم جاذبين للأشخاص الرائعين. وعلاوة على ذلك، فإننا نخبر الناس دون قصد بأننا نعتقد أننا غير جاذبين بسبب الإعلانات التي ننشرها. تأمل تلك الإعلانات، إنها ثابتة لا تتغير، مملة وكئيبة وتقدم وعودًا لا تصدق ولا تبني ثقة. السؤال التقليدي هنا: «لو أنني شخص رائع، هل سأستجيب لمثل هذه الإعلانات؟»

ثمة فكرة أفضل من استخدام الإعلانات، وهي أن تطلب من الأشخاص الرائعين الموجودين فعليًّا بالفريق المشاركة في الفعاليات الاجتماعية والبحث عن المزيد من الأشخاص الرائعين؛ فربما تناولوا العشاء مع بعضهم ليلة أمس. هل ينصحهم أفراد فريقك بالقول: «ينبغي أن تنضم إلى شركتنا؛ إنها مكان رائع بحق!»

لكن هب أنك لا تسلك هذا المسلك (بالرغم من أنه ينبغي عليك أن تفعل ذلك)، بل تقرر التشبث بالإعلانات: دعنا نناقش العناصر التي تجعل إعلانًا ما فعَّالًا بحيث يشجع الأشخاص الرائعين على الانضمام لشركتك. بدايةً، العناوين الرئيسة الرائعة تصنع فارقًا. فمثلًا عنوان رئيس على غرار: «مطلوب أشخاص ذوو شغف وعزيمة» سوف يجذب أشخاصًا ذوي شغف وحماس لقراءته ومِن ثَمَّ الرد عليه (إذا كان ما تبقى من نص الإعلان متسقًا مع الرسالة). فيما يلي مثال جيد:

نحن بحاجة إلى محاسب يستطيع مساعدتنا على الإبداع وليس مجرد الإحصاء والحصر. هل يمكنك فعل هذا؟

إن شركتنا المحاسبية ليست مكانًا مملًّا مثلما ينظر الناس للشركات المحاسبية عادة؛ لأننا شركة تركز على النتائج التي يصنعها المحاسبون. نحن نفعل المزيد والمزيد من أجل عملائنا، ولا يقف الأمر عند حد إجراء الحسابات التقليدية. إننا نركز على مساعدة عملائنا على تنمية وتطوير نشاطهم وعملهم من خلال تطبيق مجموعات جديدة من المهارات. نحن نستخدم أدوات برمجية وموارد جديدة لمساعدة عملائنا على صنع مجد وتاريخ بأنفسهم بدلًا من إعداد تقارير عنه؛ لذا إذا لم تكن محاسبًا «تقليديًّا»، وإذا كنت تريد بيئة عمل جماعي ممتعة وتفاعلًا مع العملاء ومكافآت وتحدياتٍ ونجاحًا وتعلُّمًا متواصلًا، وإذا كنت تتمتع بقدرات فنية قوية، فأرسل لنا سيرتك الذاتية.

الشيء المثير في هذا الإعلان هو أنه لن يشجع الكثيرين من الناس على الاستجابة له، وهذا يعزِّز فرص العثور على أشخاص أكْفاء؛ ومِن ثَمَّ تصبح عملية الاختيار أيسر بكثير.

ما الطريقة التي ينبغي أن تُجرى بها عملية الاختيار؟ الإجابة ببساطة أن تتم بكامل أفراد الفريق! ثمة أسبابٌ بديهية عديدة لذلك، من أهمها أنه بما أن الشخص الجديد الذي سيجري تعيينه سوف يعمل مع الفريق، فإن جميع أفراد الفريق ينبغي أن يشاركوا في اختياره. (السبب الآخر أنهم سيكونون أكثر صرامة في الاختيار منك على الإطلاق!)

بطبيعة الحال، أنت بحاجة إلى إعطاء توجيهات للفريق. ثمة طريقة رائعة لفعل هذا، وهي إضفاء الطابع المنهجي على الأسئلة. فيما يلي بعض الأسئلة التي نعلم أنها تكون مفيدة بحق:
  • ما الأهداف التي وضعْتَها لنفسك؟ (الأشخاص الرائعون لا يجدون صعوبةً في الإجابة عن هذا السؤال بدقة؛ أما الأشخاص الأقل كفاءةً فسوف يجيبون بطريقة عشوائية لا تعكس أهدافًا واضحة.)

  • ما أفضل وأسوأ تجربة مرت بك في وظيفتك السابقة؟

  • ما تعريفك للحياة المهنية الناجحة؟

  • ما نوعية الأشخاص الذين تجد صعوبةً بالغةً في التعامل معهم؟

  • ما الإسهام الأبرز الذي ترى أنك ستقدِّمه للشركة؟

  • ما وجهة نظر معلِّميك عنك؟

  • أخبرني عن ثلاثة كتب أو مقالات قرأتها مؤخرًا.

بعد ذلك أعطِ الفريق إطار عمل لتقييم المرشح للوظيفة. واحرص على تغطية الجوانب التالية:
  • مفعم بالطاقة والنشاط.

  • متفائل.

  • منضبط.

  • قادر على التكيف والتعامل مع المواقف الصعبة.

  • قادر على التعبير عن ذاته على نحو جيد.

  • معنيٌّ بالأهداف.

والآن هب أنك اخترت مرشحًا ما. ما الخطوة التالية؟ حسنًا، بعض الأشخاص الرائعين الذين نعرفهم يُرسلون خطاب تكليف للمُعينين الجدد قبل أن يبدءوا على نحو:
مرحبًا، يسعدنا دعوتكم للانضمام إلى الفريق.
لدينا نظام زمالة؛ لذا عندما تبدأ يوم الاثنين، سوف تقابل السيدة ميتشيل دالتون في الردهة حيث تصحبك في جولة في أرجاء الشركة. سوف تُعرِّفك بالتأكيد على بعض الأشخاص الذين ستعمل معهم.
حتى ذلك الحين، من الأهمية بمكان أن تذهب إلى المكتبة المحلية القريبة منك للحصول على كتابين (هما بمنزلة نبراس تهتدي به شركتنا). الكتاب الأول هو «العادات السبع للناس الأكثر فعالية» بقلم ستيفن كوفي، والآخر بعنوان «رجال الأعمال: الأسطورة والحقيقة» بقلم مايكل جربر. إذا وجدت صعوبة في الحصول على هذَين الكتابَين، يُرجى إبلاغ جون جونز وسوف يُرسل لك نسختَين من مكتبتنا الخاصة.
وعندما تبدأ العمل معنا، وبعد أن تقضي بعض الوقت مع الفريق، أود مقابلتك في مكتبي لمدة ٤٥ دقيقة من أجل التعارف وحتى تخبرني بانطباعاتك حول الكتابين. أتطلع بالفعل لمعرفة أهم ما أثَّر فيك.
من جديد، أهنِّئك على انضمامك إلينا. سيكون أمرًا رائعًا العملُ معك.
الشريك الإداري

يمكنك أن ترى على الفور إلى أي مدى يُحفز هذا الأسلوب الأشخاص الرائعين على أن يصبحوا أكثر روعة من أول يوم. بعد ذلك، سوف يجذب هؤلاء الرائعون غيرهم من الأشخاص الرائعين وهكذا. بالطبع خطاب كهذا يعطي الكثير حول ماهية الشركة وما تقدِّره؛ إذ يعلم المهني على الفور عند التحاقه بشركة كهذه أنه ينضم إلى مكان مختلف بالفعل.

صورة أخرى من هذا الخطاب يستخدمها توم ويديل في شركة «فاناكور، ديبندكتوس، ديجيوفاني آند ويديل». فيما يلي جزء من الوثيقة التي يستخدمها ويديل لجذب الكفاءات الجديدة. لاحظ جانبًا من الصيغة التي تستخدمها، ولكن الأهم أن تلاحظ المعنى الذي تنقله والقيم التي تتحدث عنها.

شركة «فاناكور، ديبندكتوس، ديجيوفاني آند ويديل» هي شركة محاسبية تقدُّمية عامة تُقدم مجموعة متنوعة من فرص العمل في مجالات الضرائب والمحاسبة وتدقيق الحسابات واستشارات تطوير الأعمال والتكنولوجيا. نحن نحرص في شركتنا على تكافؤ الفرص ونعرض أجورًا جذابة وحزمة تنافسية من المزايا. فيما يلي أبرز عشرة أسباب لانضمامك لفريقنا، متبوعة بفرص العمل الحالية. افحصها جيدًا كي تعرف ما إذا كانت مهاراتك تُوافق احتياجاتنا.

عشرة أسباب تحفزك للعمل لدى شركة «فاناكور، ديبندكتوس، ديجيوفاني آند ويديل»

  • (١)

    شركة تعترف بمواهب الأفراد وتُثمنها عن طريق منحهم المزيد من المسئولية بما يتناسب مع قدراتهم.

  • (٢)

    شركة ملتزمة بالنمو من خلال توسيع نطاق الخدمات، ما يؤدي إلى خلق مزيد من فرص العمل.

  • (٣)

    بنية أساسية يجري تدريب الأفراد فيها من جانب أحد المدربين أو الموجهين، ما يزيد من احتمالات تحقيق النجاح.

  • (٤)

    نظام راسخ يتلقى فيه الأفراد تقييمًا لأدائهم.

  • (٥)

    نظام تقييم سنوي رسمي.

  • (٦)

    لجنة موارد بشرية تضمُّ كل مستوى تقريبًا داخل الشركة ما يساعد على تشكيل سياستها.

  • (٧)

    نظام ساعات العمل الإضافية التي يمكن إضافتها إلى رصيد الإجازات.

  • (٨)

    حزمة مزايا تنافسية تشمل خطة التقاعد ٤٠١(ك) مع سداد الشركة للاشتراكات.

  • (٩)

    منح الفرصة للموظفين الراغبين في العمل بنظام الساعات المرنة أو الدوام الجزئي بناءً على احتياجات العمل واحتياجات الموظفين.

  • (١٠)

    الاحتفالات في الشركة هي الأساس وليست الاستثناء.

مكان خاص لبناء حياة مهنية

احصل على أفضل ما في العالمَين

إذا كنت شخصًا طموحًا يتمتع بروح ريادة الأعمال فإن شركة «فاناكور، ديبندكتوس، ديجيوفاني آند ويديل» توفر لك مكانًا خاصًّا لبناء حياتك المهنية.

حجم الشركة كبير بما يتيح نوعًا من التحدي نتيجة لتوافر عملاء متنوعين وذوي جودة عالية، ولكنها صغيرة بما يكفي لمنحك الاهتمام الشخصي الذي سيساعدك على الاستفادة المثلى من إمكاناتك. سوف تكتسب خبرةً كبيرة في جميع الجوانب المحاسبية والضريبية والاستشارية. من اليوم الأول في عملك معنا، سوف يكون بمقدورك الوصول بسهولة إلى الشركاء وجميع أفراد الفريق المهني بما يضمن توجيهًا قيِّمًا.

وتأكيدنا على الاهتمام الشخصي ينعكس في علاقاتنا بالعملاء. فشركة «فاناكور، ديبندكتوس، ديجيوفاني آند ويديل» تسعى إلى تقديم أفضل خدمة ممكنة مصممة بعناية بحيث تناسب احتياجات جميع العملاء. فنحن نؤمن بأن التزامنا بتطوير كل فرد من أفراد الفريق يساعدنا على تحقيق هذا الهدف.

وتوفر لك الشركة التحديات المهنية التي تسعى إليها والدعم الشخصي الذي تحتاجه للتغلب على هذه التحديات. هذا هو أفضل ما في العالمَين.

حقق نموًّا مع شركة «فاناكور، ديبندكتوس، ديجيوفاني آند ويديل»

منذ تأسيس شركة «فاناكور، ديبندكتوس، ديجيوفاني آند ويديل» عام ١٩٦٩، والشركة تحقق نموًّا مستمرًّا. وتُعدُّ الشركة حاليًّا أكبر شركة خاصة للمحاسبين القانونيين في منطقة وسط وادي هدسون، حيث يعمل بها نحو ٥٠ مهنيًّا وأفراد فريق دعمٍ يقدمون مجموعة متكاملة من خدمات المحاسبة والتدقيق والضرائب واستشارات تطوير الأعمال.

لمساعدة الخريجين الجدد على سد الفجوة بين الدراسة الأكاديمية والعمل، يجمع برنامجنا التعريفي بين التدريب والممارسة والكثير من الاهتمام الشخصي بطبيعة الحال. نشدِّد على أهمية أن يصبح الأشخاصُ الذين ينضمُّون إلينا مهنيين يتمتَّعون بتوازن جيد بين جميع الجوانب؛ لذلك نحن حريصون على أن تحصل على خبرة ملموسة في التدقيق وفي ضرائب الشركات والأفراد. خلال عامك الأول، سوف تنخرط مع الإدارة العليا لعملائنا. سوف تُتيح لك منهجيتنا تحديًا مهمًّا، وهو تعلم الكثير وبسرعة.

خلال فترة عملك لدى شركتنا، ستُتاح أمامك الكثير من الفرص التعليمية الداخلية والخارجية. فلدينا إيمان قوي بأن المعرفة الشخصية لدى فريقنا ونموه يعودان بالمنفعة المباشرة على الشركة وعملائنا.

تؤمن شركة «فاناكور، ديبندكتوس، ديجيوفاني آند ويديل» بمكافأة الأداء الجيد. نحن نقدِّم برنامج حوافز شاملًا يجري تقييمه بانتظام للتأكد من قدرته على المنافسة في المجال.

الشركة المثالية: تعليقات أفراد الفريق

التعليقات التالية قدَّمها أفراد فريق شركة «فاناكور، ديبندكتوس، ديجيوفاني آند ويديل» عندما صوتوا لصالح شركتنا للحصول على لقب الشركة المثالية في وادي هدسون. إذا كنت مهتمًّا بالانضمام إلى هذا الفريق الديناميكي، يرجى تقديم سيرتك الذاتية ومتطلبات الراتب بثقة إلى توم ويديل، شركة «فاناكور وديبندكتوس وديجيوفاني وويديل»، صندوق ١٠٠٠٩، نيوبورج، نيويورك ٠٠٠٩-١٢٥٥٢.

«ثمة جانبان بالغا الأهمية بالنسبة لي فيما يتعلَّق بمكان العمل:
  • جودة العمل المؤدى.

  • بيئة العمل.

لا يمكن أن تجد معظم الشركات توازنًا مناسبًا بين هذين الجانبين. أما شركة «فاناكور، ديبندكتوس، ديجيوفاني، آند ويديل» فقادرةٌ على توفير بيئة عمل إيجابية دون فقدان الجودة في العمل المؤدَّى. وهذه الحقيقة تجعل فريق العمل بالشركة فريدًا بحق ومثيرًا للاهتمام بشدة ما يجذبك للانضمام إليه.»

«خلال الموسم الماضي المكتظ بالعمل أذهلني كثيرًا تعاون فريق العمل معي ودعمهم لي الذي فاق توقعاتي في موسم كان بالنسبة لي هو الأسوأ. لقد أثبت أفراد الفريق أنهم أشخاص داعمون رائعون من المفيد والممتع العمل معهم والاعتماد عليهم.»

«شركة «فاناكور، ديبندكتوس، ديجيوفاني آند ويديل» هي الشركة المفضلة لديَّ؛ لأن الثقافة السائدة فيها تقوم على أساس «العمل بجد والاستمتاع بجد أيضًا.» إنها فلسفة ناجحة بحق. إن عثورك على رب عمل يعي ما يقوله ويعد به وتعكس أفعاله فلسفته يعني الكثير بالنسبة لي. أشعر بالامتنان لانضمامي لهذا الفريق الرائع.»

هذا التعليق الأخير يعبِّر بحقٍّ عن كل شيء، أليس كذلك؟

•••

رون: حتى أكثر الناس موهبة لديهم نقاط ضعف بجانب نقاط قوتهم؛ وحيث إن الشركة تُعيِّن موظفين جددًا من أجل خدمة عملائها، ينبغي عليها أن تعتمد على نقاط قوة كل شخص فيها، ولا تكترث كثيرًا من الناحية العملية بنقاط ضعفه. هذا من شأنه أن يخلق بيئة أساسها الكفاءة، بيئة لا تُهدَر فيها الموارد على محاولة حل المشكلات بل يكون شغلها الشاغل اقتناص الفرص. ومثل المدربين الرياضيين الجيدين، يحتاج قادة الشركات إلى التركيز على نقاط قوة الأفراد وتنميتها واستغلالها على نحو يجعلها تغطي على نقاط ضعفهم. وهذه ليست مهمة سهلة، وذلك هو سبب ندرة القادة من مدربي الفرق الرياضية الاحترافية؛ فهم يفعلون هذا الشيء بالضبط من وقتٍ لآخر، وإذا أخفق أحدُ أفراد فريقهم بعد عدة محاولات، يتحمَّلون اللوم عنهم وحُقَّ لهم أن يفعلوا ذلك. هذا هو جوهر القيادة الفعَّالة؛ فمهمة القائد ليست تحفيز محترفيه الذين هم بالأساس لديهم حافز كبير لبذل أفضل ما بوسعهم من أجل الشركة وعملائها، إنما مهمته هي العمل على «ألَّا يُصيبهم الإحباط»؛ فشركاء الشركات ومديروها يكسبون تهكم أفراد فريقهم. مَن ذاك الذي يبدأ عملًا جديدًا بتوجه سلبي؟ غالبًا ما يكون ولاء المهنيين لمهنتهم كبيرًا، لكنهم يكونون أقل ولاءً بكثيرٍ لرب عمل بعينه. وينبغي أن تسعى الشركة إلى تحقيق الولاء من خلال توفير العائد المناسب لموظَّفيها ومساعدتهم على تنمية رأس مالهم الفكري في بيئة تشجع على التعلُّم المتواصل وتمنحهم التقدير والاحترام اللذين يستحقونهما.

هذا هو سبب شغفي بفكرة النظر إلى المشتغلين بالمعرفة باعتبارهم مستثمري رأس مال فكري ومتطوعين في نهاية المطاف. وقيادة المشتغلين بالمعرفة في شركة المستقبل — فيما يتصل بالفعَّالية وتعزيز رأس مالهم الفكري — بمنزلة التحدي الذي يواجه المهن. أحد الجوانب التي يمكننا دراستها، والتي تُعلِّمنا الكثير من الدروس يتمثَّل في القطاع غير الربحي؛ فحتى يتطوع شخص ما بوقته وماله الثمين، ينبغي أن تملك المؤسسات غير الربحية رسالةً ملهمةً وأهدافًا سامية وآمالًا تعقدها على العاملين لديها، وأن تتحمَّل المسئولية عن الأداء والنتائج. هذا ليس قطاعًا يعمل فيه الناس من منازلهم كما يعتقد الكثيرون في عالم الأعمال؛ فالمؤسسات التطوعية في أمريكا يعمل بها نحو ٧ بالمائة من السكان، وهذا القطاع تلقى تبرعاتٍ بلغت ١٧٥ مليار دولار أمريكي في عام ١٩٩٨.

لا يتطوع الناس من أجل المال، لكنهم يتطوعون من أجل السكينة الداخلية وإنجاز أعمال ذات معنى تؤثر إيجابًا في حياة الآخرين. لديَّ إيمان قوي بأن العاملين في القطاع الخاص محفزون بالرغبات نفسها تمامًا، وأنه إذا نُظمَت الشركات وأُديرَت بالطريقة الصحيحة، يمكن أن يحقِّق المهنيون «العاديون» أنفسُهم نتائجَ مبهرة. لاحظ بيتر دراكر أن الحركة التطوعية قد نمت نموًّا هائلًا، وأن الكثيرين من التنفيذيين الذين يعملون بمؤسسات ربحية أصبحوا يُنفقون جزءًا من وقتهم في الأعمال الخيرية. سألهم بيتر دراكر عن السبب، وقد أعطى عددٌ هائلٌ منهم الإجابة نفسها: «لأنني في عملي لا أجد الكثير من التحدِّي ولا أجد ما يكفي من الإنجاز أو المسئولية، كما أنه لا توجد رسالة واضحة، وإنما فعل ما هو في مصلحة الشركة فحسب» (مقتبس في واطسون وبراون، ٢٠٠١: ٤٥). هذا تعليقٌ مُحزن للغاية بشأن أوضاع عالم الأعمال اليوم (لا عجب في أن «ديلبرت» تلك الشخصية الكرتونية قد أصبح محبوبًا للغاية بصوره التي تسخر وتتهكم على كل ما هو مؤسسي). فالمؤسسات الخيرية تنظر لنفسها باعتبارها مجتمعات حقيقية في حين لا تزيد العديد من الشركات المهنية عن كونها مجرد سجلات رواتب وأجور.

ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان؛ فبصرف النظر عن مدى جودة الرواتب والأجور التي ندفعها لموظفينا، إذا عجزنا عن منحهم هذا الشعور بالرسالة والرؤية الرامية إلى تحقيق مستقبل أفضل، فلن نتمكن من الفوز بفخرهم وقلوبهم (تأمَّل تعليقات بول السابقة المتصلة بتعليق صديقه ليود حول «التحول من النجاح إلى القيمة».) صحيح أننا نستطيع أن نحصل من موظفينا على فترات عمل تصل إلى ألفي ساعة سنويًّا، لكن هل سنستنهض قدراتِهم وإمكاناتهم لتحقيق أشياء رائعة؟ فيما يلي الطريقة التي يوضح بها روبرت واطسون أحد مسئولي مؤسسة «جيش الخلاص» هذا الأمر:

ينبغي أن تُحقق الاستفادة القصوى من الرابط الذي يصل بين الفخر والأداء من خلال السعي باستمرار لإزالة العوائق التي تعرقل ربط الموظفين بين ما يفعلونه بالمؤسسة وبين الطريقة التي يُقدِّمون بها خدماتِهم خارجها. هذا هو سبب استمرارانا في إرسال مسئولين مكتبيين وموظفين لمعايشة البرامج على أرض الواقع والتحدُّث مع المستفيدين مباشرةً. ثمة شيء مهم يتعلق بهذا النوع من الفخر، وهو أنه لا يمكنك أن «تغرسه» في مؤسسة ما، مثلما نسمع كثيرًا. فالفخر يُكتسب، وهو ينبع من الأداء المنسجم مع التوقعات التي يتفق عليها الجميع. وأنت تُخاطر بفقدانِ الجائزة التي يمنحها الفخر للمؤسسة إذا تركت ممارساتك تسلبك الانسجام مع أهدافك، مهما كان إعلانك عن نواياك مثيرًا وجذَّابًا. وأول مَن يلاحظون هذا النوع من عدم الانسجام حتى قبل عملائك هم موظفوك. (المرجع السابق: ١٠١)

يقول واطسون موضحًا الجدول الزمني المُضني لزوجين عاديين تابعين لمؤسسة «جيش الخلاص»: «مقابل كل هذا العمل الذي غالبًا ما يبدأ في وقت مبكر وينتهي في وقت متأخر من كل يوم، والذي لا يُتيح إلا وقت فراغ ثمينًا وضئيلًا، يمكن أن يتقاضى هذان الزوجان مبلغًا يقلُّ عن ٤٠٠ دولار أسبوعيًّا (بخلاف مزايا المؤسسة من مسكن وتنقلات). هذا بعد عشرة أعوام عملا فيها مسئولَين بالمؤسسة وبما يشمل مخصصات لطفلَين صغيرَين ينبغي أخذ شئونهما في الاعتبار أيضًا … إن هذا الجدول المنهك بما يتطلبه من مهارات أوسع نطاقًا وتركيز أكثر دقة في الوقت نفسه، يؤدِّي على ما يبدو إلى نوع من الإنهاك الإداري؛ فيوجد دائمًا الكثيرُ جدًّا من الأشياء التي تحتاج إلى أن تؤدَّى، والقليلُ جدًّا من الوقت والموارد. ومع ذلك فإن هذَين الزوجَين يلتزمان بعضوية تستمر طيلة حياتهما ويعملان بسعادة وبكد خلال تقاعدهما. كيف يمكنك تعويض الناس عن هذا النوع من الجهد إذا لم تستطع توفير ما يُشعرهم بالرضا الداخلي وهو أمر جوهري في هذه الوظيفة؟» (المرجع السابق: ٢١١)

كم عدد الدروس المستفادة هنا فيما يتعلق بشركة الخدمات المهنية المستقبلية؟ أتذكَّر دومًا الندوة التي حضرتها في جامعة ديزني في أورلاندو بولاية فلوريدا في سبتمبر ١٩٩٧؛ انطلق الحاضرون إلى منتزه «مملكة السحر» حيث شاهدنا عرضًا رائعًا بالعرائس لفيلم الرسوم المتحركة «الأسد الملك»، وعندما انتهى العرض، لم يُستثنَ أحدٌ من البكاء في المكان. وعندما عدنا إلى القاعة التي عُقدت فيها الندوة، قدَّم المحاضر تعليقًا لخص الأمر كله: «أفخر كثيرًا بعملي مع ديزني لأن زملائي صنعوا عملًا رائعًا كهذا.» يُنسب القول التالي إلى صمويل جولدوين: «إن أهم مقومات الممثل الجيد هو الصدق؛ لأنه إذا كان يستطيع التظاهر بهذا فبمقدوره أن يتظاهر بأي شيء.» لكنَّك لا تستطيع التظاهر بالصدق أو الفخر أو الولاء لفريق ما، فضلًا عن شركة معينة. وزير العمل الأسبق روبرت بي ريتش قال إنه استخدم اختبار ضمائر بسيط عند زيارة إحدى الشركات: «أطرح على موظفي الخط الأمامي عددًا من الأسئلة العامة عن الشركة. وإذا كانت الإجابات التي أحصل عليها تصف الشركة باستخدام ضمائر مثل «هي» أو «هم»، أعلم أن هذه الشركة من نوعية معينة. وإذا كانت الإجابات تصف الشركة باستخدام ضمائر مثل «نحن» أو «نا الفاعلين»، أعلم أن هذه نوعية مختلفة من الشركات» (بروساك وكوهين، ٢٠٠١: ٩٣). فكِّر في الأمر للحظة: «أي نوع من الضمائر يُستخدم في شركتي حاليًّا؟» ثم اطرح على نفسك السؤال التالي: «ما معدل احتفال أفراد فريقي معًا بالنجاحات الكثيرة التي يحققونها؟ وهل يفخرون كثيرًا بعملهم؟» في أغلب الأحيان ينسب قادةُ الشركات الفضلَ إلى أنفسِهم بشأن ما حقَّقه أفرادُ فريقِهم من نمو وتطور، وهي ممارسة تُشبه ما يفعله أولياءُ الأمور الذين يُثنون على أبنائهم لأنهم أحسنوا تربيتهم. إن شركة المستقبل هي مجتمع حقيقي، وليست اتحادًا من الممارسين المنفردين الذين يتشاركون المصروفات غير المباشرة تحت سقف واحد.

لو عدت بذاكرتك إلى وظيفتك الأولى كمهني، لماذا فضلت شركة ما على أخرى؟ هل كان المال السبب، أم المزايا، أم كان ثمة شيء أقل قابلية للقياس وأبعد بكثيرٍ عن الناحية المادية، مثل الأشخاص والثقافة؟ لماذا تركت وظيفتك الأولى؟ هل بسبب المال أو المزايا، أم بسبب عدم التقدير أو غياب التحدي أو عدم الفخر بعملك؟ تلك أسئلة حيوية تصل إلى جوهر السبب وراء تفضيل المشتغلين بالمعرفة الاستثمارَ في شركة دون أخرى. لكن ما مدى تفكير الشركات في الأمر على هذا النحو؟

في حين أن جذب رأس المال البشري إلى الشركة أحد أكثر الأمور أهمية التي تواجه الشركاء، تكمن المفارقة في أن الأشخاص المهمين في الشركة هم أيضًا أكثر الأشخاص انشغالًا؛ ومِن ثَمَّ أقلهم أرجحية للعب دور في هذا الجانب الحيوي، لكن مؤسسات وشركات كبرى مثل «ساوث وست» و«جنرال إلكتريك» و«ديزني» و«ستاربكس» و«نوردستروم» وغيرها، تُعطي مسألة التعيين أولوية قصوى وتخصِّص موارد كبيرة لهذه المهمة. إنها تقضي الكثير من الوقت في التفكير في مرشحها المثالي الذي يفي بمتطلبات معينة؛ وهذا يعتمد عادة على أنماط التفكير أكثر من اعتماده على المؤهلات والمهارات كما أوضح هيرب كيليهر، بل إن بعض الشركات تأخذ في الاعتبار أفراد الأسرة خلال المقابلات الشخصية وتعتبرهم جزءًا من الرصيد الاجتماعي للشركة، وترصد شركات المستقبل معدلات الاحتفاظ بموظفيها ولا تتعلم من إخفاقاتها فحسب بل من نجاحاتها أيضًا. لماذا يترك الموظفون الشركة؟ ما المعايير التي يقول من انضموا للشركة إنها الأهم في تفضيلهم الشركة على غيرها؟ إن مثل تلك الشركات تُنقب عن الموهوبين وتبحث عنهم باستمرار، بل أحيانًا تعيِّنهم قبل أن توفر لهم عملًا. أعلم أن هذه الفكرة الأخيرة قد تبدو نوعًا من الهرطقة، لكننا وجدنا أن إعطاء الأولوية للطاقات الإنتاجية قبل العوائد والإيرادات أمرٌ مهم من أجل تحقيق الشركة معدلات نمو جيدة. ومع ذلك، تنتظر أغلب الشركات حتى اللحظة الأخيرة للتنقيب عن الموهوبين والكفاءات بعدما تكون قد بدأَت فعليًّا العمل بطاقتها الكاملة تقريبًا. إن التعجُّل في التعيين يؤدي إلى الكثير من الأخطاء. والأفضل هو التخطيط المسبق، وربما إضافة الطاقات الإنتاجية أولًا، ثم الخروج وبيع المزيد من الخدمات للعملاء الحاليين أو جذب عملاء جدد (أو كلا الأمرين معًا)، وبهذه الطريقة سيكون لديك الطاقة الإنتاجية جاهزة بالفعل. أيضًا انتبه جيدًا لنوبات الركود الاقتصادي. ففي حين قد يكون عالم الخدمات المهنية أكثرَ مقاومة للصدمات الاقتصادية مقارنة بالاقتصاد العام، يهجر الكثيرون من الناس القطاع الخاص عائدين إلى القطاع العام في أوقات الأزمات، وهذا يتيح فرص تعيينات جيدة. في جميع الأحوال، اجعل التعيين في أعلى قائمة أولويات مسئولي الشركة التنفيذيين، بل حتى اجعلها شرطًا للارتقاء إلى الشراكة. والأفضل من ذلك هو أن تجعل التعيين مسئولية جميع مَن بالشركة. أيهما تفضل في عالم تنافسي؛ أن يبحث قسم شئون العاملين لديك عن الكفاءات والموهوبين، أم أن يبحث جميع العاملين بالشركة عن هؤلاء؟ هذه المهمة هي الأهم بالنسبة لأي شركة تتطلع إلى مزيد من النمو والتطور مستقبليًّا.

•••

بول: لا يمكنك أن تكتفي بمجرد الكلام فيما يتصل بالتعيين، بل عليك أن تفعل شيئًا يُثبت إيمانك بما نقول. فمثلًا، في مؤسسة «ريزالتس أكونتانتس سيستمز»، بدأنا بتصميم إعلان رائع لجذب أفراد الفريق. وجَّه الإعلان المشاركين (وكان هناك المئات منهم) إلى الاتصال برقم خاص. وعندما اتصلوا، سمعوا تسجيلًا صوتيًّا (لأحد أعضاء الفريق) يقول فيه: كم هو رائع العمل في مؤسسة «ريزالتس أكونتانتس سيستمز». بعد ذلك قدم التسجيل وصفًا موجزًا للوظيفة، ثم طلب من عضو الفريق المحتمل أن يترك رسالة مدتها دقيقتان توضح سببَ رغبته في هذه الوظيفة، وما السمات التي يتمتَّع بها، وأنواع الإسهامات التي يمكن أن يقدِّمَها للشركة.

بعد ذلك، استعرض الفريق هذه التسجيلات الصوتية، وفي نهاية الأمر وقع الاختيار على ربع أو ثلث المشاركين للحضور إلى أمسية خاصة يُقدَّم فيها «عرضٌ تمهيدي» كان بحق أشبه بندوةٍ أُعدَّت بطريقة احترافية. في تلك الأمسية، قدم أحد أفراد الفريق عرضًا لتاريخ مؤسسة «ريزالتس أكونتانتس سيستمز» وتحدَّث عن مستقبلها مُبرزًا دور الفريق وقيمنا المؤسسية. وأُخبر أعضاء الفريق المحتملين مسبقًا بأنهم إذا شعروا بأنهم لا يطيقون كل هذا، فبإمكانهم المغادرة في فترة الاستراحة.

بعد فترة الاستراحة، طُلب من كل عضو من أعضاء الفريق المحتملين أن يقف أمام الجمهور ويقدِّم عرضًا مدتُه دقيقة واحدة عن أسباب كونه الشخص المناسب للوظيفة. (وقف أفراد الفريق الحاليُّون في مؤخرة القاعة يدوِّنون ملاحظاتهم). وفي نهاية الأمسية، أُخبر أفراد الفريق المحتملون أن ثمة شخصًا ما من الشركة سوف يتواصل معهم في صباح اليوم التالي ويسألهم عمَّا إذا كانوا يرغبون في الانتقال إلى المرحلة التالية من العملية. وعندما غادر أفراد الفريق المحتملون، قارن الفريق الملاحظات وأعد قائمة موجزة بالمرشحين المحتملين تشتمل لربما على ٥ إلى ١٠ بالمائة من المجموعة.

تضمَّنت الخطوة التالية التي عُقدت على مدى الأمسيات الثلاث التالية عمل أفراد الفريق مع المرشحين؛ حيث أوضحوا لهم التكنولوجيا الفكرية التي كنا قد طورناها وكيفية التعامل معها وصقلها. وفي كل ليلة كان المرشحون يكلفون بواجب منزلي.

وبحلول الليلة الأخيرة، لم يتبقَّ من المرشحين سوى أربعة. وفي تلك الليلة، تعيَّن على كل واحد منهم أن يعرض على الفريق دراسة حالة. وبناءً على دراسة الحالة هذه، اختار الفريق المرشح الأنسب للانضمام إليه.

إذا بدت العملية مضنية بالنسبة لك، فهي كذلك بالفعل. تحدَّث إلى أي فرد من أفراد الفريق الذين خاضوها وسوف يتحدث عما تحتويها من إثارة وتحدٍّ، والأهم من ذلك العلاقات التي كوَّنوها. لقد كان مَن خاضوا هذه العملية بطريقة أو بأخرى متطوعين بحق.

•••

رون: ثمة تأثير صحي آخر للتفكير في إطار جذب رأس المال البشري باعتباره نوعًا من الاستثمار — أو نوعًا من التطوع وذاك هو الأفضل — بمثابة افتراض معارض للحدس: «فالناس» هم من يحملون قيمة وليس «الوظائف». لا توجد سوق للوظائف في حد ذاتها إنما توجد سوق للناس؛ ومِن ثَمَّ فإن القضية هي تقدير قيمة الناس وليس الوظائف على النحو الصحيح. قد تبدو الوظائف ثابتةً في معظم الشركات، لكنها ليست كذلك في واقع الأمر. فالوظائف في أي اقتصاد ديناميكي ليست مسألة مكسب وخسارة، بل هي محدودة فقط بنطاق تخيل المشتغل بالمعرفة وهي ليست سلعة نادرة على الإطلاق. إن الأفراد وليس الوظائف هم من يتجاوزون الأداء المتوسط أو لا يبلغونه. والأفراد هم من يتركون الوظائف ويقرِّرون استثمار رأس مالهم الفكري في مكان آخر؛ أما الوظائف فلا. وتحتاج شركة المستقبل للنظر إلى المشتغلين بالمعرفة باعتبارهم يملكون جوانب من مسئولية موكلة أو عضوية فريق أو جوانب تركيز معينة متمركزة حول العملاء. لقد صارت فكرة «وظيفة ثابتة» لمشتغل بالمعرفة فكرة بالية.
إذا أردت دراسة الكثير من الاستطلاعات التي أُجريت على مدى عقود حول أسباب اختيار المهنيين شركةً ما دون أخرى — وأسباب إظهارهم الولاء بمرور الوقت لشركة ما، في واقع الأمر — فالأرجح أنك ستصل إلى أربعة عوامل رئيسة تُؤخذ في الاعتبار (انظر أين أنت من الفئات التالية، لا سيما فيما يتعلق بأسباب اختيارك الشركة الأولى التي عملتَ بها وربما أسباب تركك لها حتى تتأكد ما إذا كانت تلك القوائم منطقية ومفيدة):
  • العوائد الجوهرية: هذه هي العوائد التي تمثِّل جزءًا أصيلًا من العمل نفسه. فعوامل مثل التحدي الذي ينطوي عليه العمل ومستوى الالتزام برسالة ما وقيم المؤسسة والبيئة المحفزة على الإبداع والاستمتاع (أجل، الاستمتاع) والثقافة الاجتماعية للشركة هي بالضبط العوامل التي تجعل الناس يهبون قلوبهم وأبدانهم وعقولهم لمؤسسات العمل التطوعي التي يعملون لديها. فمنبع الرضا هو أداء العمل على نحو جيد وصنع فارق في هذا العالم.
  • فرصة النمو: كيف ستساعد الشركة الأشخاص على تنمية رأس مالهم الفكري؟ هل ستمنحهم مساحةً للنمو والتحسن؟ وهل ستستثمر مستوى مناسبًا من الموارد في تعليم العاملين بها على تعزيز رأس مالهم الفكري؟ كيف ستعزِّز العلاقة مع الشركة المهارات المهنية لدى العاملين بها وأيضًا كيف ستساعدهم على أن يصبحوا أفضل حالًا على المستوى الشخصي؟
  • الإشادة بالإنجازات: كيف تُثني الشركة على الأداء المتميز بما يشمل الترقية وإتاحة الفرصة للمشاركة في استراتيجية الشركة وإدارتها؟ كيف تُنشر هذه الإشادة بين أفراد الشركة الآخرين أو المجتمع؟ هل لدى الشركة «رواة»، أو بعبارة أخرى أفراد يقصُّون روائع الماضي والدروس المستفادة منه لتكون مصدر إلهام للعاملين لديها مستقبلًا حتى يحقِّقوا المزيد من التميز؟ هل لدى الشركة ثقافةُ الاحتفاء بالنجاح أم أنها تقضي معظم وقتها في حل المشكلات وتخفيف الأزمات؟
  • العوائد الاقتصادية: وهذه تشتمل على الرواتب والمزايا وغير ذلك من العوائد التي يتلقاها العاملون من شركتهم. اليوم يزداد التأكيد على فكرة التوازن بين العمل والحياة، وهو شيء لا تهتم به الشركات الكبرى بالقدر الكافي بالرغم من أن هذا الأمر في طريقه للتغيير. هل ثمة ارتباط قوي بين فعالية العاملين وقيمتهم بالنسبة إلى الشركة وما يحصلون عليه من مقابل؟
عُد بذاكرتك إلى الوراء في مسيرتك المهنية وحاول أن تتذكر رئيس عمل — لا أحب هذه الكلمة، دعنا نستعيض عنها بكلمة قائد — احترمته بحق، وكنت تنظر إليه بتقدير وإعجاب؛ ربما كان حتى مرشدًا أو موجهًا. قد تكون العلاقة بالقائد هي أهم عامل في تحديد ما إذا كنت ستستمر في شركة ما أو ستتركها. وكما أوضح أحد المحاضرين في جامعة ديزني، «الناس لا يتركون الشركات، هم يتركون القادة في تلك الشركات.» ألَّف ديل داوتِن كتابًا صغيرًا رائعًا بعنوان «رئيس العمل الموهوب: كيف تجد موظفين رائعين وتصنعهم وتحتفظ بهم؟» وإني لأحثك على قراءته. فيما يلي جانبًا من أفضل نصائحه:
يتمثل النمط التقليدي في التفكير في أنك تستطيع تعيين شخص ما تحتاج إليه بعرض راتب أعلى بنسبة ٢٠ بالمائة. حسنًا، جرِّب أن تعرض حرية أكثر بنسبة ١٠٠ بالمائة أو استمتاعًا أكبر بنسبة ١٠٠ بالمائة … فرؤساء العمل الموهوبون والموظفون الرائعون يحتاجون إلى الأشياء نفسها من مكان العمل:
  • التحرُّر من الإدارة والروتين والحمقى.

  • التغيير.

  • الفرصة. (داوتن، ١٩٩٩: تصدير، ٧٤)

لنبدأ في تهيئة بيئة جديرة باستثمار البشر. ثمة اختبار أحادي البعد مفضل لديَّ لخلق ثقافة جديرة باحترام وتقدير الأشخاص الذين تحاول جذبهم. هذا الاختبار هو أن تطرح عليهم سؤالًا بسيطًا: «هل تريد أن يعمل ابنك أو ابنتك في شركتك؟»

•••

بول: أو على نفس المنوال، هل ترغب «أنت» في العمل لدى شركتك؟ عندما تبدأ في التفكير في مسألة رأس المال البشري، إنما تفعل ذلك وأنت تعلم أنه منذ عام ١٩٩٥ (على أقل تقدير!) كانت الشكوى السائدة بين أصحاب شركات الخدمات المهنية هي: «من الصعب أن تعثر على أشخاص جيدين حاليًّا.» عندما تسمع هذه الشكوى للمرة الأولى، تعترف قائلًا في نفسك: «أجل، الأمر صعب، أليس كذلك؟» لكن بعد فترة، تتخذ نهجًا مختلفًا يعترف بشيء ضمني تنطوي عليه تلك الشكوى وهو: «أنا ضحية الظروف.»
أتذكر أحد أصحاب شركات الخدمات المهنية الذي يندب حظه قائلًا: «كل هذا جيد، لكن أنت لا تستطيع في واقع الأمر العثور على الأشخاص الجيدين هذه الأيام.» فاقترحت عليه أن يجرِّب قول الجملة مرة أخرى لكن باستخدام ضمير المتكلم «أنا» بدلًا من «أنت». ومِن ثَمَّ أصبحت الجملة على النحو التالي: «كل هذا جيد، لكن أنا لا أستطيع في واقع الأمر العثور على الأشخاص الجيدين هذه الأيام.» كان جورج برنارد شو ليفخر بهذا؛ فقد قال ذات مرة: «دائمًا ما يُلقي الناس باللائمة على الظروف. أنا لا أومن بالظروف. من يتميَّزون في هذا العالم هم الأشخاص الذين ينهضون ويبحثون عن الظروف التي يريدونها، فإن لم يستطيعوا إيجادها، فإنهم يصنعونها.» الفكرة بالطبع هي أن الأشخاص الجيدين يذهبون في مكان ما؛ هم فقط لا يأتون إليك. بمجرد أن تدرك ذلك، سوف تطرح على نفسك سؤالين مهمين:
  • لماذا لا يرغب الأشخاص الجيدون في الانضمام إلى شركتي؟

  • لو كنت مكانهم، هل كنت سأرغب في الانضمام إلى شركتي؟

الشيء المحزن أن الإجابة التي حصلتُ عليها من العديد من أصحاب شركات الخدمات المهنية عند طرح السؤال الثاني عليهم كانت بالنفي. ولم ينتَبْني كثيرُ استغراب في أحيان كثيرة. فالعمل لديهم غير مثير للاهتمام ونمطي وغير معني بالنتائج، والشيء نفسه ينطبق على المكان الذي يُؤدَّى فيه العمل. وفوق هذا، الأرجح أنك تطلب من العاملين تدوينَ ما ينجزونه من عملٍ في كل ست دقائق من اليوم (بسجل ساعات العمل وكأن ساعة إيقاف قد رُبطت حول أعناقهم).

يفهم الجميع أنه ينبغي إضفاء شيء من «الاختلاف» على خدماتنا بطريقة ما أو بأخرى كي نجعلها أكثر جاذبية للمشتري. لكن القلةَ القليلةَ تفهم ذلك من وجهة نظر أفراد الفريق. بالتأكيد، أعضاء الفريق المحتملون مشترون أيضًا بطريقة ما أو بأخرى. فهم لديهم خيارات متعددة. فما الذي يفرض عليهم أن يهبوا لك قلوبهم وعقولهم وأنفسهم؟ وما الذي يحفزهم على أن يكونوا موظفين لديك؟

جميعنا يحتاج إلى الاعتراف بالقوة المذهلة للكلمات والتصنيفات. فهي تستطيع أن تعمل من أجلك إيجابًا أو سلبًا. فإذا سألت مثلًا شخصًا قريبًا منك: «كيف حاله اليوم؟» غالبًا ما ستكون إجابته: «لست سيئًا.» يا له من رد مرعب! إنه يُعبر عن يوم «ليس سيئًا» مقابل يوم رائع. فلنواجه الأمر، إذا لم تكن سيئًا، فلا بد أن تكون بخير. والتحول البسيط من «لست سيئًا» إلى «أنا بخير» تحول عميق فيما يتعلق بالتأثير الذي يُحدثه (أجل، يمكنك أن تبالغ بقولك مثلًا: «رغم أنني في غاية السوء، فإنني أتحسن»).

هذا أحد الأسباب وراء أن كل فريق توليتُ تأسيسه يحظر استخدم النفي المزدوج؛ فالعقل لا يمكن أن يقبل هذا إذا كنت تفهم ما أقصده، وهو أيضًا السبب في كون كل شركة تعاونتُ معها تمنع استخدام كلمة «موظف». تأمل ما توحي به الإجابة عن السؤال الذي يُطرح على صاحب شركة ويُطلب منه فيه وصف شركته. غالبًا ما ستسمع إجابةً من قبيل: «لدينا ثلاثة شركاء و١٨ موظفًا.» وفي الظروف الاستثنائية، ستسمع من يجيب: «نحن الشركاء نفهم الطريقة التي تسير بها الأمور أما أنتم الموظفون فلا.» لذا كخطوة أولى للاعتراف بقيمة رأس مالك البشري، يمكنك تغيير التصنيف. من الآن فصاعدًا اعتبر العاملين لديك «أفراد الفريق».

قد تستطيع بعد ذلك اتخاذ بعض الخطوات الإضافية التي من شأنها أن تجعلك أكثر جذبًا للكفاءات والموهوبين. تأمل حالة هاري روزنبرج في ملبورن بأستراليا، لكن أولًا فكِّر في حل هذا اللغز السريع القائم على الاختيار من متعدد: أخذت إحدى عضوات الفريق إجازة وضع، وبعد أن وضعت رضيعها بستة أسابيع، اتصلت بك لتخبرك بأنها تريد العودة إلى العمل بأسرع وقت ممكن، لكنها أشارت إلى أنها ستضطر إلى إحضار رضيعها معها إلى العمل. هل ستقول:
  • (١)

    «رائع، نسعد بوجودكما أنتما الاثنين معنا هنا.»

  • (٢)

    «سوف نوفر الرعاية لرضيعك خلال عملك.»

  • (٣)

    «أوه، أرغب في ذلك، لكن لا أعرف ما إذا كان هذا ممكنًا أم لا.»

  • (٤)

    «سوف يصلك رد مني قبل نهاية الأسبوع.»

أعتقد أن القلة القليلة منا سوف تختار الإجابة الأولى. وهذا بالضبط ما فعله هاري روزنبرج. والتأثير حسب قوله كان مذهلًا. ولقد تأكدتُ من ذلك بنفسي أيضًا، وأشعر بقدرٍ من الانبهار يكفي لأن نوصيَ بالأمر نفسه باعتباره استراتيجية مهمة لبناء الفريق. لنتحدث أكثر عن الأمر حتى تستطيع أن تفهم السبب.

أولًا: ينبغي أن تفهم أن حزمة «الفريق وأسلوب الحياة والرعاية» أمر جوهري لشركة روزنبرج. إنها تتجاوز مجرد الاهتمام والرعاية، وأساسها هي أن أفراد الفريق لهم أولوية «قبل» العملاء. أليس من المثير للاهتمام أن يأتي أفراد الفريق قبل العملاء من حيث أولوية الاهتمام؟

عبَّر روزنبرج عن الأمر بقوله: «نُدرك أنه كي يقدِّمَ أفراد فريقنا أفضل خدمة ممكنة لعملائنا، ينبغي أن نعتنيَ بهم بطرق استثنائية.» إن حزمة «الفريق وأسلوب الحياة والرعاية» هي في ذاتها وثيقة مذهلة تتألَّف من ثلاثين صفحة وتُعطَى لجميع أفراد الفريق الجدد (والحاليين بطبيعة الحال). إنها تتحدث عن الاهتمام والتقدير لأفراد الفريق وعن التحسُّن المستمر وعن التفويض وعن أداء العمل، وعن الأهمية البالغة للنهج القائم على العمل بروح الجماعة.

تقدِّم الوثيقةُ تفاصيلَ التزام الشركة بأن تكون مؤسسة تعليمية؛ وهي مُعززة بجلسات تدريب تُعقد مرتين كل شهر من جانب شركة استشارية خارجية، إضافة إلى اجتماع إفطار للمحاسبين، وكلا الأمرَين يمنح الشركة التركيز على المشكلات. والأهم من ذلك أن وثيقة «الفريق وأسلوب الحياة والرعاية» تتضمن التزامًا قويًّا ﺑ «التطبيق العملي» لها.

لنعد من جديد إلى الرضيع. عندما تلقَّى روزنبرج المكالمة الهاتفية من عضو الفريق (لنطلق عليها كارين)، التي ودَّعتها الشركة قبل ذلك بثمانية أسابيع، كان الالتزام بالتطبيق العملي محور تركيزه؛ لذا لم يتردَّد في قبول طلب كارين. هو يتذكر قائلًا: «لم أكن أعرف كيف سندبِّر هذا الأمر، لكنني كنت أعلم أننا سنجد حلًّا بطريقة ما أو بأخرى.»

فيما يلي الطريقة التي دبَّر بها الفريق الأمر: جهَّز الفريق المكوَّن من ٣٥ عضوًا مكتبًا خاصًّا لكارين وطفلها. (يتذكر روزنبرج أنه جعل مكتبها في الطابق نفسه الكائن به مكتبه.) سعى جميع أفراد الفريق بطرق شتى وعديدة من أجل جعل كارين وطفلها يشعران بالارتياح والترحيب. والأهم من ذلك، وفقًا لروزنبرج، الطريقة التي أسهم بها وجودُ الرضيع في جعل الجميع يعيشون تلقائيًّا ثقافة «الفريق وأسلوب الحياة والرعاية».

يسلِّط روزنبرج الضوء على الأمر نفسه بوصف أحد أفراد الفريق. يقول روزنبرج: «كان جون دائمًا مشغولًا. فإذا سألته سؤالًا، لم يكن يرفع رأسه ليجيبك؛ إذ لم يكن يعرف سوى العمل؛ نادرًا ما كنت تراه يبتسم. ثم في أحد الأيام، دخلتُ أحد اجتماعات الفريق ولاحظت جون وهو يهدهد الطفل على ركبته وعلى وجهه ابتسامة عريضة، بل إنني لاحظت قيء الطفل على ظهر قميصه لكنه لم يكن متضايقًا من ذلك على الإطلاق. أخذ يلاعب الطفل وهو يشارك في الوقت نفسه في الاجتماع كما لو أن شيئًا قد حدث. وقد احتفظ بتلك الابتسامة من حينها.»

تسعى الشركة لأن تصبح مكانًا يفخر العاملون فيه بكونهم جزءًا منه، وهذا الهدف يمكنك أن تراه وتحسَّه، كما يمكنك أن ترى وتستشعر التأثير الذي أحدثه الطفل وثقافة «الفريق وأسلوب الحياة والرعاية» في كل مرة تذهب فيها إلى مكتب روزنبرج. فأولًا تُقابَل بترحاب من موظفي الاستقبال الذين يعرضون عليك بعض المرطبات ويقدمون لك أيضًا على شاشة الكمبيوتر عرضًا تقديميًّا مليئًا بالعبارات والأقوال التحفيزية.

وينعكس هذا الأمر على وجه روزنبرج وعلى ما تحققه الشركة من إيرادات. فهي تحتل المرتبة الخامسة عشرة فيما يتصل بالإيراد الذي يحققه كل فرد من أفراد الفريق ضمن أفضل مائة شركة خدمات مهنية في أستراليا. يقول روزنبرج: «خلال الثلاثين عامًا التي قضتها شركتي في المجال، لم أكن أسعد حالًا قط من الآن.» يبدو الأمر لي أشبه بوصفة نجاح.

وقد شهدتُ وصفة نجاح مماثلة تُعد في نورثفيلد بولاية إلينوي في شركة «ليبشوتز، ليفين آند جراي». فقد توصل الشريك الإداري السابق ستيف سيجل إلى طريقة فريدة بحقٍّ لإنجاز العمل؛ طريقة إذا جرى محاكاتها فستحسن كثيرًا من أداء الكثير من الشركات إن لم يكن جميعها. يوضح سيجل أن المكتب اعتاد أن يكون «تقليديًّا» كأفضل وصف له. ذات يوم، في أحد اجتماعات الفريق (التي سنتحدث عنها أكثر في وقت لاحق)، لاحظ أحد أعضاء الفريق أن باب مكتب سيجل يبدو دائمًا مغلقًا، فعلَّق قائلًا: «إن هذا من شأنه أن يصنع عوائق نحن في غنًى عنها.» سأل سيجل ذلك الرجل المنفتح والمتحمس: «إذن ماذا نفعل في رأيك؟» وأخذا يتباحثان الأمر، وقررت الشركة (أو الفريق) إزالة جميع الجدران حرفيًّا (أجل جميعها) التي تفصل بين المكاتب ليصبح المكان بأكمله ساحة مفتوحة. لا توجد مكاتب ثابتة أو أماكن محددة لجلوس العاملين (باستثناء قاعة مؤتمرات مخصصة للعملاء، وهي نفسها مختلفة للغاية). بل إنه توجد كابينتان للهاتف مطليتان باللون الأحمر في وسط هذه الساحة المفتوحة، وهما مخصصتان للاتصالات الهاتفية الخاصة.

نتيجة لذلك، قلَّل المكتب مساحته من ١٦ ألف قدم مربعة إلى ٦٠٠٠ قدم مربعة فقط (وهذا أيضًا أُضيف إلى المحصلة النهائية). لكن وفقًا لسيجل، كان هذا فقط الجانب الأدنى من تأثير المحصلة النهائية. فزائرو مكاتب الشركة يلاحظون التغيير على الفور (بالرغم من أن استقبال المكتب تقليدي إلى حد كبير باستثناء شاشة العرض التي تعمل باستمرار وتعرض أقوالًا واقتباسات تحفيزية مرتبطة بالعمل.) لكن بمزيد من المعاينة، نجد أن ثمة مكانًا مخصصًا لوضع المكاتب المصممة تصميمًا خاصًّا والمزودة بعجلات وأدراج حفظ الملفات المصممة تصميمًا خاصًّا والمزودة بعجلات كذلك. في الواقع، كل شيء مزود بعجلات!

عندما يصل الفريق في الصباح، يتجهون بمكاتبهم حيث يريدون أن يقضوا يومهم، كأن يتجهوا إلى جوار مجموعة عمل تُعدُّ شيئًا ما لعميل معين. والنتيجة أنه عندما تدخل المكان يستحيل أن تعرف من الشريك ومن ليس بالشريك. ثمة تأثيران لذلك يتضحان على الفور: لا أحد يمكنه أن يختبئ، ومجموعات العمل فائقة الإنتاجية.

ولا تعقد الشركة اجتماعاتٍ للشركاء بالمعنى الصارم (والممل) للكلمة. تخيَّل شركة متعددة الشركاء بلا اجتماعات لشركائها. وفقًا لما يقوله سيجل، لا توجد حاجة فعلية لتلك الاجتماعات؛ لأن مستويات التواصل مرتفعة للغاية بطبيعة الحال.

قد يقول البعض: «حمدًا لله! لا بد أنه مكان أفضل.» وقد يراه البعض «مكانًا خارج نطاق السيطرة ومنخفض الأرباح ومشتَّتًا وسيئًا على نحو يتعذر العمل فيه.» أما هذه الفئة الثانية، فهم بالتأكيد مخطئون. لقد توصل ستيف سيجل إلى طريقة فريدة بحق لإنجاز العمل والتي أدت إلى نمو سريع لم يشهدوها من قبل. وكان التأثير ملحوظًا. خلال زيارتي، أراد جميع مَن كانوا برفقتي من المحاسبين القانونيين في ذاك اليوم استيفاء استمارات تعيين هناك.

(٢) الاحتفاظ برأس المال البشري لشركتك

ينبغي علينا تحفيز موظفينا وتدريبهم والعناية بهم وتمكينهم من تحقيق النجاح … نحن نعلم أننا إذا عاملنا موظفينا بطريقة صحيحة، فسوف يتعاملون مع العملاء بطريقة صحيحة أيضًا. وإذا عُومل العملاء بطريقة صحيحة، فسيعودون إلينا من جديد.

جيه دبليو ماريوت الابن، رئيس مجلس إدارة ورئيس شركة «ماريوت»
رون: يشكل بيان القيمة الداخلي لدى فيدكس — «الأفراد-الخدمة-الربح» — دائرة حميدة. لقد تعلمت الشركات الممتازة أنها عندما تضع أفرادها في المقدمة — حتى قبل عملائها — فسوف تتمكَّن من تقديم خدمة ممتازة لعملائها ما يعزِّز أرباحَها في نهاية المطاف. فالطريقة التي تتعامل بها الشركة داخليًّا مع أفرادها ستعكس بوضوح الطريقة التي يتعامل بها أفراد الشركة مع العملاء الخارجيين. وكما أوضح جيمس سي ويذرب، مرشد تدريب مديري فيدكس في كتابه «العالم في الموعد المحدد: المبادئ الإدارية الأحد عشر التي جعلت فيدكس تشتهر بسرعة البرق»: «لقد أصبحت حقوق وقيمة الحياة البشرية محور الاهتمام الرئيس للثورة الاجتماعية في العالم الصناعي … فمنذ إنشاء فيدكس، وهي تضع العاملين فيها على قمة قائمة أولوياتها؛ لأن هذا هو الصواب ولأن هذا أمر فعال من الناحية العملية أيضًا.» وقد استجاب العاملون في فيدكس بالطريقة نفسها. ففي نهاية إحدى فترات دفع الأجور خلال الأيام الأولى الصعبة للشركة، تسلَّم الموظفون مذكرة بجانب شيكات أجورهم. المذكرة المُرسلة من فريد سميث أشارت إلى أنهم مُرحب بهم لصرف شيكاتهم، لكنه اقترح أنه قد يكون من المفيد إذا انتظر البعض منهم بضعة أيام فقط. وحتى ذلك اليوم، لم تُصرف بعض الشيكات. ويعرض أصحابها إياها بفخرٍ كتَذكار مشرف على جدران مكاتبهم في فيدكس. هل يشعر موظفوك بشعور مشابه بالولاء لشركتك؟ (ويذرب، ١٩٩٦: ١٥).

يمكن لشركات الخدمات المهنية أن تشكو من حقيقة أن أبناء الجيل «س» أو «ص» ليس لديهم نفس ولاء آبائهم، لكن الولاء مسألة تستلزم التبادل والأخذ والعطاء؛ إذ ينبغي اكتسابه. فليست هناك شركة تستحق الولاء سواء من جانب عملائها أو من جانب العاملين فيها حتى تفعل شيئًا يمكنها من اكتسابه. الولاء ليس معدومًا في عالم الأعمال لكن تحقيقه أمر صعب. والسؤال الذي ينبغي أن تطرحه الشركات على العاملين فيها: «هل تستحق الشركة ولاءك؟» إن قياس مدى الرضا الوظيفي ليس كافيًا لضمان الولاء، والشيء نفسه ينطبق على قياس مدى رضا عملائك. يمكن أن تسجِّل شركتك درجاتٍ مرتفعة جدًّا في استبيانات العملاء أو فرق العمل، ويظل كلاهما في حاجة إلى بديل أفضل. ببساطة لم يعد رضا العملاء ورضا أعضاء الفريق كافيَين. الشيء المهم ليس «الرضا الحالي» وإنما «الرضا المتوقع»، وهي عبارة تعني «التوقعات» أو «الآمال». فإذا كانت آراء العملاء أو فرق العمل لا ترقى إلى التوقعات، فإن لديك خللًا ما في مستقبلك. فالرضا يقيس الماضي والولاء المستحق يقيس المستقبل. هل تبذل شركات الخدمات المهنية القدر الكافي من الجهد من أجل كسب ولاء أفراد فرقهم؟ تأمَّل هذه الدراسة التي أُجريت في ديسمبر ١٩٩٩ وشملت ٦٣٥٧ عاملًا. هذه الدراسة أجرتها مؤسسة «راندستاد نورث أمريكا» التي عرضت تلك الأسباب المهمة التي ذكر العاملون أنها تحفزهم على البقاء في شركتهم الحالية: العلاقة الوثيقة بزملائهم في العمل (٧١ بالمائة)، بيئة العمل المحفزة (٦٨ بالمائة)، سهولة الوصول من مكان العمل وإليه (٦٨ بالمائة)، روح التحدي في العمل (٦٥ بالمائة)، ساعات العمل المرنة (٥٤ بالمائة) (كانتر، ٢٠٠١: ٢٠٥). أظهر استبيان آخر أُجري على متخصصي الموارد البشرية أن «٦٨ بالمائة وافقوا على أن العاملين عن بعدٍ لدى شركاتهم ليسوا أكثر صعوبة في إدارتهم من الموظفين العاملين بمقر شركاتهم.» وبدءًا من عام ٢٠٠٠، أصبح عدد من يعملون عن بُعد يتراوح بين ١١ و٢٢ مليون أمريكي على الأقل يومًا واحدًا كل أسبوع (المرجع السابق: ٢١٣). من الواضح أن العمل عن بُعد أكثر سهولة في إنجازه بالنسبة للمشتغلين بالمعرفة، فلماذا إذن تُصرُّ الشركات على إخراج هؤلاء الأشخاص من بيوتهم ليشكلوا عبئًا مروريًّا في ساعات الذروة في الوقت الذي يمكن فيه أن تستفيد بعقولهم وهم في بيوتهم؟

تعي الشركات الكبرى اقتصاد ولاء أفراد الفريق، وهذا هو سبب أنها بدأت في التباحث حول مفهوم «قيود المعرفة». ثمة دراسة أخرى أجرتها شركة «إيه أون» أظهرت أن «أكثر الطرق فعالية في تعزيز ولاء الموظفين هو زيادة فرص نموهم» (ستيوارت، ٢٠٠١: ٢٨). ما هو الحافز؟ إحدى الشركات الأربع الكبرى وجدت أنها توفر ٢٥ مليون دولار لكل تراجع نسبته ١ بالمائة في معدل ترك العاملين لها. فاستراتيجية تغيير العاملين باستمرار أو «إما الترقي وإما مغادرة العمل» قد انقضى عهدها. ففي بيئة العمل الشديدة التنافسية اليوم وفي ظل ندرة الكفاءات والموهوبين وصعوبة العثور عليهم، لم يعد منطقيًّا تغيير أهم مصدر لديك لرأس المال الفكري، وهم أفراد فريقك، على نحو متكرر. وبما أننا نعلم ما يحفز أفراد فرقنا على البقاء لدى شركة بعينها (خضعت هذه القضية للدراسة المكثفة من قِبَل عدد هائل من الشركات والمؤسسات والهيئات الحكومية وغيرها من المنظمات.) فلماذا إذن لا تتصرَّف سوى القلة القليلة من الشركات بناءً على تلك المعلومات؟ تأمَّل هذا الاستبيان الذي أُطلق في منتدى الموظفين التابع للمعهد الأمريكي للمحاسبين القانونيين، والذي انعقد في برومفيلد بولاية كولورادو. الدراسة التي أجرتها مجموعة العمل المعنية بالتوظيف والتابعة ﻟ «قسم ممارسات الشركات الخاصة» في نوفمبر وديسمبر ٢٠٠٠ شملت ٥٥٨ موظفًا غير شريك لدى الشركات الأعضاء في «قسم ممارسات الشركات الخاصة» من جميع الولايات الخمسين وبورتوريكو للتأكيد على عناصر الرضا الوظيفي بين أعضاء فريق العمل الذين يحظون بقدر عالٍ من التقدير (وفقًا لتقارير المحاسبين القانونيين الممارسين):

في حين قال المشاركون إن نظام الإجازات الممنوحة مقابل وقت العمل الإضافي وكذلك نظام المكافآت هما أهم سببين للانضمام إلى شركة ما أو الاستمرار فيها، لم يقدم سوى ٥٨ بالمائة من الشركات هذه المزايا. وهذا يدل على أن الشركات عمومًا لا توفر المزايا التي يرغب فيها الموظفون بالفعل. كما أن التأمين الطبي للمُعالين وبدلات الإعاقة يحتلان مرتبة عالية على قائمة رغبات الموظفين.

رأى نحو ٨٨ بالمائة ممن شملهم الاستبيان أن «احترام الأمور المتعلقة بالتوازن بين العمل والحياة» أمر حاسم في بقائهم لدى شركة بعينها اليوم. يوجد لدى الموظفين أولويات مختلفة، وهم يريدون من شركاتهم أن تعي جيدًا أهمية التوازن بين حياتهم المهنية والشخصية.

بالرغم من أن ٧٥ بالمائة يوافقون على أن الإدارة تشجع النمو المهني وامتلاك حصص ملكية بالشركة، وبالرغم من أن ثلثَي المشاركين يعتقدون أنهم يُحفَّزون على شَغْلِ مناصب عليا في الشركة، لم يُعبر سوى ٣٧ بالمائة منهم عن اهتمامهم الكبير بأن يمتلكوا حصصًا بالشركة. بعبارة أخرى، لم يخطط حتى بجدية لتعقُّب فرصة امتلاك حصص بالشركة سوى نحو ثلث الموظفين الذين يجري تحفيزهم لذلك الأمر. ينبغي أن يعي أصحاب الشركات الحاليون هذا الأمر، وأن يخططوا للمستقبل بناءً على ذلك، ربما عن طريق تبنِّي خطة بديلة لمن سيخلفهم.

من بين هؤلاء الذين قالوا إنهم غير مهتمين بأن يصبحوا أصحاب حصص ملكية بشركاتهم، يقول ٧٥ بالمائة إن ذلك لا يعيق نجاحهم المهني، لكن لم يذكر سوى ٣١ بالمائة أن شركاتهم قد حددت مسارات مهنية بديلة.

تقارير الأداء الخاصة بالمشاركين عادة ما تكون شفيهة وتحريرية؛ يرى ٦٢ بالمائة أن تقرير الأداء في الشركة يستلزم حوارًا مثمرًا ومتبادلًا بين الإدارة والموظف؛ بحيث يتأتَّى لكِلا الطرفين التعبير عن أفكاره ومخاوفه بارتياح. ومن لديهم «مرشد» داخل الشركة لا تتجاوز نسبتهم ٤٥ بالمائة.

يشعر٩٢ بالمائة من المشاركين بالسعادة كونهم جزءًا من شركة محاسبية، لكن يرى ٦٩ بالمائة منهم فقط أنهم لا يرغبون في تكرار هذا الاختيار. والمسارات المهنية البديلة الشائعة هي التدريس والقانون وتكنولوجيا الحاسبات والطب والهندسة.

ما الذي يمكنك أن تفعله لتعيين الموهوبين والكفاءات المتميزة لديك والاحتفاظ بهم؟ يرى عدد كبير من المشاركين أن التقييم والتقدير وإمكانية التواصل مع القيادات عوامل تحفيز رئيسة. وعندما سألنا المشاركين عن الشيء الذي يريدون أن يُخبِروا به إدارة شركتهم، كانت الإجابات على النحو التالي:
  • المزيد من الاجتماعات مع العاملين! نريد أن نعرف ما يحدث.

  • الإصغاء إلى الموظفين.

  • البحث عن طرق جديدة تستطيع بها الشركة تحقيق النجاح.

  • تحسين المهارات الإدارية لدى الشركاء.

  • تعيين المزيد من العاملين الأَكْفاء.

وعندما طُرح عليهم سؤال حول الأشياء التي تحفزهم للعمل بذكاء/بكد أكثر، ذكر المشاركون الأشياء التالية وفق الترتيب التالي:
  • (١)

    المكافآت أو الحوافز.

  • (٢)

    التقدير عند إنجاز مهمة على نحو جيد.

  • (٣)

    الزيادات السنوية في الأجور.

الشيء الذي يتضح جليًّا من هذا الاستبيان وغيره من الاستبيانات التي توصَّلت إلى نتائج مماثلة أن الشركة المحاسبية العادية يُفرَط في إدارتها وتعاني قصورًا في قيادتها. إن ما يحتاجه الموظفون هو المزيد من الاجتماعات والتقدير وتعزيز التواصل وزيادة فرص النجاح وتعيين أعضاء جدد بالفريق أكثر ثقة وكفاءة. لماذا إذن تصر الشركات على تحفيز الأفراد على الشراكة في الوقت الذي لا يرغب فيه أكثر من ثلثهم في منصب الشريك؟ ليست هذه سمات مديري الشركات، إنما هي سمات قادة الشركات. بمقدور الجميع تقريبًا «إدارة» شركة خدمات مهنية؛ إنما القائد هو الذي ينقلها إلى مستوى أفضل، ويطور رؤية متميزة للمستقبل يمكن أن يتخيلها الجميع. جميع القادة يحتاجون إلى تابعين دون شك، لكن جميع الشركات تحتاج إلى قيادة. وأنا لا أقصد ديكتاتورًا، يهبط من مُعتَزَل على جبل حاملًا معه رؤية الشركة. إنما أقصد قائدًا «خادمًا»، يُعين الموظفين ويلهمهم لتقديم أفضل أداء. فالقيادة هي المقابل الموضوعي للإدارة. في شركات المعرفة، لا يوجد رؤساء ومرءوسون، فقط يوجد عاملون أكبر سنًّا وآخرون أصغر سنًّا. لكن المهارات القيادية هي نقطة الضعف لدى معظم الشركات. لنكن صرحاء: كثير من الشركاء تفتقر بشدة إلى مهارات القيادة. ووفقًا لما قاله وارين بينيس، أحد المفكرين الرواد في مجال تنمية القيادة، فإن التابعين يبحثون عن ثلاثة أشياء في قادتهم: التوجيه، الثقة، الأمل. سوف نناقش التوجيه في الفصل الحادي عشر، حيث سنتناول أيضًا رؤية الشركة وقيمها الجوهرية وأيديولوجيتها. ومن نافلة القول أن تحديد وجهة واضحة للشركة شيء ينبغي أن يفعله جميع الشركاء فيها لإلهام أفراد الفريق. أليس هذا بالضبط هو ما تفعله جميع مؤسسات العمل التطوعي بشتى أنواعها؟ فكل منها لديها أهداف ومجموعة قيم يؤمن بها العاملون لديها ويعملون جاهدين من أجل تحقيقها. هذا هو أيضًا الأمل الذي يمثل الرؤية الأفضل للمستقبل.

أود التركيز هنا على قضية الثقة فيما يتعلق بتأثيرها على مستثمري رأس المال البشري. تشير الأدلة التجريبية إلى أن العاملين يتصرَّفون على نحو أقل تعاونًا وسخاءً عندما يَرَون أن شركاتهم لا تثق بهم. فلا شيء أكثر امتهانًا للمشتغلين بالمعرفة من شعورهم بأن شركاتهم لا تثق بهم. لكنني أومن إيمانًا راسخًا بأن المشتغلين بالمعرفة لا يمكن إدارتهم؛ في الواقع، أنا لا أحب كلمة «مدير» في الأساس. وبما أنني وبول قد تناقشنا كثيرًا حول الكيفية التي «تنقل بها الكلمات أشياء» وتعبر عن صور ذهنية معينة وتخلق مشاعر، فلنتأمل أصل كلمة «مدير». حتى بيتر دراكر رائد الإدارة الحديثة لم يعد يحب استخدام هذه الكلمة؛ إذ يوضح قائلًا: «لا أشعر بارتياح إزاء استخدام كلمة «مدير»؛ لأنها تشير إلى أن هناك مرءوسين. أفضِّل استخدام لقب «مسئول تنفيذي» أكثر؛ لأنه يعني المسئولية عن جانب معين، ليس بالضرورة السيادة على الموظفين» (دراكر، ١٩٩٩: ١٨٨).

لا نعلم ما الكلمة الجديدة التي ينبغي استخدامها؛ عن نفسي أفضِّل أيضًا استخدام لقب «مسئول تنفيذي» أو «قائد»، لكن ليس هذا محور اهتمامنا في هذا المقام. المهم هنا الثقة، ومعظم المهنيين من واقع خبرتنا لا يثقون في واقع الأمر بأفراد فريقهم؛ ومِن ثَمَّ يأتي دور سجلات ساعات العمل المخزية. فبعد أخذ كل الأمور في الاعتبار، لا يُستخدم سجل ساعات العمل لحساب التكلفة، وإنما يُستخدم من أجل تحديد السعر؛ مع سبب ثانوي لاستخدامها وهو رصد الفريق والتحكم فيه. لقد التقيت عددًا من الشركاء لدى شركات من جميع الأحجام يسألون: «إذا لم يكن لدينا سجلات ساعات العمل، كيف أعرف ما يفعله فريقي في وقت العمل؟» حسنًا، إذا لم تكن تثق بهم في القيام بمهمة جيدة من أجل الشركة وعملائها، فلماذا عيَّنتهم من الأساس؟ عندما تشعر بالحاجة إلى المتابعة الدقيقة للمشتغلين بالمعرفة، عليك أن تدرك أنك قد أسأت اتخاذ قرار التعيين. سألني ريك باين الذي لا يقبل مطلقًا أن يدعني أفلت بأي فكرة غامضة وغير مألوفة حتى يتبينها قائلًا: «هل تعتقد بحق أنه إذا أزلنا سجلات ساعات العمل، فسوف تزداد الثقة؟ أم أنه في الشركات التي تُطبق سجلات ساعات العمل، يوجد مستوى أقل من الثقة؟» نعم، هذا ما أقصده بالفعل. وهذا يثير قضية تتعلق بالقيادة، وليس قضية تتعلق بتحديد السعر (فلدينا بدائل لسجل ساعات العمل من أجل تحديد السعر)، أو مشكلة تتعلق بالكفاءة (فلدينا مقاييس بديلة ترصد الفعالية والكفاءة) وسجل ساعات العمل يُعد من آثار بدايات الثورة الصناعية عندما كان المديرون لا يثقون بحقٍّ في العاملين لديهم ويطلبون منهم تسجيل ما يفعلونه في كل دقيقة أو يستخدمونه كأداة لانتزاع نسبة اﻟ ٢ بالمائة المتبقية من الكفاءة من قوة عمل متعثرة بالفعل.

أنا لا أقترح الاستعاضة عن سجلات ساعات العمل بمنح الرخصة للعاملين ليفعلوا ما يحلو لهم. إنما أقترح الاستعاضة عنها بالحكم الذاتي أو الحوكمة الذاتية. فسجلات ساعات العمل تعوق التواصل والابتكار والإبداع والقيادة ومِن ثَمَّ يصبح مؤشر أدائنا بيروقراطيًّا متباطئًا. لا أعتقد أن المقايضة شيء جدير بالاهتمام هنا. (سنتناول هذا الأمر بمزيد من التفصيل في الفصل العاشر). وكما يقول إكوجيرو نوناكا: «امنح موظفيك وقتًا ينفذون فيه خططًا طائشة أو اجلس وتحدث معهم، وسوف تتوصَّلون على الأرجح إلى فكرة من شأنها أن تُحدِثَ تغييرات في السوق؛ أجبِر موظفيك على تسجيل ما ينجزونه كل دقيقة من يومهم، وسوف تجدون أنفسكم لا تفعلون شيئًا سوى إنتاج منتجات روتينية. تأمل دليل الموظفين من شركة «نوردستروم» المبين في شكل ٥-١: بالتأكيد هذه شركة تملك قيادة خدمية تقدم فرق العمل فيها خدمة متميزة للعملاء.»

شكل ٥–١: دليل موظفي نوردستروم

مرحبًا بكم في نوردستروم
يُسعدنا انضمامك إلى شركتنا.
هدفنا رقم واحد هو
تقديم خدمة متميزة لعملائنا.
أعطِ الأولوية لأهدافك الشخصية والمهنية.
لدينا ثقة كبيرة في قدرتك على تحقيقها.
قواعد نوردستروم:
القاعدة الأولى: استخدم حكمك السديد في جميع المواقف.
لن تكون هناك قواعد إضافية.
يُرجى الاتصال بمدير قسمك أو مدير المخازن أو مدير عام الإدارة ليجيب عن استفساراتك في أي وقت.
نوردستروم

ألا يستحق المهنيون القدر نفسه من الاحترام الذي يحظى به أفراد فريق شركة «نوردستروم» من مسئوليهم التنفيذيين؟ ألم يَحِن الوقت بعدُ لتحرير المهنيين ممَّا تبقَّى من آثار بيروقراطية القرن الماضي التي تقمع قدراتنا الإبداعية وتركيزنا على الإنتاج الحالي فقط على حساب البحث والتطوير من أجل ابتكار منتجات وخدمات جديدة نبني بها مستقبلنا؟ أليس من المفارقة أن نقضيَ في مهنة المشتغلين بالمعرفة وقتًا ضئيلًا للغاية في التفكير؛ لأننا منشغلون بشدَّةٍ في الوفاء بالمعدلات الإنتاجية المطلوبة منا؟ من سوء الحظ أن سجلَّات ساعات العمل في مهنتنا هذه متأصلةٌ وراسخة الجذور في ثقافتنا إلى الحد الذي يقمع الإبداع والابتكار ويؤثر سلبًا على خدمة العملاء. إن آخر الخدمات الجديدة التي قُدمت وطورت من الصفر على أيدي المشتغلين بمهنة المحاسبة ككل إلى الجمهور كانت التجميع والمراجعة في عام ١٩٧٨. هل يُعقل أن يكون منحنى الابتكار مداه ٢٤ عامًا؟ أنا لا أُلقي باللوم فحسب على حقيقة أننا متمسكون بسجلات ساعات العمل، لكنني أومن بحقٍّ أن ثمة ارتباطًا بين سعي المهنة بلا هوادة وراء الكفاءة على حساب الفعالية والابتكار. القلة القليلة من المشتغلين بالمعرفة هم من يتطلَّعون إلى الخضوع للإدارة. إحدى المهام التي يؤدِّيها القائد أن يُهيئ بيئة يستطيع فيها العاملون العاديون الازدهار والاستفادة من نقاط قوتهم وتنمية إمكاناتهم كمهنيين حقيقيين، بما يسهم في شركة هم مهتمون بها اهتمامًا حقيقيًّا ومتحمسون لها بشدة.

إن القادة الخدميين يطلبون أيضًا تقييمًا من الفريق بأكمله بشأن مدى جودة أدائهم في وظائفهم. ومع ذلك، وجدنا أن القلة القليلة جدًّا من الشركات هي التي يكون لدى الشركاء فيها استعداد لطلب تقييم شامل من جانب الفريق بأكمله، ولا ندري السبب. إن العاملين لديك يقولون بالفعل ما يعتقدونه على أي حال، لكن من وراء ظهرك. أليس من الأفضل الحصول على تقييم أمين وصادق حتى تستطيع التحسين من نفسك أو ترك منصبك إن لم تكن أهلًا له؟ إن عدمَ التواصل بين الشركاء وأفراد الفريق مشكلةٌ تظهر دائمًا في كل استبيان قرأتُه أو محادثات أجريتُها مع أفراد الفريق، وهو يكلف الشركات كمًّا هائلًا من الفرص الضائعة. وإحدى المشكلات المترتبة على ذلك تتمثَّل في أن هذه التكاليف لا تظهر في المقاييس المالية للشركة، ومِن ثَمَّ يتم تجاهلها، لكن هذا لا يعني أنها غير موجودة. إن قادة الشركات بحاجة إلى تعزيز بيئة تسمح بالتقييم المنفتح والأمين، بدلًا من جعل أفراد فرق عملهم يشعرون نفس شعور الروسي، في زمن الاتحاد السوفيتي السابق، الذي عند اكتشافه فقدان ببغائه الأليف، هرع على الفور إلى مكتب الأمن الوطني كي يبلغهم أن الآراء السياسية لببغائه لا علاقة له بها على الإطلاق. يستطيع قادة الشركات، بل يجب، أن يُحسِّنوا من أنفسهم.

(٣) أهمية التدريب المهني المستمر

رون: لقد تحدثت إلى آلاف الشركاء الذين يقولون إنهم لا يبذلون سوى الحد الأدنى من الإنفاق على التعليم والتدريب المهنيين للعاملين لديهم. هذا أمر عجيب؛ لأن التعلم المستمر هو تحديدًا ما يعزِّز رأس المال الفكري لدى الفرد ولدى الشركة أيضًا. عندما تنظر إلى شركات مثل «أكسنتشر» وغيرها من الشركات المحاسبية والاستشارية الكبرى، تجد أنهم ينفقون نحو ٦ بالمائة من إجمالي إيراداتهم على التعليم والتدريب (مقارنة بنسبة تتراوح بين ١٫٥ و٢ بالمائة من المصروفات المرتبطة بالأجور). ما الذي يُتوقَّع أيضًا من هذه الشركات حتى تتمكن من تعزيز ما تملكه من رأس مال فكري؟ لا يمكنها فعل ذلك بشراء آلة أفضل أو إضافة روبوتات لزيادة الكفاءة. تستطيع هذه الشركات الاستثمار في التكنولوجيا لكنها مجرد وسيلة. فالمهمُّ هنا ما يعرفه المشتغلون بالمعرفة، ولعل من بين المقاييس المهمة هنا تحديد الأشياء التي أصبحوا يعرفونها هذا العام بعد أن كانوا لا يعرفونها العام الماضي. إن التعليم المستمر بمثابة عامل رئيس في الاحتفاظ بالمشتغلين بالمعرفة. إنه ليس مجرد منهج يركز على المهارات الفنية، لكنه يوفر مصدرًا كاملًا ومتكاملًا للتعلم والتحدي. معظم شركات الخدمات المهنية لا تستثمر بالقدر الكافي في مهارات التسويق والبيع والخدمة والتواصل والإنصات والقيادة. ومعظم الشركات الكبرى — وفيها «ميرك» و«ثري إم» و«بي آند جي» و«موتورولا» و«بي آند جي» و«جنرال إلكتريك» و«ديزني» و«نوردستروم» و«ماريوت» و«آي بي أم» — لديها جامعات داخلية خاصة بها؛ لأنها تدرك أهمية تطوير رأس المال البشري لدى العاملين لديها. يقول بيتر دراكر: «أعتقد أن المجال المرشح للنمو المتسارع مستقبلًا في هذا البلد وغيره من بلدان العالم هو التعليم المستمر للكبار. فلا شيء يفوق نموه سرعةً. أعتقد أن لقب «مثقف» مستقبلًا سيُطلق على ذلك الشخص الذي يدرك الحاجة إلى الاستمرار في التعلم. هذا هو التعريف الجديد الذي من شأنه أن يُغير العالم الذي نعيش ونعمل فيه» (مقتبس في بيتي، ١٩٩٨: ١٤٧).

أحد الاعتراضات على هذا الاقتراح هو أنه إذا قمت بتدريب العاملين لديك والاستثمار فيهم، فإنهم سوف يتركونك، بل ربما يصبحون منافسًا أقوى لك. هذا صحيح دون شك بالرغم من أن تركهم لك احتمال وارد في جميع الأحوال. في الواقع، واستنادًا إلى الأدلة التجريبية، أنت تزيد من احتمالات تركهم شركتك، إذا لم تقم بتعليمهم. لكن دعنا نتعامل مع هذا الاعتراض على نحو مباشر، ونعترف أنه صحيح. دعني أطرح سؤالًا أفضل: ماذا لو استثمرت في تعليمهم وظلوا معك؟ المشكلة المتعلقة بهذه التكلفة هي أنها لا تظهر في أنظمة القياس الداخلي للشركة. وأظن أن هذه الخسارة تفوق كثيرًا كلًّا من تكلفة التعليم ومخاطر ترك العاملين لشركتك.

يقول الاقتصادي جاري أس بيكر الحائز على جائزة نوبل وأحد رواد تطوير نظرية رأس المال البشري: «أركز على تقسيم الوقت إلى ثلاثة أنشطة: إنتاج السلع غير السوقية (الوقت غير السوقي) وإنتاج رأس المال البشري (وقت الاستثمار) وإنتاج الإيرادات (وقت سوق العمل) (بيكر، ١٩٨٣: ٥). من الواضح، أنه سيتعيَّن على شركات المستقبل أن تحترم هذه التصنيفات الثلاثة، وألَّا تجعل أفراد فرقها يشعرون كما لو كانوا لا ينفقون الوقت الكافي في تحقيق الإيرادات عندما يستثمرون في رأس مالهم البشري.

تأمَّل التعليم في سياق معادلة الممارسة الجديدة مقابل معادلة الممارسة القديمة. إن للتعليم تأثيرًا سلبيًّا على فعالية المشتغلين بالمعرفة على المدى القصير والمتوسط. هل هذا معناه أننا ينبغي ألَّا نستثمر فيه؟ هذا هو بالضبط سبب استعاضتنا عن الكفاءة بالفعالية. من الحماقة الاعتقاد بأن الاستثمار في التعليم يُحدُّ من قدرة الشركات على تقديم عرض قيمة متميز لعملائها لا سيما على المدى الطويل. في الواقع، يمكن أن يذهب المرء إلى أن التعليم المستمر ضروري للشركات كي تستطيع حتى البقاء لفترة طويلة.

ما الذي تفعله شركتك لتنمية رأس المال البشري الذي ستحتاج إليه في العقود القادمة؟ هل تستثمر في رأس المال الفكري لدى العاملين لديك وتطور ميزانياتهم العمومية، أم تستهلك البذور التي تملكها وتقتات على مستقبلك اليوم؛ لأنك لا تركز على شيء سوى قائمة الدخل (وقت سوق العمل)؟ ما من قرار آخر سيكون على نفس القدر من التأثير في مستقبلك مثل استعداد العاملين لديك للاستمرار في استثمار رأس مالهم في شركتك.

(٤) مكافأة مستثمري رأس المال البشري لدى شركتك

رون: ليس من السهل أبدًا مناقشة الأمور المتعلقة بالمقابل المادي على وجه العموم؛ إذ تختلف الشركات بعضها عن بعض فيما يتعلق بثقافة المقابل المادي. فبعض الشركات رائدة أعمال بطبيعتها، حيث تكافئ فائقي الأداء على نحو جيد، في حين تنتهج شركات أخرى منهج المساواة. من المناسب تقديم بعض الإرشادات العامة من شركات يبدو أنها تستطيع تحقيق نتائج مذهلة بفضل فريق العمل لديها. وفي الأثناء، سوف نطرح بعض الأسئلة حول الممارسات التي تشكلت في هذا الشأن.
الممارسة الأولى التي نُسلط الضوء عليها هي عملية التقييم السنوية. لقد أوضح بيتر دراكر لعقود أن علماء النفس اللاقياسيين طوَّروا هذه الأداة، وجعلوا رؤساء الأقسام يركزون على البحث عن جوانب الضعف والقصور، مع إعطاء الأولوية لمقاييس العلة قبل الصحة. وفيما يلي الطريقة التي يوضح بها دراكر العملية في كتابه «التنفيذي الفعَّال»:

إن التنفيذيين الذين يقولون إنهم يُجرُون عملية تقييم لمرءوسيهم مرة واحدة سنويًّا على الأقل هم أنفسهم من يشيرون مرارًا وتكرارًا إلى أنهم على حد علمهم لا يتلقون تقييمًا لأنفسهم أبدًا من جانب رؤسائهم. وكثيرًا ما تظل نماذج التقييم قابعةً في الملفات، ولا يلتفت إليها أحد عندما يتعين اتخاذ قرار يتعلق بشئون العاملين. وينظر إليها الجميع باعتبارها أوراقًا لا قيمة لها. ورغم كل شيء، ودون أي استثناءات تقريبًا، لا تُعقد أبدًا «مقابلة التقييم» التي يجلس فيها الرئيس مع مرءوسه ليتباحثا حول النتائج. ومع ذلك، فإن مقابلة التقييم هي جوهر النظام بأكمله.

وقد صُممت التقييمات التي تُستخدم حاليًّا في الغالبية العظمى من المؤسسات من جانب علماء نفس إكلينيكيين ولا قياسيين لخدمة أغراضهم الخاصة. فالإكلينيكي معالج جرى تدريبه لعلاج المرضى، وهو معنيٌّ في المقام الأول بما يشكو منه المريض لا ما هو سليم لديه. إنه يفترض أنه لا يلجأ إليه أحد ما لم يكن يعاني مشكلة ما. فعالم النفس الإكلينيكي أو اللاقياسي يعتبر التقييمات عملية تشخيص لجوانب الضعف لدى شخص ما. (دراكر، ١٩٩٣: ٨٣-٨٤)

المشكلة تحديدًا هي أن التقييم السنويَّ يركِّز في أغلب الأحيان على جوانب الضعف لا القوة، لكن القادة الجيدين مثل المدربين الجيدين يصمِّمون عمليات ومهام الأداء استنادًا إلى نقاط القوة التي يمتلكها الأشخاص ويتجاهلون جوانب ضعفهم. ومبدأ بيتر القائل إن الموظفين تجري ترقيتهم لأعلى مستوى من مستويات عدم الكفاءة قد يصلح لرسوم ديلبرت الكرتونية الهزلية، لكن لا يوجد شيء هزلي في هذا المبدأ. يجب أن تجري ترقية الموظفين بناءً على جوانب قوتهم لا جوانب ضعفهم. ومع ذلك فإن هذه الحقيقة الأساسية لا تُراعى في أغلب الأحيان في شركات الخدمات المهنية، وجزء من المشكلة يتعلق بخلل عملية التقييم.

ثمة مشكلة أخرى تتعلق بعملية التقييم وهو كونها تُجرى سنويًّا. ففترة عام كإطار زمني طويلة جدًّا لإعطاء تقييم للموظفين، وعلى الأخص المشتغلين بالمعرفة. ينبغي تقييم أداء أفراد فريق العمل كل ثلاثة أشهر أو بعد كل مشروع، وهذا هو الأفضل (المبدأ نفسه ينطبق على أفضل عملائنا: ألا يجب أن نجتمع بهم كل ثلاثة أشهر على الأقل، إن لم تُتح الفرصة للاجتماع بهم كثيرًا؟ إن أفراد فريقنا بالتأكيد ليسوا أقل أهمية، بل إنني أرى أنهم أكثر أهمية من أي عميل). هذا هو دور القادة في الشركة، لكن الكثيرين ينشغلون بالإنتاج الحالي بحيث لا يستثمرون الوقت اللازم في تطوير أفراد فريقهم. يقول مايكل جربر من جديد: «ينبغي علينا العمل على تطوير شركتنا لا الاستغراق في تفاصيلها. والقيام بعكس ذلك أمر مكلف للغاية.»

عندما يستغرق الرؤساء في تفاصيل الشركة، فإن هذا معناه أن المديرين والشركاء يؤدُّون أدقَّ الأعمال التي يجب أن تُفوَّض لمستويات أدنى داخل الشركة، لكن الأهم أن هذا النهج يحرم أفراد فريق العمل من الحصول على التوجيه والتدريب اللذين يحتاجون إليهما لتطوير رأس مالهم البشري ولتعزيز قيمتهم بالنسبة إلى الشركة. هب أن شخصًا ما تسلَّم تقريرًا سنويًّا ممتازًا في عام ما، وأن هذا الشخصَ تعرَّض لحظ عاثر نظرًا لنشر صورته على غلاف مجلة «سبورتس إلستراتيد»؛ بعبارة أخرى عندما تُنشر صورة لاعب على غلاف مجلة «سبورتس إلستراتيد» في عام ما، فإن أداءه في العام التالي عادة ما يكون سيئًا. وتفسير ذلك ليس الشؤم. الفكرة أن أداء اللاعب غالبًا كان في أفضل حالاته وهو الأمر الذي أدى إلى نشر صورته على غلاف المجلة في المقام الأول. وحتمًا فإن أداءه، حتى إن كان فوق المتوسط، سيتراجع في الأسبوع التالي لما دون المستوى المعتاد الذي كان له الفضل في فوزه بالإشادة المبدئية. لا شك أننا نحتاج إلى الإشادة بالأداء الفائق والإثابة عليه ماديًّا وبطرق أخرى، لكننا نحتاج إلى تشكيل رؤية متوازنة حول إسهام المشتغلين بالمعرفة وتطورهم خلال عملهم لدى الشركة. (في الفصل العاشر، نقدِّم مؤشرات أداء رئيسة محددة لأفراد الفريق يمكنك استخدامها لإعطاء تقييم حول أداء موظفيك.)

أي مؤسسة تضم أشخاصًا، سواء كانت مدرسة أو هيئة غير هادفة للربح أو وحدة حكومية أو شركة، سوف يكون لديها منحنى جرس يعكس تباين الأداء لديها بين مرتفع ومتوسط وتحت المتوسط. وقد توصلَت إحدى الدراسات إلى وجود اختلافات كبيرة في الأداء فيما يتصل بالوظائف المعقدة (كالمحاماة ورسم الخرائط والطب)، حيث أنتجت نسبة اﻟ ١ بالمائة الأعلى من المنتجين ٢٫٢٧ أضعاف ما أنتجه المنتجون العاديون (ديفينبورت، ١٩٩: ٦٦). ونظرًا للطبيعة البشرية، ليس بوسعنا فعل الكثير حيال هذا التوزيع، لكن الشيء الذي يمكننا فعله هو الحيلولة دون تفاقم مشكلة أصحاب الأداء المتدني عن طريق تصميم أنظمة استنادًا إلى أداء هؤلاء، وهو ما يفرض في الوقت نفسه سقفًا لأصحاب الأداء الفائق. والمدارس الحكومية تفعل هذا الأمر طوال الوقت؛ فهي تُخفِّض المعايير لبطيئي التعلُّم في حين تترك أصحاب القدرات المتميزة يسأمون ويذبلون. ولا ينبغي أن تفعل الشركات هذا تفاديًا للشعور بتدنِّي فعالية فريق العمل لديها، وإنما عليها تصميم عمليات وأنظمة إثابة تأخذ في الاعتبار مستويات الأداء المختلفة. وكما قال طومسون جيفرسون: «لا يوجد شيء أقل عدلًا من التعامل مع غير المتكافئين بالمثل.» عندما لا يحظى فائقو الأداء بالإثابة المناسبة، فإنهم يتركون شركتك ليلتحقوا بشركة أخرى، وفائقو الأداء هم بالضبط أكثر ما يرغب فيه منافسوك. فأكثر من ٧١ بالمائة من الشركات المدرجة في قائمة «إنك ٥٠٠» السنوية تضم شركات رائدة وسريعة النمو أسسها أفراد ضاعفوا أو طوروا ابتكارات لدى الشركات السابقة التي كانوا يعملون لديها (مُقتبس في ليف، ٢٠٠١: ١٣). وفي شركات الخدمات المهنية، قد يُشكِّل فائقو الأداء علاقة عمل مستقلة مع العملاء، بل قد ينضمون إليهم.

لقد تعلمت هذا الدرس من شركة محاسبية كبرى كانت شركتي تقدِّم لها ندوات تعليمية. كانت هذه الشركة قد ابتكرت بعض المنتجات الضريبية المبدعة للغاية، والتي كانت تتمتع بالقدرة على تحقيق إيرادات ضخمة؛ إذ كان السعر يعتمد على نسبة التوفير الضريبي المتحقق من جانب العميل. كنا نناقش الكيفية التي ينبغي بها مكافأة الشركاء (في مجموعة لا تتألَّف إلا من شركاء) الذين باعوا تلك المنتجات. وعندما أشار كبير الشركاء بعلاوة قدرها ٥٠ بالمائة من الإيراد، اعترضت أقلية بسيطة لكن مؤثرة على الفكرة بشدة. وعندما سألت من اعترضوا عن السبب، قالوا إن ذلك ليس عدلًا؛ لأن الشركة استعانت بأشخاص آخرين غير هؤلاء، ومِن ثَمَّ يصبح من الخطأ مكافأة من أتموا صفقة البيع وحدهم.

قُدِّم مُقترح آخر تمثل في إعطاء نسبة مئوية من العمولة النهائية لفريق كل شريك من الشركاء أو مكتبه وفقًا لمقتضى الحال، بحيث يُقسم فيما بينهم في صورة علاوات. وقد قُوبل هذا باعتراضات وإن كانت أقل عددًا من السابق. سألتُ أشد الشركاء معارضةً ما إذا كان يعتقد أن اللاعبين خلف خط الوسط في فريق دوري كرة القدم الأمريكية ينبغي أن يُكافئوا بالقدر نفسه الذي يُكافأ به لاعبو خط الوسط؟ وأجاب قائلًا: «هذا ليس فريق كرة قدم، هذه شركة محاسبية.» وانتهى الحوار عند هذا الحد. في أغلب الشركات، البائعون هم الأعلى أجرًا، وربما تتجاوز أجورهم حتى كبار التنفيذيين. لماذا تُعد إثابة أفضل صانعي الألعاب بسخاء أمرًا بغيضًا في ثقافة شركات الخدمات المهنية؟ أجريت بعض البحث عن دوري كرة القدم الأمريكية من أجل هذا الشريك، وأوضحت أنه في عام ١٩٩٨ كان أعلى اللاعبين أجرًا في كل موقع تقريبًا في دوري كرة القدم الأمريكية يكسب ما يزيد عن ثلاثة ملايين دولار أمريكي. فاللاعبون خلف خط الوسط — مثل دان مارينو من فريق ميامي دولفينز — حصلوا على ٧٫٥ مليون دولار أمريكي، في حين كان كل فريق يملك لاعبين حصلوا على متوسط رواتب الدوري بقيمة ١٣١ ألف دولار سنويًّا. هذا هو نطاق الرواتب بالنسبة للاعبين الذين يلعبون ضمن الفريق نفسه، وحتى بالنسبة للبعض منهم الذين يشغلون الموقع عينه. لقد ربح مايكل جوردن ما يزيد عن ٣٠ مليون دولار أمريكي في عام ١٩٩٨، وهو يستحق ذلك؛ إذ إنه أدخل عائدًا يبلغ مليار دولار أمريكي وفق تقديرات مجلة «فورتشن» للرابطة الوطنية لكرة السلة خلال مسيرته المهنية. فالأشخاص هم من يتمتعون بالقيمة وليس المواقع أو المناصب.

إذا كنت تريد أشخاصًا يتسمون بارتفاع مستوى الأداء، فيجب أن تكون على استعداد لأن تدفع لهم أجورًا جيدة، وهذا يتطلب من الشركات أن تتوقف عن اعتبار الوظائف أنظمة طبقية — كما لو أنه يوجد نظام رواتب نقابي محدد يعتمد على تصنيف الوظيفة — وأن تبدأ في الإثابة على ما تحققه إسهامات رأس المال البشري لأفراد فريقك من قيمة. يجب أن تسعى الشركات لتهيئة بيئة أساسها الجدارة وتُثيب على أساس المغامرة والابتكار وليس وظائف نمطية تُكافئ على أساس الأقدمية والأداء المتواضع والرضا بالوضع القائم. من الشائع مثلًا أن يحقق أدنى البائعين مرتبة في شركة «نوردستروم» دخلًا سنويًّا يُقدَّر بنحو ١٠٠ ألف دولار أمريكي، وكما يقولون: «أداؤك هو تقييمك.» لماذا تُصرُّ شركات الخدمات المهنية على وضع سقفٍ لأداء أفراد فرق العمل لديها؛ ومِن ثَمَّ يهبطون بمعايير الأداء؟ أزل هذه الحواجز وأتِح الفرصة لفريقك للتطلُّع إلى فرص وآفاق جديدة.

ثمة خصيصة أخرى من خصائص الشركات الناجحة درسناها، وهي مزيد من التركيز على علاوات الفريق — أو علاوات الأفراد — إضافة إلى خطط زيادة الراتب. هذا النوع من خطط الإثابة أو المكافأة يُعزِّز العمل الجماعي وأداء الشركة ويُزيل الشعور بالظلم الذي يظهر غالبًا عندما يعتقد أفراد بعينهم أنهم لا يحصلون على مكافأة عادلة نظير ما يحققونه من نتائج. ربما لا يكون المال هو الحافز الأقصى، لكن ينبغي أن يكون ثمة ارتباط بين الأداء والراتب من أجل الاحتفاظ بأصحاب القدرات المتميزة بالشركة. لا يزال الكثير من مُنظِّري الإدارة متمسكين بالرؤية التي قدمها أبراهام ماسلو أو فريدريك هيرزبرج في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، والتي مفادها أن الراتب ليس سوى عامل «تكميليٍّ»، لا سيما بمجرد أن يحصل الشخص على مستوى معين من الأمان المادي، لكن الأبحاث التي أجراها كل من ماسلو وهيرزبرج توصَّلت إلى أن الراتب يمكن أن يكون عاملًا محفزًا — وإن لم يكن العامل الوحيد بالتأكيد — لتحقيق مستوى عالٍ من الأداء.

تُعد الترقيات مؤشرًا آخر مهمًّا لأفراد فريقك الذين يراقبون عن كثب السلوكيات التي يُثاب عليها عندما يرتقي شخص ما. كن واعيًا بمن يجري ترقيته، وبنوعية السلوكيات التي يُظهرها؛ إذ إن السلوكيات التي يُثاب عليها يُتمسك بها. وعندما تتم الترقيات على أساس المهارة أو الإطراء أو سياسة الشركة، فإن هذه الشركة ستركن إلى تلك السمات التي سيُنظر لها باعتبارها الطريقة التي يمكن بها إحراز تقدم.

الثناء العلني على الأداء المرتفع سمة ثقافية لدى معظم الشركات الناجحة مثل «ديزني» و«ماريوت» و«فيدكس». فتوزيع المكافآت ينبغي أن يحدث علنًا، وينبغي أن تكون هذه المكافآت ذات مصداقية ومعنًى. يقول أحد العسكريين القدامى إن المرء قد لا يُقدِم على بيع حياته مقابل مليون دولار أمريكي، لكنه يغامر في سعادة من أجل ميدالية أو وسام شرف. فأبطال نهائي دوري كرة القدم الأمريكية (سوبر باول) يظهرون خواتم التتويج بفخر حتى بعد نسيان المكافأة المادية التي تقاضوها بوقت طويل.

(٥) عندما يصبح رأس المال البشري سلبيًّا

رون: هل تذكر القاعدة البديهية القائلة إن العملاء الرديئين يطردون العملاء الجيدين؟ دعني أقول إن أفراد الفريق السيئين يطردون الأفراد الجيدين كذلك؛ فهم يؤثِّرون تأثيرًا سلبيًّا على أداء الشركة والروح المعنوية بها. ليس من السهل أبدًا الاعتراف بخطأ في التعيين، لكن عندما يصبح ضروريًّا فصل موظف ما، يرجع هذا في كثير من الأحيان إلى خطأ في قرار التعيين من البداية. ويتحمل قادة الشركة مسئولية اتخاذ قرار بشأن من «يجلس في الحافلة» إذا ما استخدمنا تشبيه جيم كولينز؛ وإذا كان يجلس في المقعد الخطأ بالحافلة — لأنه يُظهر جوانب ضعفه دون أن يستغل نقاط قوته الاستغلال الأمثل — فيتعين على القادة حينئذٍ أن ينقلوه إلى مقعد مختلف. جميع الشركات بحاجة إلى أشخاص جيدين، وبالطبع أنت بحاجة لأن تفهم بدقة ما يتمتع به هؤلاء الأشخاص من سمات تجعلهم جيدين. في سوق العمل اليوم، يجب أن نحاول الاحتفاظ برأس المال البشري عن طريق معرفة المكان المناسب لكل موظف بحيث يمكن تحقيق الاستفادة المثلى من جوانب قوته. وهذه أيضًا مسئولية قادة الشركة، ويجب عليهم أن يأخذوا الأمر على محمل الجد. إذا كانت الدائرة الحميدة التي يجسدها شعار فيدكس «الأفراد-الخدمة-الربح» صحيحة، فإن علينا ببساطة أن نُعطيَ الأولوية لمصلحة العاملين بالشركة حتى إن كان ذلك على حساب مصلحة الشركة والعملاء (لقد رأيت شركاتٍ تنتظر حتى نهاية الموسم الضريبي للسماح لشخص ما بمغادرة الشركة، وهذا خطأ)؛ لأن هذا هو عينه الإجراء الصحيح. صحيح أن الأمر ليس سهلًا، لكن التعامل مع الناس ليس سهلًا أبدًا.

فيما يتعلق بالسماح لمن يحققون مستويات أداء منخفضة بالمغادرة، فإن تلك المهمة يجب أن تُؤدَّى باحترام وتقدير وعناية (فأحيانًا يحتاج الجرَّاح إلى البتر كي يعالج ويشفي). نحن لا نصنع بالموظفين أي معروف عندما نتركهم يعانون في وظيفة لا يستطيعون أداءها على نحو جيد أو لا يملكون حماسًا لها. ما الدلائل التي من خلالها تستطيع أن تعرف أنه قد حان الوقت للسماح لشخص ما بمغادرة الشركة؟ سل نفسك إذا كنت سترغب في تعيين هذا الشخص مرة أخرى أو لا. فكر في الشعور الذي ينتابك لو أتاك هذا الشخص وقال لك إنه سيترك الشركة من أجل البحث عن فرصة أخرى.

ببساطة من غير المقبول لأفراد الفريق الآخرين أن يحتفظوا بأشخاص في الشركة لا يَرْقُون إلى التوقعات المرغوب فيها؛ فالآثار المترتبة على الروح المعنوية جراء ذلك كبيرة جدًّا، وسوف يتردَّد صداها في الشركة بأكملها. فسيِّئُو الأداء ليسوا نماذج جيدة يُحتذى بها ولا يصلحون لأن يكونوا معلمين جيدين وربما حتى يدمرون علاقات الشركة بالعملاء. وإذا لم يتخذ القادةُ تلك القرارات الصارمة فيما يتعلَّق بأهمِّ صورة من صور رأس المال الفكري في شركاتهم، فمن يتخذها إذن؟ إن الاحتفاظ بذوي الأداء السيئ في أماكنهم معناه المخاطرة بنجاح الشركة. وقد أشار ستيفن رايت بامتعاض ذات مرة قائلًا: «المشكلة في بحر الشركات المتلاطم أنه لا يوجد على شواطئه منقذون.» في شركات الخدمات المهنية، يمثل القادة والمسئولون التنفيذيون المنقذين، ومن الضروري بالنسبة لهم التأكد من أن جينات الشركة سليمة. وهذا هو السبب أيضًا وراء إشراك العديد من الشركات الفريقَ بأكمله في اتخاذ قرارات التعيين (بل حتى تحميلهم المسئولية عن أداء عضو جديد من أعضاء الفريق، إضافة إلى جعل هذا الأمر شرطًا من شروط الترقية). فوجود العديد من المنقذين في الشركة أفضل من وجود عدد محدود منهم.

ثمة بُعد آخر يتعلَّق بتسريح الموظفين ذوي الأداء السيئ، وهذا البُعد له علاقة بالعميل؛ ففي الدراسات التي تُجرى واحدة تلو الأخرى حول أسباب ترك العملاء لشركة خدمات مهنية معينة، دائمًا ما يُتوصَّل إلى السبب التالي: تغيير الموظف المخصص لخدمة العميل، أو مناوبة أكثر من موظف فيما يتصل بحساب العميل؛ ففي حين أنه من غير المعتاد لذوي الأداء السيئ أن يظفروا بعملاء شركاتهم الحالية، فإن ذلك يمكن أن يحدث بل يحدث فعليًّا. وكثيرٌ من شركاء الشركات تَشغلهم باستمرار فكرة أن يُقيم أفراد فريقهم علاقاتٍ قوية مع عملائهم وانضمامهم إلى شركات هؤلاء العملاء عند مغادرتهم شركاتهم الحالية. ثمة بعض الاستراتيجيات التي يمكن أن تستخدمها الشركة للحد من نسبة المخاطرة تلك (لا يمكن لأي شركة بأي حال من الأحوال أن تمنع هذا الأمر تمامًا؛ فالعميل ليس ملكًا لأحد). حاول المناوبة بين أفراد الفريق فيما يتعلق بالمهام التي تتصل بالعملاء في الوقت نفسه الذي تحتفظ فيه بالمديرين والشركاء أنفسهم، واستخدم فرقًا لخدمة العملاء، وقدِّم عددًا من أفراد فريقك لجميع العملاء؛ بحيث يستطيعون التعرُّف على المزيد من الموظفين في شركتك، واعرض المزيد من الخِدمات على عملائك بحيث تستطيع الكفاءات المختلفة داخل شركتك تأسيس علاقات معهم.

الأهم من ذلك، لا تجعل عملاءك يُفاجَئُون بتغيير أفراد فريقك الذين يتعاملون معهم. أبلغهم بهذا التغيير قبل إجرائه بمدة كافية، وتأكَّد من أن الشريك أو المدير يُقدِّم للعملاء الموظف الجديد الذي سيتولى خدمتهم، واحرص على المتابعة مع العملاء للتأكُّد من شعورهم بالرضا. هذا جانب من أبرز جوانب الضعف لدى معظم الشركات؛ لأن تلك الشركات لا تضع نفسها مكان العميل. فالعميل يرى من وجهة نظره أنه يواجه العديد من المشكلات عند تخصيص شخص جديد للتعامل معه؛ فهل هذا الموظف الجديد على القدر نفسه من المعرفة مقارنة بالموظف القديم، أم سيتعيَّن على العميل شرح القصة كاملةً له من البداية؟ وما الذي يظهره هذا التغيير بشأن مستوى الجودة الداخلي لدى شركة الخدمات المهنية تلك؟ هل تلك الشركة لديها مشكلة في الاحتفاظ بالعاملين لديها؟ (لا تنسَ أبدًا أن العميل عادةً لا يعرف أن الموظف القديم الذي فُصِل كان أداؤه سيئًا) يمكن أن تفقد الشركة الكثير من مصداقيتها إذا لم تتمكن من إدارة عملية التغيير تلك على النحو المناسب مع العميل. الأمر المهم هنا هو التواصل الجيد والمبكر أيضًا.

موجز ونتائج

تناولنا في هذا الفصل الكثير من الأمور الأساسية، ونحن محقون في ذلك؛ لأن رأس المال البشري هو أهم عنصر من عناصر رأس المال الفكري لدى شركة المستقبل. وقد حان الوقت لقادة الشركات أن يبدءوا التعامل مع موظفيهم باحترام وتقدير يليقان بالمهنة، وأن يكفُّوا عن اعتبار موظفيهم مجرد مشكلات أو إجراءات أو تكاليف؛ فالموظفون ليسوا أصولًا، ولا يمكن الاستعاضة عنهم بأجهزة كمبيوتر بصرف النظر عن مدى التقدُّم الذي يحدث فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي أو المخزون السلعي أو الموارد؛ فهم أفراد جديرون بأن يشعروا بالرسالة والهدف في حياتهم، وهم يتعاونون في شركاتهم كي يصنعوا فارقًا في حياة الآخرين. فالحاجة العامة لدى كل عامل هي أن يؤدِّيَ عملًا ذا قيمة بالتعاون مع الآخرين الذين يشبهونه في تفكيره من أجل أن يصنع فارقًا في هذا العالم. هذا الدرس المستفاد من الشركات غير الهادفة للربح ينبغي أن يَعِيَه القادة جيدًا. والتطلع الحقيقي لدى الشركات هو أن تجعل الموظفين أفضل حالًا في جميع الجوانب وليس الجانب المادي فقط.

ثمة خصائص معينة مثل الحماس والرغبة والاهتمام والتحفيز والابتكار والإبداع والمعرفة قد لا تظهر في أي موضع بالقوائم المالية للشركة، لكنها سمات ستحدد في نهاية المطاف مصير الشركة. والاشتغال بالمعرفة غير خطي، وهو لا يخضع لإيقاعات خطوط التجميع، وإنما يتحرك بواسطة التكرار وإعادة التكرار. لا يمكننا أن نتعامل مع الموظفين باعتبارهم مجرد ماكينات أو آلات، أو ننتظر منهم أن يُراجعوا عقولهم ومشاعرهم عند دخولهم الشركة. علينا أن نكفَّ عن التفكير استنادًا إلى مقاييس الإدارة أو الكفاءة التشغيلية؛ فالمشتغلون بالمعرفة جديرون بطرق أفضل للتفكير من تلك الطرق التي عفا عليها الزمن.

أشار أوسكار وايلد ذات مرة قائلًا: «عندما يضطر المرء إلى أداء عمل شاق مثل كنس الأرضيات أو تجميع الأرقام، فإن هذا يسبِّب له شعورًا بالضيق بما فيه الكفاية. أما الشعور بالفخر عند فعل تلك الأشياء فذاك أمر مرعب.» لقد كان أوسكار مخطئًا؛ فالمهنيون المتخصِّصون يحتاجون إلى الشعور بالفخر بعملهم، ويريدون أداءَ عملهم على نحو جيد من أجل شركتهم وعملائهم، ويريدون أيضًا التطوير من أنفسهم وبلوغ آفاق جديدة خلال ذلك. إن قادة الشركات ومسئوليها التنفيذيين هم من سيحددون مصير مستثمري رأس المال البشري. وأهم دور يمكن أن يضطلع به القادة هو جذب رأس المال البشري والاحتفاظ به ومكافأته.

لقد وضع دان موريس علم شركته على مقرها (أسفل العلم الأمريكي بالطبع) مكتوبًا عليه اسم الشركة وشعارها وذلك بثلاثة ألوان. تذكَّر أن أولئك الذين نعتوا أنفسهم في البداية بأنهم «ليبراليون» — بالمعنى الكلاسيكي للكلمة — يحملون في أذهانهم ثلاثة أنواع من الحريات (وهذا ما يُفسِّر السبب في كون العلم الليبرالي المناسب دائمًا يحمل ثلاثة ألوان). لقد أرادوا أولًا تحرير الإنسان من الطغيان والتعذيب، وتحريره ثانيًا من الفقر، وثالثًا من الرقابة وغير ذلك من مظاهر قهر الضمير والفكر والفن. حان الوقت لأن نرفع علمًا جديدًا فوق شركة المستقبل ونشرع في إرساء نظام جديد يحترم كرامة مستثمري رأس المال البشري ويجني ثمرة ما يحققونه من إنجازات.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠