الفصل السابع

رأس المال الاجتماعي: الإنسان ليس جزيرة منعزلة

الإنسان حيوان اجتماعي.

سينيكا، مقال «الهبات»

معظم الناس يعلمون مقولة أرشميدس: «أعطني رافعة طويلة بالقدر الكافي وسوف أحرك الأرض من مكانها.» الشيء الذي ننساه دائمًا أنه قال أيضًا إنه لا يحتاج إلى رافعة فحسب، بل قال أيضًا إنه يحتاج «مكانًا للوقوف عليه». فمن دون أرضية صلبة — بما يشمل الأسرة والحي والثقافة المؤسسية المشتركة والمعايير الاجتماعية والعادات — لا يمكننا أن نحرِّك ساكنًا أو نحقِّق إنجازًا أو نصنع من أنفسنا شيئًا. ومع ذلك، وحتى وقت قريب، كان رأس المال الاجتماعي يُعدُّ من الجوانب الأساسية التي كثيرًا ما يتجاهلها أصحاب الأعمال والشركات. نحن فقط على بداية الطريق لفهم أهمية المؤثرات المجتمعية على السلوك البشري.

•••

رون: لعل أحد أسباب تجاهل رأس المال الاجتماعي من جانب الاقتصاديين والفلاسفة السياسيين ورجال الأعمال هو الأسطورة القائلة إن الرأسمالية تعتمد على معتنقي مذهب الفردانية المهلهلين أو رواد الأعمال الذين يتحدون باستمرار الوضع الراهن بأفكار وخدمات ومنتجات جديدة تجلب معها «ريحًا لا تهدأ من رياح التدمير الخلَّاق» مدفوعة بفعل «يد خفية» لا تعترف بالبعد الشخصي.

لكن الفرد وحده ليس مؤسسة، وعمر نشاطي الشراء والبيع من عمر الجنس البشري، وليس لهما صلة كبيرة بالرأسمالية. الشيء الذي يُكسِب الرأسمالية تفرُّدًا هو حقيقة أنها روح حاكمة أو عمل مؤسسيٌّ أو جهدٌ جمعيٌّ. إنها تعتمد أكثر بكثير على النظام الاجتماعي، وهي أقوى في طابعها الاجتماعي مما يعيه أعداؤها أو أصدقاؤها أيضًا. وجوهر الرأسمالية هيكل تنظيمي يضم بين جنباته شِق العمل وشِق الأهداف وشِق القدرات والمواهب. والهيكل التنظيمي هو «بنية تطوعية» مسجلة قانونًا باسم «المؤسسة». وتسمو المؤسسة فوق حياة الأفراد وتربط الناس طوعًا بعضهم ببعض عبر الزمان والمكان بما يحقِّق تعاونًا فيما بينهم.

إن قانون الشركات أساسه قانون الأديرة؛ فالأديرة كانت أولى المؤسسات المتعددة الجنسيات التي تبيع الخمور والجبن والعسل في جميع أنحاء أوروبا والعالم. يوضح مايكل نوفاك قائلًا:

لقد حققوا ذلك، وهو أمرٌ يثير كثيرًا من الاهتمام، بأن كانوا أول من تميزوا في هذا المجال بحيث استطاعوا العيش فوق حد الكفاف؛ فقد عاشوا على ما يجنونه من أرباح. لقد كانوا مزارعين جيدين لدرجة أنهم كانوا يخصصون سبع ساعات لصلواتهم كل يوم. كانوا يستطيعون العمل سبع ساعات والصلاة سبع ساعات؛ لأنهم كانوا رجال أعمال يتمتعون بالكفاءة وقد باعوا سلعهم في دول عدة. وقد نشأ قانون الشركات من رحم قانون الرهبنة؛ لأنه كان النموذج الوحيد الذي ظل صامدًا لزمن طويل وعُني بشيء يتجاوز تدبير المعيشة. (مُقتبس في يونكينز، ٢٠٠١: ٦٢)

لا أحد يربِّي أبناءه كي يصبحوا فردانيين منغلقين. بل يربونهم من أجل العمل واللعب والقدرة على التعامل مع الآخرين مهما اختلفت خلفياتهم. يُعرِّف عالم الاجتماع جيمس كولمان رأس المال الاجتماعي بأنه:

قدرة الناس على العمل معًا ضمن مجموعات أو مؤسسات من أجل تحقيق أهداف مشتركة؛ أو بعبارة أخرى قدرة الناس على التفاعل معًا، وهو أمر ليس ضروريًّا فحسب بالنسبة إلى الحياة الاقتصادية، ولكنه مهم أيضًا لكل جانب آخر من جوانب الوجود الاجتماعي. (مقتبس في فوكوياما، ١٩٩٥: ١٠)

يعتمد اقتصاد السوق الحرة على التعاون الطوعي بين عدة مصالح متنافسة وليس على أسطورة راعي البقر المنعزل. ويوضح مايكل نوفاك على نحو مقنع النموذج الأمريكي:

لكن ما هو النموذج الأمريكي؟ العديد من المعلقين، ليس فقط من يعيشون في أوروبا، بل أيضًا أولئك الأمريكيون الذين أصابتهم عدوى الأفكار الأوروبية ذات الطابع الاشتراكي الجمعي والمتأثرة بجان جاك روسو، يعتقدون أن ما يُهيمن على الخيال الأمريكي هو راعي البقر المنعزل الذي يمتطي حصانه في البراري خالي البال، تلك الذات الذرية المنفصلة، والجانح عن القانون الذي يفعل ما يحلو له على الحدود متجاوزًا قوانين المدينة. على النقيض، يلاحظ الزائر أن الأوروبيين يخشَون غالبًا الفرد المستقل؛ فمن الواضح أنهم يفضِّلون الأشخاص الذين تربطهم الكثير والكثير من التقاليد والعادات والرغبة الأكيدة في فعل أشياء اعتادوا فعلها.

ومع ذلك ينتاب أوروبا شبح الفرد الحر الذي يتشكك في العادات والتقاليد والأعراف؛ ذلك الفرد الجماعاتي الذي لم يُحدِّد المجتمع معالمه بأكملها.

لكن بالرغم من سمعة الشخصية الأمريكية، فإنها ليست المقابل الدقيق للشخصية الأوروبية. إنها ليست فردانية على نحو كامل، بل هي جماعاتية دون انخراط شديد في الحياة الاجتماعية. والجوهر الداخلي الحقيقي لأمريكا كما أدرك توكفيل منذ البداية هو فن الارتباط. ففي أمريكا، لاحظ توكفيل بعد مضي خمسين عامًا من إقرار دستور عام ١٧٨٧ أن آلاف النقابات والاتحادات والجمعيات والنوادي والمؤسسات والأخويات التي ابتكرها أشخاص مستقلون ذاتيًّا لم يعتادوا أن تفرض عليهم الدولة (أو حتى العادة) الأشياء التي يفعلونها والوقت الذي يفعلونها فيه. فقد كتب توكفيل يقول إنه إبَّان الثورة الفرنسية، لم يكن يوجد عشرة رجال في جميع فرنسا لديهم القدرة على ممارسة فن الارتباط مثلما مارسه أغلب الأمريكيين.

وأضاف توكفيل أنه في علم السياسة الجديد، يُعد فن الارتباط هو القانون الأول من قوانين الديمقراطية. هذا الفن لا يخص الأمريكيين وحدهم. إنه متأصل في الطبيعة الاجتماعية للإنسان. ولا يكمن مصدره في سلطة الدولة (كما الحال في فرنسا) أو الأرستقراطية (كما الحال في بريطانيا)، لكنه يكمن في قدرة جميع المواطنين على ابتكار أنشطة تعاونية مع إخوانهم دون أن يتلقَّوا أوامر ممن يعلونهم. المواطن الأمريكي لا يكمن تميزه في فرديته، وإنما في ممارسته للارتباط بالآخرين. إنه كائنٌ اجتماعيٌّ من ذروة رأسه إلى أخمص قدميه. ومن هذا المنظور، يكون العامل الأساسي للصالح العام هو المجتمع المدني، ثم تأتي الدولة في المقام الثاني. (مُقتبس في يونكينز، ٢٠٠١: ٩٩-١٠٠: ٩٩-١٠٠)

حتى آدم سميث، رائد الاقتصاد الحديث والرجل الذي ابتكر مصطلح «اليد الخفية»، أدرك أهمية رأس المال الاجتماعي في تشكيل ثروات الأمم؛ ففي كتابه الأول الذي بعنوان «نظرية المشاعر الأخلاقية» (الذي نُشر لأول مرة في عام ١٧٥٩)، تبدأ الفقرة الافتتاحية لسميث على النحو التالي:

مهما كانت درجة الأنانية المُفترَضة في إنسان معين، من الواضح أنه توجد بعض المبادئ في طبيعته الفطرية، تجعله مهتمًّا بثراء الآخرين وتجعل سعادتهم ضروريةً بالنسبة إليه، رغم أنه لا يحصل على شيءٍ منها سوى استمتاعه برؤيتها. (سميث، ٢٠٠٠: ٣)

من الواضح أن سميث أدرك أن قوى السوق الجافة لا تدفع الناس إلى التجرُّد من مشاعرهم الشخصية؛ فالحياة الاقتصادية لا يمكن فصلها عن الأعراف والأخلاق والتقاليد والعادات الثقافية التي تحيط بها. ويعرض سميث تجربة فكرية في هذا الكتاب وهي تجربة مثيرة للاهتمام: هب أنك تستطيع إنقاذ ١٠٠ مليون شخص نظير فقدانك خنصر يدك، هل ستُقدم على فعل ذلك؟ معظم الناس سيوافقون، ويشير سميث إلى أن هذا يثبت أن الناس لا يتصرَّفون دومًا بما يخدم مصالحهم الأنانية الدنيئة. عوضًا عن ذلك، نحن نرغب في ثناء الآخرين علينا كما نتطلع إلى تحقيق الاحترام الذاتي والتقدير الداخلي لأنفسنا. فنحن نريد في نهاية المطاف أن نصبح جديرين بالثناء، أو بعبارة أخرى نطمح إلى أن نكون مستحقِّين له.

من الواضح أن تطوير رأس المال البشري ليس عمليةً فردية لكنه عملية اجتماعية. فالمهارات البشرية تنمو وتتطور فقط إذا تولى أحد الأجيال تعليم الجيل الذي يليه. وفي اقتصاد المعرفة، يصبح رأس مال زميلك في العمل في مرحلة ما مهمًّا لتمكينك من الكسب مثل رأس مالك تمامًا. فإذا كان زميلُك هذا غير متعلم، فسيُوضَع سقف يقيد قدراتك. وليس أدل على فكرة تأثير رأس المال الاجتماعي — بالسلب في هذا المثال — على ثراء الأمم من كُلفة التجربة الاشتراكية. فبقياس الحلم الاشتراكي استنادًا إلى الخسارة المتكبدة فيما يتعلق بتشكيل رأس المال البشري بما يشمل أخلاقيات العمل وريادة الأعمال والعادات والتقاليد والمخاطرة والإبداع والثقة، تلاشى الحلم الاشتراكي. تأمَّل رأس المال البشري الذي فرَّ هاربًا من هيكل رأس المال الاجتماعي السلبي في كوبا كما يخبرنا بذلك المؤرِّخ البريطاني بول جونسون:

في الواقع، نمت الجالية الكوبية في الولايات المتحدة وازدهرت. فبحلول منتصف التسعينيات من القرن العشرين، كانت تلك الجالية قد أسَّست ٧٥٠ ألف شركة جديدة، وأصبحت من أغنى وأكثر جماعات الضغط السياسي تأثيرًا ونفوذًا بعد اللوبي اليهودي، وحقَّق أفرادها البالغ عددهم مليونَي نَسَمة إجمالي ناتج محلي يعادل أحدَ عشر ضعف إجمالي الناتج المحلي لكوبا نفسها التي كان يبلغ تعدادها السكاني ١١ مليون نسمة. علاوة على ذلك، أصبحت مدينة ميامي، وهي مركز الاستيطان الكوبي الجديد الذي يشكل روابط مع مجتمع أمريكا اللاتينية بأكمله في هذا النصف من الكرة الأرضية، مركزًا ماليًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا وأيضًا مركزًا لاتصالات تلك الجالية، ما زاد بشدةٍ من حجم الصادرات الأمريكية من البضائع والخدمات في أرجاء النصف الغربي من العالم، ثم بعد ذلك أصبحت الولايات المتحدة في الواقع على المدى الطويل الرابح الأكبر من أزمة صواريخ كوبا. (جونسون، ١٩٩٧: ٨٦٧)

هذا هو بالتحديد سبب الإشارة كثيرًا بامتعاضٍ إلى أن فيدل كاسترو قد فعل من أجل تطوير جنوب الولايات المتحدة ما فاق بكثير ما فعلته مكيفات الهواء في تطويرها، ويساعد أيضًا على تفسير ما قاله الفيلسوف الإسباني بيدرو ساينز رودريجيز من منفاه في لشبونة منذ اثني عشر عامًا: «لكن لو أردتُ أن يسود الدستور الأمريكي في إسبانيا، لاستوردتُ الأمريكيين لا الدستور» (مقتبس في باكلي الابن، ٢٠٠٠: ٢٤١). كما أنه يفسِّر إجابةَ الرئيس الأمريكي حينذاك فرانكلين ديلانو روزفلت الذي قال حين سُئل ما الكتاب الذي كان ليضعه في أيدي الشيوعيين الروس: «ذا سيرز روباك كتالوج.»

إن الثقافة مهمة. وليست الثقافات مجرد أعراف وممارسات تُعرض في المتاحف، ولكنها طريقة خاصة لإنجاز الأشياء التي تجعل الحياة ممكنة. وتلعب المؤثراتُ الاجتماعية دورًا مهمًّا في تشكيل السلوك البشري. اعتاد المؤلف ألفين توفلر أن يصدم جماهير مؤتمرات الأعمال بسؤالهم عن التكلفة النقدية الفعلية التي يمكن أن يتكبَّدوها لو أن موظفيهم لم يسبق لهم أن تدرَّبوا على استخدام المرحاض. لم يكن أحدٌ يعرف، لكنهم أدركوا على الفور الدعم الهائل الذي يقدِّمه نقل رأس المال البشري والاجتماعي من جيل إلى جيل. لقد بدأنا لتوِّنا إدراك أهمية رأس المال الاجتماعي، وكيف أنه يؤثر على تطوير رأس المال البشري الفردي لدى الناس، وبالطبع تطوير سلوكياتهم وأذواقهم وتفضيلاتهم كما سنبين فيما يلي.

(١) هل ثمة تفسير لاختلاف الأذواق؟

رون: إذا كنت تحب البولينج فأنا أستمتع بالجولف، وإذا كنت تفضل النبيذ الأبيض فأنا أعشق النبيذ الأحمر. دائمًا ما تشتري سيارة من طراز «فورد»، لكنني أفضل «جنرال موتورز». التفسير المعتاد لجميع هذه الاختلافات البشرية يمكن أن نجده في ترجمة المقولة اللاتينية: «ما من تفسير لاختلاف الأذواق.» لكن هل هذا صحيح؟ كيف نكتسب أذواقنا المتنوعة؟ هل الأمر مردُّه إلى العادة أو العرف أو التقليد أو شيء آخر يفسر التفضيلات الفردية وسبب تصرُّف الناس على هذا النحو أو ذاك؟ جاري أس بيكر، أستاذ الاقتصاد وعلم الاجتماع بجامعة شيكاجو الذي مُنحَ جائزة نوبل في الاقتصاد عام ١٩٩٢، لديه تفسير للتفضيلات الفردية يوضِّح جانبًا كبيرًا من السلوك البشري. ففي كتابه «سر اختلاف الأذواق»، يرى أنه في الدول الصناعية الحديثة — التي تُلبَّى فيها الحاجات البيولوجية كالطعام والشراب والمأوى على النحو الملائم — لم تَعُدْ ضرورات الحياة ترتبط كثيرًا بعادات الاستهلاك لدى الفرد العادي. يقول بيكر: «هذه الاختيارات تعتمد على الطفولة وعلى تجارب وتفاعلات اجتماعية ومؤثرات ثقافية أخرى» (بيكر، ١٩٩٦: ٣).
وإضافة إلى الجهد الرائد الذي بذله في مجال رأس المال البشري؛ إذ رأى أن الإنفاق على أشياء مثل التعليم والتدريب والرعاية الطبية وما إلى ذلك ينبغي تصنيفه باعتباره استثمارًا، وليس مجرد استهلاك مثلما اعتادت الحكومات والمؤسسات أن تفعل، أسهب بيكر، في كتابه الأخير هذا، في تعريفه لرأس المال البشري ليجسد مكونين:

تُدمِج منهجيتي تجارب وقوى اجتماعية ضمن التفضيلات أو الأذواق من خلال مخزونين أساسيين لرأس المال. يشمل رأس المال الشخصي (ش) الاستهلاك السابق ذا الصلة والتجارب الشخصية الأخرى التي تؤثر على المزايا الحالية والمستقبلية. ويتضمن رأس المال الاجتماعي (ج) تأثيرات الأفعال السابقة من جانب الرفاق وغيرهم في الشبكة الاجتماعية للفرد ونظام السيطرة لديه. ويُشكِّل رأس المال الشخصي والاجتماعي للفرد جزءًا من إجمالي مخزون رأس ماله البشري. (المرجع السابق: ٤)

بعبارة أخرى، حقيقة أنك مثلًا دخنت السجائر في الماضي ستحدِّد بطريقةٍ ما أو بأخرى استهلاكك المستقبلي فيما يتصل بالتدخين، الذي يشكل حاليًّا جزءًا من رأس مالك الشخصي. لكن ما الذي يجعلك تُدخن في المقام الأول؟ ربما بسبب ضغط من جانب جماعة الرفاق التي هي جزء من رأس مالك الاجتماعي، كما يقول بيكر. جميعنا يفهم أن الإعلان الشفهي والإعلان عبر الشبكة العنكبوتية حاليًّا هو الأكثر تأثيرًا؛ فالاستبيانات الوطنية تكشف أن نصائح الأصدقاء والأسرة قبل الشراء يعتمد عليها المستهلكون بمعدل ثلاث من كل أربع عمليات شراء. وقد أسَّست الشركات المهنية الناجحة أعمالها بناءً على الإعلان الشفهي في الأغلب، وتفسر نظرية رأس المال الاجتماعي لبيكر سبب التأثير القوي لذلك:

يرغب الرجال والنساء في أن يحظَوا بالاحترام والتقدير والمكانة الاجتماعية والقَبول والقوة من أسرهم ورفاقهم وغيرهم. ويشتمل الاستهلاك والأنشطة الأخرى على مكون اجتماعي رئيس يرجع في جزء منه إلى أن تلك الأنشطة تحدثُ في العلن. ونتيجة لذلك، غالبًا ما يختار الناس المطاعم والأحياء والمدارس والكتب التي يقرءونها والآراء السياسية والطعام والأنشطة الترفيهية؛ بهدف إرضاء الرفاق والآخرين ضمن شبكتهم الاجتماعية. (المرجع السابق: ١٢)

ويشير علماء النفس إلى «مبدأ العقل الجمعي» الذي ينص على أن من بين الوسائل التي نستخدمها في تحديد ما هو صحيح هو أن نعرف ما يعتقد الآخرون أنه صحيح. فالعقل الجمعيُّ محفز أساسي للسلوك الفردي، وهذا يفسِّر سبب اعتماد مؤسسات، مثل عيادات إنقاص الوزن على الالتزام الجماعي وضغط جماعة الرفاق في تغيير السلوك، كما يفسِّر سبب إصرار مسئولي التليفزيون على استخدام أصوات الضحك المسجلة في مسلسلات «السيت كوم» (كوميديا الموقف)، بالرغم من أن معظم الناس يقولون إنها لا تعجبهم. فقد توصلت التجارب إلى أن التسجيل الصوتي للضحك يجعل الجمهور يضحك لوقتٍ أطول وبمعدل تكرار أعلى مما كانوا سيفعلون في غياب ذلك التسجيل الصوتي للضحك. وغالبًا ما يضع النُّدُل بضعة دولارات على برطمانات البقشيش في بداية كل ليلة لإعطاء الانطباع أن مَنْحَهم البقشيش سلوكٌ مناسب. وكثيرًا ما يصف المعلنون منتجهم بأنه «الأسرع نموًّا» أو «الأكثر مبيعًا» لا بهدف إقناعنا بأن المنتج أو الخدمة التي يقدمونها جيدة، ولكن ليخبرونا ضمنيًّا بأن الكثيرين يعتقدون ذلك، وهو ما يُعد إثباتًا كافيًا على ما يبدو.

تحقِّق مؤسسة حفلات «تابروير» المنزلية وفق التقديرات مبيعاتٍ تتجاوز ٢٫٥ مليون دولار يوميًّا. وهذا النجاح يمكن فهمه بسهولةٍ عندما تتأمَّل فكرة أن حفلات «تابروير» عادةً ما يُقيمها أصدقاء وليس موظفي مبيعات غير معروفين. بهذه الطريقة، تعتمد المضيفة على جاذبية وأنس ودفء وأمن والتزام الصداقة كي تبيع المنتجات. واستخدمت ماري كاي آش استراتيجيةً مماثلة عندما أسَّست شركتها لمستحضرات التجميل المعروفة باسم «ماري كاي كوزمتكس» في عام ١٩٦٣ بكامل مدخراتها البالغة ٥٠٠٠ دولار أمريكي. وعندما فارقَت الحياةَ في عيد الشكر في نوفمبر ٢٠٠١ عن عمر ٨٣ عامًا تركت موروثًا لدى شركتها التي تحقِّق مبيعاتٍ تزيد على مليار دولار أمريكي في العام؛ فشركتها جعلت من النساء مليونيرات أكثر من أي شركة أخرى في التاريخ، وبعد سقوط الشيوعية، اخترقت الشركة السوق الروسية وحقَّقت نجاحًا فيها. وفي عام ١٩٩٥، حقق كبير مديري المبيعات لدى شركة «ماري كاي» في روسيا دخلًا تجاوز ما حقَّقه الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين حينذاك. واليوم تدعم ٨٥٠ ألف سيدة في ٣٧ دولة مبدأ العقل الجمعي من أجل تحقيق الثراء لعملائهن، ومِن ثَمَّ لأنفسهن.

ثمة ميزةٌ مهمة أخرى للعقل الجمعي كما أوضح روبرت بي سيالديني في كتابه الرائع «التأثير: علم النفس الجديد للإقناع الحديث»، وتتمثَّل هذه الميزة في «أننا نستخدم أفعالَ الآخرين في تقرير السلوك الملائم لأنفسنا، لا سيما حينما نرى هؤلاء الآخرين مشابهين لنا» (سيالديني، ١٩٩٣: ١٤٢). تأمَّل المراهقين الذين ينظر الكبار إليهم كثيرًا باعتبارهم متمرِّدين ومستقلين في تفكيرهم، لكن عندما تراهم ضمن مجموعة، تدرك إلى أي مدى هم يتصرَّفون ويتحدثون ويختارون ملابسهم بطرق مماثلة لأصدقائهم ورفاقهم؛ فهم يتوافقون بقوة مع ضغوط جماعة الرفاق التي يتبعونها.

(٢) تعزيز رأس المال الاجتماعي في شركة المستقبل

رون: يشتمل رأس المال الاجتماعي للشركة على العناصر التالية:
  • العملاء.

  • السمعة والعلامات التجارية.

  • مصادر الإحالة والشبكات.

  • الموردين والبائعين.

  • المساهمين وغيرهم من أصحاب المصلحة الخارجيين.

  • شركاء المشروعات المشتركة والائتلافات.

  • الاتحادات المهنية والانتماءات الرسمية.

  • موظفي الشركة السابقين.

من بين مزايا النظر إلى رأس المال الاجتماعي للشركة بهذه الطريقة أنه يوسِّع حدود ما يمكن للشركة تعزيزه، والعوامل المدرجة أعلاه تمنح الشركة «مكانًا ترتكز عليه» على حد قول أرشميدس. في الاقتصاد القائم على المعرفة، تصبح تلك الخطوط الفاصلة بين العميل والمورد والبائع وغيرهم واهية. في الواقع، لا يهمُّ إذا كان شخصٌ — أو مؤسسةٌ ما — عميلًا وموردًا وعضوًا في مشروع مشترك في الوقت نفسه، ما دام أنه يُضِيف قيمةً في السلسلة الاقتصادية. فعلى سبيل المثال، بصفتي مؤلفًا، فأنا عميل ومراجع ومورد لدى موقع أمازون (www.amazon.com)، وآمل أن أكون من بين من يحقِّقون قيمةً في كل دورٍ من تلك الأدوار. وحيث إن أمازون قد مكنتني من لعب أدوار متعددة، تستطيع أمازون تعزيز قدرتها على تحقيق ثروة باستغلال رأس مالها الاجتماعي.

العملاء جزء مهم من رأس مال الشركة. وسنتناول هذا الأمر في الفصل الثامن، لكننا سنُناقش في هذا الفصل منهجًا جديدًا في تعزيز جميع جوانب رأس المال الاجتماعي لشركتك عن طريق استخدام نموذج الخدمة الشاملة. لكن نظرًا لأن هذا يتضمَّن جميع مكونات العلاقات الخارجية للشركة، سنُناقش هذا النموذج في النهاية. أولًا، لنلقِ نظرةً على كل مكونٍ من مكونات رأس المال الاجتماعي للشركة.

(٣) السمعة، العلامات التجارية، مصادر الإحالة، والشبكات

رون: ثمة سؤال قانوني وتسويقي مثير للاهتمام: من «يمتلك» فعليًّا علامة تجارية ما؟ هل يمكنك أن تتحكم بالفعل في رؤية الآخرين لك ولشركتك؟ هل ينبغي أن يُسمح بملاحقة عميل متذمر أنشأ موقعًا إلكترونيًّا يذم من خلاله شركتك؟ بصرف النظر عن كمِّ الشركات التي ترغب في السيطرة على الشبكة العنكبوتية، فإن الحقيقة هي أن شبكة الإنترنت لم تصنعها الشركاتُ، ولا يُمكن أن تتحكَّم فيها الشركات أكثر من التحكُّم فيها من جانب وزارة الدفاع التي أنشأتها في الأساس. فالإنترنت جسر حوار وتواصل حقيقي يربط الناس ذوي الاهتمامات المتشابهة عبر جميع الحواجز الجغرافية. ولم يعُد لدى الشركات احتكار لما يشاهده العملاء ويسمعونه؛ فبمقدورهم حاليًّا الحصول على القصة الحقيقية عن أي منتج أو خدمة من أي عميل آخر حول العالم، والتي لا تستطيع أقسام التسويق والعلاقات العامة حجبها.

ربما أحد أفضل الأمثلة التوضيحية لمن يمتلكون علامةً تجارية فعليًّا ما حدث عندما قرَّرت شركة «كوكاكولا» التحول من مياهها الغازية القديمة (كوك القديمة) إلى مياه غازية جديدة (كوك الجديدة). حدث حرفيًّا تمردٌ من جانب العملاء، ما أثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن العملاء هم من يقرِّرون قيمة أي علامة تجارية في نهاية المطاف. كانت «ذا سيرز روباك كتالوج» في مرحلة معينة من التاريخ علامة تجارية شهيرة. وقد اختفت الآن؛ فما إن يبدأ العملاء في النظر إلى علامة تجارية ما باعتبارها لا تضيف قيمة، تصبح طي النسيان. إن سمعة شركتك وسمعتك الشخصية، باعتبارك استشاريًّا مرموقًا وموثوقًا فيه، لا توجدان إلَّا في قلوب وعقول العملاء الذين تحظى بخدمتهم، وتُشكِّل انطباعاتهم سمعتك.

كما ذكرنا آنفًا في هذا الفصل، تُبنى معظم شركات الخدمات المتخصِّصة عن طريق التوصية أو الإحالة. ومصادر الإحالة هذه، سواء كانت مصرفيين أو محامين أو وكلاء تأمين أو وسطاء عقاريين أو محاسبين قانونيين أو عملاء مميزين أو غيرهم، يحتاجون إلى اهتمامٍ دائم بهم ومكافأتهم على إحالتهم أعمالًا إليك. وبناء هذه الشبكة من المعارف والإحالات يبدأ في مرحلة الجامعة وينبغي ألَّا يتوقف خلال المسيرة العملية للمهني بأكملها. وكما أوضح هارفي ماكاي: «لو كان جميع من في شبكتك مثلك، فإنها لا تصبح شبكة بل تصير عُشًّا من أعشاش النمل.» لكن معظم الشركات المهنية لا تستثمر بالقدر الكافي في هذا الجانب الحيوي من رأس المال الاجتماعي؛ فتطوير شبكة من الإحالات يستغرق وقتًا وموارد، وعادة ما يأتي على حساب المقاييس التقليدية للكفاءة مثل معدل الإنتاجية والربح المتحقق. وهنا أيضًا يسود السلوك ذو النظرة القاصرة على بناء رأس مال فكري للشركة.

إن أفضل مصدر للإحالات، بطبيعة الحال، هو عملاؤك المميزون الذين لديهم ولاء وحماس فعليان تجاه عرض القيمة الخاصة بشركتك. وهذا هو الحيز الذي يمكن أن يقدم فيه التخصص في مجال أو نشاط معين تعزيزًا قويًّا بحق. لقد تشاورنا مع محاسب قانوني في منطقة خليج سان فرانسيسكو (سوف أطلق عليه مارك) والذي برهن على القوة المطلقة لرأس المال الاجتماعي في شركته؛ فقد أوجد لنفسه مكانًا في تقديم الخدمات المحاسبية والاستشارية والضريبية لأطباء الأسنان الذين يُشكِّلون نحو ٩٧ بالمائة من قاعدة عملائه. يقولون إن «الطيور على أشكالها تقع.» وأطباء الأسنان لا يشذون عن هذه القاعدة؛ فهم يعتمدون بشدة على توصيات زملائهم فيما يتعلق بشراء أو بَدْء شركة جديدة أو اقتناء معدات أو الحصول على التأمين ضد المسئولية أو اختيار محامٍ أو محاسب قانوني وما إلى ذلك. وقد اشتُهر مارك بين جميع مقدمي خدمات العناية بالأسنان على اختلافهم (كليات طب الأسنان والمصارف التي تقدِّم قروضًا للطلبة وتُموِّل العيادات الجديدة ووسطاء التأمين وشركات المعدات … إلخ.) تمامًا مثلما اشتُهر بين أطباء الأسنان أنفسهم. ومع أنه لم يؤدِّ أعمال التسويق أو الإعلان، نما مشروعه في مراحله الأولى من ٣٠ إلى ٥٠ بالمائة كل عام (أخذ مشروعه بعد ذلك يتباطأ من حيث النمو ويرجع هذا في جزء منه إلى أنه فضَّل عدم ضم الكثيرين جدًّا من العملاء الجدد أو تنمية مشروعه بالقدر الذي يرهقه.) عندما يخبر طبيب أسنان أحد زملائه قائلًا: «إذا كنت بحاجة إلى محاسب قانوني، فمارك هو الشخص المناسب.» كانت الصفقة تتم قبل أن يلتقي حتى العميل المحتمل. وهذا النوع من التخصص والتسويق المتخصص سيصبح أكثر رسوخًا في المستقبل.

إذا راجعت المهن الأخرى، فستجد أن المحاسبة هي آخر تلك المهن التي ظهر فيها نظام التخصص للمنتسبين إليها. فقد بدأ الأطباء يتخصصون في الأربعينيات من القرن العشرين، والمحامون في الخمسينيات من القرن نفسه. واليوم، ميكانيكا السيارات ومتاجر الحيوانات الأليفة ومحال اللُّعب جميعها أصبحت متخصصة. وعلى عكس معظم المحاسبين القانونيين — الذين لا يجمع بين عملائهم سوى كونهم عملاء — يستفيد مارك من القوة الهائلة لرأس المال الاجتماعي كي يزيد من قدرة شركة على تحقيق الأرباح. لقد مكَّنه نشاطه المميز في أوساط طب الأسنان من توسيع نطاق تأثيره وموقعه الاجتماعي بما يتجاوز ما كان يستطيع تحقيقه في شركة أكثر تنوعًا.

ثمة شركةٌ أخرى ناجحة استطاعت الاستفادة الكاملة من تعزيز رأس المال الاجتماعي عن طريق خلق سوق افتراضية يمكنك أن تصبح فيها مشتريًا وبائعًا في الوقت نفسه. هذه الشركة هي «إيباي»، موقع المزادات الأول على شبكة الإنترنت. أسَّس هذه الشركة بيير أُميديار الذي كانت خطيبته تهوى جمع ماكينات حلوى «بيز»؛ حيث فكر بيير في طريقة مبتكرة تساعدها على التعامل مع من لديهم هواية جمع عبوات الحلوى. اليوم صار لدى «إيباي» أكثر من مليونَي عضو يضعون على الموقع أكثر من مليون عرض يوميًّا، ما أعطى نشاط بيع السلع المستعملة معنًى جديدًا.

•••

بول: إن الفرصة التي بانتظار شركات الخدمات المهنية هائلة، ومع ذلك لا يستفيد منها سوى القلة القليلة. إنها مسألةٌ تتعلق بنمط التفكير. والتغيير المطلوب في هذه الحالة هو أن ترى شركتك ناديًا تنتمي إليه مجموعة حصرية من الأعضاء (وهم عملاؤك). وهذه الرؤية المختلفة هي عينها نمط التفكير الذي يقف وراء نجاح «إيباي» و«أمازون» على وجه الخصوص.

في اللحظة نفسها التي يتغيَّر فيها تفكيرك على هذا النحو، ستدرك أهمية هذا الأمر؛ وهو ما يعني أنه لا يوجد بديلٌ سوى البحث بانتظام عن طرقٍ تضيف قيمةً لأعضائك (عملائك). وسوف تحتاج قبل هذا وذاك إلى التواصل معهم كثيرًا، ثم تتوغل في المسألة أكثر بأن تطرح على نفسك السؤال التالي: لماذا لا أمنحهم مكانًا (افتراضيًّا أو فعليًّا) لزيارتي؟

سوف تذهل حين تدرك عدد الشركات التي تؤدي أشياء رائعة مع عملائها، ثم لا تعزز هذا «داخل النادي». تأمَّل تلك الفكرة البسيطة (ثم تحرك بناءً عليها) التي تلتقي فيها أعضاءك (عملاءك) في أمسية كل شهر؛ حيث يُخبر أحد عملائك الحضورَ بالأشياء الرائعة التي فعلها معك من أجل حلِّ مشكلة ما أو بهدف الارتقاء بعمله إلى مستوًى جديد. وإذا كان هذا الأمر شديد الصعوبة بالنسبة إليك (رغم أنه ينبغي ألا يكون كذلك)، فعلى الأقل افعل هذا في الحيز الافتراضي لموقعك الإلكتروني ومن خلال التواصل المستمر عبر البريد الإلكتروني مع عملائك. أليس أمرًا رائعًا أن أتلقى كل أسبوع (أو كل يوم في هذه الحالة) رسالةً في صندوق الوارد من شركتي للخدمات المهنية تقول: «لاحظنا أن هذا الأمر وذاك يثيران الاهتمام هذا الأسبوع وفعل العديد من عملائنا هذا وذاك.» معظم ملاعب الجولف تؤدي هذا الأمر أفضل من شركات الخدمات المهنية. نحن لا نتحدث هنا عن الرسائل الإخبارية، بل عن الوصول إلى العميل بطريقة فريدة وخاصة. ونكرر هنا أن الفرصة التي بانتظارك هائلة.

(٣-١) الموردون والبائعون

رون: غالبًا ما لا نرى أن هؤلاء الذين ندفع لهم المال قادرون على إضافة قيمة تتجاوز ما نشتريه منهم. ومع ذلك، فإن المؤسسات التي تتعامل معها شركة ما أحيانًا ما يكون لديها قدرةٌ هائلةٌ على تحقيق الثراء عندما يُنظر إليها باعتبارها جزءًا من رأس المال الاجتماعي لتلك الشركة. الموردون أمثال الاستشاريين والمحاسبين القانونيين (أو المحامين) والمخطِّطين الماليين والوسطاء العقاريين ومديري الجنائز والعلماء والأطباء وسماسرة الأسهم المالية ووكلاء التأمين والأطباء البيطريين والجمعيات الخيرية وغيرهم، جميعهم يقدِّمون فرصًا للشركات من أجل تصميم برامج تسويق مبتكرة ومبدعة. فربما تُعقد ندوة مشتركة مع أي من المهنيين السابقين أو يُكتب مقال مشترك في إصدارتهم النقابية.

الرسائل الإخبارية أيضًا مورد غير مستغل بالقدر الكافي لمورديك وبائعيك؛ إذ تفرض بعض الشركات رسمًا للحصول على رسائلهم الإخبارية استنادًا إلى نظرية مفادها أن الأشياء التي يحصل عليها الناس بصورة مجانية لا يُقدرون قيمتها. ثمة شركات أخرى تُرفقها باتفاقياتها ثابتة السعر، لكن هذا التصور يُخيف معظم المهنيين الذين يعتقدون أن من السخف فرضَ رسمٍ مقابل جزء من أدبيات التسويق لدى الشركة. غير أن هذا هو عين الهدف. فعندما تفرض شركةٌ ما رسمًا على رسائلها الإخبارية، ربما تتضمن تلك الرسائل قيمةً فعلية وليس مجرد سرد للقانون الضريبي الذي أقرَّ مؤخرًا والذي لا يهتمُّ أحد بقراءته من الأساس. إذا كانت الرسالة الإخبارية لشركة ذات قيمة بحق، فإن الموردين والبائعين سيدفعون مقابلًا للمساحة الإعلانية من أجل عرض منتجاتهم وخدماتهم. الغالبية العظمى يَرَوْن أن هذا الأمر غير احترافي، ولكن المحك الحقيقي هو ما يكون لدى العملاء الاستعداد والقدرة على دفع مقابل من أجله، والشركات التي تقدِّم هذا النوع من الرسائل الإخبارية، يُقدِّر العملاء لها هذا الأمر. علاوة على ذلك، سيُقدِّر عملاء شركتك فرصة الإعلان عن منتجاتهم وخدماتهم لقاعدة عملائك الممتازين، تمامًا مثلما تُقدِّر العملاء الذين يحيلونهم إليك. والسبب وراء عدم شيوع هذا الأسلوب المبتكر هو أننا مقيدون بنمط التفكير البالي الذي يرى أن هذا الأسلوب غير احترافي.

(٣-٢) المساهمون وغيرهم من أصحاب المصلحة الخارجيين

رون: معلومٌ أن الشركة تدين بمسئوليتها الائتمانية لملاكها وغيرهم من حاملي الأسهم الذين لديهم اهتمام ببقائها مثل المصرفيين وملاك العقارات وغيرهم من الأطراف الذين قدمت لهم التزامات. والمجتمعات التي تقع فيها الشركة لديها دور في نجاحها. لا أقول إن أصحاب المصلحة الخارجيين لا بد أن يكون لهم قرار في قيادة الشركة، فقط أقول إن لديهم اهتمامًا ثانويًّا بمجتمع أعمال ناجح. ونظرًا لأن شركة الخدمات المهنية تؤثر تأثيرًا مباشرًا على نجاح الكثير من الشركات في المجتمع، فإن نطاق تأثيرها ضخم للغاية. فالشركات على اختلاف أحجامها بحاجة إلى أن تكون نشطةً ومرئيةً في مجتمعاتها، سواء من خلال العمل ضمن مجالس إدارات المؤسسات الخيرية أو منح أفراد فرقها إجازة يشاركون خلالها في أنشطة خيرية محلية.

أذكر أنني ذات مرة قرأتُ أن شركة «نوردستروم» كانت تقدم تبرعات لجمعيات خيرية محلية مختلفة في المجتمع قُبيل افتتاح متجر جديد؛ وذلك حتى تصبح ظاهرة باعتبارها جزءًا نشطًا من المجتمع الذي تتواجد فيه، وذلك قبل أن تفتح أبواب متجرها للجمهور بوقت طويل. وقد أثمر هذا عن تشكيل رابطة مع المجتمع وأظهر التزام «نوردستروم» بالحفاظ على سمعتها كمؤسسة جيدة تتمتع بالمواطنة.

(٣-٣) شركاء المشروعات المشتركة والتحالفات

رون: بينما تسعى الشركات لتقديم تجربة «المتجر الشامل» لعملائها، تزداد حقيقة أنه لا يمكن لشركة أن تلبي جميع الاحتياجات وضوحًا؛ ومِن ثَمَّ فإن المشروعات المشتركة والتحالفات مع المهنيين الآخرين تزداد شيوعًا، ربما كنهاية لنموذج الشركة الحقيقية المتعددة المجالات. تأمَّل مثلًا استخدام شركات الطيران للائتلافات مثل برنامج «تحالف ستار» التابع لشركة «يونايتد إيرلاينز»، حيث تتشارك الشركة مع شركاء معينين رحلات الطيران والبوابات والأسعار وأميال المسافر الدائم وغير ذلك من عناصر البنية الأساسية. ومن منظور تاريخي، كانت الشركات المحاسبية رائدةً في حركة التحالفات؛ إذ إن القواعد التنظيمية المهنية في معظم الدول اشترطت أن تكون الشراكات وطنية (أو بعبارة أخرى أن تكون مملوكةً من قِبَل أحد مواطني الدولة). ونتيجة لذلك، انطلقت الشركات المحاسبية الكبرى نحو العولمة من خلال تشكيل تحالفات، وذلك استجابة لاحتياجات عملائها الدوليين الذين اشترطوا الجودة والاتساق في مستوى الخدمة.
سايروس فريدهايم وهو استشاري لدى شركة «بوز–ألن» ومؤلف كتاب «منشأة التريليون دولار: كيف ستُحوِّل ثورة التحالفات مجال الأعمال العالمي»، يوضح بإيجاز أسباب نجاح التحالفات:

يمكن أن تكون التحالفات طريقةً مربحةً للتوسُّع في نشاط تجاري معين. ففي حالة الاستحواذ أو الاندماج، ينتقل إلى حوزة الشركاء الغثُّ والثمين، والجميل والرديء، والأنشطة التجارية المناسبة وغير المناسبة، وكل ما هو مربح وغير مربح، والقدرات الأساسية، وفروع الشركة ذات الأداء الجيد وتلك غير المرغوب فيها كفرع في الصومال مثلًا. وأي مشكلات أو مسئوليات أو سلبيات أو أنشطة لم تُنجِزْها الشركة التي استحوذت عليها تصبح خاصتك من أول يوم استحوذت فيه على تلك الشركة.

من خلال التحالفات، يمكنك أن تنتقي الأجزاء التي ترغب فيها وتترك الأخرى كمن ينتقي من الذبيحة أفضل ما فيها من اللحم تاركًا الكبد والحوافر. فالتحالفات تتمحور حول الجمع بين قدرات الشريكين أو الشركاء؛ بحيث نستفيد من قوتك في السوق وأنت تستفيد من تقنياتنا، أو نستفيد من خفضك للتكلفة وتستفيد أنت من توزيعنا لك. نحن نفعل مثلما فعلت «بيبسي» و«ليبتون» مع الشاي المثلج؛ إذ تولت «بيبسي» التوزيع و«ليبتون» الإنتاج. (فريدهايم، ١٩٩٨: ٤٢)

استخدمت «وول مارت» هذه الاستراتيجية بتأجير أماكن في متاجرها ﻟ «ماكدونالدز». وهذا لم يقلِّل فحسب من التكلفة الداخلية لإدارة كونترات الوجبات الخفيفة، لكنه حقق أيضًا تدفقًا نقديًّا مستمرًا؛ وكلما ارتفعت مبيعات «ماكدونالدز»، زاد إيراد كل قدم مربعة من المتجر، كما أدى هذا أيضًا إلى زيادة معدل زيارات العملاء للمتجر، ولا شك أنه أدى إلى دخول عملاء إلى متجر لم يكونوا ليدخلوه لو كان الأمر على غير هذا النحو. واليوم، صار في أكثر من ٨٠٠ متجر من متاجر «وول مارت» مكان مخصص ﻟ «ماكدونالدز». لم يكن هذا تعزيزًا فعَّالًا لرأس المال الهيكلي (المباني) لشركة «وول مارت» فحسب، بل دعم كذلك تحالفًا عزز رأس المال الاجتماعي.

أيضًا عززت شركة «تشارلز شواب» رأس مالها الاجتماعي عن طريق تشكيل تحالف مع أكثر من خمسة آلاف استشاري مالي مستقل في شبكة تُطلق عليها «شواب انستتيوشنال» تتولى إدارة أصول تتجاوز قيمتها ١٠٠ مليار دولار أمريكي. أُنشئت شركة «شواب» استنادًا إلى استراتيجية استثمار قوامها «افعلها بنفسك» حتى علمت في فترة الثمانينيات من القرن العشرين من خلال أبحاث السوق أن نسبةً كبيرةً من المستثمرين كانوا يرغبون في المشورة فيما يتعلق بإدارة شئونهم المالية.

•••

بول: بطبيعة الحال يوجد بُعد آخر للتحالفات تغفل عنه معظم الشركات المهنية مع الأسف الشديد. إنه يتعلَّق باتخاذ موقف يتَّسم بروح المبادرة تتولى الشركة بموجبه تسهيل التحالفات بين العملاء. ولتسليط الضوء على هذه النقطة، تأمَّل السؤال التالي لبرهة: «مَن مِمَّن تعرفهم لديه اتصال بمشروعات وشركات وإمكانات أكبر للتأثير في مجال الأعمال مقارنة بغيره؟» أرجو أن يكون جوابك «لا أحد سواي.» فلا أجد مهنة لديها قدرة على التأثير في مجال الأعمال أكثر من مهنة المحاسبة. المشكلة الحقيقية التي لديَّ هي أن عددًا ضئيلًا نسبيًّا على ما يبدو من المحاسبين هم من يفهمون بحق هذا الأمر. وقلة قليلة للغاية مِمَّن يعملون في مؤسسات عامة هم من يتصرَّفون كما لو كان الحال كذلك.

وعلى وجه الخصوص، يمتلك المهنيون الذين يعملون في مؤسسات عامة القدرةَ على «الجمع» بين العملاء بطرق مثيرة بحق، لكن قلة قليلة للغاية هي من تفعل ذلك. لتسليط الضوء على هذه النقطة، تأمَّل متجر نبيذ رائع في كوينزتاون في نيوزيلندا أسعدني الحظ بزيارته في مارس ٢٠٠٢. كان متجر النبيذ هذا من الطراز الممتاز؛ إذ فاز منتجه المصنوع من العنب الأحمر بالميدالية الذهبية العالمية في معرض النبيذ الذي أُقيم في لندن العام الماضي. ويُباع نحو ٥٠٪ من إنتاج المتجر مباشرة لزائريه الذين يبلغ عددهم نحو ١٢٥ ألفًا كل عام، ويُباع المتبقي من الإنتاج لمنافذ البيع المحلية وفي أنحاء العالم.

يتلقى الزائرون الذين يفدون إلى متجر النبيذ دعوة ورقية خاصة مع فاتورة حسابهم. هل تستطيع أن تتخيل الغرض من هذه الدعوة؟ كي نساعدك في هذا، تخيل أن المتجر عميل لديك وأن المطعم المحلي عميل لديك هو الآخر. هب أن المطعم يشتري نبيذًا من مصادر عدةٍ بما فيها متجر النبيذ المذكور أعلاه. حسنًا، من الواضح أنك كمحاسب (أو بالأحرى كاستشاري أعمال) مهتم بالتأكد من أمرين: الأول أن متجر النبيذ عميلك يبيع الكثير من نبيذه للمطعم؛ والثاني أن المطعم عميلك يستفيد بدرجة ما من اﻟ ١٢٥ ألف زائر الذين يفدون إلى متجر النبيذ لتناول الغداء سنويًّا. أضف اثنين إلى اثنين واحصل على أربعة! يجب أن يكون واضحًا أن الدعوة بطاقة خاصة تدعو الزائرين إلى العشاء في مقر المطعم عميلك وتنص على أنه عندما يطلبون النبيذ خلال تناولهم العشاء، فإنهم سيحصلون على ٢٠ بالمائة من سعر النبيذ (فقط نبيذ عميلك بطبيعة الحال).

هذه فكرة رائعة من أفكار «فوز–فوز»، أليس كذلك؟ فالمطعم عميلك سيحصل على المزيد من العملاء لتناول العشاء (الفوز الأول)، وعندما يأتي هؤلاء الأشخاص الإضافيون، سيطلبون النبيذ الذي يبيعه متجر النبيذ عميلك (الفوز الثاني، من نصيب العميل)؛ ومِن ثَمَّ سيحتاج المطعم إلى طلب المزيد من نبيذ متجر النبيذ عميلك (الفوز الثالث من نصيب متجر النبيذ). وبطبيعة الحال، ثمة فائز رابع هو أنت؛ إذ سيزدهر نشاط كِلا العميلين.

على وجه الخصوص، لا تجدي مثل هذه الأفكار نفعًا فحسب مع الشركات التي يسهل نسبيًّا الارتباط بها. فعلى سبيل المثال، تأمَّل تاجر السيارات الذي يملك استشاري أعماله عميلًا يعمل بمهنة جز العشب. بحق السماء كيف يمكنك أن تجمع بين هذَين الاثنين؟ ببساطة، يمكنك فعل ذلك عندما تبدأ في التفكير بطريقة مختلفة. هذا ما حدث: أبلغ استشاري الأعمال العميل في البداية أنه كان بحاجة إلى القيام بشيء مبتكر لكي يصبح مميزًا. ووافق العميل. اقترح استشاري الأعمال عليه قائلًا: «لماذا لا نُعين شخصًا يزور عملاءنا الجدد الذين ينضمون إلينا كل أسبوع ويقدم لهم خدمة جز العشب؟ إن لديَّ عميلًا يبدأ حاليًّا مشروعًا لجز العشب، وأنا أعلم أنه سيكون قادرًا على أداء تلك المهمة مرتين أو ثلاث مرات كل أسبوع مجانًا، شريطة أن يترك بطاقة يقترح عليهم من خلالها أنه في حال أعجبتهم طريقة جزه للعشب، فسيصبح جزاز العشب الدائم لهم. وبطبيعة الحال، سيقول إن أول عملية لجز العشب ستكون مجانية منك، بحيث تصبح صورتك أكثر روعة وجاذبية في أعين عملائك. وأراهن أنهم سيتحدثون أكثر عنك وسيقولون أشياء من قبيل: «لن تستطيع أن تتخيل أبدًا ما حدث بعدما اشتريت سيارة من وكالة السيارات «س» في البلدة؛ إن القائمين عليها رائعون بحق»!» راقت الفكرة لوكيل السيارات، وكذلك الحال بالنسبة إلى رجل الأعمال المختص بجز العشب، ناهيك عن استشاري الأعمال.

ينبغي عليك أن تتأمل قائمة عملائك بطريقة مختلفة تمامًا. فبدلًا من النظر إليها باعتبارها أحادية البعد، عليك أن تنظر إليها باعتبارها متعددة الأبعاد وأنت تُحدِّد العملاء الذين بإمكانهم أن يدعم بعضهم بعضًا. أو يمكنك حتى، وعلى مستوى أكثر عمقًا، أن تفعل ما اقترحناه عليك في السابق؛ انظر إلى قائمة عملائك باعتبارها ناديًا خاصًّا وأنت المضيف. ويتمثَّل جانب من مهمتك في هذا الصدد في التأكد من الجَمْع بين أعضاء النادي من أجل تعزيز الفرص التجارية المتاحة أمامهم.

من جديد، قلة قليلة من المهنيين لديهم القدر نفسه من الفرص المتاحة أمام المحاسبين والمحامين الذين يعملون في مؤسسات عامة من أجل مساعدة الناس على بناء مشروعات أفضل وأكثر ربحية بكثير. فاحرص على التشبُّث بتلك الفرصة.

•••

رون: بينما تمضي المهن نحو الممارسات المتعددة المسارات، كما كان الحال في أوروبا لعقود، سيصبح شتى أنواع الائتلافات أكثر شيوعًا. هذا ليس معناه أن عمليات الاستحواذ والاندماج سيُستعاض عنها بالتحالفات، لكن ما سيحدث هو أن التحالفات ستصبح استراتيجية تنافسية فعَّالة أمام الشركات الأصغر حجمًا كي تقدِّم مجموعة الخدمات نفسها التي يمكن أن يقدِّمها منافسوها الأكبر حجمًا. تأمل «الأسباب السبعة الرئيسة التي تجعل الشركات تُؤثِر التحالفات على الاستحواذ أو الحراك الداخلي»:
  • (١)

    «مشاركة المخاطر»: لا يمكن للشركات أن تتحمل وحدها التراجع المحتمل في فرص الاستثمار. شركة «إيرباص إندستريز» وهي تحالف يضمُّ شركات طيران من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإسبانيا تشكَّلَتْ في الأساس لهذا السبب. وقد استخدم قطاع النفط لوقت طويل التحالفات من أجل التشارك في مخاطر الاستكشاف في مواقع مثل بحر الشمال وبحر الصين الجنوبي وأذربيجان.

  • (٢)

    «عوائق الاستحواذ»: لا يمكن للشركات أن تستحوذ على الشريك المناسب بسبب السعر أو الحجم أو الأنشطة غير المرغوب فيها أو معارضة الحكومة أو إحجام الملاك أو القيود التنظيمية. وتحالف «جنرال موتورز» و«تويوتا» ربما تتوافر فيه جميع تلك الأسباب.

  • (٣)

    «الوصول إلى الشريحة السوقية»: لا تفهم الشركات عملاءها أو ليس لديها العلاقات أو البنية الأساسية اللازمة لتوزيع منتجاتها على سوق معينة. وقد اختارت «ليبتون» شركة «بيبسي كولا» لهذا السبب.

  • (٤)

    «الفجوات التكنولوجية»: لا تمتلك الشركات جميع التكنولوجيات التي تحتاج إليها ولا يمكنها أن تتحمَّل الوقت أو الموارد من أجل تطويرها بنفسها.

  • (٥)

    «سهولة الوصول الجغرافي»: الشركات ليست في المكان الذي ترغب أن تكون فيه، ولا تمتلك الموارد التي تُوصلها إلى وجهتها المنشودة. فقد تحالفت شركة «كورنينج» مع «سامسونج» لدخول السوق الآسيوية والمنافسة فيها. في كثير من الأحيان، تعوق التنظيمات واللوائح الحكومية الوصول المباشر. والصين خير مثال على ذلك. قلة قليلة من الشركات لديها الموارد والالتزام وتصريح الدخول إلى السوق الصينية بمفردها. وترحب معظم الشركات بتشجيع (أو تفويض) الحكومة للحصول على شريك محلي.

  • (٦)

    «قيود التمويل»: لا يمكن لكل شركة أن تتحمل تكلفة تطوير أو إطلاق مشروع بمفردها.

  • (٧)

    «مهارات الإدارة»: تحتاج الشركات إلى ما هو أكثر من الموهبة كي تحقق النجاح. فشركتا «أوراكل» و«مايكروسوفت» لديهما تحالفات عديدة مع شركات تكنولوجيا ناشئة؛ حيث يقدِّمون لتلك الشركات الموهبة الإدارية وإمكانية الوصول إلى مواردها في مقابل الوصول إلى تكنولوجياتها الناشئة. (المرجع السابق: ٤٢–٤٤)

من الواضح أن العديد من تلك العوامل تنطبق على الشركات المهنية الأصغر حجمًا. في الوقت الحاضر، يبدو أن رابطة المحامين الأمريكيين تقاوم تشكيل الشركات متعددة الاختصاصات، فيما يشبه الكيفية التي حاربت بها مهنة المحاسبة في البداية شراءَ شركة «أمريكان إكسبريس» لشركات محاسبية. ومع ذلك، ستسود السوق في نهاية المطاف، فالمستهلك هو المتحكم في الأمر وهو يحتاج إلى شركات مالية ومحاسبية وقانونية متكاملة الخدمات. ويُعدُّ موقف رابطة المحامين الأمريكيين بمنزلة رؤية قاصرة للعالم لا طائل من ورائها. بإيجاز، المحاسبون والمحامون ليسوا بدلاء بقدر ما هم عناصر تكميلية أشبه بالسيارات والإطارات والنقانق والخردل وشركات الطيران والفنادق.

(٣-٤) الاتحادات المهنية والانتماءات الرسمية

رون: ناقش ريك باين، مؤسس ائتلاف «برينسيبا»، آراءه المتعلقة بالاتحادات المهنية في مجلة الأعمال الأسترالية «بي آر دبليو»:

ما دامت الشركات المستقلَّة الأصغر حجمًا قادرة على تقديم جميع الخدمات التي يمكن أن تقدمها الشركات المنافسة الأكبر حجمًا، فإنها ستزدهر في هذه البيئة وستصنع لها مكانًا مربحًا جدًّا في السوق، ومن وجهة نظري ستحتفظ بهذا المكان.

السر هنا يكمن في عبارة «قادرة على تقديم جميع الخدمات التي يمكن أن تقدمها الشركات المنافسة الأكبر حجمًا.» وإحدى طرق القيام بهذا هي أن تصطف شركتك مع شبكة تمنحك إمكانية الوصول إلى مجموعة أوسع وأكبر من الخدمات التي يمكن أن تجعل بها شركتَك شركةً متعددة الاختصاصات. وأعتقد أن أفضل شكل لهيكل شركات الخدمات المهنية في المستقبل من حيث القابلية للنمو والتطوير سيتحقق من خلال الشبكات الرسمية. بعبارة أخرى، إذا لم تكن ضمن شبكة، ستصبح منافسًا لواحدة.

وإذا كنت ضمن شبكة، فالأفضل أن تستفيد من جميع المزايا التي يوفِّرها لك هذا؛ وذلك لأن مجرد استمرارك في تقديم ما قدمته لعملائك في الماضي لن يفي بتوقعاتهم واحتياجاتهم. (مقتبس في بيكر، ٢٥٤–٢٥٥)

يوجد الكثير من الشبكات في مهنة المحاسبة اليوم، ويمكن للشركات أن تنضم إليها كي تقدِّم مجموعة أوسع من الخدمات في سوق جغرافية واسعة؛ فتوجد شبكات مثل «بي دي أوه سيدمان» و«بي كيه آر إنترناشيونال» و«دي إف كيه» و«ماكجلادري نتوورك» و«مور ستيفيز» و«آي جي أيه أف» و«سي بي أمريكا» و«ليدينج إيدج» و«برينسيبا» وغيرها. والانتماء لأي واحدة منها طريقة ممتازة لزيادة جانب التأثير لدى الشركة وتعزيز رأس مالها الاجتماعي على نحو هائل. لا تتشارك الاتحادات في العملاء والمشروعات فحسب، ولكنها تتشارك أيضًا في التعليم وأفراد الفريق والتسويق وغير ذلك من مهام تشغيل أي شركة. إذا لم تكن شركتك ضمن تحالف حاليٍّ، فعليك أن تفكر بجدية في الانضمام لأحد تلك التحالفات. وسيحقق الاستثمار عائدًا في رأس المال الفكري الإضافي الذي ستحصل عليه.

(٣-٥) موظفو الشركة السابقون

رون: في الاقتصاد المعرفي؛ حيث يمتلك مستثمرو رأس المال البشري وسائل إنتاج الشركة، لا يكون بالإمكان الاحتفاظ بهم مدى الحياة، لكن حتى عندما يتوقَّف المشتغلون بالمعرفة عن العمل «لديك»، فإنهم يستمرُّون بالتأكيد في العمل معك. وقد أدركَت بالفعل شركات الخدمات المهنية منذ وقت طويل أن عضو الفريق السابق هو عميل مستقبلي مهم. تقول سيندي لويتون جاكسون، مدير التطوير المهني العالمي والعلاقات بالموظفين السابقين لدى شركة «باين آند كومباني»، إحدى الشركات الرائدة في مجال شبكات الموظفين السابقين: «الهدف هو بناء انتماء مدى الحياة.» وتضيف كاتي وايزر المدير العالمي للعلاقات بالموظفين السابقين في شركة «ديلويت كونسلتينج» قائلة: «موظفونا سيصبحون مؤثِّرين أينما حلُّوا مستقبلًا. نحن نزرع بذور المستقبل» (مقتبس في كانابو، مايو ٢٠٠٢: ٢٨).
يمكن أن يستفيد أفراد الفريق السابقون بطرق شتى كما أوضح سيم سيرتوجلو وآن بركويتس في مجلة «هارفارد بيزنس ريفيو»:
  • إعادة التعيين ومصادر الإحالة: اعتادت الشركات الخروج عن مسارها المألوف لتجنُّب تعيين موظفين سابقين. لكن هذه دائمًا ما تكون نظرة قاصرة. فالحقيقة هي أن تكلفة إعادة تعيين موظفين سابقين تعدل ضعفَي تكلفة تعيين أشخاص جدد؛ فالمعاد تعيينهم يكونون أكثر إنتاجية في الربع الأول من عملهم وغالبًا ما يمكثون لوقت أطول في وظيفتهم … ولعل ما هو أهم أن الموظفين السابقين أشخاصٌ معروفون لدى الشركة؛ ومِن ثَمَّ تتلاشى مخاطرة إساءة تعيين موظف جديد مكلِّف. والموظفون السابقون هم أيضًا مصدرٌ متنامٍ للإحالات. بل إن بعض الشركات تُقدِّم مكافأة للموظفين السابقين نظير إحالتهم لأشخاص أَكْفاء من أجل تعيينهم.
  • موردو رأس المال الفكري: يمكن أن يصبح الموظفون السابقون مصادر رائعة للأفكار والمعلومات ويساعدون شركاتهم السابقة في أن تبقى على اطلاع دائم بالاتجاهات والتكنولوجيات الجديدة، بل حتى فرص الاستثمار … تُعيِّن شركة كبرى للخدمات المالية موظفين سابقين كعاملين مؤقَّتين خلال فترات ارتفاع معدلات الطلب، وتستفيد شركة أخرى من خبرة الموظفين السابقين باعتبارهم مصادر أبحاث سوقية.
  • السفراء والمسوِّقون وجماعات الضغط: احتمالات أن يؤثر الموظفون السابقون في الآراء الخارجية عن شركةٍ ما لا تقلُّ عن احتمالات تأثير الموظفين الحاليين لدى تلك الشركة، لا سيما إذا لم يكن قد مضى على مغادرتهم الشركة وقتٌ طويل. لذا فإن بناء علاقة تآلف مع الموظفين السابقين والحفاظ عليها من شأنه أن يعزِّز سمعة الشركة وعلامتها التجارية وتأثيرها … تتَّجه [بعض] الشركات نحو استخدام شبكات موظفيها السابقين كوسيلة منخفضة التكلفة للمنتجات الجديدة وحملات التسويق. (سيرتوجلو وبيركويتش، يونيو ٢٠٠٢: ٢٠-٢١)

إن تأسيس شبكة موظفين سابقين والاحتفاظ بها تتجاوز مجرد إرسال دليل الشركة من وقت لآخر وتصميم موقع إلكتروني يتضمن إعلانًا بالوظائف المتاحة في الشركة. فينبغي أن تتضمَّن تلك الشبكة عرض القيمة الخاص بها وأن تمنح الموظفين السابقين مبررًا للاستمرار فيها، مثل مشاركة رأس المال الفكري والبرامج التثقيفية المدعومة وتوجيه دعوات لحضور فعاليات الشركة والمناسبات الخاصة.

(٣-٦) التفكير في تأسيس جامعة

رون: تعتقد كثير من الشركات أن لديها كمًّا وفيرًا من رأس المال الفكري تستخدمه داخليًّا في تدريب أفراد فرقها، فلماذا لا تعزِّز رأس المال الفكري هذا بحيث يصل إلى العالم الخارجي وتؤسِّس جامعة؟ بدءًا من جامعات في «ديزني» و«موتورولا» و«نوردستروم» وصولًا إلى مركز ريتز كارلتون للقيادة وبرامج تطوير القادة لدى شركة «جنرال إلكتريك»، وجدَت جميع تلك الشركات أن تقديم فرص تعليمية لعملاء الشركات ومصادر الإحالة وشركاء التحالفات وما إلى ذلك هو طريقة ممتازة لتوسيع مجال تأثير الشركة. إضافة إلى ذلك، وكما يوضِّح بيتر دراكر، سيُصبح التعليم المهني المستمر أحد أضخم المجالات في القرن الحالي؛ حيث تزداد صعوبة بقاء المشتغلين بالمعرفة على اطلاع دائم بالتطورات الحالية في مجال تخصصهم. وقد أسَّست شركات أخرى معاهد بحثية لتقديم التفكير الرائد والأكثر تطورًا في شتى الجوانب.

وتؤسس «دوبكينز آند كومباني»، وهي شركتنا الكائنة في مدينة بافلو في نيويورك جامعتها الخاصة كي تقدم تعليمًا في مجال التجارة والأعمال لعملائها. وقد قدَّم مارك كوزيل، مدير خدمات التوظيف لدى «دوبكينز»، تفاصيل بخصوص هذه المؤسسة في الأجزاء التالية:

لمحة تاريخية عن جامعة دوبكينز

اعتادت «دوبكينز آند كومباني أل أل بي» تقديم ندوات عمل متنوعة للعملاء الحاليين والمحتملين. وقد شملت الموضوعات «تخطيط التوارث» و«تدريب الإدارة المالية» و«تطوير الأعمال» و«التحرش الجنسي والتعيين». بعض الجلسات كانت بأتعاب رمزية، بينما قُدمت أخرى كوسيلة لتوجيه الشكر للعملاء (بعبارة أخرى، شعرنا بخجل شديد منعَنا من أن نطلب منهم أتعابًا). وقد وجدنا أن تلك الندوات حازت إعجاب عملائنا وكانت تثقيفية ومهمة لكثير منهم. ونتيجة لذلك، أسست «دوبكينز آند كومباني» جامعة دوبكينز، وهي مركز تعليمي تفاعلي لجميع المستويات الوظيفية في الشركات العائلية. ومن خلال عقد تلك الندوات برعاية جامعة دوبكينز تمكنَّا من تحسين محتوى الندوات وتقديمها باستمرار وبتكلفة ثابتة لعملائنا.

(أ) لِمَ الحاجة؟

لدى الشركات التجارية المملوكة للعائلات مجموعة متنوعة من الاحتياجات المختلفة والمحددة جدًّا. ومع ذلك، فإن معظم التدريب الذي تقدمه شركات التدريب المتخصصة معمَّم ومصمَّم لجعل الشركات الصغيرة تُدار مثل الشركات الكبيرة الحجم. كما أن شركات التدريب الوطنية تأتي وتُحاضر لبضع ساعات، ولكنها لا تقدِّم أي متابعة للتنفيذ. وهذا يعني عادة أن أي أفكار جيدة مقدمة للشركات الصغيرة تُنسى بعد أسبوع من التدريب. بالإضافة إلى ذلك، فإن الصراع الكبير الذي يواجه العديد من الشركات المملوكة للعائلات هو الافتقار إلى الموارد والموظفين اللازمين لتنفيذ التغييرات التي تروج لها هذه الشركات التدريبية.

وقد نبعت الحاجة الأكثر أهمية مباشرة من أصحاب الأعمال. كانت شركة «دوبكينز آند كومباني» في خضم تأسيس مؤسسة استشارية في مجال التصنيع. وقد شكَّلنا مجلسًا استشاريًّا يتألَّف من أصحاب الأعمال التجارية لشركات التصنيع كي نتمكن من تحديد رغباتهم واحتياجاتهم. كنا نظن في البداية أننا يمكن أن نوفر المساعدة والمعلومات المتعلقة بكفاءة التشغيل، ومراقبة المخزون، ومشكلات المصانع بوجه عام. ولكن بعد الاستماع إلى آراء مجلسنا الاستشاري، أدركنا أن حاجتهم الملحة للمساعدة كانت في إضافة قيمة لعملائهم. وكانت هذه الشركات «بالفعل» تُنتِج بفاعلية؛ لأن هذا هو ما كانت تُجيده. ولو أرادوا أن يكونوا أكثر كفاءة، فقد كان هناك عددٌ من مستشاري التصنيع القائمين بالفعل، والذين كانت لديهم سجلاتٌ أثبتت كفاءتها في مساعدتهم في تحسين الفعالية. إن ما أراده أصحاب الأعمال هو رأس المال الفكري وموردٌ يتفهم قضايا الأعمال الصغيرة للمساعدة في تدريب موظَّفيهم.

وأخيرًا، فإن الشركات التجارية المملوكة للعائلات لا تتمتع عادةً إلا بقدر ضئيل من الدعم الداخلي لرأس المال البشري. والعدد القليل من الموظفين المتخصصين في الموارد البشرية يركزون أكثر على الامتثال لقوانين العمل البشرية وقضايا الموظفين والتوظيف. وعادة ما يكون التدريب هو الوظيفة المهملة من جانب الموارد البشرية. ففي حين أنه من الأمور الشائعة جدًّا أن يكون لدى الشركات الكبيرة مراكز تعلم داخلية راسخة يسمونها الجامعات، فإن الشركات المملوكة للعائلات لا تستطيع عادة أن تقدم النوع نفسه من مراكز التعليم لموظفيها؛ فتكون النتيجة إرسال موظفيها إلى دورات تدريبية خارجية تعتمد عادة على وجهات نظر الشركات الكبيرة، أو لا تقدم أي تدريب مطلقًا، في الواقع.

الجواب هو جامعة «دوبكينز»؛ فنحن نتبوَّأُ مكانة متميزة في سوق التدريب ونلبي احتياجات التدريب من خلال التركيز على الشركات التجارية المملوكة للعائلات. في جامعة «دوبكينز»، يمكننا أن نوفر لسوق الأعمال الصغيرة المحلية فرصةً لتعزيز رأس مالها الفكري بتكلفة معقولة. كذلك نقدِّم لهذه الشركات أداةً مهمةً، ألا وهي المصدر المحليُّ الذي يوفِّر فرصةً للمتابعة لضمان تنفيذ الأفكار المتولِّدة من التدريب، ويمكن لأصحاب الأعمال التحكُّمُ في العملية عن طريق اختيار أعضاء الفريق الذين يعتقدون أنهم سيستفيدون على النحو الأمثل من البرنامج.

(ب) تطوير المنتج

جاء اختيار موضوعات الندوات في جامعة «دوبكينز» من خلال مجموعة متنوعة من المصادر. أولًا: نظرنا إلى عملائنا. فقد طلبنا منهم تحديدًا الموضوعات التي شعروا أنها الأكثر أهمية للنهوض بمهارات أعضاء فريقهم. كان مصدرنا الثاني جامعات الشركات العريقة. لقد بحثنا في الجامعات الحالية، وعروض دوراتها، ومدى نجاح أو فشل هذه الدورات. وأخيرًا، نظرنا إلى الحلقات الدراسية وبرامج التدريب الخاصة بنا وأدرجناها ضمن عملية تطوير منتجنا.

وحالما حددنا الدورات، صنَّفنا معظمها إلى ثلاثة مسارات تعليمية: مسار تعليمي لمالك النشاط التجاري، ومسار تعليمي للمشرفين/المديرين، ومسار تعليمي للمهارات العامة. كان تقديم المسار التعليمي لمالك الشركة أمرًا مهمًّا. فأصحاب الأعمال لن يحضروا عادةً الجلسات الموجهة إلى المديرين. كذلك، بمجرد أن يكون صاحب العمل منخرطًا وداعمًا للجامعة، فسيكون أكثر رغبة في إرسال أعضاء الفريق الآخرين إلى الدورات المستقبلية. وبالمثل، عندما يحضر المديرون والمشرفون ويدعمون الدورات، عادةً ما يصبحون دعاة لها كذلك. الدورات المقدمة في جميع المسارات الثلاثة موضحة في شكل ٧-١.

شكل ٧–١: الدورات المقدمة في كل مسار تعليمي

أصحاب الأعمال مهارات عامة
• مقدمة في القيمة الاقتصادية المضافة إلى الشركات العائلية. • التدريب على خدمة العملاء وتقديم الخدمة الرائعة.
• تدريب الإدارة المالية المتطورة للمدير غير المالي. • تقييمات الأداء؛ تقديمها وتلقيها.
• إدارة الجودة الشاملة. • التدريب على التواصل بفاعلية عبر الهاتف.
• كيفية بناء فريق. • إدارة النزاعات.
• تحديث الموارد البشرية لأصحاب الأعمال. • مهارات البيع.
• مخطط التعاقب الإداري لدى الشركات العائلية. • إنشاء الأعمال الإلكترونية.
• خلق الثقافة المؤسسية. • مهارات التواصل.
المديرون/المشرفون • التجارة الإلكترونية بين المؤسسات وبعضها.
• مقدمة في القيادة. • فعالية الاجتماعات.
• التحكم في الأداء. • التجارة الإلكترونية بين المؤسسات والمستهلكين.
• التواصل. • حل المشكلات/صنع القرار.
• حل المنازعات. • الاحتيال المهني وجرائم الموظفين الإداريين.
• التدريب. • التخطيط الوظيفي.
• تكافؤ فرص العمل/التحرش الجنسي. • أساسيات الإقراض برهن الأصول.
• التحفيز. • إدارة الوقت.
• مهارات الفريق/مهارات حل المشكلات. • التوظيف في القرن الحادي والعشرين.

نحن الآن بصدد وضع جدول زمني للدورات التدريبية، وستُقدم مواد مالك الشركة والمديرين/المشرفين في شكل فصل دراسي يمتد لفترة ١٠ أشهر. تُعقد الدورات مرة كل شهر لمدة أربع ساعات. وستُقدم الدورات العامة أربع مرات في السنة في تواريخ محددة. هدفنا هو تشغيل أربع مسارات تعليمية في نهاية العام الأول، بمعنى أن يبدأ فصل دراسي جديد ربع سنوي لمجموعة جديدة. وبحلول نهاية العام الأول، سيكون لدينا أربعة مسارات تعليمية لأصحاب الأعمال، وأربعة مسارات تعليمية للمديرين/المشرفين، وأربع جلسات عامة تُجرى في الوقت نفسه. تتألَّف الجلسة «الكاملة» من ١٥ إلى ٢٠ مشاركًا.

يبلغ الاستثمار في مسارات الفصل الدراسي الواحد ١٥٠٠ دولار أمريكي لكل شخص، ويتضمنُ ذلك ١٠ دورات تدريبية. تشتمل مسارات مالك الشركة على سبع دورات «إلزامية» وثلاث دورات — يختارها مالك النشاط التجاري — من مسار المهارات العامة. يتضمَّن مسار المديرين/المشرفين ثماني دورات «إلزامية» ودورتين إضافيتين من مسار المهارات العامة. سعر الدورات الفردية هو ١٩٥ دولارًا لكل دورة.

(ﺟ) الفوائد

بالنسبة إلى الشركة، ثمة العديد من الفوائد لإنشاء هذا البرنامج. أولًا: سوف نحصل في الواقع على أجر مقابل الندوات وورش العمل التي نقدمها. نحن كمحاسبين نميل إلى منح رأس مالنا الفكري مجانًا، ولكن ثمة قيمة هائلة لعملائنا. وستساعد جامعة «دوبكينز» في بناء استراتيجية تسعير ثابتة لبرامجنا.

ثانيًّا: يمكن أن تكون جامعة «دوبكينز» مكانًا لتدريب أعضاء فريقنا الداخلي. في أفضل الحالات، نود أن ندرب من ١٥ إلى ٢٠ موظفًا من العملاء في كل دَورةٍ. يمكن لأعضاء فريق «دوبكينز آند كومباني أل أل بي» الذين لم يَدرسوا برنامجًا معينًا في المنزل حضور الجلسات مستكملين المقاعد المتبقية التي يتراوح عددها بين ٥ و١٠ مقاعد، وفي الأساس، سيُدفع للشركة مقابل ما نبذله من مجهودات في مجال التعليم المهني المستمر. وقد صُمِّم العديد من البرامج حول الأنظمة التي طبَّقناها بالفعل في الشركة، ومنذ ذلك الحين ساعدنا بعض عملائنا في التطبيق. وهذا يمنح أعضاء فريقنا أيضًا مزيدًا من الإلمام بجامعة «دوبكينز» حتى يتمكنوا من المساعدة في تسويق هذه الخدمة لعملائنا الحاليين والمحتملين.

ثالثًا: بما أن هذا المفهوم فريد من نوعه، فبإمكاننا استخدام جامعتنا كميزةٍ في جهودنا التوظيفية؛ مما يتيح لأعضاء الفريق المحتملين أن يعرفوا أننا نريد الاستثمار في حياتهم المهنية من خلال إدخال تحسينات قوية على المهارات الوظيفية.

رابعًا: لقد زدنا من البيع المتبادل لخدماتنا. فبناءً على الموضوعات المطروحة، يتمثل العديد من الإدارات لدينا في: الضرائب، واستشارات قادة الأعمال، والاستشارات الإدارية، والاستشارات الحاسوبية، والتعيين، واستشارات الموارد البشرية. كل واحدة من هذه الإدارات لديها الآن فرصة أقوى في تلقي مشروعات إضافية بناءً على نجاح برنامجها. يمكن تقديم كل برنامج كجلسة عمل مستقلة إلى عميل فردي بسعر ثابت. ويمكن لجهود تطوير الأعمال المبذولة من جانب فريق الاستشارات الإدارية لدينا تقديم دورات المسار العام بانتظام لعملاء تطوير الأعمال. وهناك عملاء تطوير الأعمال في عدة مستويات بناءً على مستوى مشاركتنا. تقدم بعض المستويات دورات كجزء من الرسوم الشهرية، بينما تقدم المستويات الأخرى خصومات على الدورات.

عمومًا، فإننا نرى أن جامعة «دوبكينز» لديها إمكانات هائلة. فمن منظور داخلي، نحن لدينا ١٢ عضوًا في الفريق من سبع إدارات معنية بالجامعة؛ مما سيساعد في الارتقاء بالبرنامج. نحن بصدد زيادة مستوى الالتزام لأعضاء فريقنا من خلال تقديم هذه البرامج غير التقليدية بصفة منتظمة. أما من المنظور الخارجي، فإننا نقدم مفهومًا فريدًا من شأنه أن يميزنا عن الشركات الأخرى. نحن قادرون على تقديم مجموعة متنوعة من خيارات التدريب للشركات من خلال تشغيل مسارات الفصل الدراسي، وتقديم كل برنامج على حدة وتقديم برنامج خاص بالعميل. وأخيرًا، فإن تسويق الجامعة للمجتمع، فضلًا عن نظام تغذية قوي من خلال عملاء تطوير الأعمال يوفران فرصة أكبر للنجاح. هذا هو المفهوم الذي نأمل أن نرى به معهدنا المهني بحيث يرى مجتمع الأعمال بوجه عام أن المحاسب القانوني هو مستشار الأعمال «الشامل».

•••

رون: من الأمثلة الممتازة لمعاهد الأبحاث معهد «ماكنزي» العالمي، القائم لبحث الأمور التي تصل إلى ما هو أبعد مما إذا كانت أي شركة سوف تشتري أحد عروض «ماكنزي» للخدمات الاستشارية أم لا. فيعمل شركاء «ماكنزي» — وهم عادةً أفضل المفكرين — على تقديم زمالات لمدة عام واحد في المعهد، ويقيسون الاقتصاد العالمي من أوسع منظور يمكنهم إيجاده. فيما يلي وصف جيمس أوشي وتشارلز ماديجان لمعهد «ماكنزي» العالمي، وذلك في كتابهما «الشركات الخطيرة: المستشارون الإداريون وما ينقذونه ويخربونه من أعمال»:

إذا اعتبرنا أن «ماكنزي» دولة مستقلة بذاتها، فإن هذا [المعهد] بمنزلة وكالتها الاستخباراتية. إنه مؤسسة بحثية جيدة التمويل تدرس بعمقٍ الاقتصاد العالمي، ثم تصدر التقارير لكل من يرغب. وهذه التقارير مجانية، لكن قيمتها لا تُقدَّر بثمن؛ فهي تحقِّق السمعة الحسنة والشهرة ﻟ «ماكنزي» وتساعد في تشكيل العلاقات الاستشارية التي من شأنها أن تنقل الشركة إلى القرن الحادي والعشرين.

جميع الشركات الاستشارية الكبرى لديها مراكز بحثية تُصدر تقارير [نتيجة لانهيار الاتحاد السوفييتي والتحرك نحو الأسواق الحرة والخصخصة]، وما أدركناه كشركة هو أننا سنضطر إما إلى الاستثمار للحصول على معلومات أفضل وفهم أفضل لما كان يحدث في الاقتصاد العالمي ومساعدة الرؤساء التنفيذيين لدينا بالفعل، أو سيتحتم علينا أن نترك الساحة.

كان لدى الشركة خياران: إما أن تنخرط في دراسة الاقتصاد بدرجة كبيرة، وإما أن تترك المجال لجمع الأكاديميين وخبراء الاقتصاد الكلي الذين كانوا يخاطبون بالفعل قادة الأعمال في أوروبا. ما يعنيه ذلك، في نهاية المطاف، هو أنه كان سيتعيَّن عليها التخلي عن المسار الذي يمكن أن يكون مربحًا في الاستشارات المتعلقة بالاقتصاد وأن تتمسك فقط بمجال التجارة والأعمال.

كان بعض الشركاء في حيرة من أمرهم. فقد كانوا يتساءلون: «لماذا يجب أن تنفق «ماكنزي» لابتكار شيء جديد، بينما كل شيء يسير بالفعل على نحو جيد للغاية؟» يكمن الجواب جزئيًّا في شعور الشركة المتأصِّل بالفضول بشأن الكيفية التي يسير بها العالم؛ إذ إنها تسير الآن على المستوى نفسه. أما الجواب غير المعلن، كما يمكننا أن نتكهن، فهو أن الشركة لم يكن يروق لها على الإطلاق الشعور بتفوق مجموعة من الاقتصاديين والأكاديميين عليها.

لماذا الاختلاف؟ دائمًا ما يُمثل هذه تحديًا أمام الشركات الناجحة. وبالطبع، ما نخبر به عملاءنا هو أن هذا هو بالضبط الوقت الذي تستثمر فيه وتفعل شيئًا مختلفًا للحفاظ على هذا النجاح. وبعبارة أكثر دقة وتحديدًا، كنا نتناول بعضًا من دوائنا الذي نصفه للآخرين.

وهكذا وُلد معهد «ماكنزي» العالمي، وهو يعمل الآن بميزانية تبلغ نسبتُها عُشر من واحد في المائة من عائدات شركة «ماكنزي». إنه أعمق من وكالة الاستخبارات المركزية، من حيث إنه يمكنه أن يستدعي شركاءه من كل مكان في العالم من أجل تقديم خبراتهم الخاصة، ويهدف إلى التأكد من أن شركة «ماكنزي» لن تواجه أبدًا أي أسئلة لا تستطيع الإجابة عليها كالتي يطرحها الرؤساء التنفيذيون المحنكون فيما يخص الاقتصاد العالمي. قد يبدو الأمر ظاهريًّا وكأنه تمرين أكاديمي، ولكن عند اتباعه مسار [الشركة]، سيصبح بلا شك وسيلة جذب ليس فقط للعملاء المتلهفين للاستفادة من خبرات «ماكنزي»، ولكن أيضًا لمستشاري القرن الحادي والعشرين الذين يرغبون في البدء، وربما خلق حياتهم العملية، في شركة تقدم فرصًا عالمية بحقٍّ. (أوشي وماديجان، ١٩٩٨: ٢٨٨–٢٨٩)

هناك شركة في منطقة واين كونتري في مقاطعة نابا تضم معهدًا مختصًّا بأبحاث النبيذ ينشر الدراسات الاقتصادية على أعلى مستوى لتلك الصناعة، وهذه الدراسات متاحة لجميع من يطلبونها. وقد أدى هذا إلى زيادة شهرة الشركة ومكانتها، وعزز خبرتها في صناعة النبيذ.

(٤) تلبية كل الاحتياجات: نموذج الخدمة الشاملة

رون: يقول زميلي، دان موريس، المحاسب القانوني والشريك في شركة «موريس + دانجيلو»: إن رأس المال الاجتماعي هو الأقل من حيث ما يناله من اهتمام بين كل جوانب رأس المال الفكري في أي شركة من شركات الخدمات المهنية. وقد استعار مفهومًا قديمًا للغاية من القطاع الفندقي من أجل تغيير هذا الوضع في شركته، وهذا المفهوم هو نموذج الخدمة الشاملة، المذكور في بداية هذا الفصل. في واقع الأمر، يريد موريس أن يتصل به أفضل عملائه لأي شيء يحتاجونه، في أي وقت وفي أي مكان. هذا المنطق لا يعني تقديم مركز متعدد الخدمات، بل تقديم تجربة فريدة من نوعها لعملائك. وكما قيل، فإن المورد الوحيد النادر حقًّا في اقتصاد اليوم الغني بالمعلومات والمكثف بالمعرفة هو اهتمام الناس؛ لذا صممت نموذج الخدمة الشامل لضمان أن يفكر أفضل عملائك في شركتك أولًا لأي حاجة أو رغبة قد تعرض له.

ساعدت شركة «موريس» الناس في الحصول على تذاكر مباريات «السوبر بول»، والحجوزات في المطاعم فئة الخمسة النجوم، وتذاكر المسرح، كما ساعدتهم في الحصول على خدمات السباكة، والأسقف الجديدة، والسيارة، والطبيب أو طبيب الأسنان للوافدين حديثًا إلى المدينة، وما إلى ذلك. الفكرة هي أنك تعرف بالفعل شخصًا ما في شبكتك يمكنه تلبية احتياجات العميل أو رغباته. أليس من الأفضل أن توصيَهم بشخصٍ ما في شبكتك من أجل تعزيز رأس المال الاجتماعي للشركة؟ إذا كنت تثق بالأشخاص الموجودين في شبكتك، فسيكون هذا وضعًا يربح فيه الجميع؛ حيث ستقدم شركتك قيمةً أعلى، وسيقدِّر العملاء عملَك الإضافي الذي ترسله إليهم، وسيشعرون بالرضا، وعلى الأرجح، ستكون قد تجاوزت توقعاتهم. إذا لم يستطع أي شخصٍ في شبكتك تلبية احتياجات العميل، فمن المحتمل أنهم يعرفون شخصًا يمكنه فعل ذلك. وحتى إذا ظهر أنه لا يمكن لأحد أن يشبع احتياجات العميل، أليس من الجيد أن تعرف أن عميلك يفكِّر في شركتك أولًا فيما يتعلَّق بأي شيءٍ قد يرغب فيه؟ أنت في الحقيقة تقيِّد عملاءك «بحبالٍ ناعمة»، تجعلك تتأكَّد من أنها لا تدع منافسًا محتملًا يقترب من نطاق تأثيرك.

ولتبنِّي هذه العقلية في تقديم الخدمة أثرٌ جيدٌ في رفع الوعي الجمعي لدى شركتك فيما يتعلق بأفضل العملاء لديها. فأنت تنتقل عبر المستويات التالية من أجل توفير الخدمة الشاملة:
  • (١)

    الوعي.

  • (٢)

    الألفة.

  • (٣)

    المعرفة.

  • (٤)

    الفهم.

بمجرد الانتقال إلى مستوى فهم رغبات عملائك وما يتوقون له وآمالهم وتطلعاتهم وأهدافهم المستقبلية وما إلى ذلك، يصبح من السهل توفير نموذج الخدمة الشاملة. لكنه ينطوي على بعض المخاطر؛ فهناك دائمًا احتمال عدم حصول العميل على الخدمة المتميزة؛ لذلك عليك أن تحيلهم إلى الشركات التي تعرف أنها تقدم خدمات ممتازة، لكن عملاءك هم مصدر ممتاز لتنمية هذه المهارة لديك أو هكذا ينبغي أن يكونوا‎. لا تدع المخاطر تطغى على فرصة تقديم نموذج الخدمة الحيوي هذا الذي من شأنه أن يعزز ولاء العملاء. ويمكنك تحصيل سعر ممتاز مقابل تقديم هذه الخدمة. كذلك فإن هذا النموذج سيعمِّق علاقاتك عبر قاعدة رأس المال الاجتماعي وسيغير طريقة التفكير في ثقافتك من شركة خدمات متخصصة إلى شركة للحلول الشاملة؛ كما سيمدك بميزة تنافسية في السوق، مما يمكن مؤسستك من التنافس بناءً على الخدمة، بدلًا من التركيز على السعر فقط. (ستتمكن من قراءة المزيد حول نموذج الخدمة الحيوي هذا؛ إذ يعكف موريس حاليًّا على تأليف كتاب يستند في تقديمه إلى خبرة شركته، وتعاليمه في هذا المجال، وستنشره مستقبلًا مؤسسة «جون وايلي آند صانز» للنشر.)

موجز ونتائج

إن رأس المال الاجتماعي لشركتك — العملاء والسمعة والعلامات التجارية ومصادر الإحالة والشبكات والموردين والبائعين والمساهمين والمعنيين الخارجيين الآخرين وشركاء المشروعات المشتركة والتحالفات والروابط المهنية والعلاقات الرسمية والموظفين السابقين — لا يمثل رافعة تساعدك في تحريك الأرض فحسب، ولكنه أيضًا يهيئ لك أرضًا صلبة يمكنك الوقوف عليها. وكما هو الحال مع الأصول الأخرى غير التنافسية، لا يُقَيَّدُ رأس المال الاجتماعي للشركة بالوقت أو الحيز المادي؛ بل إنه في الواقع يستفيد من «قانون مِتكالف» في مجال الكمبيوتر والاتصالات السلكية واللاسلكية، والذي ينص على أن قيمة الشبكة تزداد بزيادة مربع عدد المستخدمين المتصلين بها؛ أي إن عدد الاتصالات يضاعف القيمة باطِّراد. فكل شخص في الشبكة الاجتماعية لشركتك هو منتج ومستهلك ومورد لرأس المال الفكري.

وتقرر نظرية جاري بيكر — وغيره ممن درسوا هذا المجال — المتعلقة برأس المال الاجتماعي الدورَ المهيمنَ الذي يلعبه في حياتنا وحياة عملائنا وشركائنا؛ إذ لا يوجد أحد في فراغ، فجميعنا متأثرون بشدة بأفراد عائلتنا وأصدقائنا وزملائنا وجيراننا وما إلى ذلك. وسوف تبدأ شركات المستقبل في الاستفادة من هذا المصدر الذي لا ينضب من رأس المال الفكري لخلق قيمة لكل من يأتي في مجال تأثيرها، وسوف تصبح أكثر فعالية في جذب نوعية الأشخاص الذين ترغب في العمل معهم وفي تطوير وضعها الاجتماعي، فضلًا عن وضعها المالي.

لقد حان الوقت لنركز اهتمامنا على أهم مكون في رأس المال الاجتماعي للشركة، ألا وهو عملاؤها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠