الفصل الثامن

قائمة عملائك تُعبِّر عنك

إنه أمر بديهي: أنت بنفس جودة — أو سوء — قائمة عملائك، بتعبير أدق: أنت بحقٍّ قائمة عملائك!

توم بيترز، «٥٠ طريقة لتأسيس شركة خدمات مهنية»

دخل أحد الصيادين إلى متجر لبيع أدوات الصيد متأملًا مجموعة متنوعة من الطُّعم الأخضر والبنفسجي الزاهي. وسأل صاحب المتجر: «هل تنجذب السمكة حقًّا لهذه الأشياء؟» فأجابه: «ليس لديَّ أدنى فكرة؛ فأنا لا أبيعها للأسماك.»

•••

رون: بناءً على المفهوم التسويقي لبيتر دراكر الذي نُوقش في الفصل الثالث، والذي ينصُّ على أن الغرض من أي منشأة هو تحقيق نتائج خارج نطاقها، يستكشف هذا الفصل ما يُعد العنصر الأهم ربما في أي شركة خدمات مهنية، ألا وهو عملاؤها. سوف نتخذ نهجًا شموليًّا لاستكشاف أهمية العملاء. ونظرًا لما يتسم به هذا الموضوع من تعقيد شديد، فقد قسَّمناه إلى الموضوعات التالية:
  • ما الذي يشتريه العملاء حقًّا؟

  • عرض القيمة.

  • ما الذي يتخطَّى خدمة الجودة الشاملة؟

  • الانتقال من مرحلة انعدام العيوب إلى مرحلة انعدام خسارة العملاء.

  • قانون بيكر: العملاء السيئون يطردون العملاء الجيدين.

  • القدرة على التكيف.

إذا كان ثمة درس واحد قد تعلمناه من الشركات المهنية الناجحة في جميع أنحاء العالم، فهو أن اختيار العميل والاحتفاظ به يُعتقد أنه أهم معيار يمكن أن تحققه الأعمال التجارية في سبيل النجاح الطويل المدى. وفي عالمٍ يتزايد فيه التنافس والإنتاج حسب طلب العميل والتخصُّص، لا يمكن للشركات أن تلبِّيَ كلَّ الرغبات لكل الناس؛ لذا كان من الأهمية بمكان تحديدُ العملاء المستهدفين، وما يحتاجونه، وما يريدونه، وما يتوقعونه منك، وقيمة العرض الذي ستقدِّمه لهم. ولهذا نجد أن الشركات الأكثر نجاحًا ترفض أعمالًا أكثر مما تقبل؛ لأنها دائبة في التأهيل المسبق للعملاء المحتملين، متخذةً القرار الاستراتيجي بعدم قبول أي عملاء جدد. كما أن شركات المستقبل تفكِّر في قدرتها على الأداء بطريقة مختلفة تمامًا عن المقياس التقليدي للساعات التي يمكن إعداد فواتير بها. لذلك فإننا نضع نموذجًا للقدرة التكيفية التي تمكِّن شركتك من تحقيق أقصى قدر ممكن من أرباحها استنادًا إلى قدرتها الثابتة.

(١) ما الذي يشتريه العملاء بحقٍّ؟

رون: إحدى المشكلات التي يواجهها المهنيون في فهم عملائهم فهمًا حقيقيًّا هي أنهم يميلون إلى التركيز على الجوانب الفنية لما يقومون به من أجل العملاء، بدلًا من التركيز على كيفية استفادة العملاء مما يُفعل من أجلهم. دائمًا ما يُنصحُ رجال الأعمال بالاستماع إلى عملائهم، لكن لعل الاستراتيجية الأفضل هي أن تصبح عميلًا. هذا ليس صعبًا كما يبدو؛ لأننا جميعًا نلعب دور العملاء في كل يوم، ونفهم سبب قيامنا بشراء الأشياء، وما نبحث عنه عند اختيار مقدِّم الخدمة، وكيف نشعر تجاه التجربة العامة مع الشركة التي نتعامل معها. وفي حين أن العديد من المهنيين لا يواجهون بالضرورة تجربة الحصول على خدمة المحاسبة أو المشورة القانونية لأنفسهم مقابل مال، فإن البعض منهم يواجهها (على سبيل المثال، المراقبون في مجال الصناعة يضطرون إلى توظيف محاسبين قانونيين وشركات محاماة، كما يلجأ المستشار القانوني الداخلي إلى اختيار مستشار خارجي). إنها تجربة تعليمية للتحدث مع هؤلاء المهنيين حول كيفية اتخاذهم القرارات التي يعتمدونها وأسبابها؛ نظرًا لأنهم مشترون مُحنَّكون.
إنه سؤال يرتدي قناعًا خادعًا من البساطة: ما الذي نتقاضى الأموال مقابل تقديمه؟ غير أن العديد من المهنيين يظنون من منطلق الغرور أنهم يعرفون ما يريده عملاؤهم، ويعتقدون أنهم يقدمون لهم ذلك بالضبط لسنوات. هذه رؤية قاصرة، ومن المحتمل أن تكون ضارة؛ فثمة كم هائل من المعلومات حول سبب إقدام الأشخاص على الشراء، وكيفية شرائهم، وعملية اتخاذ القرار التي يمرون بها، والتي تتجاهلها الشركات مما يعرضها للخطر. وقد وضع الخبير الاقتصادي شلومو ميتال، الذي درَّس الاقتصاد لرجال الأعمال لعقود، في كتابه «الاقتصاد التنفيذي: عشر أدوات أساسية للمديرين»؛ ١٣ دافعًا تحدد ما يشتريه الناس:
  • (أ)

    الملاءمة.

  • (ب)

    تأثير العَرَبة (غريزة القطيع).

  • (جـ)

    التكلفة، أو السعر.

  • (د)

    خصائص التركيبة السكانية.

  • (هـ)

    المرونة، أو حساسية الأسعار.

  • (و)

    الصيحات والموضة.

  • (ز)

    الطمع.

  • (ﺣ)

    العادة.

  • (ط)

    الدخل.

  • (ي)

    القيمة مقابل المال.

  • (ك)

    المعرفة.

  • (ل)

    الولاء.

  • (م)

    العقول والأموال. (ميتال، ١٩٩٤: ١٧١)

تفسِّر بعض هذه العوامل سبب فهم تجار المجوهرات منذ فترة طويلة أن الناس لا يشترون الألماس بسبب خصائصه الأربع: اللون، والقطع، والشفافية، ووزن القيراط. بل إنهم في الحقيقة يشترون رد فعل الآخرين؛ فالرجل يتخيل رد فعل المرأة التي تحب أن تُهدى بالألماس، بينما تتخيل هي رد فعل عائلتها وأصدقائها وزملائها وغيرهم، عندما يرونها مرتدية إياه. كذلك تفسِّر هذه العوامل سبب تأثر معدلات حضور الأفلام السينمائية ومبيعات الكتب بشدة عبر الكلام المتداول: وهو ما يُعرف باسم تأثير العربة.

تحاول العديد من النظريات تفسير سبب شراء الناس ما يشترونه. فقد طرح الاقتصادي ثورستين بوند فيبلين (١٨٥٧–١٩٢٩) العديد من التفسيرات في كتابه «نظرية الطبقة المرفهة» (الذي نُشر لأول مرة في عام ١٨٩٩)، والذي اعتمد عليه ميتال في تفسير بعض الدوافع وراء إقدام الناس على الشراء. فأشار فيبلين إلى «الثقافة البربرية»، مستشهدًا برموز مثل الممتلكات أو العبيد، والتي كانت بمثابة دلالات على الغزو الناجح. وفي ثقافة اليوم، تُعَدُّ الرفاهيات هي الإشارة الرئيسة للمكانة والطبقة، والتي أرجع فيبلين شراءها لسببين: إظهار انتمائك لطبقة عليا للآخرين، وتمييز نفسك عن الطبقة الدنيا. لم يأخذ علماء الاقتصاد في ذلك الوقت كتاب فيبلين على محمل الجد؛ إذ وجدوه سخيفًا ولا يدعمه أي دليل. حتى قال أحد الاقتصاديين في شيكاجو: «لقد هنأته وسألته عمَّا إذا كان قد فكَّر في ترجمته إلى الإنجليزية.»

في كتابه «كيف تكسب العملاء وتحتفظ بهم مدى الحياة: نسخة منقحة ومحدثة للعصر الرقمي»، يرجِّح الدكتور مايكل ليبوف، أن تكون لدى العملاء الدوافع التالية لهذه المشتريات المختلفة:
  • لا تَبِع لي الملابس، بل بِع لي مظهرًا لافتًا وأناقةً وجاذبية.

  • لا تَبِع لي التأمين، بل بِع لي راحة البال ومستقبلًا عظيمًا لي ولعائلتي.

  • لا تَبِع لي منزلًا، بل بِع لي الراحة والرضا والاستثمار الجيد وزهوة الامتلاك [وقطعة من الحلم الأمريكي].

  • لا تَبِع لي الكتب، بل بِع لي ساعاتٍ ممتعة وفوائد المعرفة.

  • لا تَبِع لي لُعبًا، بل بِع لأطفالي لحظاتٍ سعيدة.

  • لا تَبِع لي جهاز كمبيوتر، بل بِع لي المتعة ومزايا معجزات التكنولوجيا الحديثة.

  • لا تَبِع لي الإطارات، بل بِع لي التخلص من القلق وانخفاض التكلفة لكل ميل.

  • لا تَبِع لي تذاكر الطيران، بل بِع لي الوصول السريع، والآمن، في الوقت المحدد إلى وجهتي وأنا أشعر بالزهو.

  • لا تَبِع لي أشياء، بل بِع لي المُثُل، والمشاعر، واحترام الذات، والحياة المنزلية، والسعادة. (ليبوف، ٢٠٠٠: ٢٢-٢٣)

لا يُغفِل البائعون الناجحون بالضرورة ذكر خصائص المنتجات التي يبيعونها، ولكنهم دائمًا ما يضيفون عبارة «ما يعني» إلى نهاية كل شرح لمميزات منتجهم أو عرض خدماتهم. عبارات مثل: «هذه السيارة بها محرك ثماني الأسطوانات «في-٨»، ما يعني أنها سوف تدوم لفترةٍ أطول؛ لأنه لن يضطر إلى العمل بالجهد نفسه الذي يعمل به المحرك الأصغر» (ويليامز، ١٩٩٨: ٩٨). وكان ليو بيرنيت عملاق الإعلانات يقول: «لا تخبرني عن مدى جودة ما تفعله؛ أخبرني كيف يجعلني سعيدًا عندما أستخدمه.»

أكمل العبارة التالية: لا تبع لي الخدمات المحاسبية (أو القانونية)، بل بِع لي ───، لاحظ كيف أن «توجيهات البيع» هذه لا تنطبق فقط على المنتج أو الخدمة المادية، ولكن أيضًا على المشاعر والخبرات التي تصاحبهما. هذا جزء أساسي مما تعرضه الشركة من فوائد للمنتج، والذي سنناقشه في القسم التالي. لنركز الآن على وضع نظرية بشأن ما يشتريه الناس من مقدمي خدماتهم المحترفين. أجرَتْ شركة «أبرامز ليتل جيل لوبرفيلد بي سي»، من تشيسنت هيل بولاية ماساتشوستس، مجموعاتٍ واسعةً من الأبحاث على العملاء وأصدرت تقريرًا (تحوَّل لاحقًا إلى كتيب تسويق فعال) بعنوان «لماذا أبرامز ليتل جيل لوبرفيلد؟ أهم ١٠ أسباب وفقًا لعملائنا»؛ وهو تقرير يسرد الأسباب التي قدَّمها العملاء لاختيارهم خدمات الشركة على النحو التالي:
  • السبب الأول: لأنها تحدُّ من قلقي.
  • السبب الثاني: لديَّ القدرة على الوصول إلى المعرفة المتخصِّصة وكم هائل من الخبرة.
  • السبب الثالث: أثق بمحاسبي القانوني/مستشاري التجاري.
  • السبب الرابع: تهتم الشركة اهتمامًا شخصيًّا بأعمالي وبأسرتي وبي.
  • السبب الخامس: يقدم لي محاسبي القانوني/مستشاري القانوني معلوماتٍ قيمة.
  • السبب السادس: لأنها تلبِّي كل توقعاتي.
  • السبب السابع: ساعدتني الشركة في خلق فرص جديدة.
  • السبب الثامن: تعجبني النتائج التي تحققها.
  • السبب التاسع: يستخدمون أحدث التقنيات.
  • السبب العاشر: يهتمُّ أعضاء الشركة بالمجتمع.

الآن يمكنك القول إن هذه هي الأسباب الحقيقية وراء «استمرار» الناس في التعامل مع شركة ما وليست الأسباب التي دعتْهم إلى الشراء في البداية. ضع هذه الفكرة جانبًا وضع في الاعتبار حقيقة أن الشركة التي تمتلك هذه الأسباب العشرة، لديها فرصة أفضل بكثير لاستخدام هذه الأسباب (في برامجها التسويقية) لاجتذاب العملاء الذين تريدهم بالضبط.

لاحظ على وجه الخصوص كيف أن أيًّا من الأسباب العشرة لا تتطرق للسعر، أو الجودة التقنية لما تنتجه الشركة، وهذا له تداعيات مهمة لوضع سياسات التسعير الاستراتيجية للشركة (التي نستكشفها في الفصل التاسع) ولتصميم عرض القيمة الذي تقدمه الشركة. وقد طرح بيتر دراكر فكرةَ أن المريض يعرف الأعراض، لكن الطبيب يعرف ما تعنيه تلك الأعراض، ولكن يجب أن يستمع كلاهما لما يقوله الآخر من أجل إقامة علاقة ذات قيمة إضافية. يجب ألَّا يشتكيَ الأطباء من أن المريض لم يلتحق بكلية الطب؛ تمامًا كما لا يفيد المحاسب القانوني أو المحامي الشكوى من أن العميل «لا يدرك قيمة ما نفعله». إن مهمتنا هي جعلهم يفهمون قيمة ما نفعله، ولا يمكننا أن نفعل ذلك إلا من خلال فهم الدوافع — على مستوى عميق وجاد — التي من أجلها يختار العملاء مهنيين بعينهم ويستمرون في التعامل معهم.

لقد دقَّق مايكل ليبوف فيما جمعه من بيانات العملاء، وافترض النظرية التالية لتوضيح ما يشتريه الناس حقًّا: «على الرغم من كم المنتجات والخدمات المعروضة للبيع التي لا تُحصى في السوق الحالية، فإن العملاء سيُنفقون أموالهم التي حصلوا عليها بشِق الأنفس من أجل الحصول على أمرين فقط: الشعور الجيد [و] حلول للمشاكل» (ليبوف، ٢٠٠٠: ٢٣). هذه نظرية جيدة، وبها نزعة نفعية ما، تتمثل في فكرة أن الأفراد ينفقون وقتهم (ومالهم) سعيًا وراء المتعة وتجنبًا للمشقة. إنها القاعدة التسويقية البديهية القديمة التي تقول إنك لا تشتري المثقاب، بل تشتري الثقوب التي يُحدثها المثقاب. إن فهم هذه الحقيقة البسيطة يمكن أن يساعد شركة مثل «بلاك آند ديكر» على الدخول في مجال الليزر، باعتباره تقنية أخرى لثقب الأشياء. كما أن تلك النظرية تُعطي تفسيرًا لإقدام الكثير من الناس على شراء أوراق اليانصيب؛ فهم في الواقع يشترون حلمًا منخفض التكلفة. قدَّم تشارلز ريفسون، مؤسس إمبراطورية مستحضرات التجميل «ريفلون»، طلاء الأظافر وأحمر الشفاه متناسقي الألوان خلال فترة الكساد الكبير، وأمطر العديد من المعلقين ألوانه الزاهية بوابل من الانتقادات واصفين إياها ﺑ «الهابطة»، ولكن من خلال تقديمه مجموعةً من الأزياء الجديدة العصرية — ومنحه مشاعر طيبة لملايين السيدات — تمكن من تحويل منتج ذي هوامش ربحية منخفضة إلى منتج مربح للغاية. لقد كان، في الواقع، يعلم أنه يبيع الأمل. كذلك وضعت شركة «أبجون» إعلانًا للعلامة التجارية «روجين» يقول: «أيها السادة، فلتبدءوا في زرع بصيلاتكم.» إن «روجين» لا تبيع الشَّعر (لا يمكنها أن تدَّعي ذلك قانونيًّا؛ لأنها لا تنجح بنسبة ١٠٠٪ في ذلك)، لكنها تبيع الأمل، وتعكس إعلاناتها هذا الدافع.

إن المهنيين ممتازون في حل مشكلات العملاء؛ فهذا ما تدربوا على فعله. لكن مجرد حل المشكلات لم يَعُد كافيًا. علينا أيضًا تقديم المشاعر الجيدة التي تُعد جزءًا من تجربة العميل في التعامل مع شركاتنا.

المقصد هو أن عملية حل المشكلات لا تقلُّ أهمية بالنسبة إلى العملاء عن النتائج المتحققة. فالتركيز على تجربة العملاء إجمالًا — حلُّ المشكلة وخلْق شعور جيد — لا يدل فقط على الكفاءة، ولكن على التميز كذلك. لكن النظرة النفعية التي يفترضها ليبوف لا تساعد الشركة على تخصيص عروض خدماتها لمختلف عملائها. من السهل أن ننجرَّ إلى فرضيات مطولة ومعقَّدة، لكنني أفضِّل مفهوم «شفرة أوكام» الفلسفي من القرون الوسطى، الذي يقول إنه لا طائل من وراء تحقيق نتيجة استنادًا إلى الكثير من الافتراضات بدلًا من القليل منها. ولهذا السبب أفضل نظرية تيودور ليفيت بخصوص ما يشتريه العملاء حقًّا، ألا وهو: «التوقعات». كان ليفيت أستاذًا للتسويق في كلية هارفارد للأعمال ورئيس تحرير مجلة «هارفارد بيزنس ريفيو»، ونظريته الخاصة بالتوقعات مفيدة؛ لأنها تدفع الشركة إلى التركيز على المنفعة التي يحاول العميل زيادتها. لا يحمل كل العملاء التوقعات عينها؛ لذلك يجب التعامل مع كل عميلٍ بطريقةٍ مختلفة.

تؤكِّد نظرية ليفيت أيضًا أهمية التحقق من توقعات العميل قبل قبوله كعميل، أو أداء عمل لعميل حالي. ونظرًا لأن العميل يُقيِّم أداء الشركة كدالةٍ لكيفية رؤيته لأداء الشركة مقسومًا على ما يتوقعه، فهي خطوة حاسمة في عملية تقديم الخدمة من أجل تحقيق فَهمٍ دقيق لتلك التوقعات التي سُتقيَّم الشركة على أساسها. قبل كل مشاركة، ينبغي على الشركة (أجل ينبغي عليها) أن تسأل العميل: «ماذا تتوقع منَّا؟»

إن طَرْح هذا السؤال يسمح للشركة بالتحكم بدرجة ما أو بأخرى في توقعات العميل. فإذا كان العميل لديه توقعات غير واقعية، فمن الأفضل للشركة أن تكتشف ذلك قبل أن تبدأ أي عمل، بدلًا من أن تكتشفه بعد أن تكون قد خصصت موارد ثابتة لعميل مفرط في توقعاته. تُعَدُّ شركة «ساوث وست إيرلاينز» شركة رائدة فيما يتصل بإدارة توقعات العملاء. فالعملاء يفهمون جيدًا أنها شركة طيران بلا رفاهيات، بلا مقاعد مُخصصة، ولا خدمة تقديم الطعام، ولا درجة أولى، وهلم جرًّا. ومع ذلك، وبالرغم من أن شركة الطيران قد خفضت توقعات العملاء في هذه الجوانب، فإنها تحقق رقمًا قياسيًّا ممتازًا في الوصول في الوقت المحدد ودون أن تفقد أمتعتك، وكل ذلك بسعر مشابه لقيادتك السيارة أو ركوبك الحافلة؛ لذا كان معظم العملاء يغادرون وقد تحققت توقعاتهم وأكثر، والأهم من ذلك، أنهم يعودون إلى السفر مع «ساوث وست إيرلاينز» مرة أخرى. قارن هذه التوقعات بشراء تذكرة على الدرجة الأولى، على سبيل المثال، على خطوط «يونايتد إيرلاينز»، وستجد أن رأي العميل يختلف في كل جانب من جوانب الرحلة تمامًا عما توقَّعه.

لقد كانت مجلة «هارفارد بيزنس ريفيو» تنشر تقارير منذ عدة سنوات تفيد بأن رضا العملاء لم يعُد كافيًا، وأن على الشركة أن تسعى إلى إسعاد عملائها. وتكشف الدراسات التي أجرتها مؤسسة «هارفارد بيزنس ريفيو» أن ما بين ٦٥ إلى ٨٥ بالمائة من العملاء الذين اختاروا مُوردًا جديدًا قالوا إنهم راضون أو راضون جدًّا عن موردهم السابق. إن تلبية توقعات العميل صعبة بما فيه الكفاية، فضلًا عن تجاوزها، إذا كانت الشركة لا تعرف بالضبط ما هي توقعاته أصلًا. أن تصبح عميلًا وتخوض تجربة العميل، فستكون طريقة جيدة للتعلُّم. البديل الآخر هو سؤال العملاء باستمرار حول توقعاتهم.

بعد ترشيحه بقوةٍ من قِبل عميل آخر، التقى محاسبٌ قانوني بمديرٍ تنفيذي لشركةٍ كانت بحاجة إلى الإفصاح الكامل عن تجميع قوائمها المالية. وخلال الاجتماع، سأل المحاسب القانوني المديرَ التنفيذي: «إذا ما قررت الاستعانة بنا، ما الذي تتوقع منا أن نفعله؟» تفاجأ المدير التنفيذي قليلًا بهذا السؤال؛ ربما لأنه لم يطرح عليه هذا السؤالَ من قبلُ أي محاسب قانوني آخر. وبدأ يوضح أنه يريد بالفعل أن يقيم المحاسب القانوني علاقةً مع البنك الذي يتعامل معه. ويبدو أن شركته لديها دورة تدفق نقدي تكرارية إلى حد ما، وخلال فترات معينة من السنة، ستُعَد شركته منتهكة لاتفاقيات القروض التي أبرمتها مع البنك. وقال للمحاسب القانوني: «إذا كان البنك الذي أتعامل معه يشعر بارتياح في التعامل مع محاسبي القانوني، فسأتمكن من النوم ليلًا.» كانت هذه توقعات العميل؛ ومِن ثَمَّ كثَّف المحاسب القانوني تركيزه على هذا الجانب من العلاقة على الفور. ولأنه تمكَّن من تجاوز توقعات العميل الإجمالية من خلال إقامة علاقة ممتازة مع البنك، تمكن أيضًا من الحصول على سعر ممتاز لتجميع القوائم المالية. إذا كانت جميع الشركات تركز على الجانب الفني من الوظيفة — تجميع القوائم المالية في حالتنا هذه — دون أن تبحث أبدًا عن دوافع القيمة التي تكشف عن فهم أعمق لما يشتريه العميل بالضبط، فسيقدَّر للشركة أن تُعامل كسلعة، مع عدم وجود فرقٍ حيوي بينها وبين المنافسين.

نظرًا لأن التوقعات «ديناميكية» وليست «ثابتة»، فمن الضروري أيضًا أن تسأل الشركة العملاء باستمرار عما يتوقعونه، على الأقل سنويًّا، إن لم يكن على فترات أقصر، لنقل بعد كل مشروع، على سبيل المثال. ويجب على الشركة ألَّا ترتكز أبدًا على أمجادها وألَّا تفترض أنها تعرف بالضبط ما الذي يجب على العميل فعله، كما توضِّح هذه القصة الفكاهية من شيلا كيسلر، مستشارة إدارية وأحد أعضاء هيئة التحكيم الخاصة بجائزة «بالدريديج» للجودة، في كتابها «قياس وإدارة رضا العملاء: السعي نحو القمة»:

لاحظت شركة «موتورولا» زيادة هائلة في عائدات أجهزة النداء الآلي في كوريا. وعند التحقيق في كيفية استخدام الناس لها، وجدت شركة «موتورولا» أن الشابات يحملن في بعض الأحيان ما يصل إلى سبعة أجهزة نداء آلي مدسوسة في أحزمتهن. كان كل جهاز منها يُمثل صديقًا مختلفًا على اتصال بتلك المرأة؛ أي رابط اتصال حصري. وقد كان عدد أجهزة النداء الآلي التي ترتديها الفتاة يرمز إلى علو شأنها ومكانتها. (كيسلر، ١٩٩٦: ١٧٩)

في كتابه «العالم الآن: ١١ مبدأً إداريًّا جعل فيدكس تُحدث ضجةً كبيرة بين عشية وضُحاها»، طرح جيمس ويذرب سؤالًا مثيرًا للتفكير:

أسافر كثيرًا، ولا أراجع أمتعتي مطلقًا. وعندما أتحدث في اجتماع خارج البلدة أو في إحدى الندوات، أحتاج إلى ملابسي وشرائح العرض الخاص بي. هذا هو السبب في أنني دائمًا أحمل حقائبي الخاصة. فإرسالها عن طريق شركة الطيران، في كثير من الأحيان، كإرسالها مباشرة إلى جهة مجهولة.

ويطرح هذا الحذر سؤالًا مثيرًا للاهتمام: لماذا أثق «على نحو مطلق وإيجابي» بأن «فيدكس» ستفعل على متن طائراتها ما لا تفعله شركات طيران أخرى؟ والسبب في ذلك هو أنني لا أستطيع التفكير في أي شركة طيران أخرى لديها نظام معلومات داخلي لتتبع الأمتعة وتسليمها في الوقت المحدد. لا يوجد مثل هذا الناقل للركاب اليوم. ربما سيتغيَّر هذا، في وقتٍ ما. (ويذرب، ١٩٩٦: ١٤١)

واليوم، تمتلك جميع شركات الطيران الكبرى تقريبًا نظام تتبع داخلي لأمتعة الركاب، على غرار النظام الذي صممتْه «فيدكس». وهذا درس مهم للغاية. تتنافس الشركات مع أي شركة أخرى لديها القدرة على رفع توقعات العملاء. جلبت «فيدكس» معيارًا جديدًا إلى مجال خطوط طيران المسافرين، تمامًا مثلما ترتفع توقعات أي شخص يزور ديزني لاند أو عالم والت ديزني فيما يتصل بخدمة العملاء. وبمجرد أن يرى الناسُ الخدمة الممتازة، يرغبون في المزيد منها ويتضاءل مقدار تساهلهم مع تلك الشركات التي لا تفي بما وعدتْ به. وتتطلب ديناميةُ التوقُّع هذه أن ينظر قادة الشركات باستمرار إلى ما وراء جدرانهم الأربعة للتعلُّم من المجالات الأخرى.

•••

بول: يوضح توم كونيلان هذه النقطة في كتابه «داخل المملكة السحرية»: «إذا كان ثمة شخص آخر يسعد العملاء بصورة أفضل مما تفعله، بغض النظر عن مجال الأعمال الذي ينشط فيه، فإنك تكون أضعف مقارنةً به.» ثم يضيف: «المنافس هنا هو أي أحد يضعه العميل في مقارنةٍ معك.» ضع هذا المنظور البسيط في اعتبارك: إذا كان العميل قد اتصل ﺑ «فيدكس» قبل أن يتصل بك مباشرة، وكان الرد على هاتفك (كما هو الحال لدى العديد من الشركات) أكثر تأخُّرًا وأقل ودًّا من «فيدكس»، فأنت أضعف في هذه المقارنة. أو، على سبيل المثال، لو عاد العميل للتو من إقامة رائعة في فندق ريتز كارلتون، بينما هو الآن جالس على كرسي قديم عتيق أمامك في مكتبك غير المرتب إلى حد ما … حسنًا، لقد فهمت ما أقصده.

•••

رون: للأسف، في ظل الطريقة القديمة لإنجاز الأعمال، ومع صعود الأشخاص داخل الشركة، يصبحون أكثر تركيزًا على الأمور الداخلية، ويتعاملون مع المشكلات والأزمات بمنظورهم الداخلي، بدلًا من ملاحظة الفرص والاحتمالات في الخارج.

إن التعلُّمَ من العملاء عمليةٌ مستمرةٌ وتتطلَّب العديدَ من مراكز استقاء المعلومات المختلفة لإنجازها. فلا يكفي إرسالُ استبيان سنويٍّ حول «ما تقييمك لأدائنا»؛ إذ إن معظم الناس لا يملئون هذه الاستبيانات؛ لأنهم لا يحبُّون أن يقضوا ساعات يقظتهم في التفكير بالكيفية التي يمكن لمقدِّمي خدماتهم المحترفين تحسين أدائهم بها. ومِن ثَمَّ، تكون هذه الاستبيانات محدودة الفائدة منذ البداية. علاوة على ذلك، فإن معظم الأسئلة متحيزةٌ وقد لا تتعامل مع المشكلات التي تشغل بال العميل. بدلًا من ذلك، عملت شركة «ماريوت»، على سبيل المثال، على إشراك العملاء في حوارات على مستويات مختلفة، وغالبًا ما تتفقَّد عملاءها التجاريين استنادًا إلى مستوى الخدمة الشاملة أثناء لقاءات تتخلَّلُها دردشاتٌ غير رسمية. ومع أن البيانات قد لا تكون علميةً أو دقيقة، فإنه ما من شكٍّ في أن المعلومات التي تنقلها «ماريوت» أكثر صلة بالمخاوف والتجارب الحقيقية للعملاء. فعندما خصص أحد فنادق ماريوت في شيكاجو مبلغ ٢٠ ألف دولار لتحديث أجهزة التليفزيون الأبيض والأسود في الحمامات الواقعة في غرف نزلاء الخدمة الشاملة، استنادًا إلى المحادثات الفعلية مع أعضاء الفريق الهندسي والخدمة الشاملة، علموا أن العديد من الناس لم يطلبوا التطوير. ما أرادوه حقًّا، بناء على طلبات مُلحَّة من النزلاء، كان أجهزة الكي وطاولات كَيٍّ. «ديزني» شركة أخرى أتقنت الاستبيانات والإصغاء إلى عملائها. ففي دورة جامعة «ديزني» حول ولاء العملاء، أوضح الموجهون أن العامل الأهم الذي يحدد إذا ما كانت العائلة ستعود إلى فندق منتجع معين يُختزل في عنصر واحد (وقد صُدم مديرو ديزني عندما علموا، وفقًا للموجهين) هو حمام السباحة. ومنذ ذلك الحين، تستثمر شركة «ديزني» بكثافة في كل مسابح منتجعاتها الجديدة.

إن التركيز على التوقعات الفردية للعميل يجبر الشركة على إضفاء الطابع الفردي على طريقة تقديم خدماتها بما يلبي رغبات واحتياجات كل عميل. ويجب أن يحظى كل عميل بمعاملة فريدة؛ فالعملاء يرغبون في أن يعامَلوا بطريقة شخصية، أو بالأحرى، بطريقة خاصة. وهذا أسهل كثيرًا في إنجازه في المؤسسات الخدمية مقارنة بالتصنيع، على الرغم من أنه نتيجة للاتجاه الجديد نحو «التخصيص الشامل» لكل شيءٍ، بدءًا من ملابس جينز «ليفايز» إلى دمى الأطفال والدراجات وكتب الأطفال، فإن التصنيع أيضًا يمضي نحو التغيير.

إحدى أفكار العصف الذهني التي استخدمها ريتشارد برانسون، مؤسس شركة «فيرجن»، هي طرح السؤال التالي: «ما الأشياء العشرة التي لن تسمعها أبدًا من عميل عن شركتنا أو مجالنا؟» من المفترض أنه قبل أن يستثمر برانسون في مجال جديد، فإنه يطلب من مسئوليه التنفيذيين أن يُعدوا له هذه القائمة، التي تضم أشياء من قبيل «تُعامل شركات الطيران عملاءها باحترام وتقدير؛ وطعام الفندق ممتاز؛ والعمل المصرفي أمر ممتع» وهلم جرًّا، ما من شأنه أن يساعد شركة «فيرجن» على تمييز عرض القيمة الخاص بها عن منافسيها الأقوياء. على سبيل المثال، أُنشئ «فيرجن برايد» — وهو متجر شامل لجميع مستلزمات إقامة حفلات الزفاف — بعد أن عانت واحدة من أعضاء فريق شركة «فيرجن» الأمرَّيْن خلال التخطيط لحفل زواجها.

إننا لا نقترح عليك إنشاء شركات جديدة كما يفعل برانسون، ولكن الاستماع إلى عملائك — وأعضاء فريقك — هو أمرٌ مصيري. كما يساعدك الاستماع على حل تلك المشكلة الدائمة التي ترغب في حلها جميع الشركات، ألا وهي: بيع خدماتك الإضافية.

إنه شعار لدى جميع شركات الخدمات المهنية تقريبًا، لكن معظم قادة الشركات يشعرون بخيبة أمل من نتائج هذه الجهود. لماذا لم تحقق عمليات البيع العابر لمنتجات إضافية نجاحًا كبيرًا؟ ربما يكون أحد الأسباب التي تجعل معظم الشركات غير راضية بنتائج البيع العابر الخاصة بها يكمن في إيمانها بأن كل ما عليها فعله لبيع المزيد من الخدمات هو أن تصبح «المستشار الموثوق فيه» لدى العميل. ولكن ثمة عاملًا نفسيًّا جوهريًّا للعميل، يرتبط مباشرة بالكلمات التي نطلقها. فالناس يحبون الشراء والامتلاك، لكنهم يكرهون أن يباعَ لهم. فكر في آخر مرة اشتريت فيها سلعة باهظة الثمن — سيارة، أو استريو، أو كمبيوتر جديدًا، أو منزلًا — هل اتصلتَ بأحد أحبائك أو أصدقائك أو زملائك، وقلت: «خمِّن ماذا بِيعَ لي اليوم؟»

المغزى هو أنه بدلًا من تركيز الشركات على ما ترغب في بيعه لعملائها، ربما الأحرى أن تبدأ بالتركيز على رغبات واحتياجات العملاء. في كل ندوة تقريبًا عقدناها للمهنيين في جميع أنحاء العالم، نطرح هذا السؤال البسيط: «متى كانت آخر مرة أجريت فيها زيارة غير معلنة لأحد العملاء وسألته: «إذن، كيف تسير الأمور؟» وبعد أن فعلت ذلك ربما لعدد مرات يتراوح بين ٦ و١٠ (أو ربما أكثر)، ماذا كانت النتيجة التي وصلت إليها؟» كان الجميع تقريبًا يُومئون ويقولون معًا: «المزيد من العمل.» قال وودي آلن ذات مرة: «إن ٩٠ بالمائة من النجاح يكمن في التواجد.» ومع ذلك، ونظرًا لأن معظم المهنيين يركزون على الساعات التي يمكن إعداد فواتير بها، ونظرًا لأن الزيارات من هذا النوع تُشتِّت الانتباه عن تلك المهمة الجوهرية، فإنهم يفوتون كل أنواع فرص البيع العابر. وإلى جانب حقيقة أن هيكلية المكافآت لدى معظم الشركات لا تميل إلى مكافأة سلوك البيع العابر (والاستثمارات)، فإننا نميل إلى عدم ملاحظة ما لا يُكافأ. وبالطبع، لا تظهر تلك الفرص الضائعة في أيٍّ من معايير أو مقاييس الشركة التقليدية لأداء أعضاء الفريق.

لكل هذه الأسباب، بدلًا من استخدام مصطلح البيع العابر، فإننا نفضِّل استخدام مصطلح الشراء العابر؛ نظرًا لأن الناس لا يحبون أن يباعَ لهم، كما هو ملاحظ. بالنسبة للعملاء الذين يرغبون في شراء المزيد من خدمات شركتك، عليهم أولًا أن يكونوا على دراية بالقائمة الكاملة لعروض خدمتك. غير أننا سمعنا العديد من عملاء الشركات يقولون: «لم أعلم أنهم كانوا يقدمون هذه الخدمة.» خطأ من هذا؟ الشركة بالطبع. يبدو الأمر كما لو كنت تُدير مطعمًا وترددت في توزيع قائمة طعام تضم جميع الأصناف، أو قررت ألَّا تعرض قائمة الحلويات والنبيذ (أكثر الأصناف ربحًا).

•••

بول: نسمع في كثير من الأحيان عبارة «لم أكن أعلم أنك فعلت ذلك.» في المجالس الاستشارية الخاصة بالعملاء. عندما نسأل مَن في أرجاء الغرفة لنستطلع وجهات نظرهم، سيقول أحدهم: «راق لي بحق مجيء جون وإجراؤه مراجعة تطوير الأعمال.» ثم نبصر حالة من الدهشة في أرجاء المكان، ويسأل شخص آخر: «ما معنى مراجعة تطوير الأعمال؟ يبدو الأمر مثيرًا للاهتمام. لم أكن أعلم أنك فعلت ذلك.»

•••

رون: الأكثر مدعاة للقلق أنه عندما ترى شركات المحاسبة القانونية بند «الاستشارات» أو «الخدمات المهنية»، مثلًا، ضمن قوائم دخل عملائها، فإنها تسأل العملاء عنها، ويكون الرد عادة: «لقد وظَّفنا فلانًا وفلانًا لأداء كذا وكذا.» وعندما تقول «مكاتب المحاسبة القانونية»: «كان بإمكاننا فعل ذلك من أجلك.» يجيب العميل: «لم يكن لديَّ أي فكرة عن ذلك.»
ولكن إذا كنت تسعى جاهدًا وعلى نحو دائم إلى فهمٍ أعمق لتوقعات العملاء ورغباتهم واحتياجاتهم، فستكون في وضع يسمح لك باغتنام هذه الخدمات الإضافية حالما تلوح في الأفق. ووفقًا لروي أتش ويليامز، «يخبرنا استطلاع رأي وطني أُجْرِيَ حديثًا أن ٦٧٪ من المتسوقين يعقدون العزم على العودة إلى بيوتهم بالسلعة التي يتسوقون من أجلها، ولكن ٢٤٪ منهم فقط يفلحون فعلًا في ذلك. أما اﻟ ٤٣٪ الآخرون فيخبرون بائعيكم بأنهم «يلقون نظرة لا أكثر»، وأن موظفي المبيعات يتركونهم يغادرون متاجركم خائبي الأمل، خالي الوفاض» (ويليامز، ١٩٩٩: ١٥٣). كان هذا موضوعًا مؤلمًا جدًّا بالنسبة إلى ستانلي ماركوس، ابن أحد مؤسسي متاجر «نيمان-ماركوس». فقد كان يدير المتجر من أواخر عشرينيات القرن العشرين حتى ستينيات القرن نفسه، ولم يخسر أي أموال في أي عام. واشتهر بالعديد من الإبداعات المبتكرة، مثل تنظيم عروض الأزياء، واختيار هدايا عيد الميلاد الخاصة بالرجال والنساء، وغيرها. وبعد أن فقد اهتمامه بالعمل، أصبح مؤلفًا ومستشارًا، وكانت تعاليمه تحوي العديد من الدروس الممتازة للطلاب الراغبين. هذا ما قاله فيما يتعلق بفرص المبيعات الضائعة:

اشتُهر الأمريكيون بأنهم أفضل بائعي العالم. لكن في الآونة الأخيرة، أصبح من الصعب لدى معظم المتاجر أن تجد تلك الحرفية في البيع، هذا إن وجدت بائعًا من الأساس. قبل بضع سنوات، قررتُ أنني لن أشتريَ أي شيء لم أكن في حاجة ماسةٍ إليه إلا إذا أقنعني البائع على نحوٍ قاطع. وكنتيجةٍ لهذا الانضباط الذاتي، وفَّرتُ ٤٦٧٣٤ دولارًا أمريكيًّا. (ماركوس، ١٩٩٥: ٥٥)

لم يتمكن أي شخص من وضع مقياس لتحديد حجم العمل الذي تخسره أي مؤسسة بسبب فشل بائعيها. وليست المشكلة في موظفي المبيعات. وإنما الإدارة هي مَن فشلت في تثقيف موظفيها والإشراف عليهم، ووضع المعايير والأجر المناسب لهم. الأمر صعب، لكن التدريب على الألعاب الأولمبية صعب أيضًا. فالفوز بالذهب في مضمار اللعب أو في الأعمال التجارية يتطلب أداءً متناغمًا من جانب المشاركين. (المرجع السابق: ١١)

إن حجم الصفقات التي يفقدها تجار التجزئة والمجال بأكمله مروع. وعلى الرغم من إمكانية بيع بعض البضائع دون الاستعانة بموظفي المبيعات، فإن العديد من المنتجات تتطلب مقدمة وعرضًا تقديميًّا. وإذا كانت المتاجر مخصصةً للتسوق الذاتي، فلا بد لها من تنظيم العروض والمخزون لتسهيل التسوق؛ أما إذا احترفت تقديم الخدمة وتقاضي أجرٍ على أدائها، فعليها توفير مساعدي مبيعات مناسبين ومطلعين. خلافًا لذلك، ستُضطر إلى اللجوء إلى آلات بيع يمكن أن تكون أكثر كفاءة وأقل تكلفة بكثير من البشر الذين لا يعرفون المخزون الذي لديهم، أو ما الفائدة من شراء منتجاتهم. إن ما أفسد المتاجر وموظفي المبيعات تلك السنوات التي قضوها في البيع السهل. فخلال فترة الكساد، علمت أن أفضل طريقة لبيع أي شيء هي تشجيع العملاء المحتملين على تحسس السلعة بينما أناقش الفوائد التي سيحصل عليها منها. لقد تعاملنا مع كل عميل محتمل باعتباره العميل الوحيد الذي يأتينا طوال اليوم. وفي بعض الأيام، لم نكن نرى بالفعل أي عملاء. (المرجع السابق: ٥٦)

•••

بول: بالطبع، يمكنك استعراض تعليقات ماركوس من خلال منظور آخر وهو المنظور الثقافي. فالثقافة ليست شيئًا موجودًا في ذهن الشركاء. الثقافة شيء يمكن أن تشعر به وأنت واقف في ردهة الاستقبال. الثقافة مثل الهواء الذي نتنفسه، بمعنى أنها في كل مكان حولنا وهي ضرورية للحياة. الثقافة هي الكلمات التي نستخدمها، وهي الطريقة التي نتحدث بها بعضنا مع بعض، وهكذا.

وقد تجلَّى ذلك لي في الوقت المناسب تمامًا في نيوزيلندا. كنا قد وصلنا للتو إلى مطار يقع في شمال البلاد، وكانت تُقلنا سيارة أجرة إلى أحد الفنادق من أجل عقد ندوة. كنا ثلاثة في السيارة الأجرة، بالإضافة إلى السائق: «جودي» البالغة من العمر ٢١ عامًا، والتي نظمت لوجستيات رحلاتنا وكانت أيضًا موظفة الاستقبال الرئيسة، و«روب» المدير العام، وأنا. سأل سائق السيارة الأجرة: «ما هو عملكم جميعًا؟» وبسرعة البرق، أجابت جودي: «نجعل الشركات أكثر قيمة.» لم يكن ما أدهشني أن جودي كانت تكرِّر جزءًا من بيان المهمة الذي كان لدينا، وإنما الحماس والمعنى اللذان انطوت عليهما طريقتها في قوله. لقد آمنت بذلك حقًّا، والأهم من ذلك، كانت فخورة بكونها جزءًا من شركة فعلت ذلك. كان هذا بمنزلة ثقافة عملية. لذا فكِّر في كيفية تأثير الثقافة داخل شركتك. تخيل أنك تركب خلف سائق سيارة أجرة مع موظف الاستقبال الخاص بك وسألك السائق: «ما هو عملكم؟» كيف سيجيب هو (أو أنت على هذا السؤال)؟ هل سيقول: «أنا أعمل لدى شركة محاسبة»؟ وماذا عنك: هل ستقول: «أنا محاسب»؟

•••

رون: لنعد إلى ستانلي ماركوس مرة أخرى. على الرغم من أنه كان يشير بوضوح إلى مبيعات البضائع، ومعظمها في المتاجر الكبرى، هل يمكن أن يكون ثمة شك في أن التحذير نفسه ينطبق على شركات الخدمات المهنية؟ (نستكشف في الفصل العاشر مقاييس بديلة لتقييم فعالية أعضاء فريق الشركة، بما في ذلك كيفية مكافأة نشاط البيع العابر.)

الآن وقد ناقشنا ما يشتريه الناس، دعونا نوجه انتباهنا إلى عرض القيمة لدى الشركة وكيف يلعب دورًا استراتيجيًّا مهمًّا في تحقيق النتائج وتقديمها إلى عملاء الشركة.

(٢) عرض القيمة

رون: في ثمانينيات القرن العشرين، كانت شركة الخطوط الجوية البريطانية (التي كان المسافرون يصفونها بأنها «شديدة الفظاعة»، نظرًا لسوء خدماتها في ذلك الوقت) مدعومة دومًا للتعويض عن ضعف خدماتها وما ينتج عنه من خسائر. وقد أنهت مارجريت تاتشر ذلك عندما خصخصت شركة الطيران الرئيسة عام ١٩٨٧. فجأة اضطرت «شركة الخطوط الجوية البريطانية» للمنافسة، وبدأت إعادة النظر في عرض القيمة الأساسية. فابتكرت مفهوم خدمة نادي رجال الأعمال حول العالم، والتي وفَّرت للمسافرين من رجال الأعمال — الشريحة المربحة الأكبر في صناعة الطيران — تجربة طيران فريدة حقًّا. كانت الرؤية الرئيسة لشركة «الخطوط الجوية البريطانية» هي التركيز على مجمل تجربة المسافر، أي كيف كانت تجربة المسافر مع شركة الطيران من نقطة الإقلاع إلى الوجهة. وبحلول أواخر ثمانينيات القرن العشرين، ومن خلال التركيز على عرض القيمة التي تقدمها الشركة لعملائها، أصبحت «شركة الخطوط الجوية البريطانية» أكبر شركة طيران ربحية في العالم.

•••

بول: لكن ذلك لم يدُم طويلًا. فلأسباب عدة لا نحتاج إلى النظر إلى ما هو أبعد من الإجراء الباهظ التكلفة الذي خضعت له «شركة الخطوط الجوية البريطانية» في عام ٢٠٠٠ لإعادة رسم أسطولها بأكمله، بما في ذلك تصاميم زعانف الذيل التي كُلف بها فنانون معروفون في جميع أنحاء العالم. كانت الفكرة وراء هذا الجهد هي إزالة العلم البريطاني من زعانف الذيل، لإعطاء العالم رسالة مفادها أن «الخطوط الجوية البريطانية» كانت «شركة طيران دولية». لكن مارجريت تاتشر (التي كرهت الإطلالة الجديدة كحال معظم الناس) لخصت الأمر جيدًا عند الإطلاق الرسمي؛ إذ غطت زعانف الذيل العصرية التي على نماذج الطائرات بوشاحها وقالت إنها ترفض الطيران على متن طائرات الشركة إلى أن تعيد إلى الذيل «علم الاتحاد».

غير أنه من المرجح أن المسئولين التنفيذيين في شركة «الخطوط الجوية البريطانية» قد أعجبهم مشروع إعادة التصميم (تخيل عودتك إلى المنزل وإخبار أصدقائك بأنك قد أوكلت إلى بعض الفنانين المشهورين طلاء زعانف ذيل طائرتك!) لكنه لم يكن ذا قيمة على الإطلاق بالنسبة للعملاء. بل إن العملاء اعتقدوا أن شركة «الخطوط الجوية البريطانية» قد فقدت صوابها تمامًا. وبالفعل كان هذا ما حدث!

•••

رون: لحسن الحظ، تدرك المزيد من الشركات الآن أنه لا يكفي التركيز ببساطة على قيمة المنتج أو الخدمة المقدمة، ولكن يجب أن تأخذ في الاعتبار تجربة الملكية الكاملة من وجهة نظر العميل. فيتعين على الشركات أن تُقدِّم عرضًا إجماليًّا للقيمة، يشكل صفقةً أفضل عند مقارنته ببدائل العميل المتاحة. يُعرِّف مايكل جيه لانينج (وهو مدير تنفيذي سابق في «بروكتور آند جامبل» ومستشار لدى شركة «ماكنزي»)، هذه الطريقة في كتابه «تحقيق قيمة مربحة: إطار ثوري لتسريع النمو وتحقيق الثروة وإعادة اكتشاف جوهر الأعمال التجارية»:

عرض القيمة في الأساس هو مجموعة كاملة من الخبرات المكتسبة، وفي ذلك بعض الأسعار، التي توفرها شركة ما لبعض العملاء. قد يرى العملاء أن هذا المزيج من التجارب في مستوى أعلى أو متساوٍ أو أقل شأنًا من البدائل. يمكن أن يكون عرض القيمة، حتى إن كان متفوقًا، «تبادليًّا»، أي تكون تجربة واحدة أو أكثر فيه أقل جودة، بينما التجارب الأخرى أكثر تفوقًا. (لانينج، ١٩٩٨: ٥٥)

عندما تفكر معظم الشركات في عروض القيمة الخاصة بها، فإنها عادة ما تتضمن العناصر التالية:
  • المستشارين الثقات.

  • التاريخ طويل المدى.

  • مستقبل المهنة على المدى الطويل.

  • السمعة الطيبة و/أو اسم العلامة التجارية.

  • الخبرات التقنية.

  • المهنيين ذوي المعرفة والخبرة.

  • الاستفادة من أحدث التقنيات.

  • الالتزام نحو العملاء.

•••

بول: من المثير للاهتمام أن عددًا قليلًا فقط من المهنيين هم من يضعون تلك العناصر على بطاقات أعمالهم محاولين تمييز أنفسهم. في الواقع، ليس من الصعب تضمينها في بطاقات العمل. في كل ندوة تقريبًا أعقدها، أقول للحاضرين: «ارفع يديك إذا كان لديك منافسون.» بالطبع، ترتفع كل الأيدي. ثم أطلب منهم إخراج بطاقات أعمالهم، وبعد ذلك أجمع خمس بطاقات أو ستًّا عشوائيًّا. عادةً ما أختار تلك البطاقات التي تُدفع إليَّ بحماس شديد من قِبل أولئك الذين يعتقدون أن لديهم بطاقة رائعة. لكن البطاقات متشابهة، دون استثناء. البعض بالتأكيد لديه رسومات جرافيكية رائعة (بالنسبة لمحاسب) إضافة إلى الشعارات التي صممتْها على الأرجح زوجة الشريك الرئيس منذ سنوات. والبعض الآخر يمتلك تصميمات متداخلة، للأسف، من المستحيل قراءتها. وبعضها يحتوي على حروف بنقوش بارزة. ولكن في وسط كل بطاقة الشيء الأساسي نفسه: اسم الشخص، وتحته، العبارة العظيمة؛ «محاسب». يا للروعة! أليس هذا مثيرًا!

ومع ذلك، كانت هنالك ثلاث بطاقات مختلفة جدًّا. سأخبركم عن اثنتين منها هنا وسأصف الثالثة في وقت لاحق. أولًا، قام ريك ستولينجز، الذي كان قد فهم الأمر من ندوة سابقة، حيث كنا بحاجة إلى كسر القالب، بإعادة تصميم بطاقته لتصبح:

ريك ستولينجز
محاسب قانوني مسئول الفوضى الخلاقة
المعروف بالقائد الحادِّ، مخطط المستقبل، ورجل المهمات الخاصة.
إذا لم يحدث التغيير تلقائيًّا، فاصنعه بنفسك!

حسنًا، لقد لفتت البطاقة انتباهكم!

وكذلك فعلت بطاقة توم ويديل. يبدو أن ويديل قد تأثَّر إلى حد كبير بمقطع فيديو كنت قد عرضته عن الإوز في إحدى الندوات. وأُرفق بالفيديو هذه الكلمات (ما أطلقنا عليه «دروس من الإوز»):
  • ملاحظة: كلما خفقت كل إوزة بجناحَيها، تصنعُ ارتقاءً للطيور التي تتبعها. ومن خلال الطيران في شكل V، فإن السرب بأكمله يضيف معدل طيران إضافي نسبته ٧١ في المائة.
  • الدرس المستفاد: يمكن للأشخاص الذين يتشاركون شعورًا جمعيًّا أن يساعد بعضهم البعض في الوصول إلى المكان الذي هم ماضون إليه بسهولة أكبر … لأنهم يسافرون على ثقة بعضهم ببعض.
  • ملاحظة: عندما تخرج إوزَّة من التشكيل، تشعر فجأةً بأن الاحتكاك والمقاومة يزيدان في الطيران المنفرد؛ لذا فإنها تُسرع في التحرك إلى المجموعة للاستفادة من قوة رفع الطيور المتقدمة.
  • الدرس المستفاد: إذا كنا ننعم بإحساس كبير مثل الإوز، فسنبقى في التشكيل مع أولئك الذين يقصدون الجهة التي نرغب في الذهاب إليها. ونكون على استعداد لقبول مساعدتهم وتقديم مساعدتنا للآخرين.
  • ملاحظة: عندما تتعب الإوزَّة القائدة، تتراجع إلى مكان آخر بالتشكيل وتحلُّ مكانها إوزَّة أخرى في موضع القيادة.
  • الدرس المستفاد: من المفيد التناوب على أداء المهام الصعبة. ويجب أن نحترم ونحمي الترتيبات الفريدة لبعضنا البعض كالمهارات والقدرات والمواهب والموارد.
  • ملاحظة: الإوز يطير في تشكيلة ويصيح لحث بعضه البعض على مواكبة سرعة المجموعة.
  • الدرس المستفاد: نحتاج إلى التأكد من أن الصياح لدينا مشجع. ففي المجموعات التي يوجد فيها تشجيع، يكون الإنتاج أكبر بكثير. تمكين الأفراد ثمرةٌ لجودة الصياح.
  • ملاحظة: عندما تمرض إوزَّة، عندئذٍ تخرج إوزتان من التشكيل ويتبعانها لمساعدتها وحمايتها.
  • الدرس المستفاد: إذا كنا نتمتع بالقدر نفسه من حساسية الإوز، فسوف نقف إلى جانب بعضنا البعض في الأوقات الصعبة، كما هو الحال عندما نكون أقوياء.
لم يكتفِ ويديل بطباعة كل ذلك على بطاقته، بل أرفق صورًا للإوز وهي تحلق على شكل حرف V. ثم جاء هذا السطر: «في «فاناكور، ديبندكتوس، دي جيوفاني آند ويديل»، نحن نساعدك على التحليق لأبعد وأكثر أمانًا مما كنت تعتقد.» قد لا ترغب في أن تكون بهذه الجرأة. وعمومًا نحن لا نتحدث عن بطاقات العمل في حد ذاتها هنا؛ بل نتحدث عن عرض القيمة. لكن دعنا نتفق أنك حالما تحصل على إحدى تلك البطاقات، فإنك قد ترغب في التواصل مع صاحبها.

الخطوة التالية في سلسلة الخطوات الهادفة لأن تصبح متميزًا هي أن تكون على درايةٍ بعروض القيمة التي ذكرها رون سابقًا وأن تستخدمها. ولكنها ليست خطوة واضحة كما يبدو، وكما سيوضح رون.

•••

رون: لاحظ أن أيًّا من الخصائص المذكورة سابقًا لا تصف الخدمة التي سيحصل عليها العميل من الشركة. لا شك أن العديد من هذه الخصائص ضرورية، ولكنها لا تتصل بتجارب العملاء. من الصعب جدًّا وضع جميع الخدمات المختلفة التي سيحصل عليها العميل مع شركة خدمات مهنية في قائمة. في الواقع، هذه ممارسة تحتاج الشركة إلى تنفيذها من أجل تعزيز قيمة الخدمة الإجمالية لعملائها. ومع ذلك، يمكن إجراء بعض التعميمات؛ إذ إن التجارب التي سيمرُّ بها العميل خلال تعامله مع شركة ما تتمحور عمومًا حول ثلاثة نطاقات:
  • الجودة.

  • السعر.

  • الخدمة.

ويجب على الشركة أن تنظر إلى تفاعل كل هذه المتغيرات الثلاثة وأن تقرِّر أي توليفة من كل منها ستقدمها إلى عملائها. فالتركيز على واحد منها فحسب ليس كافيًا؛ لأن المتغيرات الثلاثة متداخلة ولا يستبعد أحدها الآخر.

لطالما افتخرت شركة «مرسيدس-بنز» (المعروفة الآن باسم «دايملر كرايسلر») بجودتها العالية في السوق؛ إذ إنها مَن بدأت في الأساس صناعة السيارات، وحظيت بسمعة طيبة لتميُّزها في المجال الهندسي، لكن في أوائل تسعينيات القرن العشرين، جاءت «لكزس» و«إنفينيتي» وقدمتا للعملاء عرضًا ذا قيمة أعلى، ليس فقط من حيث السعر (في الواقع، لم تكن سيارة «لكزس» أرخص ثمنًا من سيارة «مرسيدس»)، بل في مجمل تجربة الملكية. وبين عامَي ١٩٨٥ و١٩٩٢، انخفضت حصة سوق «مرسيدس» من ١١٫٦ بالمائة إلى ٦٫٤ بالمائة، حيث انخفض إجمالي الوحدات المبيعة في الولايات المتحدة من نحو ١٠٠ ألف في عام ١٩٨٦ إلى ٥٩ ألفًا في عام ١٩٩١. إن الرُّكُون إلى الأمجاد فيما يتعلق بالجودة التقنية وحدها هي وصفة لخسارة العملاء. بل إن اليابانيين لديهم تعبير اصطلاحي لذلك هو «الجودة كأمرٍ مسلَّم به».

لا يمكن لشركة خدمات مهنية المنافسة بالجودة وحدها؛ فهي أقل ما يجب أن يكون موجودًا؛ بل هي الحد الأدنى الذي يمكنك أن تدخل به المنافسة. ومَن سيبقى مع مهني يفتقر إلى الكفاءة؟ إضافة إلى ذلك، لا يمكن للعملاء قياس الخبرة الفنية التي يتمتَّع بها المهنيون بسهولة، تمامًا مثلما لا تستطيع تقييم مدى الكفاءة الفنية لدى طبيبك. ما يدركه العملاء هو أسلوب المعاملة — المهارات السريرية للطبيب — وبناءً على الأدلة التجريبية، يحدد هذا الأسلوب ما إذا كان العميل سيظل وفيًّا أو لا.

كذلك لا يكفي السعر وحدَه لجذب العملاء. فلو كان الأمر كذلك، لكانت شركة «بوكس دوت كوم» ناجحةً للغاية الآن؛ لأنها كانت تبيع كتبًا أرخص من تلك التي تبيعُها شركة «أمازون»، لكن ما حدث أن شركة «بوكس دوت كوم» اختفت، حتى قبل كارثة انهيار فقاعة الإنترنت عام ٢٠٠١ المعروفة. فكِّر في شركة «ساوث وست إيرلاينز»: إنها الشركة الرائدة في مجال الطيران، بحسب تعريفها لنفسها، ولكن هل سيكون ذلك كافيًا للاحتفاظ بالعملاء إذا لم توفر الشركة رحلاتٍ جويةً ذات جودة عالية وخدمة ممتازة؟ إذا كان جميع العملاء يهتمُّون بالسعر فقط، فسنستقلُّ جميعًا سيارات هيونداي، لكن ليس لدى العملاء حساسية للسعر فحسب، بل لديهم أيضًا حساسية للقيمة.

تميل الشركات المهنية إلى التفكير في عروضها للقيمة استنادًا إلى تحليل SWOT؛ جوانب القوة وجوانب الضعف والفرص والتهديدات. هذا التحليل هو في الواقع فكرة مفيدة للشركات، لكنه لا يعالج تجارب العملاء بوضوح. والشيء نفسه يسري على دراسة تحديد المعايير لأفضل الممارسات. ما لم تكن قادرًا على ربط هذه الأدوات بتجربة العميل الفعلية عند التعامل مع شركتك، فإنها عندئذٍ تعتبر أنصاف حلول على أحسن تقدير. يشرح لانينج دراسة مقارنة مرجعية ركزت على تجربة العميل:

افترض أن بنكًا إقليميًّا أمريكيًّا يقيِّم موافقاته على الرهن العقاري وفقًا لمعايير تجار السيارات. إنها ليست مقارنة غامضة لخدمة العملاء، حيث يقارن هذا التحليل معيار السرعة التي يمكن للعملاء من خلالها الحصول على موافقة على ائتمان في حدود ١٠٠ ألف دولار أمريكي. بالنسبة لتاجر يعمل في سيارات مرسيدس، فإن تقديم قرض بمبلغ ٨٠ ألف دولار أمريكي بضمان، يكفي للخروج بالسيارة من المعرض، وسيكون من الصعب ومن المكلف استعادة ملكيتها، كما ستنخفض على الفور قيمة إعادة بيعها، ولكن مع رهنٍ بقيمة ١٢٠ ألف دولار أمريكي، فإن المنزل لا يمكنه مغادرة المدينة وستزداد قيمته مع مرور الوقت، إلا أن البنك يستغرق أسبوعَين للموافقة على القرض، في حين أن تاجر السيارات يوافق على قرض في ساعتَين. بالطبع هناك اختلافات فنية، ولكن أسبوعَين مقابل ساعَتين؟ من البديهي أن يتعلم البنك الإقليمي شيئًا قيِّمًا من هذه المقارنة حول كيفية توفير تجربة أفضل (الموافقة على الرهن العقاري بصورة أسرع)؛ لأنها ركَّزت على نتائج تجربة معينة. (لانينج، ١٩٩٨: ٢٥٧)

يُقسِّم العديد من البنوك عروض خدماته إلى إدارات، من التحققُ من الحسابات وحفظها، والقروض الشخصية والقروض التجارية، والرهون العقارية، وما إلى ذلك. ومع هذا، يفضل معظم العملاء إجراء اتصال واحد داخل البنك للتعامل مع جميع احتياجاتهم. وقد دأبت شركات الخدمات المهنية على اتباع الاستراتيجية نفسها. فشركات المحاسبة، على سبيل المثال، لديها أقسام للتدقيق والضرائب والاستشارات، وكل منها له أساليب تشغيل خاصة به، وعادة ما يكون لديه شركاء علاقات مختلفة. وهذا أمر جيد من المنظور الاستراتيجي الداخلي؛ إذ إن هذه هي الطريقة التي يجري بها تنظيم الشركات من حيث انسياب العمل، والموظفين، والتكنولوجيا، وما إلى ذلك. لكن العملاء لا يتعاملون مع «الاستراتيجية»، بل يتعاملون مع «تنفيذ» الاستراتيجية.

إن التركيز على عرض القيمة — وما ينتج عن ذلك من خبرات سيحصل عليها العميل — يجبر الشركة على استخدام تلك العناصر التي توفر أكبر قدر من الحرية في خلق مجموعة إيجابية شاملة من الخبرات للعميل. ونظرًا لعدم وجود الكثير من الحرية في التعامل مع ميزة الجودة، فإن ما سيتبقى معنا هو السعر والخدمة؛ فالعنصر الأول يوفر فرصة هائلة لصنع فارق تنافسي لصالح عملاء شركتك من خلال اعتماد استراتيجيات تسعير مبتكرة وخلَّاقة. ومن خلال تعديل الخدمات الخاصة بك في اتفاقات أسعار محددة وقبول أوامر التغيير، ستكون شركتك قادرة على التخلُّص من مشاعر الخوف وعدم اليقين والشك والإحساس بالخطر التي قد يشعر بها عملاؤك. وهذه ميزة تنافسيةٌ إيجابية هائلة، سنستكشفها بمزيد من التفصيل في الفصل التاسع.

الميزة الأخيرة — وهي الخدمة — مقيدة فقط بحدود مخيلة شركتك. إنها خدمة ممتازة تفصل بين الشركات الأفضل وبين الشركات العادية. والشركات التي تتمتَّع بسجل خدمة ممتاز، في معظمها، هي مَن تفرض الأسعار ولا تُفرض عليها في المجال الخاص بها. انظر إلى «ديزني» و«فيدكس» و«نوردستروم» و«لكزس» و«ريتز كارلتون» و«فور سيزونز» و«أمريكان إكسبريس»: كل هذه الشركات تفرضُ رسومها، ولا تدع منافسيها يُملُون عليها أسعارها، وتقدِّم باستمرارٍ تجربةً متفوقة في خدمة عملائها. سبب آخر وراء كون التميز في تقديم الخدمة عنصرًا أساسيًّا في عرض القيمة لدى شركتك وهو أن منافسيك يمكنهم مجاراة الجودة الفنية والسعر بسهولة إلى حد ما. فإذا لم يكن لديهم الخبرةُ في العمل، فيمكنهم شراؤها (أو تأجيرها)؛ وهناك دائمًا بعض الشركات، في مكان ما، على استعداد لأداء ما تفعله بسعر أقل.

•••

بول: وربما لا تكون تلك الشركات بالضرورة في دولتك، فضلًا عن بلدتك. ولكن لماذا لا تفكر في تلك الشركات كموارد إضافية (وأقل سعرًا) يمكنك استخدامها، لا كمنافسين. يوجد الآن اتجاه قوي للغاية في المملكة المتحدة، وربما في أمريكا أيضًا، وهو الأمر المدهش، لإسناد إعداد الإقرارات الضريبية (من جميع الأماكن) إلى الهند؛ حيث تُرسل البيانات بالبريد الإلكتروني إلى الهند ثم تُرسَل الإقرارات المستوفاة بالطريقة نفسها خلال ٤٨ ساعة. والأمر عائدٌ لك في كيفية تسعير هذا الجزء من العملية، ولكن ما الذي قد يحملك على تسعيرها بأقل من قيمتها (على الرغم من أن التكلفة قد تكون عُشر ما ستطلبه)؟
قادني أحد الممارسين الذين أعرفهم جيدًا (جريج هايز في سيدني، أستراليا) إلى هذه النقطة. عندما يحقق عملاء هايز هدفًا محددًا مسبقًا، فإنه يطلب لوحة خاصة مشابهة لتلك اللوحات المحفزة للنجاح التي غالبًا ما تشاهدها هذه الأيام على موقع (www.successories.com)، ثم يكتب في أسفل اللوحة المنقوشة، عادةً جملة: «مهداة إلى آلان سميث وفريقه في شركة «أيه بي سي» من قبل فريق شركة «هايز نايت بارتنرز» تقديرًا لإنجازهم الهائل في تحقيق الهدف نصف الشهري.» قد تصل تكلفة لوحات جريج إلى ٢٠٠ دولار للقطعة الواحدة.

تُعلق هذه اللوحات بعد ذلك في جميع أنحاء مكان عمل العميل، وتزين الممرات والمكاتب على حد سواء. وقد علقت لهايز ذات مرة على كم الإحالات التي ينبغي أن تحصل عليها الشركة من شيء كهذا، فقال: «نعم، وتذكَّرْ أنه من الصعب تقديم لوحات مثل هذه إذا كنت تقدم الخدمات بأسعار أقل» (سنتطرق إلى التسعير بصورة أكثر تفصيلًا في الفصل القادم).

•••

رون: قد يكون المنافسون قادرين على مساواة (أو ضرب) السعر الخاص بك، ولكن ما لا يمكن منافسته بسهولة — أو حتى ملاحظته، بالنسبة لهذه المسألة — هو جودة الخدمة الخاصة بشركتك، «أسلوب التعامل» الذي يتبعه مهنيُّو شركتك مع عملائك. من ناحية أخرى، وكما سنستكشف لاحقًا في هذا الفصل، يفقد معظم المهنيين العملاء لا بسبب مشكلات في السعر أو الجودة، ولكن بسبب مسائل متعلقة بالخدمة. بوجه عام، يُعدُّ التميز في الخدمة نقطة ارتكاز هائلة يمكن الاستفادة منها في تصميم عرض قيمة لشركتك وخلق تجارب رائعة لعملائك.

(٢-١) اللحظة الحاسمة

إن استخدام طريقة اللحظة الحاسمة هي واحدة من أكثر الطرق فعالية لتصميم عرض القيمة الخاص بشركتك. اشتُق هذا المصطلح من ساعة الحسم في مصارعة الثيران؛ للإشارة إلى الساعة الثالثة والأخيرة، لحظة قتل الثور. لكن في سياق الأعمال التجارية يكون للحظة الحاسمة بالتأكيد معنًى أكثر وضوحًا، ولكن من ناحية تقديم تجارب ممتازة للعملاء، ومِن ثَمَّ إطالة عمر الشركة، مع احتمالية أن تكون قاتلة مثلما يحدث للثور. يُعرِّف كارل ألبريخت، الذي ربما يكون مؤسس حركة خدمات الجودة الشاملة في الولايات المتحدة، لحظة الحسم على النحو التالي: «أي واقعة يتعامل فيها العميل مع الشركة وتترك الخدمة انطباعًا لديه» (ألبريخت، ١٩٩٢: ١١٦).

قاد جان كارلزون، الرئيس السابق لشركة «الخطوط الجوية الاسكندنافية»، شركة الطيران الفاشلة لتصبح واحدة من أكثر شركات الطيران ربحية في أوروبا. ويشرح في كتابه «لحظات الحسم: استراتيجيات جديدة لاقتصاد اليوم المعني بالعميل» كيف أنجز هذا التحول باستخدام فلسفة لحظة الحسم:

حدث اتصال بين كل عميل من عملائنا البالغ عددهم ١٠ ملايين عميل وخمسة موظفين من «الخطوط الجوية الاسكندنافية»، واستمر هذا الاتصال بمعدل ١٥ ثانية في المتوسط في كل مرة. وهكذا، «تُخلَق» الخطوط الجوية الاسكندنافية ٥٠ مليون مرة كل عام، وكانت كل مرة تستغرق ١٥ ثانية. إن لحظات الحسم هذه البالغة ٥٠ مليونًا هي اللحظات التي تحدِّد في نهاية المطاف ما إذا كانت «الخطوط الجوية الاسكندنافية» ستنجح أم ستخفق كشركة. إنها اللحظات التي يجب أن نثبت فيها لعملائنا أن «الخطوط الجوية الاسكندنافية» هي أفضل خيار لهم. (كارلزون، ١٩٨٧: ٣)

بالنسبة إلى شركة خدمات مهنية، يمكن أن تكون لحظة الحسم مكالمة هاتفية من عميل، أو زيارة مكتبية، أو لقاءً عارضًا في الشارع، أو فاتورة من الشركة، أو حتى رسالة من دائرة الإيرادات الداخلية (فيمن سيفكر العميل أولًا؟). كل لحظة حسم على حدة تُعد حدثًا بسيطًا، ولكن مع مرور الوقت، يصبح كل تفاعل أشبه بحصاة موضوعة على ميزان، على إحدى كِفتَيه التميز في الخدمة وفي الكِفة الأخرى الخدمة العادية. في نهاية المطاف، سيبدأ هذا المقياس في ترجيح إحدى الكِفتَين. وبوجه عام، ثمة ثلاث نتائج محتملة لكل لحظة حسم:
  • التجربة المحايدة (هي الأندر حدوثًا).

  • التجربة الإيجابية (لحظات السِّحر).

  • التجربة السلبية (لحظات البؤس).

•••

بول: التفكير في لحظات الحسم تدريبٌ مفيد للغاية. من الأفضل بالطبع أن تفعل شيئًا حيال هذا الأمر. فكر، على سبيل المثال، فيما سيراه العميل عندما يأتي إلى مكتبك. هل يبدو مكتبك كغيره من المكاتب، أم أنه أُعدَّ بطريقة تجعله يُظهر على الفور أن هذه البيئة مختلفة تمامًا؟ سنتحدث أكثر عن ذلك لاحقًا عندما نناقش التحولات والخبرات، لكن فكِّر الآن في الانطباع الذي تتركه لديك زيارتك لمكاتب بيتر بايرز في نيوزيلندا.

إن عرض القيمة الخاص ببايرز بسيط للغاية، ولكنه فعَّال. فمكتوب في بطاقته بأسلوب جيد وبسيط العبارة التالية: «شركة محاسبة تساعدك على بناء مركزك المالي من خلال جعل شركتك أكثر قيمة بكثير.» لكنه يبث فيها الحياة برسومات رائعة. على واجهة البطاقة تجد صورة لزهرة هندباء متفتحة مصحوبة بعبارة: «الأشياء الرائعة قادمة.» وعند فتح البطاقة توجد صورتان أخريان، الأولى لزهرة أصغر مصحوبة بعبارة «بأداء أمور بسيطة» تتبعها زهرة أكبر مصحوبة بعبارة «بطريقة رائعة».

لذا عندما يتلقى العميل بطاقة بايرز (لحظة الحسم) يتولد لديه على الفور انطباع إيجابي، لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد. فعندما يدخل العميل مكتب بايرز، فإنه لا يندهش كثيرًا عندما يرى كل حائط مزينًا بنسخ أكبر من الصور التي رآها على بطاقة أعماله. إنها طريقة رائعة لمشاركة الثقافة.

سبق لنا الحديث عن شركة «ليبشوتز، ليفين آند جاري» ومقرها شيكاجو. فهذه الشركة وعت هي الأخرى هذا الأمر جيدًا؛ فقد صنعت لحظات حسم إيجابية (تتيح لك معرفة مدى اختلاف الشركة) من خلال تهيئة بيئة مكتبية مذهلة ونقل رسائل ثقافية وقيمة مهمة في الوقت نفسه. يرى العملاء الذين يسافرون إلى مكاتبهم في نورثفيلد ما يبدو في بادئ الأمر أنه بيئة محاسبية نموذجية، لكن عندما يستديرون إلى اليسار، فإنهم يشعرون بالدهشة لرؤية أسمائهم الشخصية أو التجارية على شاشة عرض ضخمة فوق الأثاث المميز جدًّا.

وفي أول زيارة، يسأل العملاء دائمًا عن الكراسي المثيرة للاهتمام. ويكون ردهم: «هذه الكراسي مصنوعة خصيصًا من قبل عميل لدينا؛ فنحن نحب العمل عن كثب مع عملائنا بهذه الطريقة ومشاركتهم طرقًا لبناء شركاتهم ومشروعاتهم، ونتطلع إلى أن نفعل الشيء نفسه معك.»

•••

رون: قليلون هم العملاء الذين يتواصلون مع شركة ما ثم يتركونها ولديهم رأي محايد. عند تصميم عرض القيمة لشركتك، فإن ذلك سيساعدك على التخطيط الشامل قدر الإمكان لكل لحظة حسم محتملة مع العميل. حتى الأشياء العادية، مثل مدى سهولة الوصول إلى موقف السيارات الخاص بك يؤثر على تجربة العميل الشاملة فيما يتصل بالتعامل مع شركتك. وقد استخدمت «ديزني» استراتيجية تحديد اللحظات الحاسمة، واكتشفت أن العديد من الأطفال الذين يزورون «إيبكوت بارك» في عالم والت ديزني أصيبوا بخيبة أمل لعدم وجود شخصيات ديزني تتجول في المكان كما هو الحال في مملكة السحر. ومنذ ذلك الحين، وضعت «ديزني» شخصيات في جميع متنزهاتها، وصنعت حرفيًّا ملايين اللحظات السحرية لضيوفها. واستخدمت شركة سيارات «ساترن» الاستراتيجية نفسها للإسهام في تطوير سياستها الخاصة بتجربة شراء سيارة بسعر موحد دون أي متاعب.

الفكرة هنا هي أن نعي تمامًا أن لحظة الحسم تدفع الشركة للتركيز على النتيجة، لا على نشاط المحاسب في كل مقابلة. منذ بضع سنوات، وقبل أن تقر دائرة الإيرادات الداخلية خيار عمل توكيل فيما يتصل ﺑ «إقرارات الأفراد الضريبية في الولايات المتحدة»، نموذج ١٠٤٠، استخدمت إحدى الشركات طريقة لحظة الحسم للتوصُّلِ إلى استراتيجية لجعل كل عميل يوكِّل الشركة في التعامل مع أي مراسلات نيابة عنه، وذلك عادة قبل أن يفتح العملاء الرسائل بأنفسهم. وكان تصرفًا عبقريًّا؛ كونه قد حوَّل لحظةً من البؤس — حيث يخشى معظم العملاء بشدة من دائرة الإيرادات الداخلية — إلى لحظة من السِّحر. يُرسل زميلي دان موريس في شركة «موريس + دانجيلو»، بالبريد الإلكتروني جميع الإقرارات الضريبية باستخدام نسق المستندات المنقولة (صيغة بي دي إف)، والإصرار على مراجعة العميل وتوقيعه — ودفع الفاتورة — قبل إكمال الإقرار وتقديمه. قد يرى البعض أن هذه عملية مجهدة؛ إذ تضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى عملية إعداد الإقرارات الضريبية، وهي بالفعل كذلك. لكن مما لا شك فيه أنها تضيف أيضًا لمسة شخصية إلى عملية العمل الضريبي الجافة إلى حد ما: فهو يجعل العملاء مشاركين في إعداد إقراراتهم الضريبية؛ ويمكِّنهم من تدارك الأخطاء مبكرًا؛ مما يؤدي إلى خفض تكاليف إعادة العمل، وزيادة سرعة الدفع، ويصنع حرفيًّا المئات من لحظات الحسم التي تستطيع الشركة من خلالها الاستفادة من فرص بيع خدمات إضافية.

إن كل لحظة حسم في شركتك هي فرصة لتقديم قيمةٍ استثنائية لعملائك وجعلهم يشعرون بأنهم مميزون وجديرون بالاهتمام والتقدير. فكل اتصال هو تواصل عاطفي مع العميل. وإذا كنت تعتقد أن رأس المال الفكري يصعب قياسه، حاول أن تجرب الإحساس بمشاعر العملاء. يعبِّر كارل ألبريخت ورون زيمكي عن هذا المبدأ الأساسي للتميز في الخدمة بقولهما: «عندما تُساء إدارة لحظات الحسم، تتراجع نوعية الخدمة إلى المستوى المتوسط» (ألبريخت ورون زيمكي، ٢٠٠٢: ٥٥). لا ينبغي أبدًا الاستخفاف بأي لحظة من لحظات الحسم؛ فأي لحظة مهما كانت صغيرة من شأنها أن تُحدد مصير شركتك.

(٣) ماذا بعد خدمة الجودة الشاملة؟

رون: قد يكون من السابق لأوانه مناقشة ما هو أبعد من التميز في الخدمة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن كارل ألبريخت المؤسس المعاصر لحركة خدمة الجودة الشاملة في الولايات المتحدة، قد صرَّح بموت هذه الحركة. من بين مشكلات جودة الخدمة أن مناقشتها أسهل من تقديمها. فعلى الرغم من أننا من المفترض أننا نعيش في اقتصاد الخدمات، فقد انخفض مستوى خدمة العملاء بالفعل في السنوات الأخيرة، استنادًا إلى بعض المؤشِّرات. ونقدم فيما يلي تلخيص ألبريخت لمصير الحركة:

مع مضي حركات الإدارة بالشكل التي هي عليه، استمر التركيز على العملاء لأمد طويل على نحو غير عادي؛ قرابة عشر سنوات. (ألبريخت وزيمكي، ٢٠٠٢: ٢)

نعتقد أن ثمة عاملَين رئيسَين أدَّيا إلى اضمحلال حركة التركيز على العملاء. أحدهما كان الترويج القوي لمنهجيات الإدارة المنافسة، لا سيما إدارة الجودة الشاملة، كحلول لمشكلات جودة الخدمة. العامل الآخر كان هو «الأصعب»؛ ألا وهو خيبة الأمل والقنوط اللذان شعر بهما العديد من المديرين التنفيذيين عندما أدركوا أن «خدمة العملاء» لم تكن الدواء الشافي أو العلاج السريع الذي كانوا مدفوعين لتصديقه. وعندما اكتشفوا أنها تنطوي على مثل هذه الوقائع الكريهة مثل الاستثمار المالي، والالتزام على المدى الطويل، والاهتمام المستمر بالتفاصيل، والقيادة المعنية بالخدمة، وبناء الثقافة، والاستماع الدائم إلى العملاء، وحتى تغيير تصميم الأعمال، لم يعتمدها الكثير منهم. (المرجع السابق: ٣-٤)

إحدى الشركات التي لم تفقد قط التركيز على خدمة العملاء هي شركة «ساوث وست إيرلاينز»، التي لا تزال واحدة من أكثر شركات الطيران ربحية في الولايات المتحدة اليوم. لقد كان لسان حالها دائمًا: «نحن لسنا شركة طيران ذات خدمة عملاء رائعة. نحن شركة خدمة عملاء رائعة تصادف أن تعمل في مجال الطيران» (فرايبرج وفرايبرج، ١٩٩٦: ٢٨٢). ولم تذعن الشركة بتاتًا لمعظم صيحات الإدارة في العقود الأخيرة؛ لأنها شعرت بأن تلك المنهجيات تفتقر إلى الروح والقلب. ومن المؤكد أن هذا الموقف لم يضعف نجاح الشركة في جذب واستبقاء الأشخاص الجيدين الذين يقدمون خدمة عملاء عظيمة، فضلًا عن تحقيق مستويات الإنتاجية والفعالية التي تُحسد الشركة عليها في مجال الطيران. اعتاد جاك ويلش، الرئيس التنفيذي السابق لشركة «جنرال إلكتريك»، أن يقول: «كانت المشكلة في الكثير جدًّا من الشركات أن الموظفين كانوا ينظرون إلى رئيس العمل كعميل رئيس لهم، ولو تخيلت الشركة كهرم، حيث ينصب تركيز الجميع فيها على رئيس العمل، فإن الموظفين لن يكون لهم أدنى تأثير على العملاء» (مقتبس في ويذرب، ١٩٩٦: ٩٥).

وأيًّا كان الأمر، ما زلنا نعتقد أن من المهم دراسةَ اتجاهٍ يمكن للمراقب الذكي أن يرى أنه يحدثُ في السوق اليوم؛ لأنه يمثل مستوى يتجاوز جودة الخدمة الشاملة. بالطبع يجب أن تنظر إلى شركات بعينها لترى هذا الاتجاه، ولكن الأمر يستحق الاستكشاف من أجل توسيع آفاق عرض قيمة شركة المستقبل. دعونا نبدأ بطرح هذين السؤالين:
  • ما الخطوة التالية التي ينبغي أن تخطوها الشركات التي تقدم بالفعل خدمة عملاء غير مسبوقة؟

  • ما الذي تراه شركات مثل «ديزني»، و«ريتز كارلتون»، و«فيدكس»، و«نوردستروم»، من بين شركات أخرى، بينما تتطلع إلى المستقبل وتسعى جاهدةً لتقديم عرض قيمة لعملائها يحميها من الوقوع فيما يسمى بفخ السلع المزعوم، وبما يمكِّنها أيضًا من الحفاظ على دورها القيادي وفرض السعر بدلًا من أن يُفرض عليها؟

أحد الافتراضات الرائعة تأتي من جوزيف بي باين الثاني، وجيمس جيلمور في كتابهما «اقتصاد التجربة: العمل مسرح وكل شركة بمنزلة عرض من عروضه»؛ حيث يقدِّمان منحنًى قيميًّا مستقبليًّا للشركات، بالمستوى التالي من قيمة العملاء:
  • إذا كنت تتقاضى رسومًا مقابل خامات، فأنت في مجال السلع الأولية.

  • إذا كنت تتقاضى رسومًا مقابل أشياء مادية، فأنت في مجال تجارة البضائع.

  • إذا كنت تتقاضى رسومًا مقابل الأنشطة التي تنفذها، فأنت في مجال الخدمات.

  • إذا كنت تتقاضى رسومًا مقابل الوقت الذي يقضيه العملاء معك، فأنت في مجال الخبرة.

  • إذا كنت تتقاضى رسومًا مقابل النتائج التي حققها العملاء، فعندئذٍ فقط أنت في مجال إحداث التغيير أو التحول لدى عملائك. (باين وجيلمور، ١٩٩٩: ١٩٤)

ما يثير الاهتمام بشأن هذا التسلسل الهرمي المقترح ليس فقط موقع الشركات المهنية فيه، بل أيضًا موقع أعظم إمكاناتها على المنحنى. معظم الشركات قد تفكر في نفسها كمقدِّم للخدمة؛ حيث تقدم نتائج غير ملموسة لعملائها. ولا شك أن هذا صحيح. فعدد قليل جدًّا من شركات المحاسبة والقانون هي من تنظر إلى نفسها على أنها في مجال الخبرة، فضلًا عن إحداث التغيير أو التحول لدى عملائها. فلا يُنظر إلى زيارة إحدى الشركات المهنية على أنها تجربة ممتعة، وبالتأكيد ليست في درجة متعة زيارة لاس فيجاس أو متنزه «ديزني» الترفيهي.

من المثير للاهتمام أن نتكهَّن كيف يمكن لشركات الخدمات المهنية أن تكون في مجال الخبرة. هذا لا يعني فرض رسوم على الوقت الذي يقضيه العميل معك — كما هو الحال في الساعات التي يمكن إعداد فواتير بها — بل يعني أن تفرض رسومًا مقابل الخبرة التي تقدمها للعميل. قد يبدو ذلك جنونًا، لكن تخيل ما يمكن أن يحدث إذا قمت بفرض رسوم للسماح للأشخاص بدخول شركتك. هذا ليس غريبًا كما قد تظن. في الواقع، تفرض الفنادق الكبرى في جميع أنحاء العالم سعر دخول لمجرد القدوم وإلقاء نظرة على ديكوراتها. كما تفرض مصانع النبيذ في وادي نابا رسومًا على تذوق نبيذها.

ما الذي يجب عليك فعله على نحو مختلف من أجل تقديم عرض قيمة يستحق دفع مقابل للحصول عليه؟ فكر في الفرق بين الدخول إلى أحد متنزهات «ديزني» وبين الدخول إلى أحد متاجر التجزئة الخاصة به في مركز تجاري. على الرغم من أن متجر المركز التجاري يقدِّم خدمة جيدة، فإنه لا يقترب بأي حال من متعة تجربة الدخول إلى المتنزه. ولعل أحد أسباب هذا أن «ديزني» لا تفرض عليك رسوم دخول إلى المتجر. فما الذي يجب أن تفعله على نحو مختلف لإقناع العملاء بالدفع مقابل الدخول؟ وهل سيؤدي ذلك إلى تجربة أفضل وأكثر دوامًا؟ ظننا أنه سيفعل.

يمكنك تنفيذ هذه الفكرة في صورة وضع «حد أدنى» للسعر لجميع العملاء الجدد. ما الذي ستتضمنه معايير عروض شركتك لإغراء العميل بدفع الحد الأدنى للسعر للدخول في نشاط تجاري معك؟ إنها تجربة مثيرة للاهتمام وجديرة بالتفكير بجدية. ومع ذلك، فإن النقطة الرئيسة التي نريد أن نصل إليها هي أن شركات المستقبل — ومستقبل المهنة — تستقر على قمة منحنى القيمة؛ إذ إنها تعرض بالفعل تحولات على عملائها، على الرغم من أنها قد لا ترى نفسها تفعل ذلك. ولإثبات ذلك، دعونا أولًا نحدِّد المقصود بكلمة «تحول»:

في حين أن السلع قابلة للاستبدال، والبضائع ملموسة، والخدمات غير ملموسة، والخبرات لا تنسى، فإن التحولات تكون فاعلة في تأثيرها. فجميع العروض الاقتصادية الأخرى ليس لها أي تبعات دائمة تتجاوز استهلاكها. حتى ذكريات التجربة تتلاشى بمرور الوقت، لكن من يشترون التحولات يسعون إلى أن يرشدهم آخرون نحو هدف أو غرض معين، ويجب أن تُحدث التحولات الأثر المقصود. لهذا السبب فإننا ننعت هؤلاء المشترين بالطامحين؛ فهم يطمحون إلى أن يكونوا شخصًا أو شيئًا مختلفًا. في التحولات، يكون العميل هو المنتج! ولسان حال من يشترون التحولات يقول: «غيِّرني.» لذلك لا يمكن استخراج التحولات أو صنعها أو تسليمها أو حتى عرضها. لا يمكن إلا أن ترشدهم إليها. إن كوننا في مجال إحداث تحولات يعني فرض رسوم على النتيجة التي يحققها الطامح — وهي التحول نفسه — وليس على الأنشطة الخاصة التي تؤديها الشركة. (المرجع السابق: ١٧١-١٧٢؛ ١٧٧؛ ١٩٢)

فكر في الفرق بين مركز اللياقة البدنية، الذي يتقاضى رسومًا مقابل العضوية، والمدربين الشخصيين. المدربون الشخصيون أكثر ربحًا؛ لأنهم يتحمَّلون مسئولية شخصية عن نتائج نظام اللياقة البدنية للعميل، ولأنهم يتحملون المسئولية عن النتيجة التي يحقِّقها العميل، فإنهم أكثر انتقائية بشأن من يقبلونهم كعملاء، وكذلك أكثر اجتهادًا في إجراء تحليل مسبق لتوقعات كل عميل ورغبته في التغيير. هذا تحليل نقدي؛ لأنه إذا كان العميل لا يرغب في اتباع نصيحة المدرب، فستفشل محاولته في إحداث تحول لدى العميل. المهم هو أن عملاء اليوم يتمتعون بوعي كبير؛ ومِن ثَمَّ يحتاجون من المهنيين أكثر من مجرد تقديم خدمات أو تجربة جيدة. إنهم يريدون التحولات ويحملون المهنيين المسئولية عن توجيه عملية التحول.

يُعرَّف النشاط التجاري بأنه النشاط الذي يُدرُّ عائدًا. و«أنت النشاط الذي يُدفع عائد مقابله». وكما سنناقش في الفصل التاسع، فإن سعرك هو الفرصة الوحيدة أمام شركتك لاغتنام القيمة التي تخلقها للعملاء الذين تخدمهم، ويمثِّل السعرُ جزءًا لا يتجزَّأ من عرض القيمة الخاصة بك، ومِن ثَمَّ يجب أن يعتمد على القيمة كما يراها عميلك. إن تحمُّل مسئولية إحداث تحول لدى عملائك، وتوجيههم من حيث هم إلى حيث يريدون أن يكونوا، بمنزلة التعبير الأمثل لإمكانات شركتك في صنع القيمة، وهي الطريقة التي ينبغي الحكم بها على شركتك والنظر إليها من جانب أولئك الذين يدفعون ثمن ما تقدمه لهم من خدمة.

وقد تمكَّن المهنيون، لا سيما المحاسبون القانونيون والمحامون، بالفعل من إحداث العديد من التحولات لدى عملائهم. فيمكنهم، على سبيل المثال، مساعدة عملائهم في أن يصبحوا مليونيرات، وأن يتقاعدوا في عمر محدد، وأن يموِّلوا تعليم الطفل، وأن يعملوا على تنمية قيمة النشاط التجاري وتعزيزها، وأن ينفذوا رغبات العميل عبر التخطيط العقاري والهبات. هذه هي التحولات الشخصية في جوهرها، التي توجِّه الفرد لتحقيق رؤيته المفضلة للمستقبل. ولا يوجد أي تشابهٍ بين هذا العرض وبين عرض السلعة أو حتى مجموعة من الخدمات غير الملموسة. فأنت تُلامس روح عملائك حرفيًّا، وتقيم علاقة فريدة معهم تكون منيعة للمنافسة الخارجية وتتحكم بالثمن المناسب لقيمة النتائج التي تحقِّقها.

•••

بول: لقد اتَّضح لي جليًّا مؤخرًا مفهوم «إحداث تحول في الخبرة» عبر طريقتَين مختلفتَين تمامًا. الطريقة الأولى: بينما كنت في اجتماع مع مدير شركة كبرى لقضاء العطلات في منتجع كبير (بورن ليجر) في إنجلترا. كنَّا نناقش النتائج التي أرادوها من برنامج قادم مدته ثلاثة أيام. وشرحوا كيف أنهم، قبل ١٨ شهرًا، قد استحوذوا على شركة كبيرة جدًّا، فقفز تعداد الموظفين من فريق يضم ٢٠٠٠ موظف إلى آخر يتألف من ١٥ ألفًا. ليس من المستغرب إذن أنه كانت هناك تحديات. وقالوا لي: «يبدو أن بعض أعضاء فريقنا لا يفهمون ما نحاول أن نوصله لهم بشأن التركيز على العميل وما إلى ذلك.»

خلال المناقشة، صار واضحًا تمامًا أن العملاء كانوا يعانون من تبعات سوء التواصل هذا؛ لذلك ابتكرنا برنامجًا أطلقنا عليه اسم «إحداث تحول في الخبرة». ولا يؤتي ذلك ثمرته حتى تتحقق من آثاره على مستويين متصلين.

الأول: من المستحيل «إحداث تحول في الخبرة» لدى عملائك، إلَّا إذا أحدثت أولًا (وبصفة مستمرة) تحولًا في الخبرة لدى موظفيك أيضًا. ففريق عملك هو في النهاية من يتولى خدمة عملائك. ثانيًا: يجب أن يلمس العميل الالتزام والشغف والإثارة لدى موظفيك. فدون العمل على تطوير موظفيك والتعاون معهم، ودون العمل على تطوير ثقافتك، إذا رغبت في ذلك، فإن أي محاولات لإحداث تحول و/أو صنع تجارب رائعة لعملائك؛ ستكون مؤقتة في أفضل الأحوال.

تدرك شركة طيران «فيرجن بلو إيرلاينز» في أستراليا ذلك جيدًا؛ فقد أنشأ ريتشارد برانسون، وعلى وجه الخصوص رئيسه التنفيذي الأسترالي بريت جودفري، شركة طيران على غرار شركة «ساوث وست إيرلاينز» دون عجب (لماذا لا نستنسخ نموذجًا رائعًا، على كل حال؟) لكن برانسون وجودفري أخذا شركة الطيران هذه إلى ما هو أبعد من ذلك.

المثال الأول والأكثر وضوحًا هو عندما تنقلك السيارة الأجرة إلى الطائرة من البوابة. إذا تصادف وكنت على الجانب الأيسر من الطائرة ونظرت من نافذتك، فسترى جميع أفراد الطاقم الأرضي والأشخاص الذين أجروا فحصًا لك ولأمتعتك وهم يقفون في صف يلوِّحون وداعًا. من المذهل أن ترى (وتعيش تلك التجربة) وأنت في الجو، وبعد تقديم وجبات بسيطة أساسية، ينتقل أفراد الطاقم إلى منطقة رسم الوجوه؛ حيث يرسمون وجوهًا جذابة على وجوه الأطفال وعلى بعض الراغبين في ذلك من الكبار أيضًا.

قد لا يتوافق هذا مع بيئة عملك بالطبع، ولكن يمكنك التعلم من أسلوب «فيرجن بلو» بطرق أخرى. على سبيل المثال، عندما كانت شركة الخطوط الجوية هذه في طور الإنشاء واضطرت إلى استخدام حظائر طائرات مؤقتة لتسجيل الوصول والمغادرة، زُيِّنت تلك المباني بملصقات كبيرة رائعة تعزِّز أهمية العميل بالنسبة إلى الشركة (وبالمناسبة، تستخدم شركة الطيران مصطلح «نزيل»، وليس «مسافر». وهذا التغيير البسيط في الكلمة يصنع فارقًا كبيرًا لتأكيد الثقافة المشابهة لتأثير استخدامنا لكلمة «عميل» بدلًا من كلمة «زبون»).

بل إن إحدى المؤسسات الإنجليزية استفادت من أسلوب «التلويح وداعًا» الذي تتبناه شركة «فيرجن بلو». ففي اجتماع فريق عُقد في تلك المؤسسة، طرح أحدهم، ويبلغ من العمر ١٨ عامًا، هذا السؤال: «هل زيارة العملاء أقل تكلفة من زيارتنا لهم؟» كان الجواب «نعم»؛ لذا تابع عضو الفريق قائلًا: «لماذا لا نستخدم الأموال التي نوفِّرها لصنع تجربة خاصة عند زيارتهم لنا؟ كيف يمكننا فعل ذلك؟» طوَّر الفريق الفكرة في فترةٍ وجيزةٍ من خلال العصف الذهني وخرج بخطة بسيطة للغاية لجذب سيارات العملاء لغسل سياراتهم في موقف سيارات الشركة، بل إنهم سألوا عامل تنظيف سيارات متنقل إن كان على استعداد أن يفعل ذلك مجانًا في مقابل إمكانية ترك بطاقة عمله مع العملاء كطريقة لتطوير أعماله. وقد وافق! (لو توجَّب على المؤسسة أن تدفع ثمن ذلك، لم يكن ذلك ليكبدها الكثير على أية حال.)

إليك كيفية تنفيذ هذه الفكرة: قبيل موعد أحد العملاء، يتصل به أحد موظفي الشركة مذكِّرًا إيَّاه بشأن موقف السيارة. وعندما يصل العميل إلى مكتب الاستقبال، يطلب موظفو الاستقبال ببساطة من العميل أن يعطيهم مفاتيح السيارة؛ على افتراض أن تقتضي الحاجة نقل السيارة. وفي الوقت الذي ينهمك فيه العميل في مباشرة العمل، يؤدي عامل غسل السيارات المتنقل عمله تاركًا المفاتيح لدى مكتب الاستقبال قبل أن يخرج العميل.

تخيل ما يحدث: لا يقول صاحب الشركة وداعًا للعميل في المكتب كالمعتاد. بل إنه يأخذ مفاتيح السيارة الخاصة بالعميل ويصحبه إلى السيارة. ووفقًا لأصحاب الشركات، فإن «صيحات الإثارة» التي يسمعونها (حتى في إنجلترا المحافظة) تستحق الجهد الإضافي (أو، إن شئت، قل: تستحق التجربة).

(٣-١) هل يكفي أن تكون مستشارًا موثوقًا فيه؟

رون: في أعقاب فضيحة «إنرون» وغيرها من الانهيارات المحاسبية المتنوعة لعام ٢٠٠٢، دار الكثير من النقاش حول عامل الثقة في مهنة المحاسبة. فقد أصبحت بعض المفاهيم مثل «المستشار الموثوق فيه» شائعةً في رسالة الشركة وبيان القيمة لديها. في الواقع، يعتقد الكثيرون أن الثقة هي إحدى «المؤهلات الأساسية» للمهنة. لديَّ وجهة نظر مختلفة حول هذه القضية، اكتشفتُ أنها جدلية للغاية (إذ تُشعل نقاشًا محتدمًا عند مشاركتها مع الزملاء).

ما من شك في أهمية الثقة في العلاقات التجارية، بل إن المحاسبة تدين بنشأتها لهذه المسألة تحديدً، فمنذ أواخر القرن الخامس عشر نمت الشركات التي كانت في الأساس قائمة على روابط القرابة والعلاقات الأسرية لدرجة تحتم معها الاستعانة بالغرباء، وأيضًا عندما أصبحت الشئون المالية الشخصية أكثر انفصالًا عن تمويل الأعمال، أصبح إمساك دفاتر القيد المزدوج ضرورةً من أجل أن يراقب مديرو المؤسسة الوكلاء الذين يعينونهم.

ويعمل المستوى العالي من الثقة في أي اقتصاد كوسيلةٍ داعمة للتجارة، ويقلل الحاجة إلى مفاوضات مطولة، وعقود ممتدة، وتقاضٍ مكلف، أو ما يشير إليه الاقتصاديون ﺑ «تكاليف المعاملات». ويشرح الخبير الاقتصادي الحائز على جائزة «نوبل» كينيث آرو دور الثقة قائلًا:

تحظى الثقة الآن بقيمةٍ برجماتيةٍ مهمة للغاية، ما لم يكن هناك شيء آخر. إنها فعالة للغاية؛ فهي توفر الكثير من المتاعب المُتكبدة من أجل الحصول على درجة معقولة من الاعتماد على توصية الآخرين. وهي للأسف ليست بالسلعة التي يمكن شراؤها بسهولة. فإذا اضطررتَ لشرائها، حينئذٍ سيصير لديك شكوك حول ما اشتريته. إن الثقة والقيم المماثلة، كالولاء أو قول الحقيقة، هي أمثلة لما يسميه الخبراء الاقتصاديون «العناصر الخارجية»؛ فهي بضائع وسلع لها قيمة حقيقية وعملية واقتصادية تزيد من كفاءة النظام، وتمكنك من إنتاج المزيد من السلع أو المزيد من أي قيمة تُعَظِّمها، ولكنها لا تُعتبر سلعًا يمكن تداولُها تجاريًّا في السوق المفتوحة من الناحية الفنية، علاوة على أنه لن يكون لذلك أي معنًى. (مُقتبس في فوكوياما، ١٩٩٥: ١٥١-١٥٢)

كلما ارتفعت مستويات الثقة، أصبحت التجارة أكثر مرونة، وأمكن تخفيض تكاليف المعاملات عمليًّا إلى الصفر، كما يشير الاقتصادي توماس سويل:

المعاملات التجارية التي تتطلب الثقة والمصداقية تُبرَم بسهولة بين الأشخاص الذين لا يشتركون فقط في سمات معينة، ولكن أيضًا مَن يمكن التحقق من امتلاكهم هذه السمات بسهولة أكبر. ومن الأمثلة الصارخة على ذلك، اليهود «الحسيديون» المشتغلون في صياغة المجوهرات في نيويورك، الذين يعطون بعضهم البعض بضائع من الأحجار الكريمة لبيعها، دون الحاجة إلى عقود أو ضمانات أخرى مكلفة، والتي ستكون ضرورية للغاية إذا ما تعاملوا مع الغرباء. بالمثل، اضطر التجار اللبنانيون في المناطق الداخلية من سيراليون إلى الاعتماد على صدق وموثوقية التجار اللبنانيين الآخرين في المدينة الساحلية، الذين باعوا شحناتهم من المنتجات في السوق الدولية وشاركوهم العائدات. كما اشتُهر عن الصينيين في جنوب شرق آسيا معاملاتهم الكبيرة والمعقدة، التي يقومون بها فيما بينهم دون عقود مكتوبة. (سويل، ١٩٩٤: ٥٠–٥١)

لا يمكنك شراء الثقة؛ فلا بديل عن وجودها في اقتصاد السوق الحرة، ليس فقط بالنسبة إلى المهنيين، بل لجميع الأعمال. فجميع المعاملات تتطلب الثقة. إنها توقع أساسي عند إجراء أنشطة تجارية. ومن المؤكد أنها ليست من المؤهلات الأساسية؛ لأنها ليست سمة يمكنك أداؤها على نحو أفضل — أو بتكلفة أقل — من منافسيك. فالثقة أمر معقد، ومن الواضح أن هناك مستوياتٍ مختلفة منها؛ لأنها مفهوم سياقي. فالثقة في شراء علبة من العلكة من أحد المتاجر أو الحلاقة عند حلَّاق معين شيء، والثقة في حاضنةٍ لطفلك شيءٌ مختلفٌ تمامًا. ولكن من الخطأ أن تعلن أو تسوِّق أي شركة جدارتها بالثقة؛ فاستحقاق الثقة أمر صريح يجب إثباته وكسبه (إحدى طرق تحقيق ذلك تقديم ضمان استرداد الأموال على جميع أعمالك). إن مجرد وجود علاقات ثقة مع العملاء لا يضمن أنهم سيبقون أوفياء.

أُسافر على رحلات طيران كثيرة عبر «يونايتد إيرلاينز». إنني أستأمنهم على حياتي، وتلك الثقة تتطلب بالتأكيد درجة من اليقين والثقة في مجموعة كاملة من الغرباء أعلى من ثقتي في المحاسب أو المحامي الخاص بي. وفي شركات الطيران، تُعَدُّ السلامة ببساطة شيئًا جوهريًّا وأمرًا مفروغًا منه؛ فهي أساس التعامل، لكنها لا تضمن ولاء العملاء أو حتى الربحية. وإذا بدأت خدمة «يونايتد إيرلاينز» في الانحدار، فسأتراجع عن ركوب طائراتهم. نشهد الاستجابة نفسها بين عملاء مقدمي الخدمات المهنية. علاوة على ذلك، لن تقول أي شركة طيران في إعلاناتها: «سافر معنا، فلن نقتلك»؛ لأن معظم المعاملات التي تتم في الاقتصاد العالمي تتم تحت مظلة الثقة. والمهنيون هم من بين أكثر المستشارين ثقة. وماذا في ذلك؟ هذه نقطة خفية، ولكنها مهمة. إن المهنة — أو أي شركة فيها — لا تسدي نفسها أي معروف عندما تستمر في التباهي بمستوى الثقة لديها. فمثل الجودة الفنية الخاصة بك، تعد الثقة شيئًا لا بد من وجوده. وأولئك الذين يتحدثون عن الثقة يضرونها، ويُنظر إليهم على أنهم أقل مصداقية.

يمكنك بالتأكيد أن تخسر العملاء إذا فقدوا إيمانهم أو ثقتهم بك — وستكون آخر من يعلم بذلك — لكن هذا ليس السبب في تخلي غالبية العملاء عن المهنيين الذين يتعاملون معهم. فكما ستعرف، يحدث معظم التخلي بسبب سوء تجربة الخدمة، وليس بسبب مشكلات تتعلق بالنزاهة والثقة.

(٤) الانتقال من مرحلة انعدام العيوب إلى مرحلة الاحتفاظ الدائم بالعملاء‎

رون: أذكر أنني كسبتُ عميلة جديدة تملك وكالة سفر ناجحة. كان زوجها قد تُوفِّي في السنة السابقة ولم تكن قد اضطرت قط للتعامل مع الجوانب الضريبية والمحاسبية في أعمالها من قبل (كان زوجها يتعامل مع المحاسب القانوني نفسه لأكثر من ٢٠ سنة). وعندما سألتها (كعادتي) عن سبب تركها لهذا المحاسب القانوني، كانت إجابتها مقتضبة ومثيرة للغاية، وسأظل أتذكرها دائمًا: «إنه لم يُبدِ أي تعاطف.»

ما كان يمكنني الجزم به أن هذا المحاسب القانوني كان أداؤه بارعًا من الناحية الفنية. فلم يكن لدى موكلتي أي شكاوى حول سعره أو جودة عمله. بل إنها حتى كانت تثق فيه. وعندما اتصلتُ به لأطلب نسخًا من بعض الوثائق، صُدم عندما علم أنها قد استغنت عنه. لم تكن الجودة التقنية، وإنما جودة الخدمة، هي التي أحدثت الفرق بالنسبة إليها. فالأمر لا يتعلَّق بما حصلت عليه من خدمة، ولكن بالطريقة التي حصلت بها عليها.

خلال ثمانينيات القرن العشرين، اجتاحت إدارة الجودة الشاملة أدبيات الأعمال التجارية، وهُرع العديد من الشركات نحو تأسيس برنامج إدارة الجودة الشاملة. (إدارة الجودة الشاملة هي مجموعة من المعارف يعود تاريخها إلى أواخر القرن التاسع عشر، كجزء من الثورة الزراعية.) ومع ذلك، فإن تطبيق إدارة الجودة الشاملة على نشاط خدمي ليس بالمهمة السهلة؛ إذ إنه نهج قائم على المعايير. لطالما كان كارل ألبريخت ناقدًا قويًّا لإدارة الجودة الشاملة، لا سيما أنها تطبق النشاط الخدمي، كما أشار في كتابه «القطار المتجه شمالًا: العثور على الهدف، وتحديد الاتجاه، وتشكيل مصير شركتك»؛ إذ كتب يقول:

يبدأ كم هائل من جهود الجودة في الوقت الذي تحاول فيه الإدارة الإدارية والتحليلية والميكانيكية المعنية بالرقابة والقائمة على المعايير والمتجردة من الإنسانية «تضييق الخناق» على الشركة بدلًا من تسهيل سير أعمالها وتمكينها من القيام بالتزاماتها الفردية الخاصة بالجودة. وهذا هو السبب الذي جعل الأنظمة النظرية الآلية لإدارة الجودة الشاملة تئول في النهاية إلى الفشل. (ألبريخت، ١٩٩٤: ٣٢–٣٣)

ثم يقدم ألبريخت مثالًا لشركة تأمين استثمرت بكثافة في معيار من معايير الأداء اعتبرته مهمًّا ألا وهو: الحرص على إصدار البوالص التأمينية في غضون خمسة أيام في أغلب الأوقات (المرجع السابق: ١٣٩). هذا هو المشروع المثالي لنموذج إدارة الجودة الشاملة؛ لأنه يمكن حصره ومقارنته بمعيار معين، وتحليله وتحسينه باستمرار، وما إلى ذلك. كانت المشكلة الوحيدة هي أنه عندما تحدثت شركة ألبريخت الاستشارية مع وكلاء التأمين وعملائهم، لم يهتم أحد بتلقي بوالصه في غضون خمسة أيام.

ما الفكرة من ذلك؟ لا توجد في الحقيقة طريقة صحيحة لفعل الشيء الخطأ. وكما يقول بيتر دراكر: «لا شيء عديم الجدوى كفعلك — بطريقة فعَّالة — ما لا ينبغي فعله على الإطلاق.» من منظور عرض قيمة العميل، من السهل تشخيص الخلل هنا: فإدارة الجودة الشاملة هي مقاربة شاملة. يمكن للمؤسسة العد والقياس والتحليل داخليًّا استنادًا إلى أي معيار تقريبًا. لكن قياسك لوزنك ١٠ مرات في اليوم لن يقلل من وزنك. قد توفر إدارة الجودة الشاملة مقياسًا، ولكن ليس الضوء الموجه لما ينبغي أن يقاس. ونحن لا نعتقد أن إدارة الجودة الشاملة هي الحل للقصور الخدمي الرهيب في المهنة. وقد تبنَّت بعض الشركات تلك الفكرة إلى حد كبير؛ لأنها تستخدم الأساليب الرياضية والإحصائية التي نفهمها بسهولة، لكننا نحتاج إلى تغيير تفكيرنا من «كل شيء يبدأ وينتهي بالإدارة» إلى «كل شيء يبدأ وينتهي بقيمة العميل». لن يكون عد وقياس الأشياء من أجل عد وقياس الأشياء هو الحل السحري لجذب العملاء والاحتفاظ بهم.

البديل عن إدارة الجودة الشاملة هو خدمة الجودة الشاملة، والتي عرَّفها ألبريخت على النحو التالي: «حالة تقدم فيها الشركة قيمة متميزة لأصحاب المصلحة: عملائها ومُلَّاكها وموظفيها» (ألبريخت، ١٩٩٢: ٧٢). لاحظ كيف أن هذا التعريف هو شرط يُسعى لتلبيته من أجل تحقيق الهدف المطلوب، وليس طريقة معينة للتشغيل. تُبتكر الأساليب كوسيلة لتحقيق الهدف، وليس كغاية في حد ذاتها. والسبب في أن خدمة الجودة الشاملة منارة توجيهية أفضل من إدارة الجودة الشاملة لشركات الخدمات المهنية هو أنها تعترف بالقيمة المحسوسة لما يجري تسليمه، وليس الجودة المجردة. فالعملاء يتوقعون صحة قوائمهم المالية وإقراراتهم الضريبية؛ لذا تضع خدمة الجودة الشاملة تركيزها على القيمة المحسوسة وجودة الخدمة وتشدد عليهما، وهما المعياران النهائيَّان اللذان استنادًا إليهما سيتحدَّد ما إذا كانت الشركة ستحتفظ بالعميل أم لا.

توجد لافتة في مصنع النسيج التابع لشركة «ميليكين آند كومباني» الحائزة على جائزة بالدريج الوطنية للجودة مدون عليها ما يلي: «الجودة ليست غياب العيوب كما تُعرِّفها الإدارة، بل هي وجود القيمة كما يُعرِّفها العملاء.» حظيت شركة «موتورولا»، وهي شركة أخرى فازت بجائزة ﺑﺎلدرﻳﺞ، بسمعة عالمية بسعيها الحثيث للحصول على درجة الجودة «سيكس سيجما»، وهي ٣٫٤ عيبًا لكل مليون وحدة من الإنتاج، وهو معيار مثير للإعجاب، وقد تمكنت «موتورولا» من تحقيق ذلك في العديد من جوانب عملياتها. ولكن ماذا يحدث عندما يحققون هذا الهدف المثير للإعجاب؟ هل هذا يُكسبهم تلقائيًّا ولاء العملاء أو ضمان الربحية؟ إن الخلو من العيوب ليس بكافٍ. فعلى المدى الطويل، سيبدأ العملاء في توقع هذه النتيجة وسيتمكن المنافسون من الوفاء بهذا المعيار. ما يهم أكثر هو كيف تعامل «موتورولا» عملاءها، كما قال دونالد إي بيترسون، الرئيس السابق لشركة «فورد موتور»، عندما استطاع الخروج بتلك الشركة من هوة الأداء المالي الضعيف: «إذا لم ننقَدْ لرغبة العملاء، فلن يشتروا سياراتنا‎.»

في تسعينيات القرن العشرين، واتباعًا للمنطق القائل إن إرضاء العملاء هو الهدف النهائي للشركة، بدأ العديد من المؤسسات في حساب القيمة الدائمة للعميل العادي، ثم بدأ الخبراء الاستشاريون يسألون عملاءهم: «كم من المال أنت على استعداد لإنفاقه كي تحصل على عميل جديد؟» بمجرد تحديد هذا المبلغ، سيكون الرد: «عندها سيكون من الأفضل أن تُنفق على الأقل هذا المبلغ للاحتفاظ بعميل.» كانت هذه بداية حركة اقتصاد ولاء العملاء، التي دعمها فريدريك أف ريتشيلد وكتابه «تأثير الولاء»، وآخرون غيره.

وفق تقديرات قطاع السيارات، فإن العملاء الموالين للعلامة التجارية يستحقون ما لا يقل عن ٣٣٢ ألف دولار على مدى العمر؛ وقدَّر القطاع المصرفي ذلك ﺑ ١٥٦ دولارًا في السنة؛ وفي قطاع تصنيع الأجهزة قُدِّر ذلك بنحو ٢٨٠٠ دولار لكل عميل على مدى ٢٠ سنة. وحتى في السوبر ماركت المحلي قدرت قيمة العميل ﺑ ٤٤٠٠ دولار في السنة و٢٢ ألف دولار على مدى خمس سنوات من الإقامة في أحد الأحياء. كانت النظرية أن الشركات يجب أن تنظر إلى قيمة العلاقة على المدى الطويل، بدلًا من مجرد حسابها في اللحظة الراهنة. ومن الأرجح أن تتعامل مع شكوى العميل بطريقة مختلفة، أو تحل نزاعًا لصالح العميل، إذا كنت تأخذ في الاعتبار قيمته الدائمة.

كذلك أثبت نموذج القيمة الدائمة هذا، عمليًّا، أن الاحتفاظ بالعملاء كان أكثر ربحية من اكتساب آخرين جدد، وأظهرت دراسات مختلفة أن الحصول على عميل جديد يكلف الشركة ما بين أربعة أضعاف و٢٠ ضعفًا (حسب المجال) تكلفة الاحتفاظ به. وقد وجد المعهد الأمريكي للمحاسبة الضريبية أن تكلفة اكتساب عميل جديد في شركة محاسبة ضريبية متوسطة تعدل ١١ ضعفًا تكلفة الاحتفاظ به. ونتيجة لذلك، أصبح البيع العابر شعارًا في معظم شركات الخدمات المهنية، مع تحوُّل التركيز من حصة السوق إلى حصة المحفظة. بعبارة أخرى، بالنسبة إلى شركة المحاسبة الضريبية، على سبيل المثال، كان السؤال المطروح هو: «ما النسبة المئوية من ميزانية التدقيق والضرائب وميزانية الاستشارات التي تحققت للشركة؟» كان الهدف بالنسبة إلى العديد من الشركات هو الحصول على رقم قريب من ١٠٠ بالمائة قدر الإمكان. أيضًا، بدأت العديد من الشركات في استثمار الموارد من أجل اكتشاف احتياجات ورغبات عملائها الحاليين، وتقديم المزيد من الخدمات لهم، بدلًا من تمشيط الشوارع بحثًا عن عملاء جدد.

أحدثت حركة الولاء تأثيرًا إيجابيًّا آخر، على الأقل من حيث الاستعاضة عن نموذج إدارة الجودة الشاملة: فقد صرفت تركيز الشركات عن الاهتمام بانعدام العيوب، باتجاه احتفاظها التام والدائم بعملائها. ينطوي هذا التركيز، بالنسبة إلى شركات الخدمات المهنية، على أهمية مباشرة، بما أن شركة الخدمات لا تستطيع أبدًا أن تخلو من العيوب؛ لأن الإنسان ليس معصومًا من الخطأ، برغم كل شيء. وحتى لو حققت هذا المعيار السحري، فسيظل العملاء يعانون من خلل في جودة الخدمة. إن الجودة الفنية مثل الثقة، هي أقل ما ينبغي توفره؛ إنه التوقع الأساسي للعميل. فأنت لا تعود إلى فندق لأنه يغير الملاءات ويكنس الأرضيات كل يوم.

على الرغم من أهمية القيمة الدائمة للعميل بالنسبة للشركة، فإننا نعتقد أن هناك مقياسًا أفضل يجب على الشركة في المستقبل إدراكه ومحاولة حسابه: القيمة الدائمة للشركة بالنسبة للعميل.

•••

بول: أليس هذا تحولًا مذهلًا؟ هذا يقلب حرفيًّا ما يمكن أن نسميه المعدل «الطبيعي» للنظرة الداخلية رأسًا على عقب، ويجعلك تتساءل، ببساطة: «ما قيمتي بالنسبة لعميلي؟»

•••

رون: لا يركز هذا على بيع المزيد من الخدمات الأساسية، ولكنه يركز على زيادة حجم الإنفاق من جانب كل عميل لدى الشركة بوجه عام. وكما ذكرنا سابقًا، فإن الحصة السوقية هي ببساطة المقياس الخاطئ للنجاح. فما يهمُّ هو زيادة إنفاق العملاء من خلال ضمان استمرارية تعاملهم مدى الحياة، والعمق (الحصول على حصة أكبر من محفظة العملاء)، والاتساع (الحصول على عائدات من مصادر تكميلية)، وتنوع الإنفاق (السعي للحصول على عروض خدمات جديدة من أجل تحقيق الثروة للعميل).

يتطلب هذا النهج من الشركة أن تسعى جاهدة من أجل الاحتفاظ بولاء النوعية التي تريدها من العملاء، أو ما نسميه بالاحتفاظ الدائم بالعملاء. ثمة رأي مختلف يرى أنصاره أن العملاء لا يمكن أن يكونوا موالين لشركة ما، بخلاف المشروعات الصغيرة، مثل مصففي الشعر، أو وسطاء الأوراق المالية، أو وكلاء السفر، أو المطاعم المحلية. «كيف يمكن لشخص أن يكون مخلصًا لشركة طيران أو سلسلة فنادق؟» هكذا يتساءل كارل ألبريخت، الذي يرجح أن المستهلكين لديهم فقط تفضيلات قوية، وليس ولاء. نحن لا نتفق مع هذا الرأي. إذا كنت قد درست السلوك البشري، فستعرف أن الناس موالون لزوجاتهم، ومدارسهم، وأحيائهم، ومجتمعاتهم، والمؤسسات الخيرية؛ حيث يتبرعون بالأموال والخدمات، وما إلى ذلك. لا يعني هذا أن الولاء قد مات في عالم الأعمال، بل معناه أنه قلما يوجد سبب للموالاة. يجب إذن على الشركات أن تكسب ولاء عملائها، وهذا يتجاوز مجرد كونها مستشارًا موثوقًا فيه ويقدم عملًا يتسم بالكفاءة الفنية، وهو ما يتطلب بدوره توفير خبرات في مجال الخدمة تتجاوز توقعات العملاء، بالإضافة إلى التحولات الشخصية لإرشادهم في رحلتهم لتحقيق أحلامهم. كيف إذن تزيد الشركة من ولاء عملائها؟ دعونا نبحث في هذا السؤال من خلال تحليل سبب خسارة المهنيين للعملاء.

(٤-١) لماذا نفقد العملاء؟

رون: في ثمانينيات القرن العشرين، اجتاحت الولايات المتحدة موجة حملات وطنية تدعو إلى «شراء المنتجات الأمريكية». وعلى الرغم من وجود هذه الحملات دائمًا، فقد مُنِحت تغطيةً مكثفةً خلال هذه الفترة؛ نظرًا للضربات التي كانت تتلقاها صناعة السيارات الأمريكية أمام نظيرتها اليابانية. وعند استطلاع الآراء، أجاب غالبية الناس (بين ٦٠ و٧٠ بالمائة) بأنهم سيشترون السيارات الأمريكية، ليس فقط لأنهم يشعرون بواجب وطني، بل لأنه سيكون أفضل بالنسبة للبلد من شراء المنتجات الأجنبية الصنع، لكن في المرة التالية التي ذهبوا فيها ليشتروا سياراتٍ، عادوا يقودون سيارات هوندا جديدة. علماء الاقتصاد لديهم اسم لهذا الانقسام ألا وهو: التفضيل الظاهر. ينص هذا المبدأ على التعويل على ما «يفعله» الناس، وليس ما «يقولونه»؛ لأن ما يفعلونه هو الذي يُظهر تفضيلاتهم الحقيقية.

يجب أن تتبع عملية قياس ولاء العملاء القاعدة البديهية نفسها: أين ينفق العميل ماله، وليس ماذا يقول في استبيانات رضاء العميل. تعلمت العديد من الشركات ذلك بالتجربة؛ إذ تمكنت من تسجيل درجات عالية في استطلاعات الرضا، ومع ذلك ظلت تعاني من انصراف العملاء عنها. والسبب في ذلك أن الارتياح يقيس الماضي، بينما يحاول الولاء قياس المستقبل.

جربت العديد من الشركات استطلاعات عن رضا العملاء وحصلت على نتائج مختلطة. وكما أشرنا من قبل، ما من شك في أنه يمكنك تعلم بعض الأشياء الثمينة منها، ولكنها أيضًا محفوفة بالمخاطر؛ فمعدلات الاستجابة لها من قِبل العملاء منخفضة، ولا تتناول القضايا ذات الصلة، بالإضافة إلى أسئلتها المتحيزة، وما إلى ذلك. وعند إجراء مقابلات إنهاء الخدمة مع العميل، تواجه الشركات التحديات نفسها؛ إذ يتردد معظم العملاء في إعطاء الشركة السبب الحقيقي وراء مغادرتهم؛ لذلك يميلون إلى الرد قائلين: «لقد كان العمل معكم باهظًا للغاية.» غير أن التفضيل الظاهر يظهر شيئًا مختلفًا تمامًا. ولحسن الحظ، فإن العديد من المؤسسات والباحثين المستقلين — الجامعات، وشركات المحاسبة الأربع الكبرى، والشركات الاستشارية، والمؤسسات الخاصة، والهيئات الحكومية، والمراكز البحثية، والشركات المهنية، وغيرها — قد درسوا هذه القضية على نطاق واسع، ومن الجدير مناقشة بعض النتائج التي توصلوا إليها.

في مقالتهما الحائزة على العديد من الجوائز والتي عنوانها «كيف تفقد العملاء دون بذل أي مجهود»، نشر أوجست جيه أكويلا وآلان دي كولتين، في دورية «جورنال أوف أكاونتانسي» استطلاعًا شمل آلاف العملاء الذين فروا من شركات المحاسبة التي يتعاملون معها. وفيما يلي أهم سبعة أسباب وراء مغادرتهم:
  • (١)

    «محاسبي الشخصي لا يعاملني بالطريقة المناسبة.» [ثلثا الردود.]

  • (٢)

    تجاهل المحاسبين القانونيين للعملاء.

  • (٣)

    عدم تعاون المحاسبين القانونيين مع العملاء.

  • (٤)

    قصور التواصل من جانب المحاسبين القانونيين مع العملاء.

  • (٥)

    عدم إطلاع المحاسبين القانونيين عملاءهم على المستجدات.

  • (٦)

    تعامل المحاسبين القانونيين مع العملاء باعتبارهم فنيين.

  • (٧)

    استخدام مكاتب المحاسبة القانونية العملاء كحقل تدريب [بالنسبة لأعضاء الفريق الجدد]. (أكويلا وكولتين، ١٩٩٢: ٦٧–٧٠)

لإثبات صحة هذا الاستطلاع، درست مؤسسة «روكفلر» سبب فقدان العملاء، وتبين لها النسب التالية:
١٪ وفاة العميل.
٣٪ انتقال العميل إلى محل إقامة آخر.
٥٪ لدى العميل صديق [يقدم الخدمة].
٩٪ فقدان العميل لصالح أحد المنافسين.
١٤٪ عدم رضا العميل عن أحد جوانب الخدمة.
٦٨٪ شعور العميل بعدم اهتمام مقدم الخدمة به.

•••

بول: قد ترغب في قراءة هذه النسب مرة أخرى، أو الأفضل من ذلك أن تضعها في دائرة مجزأة. ما ستراه على الفور هو أنه في نحو ٧ من أصل ١٠ حالات، يبتعد الأشخاص لأنهم يعتقدون (سواء أصابوا في اعتقادهم ذاك أم أخطئوا) أنك لا تهتم بهم. هذا ما أسميه «اللامبالاة الملموسة». ويستقبل العملاء رسائل اللامبالاة من جانبك بطرق كثيرة، من طريقة الرد على الهاتف (ليس لديك تسجيل آلي يوجِّه الناس إليك، أليس كذلك؟) إلى أمور أكثر تعقيدًا، مثل نسيانك تقديم قهوة لهم.

هذا يذكرني بموقف ما: أدركت العديد من الشركات في السنوات الأخيرة أن تقديم القهوة للعملاء طريقة رائعة لتوليد لحظة حسم إيجابية. سأظل أذكر دائمًا زيارتي الثانية لشركة كانت تستخدم القهوة كوسيلة لخلق لحظة حسم لدى العملاء. فقد سألتني موظفة الاستقبال (التي كان لديها لافتة على مكتبها تحمل اسمها ووظيفتها: مديرة الانطباعات الأولى): «هل أطلب لك اسْكينيتشينو [كابتشينو بالحليب الخالي من الدسم أو قليل الدسم] الآن يا سيد دان؟» يجب أن أشير هنا إلى أن موظفة الاستقبال كانت حديثة التعيين؛ إذ لم تكن هناك خلال زيارتي الأولى. سألتها مندهشًا كيف عرفتِ عن شغفي بالاسكينيتشينو؟ فقالت: «إنه سر، ولكن إذا سألت السيد بولينز عندما تراه، فأنا متأكدة من أنه سيشرح ذلك.» وبالفعل أوضح السيد بولينز الأمر قائلًا: «حسنًا يا بول، في الواقع كان ذلك اقتراح أحد أعضاء الفريق. كل ما قمنا به هو إضافة خانة إضافية تسمى «الشراب المفضل» إلى قاعدة بيانات عملائنا. إنه لأمر مدهش ما نلقاهُ من ردود أفعال.»

لقد أدرك هؤلاء الممارسون (وغيرهم كثيرون، وهذه من دواعي سرورنا) أنه إذا ترك نحو ٧ من أصل ١٠ أشخاص مهنيًّا ما بسبب اللامبالاة الملموسة، فإن الفرصة متاحة بوضوح أمامهم لصنع «فارق» ملموس.

•••

رون: إذا نظرنا للأمر من الجهة الأخرى وحلَّلنا السمات التي يستخدمها العملاء لاختيار محاسب، فسنجدها:
  • مهارات التعامل مع الآخرين.

  • الجرأة.

  • الاهتمام بالعميل.

  • القدرة على شرح الإجراءات بطريقة يفهمها العميل.

  • الرغبة في تقديم المشورة.

  • النزاهة الملموسة. (وينستون، ١٩٩٥: ١٧٠)

لاحظ أن السعر والجودة غائبان بوضوح عن كل هذه الاستطلاعات. والأسباب التي ذُكِرت في هذه الدراسات لم تتغير كثيرًا منذ أن بدأت في وقت ما خلال فترة الخمسينيات من القرن العشرين. وحقيقة الأمر هي أن معظم حالات ترك العملاء لشركات الخدمات المهنية نتجت عن الإخفاقات البشرية والتصورات واللامبالاة، وليس بسبب السعر أو الجودة الفنية. بعبارة أخرى، إن الطريقة التي يُعامَل بها الناس – أو يساء معاملتهم بها — هي التي تحدد استعدادهم لأن يظلوا على ولائهم للشركة. وهذا له عظيم الأثر على عرض القيمة الخاص بشركتك، وسياسات التسعير، ومؤشرات الأداء الرئيسة لديها. سنعود إلى هذه الاستطلاعات ونتناولها بمنظور مختلف عندما نناقش التسعير ومؤشرات الأداء الرئيسة في الفصلين التاسع والعاشر. ما يعنينا هنا، بما أن الأمر يتعلَّق بعرض القيمة، أنه ينبغي أن يكون واضحًا أنك تُريد المنافسة على الخدمة، وليس السعر أو الجودة.

عرض أستاذ التسويق تيودور ليفيت هذا التشبيه في مقال بمجلة «هارفارد بيزنس ريفيو» عام ١٩٨٣:

البيع أشبه بالمغازلة التي تسبق الزواج، والتي على إثرها تبدأ العلاقة الزوجية … تعتمد جودة العلاقة الزوجية على مدى نجاح البائع في إدارة العلاقة. كما تحدد جودة الحياة الزوجية ما إن سيكون هناك أعمال مستمرة أو موسعة، أم مشكلات وطلاق. لقد ذهب عصر العلاقات العابرة. الزواج ضروري ومريح أكثر. (مُقتبس في هارت وبوجان، ١٩٩٢: ١٨٢)

إن القياس هنا ليس مثاليًّا؛ إذ إن العبء الحقيقي الواقع على كاهل المهني هو غرس الإحساس بالولاء في نفس العميل؛ إنها ليست علاقة شراكة متكافئة. تحتاج الشركات إلى استثمار ما لا يقلُّ عن نصف ميزانياتها الإعلانية والتسويقية «للاحتفاظ بعملائها»، بدلًا من الاستحواذ على عملاء جدد، مما يدل على القيمة التي تضعها الشركة على علاقاتها الحالية. ولا يحقُّ لأي شركة استقطاب عملاء جدد إذا لم يكن عملاؤها الحاليُّون سعداء بخدماتها، وهذا ينطبق بشدة على عملاء الدرجة الأولى، كما توضح هذه القصة من الرسالة الإخبارية التي تحمل اسم «جودة خدمة العملاء لدى مكاتب المحاسبة القانونية»، إصدار يونيو ١٩٩٤:

يروي المحاسب جو أس من مدينة توليدو هذه القصة المدهشة: «لأكثر من عام، كنت أسعى بقوة خلف أحد المديرين التنفيذيين. فقد كنت أرغب في إقناعه بالعمل معي بدلًا من الشركة، التي كانت من «الست الكبار»، التي كان عميلًا لديها. فعلت كل ما بوسعي لأُظهر لهذا الرجل كم أن شركتنا ستكون مُهتمة بأعماله ومُرضية له، مُذللًا له كل العقبات. وأخيرًا، حصلت على اجتماع غداءٍ كنت على يقين من أنني سأحصل فيه على نشاطه التجاري. وبينما كنا جالسَين، رأيت عبر الغرفة محاسبًا من شركة «الستة الكبار» يتناول الغداء مع أفضل عملائي.

في تلك اللحظة أدركت أنني كنت أتجاهل عملائي الحاليين في سعي مني للحصول على عملاء جدد، لكنني تمكنت خلال العمل بسرعة من إصلاح العلاقات، من الاحتفاظ بمعظم عملائي. أما الآن فأولويتي القصوى هي العناية الجيدة بعملائي.»

الدرس المستفاد: لا تأخذ أبدًا عملاءك كأمر مسلَّم به. دعهم دائمًا يعرفوا أنك مهتمٌّ بهم وتُقدِّر ولاءهم وشركاتهم. «إذا لم تستثمر في الحفاظ على علاقاتك بعملائك، فلن يكون لدى عملائك أي مبرر يمنعهم من التفكير في تجربة منافسيك.»

إن أفضل عملاء شركتك هم عملاء محتملون لأفضل منافسيك، وعليك دائمًا التصرف كما لو كانوا في خطر. ومن خلال تقديم خدمة الجودة الشاملة، وعرض القيمة الذي يميزك عن منافسيك، واتفاقيات الأسعار الثابتة التي تبيع من خلالها الخدمات كحزم، وضمان استرداد العميل لأمواله بنسبة ١٠٠٪، يمكنك البدء في تصفيد العميل «بقيود ذهبية» — من خلال زيادة تكاليف تحولهم إلى شركة أخرى — مما يجعل من الصعب على أي شركة أخرى تقديم قيمة أعلى. سيستمر العملاء في التعامل مع الشركات التي تعطيهم سببًا ليكونوا موالين لها، وسوف تعزز شركتك سلوكها الذي يكافئهم على ولائهم. فولاء العملاء يستحق المكافأة. وكما توضح الدراسات الاستقصائية المذكورة، فإن الخدمات المهنية قائمة على العلاقات؛ أي إن العملاء يستخدمون «أشخاصًا» أكثر من استخدامهم شركات. يُعبِّر أحد أعضاء فريق شركة «نوردسترورم» عن التوجه المطلوب لضمان ولاء العميل: «نحن مدرَّبون على صنع العميل وليس إتمام الصفقة معه. نحن مدربون على صنع العملاء.»

ولضمان عدم خسارة العملاء، يجب على كل شركة التعامل مع المشكلات عند ظهورها. فواحدة من الخصائص التي تفصل بين شركات الخدمة الممتازة عن المؤسسات العادية هي كيفية التعامل مع شكاوى العملاء بل تشجيعهم على تقديمها، وهو الموضوع التالي الذي نتناوله بالبحث.

(٤-٢) شكاوى العملاء

رون: يتطلب الرسم الإيديوجرامي الصيني لكلمة «أزمة» ضربتين من الفرشاة لكتابتها. واحدة ترمز للخطر، والأخرى للفرصة. هذا بالضبط ما تمثِّله شكوى العميل. والفرصة في الواقع أكبر من الخطر، إذا تم التعامل معها بشكل صحيح. وحيث إنه من المستحيل عمليًّا لشركة خدمات مهنية تلافي كل العيوب في عملها، فإن التعامل مع الشكاوى في مهدها يوفِّر تميزًا تنافسيًّا لشركتك ويعزِّز ولاء العميل ودرجة رضاه إذا تم التعامل معه على نحو صحيح. علاوة على ذلك، فإن الشكاوى التي يُتَعامل معها بسرعة تؤدي إلى مزيد من الولاء؛ ولهذا السبب وحده، فإن أحد الأنشطة ذات القيمة الأعلى التي يمكن أن تضيفها الشركة إلى سجل سياسات الجودة الشاملة هو نظام مناسب لإدارة الشكاوى.
تثبت الأدلة التجريبية هذه النقطة؛ فقد قامت إحدى المؤسسات بأبحاثٍ مكثفة في هذا المجال، وهي مؤسسة «تكنيكال أسيستانس رسيرش بروجرامز إنك» التي تعرف حاليًّا باسم «إي ساتِسفاي دوت كوم» في أرلينجتون بولاية فيرجينيا. وقد كشف تقريرها المُعَنْوَن ﺑ «حقائق أساسية عن سلوك شكاوى العملاء وأثر الخدمة على المحصلة النهائية»، بقلم جون جودمان، عن الحقائق التالية:
  • يُقدِّم من ١ إلى ٥ بالمائة فقط من العملاء شكواهم إلى المدير المحلي أو إلى مقر الشركة.

  • يكون معدل الشكاوى أعلى في حالة السلع الغالية الثمن؛ إذ يرتفع إلى ٥٠ بالمائة بالنسبة للشكاوى التي تُرفع إلى مديري الخطوط الأمامية إلى جانب قيام ٥ إلى ١٠ بالمائة من الشاكين بتصعيد شكاواهم إلى الإدارة المحلية أو مقر الشركة. إن وجود رقم هاتف شكاوى مجاني في مقر الشركة الرئيس سيضاعف في المتوسط عدد الشكاوى التي تصل إلى الشركة.

  • تتباين معدلات الشكاوى حسب نوع المشكلة؛ فالمشكلات التي تؤدي إلى فقدان نقود تكون معدلات الشكوى منها مرتفعة (على سبيل المثال، ٥٠ إلى ٧٥ بالمائة) في حين أن سوء المعاملة والجودة وعدم الكفاءة ينتج عنها معدلات شكاوى تُرفَع إلى مديري الخطوط الأمامية وتتراوح نسبتها بين ٥ و٣٠ بالمائة فقط.

  • معدل إخبار الناس بالتجارب السيئة ضعف معدل إخبارهم بالتجارب الجيدة.

  • بالنسبة للمشكلات الكبرى (مشتريات تزيد على ١٠٠ دولار)، فإن ٩١٪ من العملاء لن يشكوا على الإطلاق. بدلًا من ذلك سوف يبتعدون، وإذا شكوا ولم تُزَلْ أسباب شكواهم بالطريقة المرضية لهم، فإن ١٩٪ فقط سيشترون من جديد. أما إذا عُولجت الشكوى بطريقة مرضية لهم، يرتفع معدل الشراء من جديد إلى ٥٤٪؛ وإذا عُولجت الشكوى بسرعة، فإن معدل الشراء يقفز إلى ٨٢ بالمائة. (www.e-satisfy.com، يونيو ١٩٩٩)
ما يثير الدهشة من هذه الإحصائيات أن العملاء الذين يشكون يمكن أن يصبحوا أكثر ولاءً مما لو لم تكن لديهم مشكلة على الإطلاق، إذا تم التعامل مع الشكوى بسرعة وحُسمت بما يرضيهم. فقد وجدت فنادق «ماريوت» النسب المئوية التالية من النية في العودة عندما واجه العملاء مشكلة أثناء إقامتهم:
  • لا توجد مشكلات أثناء الإقامة = معدل العودة ٨٩ بالمائة.

  • كانت هناك مشكلة أثناء الإقامة و«لم» تُعالَج بما يحقق رضا العميل = معدل العودة ٦٩ بالمائة.

  • ظهرت مشكلة أثناء الإقامة و«جرى» التعامل معها بما حقق رضا العميل، «قبل أن يغادر الفندق» = معدل العودة ٩٤ بالمائة.

ولهذا السبب من المهم للغاية حل جميع شكاوى العملاء بسرعة، أو على الأقل اتخاذ إجراء لحلها على الفور. الشكاوى ليست مثل أنواع النبيذ الفاخر؛ إذ لا تتحسن مع مرور الوقت. فالعملاء يشكون؛ لأن ثمة فجوة بين ما يريدون حدوثه وما حدث بالفعل. وبمجرد أن يواجهوا مشكلة ما، فإن توقعهم بحلها سريعًا يكون في الواقع منخفضًا (وهذا هو تحديدًا السبب وراء عدم لجوء معظم العملاء للشكوى؛ فهم يعتقدون أنه ما من فائدة من ذلك)؛ لذا فإن الشكوى فرصة ممتازة لتحسن أوضاعهم، وتحوِّل تجربتهم من لحظة بائسة إلى لحظة ساحرة. ستُعيد توجيه تركيزهم إلى النتيجة المُرضية، بدلًا من المشكلة الأصلية.

عندما يتعلق الأمر بشكاوى العملاء، فإن القاعدة الذهبية تقول: لا يتعلق الأمر «بمن» هو على صواب، بل «بالشيء» الصواب. يُقدم كارل سيويل، مؤلف كتاب «عملاء مدى الحياة: كيفية تحويل مشتري المرة الواحدة إلى عميل مدى الحياة»؛ هذه النصيحة: «كل ما تحتاج إلى معرفته للتعامل مع الأخطاء هو ما تعلمتَه في مرحلة رياض الأطفال: الاعتراف بالخطأ وإصلاحه على الفور، والاعتذار. والاحتمال الأرجح أن يكون عميلك سيغفرُ لك، مثل أمك وأبيك» (سيويل،١٩٩٠: ١٦٤).

يعيد هال روزنبلوث، الرئيس التنفيذي لشركة «روزنبلوث ترافيل»، إلى العميل جميع العمولات التي تحصل عليها الشركة على أي ترتيبات تقوم بها شركته على نحو خاطئ، وهي سياسة لم يسمع بها أحد في مجال السفر. ويشرح فوائد هذه السياسة في كتابه «العميل يأتي ثانيًا وأسرار أخرى»:

رد الأموال للعملاء عندما لا يكونون راضين أفضل من خسارة أموال في صورة عملاء تفقدهم للسبب نفسه.

كانت العديد من عمليات رد أموال ضمان الخدمة ناتجة عن خطأ المورد [شركات الطيران والفنادق ووكالات تأجير السيارات، وما إلى ذلك]، ولكننا أعدنا عمولاتنا إلى عملائنا؛ لأننا نحمل أنفسنا المسئولية عن العملية برُمَّتها. (روزنبلوث، ١٩٩٢: ١٣٥، ٢٠٤)

عند تحليل شكاوى العملاء والمآخذ على الشركة، اسأل كيف، وليس لماذا. فالسؤال بلماذا يميل إلى توليد الأعذار والمبررات، في حين أن السؤال بكيف سيؤدي إلى معرفة كيفية علاج المشكلة. «كيف يمكننا منع هذا من الحدوث مرة أخرى؟» سؤال أفضل بكثير من «لماذا حدث هذا؟» أيضًا، اتبع نهج الخطوات الخمس التالية للتعامل بفعالية مع جميع شكاوى العملاء:
  • (١)

    الاعتذار. قل أنا آسف، ولا تقل نحن نأسف.

  • (٢)

    بذل الجهد العاجل. اتبع فريد سميث، مؤسس شركة «فيدكس»، «قاعدة الغروب» والتي مفادها: «لن تغرب الشمس على مشكلة لعميل أو موظف حتى يتم حلها والتعامل معها بطريقة ما أو بأخرى.»

  • (٣)

    إظهار التعاطف. أظهر الفهم والتعاطف؛ اسعَ لتهدئة العميل قبل إصلاح المشكلة.

  • (٤)

    التعويض. كن كريمًا، أظهر الندم. بل الأفضل من ذلك؛ اسأل العميل عن الطريقة التي يرغب في أن تُحل بها المشكلة (عادةً ما يكون طلبه أقل تكلفة مما كنت لتتكلفه لو لم تسأله).

  • (٥)

    المتابعة. اعرف شعور العميل حيال الوضع، ضَع حدًّا لمعاناته، وأشعره بذلك.

يمنح فندق «ريتز كارلتون» لأعضاء فريقه حرية كبيرة في حل شكاوى العملاء، مفوِّضًا كُلًّا منهم بصورة غير رسمية لإنفاق ٢٠٠٠ دولار على حل مشكلات العملاء. من ضمن قواعد «ريتز كارلتون»، مجموعة من ٢٠ مبدأً توجيهيًّا يُسأل كل عضو فريق عنها، تنص القاعدة رقم ١٣ على الآتي: «لا تخسر نزيلًا أبدًا. تهدئة النزلاء الفورية مسئولية كل موظف. وكل من يتلقى شكوى سيكون مختصًّا بها ويحلها بما يرضي النزيل ويسجلها.» إن روح «الامتلاك» هذه لشكاوى العملاء فعَّالة للغاية، ويجب على كل شركة اتخاذ هذا الموقف إزاء أي مشكلة لدى العملاء.

يمكن أن تكون شكاوى العملاء أكثر قيمة من مديحهم؛ لأنها تزود الشركة بمعلومات حول جوانب القصور في تقديم الخدمات التي تحتاج إلى التحسين، وهي فرصة ثانية للحصول على الأعمال التجارية للعملاء، وهي في الحقيقة فرصة لتعزيز رضا العميل وولائه. وفي ضوء هذه الحقائق، يجب على الشركات أن تقدم حافزًا حقيقيًّا للعملاء لتقديم الشكوى، وأحد أكثر الاستراتيجيات فعَّالية لتحقيق ذلك هي ضمان استرداد الأموال بنسبة ١٠٠٪.

(٤-٣) ضمان استرداد الأموال بنسبة ١٠٠ بالمائة

بول: في عام ١٩٩٧، عندما قرأت لأول مرة لكريستوفر دبليو أل هارت كتابه الرائع: «ضمانات استثنائية: تحقيق مكاسب مذهلة في الجودة ورضا العملاء»، كان لكلماته وقع في نفسي. لماذا تُجبر الناس على دفع ثمن أشياء لم يشعروا، في النهاية، بقيمتها؟

لكن هارت ذهب (كما ينبغي) إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير. وأحد الأدلة على ذلك كلمة «استثنائية» الواردة بالعنوان؛ فهي تشير إلى أن مجرد الضمانات التي تقول: «نحن نضمن حرفيتنا.» لا تفعل شيئًا على الإطلاق ولا تُحدث تأثيرًا. ولكن عندما تفهم مفهوم ما يُعد «استثنائيًّا»، تبدأ في إدراك أن الضمانات المدروسة تمنحك وجودًا حقيقيًّا في السوق.

تأمل حالة شركة «باجز برجر باج كيلر» (وهي شركة حقيقية مقرها ميامي، فلوريدا يديرها آل برجر). من الواضح أن برجر يعمل في مجال مكافحة الحشرات، ويتخصص في مجال الفندقة، لكن برجر رأى بشكل صحيح أن معظم الناس لا يريدون «السيطرة» على الآفات، بل يريدون «القضاء» عليها؛ لذلك أعلن عن هذا الضمان الاستثنائي:

أنت غير مطالب بدفع بنسٍ واحد لنا حتى يتم القضاء تمامًا على جميع الآفات في المبنى. وإذا اكتشف أحد النزلاء إحدى الآفات في المبنى الخاص بك، فسوف تقوم الشركة بدفع ثمن وجبة النزيل أو أجرة غرفته وإرسال خطاب اعتذار، بالإضافة إلى دفع ثمن وجبة أو إقامة في المستقبل.

إذا كنت غير راضٍ عن خدمة الشركة، فستتلقى كامل القيمة التي دفعتَها مقابل خدمات الشركة، بالإضافة إلى رسوم لمبيد آخر من اختيارك للسنة التالية.

إذا تم إغلاق المنشأة بسبب وجود صراصير أو قوارض، فسوف تدفع الشركة أي غرامة، بالإضافة إلى أي أرباح مفقودة، إلى جانب خمسة آلاف دولار.

استثنائي، أليس كذلك؟ كما أن برجر يجيد بشدة ما يفعله لدرجة أنه قادر على ضمان الخدمات التي يقدمها والحيلولة دون دفع أي ضمانات!

من المهم بالطبع أن تدرك أن الضمان «يجبرك» على أن تكون أفضل فيما تفعله. وهذا، بالطبع، هو الهدف. فكِّر أي خدمة مكافحة حشرات ستختار: تلك التي تقول: «نحن نبذل قصارى جهدنا»، أم شركة برجر بصرف النظر عن سعره.

وهذه بالطبع نقطة أخرى: بمجرد أن تضع ضمانًا كبيرًا (ولدى رون الكثير ليقوله عن ذلك قريبًا)، عليك زيادة سعر تقديم الخدمة فقط لتغطية احتمال اتصال شخص ما بك من أجل الحصول على الضمان. يُشير هارت إلى أن نسبة إساءة استخدام الضمان أو المطالبة به في جميع أبحاثه، قُدرت بأقل من ٠٫١ بالمائة. لنفرض أن التقديرات الفعلية تزيد على تقديرات هارت بمعدل ١٠٠ ضعف؛ ستظل نسبة المطالبات المحتملة للضمان في حدود ١٠ بالمائة.‎ إذا كان الأمر كذلك، فلماذا يقوم الكثير من الناس بوضع سياسات وإجراءات تمنع ١٠٪ من الأشخاص الذين قد يسعَون للاستفادة من الضمان، في مقابل سياسات وإجراءات أساسية ستعود بالنفع على الشركة من ٩٠٪ من العملاء الصادقين (في الواقع ٩٩٫٩٪ حسب هارت)؟

المثير للاهتمام أنك عندما تقرأ النقطة الأخيرة لرون بشأن الشكاوى، تجد أنها تعني في الواقع وجوب وضع أنظمة تولد شكاوى بالفعل.

•••

رون: يعتقد الكثير من المهنيين أنه من غير المنطقي تقديم حوافز لعملائهم لتقديمهم الشكاوى، شاعرين بالقلق من أنهم سيتلقون سيلًا غامرًا من العملاء الغاضبين؛ أو أنهم إذا لم يستجيبوا بفعالية، فقد يفقدون العميل. غير أن هذه المخاوف لا مبرر لها. وقد قدَّم تيودور ليفيت — مكملًا أبحاثه التي نُوقشت سابقًا — الملحوظة التالية فيما يتعلق بطلب شكاوى العملاء: «إن إحدى أخطر علامات العلاقة السيئة أو المتدهورة مع العميل هي غياب الشكاوى. فلا أحد يرضى على الدوام، لا سيما على مدى فترة ممتدة من الزمن. فإما أن يكون العميل غير صريح أو أنه لا يُتَّصل به» (مُقتبس في ألبريخت وزيمكي ٢٠٠٢: ٨٦).
ووفقًا للمكتب الأمريكي لشئون المستهلكين، فإن ٣٧٪ إلى ٤٥٪ من جميع عملاء الخدمة غير راضين عن بعض جوانب الخدمة التي يتلقَّونها، ولكنهم لا يشتكون. وهذا بالطبع موقف محفوف بالمخاطر؛ لذا نقترح عليك تضمين ضمان الخدمة التالي في جميع اتفاقيات الأسعار الثابتة وخطابات التعهد:

خدماتنا التي نقدمها للعميل مضمونة بما يحقق رضاه الكامل. إذا لم يكن [اسم العميل] راضيًا تمامًا عن الخدمة التي تقدِّمها [اسم الشركة]، فسنقوم، بناءً على اختيار [اسم العميل]، إما بردِّ السعر أو بقبول جزء من السعر المذكور والذي يعكس مستوى رضا [اسم العميل]. سنفترض أنك راضٍ عند استلامنا الدفعة النهائية منك بموجب شروط هذه الاتفاقية. (بيكر، ٢٠٠١: ١٤٥)

•••

بول: ضع في اعتبارك أننا نُحدث بالفعل تحولًا في التجربة، فلماذا لا نتوقف عن استخدام كلمة «الرضا»؟ لماذا لا نستعيض عنها بكلمة «السرور»؟ عندئذٍ سيُقرأ الضمان كما يلي:

خدماتنا التي نقدمها للعميل مضمونة بما يحقق سروره الكامل. إذا لم يكن [اسم العميل] مسرورًا للغاية من الخدمة التي تقدمها [اسم الشركة]، فسنقوم، بناءً على اختيار [اسم العميل]، إما برد السعر أو بقبول جزء من السعر المذكور والذي يعكس مستوى سرور [اسم العميل]. سنفترض أنك مسرور عند استلامنا الدفعة النهائية منك بموجب شروط هذه الاتفاقية. (بيكر، ٢٠٠١: ١٤٥)

•••

رون: أيًّا كانت الطريقة التي ستكتبها بها، فإن مزايا هذه السياسة كثيرة. إنها تُظهر للعميل أن شركتك جادةٌ في تقديم خدمة الجودة الشاملة وتقدِّم تجربة قيمة له. إنها تدعم ما تؤمن به ليس بالأقوال فحسب، بل بالأفعال أيضًا. فإخبارك للعميل بمدى كفاءة شركتك شيء، وإثبات ذلك له بتقديم ضمان خدمة له شيء آخر. إنه يمنح شركتك بأكملها الدافع لتجاوز توقعات العميل؛ حيث أصبحت أموالك الآن على المحك. وهذا يجعل تركيز الشركة منصبًّا على مركز الربح الحقيقي الوحيد الذي تمتلكه: شيك العميل الذي لا يُردُّ. ويحقق ضمان الخدمة تميزًا تنافسيًّا ويساعد على التأثير على العميل المتردِّد في اختيار شركتك (خاصة فيما يتعلق بطلبات تقديم العروض). ولأن الحصول على ضمانٍ يتطلب مستوى أعلى من الثقة، فإن الشركة ستقوم بعملٍ أكثر إتقانًا يتعلق بتأهيل مسبق لجميع عملائها الجدد وستوثق توقعات كل طرف بشكل أكثر شمولًا بكثير. وتعتبر الخدمة مع الضمان أكثر قيمة في السوق من الخدمة دون ضمان — لأنها تقلِّل بشكل كبير من مخاطرة العميل — وهذا وحده يمكِّن الشركة من فرض سعر أعلى على منافسيها (فكر في «فيدكس» و«نوردستروم».) كما أنه يقدم دعاية شفهية للشركة؛ إذ سيقدِّر العملاء هذه السياسة وسيكونون أقل ترددًا في إحالة عملاء جدد إليها. إنه يعطي العميل حافزًا للشكوى، وهو ما يُعد شيئًا أكثر قيمة من الحل البديل، كما تعلمنا.

مع كل ما ذُكر، ثمة سبب أكثر جوهرية وراء وجوب تقديم ضمان خدمة لجميع عملائك، وهو أنك تفعل ذلك بالفعل. فإذا اشتكى أحدٌ من عملائك بشدة، فإنك تُسجل أو تشطب فاتورته وفقًا لرغباته، أو أنك ستطلب من العميل أن يدفع فقط ما يعتقد أنه سعرٌ منصف. ولسوء الحظ، يحدث ذلك بعد وقوع الحدث، عندما لا تحقق أي استفادة منه. في الواقع، لديك ضمان خدمة غير مُعلن. ونحن نقترح عليك أن تجعله معلنًا من أجل الحصول على ميزة تسويقية وتنافسية على منافسيك. مرة أخرى، الفكرة هي أن يكون لديك سياسة ضمان استثنائية علنية؛ سياسة تعلنها في السوق بصوت عالٍ.

•••

بول: لماذا لا ترتقي إلى مستوى آخر: دع أعضاء فريقك يقرِّرون ما هي الخدمات أو جوانب الخدمة التي يمكنك ضمانها. طريقة القيام بذلك بسيطة؛ ابدأ بتدوين قائمة بالإحباطات الأساسية التي يشعر بها الناس بشأن التعامل مع المهنيين (ربما تعرف معظمها بالفعل، ولكن لماذا لا تسأل بعض العملاء من خلال مجلس استشاري للعملاء، على سبيل المثال). إذا كانت تجربتك تتبع خطى الآخرين نفسها على هذا المسار، فستجد أن الكثير من الإحباطات تتضمن عنصر الوقت؛ على سبيل المثال، الزمن المستغرق في إنجاز المستندات، والمرتجعات، وما إلى ذلك.

إحدى الشركات التي نعرفها تسمح لأعضاء فريقها بالعمل على ذلك، وتطرح سؤالًا أساسيًّا: «ما الأنظمة التي يجب أن نتبعها لضمان إجراء معاملات الشيكات والكمبيالات المرتدة في غضون ١٠ أيام؟» قرر الفريق أنه من خلال تعديل الأنظمة، يمكنهم تقليص متوسط وقت الاستجابة من ستة أسابيع إلى ثمانية أيام؛ ومِن ثَمَّ قدموا ضمانًا مدته ١٠ أيام بأريحية كاملة.

وأتوقع أن يكون لديك سؤال الآن، غالبًا ما يُطرَح في الندوات، لا سيما ندوات تطوير الأعمال: «هل يمكنني أن أضمن أن يحصل موكلي على مقدار معين من الأرباح الإضافية من خلال العمل معي؟» الجواب بالنفي القاطع. إنك بفعلك ذلك تخطئ الهدف. يمكنك فقط ضمان ما يمكنك التحكم فيه، وأنت بالطبع ليس لديك تحكم فيما إذا كان العميل ينفِّذ أفكارك للحصول على أرباح أكبر أم لا.

مرة أخرى، الفكرة هي أن تكون هناك سياسة ضمان علنية، سياسة تُعلنها في السوق.

•••

رون: قامت شركة «جرانيتروك» الحائزة على جائزة بالدريج للجودة بوضع هذه السياسة، واصفة إياها ﺑ «السداد الجزئي». تمنح هذه السياسة — في جوهرها — العملاء حق الاعتراض على بنود الميزانية، وتسمح لهم بخصم أي مبلغ من الفاتورة وفقًا لتقديرهم الذاتي للخدمة المقدمة. وهي ليست سياسة استرداد أو خصم، بل هي ضمان خدمة خالص؛ إذ إن العميل غير مطالب بإعادة البضائع. فيما يلي يشرح مالك الشركة بروس ولبرت مزايا هذا الضمان:

يمكنك الحصول على الكثير من المعلومات من استبيانات العملاء، ولكن هناك دائمًا طرقًا لشرح البيانات. مع سياسة «السداد الجزئي»، عليك أن تولي اهتمامًا للبيانات. فغالبًا لا تعرف أن العميل غاضب حتى تفقد هذا العميل تمامًا. وتعمل سياسة «السداد الجزئي» كجهاز إنذار مبكر يجبرك على التكيف بسرعة، قبل أن تفقد ذلك العميل بوقت طويل. (مقتبس في كولينز، ٢٠٠١: ٨٠)

هل سيستفيد بعض العملاء من سياسة ولبرت؟ الأرجح أن ذلك سيحدث (على الرغم من أننا، كما ذكر بول بالفعل، ليس لدينا أدلة على ذلك). ولكن بالنظر إلى سياسة شركة «نوردستروم» الأسطورية لاستعادة البضائع التي لم تُشتَرَ حتى منها، تشير التقديرات إلى أن ما بين ٢ و٣ بالمائة من عملائها يستفيدون من هذه السياسة، لكن ٩٧ إلى ٩٨ بالمائة يقدِّرون هذه السياسة، وهم أكثر ولاء — ويدفعون سعرًا أعلى — نتيجة لذلك. لا تدع المخاوف الصغيرة تحول بينك وبين المكاسب الكبيرة. إذا كان أحد العملاء قد أساء استخدام ضمان الخدمة الخاص بك، فقد أعطاك بالفعل القدرة على تحديد هويته كعميل مثير للمشكلات. وما عليك إلا أن تبادر برد أمواله إليه وتوقف تعامل شركتك معه.

ولا تُسِئ فهم أي شيء قلناه هنا على أنه يعني أن «العميل دائمًا على حق»؛ فهذا محضُ هُراء.

•••

بول: نحن بالفعل نفضل أن نقول: «العميل المناسب دائمًا ما يكون على صواب.»

•••

رون: حتى موقع «إي ساتِسفاي دوت كوم» أظهر من خلال أبحاثه أن ما يصل إلى ٤٠ بالمائة من الاستياء وعدم الرضا عن الخدمة يرجع إلى أخطاء العميل أو توقعاته غير المنطقية. وعلى الرغم من أن العميل ليس دائمًا على حق، فلا فائدة من الجدل معه؛ نظرًا لأنني نادرًا ما شاهدت أي شخص يفوز بجدل مع أحد العملاء. والحقيقة هي أن العملاء لهم الحق في التعبير عن مشاعرهم وسيتصرفون بناءً عليها، حتى لو كانوا مخطئين إذا ما نظرنا إلى الأمور بعقلانية. وفي بعض الأحيان يكون الإجراء الوحيد المتاح هو التخلي عنهم، أو كما يقول تروي ووه «عزلهم.»
ليس هناك ما هو أسوأ أثرًا على معنويات شركتكم من الاستمرار في خدمة العملاء الذين لا يفهمون أو يقدِّرون قيمة الخدمة التي تقدمونها لهم. استنادًا إلى الاختيار بين الاستمرار في العلاقة مع عميل مؤذٍ وبين التأثير الذي قد يحدثه على الروح المعنوية لأعضاء فريقك، لاحظ إلى أي الفريقين انحاز المدير التنفيذي السابق لشركة «ساوث وست إيرلاينز»، هيرب كيليهر، كما توضح هذه القصة من كتاب «خارج المألوف! وصفة شركة «ساوث وست إيرلاينز» المذهلة للنجاح على مستوى مجال الأعمال وعلى المستوى الشخصي»:

كانت هنالك امرأة تسافر كثيرًا على متن طائرات «ساوث وست إيرلاينز»، ودائمًا ما كانت تُصاب بخيبة أمل فيما يتصل بكل جانب من جوانب أداء الشركة. في الحقيقة لقد باتت تُعرف باسم «صديقة المراسلة»؛ لأنها بعد كل رحلة تقوم بها كانت تُرسل شكوى. وسرعان ما زاد عدد الشكاوى حتى غدت مجلدًا. وُضع المجلد على مكتب هيرب كيليهر، مع رسالة تقول: «هذا يخصك.» وفي ظرف ٦٠ ثانية، كتب كيليهر الرد قائلًا: «عزيزتي السيدة كرابابل، سنفتقدك. مع حبي، هيرب». (فرايبرج وفرايبرج، ١٩٩٦: ٢٦٩-٢٧٠)

وفق تقديرات الشركة، فإنه في عام ١٩٩٤، كان خمسة عملاء فقط لكل رحلة يمثلون كامل ربحها (المرجع السابق: ١٢١). فلماذا يستغني كيليهر عن أحد العملاء بلا مبالاة؟ «لأنه يساند فريقه ويعطيه الأولوية». بمجرد نشر رده في الرسالة الإخبارية الخاصة بالشركة، لك أن تتخيل أثر ذلك في معنويات أعضاء الفريق. إذا كان الأمر يتعلق بالاختيار بين أعضاء فريقك وعميل أهوج، قف بجانب أعضاء الفريق، حتى ولو على حساب الأرباح على المدى القصير. سوف يعوضك أعضاء الفريق عن الإيرادات المفقودة، لكن لا يمكنك استعادة كرامة واحترام أعضاء فريقك المفقودَين عبر إرغامهم على العمل مع عملاء غير مهذبين وغير عقلانيين. الأفضل من ذلك، كما فعل توم ويديل وغيره، أن تسمح لأعضاء فريقك بتحديد العملاء الذين سيستبعدونهم، وسوف تُفاجأ بمدى اجتهادهم في أداء هذه المهمة، ومِن ثَمَّ مدى تحمُّسهم لتعويض الإيرادات المفقودة.

وبالطبع، واحدة من أفضل الطرق لتنفيذ سياسة الاحتفاظ الدائم بالعملاء هي اختيار العملاء المناسبين في المقام الأول، وهو الموضوع الذي سننتقل إليه.

(٥) العملاء السيئون يطردون العملاء الجيدين

رون: من الشائع في شركات الخدمات المهنية تصنيف العملاء وتركيز الاهتمام على الفئتين «أ» و«ب» من العملاء، بل تقديم الحوافز لعملاء الفئة «ﺟ» للارتقاء بهم إلى الفئة «أ» أو «ب». في هذا القسم نقدم طريقتَين متمايزتَين لتطبيق استراتيجية تقسيم العملاء هذه بطريقة أكثر تطورًا ودقة. إلى جانب اختيارك لرأس المال البشري، تعدُّ معايير اختيار رأس مال العملاء أهمَّ جوانب تشكيل نجاح شركتك.
لعل معايير التصنيف التقليدية للعملاء مألوفة بالنسبة لك؛ وعادة ما تشتمل على:
  • مقدار الإيرادات السنوية.

  • تاريخ السداد الفوري.

  • إمكانية النمو.

  • إمكانية التوصية بعملاء جدد من طرفه.

  • التوصيات الفعلية من طرفه.

  • ربحية العميل.

  • خطر وجود العميل ضمن قائمة عملائك.

  • توقيت العمل (السنة المالية أو السنة التقويمية).

  • التوقعات المنطقية.

  • الاستعداد لتلقي المشورة.

  • الربحية وليس نقص رأس المال.

ومن المؤكد أن هذه المعايير مهمة ويجب أن تكون جزءًا من عملية التأهيل المسبق لدى الشركة. ينادي ريك باين، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة «برينسيبا»، بالمعايير التالية المكونة من ١٢ نقطة لاختيار العملاء:
  • أن يكون منخرطًا في الأعمال التجارية لمدة ثلاث سنوات على الأقل.

  • أن يكون ذا شخصية مبهجة ومنفتحة.

  • أن يكون على استعداد للاستماع إلى المشورة.

  • أن يتصرف بإيجابية.

  • أن يكون مؤهلًا من الناحية الفنية.

  • أن تكون شركته مربحة.

  • ألَّا تعاني شركته من نقص مزمن في التمويل.

  • ألَّا تكون الشركة تحت سيطرة عدد صغير من العملاء أو الموردين.

  • الطلب القوي على المنتج أو الخدمة.

  • أن يكون لدى الشركة مجالٌ لتميُّز المنتجات أو الخدمات من خلال التسويق المبتكر.

  • أن يكون لدى الشركة مجالٌ لتحسين الإنتاجية من خلال التخطيط الإداري المبتكر.

  • أن تتوافر خطة استراتيجية للعمل.

هذه كلها معايير جيدة للحكم على العملاء الجدد المحتملين، ومن المؤكد أن مناقشة بول لمعايير الشخصية التي حددها ديفيد ميستر (انظر الفصل الثالث) يجب أن تكون على رأس القائمة أيضًا. فما من جدوى من العمل مع أشخاص لا تحبهم أو غير مبالين. كذلك يستخدم بوب جايدا، عميد كلية «بي دي أو سيلز»، هذا المعيار ذا الشقين عند تأهيل العملاء المحتملين: «هل لدى العميل القدرة على دفع رسوم إضافية وهل يتوق إلى المعرفة؟» (مقتبس في ووه، ٢٠٠١: ١١٤).

أود إضافة معيار آخر في درجة جودة هذه المعايير نفسها. لقد توصلتُ إلى الاعتقاد بأن الشخصية أكثر أهمية من الطبع في الحكم على العملاء الجدد. لقد رأى الفلاسفة اليونانيون القدامى أن «الشخصية هي المصير»؛ ونظرًا لأنني درست السلوك البشري، أجد هذا المنطق مقنعًا. تحدَّث اليونانيون أيضًا عن «العادات الجيدة والعادات السيئة». فقد وصفوا العادات الجيدة ﺑ «الفضائل»، والعادات السيئة ﺑ «الرذائل». وتوفِّر شخصية الشخص أساسًا للتنبُّؤ بالسلوك، وهذا هو السبب في قولنا إن سلوكًا معينًا نابعًا من الشخصية أو غير نابع من الشخصية. وفي ضوء فضائح المحاسبة في عامي ٢٠٠١ و٢٠٠٢، ينبغي أن تكون سمعة الشركة وراحة البال لدى الشريك أكثر أهمية من الربحية.

عندما تقبل شركة خدمات مهنية عميلًا جديدًا، فإنها لا تقوم بعملية بيع فحسب؛ بل تبدأ علاقة ستستمر مدى الحياة. نحن نختار أزواجنا وأصدقاءنا والعلاقات المهمة الأخرى بعناية فائقة، فلماذا لا نعطي قدرًا مناسبًا من العناية الواجبة قبل اختيار العميل؟ إذا كان العميل يستحق، فيجب استثمار بعض الوقت والموارد لتحديد ما إذا كان مناسبًا لشركتك أو لا.

لم يعد من الحكمة قبول عملاء جدد لمجرد أنهم يمتلكون دفتر شيكات وأنهم أحياء. دعونا نؤكد النقطة التالية: إن أكثر الشركات نجاحًا في العالم لديها معايير قبول صارمة للغاية، ولا تقبل جميع القادمين (بل إنهم يقولون إنهم يستبعدون أعمالًا أكثر مما يقبلون). هذا ليس من الغطرسة في شيء، ولكن من باب الاعتراف بأن الشركة لا يمكن أن تُرضي جميع الناس. ليس بالضرورة أن يكون رفض العميل الجديد أمرًا سهلًا، ولكنه أمر حيوي إذا كنت ترغب في قبول العملاء الذين سيسعدك العمل معهم، والذين لديهم أعمالٌ تجارية مثيرة للاهتمام، ويعزِّزون رأس المال الفكري للشركة. إن التعقيد كفيل بقتل العمل التجاري، وبقبول أي عميل — خاصة أولئك الذين لا يتناسبون مع عرض القيمة الذي تقدِّمه — فإنك تُضيف طبقة من البيروقراطية من شأنها أن تحرم عملاءك من جودة الخدمات وتزيد من مخاطر ذهابهم إلى مكان آخر. على سبيل المثال، نرى الكثير من الشركات تقبل العمل مع عملاء ذوي عائدات ضريبية منخفضة السعر خلال موسم مزدحم على افتراض أن الإيرادات الهامشية تساهم في الأرباح (من جديد، نموذج معادلة الممارسة القديمة). قد يكون هذا صحيحًا على المدى القصير، ولكن التعقيد الذي تضيفه إلى الشركة سوف يصرفها عن تقديم خدمات ذات قيمة أعلى إلى أفضل عملائها. دائمًا ما يكون مبدأ باريتو متحققًا؛ أي إن ٢٠٪ من عملائك يحققون ٨٠٪ من أرباحك، أو حتى ٥٪ يحققون ٥٠٪. ومن أجل تبنِّي مبدأ باريتو، دعونا نقدِّم الاستعارة التالية.

(٦) القدرة على التكيف

رون: في مقاله حول فن الشعر، يطرح أرسطو الملاحظة التالية: «لكن أعظم شيء حتى الآن هو أن تكون سيد الاستعارة. إنه الشيء الوحيد الذي لا يمكن تعلمه من الآخرين. وهو أيضًا علامة على العبقرية؛ لأن الاستعارة الجيدة تعني إدراكًا بديهيًّا للتشابه بين اللامتشابهات» (مقتبس في ساتينوفر، ٢٠٠١: ٦٦).

شكل ٨–١: بوينج ٧٧٧

نود أن نقدِّم الاستعارة التالية التي نُشبِّه فيها شركتك بطائرة بوينج ٧٧٧، على غرار الرسم التوضيحي بشكل ٨–١. إن شركات الخدمات المهنية على غرار شركات الطيران، لديها تكاليف ثابتة عالية وسعة ثابتة. عندما تضع شركة «يونايتد إيرلاينز» طائرة بوينج ٧٧٧ في الخدمة، فإنها تضيف سعة معينة على أسطولها. ثم تخطو خطوة أبعد من ذلك، بتقسيم تلك السعة الهامشية إلى خمسة أجزاء (النسب المبينة هي مخصصات السعة المقترحة لشركة خدمات مهنية):
الدرجة الأولى (٥ إلى ٨ بالمائة).
درجة رجال الأعمال (١٥ إلى ٢٤ بالمائة).
درجة سياحية كاملة الأجرة (٣٠ إلى ٥٠ بالمائة).
درجة سياحية مخفَّضة (١٥ إلى ٣٥ بالمائة).
درجة المناسبات الخاصة (كالترفيه والمواساة) (١٠ إلى ٢٠ بالمائة).

تمتلك شركتك السعة القصوى النظرية والسعة المثالية النظرية، ومن الضروري معرفة كيفية تخصيص هذه السعة لكل شريحة من العملاء. السعة القصوى هي العدد الإجمالي للعملاء الذين يمكن لشركتك خدمتهم بالمستوى المناسب (وليس عدد ساعات العمل التي لديك)، في حين أن السعة المثلى هي النقطة التي يمكن عندها تقديم الخدمة للعملاء بالطريقة المناسبة، والتي عندها لو حدثت أي مزاحمة فإنها لا تؤثِّر على سلوك العملاء. وعادة ما تتراوح السعة المثلى بالنسبة لمعظم شركات الخدمات بين ٧٠ و٩٠ بالمائة من السعة القصوى.

إن شركات الطيران بارعةٌ في إدارة قدرتها على التكيف لتعظيم إيراداتها وربحيتها. وثمة العديد من الأمثلة على هذه الاستراتيجية عمليًّا. على سبيل المثال، بحثت عن رحلة طيران تابعة لشركة «يونايتد إيرلاينز» لليوم التالي من سان فرانسيسكو إلى لندن، وكانت الشركة قادرةً على إيجاد مكانٍ لي في الدرجة الأولى، أو درجة رجال الأعمال، أو السياحية كاملة الأجرة. إن شركات الطيران تدرك أن عميل اللحظة الأخيرة هو مشترٍ يقدِّر قيمة المقعد أكثر من غيره؛ ومِن ثَمَّ تحتفظ بجزء من سعة كل طائرة لأفضل عملائها. إنهم يفعلون ذلك حتى مع المخاطرة بأن تقلع الطائرة وبعض تلك المقاعد المرتفعة السعر شاغرة – وأنه لا يمكن أبدًا استعادة هذه العائدات لأنها لا تستطيع حصر المقاعد. لماذا يقبلون بهذه المخاطرة؟ لأن مكاسب حجز المقاعد للعملاء غير الحساسين للسعر تشكل غالبية أرباحهم. لقد حصلت على خيار تذكرة على الدرجة الأولى على الرحلة من سان فرانسيسكو إلى لندن (هيثرو) مقابل ١٣٥٨٣ دولارًا أمريكيًّا، في حين أن درجة رجال الأعمال كانت ٩٢٣٠ دولارًا أمريكيًّا وكان سعر تذكرة السفر السياحية كاملة الأجرة ٢٢١٨ دولارًا أمريكيًّا. هذا ليس سعر التكلفة والربح، وإنما سعر القيمة. إنه سعر يتناسب مع القيمة التي يتلقاها العميل. فما تتكبَّده شركة «يونايتد» من تكلفة لرحلة راكب من ركاب الدرجة السياحية ليس أقل بمعدل يتراوح بين أربع وست مرات مقارنة برحلة لراكب على درجة رجال الأعمال. ‎بدلًا من ذلك، تتحمل مخاطرة حجب بعض من كراسيها على أمل أن أتمكن من الحجز في اللحظة الأخيرة بعد الانتظار.

على الجانب الآخر، تخصِّص شركات الطيران الكثير من المقاعد للدرجة السياحية، أو الترفيهية، أو المقاعد المحجوزة عبر الإنترنت بالأسعار المخفضة (أو أسعار المواساة)، التي تقدِّمها قبل الرحلة بوقتٍ كافٍ. ومع ذلك، لا «تُضيف» أي شركة خطوطٍ جوية سعةً لاستيعاب هؤلاء العملاء. وهذه نقطة غاية في الأهمية؛ إذ إن الكثير من الشركات المهنية ستضيف، في الواقع، السعة — أو تعيد تخصيص السعة من العملاء ذوي القيمة الأعلى — من أجل خدمة العملاء ذوي القيمة المنخفضة.

علاوة على ذلك، ستحتفظ العديد من الشركات بالخدمة ذات القيمة العالية في اللحظة الأخيرة كي يستفيد منها أفضل عملائها؛ لأنها تعمل بالقرب من الحد الأقصى للقدرة الاستيعابية، وعادةً ما تكون عند الحد الأدنى لمنحنى القيمة، بالنسبة للعملاء ذوي الحساسية للسعر. وهذا أمر شائع خلال المواسم المزدحمة، حيث ستأتي مشروعات ذات قيمة عالية من العملاء، ولكن الشركة لديها القدرة الاستيعابية القصوى ولا يمكنها التعامل مع العمل الهامشي. وفرص الربح الضائعة الناجمة عن هذا لا تُحصى.

العديد من الشركات تقلق من العمل بأقل من القدرة المثلى وتخفض أسعارها من أجل جذب العملاء، خاصة في غير موسم نشاطها. هذه الاستراتيجية جيدة، لكن يجب أن تفهم المقايضة التي تقوم بها. عادة، يمكن استخدام هذه السعة على نحو أفضل في بيع خدمات أكثر قيمة لعملائك من الدرجة الأولى ودرجة رجال الأعمال. وبهذه الطريقة، لا تقوم الشركة بتخفيض سعرها لجذب العملاء ذوي الحساسية للسعر، ومِن ثَمَّ إرسال إشارة إلى السوق باستعدادها للانخراط في هذه الاستراتيجية والتأثير على مفهوم القيمة الخاص بها. ووفقًا لمعظم استشاريي التسعير، فإن أخطاء التسعير عادة ما تكون ناتجة عن سوء توزيع السعة على العملاء ذوي القيمة المنخفضة؛ بسبب الخوف من عدم العمل على السعة المثلى (أو القصوى).

بالطبع، في أي بيئة تكلفتها الثابتة عالية، تكون هناك استراتيجيات متعددة لإدارة السعة، سواء من ناحية الطلب (السعر) أو من ناحية العرض (العروض). فالشركة تريد التأكد من أنها يمكن أن توفر بالضبط ما يطلبه كل عميل، في الوقت المناسب. ولدى الشركات العديد من الاستراتيجيات لإدارة قدراتها الاستيعابية، بما في ذلك:
  • تعيين أعضاء للفريق بدوام جزئي.

  • العمل بوقت إضافي.

  • التدريب المتبادل لأعضاء الفرق.

  • زيادة مشاركة العملاء في الخدمة (فكر في أجهزة الصراف الآلي في القطاع المصرفي).

  • مشاركة الوسائل والأعضاء العاملين مع شركات أخرى.

  • التعهيد.

كل هذه الاستراتيجيات مجديةً في إدارة جانب العرض. عير أنها تخص جانب الطلب حيث توجد استراتيجيات تعظيم الربح للشركة. وقد جرى العُرف على أن الشركات يجب أن تكون في أقصى مستوى من القدرة الاستيعابية — عندما يتجاوز الطلب العرض — من أجل رفع الأسعار. ولكن منذ متى يتعيَّن عليك الانتظار لتصبح خدماتك محجوزة بالكامل لكي تطالب بسعر أعلى؟ لا تخلط بين العمل بمزيد من الكد (القدرة فيما يتعلق بجانب العرض) والعمل على نحو أكثر ذكاءً (التسعير فيما يتعلق بجانب الطلب).

ولهذا السبب بالتحديد، تحولت شركات الطيران، بعد رفع القيود الحكومية عليها أواخر سبعينيات القرن العشرين، إلى نظام إدارة العائدات، الذي يُشار إليه أيضًا باسم التسعير الديناميكي، أو إدارة الإيرادات. وصف روبرت جيه كروس، المحامي الذي كان يعمل سابقًا لدى شركة «دلتا إيرلاينز»، الوضع الذي وجده في شركة «دلتا» في منتصف ثمانينيات القرن العشرين، في كتابه الرائع «إدارة العائدات: تكتيكات صارمة من أجل السيطرة على السوق»:

نفد الحجز على بعض الرحلات التي مُلِئَت بمقاعد مخفضة قبل المغادرة بوقت كافٍ … ولكن في هذه الرحلات، كانت «دلتا» تقوم أيضًا بإغلاق الباب أمام الحجوزات المهمة الكاملة الأجرة التي يجريها العملاء في اللحظة الأخيرة، ما أضاف إلى جملة العائدات المفقودة. أيضًا، في مناسبات عديدة كان لدينا مقاعد بخصومات محدودة للغاية، وانتهى الأمر بتسيير رحلات بمقاعد فارغة كان يمكن أن يملأَها الركاب الحاصلون على خصومات … في تقديري أن «دلتا» كانت تخسر نحو ٢٠٠ مليون دولار سنويًّا من المكاسب المحتملة، وذلك فقط من سوء توزيع المقاعد المخفَّضة المتوافرة في رحلاتها. كان هذا الرقم محيرًا للغاية، ولم أجرؤ على إخبار أحد به. فلم يكن أحدٌ ليصدق هذا!

في غضون عام واحد، حققت «دلتا» زيادة في العائدات الإضافية بلغت ٣٠٠ مليون دولار نتيجة فقط للإجراءات المستحدثة لتنظيم مخزون المقاعد، وكان هذا المبلغ يمثل نصف أرباح شركة «دلتا» التي بلغت ٦٠٠ مليون دولار الواردة في تقاريرها للسنة المالية ١٩٨٤. (كروس، ١٩٩٧: ٤٢، ٤٥)

إذا كنت قد تساءلت يومًا عن سبب تعقيد أسعار شركات الطيران — حيث تغير شركات الطيران في الولايات المتحدة أسعارها بما يقرب من ١٢ مليون مرة يوميًّا — فهذا هو السبب. إن المكاسب الناتجة عن تطبيق استراتيجية تسعير إدارة الإيرادات هائلة، ويجب على شركات الخدمات المهنية اعتماد هذه الأساليب أيضًا. فالاستراتيجية المثلى للشركة هي أن تكون قادرة على تقديم الخدمة المناسبة، في الوقت المناسب، للعميل المناسب، بالسعر المناسب. (سنناقش قيمة التسعير في الفصل التالي.)

استنادًا إلى قدرة شركتك الاستيعابية، فكر في الفئات الخمس لعملاء شركات الطيران وهي «أ» و«ب» و«ﺟ» و«د» و«ﻫ». ما مقدار السعة الثابتة الذي ستخصِّصه لكل فئة؟ وما المعايير التي ستستخدمها لتتأكد أين يجلس كل عميل في طائرتك؟ هل ستستخدم معايير ميستر للشخصية، أم معايير ريك باين المكونة من ١٢ نقطة، أم مزيجًا من الكل، كما ناقشنا؟ تتمثل إحدى الأفكار الفعالة في تصنيف قاعدة عملائك على أساس معيار موضوعي — مثل معيار باين — ومعيار شخصي — مثل معيار ميستر — على حد سواء. وسترى مع كل طريقة، كيف تخصص سعتك، مما يجبرك على فهم المقايضة التي تقوم بها بين خدمة فئات مختلفة من العملاء. في واقع الأمر، من الممكن أن يكون لديك عميل يُعامل كعميل من الدرجة الأولى في ظل طريقة تصنيفية ما ويُعامل كعميل مواساة وظروف خاصة في ظل طريقة تصنيفية أخرى. من خلال النظر إلى شركتك كطائرة ذات عدد محدد من المقاعد، ستبدأ في تكييف سعتك مع العملاء الذين يقدِّرون عرض القيمة الذي تقدمه وعلى استعداد لدفع مقابل الحصول عليه.

لكن على عكس الطائرة، عندما تعمل الشركة في ظل السعة المثلى، فإن رأس مالها البشري لا يحتاج إلى أن يظل عاطلًا بلا عمل. وبما أن شركات الخدمات المهنية لديها رأس مال فكري مكثف، فهناك العديد من الأنشطة التي يمكن لأعضاء الفريق القيام بها في فترات السعة الأقل، مثل:
  • أخذ إجازة (كجزء من رصيد ساعات العمل الإضافية، على سبيل المثال).

  • جدولة دورات التعليم المهني المستمر.

  • القراءة، أو تعليم الزملاء المعرفة الجديدة المستفادة من كتاب أو مقال.

  • الانخراط في أعمال تطوير الشركة.

  • تنمية رأس المال الاجتماعي الخاص بك عن طريق الانخراط في الشبكات الاجتماعية.

  • قضاء بعض الوقت الإضافي مع العملاء من الدرجة الأولى ودرجة رجال الأعمال.

  • تعزيز رأس المال الهيكلي للشركة من خلال استكمال مراجعات ما بعد العمل على المعاملات المنجزة مؤخرًا (انظر الفصل السادس).

كل هذه الأنشطة — وهذه ليست بأي حال قائمة شاملة لما يمكن القيام به — تضيف إلى مخزون رأس المال البشري للشركة، وهو أمر لا يعد مضيعةً لطاقتها المعطلة.

(٦-١) إقصاء العملاء

رون: ماذا يحدث عندما تصبح الطائرة مليئةً بالعديد من عملاء الفئات «ﺟ» و«د» و«و»؟ يقدِّر الكثير من استشاريي شركات المحاسبة القانونية، على سبيل المثال، أن الشركة المتوسطة تضم ما بين ١٠ و٤٠ بالمائة من عملاء الفئة «و». ليس من السهل أبدًا، ولكن من الضروري، إقصاء هؤلاء العملاء من شركتك. نحن نقترح التخلُّص من هؤلاء العملاء الذين تتعارض شخصياتهم مع ثقافة شركتك أو الذين تُعد شخصياتهم محل تساؤل. وبمجرد الانتهاء من ذلك، يمكنك التركيز على التخلص من العملاء الآخرين ذوي القيمة المنخفضة (مثل عملاء الفئتَين «ﺟ» و«د»). فعادة ما يكون هؤلاء العملاء هم الذين يشكون بشدة من سعرك. ويكمن أثرهم الموهن في أننا نميل إلى الاستماع إليهم أكثر من غيرهم وهذا يؤثر على كيفية تقييمنا لعملائنا من فئتي «أ» و«ب». ضع في اعتبارك أن إقصاء العملاء ليس أمرًا يحدث لمرة واحدة، ولكنَّه عملية مستمرة. فالشركات الأكثر ربحًا تعيد انتقاء قاعدة عملائها وتُوقف التعامل مع نسبة عملاء تتراوح بين ٥ و١٠٪ منهم سنويًّا، لكن ثمة تحذيرًا واحدًا: تأكَّد من أنك قد بذلت كل ما بوسعك لتحويل العملاء ذوي القيمة المنخفضة إلى عملاء ذوي قيمة عالية. حقيقة الأمر هي أن «عملاءك لن يتحسنوا حتى تتحسن أنت.»

ولكن ما الطريقة المثلى لإقصاء العملاء؟ ثمة العديد من الاستراتيجيات، بعضها أكثر فعالية من غيرها. في بداية تنفيذ هذه الاستراتيجية، تضاعف العديد من الشركات أسعارها ببساطة بمقدار مرة أو اثنتين أو أربعًا، ويدهشها استمرار أكثر من نصف العملاء في التعامل معها (وهو مؤشر يدل على مقدار المال الذي تركته شركات الخدمات المهنية كأرباح كان من الممكن الحصول عليها). ومع ذلك، فإننا ننصح بشدة بعدم تبني هذه الاستراتيجية؛ إذ إن الهدف هو التخلص من العملاء، وليس مجرد زيادة الأسعار. إن الحصول على أضعاف السعر من عميل الفئة «و» مرتَين أو أربع مرات لا يجعله أحد عملاء الفئة «ﺟ» أو «ب» أو «أ» (وهذه هي أخلاقيات المهنة الأقدم في العالم، وليست أخلاقيات المهنيين الحقيقيين).

ثمة استراتيجية أخرى هي كتابة رسالة. وهذه استراتيجية مفيدة إذا كنت تقصي الكثير من العملاء في وقت واحد، ولكن من الواضح أنه من الأفضل بكثير عقد اجتماع منفرد مع عميل خدمته لسنوات عديدة. كما تعتبر المكالمة الهاتفية أو الاجتماع أفضل الاستراتيجيات وأكثرها حفظًا للكرامة. ويمكنك أن تُشكل أيضًا فريق مهنيين كمصادر إحالة محتملة (أحد عملاء الفئة «د» أو «و» يمكن أن يصبح عميلًا من الفئة «أ» أو «ب»)؛ أو حتى كما فعلت بعض الشركات حيث باعت هؤلاء العملاء إلى شركات أخرى. فيما يلي مثال على محادثة محتملة قد تخوضها:

ماري، نحن بحاجة إلى الحديث عن مدى نجاحنا في العمل معًا. نحتاج إلى التأكُّد من أن مجموعة الخدمات التي نقدِّمها تتوافق مع احتياجاتك. نحن هنا في الشركة، نرغب في العمل مع أشخاص يمكننا إضافة قيمة كبيرة إلى أعمالهم، بدلًا من الاكتفاء بتحطيم بعض الأرقام وتعبئة بعض الإقرارات الضريبية لهم.

هذا يعني أننا نعمل على تقليل عدد العملاء الذين نعمل معهم وزيادة نطاق الخدمات التي نقدمها لهم. نحن نعمل معهم على تنمية أنشطتهم التجارية من خلال تقديم خدمات استشارية. وهذا يعني بطبيعة الحال أن مستويات أسعارنا تتزايد أيضًا. العديد من عملائنا يشعرون بالارتياح لهذا الاستثمار الإضافي بسبب القيمة التي نقدِّمها لهم في المقابل.

ماري، ما لم أكن مخطئًا، نحن ببساطة لا نستطيع أن نوفر لكِ هذه القيمة. يبدو لي أن احتياجاتكِ ستُلبَّى بصورة أفضل من جانب محاسب يريد فقط الالتزام بالأرقام. كيف تشعرين حيال ذلك؟

(٦-٢) الإيقاف الإجباري للتعامل مع العميل

رون: البند الأول الذي ننظر إليه في الشركات التي نتشاور معها هو تحليل باريتو؛ وهو تصنيف لجميع العملاء من الأعلى إلى الأقل عائدًا. مما لا شك فيه أن ٢٠ بالمائة من العملاء يحقِّقون ما بين ٦٧ و٨٥ بالمائة من العائدات. هذه هي الخطوة الأولى في التحقُّق من كيفية تخصيص الشركة لقدرتها الاستيعابية الثابتة لشرائح العملاء المختلفة. عندما نقترح إقصاء ما بين ٤٠ و٨٠ في المائة من العملاء، بالطبع ستكون هناك مقاومة قوية. والاعتراض الأكثر شيوعًا هو أن القيام بذلك سيجعل الشركة تعتمد بدرجة كبيرة على النسبة المتبقية من ٢٠ إلى ٦٠٪. ومع ذلك، ونظرًا لوقائع تحليل باريتو، فإن شركتك تعتمد بالفعل على هؤلاء العملاء، ومن خلال تركيز الكثير من الموارد في المستويات الدنيا التي تشكل ٥٠ إلى ٨٠ بالمائة، فأنت تجعل بالفعل مخاطر تخلي العملاء المتبقين ذوي القيمة العالية عنك أعلى عبر تجاهل احتياجاتهم وما يريدونه. لقد تعلمت العديد من الشركات أن عدد العملاء الأقل معناه أرباح أعلى، وخدمة أفضل، وتحسين معنويات أعضاء الفريق، وتعقيدات أقل في الشركة.

ومع ذلك، من الصعب إقصاء العديد من العملاء في وقت واحد؛ لذلك لدينا استراتيجية بديلة. كنت أنا وزميلي، دان موريس، نتجول بالسيارة حول بحيرة تاهو في إحدى الليالي، وأخبرني أنه قرأ في الصحيفة المحلية أن العديد من الفنادق القديمة والموتيلات والمباني الأخرى جنوب البحيرة، على جانب كاليفورنيا من حدود الولاية، قد أُزيلت. ادَّعى المقال أنه في مقابل كل غرفة جديدة بُنيت، سيُفقد ما بين اثنتين إلى ثلاث غرف. من الواضح أن المطورين كانوا يعملون على إحداث تعديل صاعد لمنحنى القيمة، من خلال إنشاء فنادق أرقى، وتخصيص أوقات أكثر للعملاء، ووحدات سكنية أكثر رفاهية، وما إلى ذلك. دفع ذلك موريس للتعليق: «لماذا لا يجب على الشركة إقصاء ما بين عميل واحد لأربعة عملاء مقابل كل عميل جديد تضيفه إلى قائمتها؟» كان هذا سؤالًا مثيرًا، ودفعنا إلى تطوير ما لدينا، وقد أطلقنا عليه منذ ذلك الحين مصطلح «الإيقاف الإجباري للتعامل مع العميل».

تتعقب صناعة الكابلات والهواتف الخلوية معدل «فقدان العملاء»؛ أي، قسمة عدد العملاء المفقودين على عدد العملاء الجدد المكتسبين (يمكنك إجراء الحسبة بالاستعانة بكل من عدد العملاء والعائد من العميل). وكطريقةٍ لترقية قاعدة عملاء شركتك من عملاء الفئات «ﺟ» و«د» و«و»، في كل مرة يُكتسب فيها عميل جديد، يمكنك التخلي عما يتراوح بين واحد ونصف إلى أربعة عملاء. بالطبع تعتمد النسبة الدقيقة على عدد العملاء «ﺟ» و«د» و«و» لدى شركتك والعامل الذي يُشعر الشركاء بالارتياح. لن يقتصر الأمر على خلق مساحة للعملاء الجدد فحسب، بل سيرفع الشركة إلى منحنى قيمة أعلى، مما سيسمح «لطائرتك» بإضافة المزيد من مقاعد الدرجة الكاملة الأجرة، ومقاعد رجال الأعمال، ومقاعد الدرجة الأولى.

لدى الفرنسيين مقولة رائعة تجسد هذه الاستراتيجية: «التقهقر أفضل طريقة للتقدم.» وبتنفيذ هذه الاستراتيجية تدريجيًّا، تشعر العديد من الشركات بارتياح أكبر في ترقية قاعدة عملائها، فيما لا يتعرض إحساسهم بالأمان للخطر.

(٧) أفكار بخصوص طلبات تقديم عروض

رون: في أسواق المزادات، يشير الاقتصاديون إلى المصطلح المخيف «لعنة الفائز»، حيث غالبًا ما يكون مقدم السعر الفائز خاسرًا. تتمثل إحدى الطرق لتجنب لعنة الفائز في تقديم عرض سعر أكثر تحفظًا عند وجود مزيد من مقدمي العروض. ويوضح توماس ناجل وريد هولدن السبب في ذلك:

لفهم اللعنة، تخيل أولًا أنك أحد اثنين من مقدمي العروض وأنك تفوز بعرضٍ بسعر أقل. من المحتمل أن تكون سعيدًا جدًّا. الآن تخيل أنك واحدٌ من عشرة مزايدين، وتعتقد أن منافسيك هم رجال أعمال ذوو خبرة يعرفون كيف يقدِّمون عرضًا للعمل. ثم تفوز مرة أخرى. هل ما زلت سعيدًا؟ ما الذي يعنيه أن تقدم عرض أسعار أقل من تسعة مزايدين آخرين على دراية بالأمر؟ ربما يعني ذلك أنك كنت على استعداد لأخذ ربح أقل في العملية. من ناحية أخرى، قد يعني ذلك أيضًا أنك قد أسأت تقدير تكلفة إتمام العمل.

كلما زاد عدد المزايدين، زادت احتمالية خسارة المال في كل عمل تربحه، «حتى إذا كنت في الأحوال العادية تقدر التكاليف بطريقة صحيحة، وتقوم أنت والمنافسون بتقديم عطاءات تتضمن هامش ربح معقولًا.» السبب: لا تمثل العطاءات التي تربحها عينة عشوائية من العطاءات التي تقدِّمها. واحتمالات فوزك بالأعمال التي بخست تكاليفها أعلى واحتمالات فوزك بتلك الأعمال التي بالغت في تقدير تكلفتها أقل كثيرًا.

الحل الوحيد لهذا، في الواقع، هو إضفاء الطابع الرسمي على مبدأ «المشاركة الانتقائية». ويمكنك القيام بذلك عن طريق إضافة «عامِل الحَذَر» لكل عطاء لتعكس تقديرًا للتكاليف التي بخست قدرها إن فزت بالفعل بالمزايدة. وغني عن القول أن إضافة هذا العامل سيقلل عدد العطاءات التي ستفوز بها، ولكنَّه سيضمن أنك لن تندم في النهاية على الفوز بها. (ناجل وهولدن، ٢٠٠٢: ٢٢٥)

هنا يصبح عرض قيمة الشركة عاملًا حيويًّا يميزها عن مقدمي العروض المنافسة. فمن خلال تقديم ضمان الخدمة وضمان السعر (سنتناوله بالمناقشة في الفصل التاسع)، والتنافس على خدمة الجودة الشاملة، يمكن لشركتك الحفاظ على أسعار حيادية (أو حتى بزيادة بسيطة) مقارنة بالمنافسين. يجب الحرص على عدم إعداد طلبات تقديم عروض لكل من يطلبها؛ إذ يُستخدم العديد منها فقط كسلاح ضد المهني الحالي للحصول على سعر أقل. كلما عرفت العميل على نحو أفضل، وكلما كنت أكثر دقة في التحقق من احتياجاته ورغباته، زادت احتمالية حصولك على حصة من أعمال مربحة تتعلَّق بطلبات تقديم العروض.

ضع في اعتبارك لعنة الفائز عند إعداد طلبات تقديم العروض، وتأكد من جدية العميل المحتمل في التعامل معك وأنه لا يستخدم عرض التسعير الخاص بك كوسيلة لخفض سعره الحالي فحسب. وقد جربت بعض الشركات هذا الالتزام من خلال فرض رسوم على العرض؛ ومِن ثَمَّ تقديم ائتمان كامل حال حدث قبول العرض.

مُوجز ونتائج

ركز هذا الفصل على رأس مال عملاء شركتك، عبر النظر إلى ما يشتريه العملاء فعلًا — التوقعات — ومدى أهمية بلوغها وتجاوزها. لقد أكَّدْنا أهمية مراقبة توقعات العملاء باستمرار؛ نظرًا لأنها ديناميكية وليست ثابتة، وتخضع لمعايير متصاعدة باستمرار من جانب أي مؤسسة لديها القدرة على رفعها.

ناقش عرض القيمة كيفية الجمع بين سعر شركتك وجودتها وخدمتها معًا لتقديم عرض فريد لعميلك وكيف يجب أن تقدم شركتك باستمرار بديلًا متميزًا بالمقارنة مع منافسيك من أجل تحقيق ولاء العملاء. كما توقعنا ما هو أبعد من خدمة الجودة الشاملة — الخبرات والتحولات — وكيف يمكن لشركات المستقبل الاستفادة من هذا الاتجاه.

منذ ثمانينيات القرن العشرين، نشأت حركة إدارة الجودة الشاملة وإعادة الهيكلة كطريقة لزيادة جودة الشركات، والانتقال إلى معيار «سيكس سيجما» أو انعدام العيوب، وكان الخلل في هذه الاستراتيجية بالنسبة لشركات الخدمات المهنية واضحًا؛ لأن الإنسان يخطئ، وبدلًا من التركيز على انعدام العيوب، قدمنا معيارًا لانعدام فقدان عملاء، إلى جانب استراتيجية فعَّالة للاستجابة لشكاوى العملاء.

إن أكثر الشركات نجاحًا في العالم اليوم ترفض عملاء أكثر مما تقبل؛ لأنها تمتلك عملية تأهيل صارمة وتفهم أن العملاء السيئين يطردون العملاء الجيدين في نهاية المطاف. وشبَّهنا القدرة الاستيعابية الثابتة لدى شركتك بطائرة بوينج ٧٧٧، جنبًا إلى جنب مع مفهوم القدرة على التكيف، من أجل تقسيم قاعدة عملائك إلى شرائح حسب القيمة التي يعلقونها على عروضك. نحن نؤمن بأن شركة المستقبل تجتهد في التنبؤ بهذه القدرة — من حيث عاملي العائد والحمولة — مثل شركات الطيران اليوم. وبينما توجد استراتيجيات تتعلق بجانب العرض من أجل تحقيق ذلك، فإننا نعتقد أن الاستراتيجيات المتعلقة بجانب الطلب أكثر فعالية وأكثر ربحية من حيث تخصيص القدرة الاستيعابية الثابتة لدى شركتك.

فيما يلي سنستكشف هذه الإجراءات في جانب الطلب، متجسدة في استراتيجيات التسعير والتكتيكات الخاصة بشركات المستقبل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠