الفصل التاسع

ما تفرضه من سعر يعكس قيمتك

في نهاية المطاف، يُعرَّف العمل التجاري بالعرض الذي تُجمع في مُقابله إيرادات، ولا تُجمع إيرادات إلَّا نظير العرض الذي يُقرِّر فرض سعر في مقابل تقديمه.

جوزيف باين الثاني وجيمس أتش جيلمور
اقتصاد التجربة: العمل مسرح وكل شركة بمنزلة أحد عروضه
لماذا فشلَتْ شركة «زيروكس» في الاستفادة من الابتكارات التي طوَّرها مركز أبحاث بالو ألتو خلال فترة السبعينيات من القرن العشرين؟ كان من بين هذه الابتكارات تكنولوجيا الكمبيوتر التي أدَّت في النهاية إلى ظهور كمبيوتر «آبل»، الذي أطلَقَ ثورة أجهزة الكمبيوتر الشخصية. إلَّا أن زيروكس لم ترَ الفرصة المُتاحة أمامها. ويطرَح مايكل هيلتزيك فرضيته عن هذا الفشل في كتابه «تجَّار البرق»:

في مجال النَّسْخ والتصوير تتقاضى شركة «زيروكس» أجرَها بالصفحة، ويجري حساب كل صفحة بجهازٍ للعد. أما في المكتب الإلكتروني المستقبلي، فلا وجود لجهاز العد هذا؛ فلم يكن ثمَّة عائد سنوي. فكيف للمرء أن يحصل على المال؟ لقد أصبحت الهيمنة التامَّة لنموذج عمل البنسات نظير الصفحات مطلقة لدرجةٍ أعمَتْ شركة «زيروكس» عن كهف عامر بالإمكانيَّات الأُخرى. (مُقتبَس في هامل، ٢٠٠٠: ١١٢)

•••

رون: إن قيمة الشركة تتحدد بما تتقاضاه. وفي الواقع قلما تحددت قيمة الشركة بشيء آخر. ففي نهاية الأمر عليها أن تقدم عرض قيمة يرغب العميل في الدفع نظيره. ونموذج التسعير لدى «زيروكس» منَعَها من البحث عن فرصٍ جديدة وناشئة في السوق، ويُلحق قصر النظر هذا نفسه الضَّرر بشركات الخدمات المهنية في جميع أنحاء العالم. وكما تقتضي مُعادلة الممارسة القديمة، تعلم المهنيُّون أنَّ القيمة التي يُقدمونها تُقاس بمعدَّلٍ يُحتسب بالساعات. فقد أخذت الشركات رأس مالها الفِكري الجمعي وأضفت عليه صبغةً سلعية في صورة مُعدَّل فوترة أحادي البُعد. ومن منظورٍ تسويقي، يُمثِّل هذا خطأً خطيرًا، بما أنَّ السعر هو أحد المبادئ الأربعة في التسويق، ويحتاج إلى مزيدٍ من التفكير والإبداع من مُجرَّد ضرب المُعدَّل في الساعات. وعقلية السعر بالساعة هذه مثال آخر بارز على رأس المال الاجتماعي والبشري السلبي الذي ظهر بين المِهنيِّين في الجيلين الماضيين.

ويهدف هذا الفصل إلى الاستعاضة عن رأس المال البشري والاجتماعي السَّلبي باستراتيجيات تسعيرٍ إيجابية تستخدمها شركات المستقبل من أجل الاحتفاظ بالقيمة التي تُحقِّقها. تشكِّل الأسعار لغة التجارة، بل لغة المجتمع أيضًا، وتؤدي ثلاث وظائف محورية؛ أولًا، تنقل المعلومات، ثانيًا، تُعطي دافعًا لاستخدام أساليب إنتاج أقلَّ إهدارًا وأكثر قيمة، وأخيرًا، تعمل على توزيع الدخل. وتُمثِّل أسعار السوق الحُرَّة ضرورةً لمجتمع مُحكم التنظيم، ويجب حِمايتها كنوع من أنواع حرية التعبير.

وما إن يتبين أنَّ العميل لا يشتري ساعات، يتضح بديهيًّا أن التسعير بالساعة هو الإجراء الخاطئ لترسيخ القيمة المُقدَّمة للعميل. وستعمل شركة المستقبل على التسعير عن قصد، من أجل تحقيق الربح، وليس من أجل الحصول على حصَّة من السوق. والتسعير فنٌّ أكثر من كونه علمًا. ومن بين المبادئ الأربعة الأساسية في التسويق — السعر، والمكان، والترويج، والمُنتَج — يُعدُّ السعر الأكثر تعقيدًا؛ فهو يُمثِّل الفرصة الوحيدة التي تستطيع الشركة من خلالها الحفاظ على القيمة التي تُنتِجها خارج كيانها، وهذا هو مفهوم التسويق الذي أيَّدَه بيتر دراكر وناقَشْناه في الفصل الثالث. السعر لا يخلق القيمة في حدِّ ذاتها — على الرغم من قُدرته على التأثير البالغ في تصوُّرها — ولكنه يُحافظ فعليًّا عليها، ويترك المبادئ الثلاثة الأخرى لتُنتِج قيمة للمستهلك.

يُرسِل السعر أيضًا إشارات واضحة في السوق؛ إذ يُعطي العملاء دلالات على مَن تكون، وماذا تفعل، وإلى مَن تُوجِّه الخدمات، وأخيرًا، كيف ترى شركتك نفسها. فكِّر في الرسالة التي تَبثُّها سيارات «مرسيدس» في مقابل سيارات «شيفروليه»، أو أقلام «مونت بلانك» في مُقابل أقلام «بك»، في السوق؛ فجزء كبير من هذه الرسالة مُتضمَّن في السعر. فالسعر الذي تُحدِّده الشركة يخلق تأثيرًا سمعيًّا في السوق، يُفصح — على المدى الطويل — عن الكثير عن الشركة ومستوى احترامها لنفسها.

تجاهَل المهنيون فنَّ التسعير لفترة أطول من اللازم — تقترب من جيلين — وحرموه من الإبداع الفكري والموارد التي يستحقُّها عن جدارة. حتى إنَّ شركات الخدمات المهنية ذهبَتْ لأبعد من هذا وحوَّلت وظيفة التسعير إلى مهمة إدارية أو تنظيمية، وحوَّلت الفنَّ إلى إجراء روتيني يتمثل في إكمال سجلَّات ساعات العمل وإدخال النتائج في الجداول الزمنية وبرامج إعداد الفواتير؛ وهذا خطأ فادح. فالتسعير كان دومًا وسيظلُّ مسألةً تسويقيةً، يُحدِّدها العميل في النهاية. وحان الوقت لإعادة السعر إلى المكانة الرفيعة التي يستحقُّها في استراتيجية التسويق في شركتك. ففي شركة المستقبل لا تُوجَد أجور بالساعة، بل تُوجَد أسعار مُحدَّدة من قبل الشروع في العمل. دَعُونا نستكشف أولًا كيف وَصَلْنا إلى ما نحن عليه الآن.

(١) قِصَّة نظريَّتَين

رون: يذهب أستاذ جامعي إلى متجر للمجوهرات من أجل شراء خاتم زفاف لخطيبته. يُخبره الصائغ أنه يُمكنه حفْر اسم خطيبته على الجزء الداخلي من الخاتم نظير ١٠٠ دولار إضافية. فقال: «لكن هذا سيُقلِّل من قيمته عند إعادة بيعه!» فاندهش الصائغ، وقال له: «كيف يُمكنك قول مِثل هذا الكلام، أنت بائع؟» ردَّ الأستاذ قائلًا: «لا، أنا عالم اقتصاد.»

كتب أوسكار وايلد ذات مرة يقول: «الشخص السطحي هو الذي يعرف سعر كلِّ شيءٍ ولا يُدرك قيمة أيِّ شيء.» وفيما يتعلَّق بإعداد الفواتير بالمُعدَّل محسوبًا بالساعة، يكون هذا نوعًا من التبصُّر بالمستقبل. وعلى الرغم من أن النقش على ضريح كارل ماركس (لم يفعل الفلاسفة شيئًا سوى أنهم فسَّروا العالم بطرق مُتنوعة، ولكن لفكرة تكمُن في تغييره.) يلقى استحسانًا لدى الثوريِّين الشباب الذين يعتزمون إعادة تشكيل العالم وفقًا للصورة التي يتخيَّلونها، فإن العمل الفعلي لعلماء الاقتصاد وعلماء الاجتماع والأطباء النفسيين، والطلَّاب الآخرين الذين يدرُسون السلوك البشري، لا يهدف إلى تغيير العالم، بل إلى فهمه. وإلى أن تفهم السبب وراء تصرُّف الناس على نحو مُعيَّن — وهي مهمة بطولية في حدِّ ذاتها — لا يُوجَد أمل كبير في تغيير سلوكهم.

إن للأفكار تَبِعات. ووفقًا لما كتب جون مينارد كينز في الفقرة الأخيرة من كتابه «النظرية العامة»:

أفكار علماء الاقتصاد والفلاسفة السياسيين، حين تكون صحيحة وحين تكون خاطئة على حد سواء، تكون أكثر قوَّةً مِمَّا يُشاع فهمه. في الواقع، هذا هو الأساس الذي يحكم العالم. فالرجال العمَلِيُّون، الذين يَرَون أنفسهم بعيدين عن أيِّ مؤثِّرات فكرية، يَستعبِدُهم دومًا عالم اقتصاد راحل. والمجانين الموجودون في السلطة، الذين يسمعون أصواتًا في الهواء، يستمدُّون جنونهم من مؤلِّفٍ أكاديمي تافِه جاء منذ سنوات مضت … وآجلًا أو عاجلًا، تُصبح الأفكار، وليس المصالح المُكتسَبة، ذات تأثير خطير سواء بالإيجاب أو السلب. (مُقتبس في بوخهولتز، ١٩٩٠: ٢١٩)

إن الفكرة القائلة إنَّ حجم العمل المبذول في إنتاج مُنتَج أو خدمة يكون مسئولًا عن قيمتها، لها تاريخ طويل، وطالما أربَكَت كبار المُفكرين الاقتصاديين حتى أواخر القرن التاسع عشر. على سبيل المثال، كلمة «أكر» كانت تعني في اللغة الإنجليزية في العصور الوسطى مساحة الأرض التي يُمكن حَرْثها في يوم واحد. لكن كارل ماركس هو الذي أعطى أهمية لهذه النظرية، التي أُطلق عليها فيما بعد «نظرية قيمة العمل». وفيما يلي عرض لشرح ماركس لنظريته عن القيمة والسعر والرِّبح، نُشِر لأول مرة في عام ١٨٦٥:

السلعة لها قِيمة، لأنها بلورة للعمل الاجتماعي. ويعتمد عظم قيمتها، أو قيمتها النسبية، على كبر أو صغر حجم المادة الاجتماعية المُتضمَّنة بداخلها؛ بمعنى الكتلة النسبية للعمل الضروري لإنتاجها. ومِن ثَمَّ، فإنَّ القيم النسبية للسلع تُحدِّدها الكميات النسبية أو المقدار النسبي للعمل، المبذول، والمُحقَّق، والكامن بداخلها. وتكون الكميات المُتلازمة للسلع التي يمكن إنتاجها في الوقت نفسه للعمل مُتساوية. (ماركس، ١٩٩٥: ٣١)

تبدو هذه النظرية معقولةً إلى حدٍّ ما، حتى نُخضعها لاختبار توضيح كيفية إنفاق الأشخاص الحقيقيين أموالهم في السوق. فلا يُمكن لنظرية ماركس أن تشرح سبب وجود قيمة للأرض والموارد الطبيعية، بما أنها لا تتضمَّن أيَّ عمل. وعند أخذ هذه النظرية إلى حدودها القصوى، يمكن لنظرية قيمة العمل التنبُّؤ بأن الدول التي لديها أكبر عدد من ساعات العمل — مثل الصين أو الهند — ستنعم بأعلى مُستويات المعيشة. لكن من الواضح أن هذا خطأ؛ فما نشهده بدلًا من ذلك، في الدول التي لديها عدد ساعات عمل أقل، ومزيد من ريادة الأعمال — وملكية خاصَّة آمِنة ومؤسَّسات أخرى تُساعد في النمو الاقتصادي — تتمتَّع بمُستويات معيشة أعلى بكثير، بما في ذلك ساعات عمل أقل للعمال.

لو كانت نظرية ماركس صحيحة، لتساوت قيمة الصخرة مع قيمة الألماسة المجاورة لها داخل منجم، بما أنَّ كلَيهما تطلَّب التنقيب عنها واستخراجها الكمَّ نفسه من ساعات العمل. ولكن كم صخرة تُرى معروضة في متجر للمجوهرات داخل مركز التسوُّق التجاري المحلي؟ ربما تتناول البيتزا على الغداء اليوم؛ ووفقًا لنظرية ماركس فإنَّ شريحتك العاشرة تكون بالنسبة لك بنفس قيمة شريحتك الأولى، بما أنها تتطلَّب الكم نفسه من ساعات العمل لإعدادها. وأحد الأخطاء الفادحة في نظرية ماركس أنها لم تضع في حسبانها قانون تناقُص المنفعة الحَدِّية، الذي ينصُّ على أن القيمة بالنسبة للعميل تنخفِض مع الاستهلاك الإضافي للسلعة المَعنيَّة.

حتى أرسطو أوضح، قبل ماركس بوقت طويل، أنَّ السلعة قد يصبح لها سعر بسبب وجود حاجة إليها. وفيما يلي مثال على هذا مأخوذ من مدرسة سلمانكا، حيث كتب لويس سارافيا دي لا كالي (١٥٤٤):

إن الذين يقيسون السعر العادل استنادًا إلى عوامل العمل والتكلفة والخطر التي يتعرَّض لها الشخص الذي يُتاجِر فيها أو ينتجها، أو استنادًا إلى تكلفة النقل، أو مصاريف الشحن من المعرض وإليه، أو استنادًا إلى ما يتعيَّن عليهم دفعه نظير عوامل التصنيع والخطر والعمل، مخطئون تمامًا، وكذلك مَن يسمحون بهامش مُعيَّن للربح يُقدَّر بالخُمس أو العُشر. فالأسعار العادلة تنشأ من وفرة البضائع أو التجار أو الأموال، أو ندرتها، كما يُقال، وليس من التكاليف والعمل والمخاطر. وإذا نظرْنا إلى العمل والمخاطر من أجل تقييم السعر العادل، فلن يُعاني أي تاجرٍ من الخسارة. (مُقتبَس في فوج، ١٩٩٤: ٧٩)

على الرغم من أن هذا وصفٌ أقرب للمصدر الحقيقي للقيمة، فإنه يرتكب خطأً أيضًا بذِكره أنَّ النُّدرة (أو الوفرة) تُحدِّد السعر العادل. لكن النُّدرة لا تُحدِّد القيمة؛ فيُمكنني التوقيع بقلم تلوين وردي على هذا الكتاب الذي تقرؤه الآن، وأدَّعي حقيقةً أنه نادر من نوعه. وفي الواقع أشكُّ في أن هذا يمكنه تعزيز قيمة الكتاب حتى بعُشر سنت. فمُجرَّد أنَّ كونه شيئًا نادرًا لا يجعله ذا قيمة؛ فلا بدَّ أن يرغب الناس في الشيء أيضًا.

وغالبًا ما يستشهد رجال الأعمال بمقولة بنجامين فرانكلين التي تتردد كثيرًا: «الوقت من ذهب». وبالطبع أفسد هذا القول المأثور الطريقة التي يرى بها المهنيون قيمة الخدمات التي يُقدِّمونها؛ فمع الأسف كانت هذه المقولة منزوعةً من سياقها. لقد وردَتْ هذه الجُملة في عام ١٧٤٨ — قبل أكثر من مائة سنة من ظهور نظرية قيمة العمل لماركس — في خطاب أرسله فرانكلين إلى رجل أعمال شاب كان يبدأ عمله للتو، وكان قد طلب نصيحة فرانكلين. وفيما يلي ما كتبه فرانكلين كاملًا في موضوع الوقت في خطاب بعنوان «نصيحة إلى تاجر شاب»:

إلى صديقي، إيه بي

بناءً على طلبك، أكتُب إليك النصائح التالية، التي أفادَتْني كثيرًا، وأظنُّ أنها ربما تُفيدك أيضًا. تذكَّر أنَّ «الوقت» من ذهب. فمن يستطيع أن يكسِب عشرة شلنات في اليوم من عمله، ويذهب إلى الخارج أو يجلس عاطلًا عن العمل، نصف هذا اليوم، على الرغم من أنه لا يدفع إلَّا نصف شلن في أثناء لهوه أو كسله، فلا يجب ألَّا يعتبر «ذلك» هو كل المنصرف؛ فهو في الواقع أنفق، أو بالأحرى أضاع، خمسة شلنات أخرى. (مُقتبس في كراس، ١٩٩٩: ٢٨٣)

لاحظ أن فرانكلين لم يكن يتحدَّث عن القيمة أو عن السعر؛ بل كان يتحدَّث عن مفهوم «تكلفة الفرصة البديلة». وهذه الفكرة (التي صاغها عالم الاقتصاد النمساوي فريدريش فون فايزر (١٨٥١–١٩٢٦)) تقضي بأن كل نشاط أو مُنتَج في الاقتصاد له استخدام بديل. إنه مبدأ اقتصادي مهم، لكن تكلفة الفرصة البديلة للبائع لا تتعلَّق كثيرًا بالقيمة المُقدَّمة للعميل. في الحقيقة، لقد أُسيء تفسير عبارة فرانكلين على أنها تأييد لنظرية قيمة العمل، في حين أنها لا تفعل أيَّ شيءٍ من هذا القبيل.

حتى آدم سميث، وهو مُفكِّر مُؤثر ومُؤسِّس علم الاقتصاد الكلاسيكي، لم يكن حصينًا ضدَّ التأثير البديهي لنظرية العمل الخاصة بالقيمة. غير أنَّ سميث، على عكس ماركس، أدرك أهمية الرِّبح بوصفه دافعًا لروَّاد الأعمال لخوض المخاطرات الضرورية لجلب البضائع والخدمات إلى السوق. فقد غيَّر سميث نظرية ماركس إلى نظرية تكلفة الإنتاج، التي تنصُّ في الأساس على أن كل تكاليف الإنتاج — بما في ذلك ربح ماركس المُخيف — هي التي تُحدِّد قيمة السلعة. وثَمَّة مُفكِّر وعالم اقتصاد مُؤثِّر آخر، وهو ديفيد ريكاردو، عانى مع عيوب نظرية قيمة العمل حتى وفاته؛ إذ كتَبَ لعالم اقتصاد زميل له قبل شهر تقريبًا من وفاته قائلًا: «لا يُمكنني التغلُّب على مشكلة النبيذ الذي يبقى في القبو لثلاث أو أربع سنوات، أو شجرة البلُّوط، التي ربما لا يُنفَق عليها أكثر من ساعتَين من العمل، ومع ذلك تُصبح قيمتها ١٠٠ جنيه إسترليني» (مقتبس في سكوزن، ٢٠٠١: ١٠٨).

ويمكن العثور على أحد المُشتقَّات المُباشرة لنظرية قيمة العمل ضمن أفكار مُحاسِبي التكاليف عقب الحرب العالمية الأولى. وكان واحدًا من أكثر واضعي النظريات تأثيرًا في هذا القرن ويليام باتون، الذي وصف في معاهدة عام ١٩٢٢ ما يرى في اعتقاده أنَّهُ النشاط الأساسي لمُحاسِب التكلفة:

إن الركيزة الأساسية لعمل مُحاسب التكاليف — التي دُونها لا يُوجَد حساب للتكاليف — هي افتراض أنَّ قيمة أي سلعة أو خدمة أو حالة، تُستخدَم في الإنتاج، «تَنتقِل» إلى الشيء أو المُنتَج الذي استُهلك الشيء الأصلي من أجله و«ترتبِط» بالنتيجة، مِمَّا يُعطي الشيء قيمته. (مُقتبَس في جونسون وكابلان، ١٩٩١: ١٣٥-١٣٦)

لكن باتون تبرَّأ في خطابٍ ألقاه في أحد المؤتمرات في عام ١٩٧٠ من فِكرة أنَّ التكاليف ترتبِط بالمُنتَج خلال تحرُّكه عبر المصنع، فقال:

إنَّ المشكلة الأساسية في فكرة ارتباط التكلفة بالدُّولارات، المُتكبَّدة، مثل المحار بالتدفُّق المادي للمواد وسير نشاط التشغيل، أنها تتعارض مع عملية التقييم الفعلية في سوقٍ تنافُسيَّة حرة. إنَّ العميل لا يشتري حُفنة من التكاليف بالدُّولارات مُصنَّفة ومُتتبَّعة؛ بل يشتري مُنتجًا بالسعر السائد في السوق. وسعر السوق ربما يكون أعلى أو أقلَّ مِن أي رقمٍ محسوب للتكاليف. (المرجع السابق: ١٣٩)

وعلى الرغم من وفاة كارل ماركس، فإنه ما زال بيننا بوصفه مُبتكِر الساعات المُستحقَّة الدفع؛ نظرًا لأنَّ نظريته عن قيمة العمل كانت الفكرة السائدة حتى دُحِضت في أواخر القرن التاسع عشر. فقبل اندلاع الحرب العالمية الأولى، كان أقطاب مجال الصناعة — مثل أندرو كارنيجي وبيير دو بونت وألفريد سلون، وغيرهم من المهندسين الآخرين في حركة الإدارة العلمية — هم أصحاب الزعامة في تطوير إجراء حساب تكاليف العمليات التي يُجرونها. وكان الإسهام الأبرز في نظرية المُحاسَبة الإدارية اختراع مقياس عائد الاستثمار. ويُقدِّم لنا كلٌّ من أتش توماس جونسون وروبرت أس كابلان تاريخ مقياس عائد الاستثمار في كتابهما الحاصِل على الجوائز «الصِّلة المفقودة»:

نشأت الفكرة التي قامت على أساسها صيغة «دو بونت» لعائد الاستثمار، على حدِّ عِلمنا، مع أف دونالدسون براون، وهو مهندس كهربائي حاصل على شهادة جامعية، وعمل في وقت ما بائعًا للأدوات الكهربائية وانضمَّ لقسم التسويق في شركة «باودر» لمُستحضَرات التجميل في عام ١٩٠٩، وأصبح مُساعدًا لأمين الخزانة بالشركة في عام ١٩١٤. ولا يُشير أيٌّ من السجلَّات الباقية عن براون كيف واتَتْه فكرةُ صيغته المُتعلِّقة بعائد الاستثمار. ومن المُثير للاهتمام أن براون لم يحظَ بأي تدريب رسمي أو خبرة في مجال المُحاسَبة.

لا شكَّ أنَّ خبرتَهُ في البيع جعلتْهُ يُقدِّر تأثير دوران رأس المال وتوزيع التكاليف على أرباح الشركة. ومن الواضح أن مهارات براون الرياضية والهندسية والتسويقية أمدَّتْهُ بمنظورٍ فريدٍ عن مُحدِّدات أداء الشركة، والتي لم يكن يُدركها مُعظم المُحاسبين المُعاصِرين له. وكان لفكرة براون عن التخطيط المالي والرقابة المالية تأثير عميق على مُؤسَّسة «دو بونت» وفيما بعدُ على شركة «جنرال موتورز». ومع ذلك، لم يتَّسِع نطاق المعرفة بأفكاره بين المُحاسبين المُحترِفين حتى خمسينيات القرن العشرين، حين أدخلها جيلٌ جديد من الكتب الدراسية في المحاسبة الإدارية إلى المنهج الأساسي لماجستير إدارة الأعمال. (المرجع السابق: ١٩٩١: ٨٦-٨٧)

مهما قُلنا، فلن نُوفِّي أهمية صيغة «دو بونت» لعائد الاستثمار؛ إذ ظلَّت النظرية السائدة التي درَسَها على الأقلِّ جيلان من المُحاسبين وطُلَّاب ماجستير إدارة الأعمال. وبمجرَّد أن يبدأ طُلَّاب ماجستير إدارة الأعمال في الانخراط في شركات الخدمات المهنية، فإنهم يجلبون معهم فكرة أنَّ هذه الشركات بإمكانها إجراء مُحاسَبة التكاليف تمامًا مِثل الصناعات التحويلية. وهذا ما أدَّى إلى استخدام شركات المُحاماة في «وول ستريت» للجداول الزمنية بدايةً من أربعينيَّات القرن العشرين. كانت النظرية تقول إنه عن طريق تتبُّع الزمن، يمكن للشركات إجراء مُحاسبة التكاليف — وليس التسعير — وتحديد إذا ما كانت أي عملية أو أي عميل مُربِحًا. فكان هذا تطبيقًا لعائد الاستثمار — القريب من الدرجة الأولى لنظرية قيمة العمل — لدى شركات الخدمات المهنية. فلم تتوصَّل أية شركة مُحاماة أو مُحاسبة لفكرة تتبُّع الوقت بأسلوبٍ مُتَّسِق وبالِغ الدِّقة حتى أدخلها الحائزون على درجة ماجستير إدارة الأعمال وغيرهم من الاستشاريين.

ونَجِد السَّرد الأشمل لتاريخ الساعات المُستحقَّة الدفع في كتاب ويليام جي روس «الساعة الصادقة: أخلاقيَّات إعداد الفواتير على أساس الوقت من جانب المُحامين»، وإليك الطريقة التي شرَح بها تاريخ الساعات المُستحقَّة الدفع:

طوال خمسينيات القرن العشرين وفي أوائل الستينيات من القرن نفسه، أشارت عدَّة دراسات إلى أن أجور المُحامين عجزت عن مواكبة التضخُّم وكانت لا ترقى لأجور العاملين في المِهَن الأخرى، خاصَّةً الأطباء. وفي وقتٍ مُبكِّر يرجع إلى أربعينيات القرن العشرين، توصل خبراء الإدارة إلى استنتاج من دراساتٍ مُختلفة يُفيد بأن المحامين الذين كانوا يحتفِظون بجداول زَمنيَّة كان دخلهم أكبر من المُحامين الذين لا يفعلون هذا. ونصح خُبراء الإدارة المُحامين برفع أجورهم عن طريق اختيار راتب سنوي مُستهدَف وقِسمة هذا الرقم على عدد الساعات التي يحصلون على المال نظيرها من العميل طوال سنة كاملة وإدراج التكاليف غير المُباشرة من أجل الوصول إلى مُعدَّل الفوترة بالساعة.

وعلى الرغم من أن العديد من المُعلِّقين قد أشاروا إلى أن الفوترة على أساس الوقت ترجِع إلى ستينيات القرن العشرين، فإنَّ العديد من المُحامين كانوا يستخدمونها بالفعل في عقود سابقة. وبينما لم تبدأ شركات كُبرى مثل «شيرمان آند ستيرلينج» في نيويورك بإعداد سجلَّات زمنية حتى عام ١٩٤٥، زاد شيوع تسجيل الوقت في خمسينيات القرن العشرين أكثر مما نفترضه عادةً في الوقت الحالي …

بين الخمسينيات وأواسط السبعينيات من القرن العشرين، أشاد خبراء الإدارة بمزايا مُراقبة سجلَّات الدَّوام وحضُّوا مكاتب المُحاماة على إعداد الفواتير بناءً على الوقت. علَّق أحد المُحلِّلين في عام ١٩٦٠ في دهشةٍ قائلًا: «المُحامون الذين يحتفِظون بسجلَّات ساعات عمل شخصية لديهم دخلٌ صافٍ يكاد يكون مُساويًا للدخل الإجمالي للمُحامين الذين لا يحتفظون بسجلَّات ساعات العمل. ليس ثَمَّة حاجة إلى مزيدٍ من التبرير!» (روس، ١٩٩٦: ١٦-١٧)

لاحِظ كيف اعتُمِد نظام مُراقبة سجلَّات الدوام في الأساس لأغراض حساب التكاليف، ثُم أصبح الطريقة التي سعَّر بواسطتها المهنيُّون خدماتهم. وما كان مُتوقَّعًا أن يكون طريقةً لتتبُّع الخدمات المُقدَّمة من المهنيِّين — وهو الوقت — أصبح هو الخدمة التي تُباع. كان تحوُّلًا في القصد الذي وُجِدت لأجله سجلَّات ساعات العمل. قبل التسعير بالساعة، كان كلٌّ من المُحامين والمُحاسِبين القانونِيِّين يحصِّلون أسعارًا ثابتةً لكلِّ ما يفعلونه، كما يشرح روس:

خلال أواخر ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، اعتمدت نقابات المُحامين اعتمادًا مُتزايدًا في الولايات والمَحليَّات جداول رسوم؛ لأنها قدَّمَت وسيلةً أكثر موضوعيةً للمُحامين لتبرير الأتعاب التي يتقاضَونها من العملاء. وكان الكثير من المُحامين الذين تُركوا لتدبُّر شأنهم بأنفسهم على غير يقينٍ بشأن كيفية فرْض أتعاب على العملاء أو كانوا مُحرَجين من طلَبِ أتعابٍ مُقابل عملٍ بسيطٍ أو طلَبِ أجرٍ معقول عن خدماتهم. فأمدَّت جداول الرسوم المُحامين بالشجاعة الكافية لتحصيل رسوم أعلى … وبحلول خمسينيات القرن العشرين، كانت جداول الأتعاب موجودة في كلِّ ولاية تقريبًا.

لم تكن جداول الرسوم إلزامية، لأنَّ نقابات المُحامين أقرَّتْ بأنَّ الرسوم الإلزامية قد تتعارض مع قوانين مُكافحة الاحتكار وأنَّ مثل هذه الرسوم قد لا تأخُذ في الاعتبار الخبرات الفنية لدى المُحامين الأفراد. (المرجع السابق: ١٤-١٥)

على الرغم من الجهود التي بذلها كارل ماركس، وآدم سميث، وديفيد ريكاردو، وبن فرانكلين، وأباطرة الصناعة، ومُحاسِبو التكاليف، والمهندسون، والحائزون على درجة ماجستير إدارة الأعمال، كانت نظرية القيمة أفضل من أيِّ نظرية أخرى حتى طرَحَت كلية الاقتصاد النمساوية نظرية ذاتية القيمة.

(١-١) نظرية أفضل للقيمة

عند مواجهة ما يبدو أنه نظرية غير صحيحة، يكون الخيار هو الاستِعاضة عنها بنظريةٍ أفضل. لقد فهم العديد من الاقتصاديين أن نظرية قيمة العمل كانت مَعيبة، لكنهم لم يكونوا قادرين على بناء نظرية أفضل لشرح كيفية إنفاق الناس لأموالهم على الأشياء التي يُقدِّرونها. وظلوا كذلك حتى اخترع ثلاثة خبراء اقتصاديِّين ما أصبح يُعرَف بالثورة الحَدِّية؛ حيث استُعيضَ عن نظرية قيمة العمل بنظريةٍ أكثر مُلاءمة. كان النمساوي كارل مينجر (١٨٤٠–١٩٢١)، والبريطاني ويليام ستانلي جيفونز (١٨٣٥–١٨٨٢)، والفرنسي السويسري ليون والراس (١٨٣٤–١٩١٠)، هم خُبراء الاقتصاد الثلاثة الذين ابتكروا على نحو مستقل فكرة أنَّ القيمة يحددها المستهلك في نهاية المطاف. إليك كيف يشرح مارك سكوزن إسهام مينجر في كتابه «صناعة الاقتصاد الحديث: حياة وأفكار المُفكِّرين العظام»:

وُصِف اكتشاف مينجر ﺑ «قانون المسئولية». كان قانون المسئولية بمثابة هجوم مُباشر على نظرية قيمة العمل لريكاردو – ماركس. كتب مينجر يقول: «إن العامل الحاسِم في قيمة السلعة إذن ليس كم العمالة أو البضائع الأخرى الضرورية لإنتاج تلك السلعة ولا الكمية اللازمة لإعادة إنتاجها، بل هو عِظَم أهمية تلك القناعات التي نُدرك من خلالها مدى اعتمادنا على طلب السلعة.»

باختصار، عكس مينجر اتجاه العلاقة السببية بين القيمة والتكلفة. لا تُعزى قيمة سلعة استهلاكية إلى الجُهد المبذول ووسائل الإنتاج الأخرى المُستخدمة، وإنما تكتسب وسائل الإنتاج قيمتها من القيمة المُتوقَّعة للسلع الاستهلاكية. فقيمة جميع السلع الاستهلاكية والسلع الرأسمالية يُحرِّكها المُستهلك نهاية المطاف.

لقد أراد مينجر أن يُعرِّف الاقتصاديِّين الألمان المُعادين للنظرية أن «قانون المسئولية» كان صالحًا لجميع الظروف حيث قال: «إنَّ مبدأ تحديد القيمة هذا صحيح بوجهٍ عام، ولا يُمكن العثور على استثناءٍ له في الاقتصاد البشري.» (سكوزن، ٢٠٠١: ١٨٢)

بعبارةٍ أخرى، كما قُلنا من قبل، القيمة مثل الجمال؛ محلُّه في عين الرائي. تشرح نظرية ذاتية القيمة سبب شراء الأشخاص السلع من موقع «إي باي» والتي تَبقى لفترة أطول من حياة العمال الأصليِّين الذين صنعوها. إنها تُفسِّر تقديرهم للمساكن والأعمال الفنية والنبيذ والترفيه وغيرها من السلع. النظرية تُوضِّح أنَّ اللآلئ قيِّمة ليس لأنَّ الناس يغوصُون لأجلها، ولكن الناس يغوصُون إليها لأنها قيِّمة. بل إنه يُفسِّر المبدأ البديهي المشتق من قطاع النفط القائل: «لا يُهم ما تنفقه؛ بل ما تكتشفه.» ومع ذلك، نجد اليوم أن المِهنيِّين لا يزالون فاقِدين للطريق الصواب؛ نظرًا لاتِّباعهم نظرية قيمة العمل، لأنهم يستمرُّون في تلقين كلِّ جيلٍ جديد الدرس القائل: «أنتم تبيعون وقتكم.»

لقد أصبح التسعير استنادًا إلى التكلفة والرِّبح مُهيمنًا؛ لأن مُعظم الشركات أدركت ضمنيًّا هياكل تكلفتها، ويُمكنها بسهولةٍ حساب مُعدَّل عائد عادل. من الأسهل النظر إلى داخل الشركة وتحديد التكلفة بدلًا من النظر إلى العميل لتحديد القيمة. في الواقع، يُوفِّر التسعير المُستنِد إلى التكلفة والرِّبح صيغة أنيقة موضوعية تستند إليها هذه الحسابات. ولكن استنادًا إلى وقائع نظرية ذاتية القيمة، فإنها تكاد لا تربطها علاقة بالقيمة المُقدَّمة للعميل.

(١-٢) التسعير المُستنِد على التكلفة والربح: النقش على الضريح

في كتابهما المُميَّز، «استراتيجية وتكتيكات التسعير: دليل لصنع القرار المُربِح»، يُقدِّم توماس تي ناجل وريد كيه هولدن لائحة الاتهام التالية للتسعير القائم على التكلفة والربح:

المشكلة في التسعير القائم على التكلفة والربح هي مشكلة جوهرية: ففي معظم الصناعات، من المستحيل تحديد تكلفة وحدة المُنتَج قبل تحديد سعره. لماذا؟ لأن تكاليف الوحدة تتغيَّر مع تغيُّر الحجم. يحدث تغيير التكلفة هذا؛ لأن جزءًا كبيرًا من التكاليف «ثابت» ويجِب بطريقةٍ أو بأخرى أن «تُخصَّص» لتحديد تكلفة الوحدة ككل. ولسوء الحظ، بما أن هذه المخصَّصات تعتمد على الحجم الذي يتغيَّر بتغيُّر السعر، فإن تكلفة الوحدة تُعدُّ هدفًا مُتحرِّكًا صعْبَ المنال. (ناجل وهولدن، ٢٠٠٢: ٢)

السبيل الوحيد لضمان التسعير المُربِح هو السماح للسعر المُتوقَّع بتحديد التكاليف المُتكبَّدة وليس العكس. يجب أن يبدأ التسعير المُستنِد إلى القيمة قبل إجراء الاستثمارات. (المرجع السابق: ٣)

إن وظيفة الإدارة المالية ليسَت الإصرار على أن يُغطي التسعير التكاليف. وإنما وظيفتها الإصرار على أن تُقدِّم التكاليف مُنتجًا يمكن تسعيره بطريقة مُربِحة استنادًا إلى قيمته بالنسبة إلى العملاء … وتُفكِّر الآن الشركات الرائدة في الرِّبح، بدءًا من «ماريوت» إلى «بوينج»، ومن التكنولوجيا الطبية إلى صناعة السيارات، في الشريحة التي يرغبون في أن يخدمها مُنتَجٌ جديد، إلى جانب تحديد الفوائد التي يسعى إليها العملاء المُحتمَلون، وتحديد سِعرٍ يمكن إقناع العملاء بدفعه. وتتحدَّى الشركات مُهندسيها من أجل ابتكار مُنتجاتٍ وخدمات يمكن إنتاجها بتكلفةٍ مُنخفِضة بما يكفي لجعل خدمة تلك الشريحة السوقية مُربِحة. (المرجع السابق: ٤)

إذا كان على المرء أن يضع نظريَّتَي ذاتية القيمة وقيمة العمل جنبًا إلى جنب، فسيبدو الأمر على هذا النحو:
«تسعير التكلفة زائد نسبة الربح: نظرية قيمة العمل»
المنتج، التكلفة، السعر، القيمة، العملاء.

•••

«التسعير المبني على القيمة. نظرية ذاتية القيمة»
العملاء، القيمة، السعر، التكلفة، المنتج. (مقتبس من المرجع السابق مع بعض التعديل: ٤)

لاحظ كيف يقلب التسعير المبني على القيمة ترتيب تسعير التكلفة زائد نسبة الرِّبح رأسًا على عقب، من خلال البدء بالحَكَم النهائي للقيمة وهو العميل. ولهذا السبب على وجه التحديد، حذف ويليام باتون فكرته عن «إرفاق التكلفة» من مُحاسبة التكاليف التقليدية. فالسلع والخدمات لا تُصبح أكثر قيمة بطريقةٍ سحرية بينما تأخذ طريقها عبر المصنع ولديها تكاليف مُخصَّصة لها من قِبَل مُحاسبي التكلفة. إنَّ التكاليف لا تُحدِّد السعر، فضلًا عن القيمة. ولكن العكس تمامًا هو الصحيح — كما أشار كارل مينجر — أي أنَّ السعر يُحدِّد التكاليف التي يُمكن استثمارها بطريقة مُربِحة في صُنع مُنتج يرغَب فيه العميل، ويُدرُّ ربحًا للبائع.

عندما طرحت «جنرال موتورز» سيارتها «كورفيت»، توقَّعت عدد الوحدات التي ستبيعها، واستند تسعيرُها على صيغة «دو بونت» للعائدات على الاستثمار؛ حيث زادت «جنرال موتورز» من سعر كلِّ سيارة بمقدار الربح المطلوب. لقد أبلَتْ «كورفيت» بلاءً حسنًا، ولا شكَّ أن التسعير المُعتمِد على التكلفة والربح يمكن أن يُدِرَّ أرباحًا للبائعين، بافتراض أنهم يصنعون مُنتجًا يرغب فيه العميل. غير أنَّ تحديد أسعار التكلفة لا يُعتبَر استراتيجية تسعير مُحسِّنة للربح، وهنا تكمُن مُشكلته الأساسية. عندما ابتكر لي أياكوكا السيارة «فورد موستانج»، عكس ترتيب أسعار صناعة السيارات المُعتاد حتى تلك اللحظة. فبدلًا من إعطاء مُهندسيه تفويضًا مُطلقًا لابتكار سيارة رياضية ثم تحديد التكاليف المُترتِّبة على ذلك — كما فعلت «جنرال موتورز» — طلب آراء العملاء المُحتمَلين فيما يتعلَّق بالميزات التي يُريدونها في سيارة رياضية وما السعر الذي يعتقدون أنهم سيرغبون في دفعه فيها. ثم توجَّه إلى مُهندسيه وسألهم عمَّا إذا كان بإمكانهم تصنيع سيارة رياضية بالمواصفات المطلوبة وبيعها بهذا السعر بحيث تُحقِّق أرباحًا لصالح «فورد». وصنع المهندسون السيارة «فورد موستانج» (استنادًا إلى منصة هيكل السيارة فالكون التي كانت موجودة آنذاك)، وطُرِحت في الأسواق في أبريل ١٩٦٤ بسعر ٢٣٦٨ دولارًا أمريكيًّا. وفي أول عامين، بلغت الأرباح الصافية ١٫١ مليار دولار، بسعر الدولار عام ١٩٦٤، وهو ما يفوق بكثير ما حقَّقتْه «جنرال موتورز» مع سيارتها «كورفيت». من منظور هندسي، كانت السيارة مُتواضعة. لكن من منظور التسويق والربحية، كانت واحدةً من أنجح السيارات في تاريخ صناعة السيارات. وقد دُفع أياكوكا للقول مُتهكِّمًا: «لقد ادَّعى الكثير من الناس أنهم أصحاب الفكرة الأصيلة للسيارة «موستانج» حتى تسرَّب إليَّ الشكُّ أنَّني صاحب الفكرة.»

تبنى اليابانيون هذه الطريقة في التسعير — المعروفة باسم التكلفة حسب التسعير بدلًا من التسعير حسب التكلفة — بنجاح في صناعة السيارات والإلكترونيات، وهي أحد الأسباب التي جعلتهم ناجحين جدًّا في تلك الأسواق. وثمة سِجلٌّ حافل بالشركات التي أصبحت تُركِّز بقوة على تقليل التكلفة، على حساب توفير مُنتَج أو خدمة ذات قيمة للعميل. حقيقة الأمر أنه يمكنك جعل البيتزا رخيصة جدًّا للدرجة التي لن يرغب أحد في تناولها. فقد يُؤدِّي هاجس خفض التكاليف إلى نتائج عكسية تُعيق تحقيق المهمة الحقيقية لأي عمل ألا وهي: إثراء العميل. إنَّ الهوَس بحساب وخفض سِعر التكلفة، يؤدي إلى أن تكون النظرة للعمل داخلية، بدلًا من التركيز على الخارج، ونتيجة لذلك، يُنظَر إلى جميع التكاليف على أنها مُتكافئة، وتخضع للتخفيضات الشاملة، دون الأخذ بعين الاعتبار المُقارنة بين التكاليف الضرورية لتصميم عرض قيمة أعلى وبين التكاليف التي لا تُضيف قيمة إلى العميل.

هذا لا يعني ضمنيًّا أن التكاليف الداخلية للشركة غير مُهمَّة، أو غير ذات صلة بقرار التسعير؛ لأنها بالتأكيد مُهمَّة وذات صلة. وإنما المقصود ترتيب تلك التكاليف المُهمَّة والتي يجب تكرارها: سوف تستثمر الشركة الساعية إلى الربحية المثلى فقط في تلك التكاليف التي يُمكن استردادها من خلال القيمة التي تُقدِّمها إلى العميل، وليس العكس. بعبارة أخرى، إنَّ شركات المستقبل تفهم صراحةً أن تسعيرها هو ما يُحدِّد تكاليفها، ولا تسمح لتكاليفها بأن تُملي عليها تسعيرها. ثمة حقيقة كامنة أخرى في هذا البيان: أن الشركة تُحدد تكاليفها «قبل» التسعير، وليس «بعد» ذلك، كما هو الحال في إعداد الفواتير استنادًا إلى عدد الساعات. وهذا يضع العبء على الشركة لتحديد الأسعار لعملائها «قبل» أن تستهلك أيَّ موارد، على غرار الطريقة التي يجب أن تعمل بها جميع الشركات الأخرى.

(١-٣) الآثار الضارَّة للتسعير بنظام التكلفة والرِّبح

تتجلَّى نظرية قيمة العمل لدى شركة الخدمات المهنية — وقريبتها صيغة «دو بونت» للعائدات على الاستثمار — في منظومة حساب المُعدَّل بالساعة. في بعض الأحيان، تُستخدَم طريقة عملية لحساب المُعدَّل بالساعة، مثل ثلاثة إلى خمسة أضعاف راتب المهني، وهي طريقة أخرى لإضافة عائد استثمار مرغوب فيه إلى هيكل تكلفة الشركة. ولكن بما أن الشركة تحتوي على تكاليف أكثر من مُجرَّد الرواتب والأجور، فإن الصيغة الصحيحة لحساب المُعدَّل بالساعة تبدو كما يلي:

ثمة أربعة تأثيرات ضارَّة لصيغة التكلفة والربح هذه. أولًا: تتمثل إحدى طرق زيادة عائدات الشركة في زيادة المصروفات العامة، وهذا بطبيعة الحال أحد الأسباب التي أدَّت إلى التخلِّي عن التسعير القائم على التكلفة ونسبة الربح في التعاقدات الحكومية وقطاع المقاولات، ومُعظم الشركات الأخرى. فهي لا تتناسَب مع مصالح المُشتري والبائع معًا. إن رفع المصروفات العامة دون زيادة مُتزامِنة في القيمة المُقدَّمة للعميل هو وصفةٌ مثالية لحدوث كارثة.

ثانيًا: ما من عميلٍ يضَعُ في اعتقاده أن مهمَّته هي توفير مستوًى معيشي لائق للمهني. فالعملاء لا يجافيهم النوم ليلًا مُتسائلين عمَّا إذا كان مُحاميهم يكسب ما يكفي من المال. هذه ليست وظيفتهم. على العكس من ذلك، تتمثَّل مهمَّة المهني في توفير خدمة تجعل العملاء الجيِّدين يدفعون أتعابًا مُجزيةً بإرادتهم تقديرًا لما أُنجِزَ من أجلهم.

ثالثًا: هذه الصيغة بمنزلة سقف مفروض ذاتيًّا على دخل المهني، فضلًا عن الربح. وبما أن مُعظم الشركات المهنية لديها مُعدَّلات إنجاز تتراوَح بين ٦٠ و٩٥ بالمائة، فمن الواضح أنها لا تحصل حتى على المُعدَّل القياسي للساعة. حتى توماس جيفرسون، الذي التحق بنقابة المحامين في ولاية فيرجينيا عام ١٧٦٧، والمحامي الاستثنائي — والمُفكِّر — لم يكن مُحصَّنًا ضد هذا القيد المفروض ذاتيًّا بأية حال. فغالبًا ما كان يتقاضى ٥٠٠ جنيه إسترليني سنويًّا، لكنه عادةً ما كان يحصل على أقل من ذلك بكثير، ومع بلوغ عامه الأفضل عام ١٧٧٠، كان قد حقَّق ٢١٣ جنيهًا إسترلينيًّا (كيمبول، ١٩٩٥: ٧٥).

وأخيرًا، لا تأخُذ الصيغةُ في الحسبان رأسَ المال الفكري للشركة؛ والأسوأ من ذلك أنها تُحوِّل رأس المال الفكري لدى الشركة إلى سلعة ذات مُعدَّل مُشابِه يُحتسب بالساعة. إنها ببساطة تُقدِّم الشركة كحزمة من المصروفات العامَّة والأرباح المرغوب فيها المرجوَّة من الشركاء، دون النظر إلى القيمة التي تُمنَح العملاء.

إيجازًا، لا يهتمُّ العميل بأيٍّ من الأرقام الواردة في الصيغة، ولكنه يُفكِّر في مقدار الوقت الذي تُهدِره شركات الخدمات المهنية في تبرير نتيجة الصيغة للعميل، أي المُعدَّل بالساعة. فهذه الصيغة ما هي إلا نظرة خالِصة للمصلحة الذاتية، في حين يجب أن يكون كلُّ التسويق مُتَّجهًا إلى الخارج، إلى العميل، والسعر جزءٌ لا يتجزَّأ من التسويق.

أحد أقوى الدفاعات عن هذه الصيغة هو أنها ضرورية لحساب التكاليف الصحيحة، لتمكين الشركة من قياس مِقدار الربح الذي يتمُّ تحقيقه في كل مهمَّةٍ أو لكلِّ عميل. لكن المعادلة «لا» تتعلَّق بمُحاسبة التكاليف، بل تتعلَّق ﺑ «التنبُّؤ بالأرباح»، ويفترض أن المِهنيين، لا سيما المُحاسِبين القانونيِّين، أن يكونوا أدرى الناس بذلك. إن مُحاسبة التكاليف لا تُحدِّد الربح. والصيغة ليست سوى «قائمة أمنيات»، وقد تكون أو لا تكون لها أي علاقة بالقيمة التي وُضِعت خارج جُدران الشركة. وتكتظُّ مقابر الأعمال التجارية بالشركات التي كانت لديها رغبات عامَّة ورأسمالية، ولكنها اختفت منذ زمن طويل لأنها لم تُحقِّق ثراءً لعُمَلائها. إذا كُنتَ تُريد حساب التكاليف الحقيقية، فعليك إزالة عامل الدخل الصافي المرغوب فيه من الصيغة، وحساب «التكلفة الحقيقية» للساعة الواحدة.

وقد أكسبت هذه الصِّيغة المِهنِيِّين شعورًا زائفًا بالأمان والموضوعية فيما يتعلَّق بسياساتهم التَّسعيرية. يُمكن قياس نظرية قيمة العمل وتحديدها كميًّا، ومِن ثَمَّ تشعر بالراحة لتبرير تسعيرك على هذا الأساس. في المقابل، لا يمكن تحديد القيمة بالضبط في نظرية ذاتية القيمة النِّمساوية: فلا تُوجَد صِيَغ سهلة، ولا تعويذات سِحرية من شأنها أن تُساعدك على تحقيق السعر المُناسِب، للعميل المُناسِب، في الوقت المُناسِب. إنَّ الأمر يتطلَّب من الشركة أن تدخل في قلوب وعقول عُملائها، للبحث عن مُحرِّكات القيمة الحقيقية في قرار الشراء، وفَهم وإيصال القيمة التي يقومون بخلقها، وهذا ليس سهلًا، وهذا هو السبب في أنَّ جميع الشركات، دائمًا وفي كل مكان، تُعاني من السِّعر. مرة أخرى، إنه فنٌّ وليس عِلمًا. ولكن يُمكنُنا تعميق فَهمِنا له من خلال دراسة نجاح الكيانات الأخرى التي استخدمت مبادئ التسويق الأربعة في التسعير حسب الغرَض بطريقة استراتيجية.

(١-٤) دروس في نظرية ذاتية القيمة

إذا كانت نظرية قيمة العمل والنظرية ذاتية القيمة تُربِكان العقول النابغة أمثال آدم سميث وديفيد ريكاردو وغيرهما، تخيَّل مدى صعوبة أن يفهم رجال الأعمال الذين لا يقْضُون ولو جزءًا من الوقت في صياغة هذه الأنواع من النظريات، ويتعيَّن عليهم أن يتعاملوا مع صعوبة التسعير اليومية على أرض الواقع. لقد كانت نظرية ذاتية القيمة ثورةً في مِهنة الاقتصاد، وهي كما وصفها توماس سويل، «تذكير رصين بالوقت الذي يُمكن أن يَستغرقه حتى الأشخاص ذوو الذكاء العالي للتخلُّص من اعتقاد خاطئ يبدو ما به مُغالَطةً واضحة عند الالتفات إلى الماضي» (سويل، ٢٠٠٠: ٣٣٨). لكن تاريخ الأعمال هو تاريخ من التجلِّيَّات، وأحيانًا ينقشع الضباب ويُصبح الطريق الصحيح واضحًا. هذا بالتأكيد ما حدَث فيما يتعلَّق بتسعير بن كوهين وجيري جرينفيلد، مُؤسِّسَي شركة الآيس كريم «بن آند جيريز». في مقالٍ بعنوان «كعك، أم آيس كريم، أم … بيتزا؟» كُتِب في عام ١٩٩٧ (قبل أن يبيعا الشركة في ٣ أغسطس ٢٠٠٠، لشركة الأغذية البريطانية الهولندية «يونيليفر»)، يَشرحان فيه ما يُسمِّيانه «تجلِّي التسعيرة الشهير»:

كُنَّا نبذُل قصارى جهدنا لأول سنتَين أو ثلاث سنوات، وفي كل عام، نصل إلى نقطة التعادُل بلا رِبح ولا خسارة. في السنة الأولى كُنَّا نشعُر بسعادةٍ غامِرة لتحقيق ذلك. فقد غطينا النَّفقات العامة، ويمكِنُنا رؤية الضوء في نهاية النفق.

ثُمَّ جاء العام التالي وكان كسابقه بلا رِبح أو خسارة، على الرغم من نموِّ مبيعاتنا بمقدار ٥٠ ألف دولار. استمر الحال على هذا النحو لمدة ثلاث سنوات. في كل عام كُنَّا نصِل إلى نقطة التعادُل ونقول إننا بحاجة فقط إلى القيام بأعمال أكثر بقليل لتحقيق الربح. ثم نُضيف في العام التالي المزيد من الأعمال دون أن نُحقِّق أرباحًا. في أحد الأيام كُنَّا نتحدَّث إلى والد بن، الذي كان مُحاسبًا. قال: «بما أنَّكُم ستصنعون مُنتجات عالية الجودة بدلًا من مَلئها بالهواء، فلماذا لا ترفَعون أسعاركم؟»

في ذلك الوقت كُنَّا نبيع مخروط الآيس كريم باثنين وخمسين سنتًا. كان ذلك في نهاية الستينيات، وكان السبب في دخولنا إلى عالم الأعمال هو أنَّ مُنتَجَنا سيكون شعبيًّا «آيس كريم للشعب». كانت منتجات ذات جودة عالية للجميع، ولم يكن تَعاملنا نُخبويًّا. لم نكن مُجرَّد بائعين للناس. كنَّا نحن الشعب! والآيس كريم من أجل الشعب!

قال بن: «لكن يا أبي، السَّبَبُ في أنَّنا لا نجني المال هو أنَّنا لا نقوم بالمهمَّة على نحوٍ صحيح. مصاريفنا تتجاوز الحدود. ونُهدِر الآيس كريم. وتكاليف العمالة لدينا مُرتفعة للغاية، نحن لا نُبلي بلاءً حسنًا فيما يتعلق بجدولة مُوظَّفينا. ولا نُدير أعمالنا بكفاءة. لماذا يجب على العميل دفع ثمن أخطائنا؟ هذا هو السبب في أنَّ كلَّ شيء يتكلَّف ضعف ما ينبغي أن يتكلَّف.»

قال السيد كوهين: «يجب أن تفهموا أنَّ هذه هي طبيعة الإنسان. هذا يحدث معكم ومع غيركم. لا يُمكنكم أن تدفعوا ثمن القيام بكلِّ شيءٍ على نحو صحيح تمامًا. ارفعوا أسعاركم.»

في النهاية، قُلنا إمَّا أن نرفع أسعارنا أو ننسحب من السوق. لكن أين سيذهب آيس كريم الشعب؟ سيكون على الشعب الحصول عليه من شخص آخر. لذا رفعنا الأسعار. وبَقينا في السوق. (مقتبس في كراس، ١٩٩٩: ٤٦٢-٤٦٣)

كانت تلك نصيحة مُمتازة من مُحاسب! عالِج نفسك، كما يقول الأطباء. ومع ذلك، دعنا لا نخلِط بين السبب والنتيجة. إنك لن تربَحَ ببساطة لمجرَّد أنك ترفع أسعارك. يُمكنك رفع أسعارك فقط إذا كنتَ تُقدِّم عرضَ قيمة يتجاوز قيمة النقود التي يدفعها العملاء، وكان من الواضح أنَّ آيس كريم «بن آند جيري» يُحقِّق ذلك الهدف (هوامش الربح من بيع الآيس كريم الراقي سيجعل من يكسبون أموالًا بطرق ملتوية يَخجلون من أنفسهم). كما أشار والد بن إلى نقطةٍ رائعة أيضًا حين قال إنك لا تستطيع أن تُسعِّر بكفاءة ١٠٠ بالمائة. وهذا يؤكد من جديد صحَّة وجهة نظر بيتر دراكر القائلة إن الهدف من وجود نشاط تجاري، أولًا وقبل كلِّ شيء، خلق ثروة لعُملائه، وليس العمل بكفاءة. لقد أفلَسَت العديد من الشركات الناجحة لأنها لم تخلق ثروة لعملائها (سنستكشف الفرق الأساسي بين الكفاءة والفعالية لدى شركات المستقبل في الفصل العاشر).

درس آخر في نظرية ذاتية القيمة تعلمَّه أكيو موريتا، مُؤسِّس شركة «سوني» (مُشتقَّة من الكلمة اللاتينية sonus، بمعنى «الصوت»، ودمجها مع الكلمة الإنجليزية sonny، بمعنى صبي). في هذا المقال المكتوب في عام ١٩٧٤، «الارتقاء في التسويق من خلال الوصول إلى الأساسيَّات»، يربط هذا الدرس بجهاز التسجيل الذي قدَّمَتْه «سوني» لملايين الأشخاص حول العالم:

في إحدى العطلات الأسبوعية أخذتُ نزهةً في الحي، وتوقفتُ أمام متجر لبيع التُّحف. ليس لديَّ اهتمام بالتُّحف، لكنَّني نظرتُ إلى السلع المُختلفة المعروضة في نافِذة العرض. دخلتُ إلى المتجر حيث رأيتُ عميلًا يسأل البائع أسئلةً مُختلفة، ثُمَّ دفع العميل ثمنًا باهظًا للغاية من أجل شراء تُحفةٍ قديمة لم تكن جذَّابة بالنسبة إليَّ على الإطلاق، وحمَلَها وذهبَ في سعادة. اعتقدتُ أنَّ جهاز التسجيل الخاص بنا كان أكثر قيمة، لكنَّهُ دفع ثمنًا أعلى لتُحفة عتيقة.

لقد فوجئتُ بهذا السلوك (كما فُوجئ الاقتصادِيُّون في القرن الثامن عشر). وهنا تعلَّمتُ مبدأً أساسيًّا في البيع. هذا المبدأ هو أنه لا يمكن إبرام أي صفقةٍ ما لم يُقدِّر المُشتري قيمة السلعة. فلم أكن لأدفع مثل هذا السعر لشراء سلعةٍ عتيقة؛ لأَّني لستُ مُهتمًّا بمثل هذه الأشياء. لكنَّ الشخص الآخر، الذي يفهم قيمة التُّحف، كان على استعدادٍ لدفع الثمن.

كان جهاز التسجيل إنجازًا تقنيًّا هائلًا في نظر أولئك الذين ناضلوا من أجل ابتكاره. بالنسبة لنا كان له قيمة عالية جدًّا، واعتقَدْنا أنَّ السعر الذي وَضَعْناه عليه كان أقلَّ من قيمته الحقيقية. لكن عامَّة الناس نظروا إليه باعتباره لعبةً مُثيرةً للاهتمام فقط. وهذا يعني أنه ما لم يفهم العميل أنَّ جهاز التسجيل كان جهازًا قيِّمًا ذا مجموعة كبيرة من الاستخدامات، فإنه لن يدفع فيه مالًا. كان المبدأ بهذه البساطة، لكنَّنا أدرَكْنا أنَّنا كُنَّا جاهلين حتى بهذا المبدأ الأساسي. لذلك شرَعْنا في مهمَّة تعريف الناس بمدى فائدة جهاز التسجيل في الحياة العملية.

علَّمَتْنا هذه التجربة درسًا أساسيًّا في تسويق مُنتجنا، والذي قاد سياستنا منذ ذلك الحين. يجب أن يكون لدى شركة مثل شركتنا، التي تعمل باستمرارٍ على ابتكار مُنتجات جديدة، القُدرة على تثقيف العملاء المُحتَمَلين. خلافًا لذلك، لن تُنشَأ أسواق جديدة للمُنتجات الجديدة … نحن نُدرك أن التسويق يعني زيادة عدد الأشخاص الذين يمكنهم تعريف العملاء بفائدة وقيمة مُنتجاتنا الجديدة بالطريقة نفسها التي نُقيِّمها بها. (المرجع السابق: ٣١٦–٣١٩)

(١-٥) المِهنيُّون يخضعون لقوانين الاقتصاد

تعلَّم المهنيُّون خلال العقود الثلاثة الماضية فقط، أنهم يخضعون للقوانين الاقتصادية نفسها في السوق مِثل أي رجل أعمال آخر. ومن المُثير للاهتمام ملاحظة أنَّ كلمة «مِهني» لا تظهر حتى في القواميس الأمريكية قبل عام ١٨٦١. في عام ١٩٢٥، كشفَ أول استطلاع للرأي العام حول الوضع المِهني أنَّ الأطباء قد تقدَّموا على المُحامين والوزراء، رغم أنهم ليسوا أساتذة جامعات، فيما يتَّصِل بالمكانة العامة. فأن أكون مِهنيًّا يعني أن أُمارس شيئًا، وهي تأتي في الإنجليزية من كلمة «أستاذ»؛ وعندما سعى المهنيون إلى أن يُطلِقوا على وظائفهم «مِهَنًا»، حاولوا رفع منزلتهم لتسمو فوق السوق «ذي الطابع التجاري البحت». وتجلَّت هذه المنزلة في قرار المحكمة العليا لولاية واشنطن الصادر عام ١٩٣٣، الذي يُؤيد إعفاء «المِهَن» من ضريبة الإنتاج على «الأنشطة التجارية» على أساس أن:

المِهنة ليست عملًا تجاريًّا. وليس بها أي سِمة من سمات التجارة. صحيح أن المِهَني يسعى إلى العيش بما يكسِبه، لكن غرَضَه الرئيس ورغبَتَه الرئيسة أن يكون في خدمة أولئك الذين يطلبون مُساعدته وفي خدمة المجتمع الذي هو جزء حيوي منه. (مُقتبَس في كيمبول، ١٩٩٥: ٣١٥-٣١٦)

لقد عفا الزمن على هذا التفكير اليوم بالفعل، وبات الأمر أكثر من مُجرَّد مسألة دلالات لفظية؛ إذ إن جميع الشركات تخدم مُجتمعاتها. فكل شركة طيران أو فندق أو محل بقالة أو وكالة تأجير سيارات، توفر خدمةً ضرورية ومُفيدة وقيِّمة مثل أي خدمة مِهَنية. فالشركات تستند إلى تلبية احتياجات الآخرين. ومع ذلك، استغرق الأمر من المِهنيِّين عقودًا للتغلُّب على فكرة أنهم كانوا أفضل من التاجر المحلي في الشارع. كان رئيس المحكمة السابق وارين برجر ينتقِد بشدَّة إعلانات المُحامين، مُدَّعِيًا أن العديد من هذه الإعلانات تجعل بائعي السيارات المُستعملة يشعرون بالخجل. ومع ذلك، قضَت المحكمة العليا في الولايات المتحدة عام ١٩٧٦ في قضية «بيتس ضد نقابة المحامين بولاية أريزونا»، بأنه يُعدُّ انتهاكًا غير دستوري للتعديل الأول أنْ يُحظَر على المحامين الإعلان عن خدماتهم. لو كنتَ قرأتَ الإعلان موضوع هذه الدعوى، لوجَدْتَه عاديًّا وفقًا لمعايير اليوم. قبل صدور هذا القرار، حظرت مُدوَّنة السلوك المهني للمُحاسبين القانونيين المُعتمَدين من «المعهد الأمريكي للمُحاسِبين القانونيين المُعتمَدين» الإعلان صراحةً:

يُحظَر استخدام الدعاية للحصول على العملاء بموجب قواعد السلوك؛ لأنه يميل إلى التقليل من الاستقلالية المِهنيَّة تجاه العملاء، وهو أمر ضروري لتحقيق المصلحة العامة للجمهور … يُحظَر الإعلان، الذي يعد شكلًا من أشكال الاستجداء … فالمُمارسات الترويجية مثل الدعوات والإعلانات، تميل إلى الإشارة إلى وجود رغبةٍ مُسيطِرة في تحقيق الربح.

سيكون بمثابة صدمةٍ لمُعظَم المُحاسبين القانونيين أن يعلموا أنهم غير مُهتمِّين بالأرباح. بعد الحُكم التاريخي الصادر في قضية «بيتس»، قام المعهد الأمريكي للمُحاسِبين القانونيين المُعتمَدين بتعديل هذه القاعدة:

لا يجوز للعضو أن يسعى للحصول على عُملاء عن طريق الإعلانات أو غيرها من أشكال دعائية غير صحيحة أو مُضلِّلة أو خادعة.

بعد ذلك، في عام ١٩٩٤، حكمَتِ المحكمة العليا في الولايات المتحدة في قضية «إيبانيز ضد إدارة الأعمال والتنظيم المِهَني بولاية فلوريدا» بأن المُحاسِبين بإمكانهم إدراج جميع مُؤهلاتهم وشهاداتهم وانتساباتهم على أوراق شركاتهم ومكاتبهم في جميع دوائر الاختصاص القضائية. لم يجد مُعظَم الاقتصادِيِّين الذين درَسوا تأثيرات الإعلان على شركات الخدمات المِهنيَّة أي آثارٍ ضارَّة للإعلان، بل علموا أن مُعظم العملاء يُقدِّرون الإعلان كنوع من المعلومات. ومن المُثير للاهتمام أيضًا ملاحظة أنه عندما يكون هناك المزيد من الإعلانات، تكون الأسعار أقل، مِمَّا قد يُفسِّر إحجام المِهنيِّين عن البدء في الإعلان في المقام الأول. وكما قال جورج برنارد شو: «جميع المِهَن مُتآمِرة ضِدَّ مصلحة العوام من الناس.»

واليوم، سيكون مُستغربًا أن يُطالَب المِهنيُّون بعدم تسويق خدماتهم، خاصة مع التدفُّق الكبير لمُتخصِّصي التسويق لدى العديد من الشركات. بدأت حركة إدارة شركات المُحاسبة في ولاية ميسوري منذ أكثر من ٣٠ عامًا. وكان من حُسن حظي أن تحدَّثتُ مع تشارلي لارسون، أحد مُؤسِّسي حركة إدارة الممارسة المُحاسبية، والذي أخبرني في أول مؤتمر للحركة (والذي انعقد قبل صدور الحكم في قضية «بيتس») أن أصوات شهيق مسموعة كانت تصدر من الجمهور عند ذِكر قضايا التسويق. ومنذ ذلك الحين، أُجرِيَ استطلاع سَنويٌّ لحركة إدارة الممارسة المُحاسبية يَسأل الشركات المحاسبية عن المشكلات الرئيسة التي تُواجهها؛ وفيما يلي أهمُّ خمس قضايا من عام ١٩٩٩ حتى عام ٢٠٠١، من «نشرة المُحاسب القانوني/شركات المُحاسبة الصغيرة» التي نشرها «المعهد الأمريكي للمُحاسبين القانونيِّين المُعتمَدين» (يناير ٢٠٠٢، صفحة ج٢):

أهم خمس مشكلات تتعلَّق بإدارة الممارسة المُحاسَبية في عام ١٩٩٩

  • (١)

    إيجاد وتوظيف واستبقاء المُوظَّفين الجَيِّدين.

  • (٢)

    نمو التسويق/المجال.

  • (٣)

    مُواكبة التكنولوجيا.

  • (٤)

    تقديم خِدمة عالية الجودة.

  • (٥)

    التخطيط للتعاقُب الإداري/مالِكو المستقبل وتقاعد الشركاء.

أهم خمس مُشكلات تتعلَّق بإدارة الممارسة المُحاسبية في عام ٢٠٠٠

  • (١)

    إيجاد وتوظيف واستبقاء الموظفين الجيِّدين.

  • (٢)

    مُواكبة التكنولوجيا.

  • (٣)

    ضغوط الأتعاب/تسعير الخدمة.

  • (٤)

    التخطيط للتعاقُب الإداري/تحديد وتطوير مالكي المستقبل/تقاعُد الشريك التمويلي.

  • (٥)

    نمو التسويق/المجال.

أهم خمس مشكلات تتعلَّق بإدارة الممارسة المُحاسبية في عام ٢٠٠١

  • (١)

    إيجاد وتوظيف واستبقاء المُوظَّفين الجيِّدين.

  • (٢)

    نمو التسويق/المجال.

  • (٣)

    التخطيط للتعاقب الإداري.

  • (٤)

    ضغوط الأتعاب/تسعير الخدمة.

  • (٥)

    التخطيط للتعاقب الإداري/مالكو المستقبل وتقاعد الشركاء.

المُشكلات الأخرى التي ظهرَتْ من استطلاع إدارة الممارسة المُحاسبية (والتي جرى تحليلها أيضًا حسب حجم الشركة)، والتي لم يرِدْ ذِكرها في السابق هي:
  • التكيُّف مع المَوسِميَّة/ضغط العمل.

  • الموازنة بين الحياة الشخصية/المهنية.

  • تحديد وتلبية احتياجات العملاء.

  • الاستفادة من الفُرَص الاستشارية.

  • مُوازنة احتياجات الشركة مع احتياجات الموظفين.

  • جذْب الطُّلَّاب إلى المهنة.

  • إعداد الفواتير والتحصيل.

مُعظم هذه المشكلات تسويقية، وتُظهِر بوضوحٍ أن شركات الخدمات المهنية تخضع للقوانين نفسها مِثل كل الشركات الأخرى. وقد سُمِعَت أصداء الدعوة المُدوِّية، وبدأت الشركات تُولي اهتمامًا أكبر بالعناصر الأربعة الأساسية للتسويق: المُنتَج، والترويج، والمكان، والسعر.

(١-٦) العناصر الأربعة الأساسية للتسويق

درَّس توماس ناجل وريد هولدن في مُقرَّرهما التعليمي الذي بعنوان «التسعير: الاستراتيجية والتكتيكات»، وذلك في كُليَّة الدراسات العُليا في إدارة الأعمال بجامعة شيكاجو، العناصر الأربعة الأساسية للتسويق باستخدام مثال المزرعة، والذي يعد تشبيهًا قويًّا؛ لأنه يتعامل مع العناصر الأربعة الأساسية للتسويق كمنظومة مُترابطة يجب أن تعمل مُكوِّناتها معًا لتحقيق أقصى نتيجة. خُذ المُنتَج مثالًا؛ بالنسبة إلى الشركات المهنية، يُمثِّل المنتج الجانب الفني الذي يُقدَّم للعميل، سواء كان الإقرارات الضريبية، أو تدقيق الحسابات، أو الدعاوى القضائية، أو الوصايا، أو الإفلاس، أو الأنشطة العقارية، أو الاستشارات، وما إلى ذلك. كلَّما بدأت حِصَّة المحفظة في الحلول مَحلَّ الحصَّة السوقية، ومع نمو الشركات، تكتسب الخدمات الجديدة أهميةً إضافية لتحقيق النمو. يشمل المُنتَج أيضًا الخدمة والخبرة والجوانب التحويلية لِمَا يتلقَّاه العميل أيضًا. في مثال المزرعة، يكون المُنتَج هو البذور والمحصول وعملية الزراعة.

كذلك أصبح الترويج أكثر أهمية لدى الشركات المِهنيَّة، لا سيما في أعقاب حُكم قضية «بيتس». فقبل صدور هذا القرار، لم تكن مُعظم الشركات تُنفِق أيَّ شيء تقريبًا على الإعلان والتسويق والترويج. واليوم، من الشائع للشركات المهنية أن تُنفِق ما بين ٢ و٨ بالمائة من إجمالي الإيرادات على هذه البنود، بل حتى من الشائع أن يكون لدَيها إدارات تسويق داخلية — عادة ما لا تتألف من محاسبين قانونيين أو محامين — تساعد في بيع خدمات الشركة. كان هذا نادرًا نسبيًّا قبل ٢٠ عامًا، وقد نشأ استجابةً لسوق الخدمات المِهنيَّة النامي. وقد أصبح الترويج أكثر تطوُّرًا بكثير لدى الشركات المهنية، خاصَّة مع ظهور الشركات التي تملكها «أمريكان إكسبريس» و«أتش آند أر بلوك» كمُؤسَّسات بارزة في مجال التسويق. وفي المنظومة الزراعية، يُعدُّ الترويج بمثابة تسميد التُّربة وسَقي المحصول.

ليس المكان مُجرَّد عنوان لشركتك، إنما هو نوع العميل الذي تستهدِفه الشركة، أي نشاطك السُّوقي. لقد بدأت المِهَن في التخصُّص في أربعينيات القرن العشرين، حيث قاد الأطباء المَسيرة، أعقبهم المُحامون في الخمسينيات. وأخيرًا، بدأت شركات المُحاسبة بالتحرُّك في الثمانينيات؛ إذ لا يُمكن لأي شركة أن تكون كلَّ شيء، وأصبح التخصُّص أكثر أهمية من أجل تقسيم العُملاء المُتعدِّدين بغرَض تخصيص عرْض القيمة بما يتناسَبُ مع احتياجاتهم. ويُرمز للمكان في تشبيه المزرعة بالأرض التي تَزرَع فيها محصولَك وتُنمِّيه.

وأخيرًا وليس آخرًا، السعر، الذي ربما يكون العنصر الأكثر تعقيدًا من العناصر الأربعة الأساسية للتسويق. ونظرًا لأنَّ القيمة ذاتية ومُحدَّدة من قِبل العميل، فإن تسعير الخدمات فنٌّ وليس عِلمًا بأيِّ حالٍ من الأحوال. في شركات الخدمات المِهنيَّة على مدى الجيلين الماضيَين، كان يُنظَر إلى السعر باعتباره مُشكلة إدارية أو تنظيمية، أي باعتباره مهمَّة روتينية يُعهَد بها إلى برنامج الوقت وإعداد الفواتير بدلًا من النظر إليه باعتباره ذا أهمية كبيرة في المزيج التسويقي. في مثال المزرعة، يكون السِّعر هو الحصاد، عندما تجني ثمار ما زرعته. إنه الفُرصة الوحيدة التي لديك لاقتِناص قيمة ما تصنعه أو تُقدِّمه. ستُولِّد العناصر الثلاثة الأخرى تكاليف داخلية — على الرغم من أنها تخلق أيضًا قيمةً فِعلية ومحسوسة — ولكن السعر وحده هو الذي سيجني القيمة التي تُقدِّمها للعميل. وقد استثمَرَتْ قطاعات أخرى — تشمل شركات الطيران والفنادق وشركات تأجير السيارات ومتاجر التجزئة وحتى المصانع والفِرَق الرياضية — موارد هائلة ورأس مالها الفِكري في ابتكار نماذج لإدارة الإيرادات ومُحاكاة تسعير ديناميكية. على سبيل المثال، يمكن لنظام تسعير تلقائي جديد في شركة «ناشيونال كار رينتال سيستمز» في بلومينجتون، بولاية مينيسوتا، إجراء ما يصِل إلى ٤٠ ألف تغيير في السعر في اليوم الواحد، ويُنسَب إليه الفضل في إضافة أرباح بقيمة ٥٦ مليون دولار في السنة الأولى من دخوله الخدمة.

أقدمت شركة «يونايتد إيرلاينز»، التي حقَّقت أكثر من ١٠ ملايين تغيير في الأسعار في عام ١٩٩٩ وحده، على تركيب نظام جديد لإدارة المخزون كلَّفها ٢٠ مليون دولار يُسمى «أوريون». ويُنسَب لهذا النظام الفضل في إضافة أرباح بقيمة ١٠٠ مليون دولار سنويًّا وفقًا لإدارة الشركة. وقد تعرَّض هذا النوع من التسعير لانتقادات حادَّة في الآونة الأخيرة، بتهمة أنه لا يفعل شيئًا لبناء ولاء العملاء، ومُتقلِّب، ومن الصعب على أعضاء الفريق أن يشرَحوا سبب التغيير في السعر للعملاء الغاضبين الذين عُرِضت عليهم أسعارٌ مُختلفة، حتى في نفس اليوم أو الساعة. يشرح فريدريك ريكهيلد، الذي قدَّم عملًا جوهريًّا في مجال اقتصاديات ولاء العملاء، في كتابه: «قواعد الولاء! كيف يبني قادة اليوم علاقات دائمة»، لماذا يعتقِد أنَّ هذا النوع من التسعير لا يَبني الولاء:

إن هذه التَّلاعبات بالأسعار لا تُفيد كثيرًا في بناء الثقة لدى العملاء أو تحسين وسائل الراحة. ولعل من شركات الطيران القليلة التي تجنَّبَت هذا النهج هي شركة «ساوث وست إيرلاينز»، التي خَلُصَت إلى أن أنظمة إدارة العائدات غير مُنصِفة ومُعقَّدة ومُكلِّفة إداريًّا. لذا لدى «ساوث وست» سعرٌ واحدٌ للشراء المُسبَق وأُجرة واحدة للشراء غير المُقيَّد. بذلك يَعرِفُ العملاء أنهم يحصلون على صفقة مُنصِفة. ربما يعتقِد المُحاسبون المُنافِسون أنَّ «ساوث وست» تتخلى الكثير من الأرباح المُتوقَّعة بهذه الاستراتيجية التسعيرية التي تفضِّل الإنصاف والبساطة على استخلاص أقصى قيمة من كلِّ عميل، لكنهم لا يستطيعون إنكار أنَّ «ساوث وست» هي شركة الطيران الرئيسة الوحيدة التي تربَح باستمرار. (ريكهيلد، ٢٠٠١: ١٤٤)

إنَّني أُكنُّ إعجابًا شديدًا للسيد ريكهيلد، لكن في هذا الموضوع أختلف معه بكلِّ احترام؛ فقد كانت شركة «ساوث وست إيرلاينز» أحد الروَّاد في هيكل التسعير (وقت الذروة/خارج وقت الذروة). علاوة على ذلك، تنتهج الشركة بالفعل إدارة العوائد والتمييز في الأسعار. فبعد أن بحثتُ عن رحلة جوية من أوكلاند بولاية كاليفورنيا، إلى بربانك بالولاية نفسها، قبل الموعد بشهر، عثرتُ على ستِّ تذاكر طيران مُختلفة على موقع «ساوث ويست» على الإنترنت، يتراوَح ثمنُها بين ٢٩ و٩٥ دولارًا ذهابًا فقط، وجميعها تحتوي على قواعد وقيود مُختلفة. لو كنتُ قد حجزتُ الرحلة نفسها لليوم التالي، لكان سِعرُها ٩٥ دولارًا ذهابًا فقط. وهذا تفاوُتٌ كبير في الأسعار، على الرغم من أنَّ ثَمن التذكرة بشكل عام مُنخفِض نسبيًّا، ولا يكاد يَرِدُ لسِعرَي التَّذكرتَين ذِكرٌ عند ريكهيلد. إن صناعة الطيران هي نشاط ذو هوامش ربح محدودة، وتَعرِف «ساوث وست» أنَّ عددًا محدودًا من المسافرين فقط في الرحلة الواحدة هم الذين يُحقِّقون لها أرباحًا. لماذا لا تنخرِط في إدارة العائدات؟ فهذه التذاكر المُختلفة ليست بالقيمة نفسها لكل راكب. إذا لم يكن لديك رفاهية القُدرة على التخطيط لرحلتك قبل شهر واحد، فسيكون من دواعي سرورك أن يكون لدى «ساوث وست» القُدرة الاحتياطية لاستيعابك في اللحظة الأخيرة. إنها ليست نفس تذكرة الشخص الذي حجَزَ مقعدًا على الرحلة نفسها منذ أكثر من شهر.

يخلِط ريكهيلد بين البساطة والتماثل، ولكن لا يُوجَد مقعدان مُتشابهان لدى شركة الطيران الواحدة؛ فالأمر كله يعتمِد على وقت شراء تذكرتك، سواء أكُنتَ تُضمِّن توقُّف يوم السبت المُؤقَّت، أو الغرض من رحلتك إلى وجهتك المنشودة (العمل أو الترفيه)، والقواعد الأخرى المعمول بها من أجل تقدير القيمة التي يُعلِّقها كلُّ مُسافر على الرحلة. إن التمسُّك بسياسة تسعير «ساوث وست» كنموذج للمحاكاة لأنه بسيط هو بمنزلة استنتاج لا يتفق مع المقدمات. جرِّب السفر دوليًّا على متن طائرة «ساوث وست»، أو حتى عبر الولايات المتحدة، وهي مهمَّة شاقَّة، ما لم تكن تُمانِع في التوقُّف عدَّة مرَّات. إن لدى «ساوث وست» العديد من الدُّروس لتُقدِّمها، مثل كيفية تقديم خدمة مُمتازة وكيفية إدارة توقُّعات العملاء، ولكن استراتيجيات التسعير الخاصَّة بها لا تختلف كثيرًا عن شركات الطيران الأخرى، وتؤكد قيمة إدارة العائدات في زيادة الأرباح.

تأمَّل أنظمة تسعير إدارة العائدات وبرامج ولاء العملاء التي وضعَتْها شركات الطيران، وسرعان ما ستُدرك أنَّ هذه الأدوات هي استخدامات مدروسة للغاية للعناصر الأربعة الأساسية للتسويق. فالتسويق إذن هو «التواصُل» (أو ربما أفضل من ذلك «التحاوُر») مع عملائك والعملاء المُحتمَلين. إن عمليات توفيق موارد شركتك مع تطلُّعات عملائها، وتحديد الأسعار حسب الغرض — ومن أجل تحقيق الأرباح — هي استراتيجيات في غاية الأهمية لبيان عرْض قيمة شركتك في السوق. إنها طريقة من طرق التغريد خارج سِرب المُنافَسة، وتجنُّب الوقوع في «فخ السِّلع». كم تشبَّث عدد هائل من الشركات المهنية بالاعتقاد التقليدي بأنها ليست سوى سلَع! لكن كما سنرى، هذا الاعتقاد أبعدُ ما يكون عن الواقع الفعلي!

(٢) هل المِهنيُّون مُجرَّد سِلَع؟

رون: خلال أيام حظْر بيع الخمور، أُلقِيَ القبضُ على ٢٥ من كبار مُروِّجي الخمور في شيكاجو في غارة مُفاجِئة. وعند استدعائهم إلى المحكمة، سألهم القاضي الأسئلة المُعتادة، وفي ذلك الوظيفة التي يشغلها كلُّ مُشتَبَهٍ به. وقد ادَّعى أول ٢٤ شخصًا أنهم مارسوا النشاط المهني نفسه، كمُحاسِب. ثُمَّ سأل القاضي آخِر مُحتجَز: «ومن أنت؟» فأجاب قائلًا: «سعادة القاضِي، أنا مُروِّج للخمور.» ضحك القاضي من المُفاجأة وسأله: «كيف حال العمل؟» قال: «كان سيُصبِح أفضل بكثير، لو لم يكن هناك الكثير مِن المُحاسِبين.»
كتَبَ جيه كيه تشيسترتون ذات مرة: «المُنافَسة هي سرقة مستعرة للأفكار.» ولكن حقيقة الأمر أنه لا يُوجَد شيءٌ اسمه سِلعة. أي شيء يُمكن أن يكون فارقًا، وهذه بالضبط وظيفة المُسوِّق. إن الاعتقاد بأنَّ شركتك — والخدمات التي تُقدِّمها — سلعة هي نُبوءة ذاتية التحقُّق. فإذا كُنتَ تعتقد أنك سِلعة، فسيعتقِدُ عملاؤك ذلك أيضًا. كيف لهم أن يؤمنوا بخلاف ذلك؟ أيضًا، كيف يُمكن للعلاقة الشخصية بين المهني والعميل أن تكون مُجرَّد سلعة. تأمَّل هذه القصة من «ندوة توم بيترز: الأوقات المجنونة تتطلَّب مؤسسات مجنونة»:

التحوُّل. كسر القالب. أي شيء مهما كان يمكن جعله مُميزًا. يقول المؤلف هارفي ماكاي عن ركوب السيارة الأجرة من مانهاتن إلى مطار لاجوارديا: «أوَّلًا، قدَّم لي ذلك السائق ورقةً كُتِب فيها: «مرحبًا، اسمي والتر. أنا سائقك سأوصِّلك إلى هناك بأمانٍ وفي الوقت المناسب وبلُطف.» لقد كان هذا بَيان أهداف من سائق سيارة أجرة! ثُم يُمسك صحيفتي «نيويورك تايمز» و«يو أس أيه توداي» ويسأل هل أُحبُّهما؟ لذلك أخذتُهما. لم نكن حتى تحرَّكْنا بعد. ثُمَّ يعرِض سَلَّة فاكهة صغيرة لطيفة بها أطعمة خفيفة. بعد ذلك يسألني: «هل تُفضِّل موسيقى الرُّوك أم الموسيقى الكلاسيكية؟» فلدَيه أربع محطَّات إذاعية» [هذا السائق يجني مبلغًا أعلى من المُعدَّل المُتوسِّط سنويًّا في صورة بقشيش]. (بيترز، ١٩٩٤: ٢٣٥-٢٣٦)

إذا استطاع سائق سيارة أجرة إقامة علاقة مع شخصٍ غريب تمامًا في رحلة مُدَّتها ١٥ دقيقة إلى المطار، فما الذي يمكن عمله في علاقة مِهنيَّة تدوم مدى الحياة؟ لاحظ كيف ميَّز سائق سيارة الأجرة نفسه بأشياء مُنخفضة التكلفة (جريدة، حلوى، وما إلى ذلك). ليس ما يهم هو التكلفة، بل القيمة التي يراها العميل؛ وفي هذا الموقف، تصنع لمسات الاهتمام الصغيرة كلَّ الفرْق. إذا كان سائق السيارة الأجرة بإمكانه أن يكون واسِع الخيال ومُبدِعًا، فما عُذْر المِهَني؟ شرَح بيترز هذا الموضوع في كتابه الأخير «دورة الإبداع: لا يمكنك اختصار طريقك إلى العَظَمَة»:

لكنَّ شفَقَتي وتَعاطُفي يَنفدان (تمامًا) فيما يتعلق بالخدمات المِهنيَّة … من أي نوع أو في أي مجال، وللأسف الشديد! أخبرَني المُحاسبون الستة الكبار أن التَّدقيق المُحاسَبي صار «سلعة». وقد علمتُ من مُتخصِّصي الخدمات الهندسية أن نشاطهم التجاري يُحدِّده عامل واحد هو السعر. لقد كان المُدرِّبون يَنتحِبون قائلين إنَّ «تدريب القيادات» الآن صار سلعة.

هذا الأمر يُصيبُني بالغَثَيان. انظر … إن تقديم خدمةٍ مهنية، ليس سوى تقديم لنفسك بأي حالٍ من الأحوال! هل الشخص الذي تراهُ عند النظر في المرآة في الساعة ٦ صباحًا «سلعة»؟ لا! إنه توم بيترز. إنها ماري جونز. إنه جيف سميث. إنها جين دو. إنه شخصٌ ما. فرد. له شخصية. ومهارات فريدة من نَوعها. إن بيع الخدمات المهنيَّة هو بَيع جين دو، وتوم بيترز، وهكذا.

إذا أصبحَت الخدمات المهنية «سلعة»، فهذا يعني أنَّنا؛ أنت وأنا قد أصبحنا سلعة. أقولها مرةً أخرى: عند تقديمك خدمة مهنية، فإنك لا تُقدِّم الخدمة وإنما تُقدِّم نفسك. هذا بيت القصيد. (بيترز، ١٩٩٨: ٣٢٤)

وإمكانية التميُّز تنافُسيًّا مرهونة بقُدرتك على التخيُّل. والعديد من المحامين والمُحاسبين القانونيين يقولون في أسفٍ إنه ما دامت أنَّ مِهَنهم في ازدهار، فإن التحوُّل إلى تسليع الخدمات أمرٌ حتْمي، على الرغم من كلِّ الأدلة المُجرَّبة التي تُحيط بهم والتي تُدلِّل على خلاف ذلك. تأمَّل مجال صناعة الشموع، التي شهِدَت انخفاضًا فعليًّا خلال الثلاثمائة عام الماضية. ومع ذلك، تقوم شركة بليث للصناعات بصناعة شموعها على حسب رغبة العملاء لأماكن ورفقاء ومُناسبات مُحدَّدة، وقد حقَّقت مَبيعات نمَتْ من ٣ ملايين دولار عام ١٩٨٢ إلى ما يقرُب من ٥٠٠ مليون دولار عام ١٩٩٦، وبلغت قيمتُها السوقية ١٫٢ مليار دولار عام ١٩٩٧. وهي مُجرَّد شموع!

وحتى تجارة الخس المُتدهوِرة تحقَّق فيها التميز عن طريق الغسل المُسبَق له، وتقطيعه وتعبئته — مع بعض من صلصة السلطة على الجانب — لتوفير وقت العميل. ونتيجةً لذلك، شهدت الفترة من أواخِر ثمانينيات القرن العشرين وحتى أواخر تسعينيات القرن نفسه، استِحداث صناعة بقيمة ١٫٤ مليار دولار؛ حيث توصَّلت شركة «ليتوس جريت نورثرن هوليفز» المُتخصِّصة في تجارة الخس إلى ابتكار طريقة لشَقِّ (وليس تقطيع) الخس، ممَّا يمنح المطاعم أريحية في التعامُل مع النفايات ويوفر الوقت. وتفرِض شركة «هوليفز» أسعارًا مُمتازة مُقابل الخس. وهذا مُجرَّد خس!

هل سبق لك أن دفعتَ قيمة أكبر لأحد الوسطاء دون غيره في سبيل الحصول على أحد الأسهم التي يُعرَض سِعرها علنًا وتُتداوَل في بورصة نيويورك؟ ما الذي يُمكن أن يجعل أحد الأسهم متميزًا على غيره؟ قد يكون هذا أحد الأمثلة القليلة على السلعة الخالصة. للإجابة على هذا السؤال، زُر موقع www.oneshare.com؛ حيث يُمكنك شراء سهم واحد فقط في كل مرة، وهذه الأسهم تُقيَّم في المقام الأول كهدايا للأطفال والمُراهقين. وجاء ضِمن الأسهم العشرة الأكثر مَبيعًا، والتي يُمكنك ضَمُّها مقابل سعرٍ إضافي، الشركات التالية: «ديزني»، و«آبل كمبيوترز»، و«كوكاكولا»، و«هارلي دافيدسون»، و«مايكروسوفت»، و«وولمارت»، و«الاتحاد العالمي للمصارعة»، و«كرسبي كريم دونتس»، وغيرها. أنت تدفع سعر السوق للسهم (١٥ دولارًا كحد أدنى)، و٣٩ دولارًا على الرسوم، ونطاقًا يتراوَح بين ٣٤ دولارًا و٧٤ دولارًا اعتمادًا على اختيارك. وهو سهم واحد!
أطلقت شركة «بروكتر آند جامبل» موقع www.reflect.com؛ حيث يُمكن للنساء تعديل مُنتجاتِهنَّ الخاصة بالصحة والجمال التي يرغبن فيها حسب رغبتهن. في المُقابل، تفرض شركة «بروكتر آند جامبل» أسعارًا باهظة على غرار الصالونات الراقية.
ما مدى سُرعة نموِّ شركة «ستاربكس»؟ أجاب أحد الممثلين الكوميديين بطريقة ساخرة قائلًا: «لا أعرف على وجه اليقين، لكنني أعرف أنهم افتتحوا فرعًا جديدًا في غُرفة معيشتي.» افتُتحت «ستاربكس» في سياتل، واشنطن، في عام ١٩٧١، وسُمِّيت على اسم إحدى شخصيات رواية «موبي ديك» للمؤلف هيرمان ملفيل، وقد بلغت استثماراتها ما يزيد على ١٫٧ مليار دولار في العام. حصل هوارد شولتز، المُؤسِّس، على شهادة إدارة الأعمال في عام ١٩٧٥ وعمل لدى «زيروكس» حتى انضمَّ إلى «ستاربكس» عام ١٩٨٢ كمُوظَّف. وفي عام ١٩٨٧، اشترى سلسلة ستاربكس مُقابل ٣٫٨ مليون دولار وأشَهرها في عام ١٩٩٢. وها هو يشرح كيف حدثت هذه الظاهرة التي هي الآن «ستاربكس»:

نحن لم نُخطِّط أبدًا لإنشاء علامة تجارية. كان هدَفُنا هو بناء شركة رائعة، شركة لها مبادئ وقِيَم تُثبِت أصالة مُنتجِها وشغَف مُوظفينا. في أول الأمر، كُنَّا مشغولين للغاية بِبَيع القهوة، كوبًا كوبًا، وفتح المتاجر، وتعريف الناس بالقهوة المُحمَّصة الداكنة بحيث لم يشغل تفكيرنا كثيرًا «استراتيجية العلامة التجارية».

لقد بنَينا علامة «ستاربكس» التجارية مع مُوظفينا أولًا، وليس مع المُستهلِكين، وهو عكس النهج الذي تتَّبِعه شركات المُقرمشات ورقائق الذرة. ونظرًا لأنَّنا اعتقدنا أنَّ أفضل طريقة لتلبية وتجاوز توقُّعات العملاء هي توظيف وتدريب أناس رائعين، فقد استثمَرْنا في المُوظفين الذين كانوا شغوفين بالقهوة الجيدة.

إذا كنتَ تبحث عن الحِكمة في تسويق العلامة التجارية، فإنَّ مُعظَم ما ستجده يعتمِد على نموذج «بروكتر آند جامبل». وهذا يعني استهداف الأسواق الكبيرة مع التوزيع الواسع النطاق والإعلانات الجماهيرية، ومِن ثَمَّ التركيز على الاستحواذ على حِصَّة السُّوق من مُنافسيك. هذا هو النهج الأساسي للحياة بالنسبة للمُنتَجات التي بلغت مرحلة النُّضج في الأسواق الراسخة.

في «ستاربكس»، لدَينا نهجٌ مُختلف. نحن نُنشِئ شيئًا جديدًا. نحن نُوسِّع السوق ونُحدِّد معالمه. لم نُخطط لسرقة العملاء من «فولجرز» أو «ماكسويل هاوس» أو «هيلز براذرز». لم نَسْعَ لأوسع نطاق توزيع ممكن. بل خطَّطنا بدلًا من ذلك، لتعريف عملائنا برومانسية شُرب القهوة. لقد أردنا أن نُقدم لهم القهوة اللذيذة بالطريقة التي يُحضِّر بها مُضيفو النبيذ أنواع النبيذ الفاخِر. فكما يملك هؤلاء القدرة على مناقشة خصائص النبيذ المزروع في منطقة أو ضاحية مُعيَّنة من فرنسا، نريد أن يكون مُعِدُّو القهوة لدينا قادرين على أن يشرحوا بذكاءٍ نكهات قهوة كينيا وكوستاريكا وسولاوسي.

اليوم، هناك الكثير من الرطانة التسويقية حول إضافة قيمة إلى المُنتجات. لكن في «ستاربكس»، كانت القيمة موجودة منذ البداية، في القهوة نفسها. عندما يكون مُتوسِّط مبيعاتك ٣٫٥٠ دولار فقط، فعليك التأكُّد من عودة العملاء. وعملاؤنا يعودون بمعدل ثماني عشرة مرَّة في الشهر. (مُقتبَس في كراس، ١٩٩٩: ٣٠١–٣٠٤)

لقد حقَّقت «ستاربكس» نجاحًا عظيمًا، حتى إن مجلَّة «هارفارد بيزنس ريفيو» قد أطلقت عليه «ظاهرة ستاربكس»:

قبل عشر سنوات، كان ٣٪ فقط من جميع القهوة التي تُباع في الولايات المتحدة يُباع بسعرٍ متميز؛ أعلى بنسبة ٢٥ بالمائة على الأقل من قيمة الأنواع الأخرى. اليوم، يُباع ٤٠٪ من القهوة بأسعار مُمتازة. لقد وجَدْنا الكثير من الأدلَّة على ظاهرة «ستاربكس». عندما تزيد الشركات الفردية من «القيمة» المُتصوَّرة للمُنتَج من خلال الابتكارات في المنتج نفسه أو طريقة تقديمه، يُمكن للفئة بأكملها أن تَجني أعلى الأسعار والأرباح. (مقتبس في فيشواناث وهاردينج، ٢٠٠٠: ١٧)

إذا كان من المُمكن تمييز حبوب البن والمياه — فضلًا عن أمر السعر الممتاز — فما عُذر المهنيِّين؟ تنصُّ أساسيات الاقتصاد على أنه من الصعب جدًّا بيع شيءٍ ما يُقدِّمه شخص آخر مجَّانًا. تأمَّل المياه المُعبَّأة في زجاجات. يُغطِّي الماء ثلاثة أرباع سطح الأرض. هل يُمكن أن يكون هناك سلعة أكبر من الماء؟ لم تكن لتعتقِد ذلك حتى تقرأ هذه الحقائق من موقع www.bottledwaterweb.com، وهو بوابة تصنيعية:

الماء، الماء في كلِّ مكان

تجوَّلْ في مَمَرِّ البقالة في أي مدينة في الولايات المتحدة أو كندا أو أوروبا أو آسيا، وستجِد طوفانًا عارمًا من أنواع زجاجات المياه المعبَّأة. وتستمرُّ هذه الصناعة العالمية التي تبلُغ تكلفتها ٣٥ مليار دولار في النموِّ مع تزايد مخاوف جودة المياه، وزيادة الوعي الصحي واللياقة البدنية؛ فقد زادت مبيعات المياه المُعبَّأة في الولايات المتحدة بنسبة ٩٫٣ بالمائة في عام ٢٠٠٠ لتبلغ ٥٫٧ مليار دولار، وفقًا لشركة «بيفيريدج ماركتينج كوربوريشن»، وهي شركة أبحاث واستشارات مقرُّها نيويورك.

وصلَتْ مبيعات المياه المُعبَّأة في زجاجات بي أيه تي [البولي إيثيلين تيرفثالات] البلاستيكية العالية الجودة (تُنتَج عادة بأحجام صغيرة؛ لترين أو أقل) في عام ٢٠٠٠ إلى نحو ١٫٧ مليار جالون، ومن المتوقَّع أن ينمو القطاع بمُعدَّلٍ سنوي مُركَّب يبلغ نحو ١٥ بالمائة على مدى السنوات الخمس المُقبلة، وفقًا لشركة «بيفيريدج ماركتينج كوربوريشن». وفي عام ٢٠٠٠، نما حجم مبيعات العصائر بنسبة ١٫٤ بالمائة، والبيرة بنسبة ٠٫٨ بالمائة، والمشروبات الغازية بنسبة ٠٫٥ بالمائة، والمياه المُعبَّأة بنسبة ٩٫٩ بالمائة.

ربما هذا هو السبب في أنَّ مقلوب كلمة «إيفيان» بالإنجليزية تعني «بسيط» بالعربية. على أي حال، لا يُوجَد على الإطلاق أيُّ عُذر للمِهنيِّين للتفكير في أنفسهم كسِلَع. فكما أوضحت الأبحاث حول أسباب فقدان المِهنيِّين عُملاءهم (من الفصل الثامن)، لم يكن السعر ضمن القائمة. يمكن لأي شركة أن تُنافِس على السعر. إنها حقًّا لُعبة الحمقى. في المُقابل، تتطلَّب المنافسة القائمة على خدمة الجودة الشاملة، وتجارب العُملاء الإيجابية، والتحوُّلات مزيدًا من التفكير والإبداع والاستثمار. خلق ميزة تنافُسيَّة ليس بالمجَّان. إذا لم يكن لديك موهبة داخلية لابتكار استراتيجية تسويق مُتطوِّرة، فإنَّنا ننصَحُك بشرائها. فعلى المُستوَيَين الداخلي والخارجي، فإنَّ العمل مع العناصر الأربعة الأساسية الخاصَّة بالتسويق هو الطريقة الوحيدة لضمان عدَم وقوع شركتك في فخ الاعتقاد الذاتي بأنها سلعة.

ما لم تُقرِّر شركتك المُنافسة على أساس السعر — كما فعلت «أتش آند أر بلوك» و«جاكوبي» و«مايرز» و«وول مارت» و«ساوث وست إيرلاينز» — لا يمكنك إيجاد عميلٍ مُخلِص يعتمد فقط على كونك مُقدمًا لخدمة مُنخفِضة التكلفة. إذا كان سِعرُك المُنخفِض هو ما يجذبُ العُملاء، فسوف يتركونك بسهولة لشركة أُخرى تُقدِّم سعرًا أقل. وخفض سعرك لجذب العملاء يشجِّع العملاء على المُطالبة باستمرار بتنازُلات الأسعار في المستقبل؛ وبالتالي سيُمثِّل هذا دعمًا لعملائك الأسوأ على حساب أفضل العملاء. على أيِّ حال، فإن فكرة أنَّ العملاء يَسعَدُون بالسعر المُنخفِض لا ترتكز على الواقِع، كما يُشير روي أتش ويليامز بطريقة هزلية قائلًا:

إن قول العميل «دفعت سِعرًا عادلًا» ليست بعبارةٍ تصدُر من عميلٍ راضٍ، ولكن العديد من أصحاب الأعمال يعتقدون خطأً أنهم بحاجة فقط إلى إقناع الجمهور بأنهم سيُعامَلون «بالطريقة الملائمة والعادلة» ليظفروا بأعمالهم. إنَّ عبارات من قبيل «قيمة عادلة تستحقُّ كلَّ دولار تدفعه» و«أسعار مُنصِفة وعادلة» تُغريني بالقول (بلا أي سخرية): «يا للرَّوعة! أخبِروا الصحافة إذن!»

إذا كان أكثر ما يُمكن أن يقوله عميلك عندما يخرج من بابك: «لقد عُومِلتُ بطريقةٍ عادلة»، فعملُك هزيل على نحوٍ يُثير الشفَقَة وليس لديك أي شيء تقريبًا للإعلان عنه. لماذا؟ لأنَّ توقُّع «المُعاملة العادلة» هو افتراض أساسي في التعامُلات التجارية يعتبِرُه معظم الناس أمرًا مُسلَّمًا به. ما نأمُل حقًّا أن نجِده هو «عامل البهجة». (ويليامز، ١٩٩٨: ٨٨)

وكما تُوضِّح جميع هذه الأمثلة، فإن وظيفة التسويق في الشركة تكمن في تمييز نفسها عن المُنافسين وتطوير عرض القيمة الذي يرغب العملاء في دفعه مُقابل سِعرٍ إضافي. إذا وجدَتْ شركتك نفسها تُنافِس باستمرار على السعر، فإنها تسلك الطريق السَّهل؛ لأنَّ السِّعر هو دائمًا أسهل طريقة لتحقيق مكاسِب هامشيَّة للمَبيعات، وهو أيضًا العامل الظاهر الذي يقَع عليه اللَّوم في عدم وجود الخدمة الرائعة وتميُّز الشركة في المُنافسة. فالتخفيضات المُستمِرَّة وعمليات الشطب وخصومات الأسعار تُشير إلى استهداف شرائح العملاء الخاطئة، وليس تطوير عرْض قيمة قابل للتطبيق يفصلك عن المُنافسين، أو عدم الحصول على حصتك من النجاح في التفاوُض مع العملاء، أو تقديم خدمة أكبر من اللازم في صفقتك الأساسية. لا تجعل كفاءة شركتك الأساسية هي خفْض الأسعار. وبالإضافة إلى العناصر الأربعة الأساسية للتسويق، من الضروري تنفيذ عناصر القيمة الخمسة من أجل الحصول على القيمة الكاملة لخدماتك.

(٢-١) عناصر القيمة الخمسة

إن الوظيفة الرئيسة لاستراتيجية التسويق لشركتك ليست ببساطةٍ الحصول على إيرادات بأي سعر، بل الحصول على حصَّتك من العمل الأكثر رِبحيَّة. فلا يكفي أن تحدد السعر استنادًا إلى رغبة العميل وقُدرته على الدفع، بل عليك زيادة هذه الرغبة عبر النقل المُتواصِل لقيمة عُروضك إلى العُملاء. وقد ابتكَرَ كلٌّ من توماس ناجل وريد هولدن العناصر الخمسة للقيمة:
  • فَهْم ما يُحقِّق القيمة المُستدامة للعُملاء.

  • خلْق القيمة للعُملاء.

  • إيصال القيمة التي تصنَعُها للعُملاء.

  • إقناع العُملاء بأن عليهم دفع مُقابل القيمة التي يحصلون عليها.

  • الحصول على القيمة بضوابط وأسعار مُناسبة. (ناجل وهولدن، ٢٠٠٢: ١٦٤)

تشتمل كل خدمة تُقدِّمها لكل عميل على قيمةٍ كبيرة، ومهمة الشركة هي معرفة ماهِيَّتها. لماذا يُريد العميل منك تقديم الخدمة؟ ما الدافع لاستعانته بك؟ لا يُولي مُعظم المِهنيِّين اهتمامًا كافيًا للدوافع الفعلية للعميل، اعتقادًا منهم أنهم يعرفون بالفعل سبب قصده لهم في أداء الخدمة. ومع ذلك، توجد دائمًا دوافع أخرى غير مُجرَّد «يجب أن أحصل على إقراري الضريبي في الموعد المُحدَّد» أو «إنَّ مصرفي يُطالب بمُراجعة القوائم المالية». فلا يكفي التركيز على المُنتَج الفني، بل عليك أن تستقصي وتَسْبر أغوارًا أعمق لاكتشاف توقُّعات العميل ورغباته الحقيقية.

إن تحقيق قيمة للعميل لا يتمثل في مُجرَّد تقديم عملٍ فني عالي الجودة، بل يشمل أيضًا مستوى الخدمة الذي يلقاه العميل. ويمكن أن يشمل أيضًا التحوُّل الذي تقود العميل من خلاله، من الوضع الذي هو فيه إلى الوضع الذي يريد أن يصل إليه. إن تجميع خدماتك في «اتفاقية سِعر ثابت، وتقديم ضَمان لاسترداد الأموال بنسبة ١٠٠٪، وتوفير أنظمة دفْع، واستخدام أوامر التغيير» كلها طُرُق تُستخدَم لتعزيز قيمة العرْض الخاص بك. ونظرًا لأنَّ القيمة دائمًا ما تكون ذاتِيَّةً ويُحدِّدها في الأساس العميل وحدَه، وليس مِقدار ساعات العمل التي تقضيها في المهمَّة، أو نفقاتك العامَّة، أو أرباحك المرغوب فيها، فإنَّ عليك الاقتراب من العميل لفَهْم ما يُقدِّر قيمته.

حتى لو أبلَت الشركة بلاءً حسَنًا في خلْق قيمة للعملاء، فلا شكَّ أن ثمة حالات لا يفهم فيها العميل القيمة. وهذا يضَعُ العبء على الشركة في إيصال بالقيمة الكاملة لِما تُقدِّمه للعميل. اعلم أنَّ مُعظم العملاء لا يملكون حافزًا لجمع البيانات عن القيمة التي تُقدِّمها؛ نظرًا لأنهم يشترون على نحوٍ مُتقطِّع. أما شركتك، من ناحية أخرى، فتبيع بوتيرةٍ مُتكرِّرة؛ لذلك، يجب أن تجعل إيصال القيمة الفريدة لعملائك من ضِمن المؤهلات الأساسية لمُوظَّفيك. من المؤكد أن وظيفة التسويق هي الطريقة الرئيسة للتواصُل مع شرائح العملاء التي اخترْتَها. كما تُعتَبَر مُراجعات ما بعد إتمام الأعمال وتحليل التسعير بعد إنجاز المهمَّة من الأمور البالغة الأهمية أيضًا إذا كنت ترغب في صياغة طُرُق أكثر فاعلية لتوصيل القيمة. إذا لم تُدرِك الشركة قيمة ما تُقدِّمه، فكيف سيُدرِكها العميل؟

يُعدُّ إقناع العملاء بالدفع مُقابل القيمة جُزءًا لا يتجزَّأ من مَسئوليَّات أي مهني. وبطبيعة الحال، ستكون هذه المهمَّة أسهل بكثيرٍ مع العملاء المُناسِبين، وهذا هو السبب في أنَّ الأهمية البالغة للتأهيل المُسبَق. كما يتطلَّب الأمر مهارات التفاوُض التي يكرَهُ مُعظَم المهنيين حتى مُجرَّد التطرُّق إليها، بدءًا من مُوظَّفي مَبيعات السيارات وحتى المُنضوين تحت اسم المِهنيِّين. لكن حقيقة الأمر هي أنك ستتفاوَضُ بشأن السعر في وقتٍ ما مع عميلك، إما في بداية التعامُل أو في نهايته. إنه ببساطة أمرٌ لا يمكن تجنُّبه؛ نظرًا لأنَّ السعر يُمثِّل عاملًا رئيسًا يفي قرار أي عميلٍ بشأن الشراء من عدَمِه. يجِب أن تُواجِهَ هذه المشكلة بطريقة مباشرة، وأن تكون واثقًا من القيمة التي تُقدِّمها. معظم عملاء الشركة مُفاوِضون بارِعون؛ لأنَّ هذه بالضبط هي الطريقة التي مكَّنَتْهم من بناء أعمالهم.

يتفاوَض رواد الأعمال على كلِّ شيء، والعديد من رجال الأعمال يستمتِعون بهذه العملية. ولهذا السبب لا يكفي تحديد أسعارك استنادًا إلى مدى استعداد العميل للدفع. فهذا من شأنه أن يُحوِّل المُفاوضات إلى لعبة بوكر. لا ينبغي النظر إلى الاستعداد للدَّفع كقيد ضاغِط على نظام التسعير لديك، بل يجِب أن يُنظَر إليه كمُتغيِّر يحتاج إلى إدارته. هذا هو السَّبَب في أنَّ العديد من المِهنِيِّين يَستهلُّون مُناقشاتهم مع العملاء الجُدُد المُحتمَلين بقول أشياء من قبيل: «نحن لَسْنا أرخص شركة مُحاسبات قانونية في المدينة. وأردتُ أن أُعلمك مُقدَّمًا أنَّنا لا نتفاوَضُ على السعر، وإنما القيمة فقط.»

المهمة الأخيرة هي الحصول على القيمة التي تُقدِّمها باستخدام استراتيجية التسعير المناسبة. هذا هو الموضع الذي تُخفِق فيه طريقة إعداد الفواتير بحساب الساعات؛ حيث تتعامَل مع جميع الوظائف وجميع العملاء على حدٍّ سواء. لا تُوجَد آلية فعَّالة تسمح للأسعار بالارتفاع بما يتناسَبُ مع قيمة الخدمة، بل فقط مع وقت العمل المُتضمَّن في الإنتاج. إن استخدام اتفاقيات الأسعار الثابتة، وأوامر التغيير، واشتراط السعر بأثر رجعي (الذي يُعرف أيضًا بشرط ضمان التنفيذ) تقدِّم نطاقًا أوسع بكثيرٍ من خيارات التسعير الاستراتيجية التي يُمكن للشركة تنفيذها للحصول على القيمة.

(٣) اتفاقيات الأسعار الثابتة وأوامر التغيير

بول: لقد قلتُ بحماسٍ في العديد من المواضع الأخرى إنَّ كتاب رون «دليل المهني في التسعير القيمي» هو أفضل كتاب أُلِّف على الإطلاق فيما يتَّصِل بمهنة المُحاسَبة. إنه لا يزال يُقدِّم كلَّ يومٍ إسهامًا هائلًا. فقد أضاف رون مصطلح «اتفاقية السعر الثابت» إلى مُعجَم مِهنة المُحاسبة. وتبنَّت الآلاف من الشركات سياسات اتفاقية السعر الثابت كاستراتيجية تسعير أساسية، وكانت النتائج مُثيرة للإعجاب. في هذا القِسم نُركِّز على وجه التحديد على كيفية تنفيذ اتفاقية السعر الثابت وعملية أوامر التغيير وننظُر في اعتماد استراتيجيات تسعير مُفيدة أخرى.

(٣-١) اتفاقية السعر الثابت

لنبدأ بمراجعة نموذج اتفاقية سِعر ثابت لشركة مُحاسبات قانونية.

نموذج لاتفاقية سعر ثابت
١٩ نوفمبر ٢٠٠٣
عزيزي العميل

من أجل توثيق التَّفاهُم بَيننا فيما يتعلَّق بنطاق العمل الذي ستُؤدِّيه به شركة «س» للمُحاسَبة القانونية، فإنَّنا نُبرِم في هذه الاتفاقية للسعر الثابت مع شركة «ص». وتجنُّبًا لأي سُوء فهم، تُحدِّد هذه الاتفاقية الخدمات التي سنُقدِّمها لك وكذلك مُسئولياتك بموجَب هذه الاتفاقية.

الخدمات المِهنيَّة لعام ٢٠٠٤

ستؤدي شركة «س» الخدمات التالية لصالح شركة «ص» خلال عام ٢٠٠٤:
  • إقرارات المعلومات الضريبية W-2s (للموظفين)، و١٠٩٩ (للمقاولين المستقلين) لعام ٢٠٠٣، وتقارير ضريبة الرواتب وتقرير أجور العاملين للربع الرابع.
  • تقارير الرواتب في الربع الأول والثاني والثالث من عام ٢٠٠٤ وتقارير شركات العمال والعائد الضريبي السَّنوي على المَبيعات.

  • التعديلات المُحاسَبية في نهاية عام ٢٠٠٣ وإغلاق الدفاتر لعام ٢٠٠٣.

  • العوائد الضريبية لشركة «ص» لعام ٢٠٠٣.

  • التخطيط الضريبي لعام ٢٠٠٤.

  • مُراجعة القوائم المالية لعام ٢٠٠٣ (مع إعداد جداول العُملاء التي ستُملأ بواسطة شركة «س» بحلول ١٥ فبراير ٢٠٠٤).

  • إمكانية الوصول غير المحدود لعام ٢٠٠٤.

إجمالي قيمة الخدمات المِهنية لعام ٢٠٠٤ ─── دولار أمريكي
  • اجتماعات غير محدودة، لمُناقشة عمليات شركة «س»، وأوضاعها التجارية والضريبية، وأي موضوع آخَر وفقًا لِما تَراه شركة «س» أو موظفوها و/أو وكلاؤها. (الخدمات التالية هي المُدرَجة في المُكالمات الهاتفية غير المحدودة والاجتماعات، التي ستُقدِّمها الشركة «س» إلى الشركة «ص».)

  • دعم غير محدود عبر الهاتف لمُوظفي شركة «س» و/أو المقاولين والوكلاء المستقلين فيما يتعلق بالمساعدة المُحاسَبية وتحليل المعاملات وما شابه. (الخدمات التالية هي المُدرَجة في المُكالمات الهاتفية غير المحدودة والاجتماعات، التي ستُقدِّمها شركة «ص» إلى الشركة «س».)

نظرًا لأنَّ اتفاقية السعر الثابت الخاصَّة بنا تُوفِّر إمكانية الوصول المُستمِرِّ إلى المُحاسبة والضرائب والمشورة التجارية التي تحتاج إليها على أساس سعرٍ ثابت، لا تُمنَع من طلب المشورة في الوقت المناسب بسبب الخَوف من وجود عدَّاد يعمل بلا توقُّف. يعتمد برنامجنا على تسعيرةٍ مُوحَّدة للسعر، بدلًا من التسعير بالساعة، ويُتيح لك الوصول إلى الخبرة المُتراكِمة لدى الشركة من خلال مُحاسِبين قانونِيِّين ذوي خبرة كبيرة، والذين يُمكنهم أن يُساعدوك في تعزيز مستقبَل شركتك وتحقيق أهداف أعمالها.

وفي حين أنَّ السِّعر الثابت يمنح شركتك استشاراتٍ غير محدودة معنا، فإنَّ سؤالك أو مُشكلتك إذا كانا يتطلَّبان مزيدًا من البحث والتحليل بما يتجاوز الاستشارات، فسيخضع هذا العمل لمُفاوضات سعرٍ إضافية قبل تنفيذ الخدمة، وذلك باستخدام أمر التغيير.

الخدمات غير المُتوقَّعة

علاوة على ذلك، يتَّفِق الطَّرفان على أنه حال ظهور حاجة غير مُتوقَّعة (على سبيل المثال وليس الحصر، مُراجعة من قِبَل وكالة ضريبية، أو مُراجعة أو عملية تجميع للقوائم المالية مطلوبة كجزء من اتفاقية تمويل المُقرِض، أو أي خدمة خارجية غير مُتوقَّعة في هذه الاتفاقية من قبل الطرفين)، فإن شركة «ص» تُوافق على تنفيذ هذا العمل الإضافي بسعرٍ مُتَّفقٍ عليه. سيجري تسعير هذه الخدمة على نحوٍ مُنفصلٍ لشركة «س» باستخدام «أمر تغيير».

ضَمان الخدمة والسِّعر

عملنا مضمون بالدرجة التي تُحقِّق الرضا الكامل لدى العميل. إذا لم تكن راضيًا تمامًا [أو مسرورًا] من الخدمات التي تقدمها شركة «ص»، فإننا، وفقًا لاختيار شركة «س»، يتم استرداد السعر أو قبول جُزء من السِّعر المذكور بما يعكس مُستوى رضا شركة «س». وعند الدفع النهائي للشروط المنصوص عليها في هذه الاتفاقية للسعر الثابت، سنفترِض أنك راضٍ. وعلاوة على ذلك، إذا تلقَّيتَ فاتورة دون الحصول على إذن مسبق بالخدمة و/أو السعر، فأنت لستَ مُلزمًا بدفع مُقابل الحصول على هذه الخدمة.

شروط السداد

تُوافق شركتا «س» و«ص» على خطة السداد التالية:

٣١ يناير ٢٠٠٤
٢٨ فبراير ٢٠٠٤
٣١ مارس ٢٠٠٤
٣٠ أبريل ٢٠٠٤
٣١ مايو ٢٠٠٤
٣٠ يونيو ٢٠٠٤
٣١ يوليو ٢٠٠٤
٣١ أغسطس ٢٠٠٤
٣٠ سبتمبر ٢٠٠٤
٣١ أكتوبر ٢٠٠٤
٣٠ نوفمبر ٢٠٠٤
٣١ ديسمبر ٢٠٠٤
إجمالي مدفوعات ٢٠٠٤ ─── دولارًا

المُراجَعات

للتأكُّد من أنَّ اتفاقنا يظلُّ ملبِّيًا احتياجاتك، وكذلك مُنصفًا للطرَفَين، سوف نلتقي في لقاءاتٍ دورية [أسبوعية، شهرية، ربع سنوية … إلخ] خلال العام ٢٠٠٤، وإذا لزِم الأمر فسوف نُجري مُراجعةً أو تعديلًا لإطار الخدمات المُقدَّمة والأسعار التي ستُفرَض في ضوء الخبرة المُتبادَلة. [ملاحظة: هذه عبارة عن فقرة اختيارية وتُصبح سارية المفعول بالنسبة للعُملاء الجُدُد أو العملاء القُدامى الذين سينتقلون إلى اتفاقيات الأسعار الثابتة.]

فسخ التعاقُد

من ناحية أخرى، من المفهوم أنه يجوز لأيٍّ من الطرَفَين إنهاء هذه الاتفاقية في أي وقت، ولأي سبب، في غضون ١٠ أيام بعد إشعارٍ خَطِّي للطرف الآخر. ومن المفهوم أنَّ أي خدمات غير مُسدَّدة حتى تاريخ الفسخ يجِب سدادُها بالكامل في غضون ١٠ أيام من تاريخ الفسخ.

في حال مُوافقَتِك على أنَّ ما ذُكِر أعلاه يُشير على النحو المُناسِب إلى تفهم شركة «س» للمسئوليات المُتبادَلة، يُرجى اعتماد هذه الاتفاقية وإعادة إرسالها إلى مكتبنا. مُرفَق نُسخة للاطلاع عليها.

نودُّ أن ننتهز هذه الفُرصة للإعراب عن تقديرنا لمَنْحنا فرصة خدمتكم.

المُخلِصون لكم،

توقيع: ───

آلان سومنولينت، شريك، شركة «ص»، مُحاسبون قانونيون.

اتَّفَق عليها وقبلها: ─── بتاريخ: ───

العميل، رئيس شركة «س».

(مُقتبَس من بيكر بشيءٍ من التعديل، ٢٠٠١: ١٨٦–١٨٩)

(٣-٢) شرح اتفاقية السعر الثابت

رون: دَعُونا نتفحَّص كلَّ قسمٍ من اتفاقية السعر الثابت ونشرح لماذا جرى تصميمها على النحو التي هي عليه.

•••

الخدمات الاحترافية. إن الغرَض من اتفاقية السعر الثابت هو الاستفادة من اقتصاديات الحِزَم. فهي تُلبِّي احتياجات العميل بسهولةٍ فيما يتَّصِل بالامتثال الضريبي والقوائم المالية وما إلى ذلك. كما أنك تُريد الحصول على حاجة واحدةٍ على الأقل — مثل الخدمة الاستشارية أو خطة التَّرِكة — في الحزمة أيضًا. وهذا مُهمٌّ جدًّا بالنسبة للعملاء المُخضرَمين الذين ينتقلون من الحساب المُعتمِد على عدد الساعات إلى التسعير القيمي، وذلك من خلال التركيز على تعزيز القيمة في تصوُّر العميل. كما أنه يجعل المُقارَنات مع أسعار العام السابق أكثر صعوبة؛ نظرًا لأنك أجريْتَ عملية إعادة تجميع لأسعار وشروط خدماتك بالكامل.

تأكَّد من شرح جميع مسئوليات كلِّ طرف؛ على سبيل المثال، كشرط في مُراجعة القوائم المالية، تأكَّد أنَّ العميل مسئول عن إعداد الجداول الزمنية في تاريخ مُعيَّن. القاعدة العامَّة هي أنه كُلَّما كان العميل أقلَّ تمرُّسًا، تُوجَّب عليك تحديد المسئوليات المُتبادَلة على نحوٍ أكثر تحديدًا وتفصيلًا.

صُممت خدمة «الوصول غير المحدود لعام ٢٠٠٤» لتحطيم الحواجز بين معظم الشركات وعملائها. كم عدد المرات التي نظرتَ فيها إلى أحد العملاء وقلتَ شيئًا من قبيل «لماذا لم تتَّصِل بي قبل أن تفعل هذا؟ لو كُنَّا قد نظَّمناه بهذه الطريقة أو بتلك، لكان بإمكاننا توفير مبلغ كبير.» هذا أمر شائع جدًّا، وعندما سألْنا عملاء شركات الخدمات المهنية في المجالس الاستشارية للعملاء لماذا لم يتَّصِلوا بهم قبل إجراء بعض المُعاملات المهمة، عادةً ما يَردُّون بإجاباتٍ من قبيل «كنت أعلم أنَّني سأُحاسب بالساعة ولا أحبُّ أن أدفع ١٠٠ دولار في مكالمة هاتفية.» قد لا يكون هذا هو الرد الأكثر عقلانية الآن؛ فربما كانت المائة دولار أحد أفضل الاستثمارات التي كان يمكن أن يقوم بها، ولكن لا يُمكنك أن تثِق دائمًا في أن العميل سيُفكِّر برُشدٍ وعقلانية. فالعواطف تتحكم، والقِلَّة القليلة جدًّا من الناس هم من يرغبون في مُحاسَبَتِهم على المكالمات الهاتفية.

عندما لا يتَّصل بك العملاء، ستخسَر أنت وهُم على السواء؛ لأنَّ المرحلة التي يُمكن للشركة خلالها إضافة أكبر قيمةٍ إلى المُعامَلة تكون «قبل» حدوثها وليس بعدها. إذا لم يتَّصل بك العميل حتى بعد ذلك، فيُمكنك التخفيف فقط من أيِّ أضرار. هذه ليست أعلى نقطة على مُنحنى القيمة. وقد صممت خدمة الوصول غير المحدود لتوفير حافزٍ للعُملاء للاتصال بك قبل فعل أيِّ شيء، وعلى وجه التحديد في الوقت الذي يُمكنك فيه إضافة أكبر قيمة.

نُسأل دائمًا ما إذا كان العملاء سيُسيئون استخدام هذا الميزة، والإجابة لا. تذكَّر أن اتفاقية السعر الثابت مُصمَّمة لأفضل عملائك، هؤلاء الذين يُمثِّلون طبقة اﻟ ٢٠ بالمائة العليا عادةً، ومن غَير المُحتمَل أن يسيئوا استغلال وقتك. ومع ذلك، إذا بالَغَ أحد العملاء في إجراء مُكالمات هاتفية واجتماعات، فسيكون لديك أساس لزيادة السعر الذي تحصل عليه شركتك في اتفاقية السعر الثابت. ففي النهاية، إذا كان العملاء يتَّصِلون بك بتلك الكثرة، فلا بد أنك تضيف بذلك قيمة أكبر مِمَّا كان مُتوقَّعًا في الأصل.

ولكن الحقيقة هي أن مُعظم المكالمات الهاتفية أو الاجتماعات التي يُجريها العميل من جانبه ستؤدي إلى قيام شركتك بمزيدٍ من العمل. وهنا يأتي دور أمر التغيير. كيف ترسُم خطًّا فاصلًا بين ما هو مُتضمَّن في خدمة الوصول غير المحدود وأمر التغيير؟ القاعدة العامَّة هي أنك إذا أنهيْتَ مكالمة هاتفية مع العميل أو أنهيتَ اجتماعًا معه ولم تكن مُضطرًّا للقيام بأي عملٍ إضافي — بدون بحث، ولا مزيد من التحليل، إلى غير ذلك — فإنَّ هذا مُتضمَّن في خدمة الوصول غير المحدود. أما إذا كان عليك القيام بشيء آخَر نتيجة للمكالمة الهاتفية أو الاجتماع، فسيكون لديك أمر تغيير، ويجب مناقشة ذلك «قبل» القيام بالعمل، كما ستحتاج إلى توقيع العميل ومُوافقته.

لاحظ أن خدمة الوصول غير المحدود ليست مجَّانية؛ بل مُجمَّعة مع الخدمات الأخرى. ولأنَّ العميل يدفع مُقابل ذلك، فالأرجح أنه يستخدمها، الأمر الذي سيُترجَم إلى حصَّة أعلى في المحفظة؛ لأنَّ الشركة ستبيع المزيد من الخدمات. علاوةً على ذلك، لا يُوجد سوى سِعر واحد لمجموعة الخدمات بالكامل، بدلًا من التسعير على أساس كلِّ بندٍ أو خدمة وهو ما يُسهِّل على العميل تسوُّق كلِّ خدمة على حِدَة. وهذا من شأنه أن يُحوِّل بوصلة تركيزك من التفاوض على كلِّ خدمة للتفاوض على قيمة العرْض الإجمالي. ومن خلال تركيز العميل على إجمالي عرْض خدمتك، يُمكنك عندئذٍ الحصول على أسعار أعلى من أسعار البنود الفردية.

يُعدُّ تحديد السعر مُقدَّمًا أمرًا ضروريًّا إذا كُنتَ ترغب في الحصول على القيمة الكاملة لخدماتك. وفي الحقيقة، هذه هي الطريقة المعتمدة لتسعير كلِّ الأعمال الأخرى، وبما أنَّ المهنيِّين يخضعون لنفس قوانين الاقتصاد وعلم نفس السعر مِثل كل الأعمال الأخرى، فإنَّ عليهم أيضًا أن يَعرضوا سعرًا قبل بَدْء العمل. كم عدد الخدمات التي تشتريها — كمُستهلك — دون معرفة السعر مُقدَّمًا؟ عدد غير كبير. فكيف يُمكن للعميل إجراء مُقارنة القيمة مُقابل السعر دون معرفة السعر؟ لا تتعلَّق هذه المشكلة بالثِّقة، وإنما تتعلَّق بتسعير استراتيجي لخدماتك بما يتناسَبُ مع القيمة التي تُقدِّمها. هناك أيضًا أسباب نفسية للتسعير مُقدَّمًا.

وأهمُّ ما في الأمر هو الطرَفُ المُتحكِّم في السعر. ويُقصَد بالطرَف المُتحكِّم في السعر المُشتري أو البائع الذي يكون حسَّاسًا للسعر بدرجةٍ ما أو بأخرى في مرحلةٍ ما مِن المُعاملة. فيمتلك المِهني الحدَّ الأقصى من القُدرة على التَّحكُّم في السعر «قبل» تقديم الخدمة؛ لأنَّ هذا هو الوقت الذي يحتاج فيه العميل إليك أكثر من غيره. فدائمًا ما تكون الخدمة المطلوبة أكثر قيمة من الخدمة المُقدَّمة. هذه هي النقطة التي ستحصل عندها على أعلى سعر مقابل خدماتك. إن التساؤل عن أسباب معاناة المهنيُّين من عمليات شطب وتخفيض مُستحقات أكثر من عمليات التحصيل لهو مسألة مثيرة للاهتمام. وأحد الأسباب وراء ذلك أنهم يدفعون ثمن خدماتهم «بعد» إتمامها، عندما يكون العميل هو من يمتلك زمام التحكُّم في السعر. متى تُريد أن تكتشف أنك وعميلك لديكما تقييمات مختلفة إلى حدٍّ كبير لقيمة عملك، قبل أم بعد إبرام الاتفاقية معه؟ إذا علِمتَ ذلك قبل إبرام الاتفاقية معه، فعلى الأقل لديك الفرصة لتعديل مجموعة الخدمات أو تغيير شروط السداد أو الانسحاب من المُعاملة. أما الاكتشاف بعد التورُّط في المُعاملة، فهو من الأسباب المؤدية للتخفيضات والشَّطب والحسابات المُستحقَّة التي تجِد مشقَّة بالِغة في تحصيلها.

ثمة سبَبان فقط يدفعان العملاء لعدم دفع فاتورة: إما أنهم «غير قادرين» أو «غير راغِبين». إذا كانوا غير قادرين — ربما بسبب ركود اقتصادي، أو إفلاس، أو ببساطة ليس لديهم الموارد المالية — فيُحتَمَل أنَّ الشركة لم تختَرِ العميل مُسبقًا بدِقَّة كافية. ففي النهاية، من هو أفضل من المِهنيِّين لتحديد ما إذا كان العميل المُحتَمَل لديه القدرة على دفع ثمن خدماتك أم لا؟ أما إذا كان العميل غير راغب في دفع فاتورتك، فالأمر هنا يتعلق بعدم الوفاء بتوقُّعاته، ويتعيَّن على الشركة معرفة ما حدَثَ من خطأ. سوف تكتشِف هذه الأنواع من المُشكلات أسرَعَ عندما تُشارك في التسعير المُسبَق وتضع شروط السداد، فضلًا عن توفير ضَمان استرداد الأموال بنسبة ١٠٠٪؛ لأنَّ ذلك يُزوِّد العميل بحافزٍ للشكوى.

يعترِض العديد من المِهنيِّين مُتعلِّلين بأنهم لا يستطيعون أن يُحدِّدوا السعر مُقدَّمًا لأنهم لا يعرفون المُدَّة التي سيستغرقها مشروع مُعيَّن. لكن هذه نظرية ماركس لتقدير القيمة حسب العمل المبذول، والتي لا علاقة لها بالموضوع بالمرة. في حقيقة الأمر، لا يهتمُّ عملاؤك بالمُدَّة التي تستغرِقُها لإكمال مشروعٍ مُعيَّن. هم لا يسألون إلَّا عن الساعات لأنَّ المِهنيِّين يُحدِّدون الأسعار بناءً على عدد الساعات، وما يُحاولون حسابه هو السعر الإجمالي. إذا عرضت أسعارك — بدون ذِكرٍ للساعات — يُمكن للعميل التركيز على عرض القيمة، بدلًا من مُعدَّل الساعات المُتضخِّم الذي قد لا يَستوعِبُه العميل.

اسمحوا لي أن أكون شديدَ الصراحة في هذه الجُزئية: إذا كُنتَ لا تستطيع أن تعرض سعرًا مُسبقًا على العميل «قبل» بدء العمل، فأنت من الأساس لا تملك شركة لأداء ذلك العمل. أتمَسَّك بهذه الاتجاه في التفكير، على الرغم من أنَّ العديد من المِهنِيِّين الذين حدَّثتهم بشأنه يعترضون عليه. في الواقع، إن الأسعار تُحدَّد مُقدَّمًا، قبل اتِّخاذ أي قرار شراء. هل سترغب في السفر على مَتن طائرة من طائرات شركة طيران حاولَتْ مُحاسبتك بسِعر أربعة دولارات لكلِّ دقيقة؟ فَكِّر في خُبراء التأمين الذين يتعيَّن عليهم تحديد الأسعار فيما يتَّصِل بالتأمين ضِدَّ الزلازل والأعاصير والحرائق وأنواع التأمين الأخرى في عالم من عدم اليقين والمُخاطرة. إنهم لا يملكون رفاهية حساب تكاليفهم الداخلية بعد ذلك، وإضافتها إلى الحساب الإجمالي مع تحقيق ربح معقول وإرسال فاتورة للعميل. إنَّ السبب الذي جعل المِهنِيِّين يعتقدون أنهم لا يخضعون لهذه القوانين الاقتصادية نفسها قد أوقَعَني في حيرة. ولكنه يفسر سبب مُعاناتهم من عمليات شطب ومُغالطات أكثر من الشركات الأخرى. لا أحد يستطيع أن يُقنِعَني بأن تشغيل شركة خدمات مهنيَّة أكثر تعقيدًا من تسعير تأمين ضِدَّ الكوارث أو إدارة شركة طيران.

هذه نقطة مُهمَّة، أُريد أن أركِّز عليها من خلال مشاركة حوار أجريتُه مع ديفيد كوتل، وهو مُستشار معروف جيِّدًا لدى أكاديميات المُحاسِبين القانونيِّين، في ورشة عمل استضفتُها لصالح موقع Accountingweb.com:
كوتل : ماذا عن المشروع البحثي لعميلٍ طويل الأجل يثق بك؟ لا دليل لديك على ما ستجده أو المُدَّة التي سيستغرِقُها، ولكن العميل يرغب في دفع سعر الساعة الخاص بك ما دمتَ ترى أنَّ السعر مُناسب. فما الخطأ في إعداد الفواتير بالساعة في هذه الحالة؟
رون : ديفيد، إن الفواتير المُعدَّة بالساعة ليست مُناسبة تمامًا، ولا علاقة بين الوقت والسعر ببساطة. وتصديق ذلك يعني الوقوع فريسةً لنظرية كارل ماركس عن قيمة العمل.
كوتل : في الحالة التي اقترحتُها، يبدو الأمر عادلًا لكِلا الطرفَين.
رون : لا، ما هو عادل لكِلا الطرَفين هو السعر المُتَّفَق عليه مُقدَّمًا.
كوتل : لا يُريد أي عميل تحرير الفواتير بالساعة؛ يكرهون ذلك.
رون : لكن ليس لديَّ أي فكرة عن كم البحث الذي سأقوم به.

إن هذا الخلْط بين الثقة والتسعير يأتي دائمًا كاعتراضٍ أساسي على التسعير مُقدَّمًا. فمجرد ثقة العميل بك لا ينفي ضرورة التسعير مُقدَّمًا. وكما أشرتُ من قبل، فأنا آمَنُ على حياتي مع شركة «يونايتد إيرلاينز»، إلَّا أنها تُوفِّر لي سعرًا مُقدَّمًا، «قبل» أن أقوم بالرحلة. ليس بالضرورة أن يرتبط التسعير والثقة بعضهما ببعض؛ بل سأذهب إلى أنك تُولِّد مستوًى أعلى من الثقة من خلال التسعير مُقدَّمًا؛ لأنَّ ذلك سيُجنِّب العملاء المُفاجأة بفاتورة غير مُتوقَّعة وليسوا مستعدين لها. إذا كُنتَ تُصِرُّ على التسعير بالساعة، فبعد اكتمال العمل لن تستطيع أبدًا تسعير قيمة خدماتك. هذا هو تحديدًا الرابط الذي يَجِب كسْره. تذكَّر أنَّ السِّعر يُحدِّد التكلفة، وليس العكس. فأنت تحتاج إلى تحديد السِّعر وتحديد ما إذا كانت التكاليف اللازمة لإكماله ستُؤدي إلى تحقيق ربحٍ مُناسب للشركة أم لا.

بطبيعة الحال، ستكون هناك مشروعات لا يتمُّ تحديد معالم نِطاقها على نحوٍ جيد، ولكن هذا لا ينفي الحاجة إلى تحديد سعر مُقدَّمًا. غير أن الأمر يتطلَّب أن يُصاغ النطاق بعناية فائقة (ربما يُمكنك تقسيم المشروع إلى مراحل مُختلفة.) وتعيين المعالم لتحديد متى تنتهي مرحلة وتبدأ الأخرى. هذا النهج مُفيد في تخطيط التَّرِكة المُعقَّد على سبيل المثال؛ حيث ستفرِض الشركة حدَّا أدنى للسعر لتقييم الاحتياجات؛ وبمُجرَّد تحديد احتياجات العميل ورغباته، يُمكن تحديد المرحلة الثانية من المشروع وتسعيرها وفقًا لذلك. يُمكن التعامُل مع الدعاوى القضائية بالطريقة نفسها للمُحامين، من خلال تقديم سِعرٍ لمُختلف المراحل مِثل الكشف عن الأدلة، والوثائق، وما إلى ذلك.

•••

خدمات غير مُتوقَّعة. هذا هو بند أمر التغيير، وهو طريقة تنقل بها لعُملائك أنَّ شركتك تَستخدِم أوامر التغيير للخدمات الإضافية التي تنشأ خلال السنة، أو لتغييرات النطاق على الخدمات المُضمَّنة بالفعل في اتفاقية السعر الثابت. يُعدُّ هذا البند ضروريًّا لإدارة توقُّعات عميلك وجعل سياسات التسعير الخاصة بك شفَّافة. ليكن المبدأ الذي تعيش به في ظلِّ ثقافة التسعير على أساس القيمة، هو البعد عن المُفاجآت. لن يُصدَم العملاء أبدًا بفاتورة أو سعر؛ لأنهم سيكونون قد وافقوا عليه «قبل» بدء العمل.

تُعتَبَر أوامر التغيير مُفيدةً أيضًا؛ لأنَّ مُعظمها سيتعامل مع «رغبات» العملاء وليس فقط «احتياجاتهم». فسيتمُّ التعامُل مع مُعظم احتياجات العملاء في اتفاقية السعر الثابت؛ ومِن ثَمَّ عندما تكون هناك حاجة إلى خدمات إضافية، فالأرجَحُ أنها ستتعلَّق برغبات العُملاء مثل الاندماج والاستحواذ والخدمات الاستشارية، وتخطيط التَّرِكات وما إلى ذلك. وسنقدم مثالًا لأمرٍ من أوامر التغيير لاحقًا في هذ الفصل.

•••

ضمان الخدمة والسعر. أوضَحْنا مَزايا ضمان الخدمة في الفصل الثامن؛ ومن أجل استعراضه بإيجاز، فإنَّ ضمان الخدمة سيُمكِّن شركتك من طلب أسعار مُتميِّزة على غرار شركتي «فيدكس» و«نوردستروم». وبوضع اللَّمْسة النهائية عند السَّداد النهائي لاتفاقية السعر الثابت، يُفترَض أن يكون العميل راضيًا. وعادة، في حالة عدم رضا العميل، ستكتشِف هذا قبل تاريخ استحقاق الدفعة النهائية.

الشطر الأخير من البند هو ضمان السعر، الذي يُجبِر الشركة على تسعير كلِّ شيء مُقدَّمًا في المرحلة التي تمتلك فيها زمام التحكُّم. وهذا أمر ضروري لخلق ثقافة اللامُفاجآت في شركتك. حرفيًّا لا يُؤدَّى أي عمل إلَّا بإذنٍ من جانب العميل ولا تُوجَد استثناءات. خلافًا لذلك، فأنت تُخاطر بهدْر موارد الشركة على العملاء الذين قد يكونون غير قادِرين على دفع السعر الذي تطلبه؛ أو بالأحرى غير راغبين في ذلك. تُرسِل هذه الفقرة أيضًا رسالة إلى أعضاء الفريق والعملاء على حدٍّ سواء بأنَّ شركتك تأخُذ سياسات التسعير الخاصَّة بها على مَحمَل الجد وأن الأسعار قد وضعت عن قصد.

يشعُر المِهنيُّون بعدم الارتياح من مُناقشة العملاء في موضوع التسعير مُقدَّمًا، لكن العملاء يشعرون بأنه من الأفضل معرفة السعر مُقدَّمًا، حتى لو كان ذلك فقط في المرحلة الأولى من المشروع. بالتأكيد ستخوض مناقشة حول السعر مع عميلك. السؤال هو متى ستحدُث تلك المناقشة؟ قبل أم بعد انتهاء الخدمة؟ إنَّ خوضك إياها قبل أن تؤدي الخدمة يضمَنُ لك استمرارك في التحكُّم في المَوقف، وهو أمرٌ ضروري لطلَب أسعار مُمتازة.

•••

شروط السداد. الشروط هي السعر، ويجب أن يجري التفاوض عليها قبل أداء أي عمل، بالطريقة نفسها التي تحدُث في التسعير الإجمالي لاتفاقية السِّعر الثابت (أو أمر التغيير). يُظهِر مثال اتفاقية السعر الثابت الدفعات الشهرية، ولكن يُمكن الدفع كلَّ أسبوعَين أو كلَّ رُبع سنة أو كلَّ نِصف سنة، وهكذا. اجعَل العميل يُشارك في توقيت الشروط، بحيث يتوافَق الدفع زمنيًّا مع التدفُّق النقدي الدوري لنشاطه التجاري، طالما تم سداد المستحقات المتضمنة في اتفاقية السِّعر الثابت بحلول نهاية مُدَّتها (والتي عادة ما تكون عامًا واحدًا، ولكن يُمكن أن تكون أطول). عليك أيضًا أن تطلُب من جميع العملاء الجُدُد الحصول على دفعةٍ مُقدَّمًا من أجل التأكُّد من مدى جِدِّيتهم في علاقة العمل. فإذا لم يكن العميل مُستعدًّا لدفع جُزء من السِّعر مُقدَّمًا، فلماذا تعتقد أنه سيدفع لك بالكامل عندما تنتهي من إنجاز العمل المُتَّفق عليه؟ تعمل الدفعة التي يُسدِّدها العميل مُقدَّمًا على توطيد العلاقة وتُثبت أنَّ العميل جادٌّ في التعامُل معك.

كما أنَّ تحديد شروط السداد له جانبٌ إيجابيٌّ آخَر؛ إذ ستُصبِح جُزءًا من تفاوضك بشأن السِّعر. تقوم مُؤسسات مِثل شركة «جنرال موتورز أكسيبتانس كوربوريشن» و«جنرال إلكتريك كريديت» بجني المزيد من الأموال جرَّاء تمويل ما يَصنعونه أكثر من الأموال التي يَجنونها من بيعه. وربما يُوضِّح هذا الاستطراد التاريخي أهمية شروط السداد، خاصةً بالنسبة إلى العميل. على الرغم من وجهة النظر القائلة إن الائتمان الاستهلاكي هو ظاهرة حديثة، فقد كان موجودًا على مدى المائتي عام الماضية. وكما أشار ليندول كالدر في كتابه «تمويل الحلم الأمريكي: التاريخ الثقافي للائتمان الاستهلاكي»، اشتُهِر متجر «كاوبرثوايت آند صنز»، في الولايات المتحدة، بأنه أول مَتجرٍ لبيع الأثاث بالتجزئة في نيويورك؛ حيث كان يبيع الأثاث بنظام التقسيط في عام ١٨١٢؛ وفي الخمسينيات من القرن التاسع عشر، أدخل بائعو ماكينات الخياطة ما عُرَف حينذاك باسم «الشراء بنظام التقسيط». وبسبب نجاح هذا النظام، بدأ بيع السلع الباهظة الثمن الأخرى مثل آلات البيانو، وآلات الأورجن الموسيقية، وإصدارات الموسوعة البريطانية، بنظام التقسيط.

غير أن الفضل يرجع إلى مجال بيع السيارات في التوسُّع الحقيقي في نظام البيع بالأقساط. فبحلول عام ١٩٢٤، اشتُريت ما يقرُب من ثلاث سيارات من أصل كلِّ أربع سيارات بنظام التقسيط، مِمَّا أدَّى إلى إدرار ما يقرُب من ٦٧٠ مليون دولار من دفعات التقسيط. من المُتعارَف عليه أن السوق العام للسيارات بدأ عندما طرح هنري فورد الطراز الأول للسيارة «تي». في الواقع، عندما بدأ التجار يعرِضون خيارات التقسيط على العُملاء، أتاح ذلك لهم شراء السيارات التي لا يَستطيعون سداد ثمنها نقدًا. ولم ينهزِم هنري فورد أمام شركة «جنرال موتورز»؛ لأنه ببساطةٍ قدَّم فقط طراز السيارة «تي» باللَّون الأسود. اتبع هنري فورد مسلكًا مُتشدِّدًا ولم يوافِق على نظام الشراء بالتقسيط (وكان يعتقِد أيضًا أنَّ البلاد لن تكون قادرة على العمل دون حظْر الخمور). وأمام إصراره على بيع سياراته في العشرينيات من القرن العشرين نقدًا، خسِر حصَّته في السوق لصالح شركة «جنرال موتورز»، التي أنشأت شركة «جنرال موتورز أكسيبتانس كوربوريشن» في مارس ١٩١٩. اشترطت مُعظم الأقساط سداد ثُلث المبلغ مُقدَّمًا، وتقسيط الباقي على فترة تتراوَح بين ٦ أشهر و١٢ شهرًا. ويعود السبب في تقصير الأجل إلى فواتير الإصلاح الباهظة التي تحدُث عادة بعد السنة الأولى من امتلاك سيارة. وبحلول عام ١٩٢٦، قدَّم ما يتراوَح بين ١٦٠٠ و١٧٠٠ شركة تمويل قروضًا بقيمة أربعة مليارات دولار من أجل شراء السيارات. واستسلمت شركة «فورد» أخيرًا وأنشأت شركة «يونيفيرسال كريديت كوربوريشن» في عام ١٩٢٨، بعد تقديم نموذج السيارة طراز «أيه» بوقتٍ قصير. ولسوء الحظ، كانت هذه الاستراتيجية قد اعتُمِدت بعد فوَات الأوان؛ إذ كانت شركة «جنرال موتورز» قد استحوذت على حِصَّة مُهيمِنة في الصناعة لم تتمكن فورد من استردادها.

لا تُكرِّر خطأ شركة «فورد». اجعل شروط السداد جُزءًا من التفاوض المُسبَق مع عملائك، واحصل على تَعهُّدهم بالالتزام بها. فهذا سيُجنِّب شركتك العمل كمُؤسَّسة تمويل بدون فوائد لعملائها.

•••

مُراجَعات لاتفاقية السعر الثابت. هذا بند يسري مفعوله بالنسبة لكلٍّ من العُملاء القُدامى الذين تُعاملهم بنظام اتفاقية السعر الثابت للمرة الأولى وللعُملاء الجُدد الذين قد لا يكون لدَيهم فهمٌ كامل لطبيعة ونطاق عملهم. إن الاتفاق على الاجتماع أسبوعيًّا أو شهريًّا، أو على أيِّ أساسٍ دوري آخر يضمَن أنك سيكون لدَيك فَهم لتوقُّعات عميلك وأنَّ المشكلات التي تنشأ ستُعالَج على الفور. لا تؤدي هذه الفقرة إلى تقليل مخاطر العميل فحسب، بل إنها تُقلِّل من مخاطر الشركة أيضًا، نظرًا لأنك ستحظى دائمًا بفرصة لتعديل السعر أو الشروط أو إطار اتفاقية السعر الثابت. يُعدُّ خفض مخاطر العميل عنصرًا أساسيًّا في التغلُّب على «مشاعر» التسعير الثلاثة التي سنُسلِّط الضوء عليها بعد قليل.

•••

بند فسخ التعاقُد. إنَّ اتفاقية السعر الثابت هي اتفاقية بالتراضي بين الطرفين، بمعنى أنه يمكن لأيِّ طرفٍ إنهاؤها في أي وقتٍ ولأي سبب (وفقًا للمسئوليَّات المِهنيَّة وقوانين الولاية، بالطبع). وهذه طريقة أخرى لتقليل مخاطر العميل والشركة في التعامُل.

ونظرًا لأنك تُقدِّم سعرًا شاملًا للخدمات كَكُل، فإنه في حالة فسخ أي طرف التعاقد قبل تاريخ إتمام اتفاقية السعر الثابت، فإنَّ أحدَ الطرَفَين سيدين للطرف الآخر بمبلغ مِن المال، وسيتوجَّب عليك التفاهُم حول هذا الأمر مع العميل. ومع ذلك، لا تدَع الأشياء التافِهة تُؤثِّر على الأشياء المُهمَّة. فلا تُحاسب العميل على كلِّ بندٍ مُنفصِلًا عن البنود الأخرى خَوفًا من فسْخ التعاقُد. فقد صُمِّمت اتفاقية السعر الثابت لعملائك من الدرجة الأولى ودرجة رجال الأعمال؛ أي أولئك الذين يتصدَّرون نِسبة العشرين بالمائة، وهؤلاء بالتحديد هُم العملاء الأقل عُرضةً للانشقاق عنك.

•••

مسائل أخرى تتعلَّق باتفاقية السِّعر الثابت. لاحظ كيف أنَّ اتفاقية السعر الثابت هي وثيقةٌ بسيطة إلى حدٍّ ما، ولكنها تحتوي على بعض الأفكار الجِذرية نِسبيًّا. فأنت تُقدِّم سعرًا ثابتًا لمجموعةٍ من الخدمات، وليس تسعيرًا لكلِّ بندٍ بمعزِلٍ عن البنود الأخرى. وتُعدُّ طريقة الحزم فكرةً ممتازة لجذب العملاء، ليس فقط للتركيز على مُجمَل عرض خدماتك، بل لحَثِّهم على الاعتراف بقيمة خدماتك. تأمَّل بطاقات ائتمان «أمريكان أكسبريس» الخضراء والذهبية والبلاتينية والسوداء (حاليًّا). إذا كُنتَ عضوًا من أعضاء البطاقة الذهبية في الوقت الحالي ولكنك ترغَبُ في الحصول على بعض مزايا البطاقة البلاتينية، فعليك تسديد الثمن بالكامل؛ فلن تقوم «أمريكان إكسبريس» بفصْل الخدمات التي تُريدها من المستوى البلاتيني فقط عن باقي الخدمات.

من خلال وضْع حدٍّ أدنى للسعر في شركتك للحصول على حزمة أساسية من الخدمات مثل إعداد الكشوفات الضريبية والتخطيط والوصول غير المحدود، فإنك تقوم بتوصيل قيمة خدماتك من حيث مُجمَل العرض الذي تُقدِّمه إلى العميل، وهي طريقة فعَّالة للغاية للحدِّ من الاعتراض على السعر. وقد استخدَمَت العديد من الشركات استراتيجية البطاقات الخضراء والذهبية والبلاتينية والسوداء — والتي تختلف أسماؤها باختلاف المجال بالطبع — كطريقة لترقية العميل إلى أعلى مُنحنى القيمة. هذه هي الاستراتيجية نفسها المُستخدَمة لتقديم الشراب الصغير أو المتوسط أو الكبير، أو تصنيفات كتالوج «سيرز» القديم الذي يشمل الجيد والمُفضَّل والأفضل. إذا كان فرق السعر بين الفئتين «أ» و«ب» أكبر من الفرق بين الفئتين «ب» و«ﺟ»، فسيكون لديك احتمال أكبر لترقية العميل. ومن خلال تحديد سعر أدنى للضروريات الأساسية، ستتمكن أيضًا من الحصول على سعرٍ أعلى من الخدمات عند الطرف الأدنى لمُنحنى القيمة.

على سبيل المثال، لدى شركة المحاسبة القانونية التي أعمل كمستشارٍ لها حدٌّ أدنى قدره ١٠٠٠ دولار لعمل الإقرارات الضريبية الشخصية. في مقابل هذا السعر، يحصل العملاء على خدمة إعداد إقراراتهم الضريبية والوصول غير المحدود. وفي مُقابل ١٥٠٠ دولار، يحصل العميل على خدمات التخطيط الضريبي، وفي مُقابل ١٨٠٠ دولار، تُقدِّم الشركة من ينوب عن العميل في حالة التدقيق المُحاسَبي من جانب دائرة الإيرادات الداخلية. ليس من الضروري — ولا المرغوب فيه — تحديد أسعار قياسية للمُستويات التي تتجاوز الحدَّ الأدنى؛ لأنَّ ذلك يعتمد على الظروف الفردية لكلِّ عميل. والهدَف من ذلك هو تقديم مجموعةٍ من الخدمات للعملاء والسَّماح لهم باختيار الاستثمار الذي يُناسِبهم. وكما يعلم مُعظم المُشتغلين بالتسويق، فإن غالبية العُمَلاء يختارون من الخيارَين «ب» و«ﺟ»؛ نظرًا لأنَّ عددًا قليلًا جدًّا من العملاء يَعتبرون شراء أرخص العروض أمرًا مَرغوبًا فيه.

وعلى ذكر شركة «أمريكان أكسبريس»، لاحظ كيف تعرض الشركة أربعة مُستويات من بطاقات الائتمان. لقد عَلِمت الشركة أنَّ ثمة شريحةً من العملاء تتجاوز مستوى البطاقة البلاتينية ولديهم الاستعداد (والمَقدِرة بالتأكيد) للدَّفْع مُقابل مستوًى أعلى من الخِدمة؛ لذا صمَّمت البطاقة السوداء للعملاء الذين يُريدون خدمةً حسب الطلَب دون توقُّف على مدى السنة. هذا المستوى يُشترَك فيه عن طريق الدَّعوة فقط، وقد دفع جميع المَدعوِّين — حتى كتابة هذه السطور — ٢٠٠٠ دولار سنويًّا مُقابل العضوية (التي بدأت بمبلغ ١٠٠٠ دولار). هذه بطاقة ائتمان، وكم عدد الطلبات التي تتلقَّاها بريديًّا في المتوسط أسبوعيًّا للحصول على بطاقة ائتمان مَجَّانية؟ لقد علَّمَتْنا «أمريكان أكسبريس» من جديدٍ أنه يُمكن تمييز حتى بطاقات ائتمانك عن بطاقات مُنافِسيك، إذا كان عرْض القيمة يُراعي احتياجات العميل. فلن يكون اهتمام الناس بالسِّعر قدْر اهتمامِهم بالقيمة.

إنَّ مُعظم اتفاقيات السعر الثابت — على الأقل في شركات المُحاسبة — تُوقَّع لمدَّة عام، وعادةً ما يجري التفاوض بشأنها في نهاية السنة الميلادية (أو السنة المالية) فيما يتعلق بخدمات السَّنة التالية. يجب عليك مُقابلة العميل ومُناقشة كيفية صياغة اتفاقية السعر الثابت معه؛ لا تتعامل مع الاتفاقيات بمعزِلٍ عن السياق، ولا تَعتبِرها طلبًا لعروض. أنت ترغب في أن تحظى بالتزام العميل حيال العلاقة بينكما وتصميم الخدمات ونِطاقها وسِعرها. لا تشعر كما لو كان يتعيَّن عليك إنجاز هذا في اجتماع واحد؛ فقد يتطلَّب الأمر اجتماعَين أو ثلاثة، وهو أمر جيِّد نظرًا لعدَم وجود مُبرِّر للالتقاء بالعميل أفضل من مُناقشة القيمة التي تُضيفها إلى حياته.

لا تستهدف اتفاقية السِّعر الثابت جميع عُملائك، ولكنَّها تختصُّ فقط بأولئك الذين يَطلُبون منك أكثر من مُجرَّد تقديم الخدمات الأساسية لهم. قد يكون لديك ما بين ٢٠ و٤٠ بالمائة فقط من عملائك هم من يتعامَلون معك بموجب اتفاقية السعر الثابت، وإن كان هؤلاء هم من سيُشكِّلون أغلب أرباحك. أما بالنسبة إلى هؤلاء العملاء الذين لا يخضعون لاتفاقية السعر الثابت، فما زلت بحاجة إلى تحديد أسعار ثابتة مُقدَّمًا معهم، وتقديم ضَمانَي الخدمة والسعر، كما يُمكنك تَضمين هذين الضَّمانَين في خطاب تَعاقُد شركتك القياسي.

«ليس» الهدَف من اتفاقية السعر الثابت أن تَحلَّ محلَّ خطاب التعاقُد القياسي لشركتك. فستظلُّ بحاجةٍ إلى هذا الخطاب وفقَ مُتطلَّبات شركة التأمين أو أخلاقيات المِهنة. ومع ذلك، حيثما يُناقِش خطاب التعاقُد السعر، كلُّ ما عليك أنْ تعود ببساطةٍ إلى اتفاقية السعر الثابت، المُؤرَّخة بتاريخ كذا؛ أو في حالة العميل الذي لا يتعامَلُ بموجب اتفاقية السعر الثابت، أضِف السعر (والشروط والأحكام).

وكما ذكرنا من قبل، فإنَّ مُعظم اتفاقيات السعر الثابت تُوقَّع لمُدَّة عام واحد، على الرغم من أنَّنا رأيْنا اتفاقيات سعر ثابت مُتعددة السنوات تستخدمها بعض شركات المُحاسبة. وهذه طريقة فعَّالة لزيادة تكاليف تحوُّل العملاء، ومِن ثَمَّ زيادة ولائهم. ومع ذلك، فإنَّ فترة عامٍ واحد هي الأكثر شُيوعًا. كذلك بدأْنا نرى ما يُسمَّى اتفاقيات السعر الثابت الدائمة؛ حيث تُغطي شركة المُحاسبة القانونية مُتطلَّبات الامتثال اللازمة والاحتياجات الأخرى للعميل على أساس سِعرٍ ثابت وعلى الدوام. هذه طريقة فعَّالة لتلبية مُعظَم احتياجات العملاء؛ ثُمَّ في اجتماع اتفاقية السعر الثابت، ركِّز على «رغبات» العميل، والتي عادةً ما تكون أقلَّ حساسية للسعر. كما أنَّ لها ميزة إضافية تتمثَّل في استبعاد الخدمات الأساسية من مُفاوضات التسعير السَّنوية بحيث يكون على العميل التركيز فقط على القيمة الإضافية التي تُقدِّمها.

وأخيرًا، فإنَّ الهدف من اتفاقية السعر الثابت هو التغلُّب على مشاعر التسعير الثلاثة التي قد تظهر لدى أي عميل في مرحلةٍ ما من المُعاملة:
  • الاعتراض على السعر.

  • القلق من السعر.

  • الامتناع عن الدفع.

يُطلَق على الاعتراض على السعر أيضًا مُصطلح «صدمة زيادة السعر». يحدُث هذا، على سبيل المثال، عندما تدخُل إلى وكيلٍ لبيع السيارات وتُلاحظ أن سعر البيع بالتجزئة أعلى مِمَّا دفعْتَه في آخِر مرَّة اشتريتَ سيارة. عادةً ما تكون الاستجابة انفعالية؛ لأنك إذا حسبتَ السعر الحقيقي (المُعدَّل بسبب التضخم) للسيارة، فقد يكون السِّعر نفسه الذي دفعته من قبل تقريبًا، أو حتى أقلَّ إذا كنتَ ستأخُذ بعَين الاعتبار الجَودة وميزات الطراز الجديد. وعلى أي حال، فإنَّ صدمة زيادة السعر أقربُ للعاطفية منها للعقلانية، وإذا كنتَ تُريد أن تحصل على أسعار تتناسَب مع القيمة، فعليك أن تتعلَّم التغلُّب على هذه المشكلة. وعادة ما يمكن التغلُّب عليها من خلال شرح — أو إعادة تأكيد — القيمة التي سيحصُل عليها العميل. ربما لم تقُم بالجهد المُناسِب لشرح قيمة الخدمة له؛ فالعميل لا يتحدَّى سِعرك بقدْر ما يُشكِّك في القيمة التي ستُقدِّمها له.

لا تدَعْ صدمة زيادة السعر تمنعك من الإفصاح عن السِّعر الذي تعتقِد أنه قائم على القيمة. إذا لم تُواجِه أيَّ صدمة زيادة سعر، فإنَّ ذلك يعني أن أسعارك مُنخفِضة للغاية. في الواقع، نرى أنه من الأفضل «تشجيعك» على إحداث صدمة زيادة السعر؛ إذ يُمكِّنك ذلك من تحديد نقاط التسعير الخاصَّة بالعميل — ومُحرِّكات القيمة الحقيقية — في أسرع وقت. وإذا لم يستطع العميل تجاوز صدمة زيادة التسعير، فهذا مُؤشِّر رائع على أنه ليس العميل المُناسِب لشركتك. ستُقلِّل اتفاقية السِّعر الثابت من الاعتراض على الأسعار إلى حدٍّ ما من خلال تجميع خدماتك في صورة باقات، وتقديم ضمانات الخدمة والسعر، وشروط السداد، وشروط التعديل والفسخ، ولكن المهمَّة تقَع على عاتق المِهَني في المقام الأول للتغلُّب على الاعتراض على السعر من خلال استخدام مهاراته التفاوضيَّة.

يُعرَف القلق من السعر أيضًا باسم «ندَم المُشتري». في أي وقتٍ يُجري فيه العملاء عملية شراء كبيرة نِسبيًّا، سوف يَمرُّون بمرحلة تشكيك في قرارِهم. هذا أمر طبيعي، ويجب أن تتوقَّع من العميل في بعض الأحيان أن يُشكِّك في اتفاقية السِّعر الثابت في وقتٍ لاحِق بعد التفويض. وقد صُمِّمت اتفاقية السعر الثابت للتَّخفيف من ندَم المُشتري عن طريق اشتمالها على ضمان الخدمة وشروط التعديل/الفسخ. كما أنَّ البقاء في تواصُلٍ مُستمرٍّ مع عملاء اتفاقية السِّعر الثابت وتجاوز توقُّعاتهم بمنزلة طريقةٍ أخرى لطمأنَتِهم بأنهم اتَّخذوا القرار المُناسب بالتعامُل مع شركتك.

أما الامتناع عن السداد، فهو ببساطة عدَم رغبة العميل في تحرير الشيك من أجل الدفع. ومن خلال جعْل شروط السداد جُزءًا واضِحًا من تفاوض اتفاقية السعر الثابت، سيزول هذ الشعور. فنظرًا لأنَّ عملاء اتفاقية السعر الثابت هُم عادةً من الدَّرَجة الأولى ودرَجة رجال الأعمال — ولديهم السِّمات التي تَثِق بها — فإنَّ مُعظمهم سوف يتصرَّف وفقًا للاتفاقيات التي يُوقِّعونها. وقد أنشأت العديد من الشركات عمليات تحويل الأموال الإلكترونية أو عمليات التفويض التلقائي لاستخدام بطاقات الائتمان بهدَف تأمين المدفوعات وفقًا لشروط اتفاقية السِّعر الثابت. وقد أفادت بعض شركات الطيران أنها تحصل على مدفوعاتها كاملةً من بعض عُملاء اتفاقيَّات السعر الثابت الذين يكسبون النقاط المحسوبة بالأميال المُتراكمة (وهي طريقة رائعة لتعزيز رأس المال الهَيكلي لدى شركات الطيران).

في الواقع، مُعظم الشركات التي تَستخدِم اتفاقيات السعر الثابت لا تُرسِل حتى الفواتير إلى هؤلاء العُملاء. وما الدَّاعي؟ فهم يعرفون، كما تعرفون، ما يجب فعله بالضبط، وما هي شروط السداد، وما هو السِّعر، فلماذا تُرسِل فاتورة دورية؟ فكِّر في مِقدار الوقت الذي ستُوفِّره من خلال عدَم إعداد ومُراجعة الفواتير، والوقت الذي يُمكن أن تقضيه في تقوية علاقاتك مع العملاء وزيادة حصَّتك من مَحافظهم.

نعرف أيضًا شركات تتَّبِع طريقةً «عكسية» في تعامُلاتها؛ بمعنى أنهم يتسلمون المبلغ كاملًا قبل تنفيذ أيِّ عمل. ويحدُث هذا على وجه الخصوص في المُمارسات الضريبية. أُشير دائمًا في نَدواتي التي أعقِدُها إلى أنَّ شركة «يونايتد إيرلاينز» حاليًّا قد تسلَّمت عدَّة آلاف من الدولارات من أموالي من أجل رحلاتي المستقبلية. وليس هناك إلَّا طريقتان ستحصل شركتك من خلالهما على أتعابها قبْل أن تقوم بأي عمل: عليها تحديد السعر مُقدَّمًا، وعليها أن تُطالِب بالسداد. تقوم العديد من الشركات بذلك عندما تُرسل مُفكِّرة الضرائب السنوية، وخطاب التعاقد، وخطابًا تعريفيًّا يُوضِّح السعر (الذي نُوقِش سابقًا)، وسند التفويض الائتماني. عند إعادة إرسال المُفكِّرة، فإنها تتضمَّن الأتعاب بالكامل. فكِّر في الفواتير، والتحصيل، والفوائد على حسابات التمويل المُستحقَّة، وتكاليف تخفيض وشطب المُستحقَّات التي ستتجنَّبُها عن طريق استخدام هذه الطريقة. إنها نتيجة جيدة أُخرى للتسعير المُسبَق.

أخيرًا، الكلمات التي تنطِقُها عند استخدام اتفاقيات السِّعر الثابت وأوامر التغيير مُهمَّة جدًّا. فالكلمات تنقل الصور، ويجدُر بك تجنُّب الكلمات التي تستحضر الرَّوابط السلبية في أذهان العُملاء. هذا هو السبب في أنَّنا لا نستخدم مُصطلح «إعداد الفواتير». فما من أحدٍ يُحِبُّ دفع الفواتير، كما ترتبط كلمة «رسوم» بدفع ضريبة حكومية أو ضمان أو أي نوع آخَر من الرسوم الإضافية، ودلالتها سلبية للغاية. أما «السعر»، على العكس من ذلك، فهي كلمة غير مُؤذِية، وتُشعِر المُستهلكين بالاطمئنان. كما أنها لا تستجلب أي ارتباطاتٍ ذهنية سلبية.

عندما تكون جاهزًا لتوقيع العميل على اتفاقية السعر الثابت، قُل، «اعتماد الاتفاقية»، بدلًا من «توقيع العقد»؛ إذ إنَّ توقيع العقود رُبما يُثير التفكير في المحاكم، والمُحامين، والنِّزاعات، وما إلى ذلك. كما أنَّنا نُفضِّل كلمة «عميل» على «زبون» لأنَّ دولة الرفاهية تستخدم مصطلح «زبائن»، وهو ما لا يعكس العلاقة التي يرغب المِهنيُّون في إقامتها مع الأشخاص الذين يُفضِّلون تأدية الخدمة لهم.

(٣-٣) أوامر التغيير

تخيَّل أنك تقوم بالاستعانة بمُقاول لبناء غرفة ألعاب في منزلك. بعد أن يتجوَّل في المنزل ويأخذ القياسات ويضع خُططًا أوَّلية للعمل، من المُحتَمَل أنك في مرحلةٍ ما ستسأل السؤال الذي يسأله كلُّ عميل: «كم سيتكلَّف الأمر؟» إذا لم يستطع المُقاوِل أن يُحدِّد لك سعرًا مُقدَّمًا، وبدلًا من ذلك قال: «حسنًا، لست مُتأكِّدًا، لكنَّني سأحرِص بشدَّة على الوقت وتكلفة المواد، وسأُرسل لك الفواتير حالَما أنتهي.» تَخميني هو أنك سترغَبُ في البحث عن مُقاولٍ آخَر يُحدِّد لك سعرًا ثابتًا لهذه المهمَّة وتتعاقَدُ معه.

افترِضْ بعد ذلك، أنه في اليوم الأول الذي يبدأ فيه طاقم عمل المُقاول التنفيذ، وبينما يُحطِّم أحدَ جُدرانك، إذ بهم يكتشفون تسوُّس الخشب والنمل الأبيض. سيتوقَّفون فَورًا عن العمل، وسيُعلمونك بالمُشكلة، ويُخبرونك بالسعر الذي يتكلَّفُه إصلاحُه، ويُترَك لك اختيار كيفية التعامُل مع المشكلة. هذا هو ما يَفصِل بين المُقاول (أو ميكانيكي السيارات) عن المِهَني. فعلى النقيض من ذلك، كان المِهنيُّون سيُواصلون العمل ويُصلحون المشكلة، بدون أي تدخُّل أو تخويل منك، مُسجِّلين الوقت الذي يَستغرقونه في الحل، ويُرسلون لك الفاتورة ببساطة عند اكتمال العمل. في هذه اللحظة، لن تكون أنت المُتحكِّم في السعر وستكون عُرضةً لخطر تخفيض المبلغ، أو في بعض الأحيان شطبه تمامًا. هذه ليست طريقة فعَّالة لبيع خدمات شركتك.

لاحظ أنك تتوقَّع من المقاول أن يُحدِّد لك سِعرًا قبل أن يبدأ العمل، حتى مع عِلمك المُسبَق أنَّ هناك العديد من المُشكلات التي قد تطرأ على العمل، وهذا قد يُؤدي إلى تجاوز المهمَّة التقديرية الأصلية، وهو ما نُطلِق عليه «اتِّساع نطاق المشروع». إنَّ عدَم معرفتك بالمشكلات التي قد تطرأ عند الانخراط في العمل مع عميلٍ مُعيَّن لا يَعني أنك مُتحرِّر من الالتزام بتحديد سِعر للمعايير التي تعرفها. بل يعني ببساطةٍ أنك يَجِب أن تُحدِّد إطار العمل وأن تكون جادًّا في إصدار أوامر التغيير حال اتِّساع نطاق المشروع.

نشأت أوامر التغيير في قطاع المقاولات، وهي ببساطة واحدة من أكثر استراتيجيات التسعير تطوُّرًا على الإطلاق (وهذا ينبغي أن يُبدِّد، وإلى الأبد، فكرة أن المهنيين يحتكرون المعرفة ويَعجزون عن التعلُّم من القطاعات الأخرى). عندما يجعلك المقاول على درايةٍ بتسوُّس الخشب والنمل الأبيض، فإنه يجعلك مسئولًا عن اتِّخاذ القرار بشأن كيفية مُعالجة المشكلة. وتُحقِّق صياغة أمر التغيير أفضل ما في المجالَين، من منظور البائع؛ فهي تجعل العميل مسئولًا عن عملية الشراء (وهو أمر مطلوب دائمًا لأنه لا أحدَ يُريد أن يُحمَل على شراء شيءٍ ما، لكن الجميع يُفضِّلون أن يكونوا هم من يُقرِّرون «الشراء»)، بينما «يحتفظ» المُقاول بميزة التسعير.

ينبغي استخدام أوامر التغيير في أيِّ وقتٍ يحدُث فيه اتِّساع لنطاق مشروع منصوص عليه في اتفاقية السعر الثابت، وهذا هو السبب في ضرورة معرفة أعضاء الفريق بمسئوليات كلِّ طرف ونطاق المشروع بالضبط. وعادة ما يكون أعضاء فريق الخط الأمامي هُم أول من يكتشف اتِّساع نطاق المشروع، وبمُجرَّد أن يُدركوا ذلك، يَلزَمُهم إبلاغ المدير أو الشريك للتعامُل مع المشكلة، وعلاجها، وتحديد الموارد المطلوبة لحلِّ المُشكلة. وبهذه الطريقة، يُمكن للمدير أو الشريك الاتصال بالعميل لتحديد الطريقة التي يرغب في تنفيذها. لا تسمح لأعضاء الفريق بإهدار موارد الشركة من خلال تقديم خدمة لم يُصرِّح له العميل بأدائها. إنَّ الوصفة المؤكدة لتخفيض الأتعاب وخلْق الكراهية لدى العُملاء، وعدم زيادة فُرَص الربح هي أداء أعمالٍ لم يُوافِقوا عليها.

أيضًا، استخدم أوامر التغيير للمشروعات غير المنصوص عليها في اتفاقية السعر الثابت، مِثل تدقيق الحسابات، والخدمات الاستشارية، وما إلى ذلك. تكمُن ميزة دمج اتفاقيات السِّعر الثابت مع استراتيجية أمر التغيير — كما سبق الإشارة إليها — في أنه نظرًا لأنَّ اتفاقية السعر الثابت تتعامَل مع مُعظم احتياجات العميل، ستُستَخدم أوامر التغيير في الغالب فيما يتعلَّق برغبات العميل، والتي تكون أقلَّ حساسية للسعر بالنسبة للعميل. يُتيح لك هذا استخدام بعض استراتيجيات التسعير المُبتكَرة، مثل بند شرط ضمان التنفيذ، الذي سنذكُره لاحقًا في هذا الفصل.

دائمًا ما نُسأل عمَّا إذا كان العملاء ينزعِجون بسبب كثرة أوامر التغيير التي تطرأ. الجواب لا؛ فالعُملاء يُقدِّرون التواصل ومنحهم سُلطة تحديد كيفية التعامُل مع المشكلة. هذا لا يعني أنه يُمكنك أن تتوانى فيما يتعلَّق باتِّساع نِطاق المشروعات؛ لأنك تعرف أن بإمكانك الاعتماد على أوامر التغيير. فستظلُّ في حاجةٍ إلى التخطيط السليم والمعرفة قدْر المُستطاع بوضع العميل. ومن خلال التحكُّم في توقُّعات العملاء من البداية، وإبلاغهم بأن شركتك تستخدِم أوامر التغيير لتنفيذ سياسة اللامفاجأة، لن تُواجِهَ اعتراضًا من قِبَلهم عند استخدام هذا الإجراء. فيما يلي نموذج لأحد أوامر التغيير وهو يتعلَّق بإحدى الخدمات غير المنصوص عليها في اتفاقية السعر الثابت.

نموذج لأمر تغيير

اسم العميل: ───
التاريخ: ───
وصف المشروع [وتاريخ الانتهاء التقديري، إذا اقتضى الأمر]:
السعر: ─── دولارًا.
نعتقد أنه من مسئوليتنا تجاوز توقُّعاتك. لذا أُعِدَّ «أمر التغيير» هذا لأن المشروع المذكور أعلاه لم يكن مُتوقَّعًا في اتفاقية السعر الثابت الأصلية، المُؤرَّخة …/…/… وقد جرى الاتفاق على سعر المشروع المذكور أعلاه بين كلٍّ من العميل (اسم العميل) ومُحاسِبي شركة (اسم الشركة). هدفنا هو التأكُّد من أن (العميل) لا يُفاجأ أبدًا بالسعر لأيِّ خدمةٍ من خدمات (اسم الشركة)، وبالتالي فقد اعتمَدْنا سياسة تغيير الطلَب. السِّعر أعلاه مُستحقٌّ ويدفع عند الانتهاء من المشروع المذكور [أو، مُستحقُّ الدفع، إذا اتُّفِق عليه، أو على أقساط] (أيًّا كان ما تتَّفِق عليه أنت والعميل).
إذا كُنت تُوافق على وصف المشروع المذكور أعلاه والسعر وشروط السداد، فيُرجى اعتماد وتعيين تاريخ التغيير أدناه. نُسخة مُرفَقة للعلم.
شكرًا لك على اختيارك خدماتنا.
المُخلص،
آلان سومنولينت، شريك، (اسم الشركة) مُحاسبون قانونيون.
وافق عليه واعتمده:
الاسم: ───
العميل، رئيس شركة (اسم الشركة).
تاريخ: ───
(مُقتبَس بتعديل من بيكر، ٢٠٠١: ٢٠٤-٢٠٥)

(٤) مهارات التفاوض

رون: عندما تصل إلى النقطة التي تُضطَرُّ فيها إلى تحديد السعر مع العميل، فإنه لا يأتيك ومُنحنَيات العرْض والطلب مرسومة على جبهته‎. بل إنك إما أن تحصُل على السعر الذي تُعلِنه أو لا تحصُل عليه. في عالم مِثالي — للبائعين على أي حال — سيدفَعُ كلُّ عميل مَبلَغَه المرصود سلفًا، أي الحد الأقصى للمَبلغ الذي هُم على استعدادٍ (ولديهم القدرة) لدفعِهِ مُقابل المُنتَج أو الخدمة. مُعظم العملاء ليسوا على استعدادٍ لإخبارك بهذا السعر (على الرغم من أن بول سيُخبرك بحالةٍ فعَلَ فيها ذلك بالضبط). يُطلِق الاقتصاديُّون على هذه الحالة اسم «المعلومات غير المُتكافِئة»، أي معلومات مُتعلِّقة بمُعاملة لا يَجري تبادُلها بطريقةٍ مُتكافئة بين الطرَفَين.

أتَذَكَّر التجوُّل عبر متجرٍ لبيع الكُتُب المُستعملة في سان دييجو، حين صادَفَني كتاب «البحث عن الأفضل» من تأليف ستانلي ماركوس. كان هذا الكتاب قد نفدَتْ طبعتُه، وبحثتُ عنه لِمُدَّة (كان هذا قبل وقتٍ طويل من ظهور مَوقع أمازون والإنترنت). تناولتُ الكتاب من فوق الرَّفِّ وفتحتُه ورأيتُ أنه مُوقَّعٌ من قِبَل ستانلي ماركوس نفسه، وكانت نُسخة الطبعة الأولى في حالةٍ جيدة جدًّا. في تلك اللحظة، قرَّرتُ أن يكون السعر الذي أرصُدُه لشراء الكتاب هو ١٠٠ دولار؛ أي، كنتُ على استعدادٍ لدفع هذا المبلغ للكتاب. عندما لاحظتُ سعر ١٠ دولارات، كنتُ مُبتهِجًا، وكما سيقول لك خبير اقتصادي، كنتُ أكثر ثراءً بمبلغ ٩٠ دولارًا أيضًا؛ إذ تمكَّنتُ من الاحتفاظ بفائضٍ اقتصادي من الصَّفقة. لم أسألْ صاحب مَحلِّ بيع الكتُب إذا كان يُريد مُناصفة الفرق بين سِعره المُعلن البالغ ١٠ دولارات واستعدادي لدفع ١٠٠ دولار. فإذا كان من غير الأخلاقي أن يَسعى رجال الأعمال للحصول على أسعار عالية، فهل من غير الأخلاقي أن يَشتري العملاء بأسعارٍ مُنخفِضة؟

هذا هو الدرس المُستفاد من هذه القصة: لو كان صاحب المتجر يعرف أي شيءٍ عنِّي كفرد، هل كان سيرفع سِعر الكتاب؟ بالطبع كان سيفعل ذلك. وهل كان سيجعلني ذلك أقل سُرورًا كعميل؟ بالطبع لا. لكن الحقيقة التي تُقيِّده هي أنه لا يستطيع إقامة علاقة مع كلِّ عميل يتجوَّل في مَتجره؛ إذ إنَّ ذلك سيكون باهِظ التكلفة حتى مع برنامج إدارة علاقات العُملاء المُتطوِّر هذه الأيام. المِهنيُّون لا يُعانون من هذا القيد. فأنت تعرِف كلَّ واحدٍ من عُملائك، بشكلٍ جيد إلى حدٍّ ما على الأرجح، أو على الأقل أفضل مِمَّا يعرف صاحب متجرِ الكتُب عُملاءه. يجب أن تكون قادرًا على خفض مستوى المعلومات غير المُتكافئة بينهم وبينك وتحديد عوامل القيمة لكلٍّ منهم. إن تحديد السعر ليس مُجرَّد مسألة تفاوض؛ لأنك بمُجرَّد أن تقوم بتحديده فأنت بذلك تُقدِّم لعملائك حافزًا لانتقادك أو مُعارضتك في السِّعر. وإذا خفَضْتَ سعرك نتيجة لذلك، فأنت في واقع الأمر تُكافئ سلوكهم، وسيطلُبون تخفيضاتٍ إضافية في السعر؛ إذ سيستمرُّون في خفْض سِعرك في المُفاوضات المستقبلية. دَعونا نكون صُرَحاء: مهمَّة العميل هي دفع أسعارك للأسفل؛ ومهمَّة البائع هي رَدُّها إلى ما كانت عليه. المفتاح ليس التفاوض على السعر، بل التفاوض بشأن القيمة.

هذا هو السبب في أن تصميم اتفاقية السعر الثابت بمُشاركة العميل وتجميع خدماتك في صورة باقات أمرٌ مُهم للغاية؛ لأنك تركز على احتياجات العميل ورغباته وأمنياته — التي تُحاولان تلبيتها على الوجه الأمثل — وليس سعر كل خدمة مُنفصِلة، وهو بالطبع ما يُريد العميل تقليله. كلَّما عرفتَ أكثر عن عملائك، وأوضاعهم الخاصة، ومُحرِّكات القيمة التي تُحفِّزهم على التعامل مع شركتك، تمكَّنتَ من وضع سعرٍ يتناسَبُ مع القيمة التي تُقدِّمها. هذه عملية من مرحلتَين: أولًا، ثمة أسئلة مُعيَّنة عليك طرحها على العميل. ثانيًا، ثمة أسئلة مُعيَّنة تحتاج إلى التفكير فيها من منظورٍ داخلي. فيما يلي بعض الأسئلة التي يجب أن تطرحها (أنت أو أعضاء الفريق الذين يخدمون العميل) على العميل أثناء اجتماع اتفاقية السعر الثابت (أو مُفاوضات تغيير الطلب) من أجل تقييم احتياجاته ورغباته ومُحفِّزات القيمة الخاصة به.

الأسئلة التي يتعيَّن طرحُها على العميل

  • ما الذي تتوقَّعه مِنَّا؟

  • ما شكواكَ الحالية؟

  • ما الذي يؤرِّق مَضجعك؟ وما تحدِّياتك الرئيسة؟

  • ما الطريقة التي ترى أنَّنا سنُساعدك من خلالها على مواجهة هذه التحدِّيات وانتهاز تلك الفرص؟

  • ما خططك (الطويلة والقصيرة الأجل) للنمو؟

  • من هم مُنافِسوك الرئيسيُّون؟ وما وجه اختلافك عنهم؟

  • هل تتوقَّع احتياجات تتعلَّق برأس المال أو بتمويلٍ جديد؟

  • هل تتوقَّع أي عمليات اندماج أو شراء أو تصفية أو إعادة رسملة أو إعادة تنظيم لشركتك في المستقبل القريب؟

  • نحن نعلم أنك تستثمر في خدمة الجودة الشاملة، وكذلك نحن. فما هي معايير الخدمة التي ترغب في أن نُقدِّمها لك؟

  • ما مدى أهمية ضمان الرضا عن جودة خدماتنا بالنسبة إليك؟

  • ما مدى أهمية الاستجابة السريعة في المسائل المُحاسبيَّة والضريبية بالنسبة إليك؟ وما مفهومك عن الاستجابة السريعة؟

  • لماذا تقوم بتغيير المِهنِيِّين؟ ما الذي لم يُعجبك بالشركة السابقة ولا تُريدنا أن نُكرِّره؟

  • كيف كان العمل مُمتعًا مع شركتك السابقة؟

  • هل يُمكنك تخيُّل أي تغييرات أخرى في احتياجاتك؟

  • هل أنت قَلِق بشأن أيٍّ من أصولك أو مَسئوليتك أو حساباتك المتعلقة بالدخل بحيث يجب أن نُوليها اهتمامًا خاصَّا؟

  • ما الطرق التي تقترحها لمعرفةٍ أفضل عن أعمالك حتى نتمكن من ربط عملياتك بالمعلومات المالية؛ ومِن ثَمَّ يُمكننا أن نكون سبَّاقين في مساعدتك على تحقيق أقصى نجاح لنشاطك التجاري؟

  • إذا حضرنا بعض اجتماعات الإدارة الداخلية كمُراقبين، فهل ستشعر بارتياح في ذلك؟

  • هل يمكن أن يقوم شركاؤنا بجولة في منشآتك؟

  • ما المجلَّات التجارية التي تقرؤها؟ ما الندوات والمعارض التجارية التي تواظب على حضورها؟ هل يُمكننا حضورها معك؟

  • لو كان لدينا عصًا سحرية، ماذا تُريدنا أن نفعل لشركتك؟

  • ما الجانب الأكثر أهمية في التعامُل مع المُحاسب القانوني [أو المحامي] بالنسبة إليك؟

  • إذا كان السعر يُمثِّل مشكلة لك، فما الدور الذي تُريدنا أن نلعبه في عملك؟ (مقتبس بتعديل من بيكر، ٢٠٠١: ١٧٦-١٧٧)

يطلب زميلي دان موريس من العملاء المُحتمَلين استيفاء الاستبيان المُوضَّح في شكل ٩–١، وذلك عادة عبْر موقع الشركة على الشبكة العنكبوتية. وهذا فعَّال للغاية في التأهيل المُسبَق للعملاء لتقدير مدى جِدِّيتهم في التعامُل معك، وتحديد احتياجاتهم ورغباتهم وآمالهم ومُحرِّكات القيمة لديهم. وتُمثِّل الرسالة التعريفية طريقةً مُمتازة للتواصل بشأن ثقافة شركتك وعروض القيمة وسياسة التسعير القيمي. لاحظ كيف يتمُّ تحديد الحدِّ الأدنى للسعر، ووجوب دفعه مُقدَّمًا: هذا يُعدُّ بمثابة جهاز تصفية مُمتاز للتخلُّص من العملاء غير الجادِّين في التعامُل معك، الذين قد يبحثون فقط عن مشورة مجَّانية أو عرض أسعار يستغلُّونه ضِدَّ مُقدِّم الخدمة الحالي [يستخدمون مُصطلح «اتفاقية الخدمة» بدلًا من «اتفاقية السعر الثابت»].

شكل (٩–١): استِبيان

موريس + دانجيلو
لسنا مُجرَّد شركة مُحاسبة قانونية عادية
نظرة عامة على اتفاقية الخدمة واستبيان العملاء المُحتمَلين

نيابة عن الشركاء والموظفين لدى شركة «موريس + دانجيلو»، نشكركم على تفكيركم في الاستفادة من خدماتنا. لقد تعلَّمنا من التجارب السابقة أنَّ إجراء المُقابلة هذا يحتاج إلى العمل في كلا الاتجاهين. ومن أجل تقييم المستوى وأنواع الخدمات التي تحتاجها، قُمنا بتصميم الاستبيان البسيط التالي للمساعدة في تحليلنا وتقديرنا لاحتياجاتك، ورغباتك، وتحقيق الانسجام المتبادل.

لا تُوجَد إجابات صائبة أو «مناسبة» عن هذه الأسئلة. الحقيقة المُباشِرة هي أنه نظرًا للهيكل الفريد لشركتنا والأهداف التي حدَّدْناها من أجل تحقيقها لعملائنا، فليس كل العملاء المُحتمَلين يتوافقون مع السمت المطلوب من أجل سيناريو مُربح للطرفين. هذا الاستبيان ومقابلتك الأولية اللاحِقة هما اثنان من أدواتنا التي تُمكِّننا من تحديد مُؤهِّلات كل عميلٍ مُحتمَل على نحوٍ أفضل ليُصبح عميلًا فعليًّا لدى شركتنا.

وبقدر أهمية إجرائنا مُقابلة معك بشأن مؤهلاتك، فإنَّنا نُوصيك بشدة بأن تُجري مُقابلة معنا في المُقابل. فعلى مرِّ السنين، أصبحْنا نتقبَّل فكرة أنه على الرغم من أنَّ نهْج شركتنا في تقديم خدماتنا فريد من نوعه، فإننا لسنا الحلَّ الأفضل لجميع العملاء المُحتمَلين. لا تُعزَّز القيمة على المدى الطويل إلا عندما ترتبط احتياجات العملاء ورغباتهم وشخصيتهم ووضعهم المالي ارتباطًا مُتناغمًا مع احتياجاتنا ورغباتنا وشخصيَّتنا ووضعنا المالي.

نحن لا نقوم بتسعير خدماتنا بالساعة. إنَّنا نؤمِن بأن كلَّ طرفٍ يُحدِّد القيمة الحقيقية. ولا تُوجَد علاقتا عملٍ مُتماثِلتان، ومِن ثَمَّ لن يكون ثمة أي معاملة بنفس سعر وشروط مُعاملة أخرى. وعليه، فإن المقارنة بين احتياجاتك ورغباتك واحتياجات ورغبات معارفك لا تُقدِّم معلومات صحيحة على وجه العموم. وبقدر سرية العلاقة بينك وبين شركتنا، لا يُمكننا كذلك مُناقشة شروط وأحكام اتفاقيات أصدقائك ومعارفك التي قد تربطهم بشركتنا.

على الرغم من عدم وجود عقدَين مُتشابِهَين، فإن لدَينا سياسة ثابتة مرتبطة بالعلاقات الجديدة. نحن بحاجةٍ إلى ما لا يقلُّ عن ٢٠٠٠ دولار تُدفَع كمُقدَّم أتعاب في الاتفاقية المالية بين شركتنا وعملائنا. وبقدر ما نُقدِّم ضمانًا كاملًا للرضا عن الخدمة، فإننا سنُسدِّد لك المبلغ المدفوع مُقدَّمًا في حالة إذا ما قرَّرتَ من جانبٍ واحدٍ أنَّنا لم نُقدِّم الخدمات المُتَّفَق عليها في اتفاقية خدماتنا.

كما ترَون، فإن بعض هذه الأسئلة شخصية للغاية، وعندما اقترَحَ موريس هذا الاستبيان على شركائه، عُورِض بشدَّة. ومع ذلك، وبعد أن دخل حيِّز التطبيق، أصبح الشركاء الآن مُتَّفِقين على أنه وسيلة ممتازة لتأهيل العُملاء الجُدد وإيصال التوقُّعات المُتبادلة. علاوة على ذلك، فقد أدلى العُملاء الذين استوفوا الاستِبيان بتعليقاتٍ إيجابية مَفادها أن هذه هي المرة الأولى التي يطرح عليهم أحدُ المِهنِّيين هذه النوعية من الأسئلة. والعميل الوحيد، الذي اشتكى من أن الأسئلة كانت تطفُّلية للغاية ولم يكن لدى الشركة أيُّ حقٍّ لطرحها، اتَّضح في النهاية أنه عميل لا يُناسِب هذه الشركة، ومِن ثَمَّ وُفِّر وقتُ تطوير العلاقة (يمكنك تحميل وتعديل الاستبيان ليُناسب ثقافة شركتك من خلال زيارة موقع شركة «موريس + دانجيلو» على الإنترنت www.cpadudes.com).

الخطوة الثانية قبل تحديد السعر هي طرح الأسئلة التي تحتاج الشركة نفسها للإجابة عليها. ننصحك بالنظر في الأسئلة التالية كفريق لخدمة العملاء، وتضمين عضوٍ واحد على الأقل في الشركة «لا» يعرف العميل، ومَن ثَمَّ ليس لديه أي التزام عاطفي تجاه العلاقة. فمن الضروري أن يكون هناك شخص موضوعي، لضمان أنَّ الشركة لن تُقدِّم تنازُلات سعرية غير مُبرَّرة. وقد اتَّخذت بعض الشركات خطوة أخرى عن طريق إنشاء لجنة للتسعير؛ حيث يُوافَق على جميع اتفاقيات السعر الثابت، وأوامر التغيير وقرارات التسعير داخليًّا قبل أن يُبلَغ العميل بها. دعنا نُفكِّر في الأسئلة التي تُوصي بها رابطة المُحامين الأمريكية قبل تحديد السعر.

تُحدِّد القواعد النموذجية للسلوك المِهَني لدى رابطة المُحامين الأمريكيين مسئوليات المُحامين في التعامُل مع العملاء. وعلى وجه التحديد، تنصُّ القاعدة النموذجية ١-٥ على «أن تكون أتعاب المحامي معقولة» (لم يستخدموا كلمة «السعر» بعد). وتُحدَّد العوامل التالية للنظر في تحديد السعر:
  • (١)

    الوقتُ واليَدُ العامِلة المطلوبة والحداثة والصعوبة المُتضمَّنَتَين والمهارة المطلوبة اللازمة لأداء الخدمات.

  • (٢)

    احتمال أن يكون قبول المَهمَّة — في حال تبيَّن للعميل — سيحول دون وجود وظائف أخرى.

  • (٣)

    الرسوم المُعتادة المفروضة لخدمات مُماثلة في المنطقة.

  • (٤)

    مقدار الإنفاق والنتائج التي يتمَّ الحصول عليها.

  • (٥)

    الحدود الزمنية المفروضة من قبل العميل أو الظروف.

  • (٦)

    طبيعة ومدَّة العلاقة المِهنيَّة مع العميل.

  • (٧)

    خبرة وسُمعة وقُدرة المحامين الذين يُؤدُّون الخدمات.

  • (٨)

    ما إذا كانت الرسوم ثابتة أم طارئة.

إلى جانب اعتبارات رابطة المُحامين الأمريكيين، يتعيَّن عليك أن تسأل نفسك ما يلي:

أسئلةً يجب على الشركة طرحُها داخليًّا قبل تحديد السعر

  • من الذي سوف نتعامَل معه على الخريطة المؤسسية؟

  • من الذي أحال العميل إلينا؟

  • ما طبيعة العلاقة مع مصدر الإحالة؟

  • ما الإطار الزَّمني اللازم لاختيار المهني؟

  • ما المواعيد النهائية الوشيكة التي تُوجِّهُ قرارًا بشأن التعامُل مع المهني؟

  • من يدفع مقابل الخدمة؟

  • هل هناك أي مُنافسين لشركتنا على الساحة؟ ومن هم؟

  • هل هناك أي معلومات عن الأسعار من هؤلاء المُنافِسين (العطاءات، طلبات العروض، وما إلى ذلك)؟

  • ما مدى رِبحيَّة الشركة؟ منذ متى تُزاول النشاط؟

  • من المِهني السابق الذي كانوا يتعاملون معه ولماذا قاموا بتغييره؟

  • إذا كان هذا نشاطًا جديدًا، فمن هو المصرفي، والمحامي، والمُحاسِب القانوني، وأعضاء مجلس الإدارة، وغير ذلك من المهنيين؟

  • ما مدى خبرة العميل بخدماتنا؟

  • ما السعر الذي سيدفعه العميل مُقابل الخدمة داخليًّا؟

  • هل يضيف هذا العميل إلى رأس المال الفكري للشركة، أم أنَّنا فقط نستخدم المهارات الحالية؟

  • ما المخاطر التي تتعرَّض لها الشركة مع هذا العميل؟

  • ما مِقدار الربح (أو الخسارة) المُحتمَل للعميل جرَّاء تقديم خدماتنا له؟

  • هل يفتح هذا العميل الطريق إلى مكانة أو شريحة جديدة في السوق؟

  • هل نرغب في هذا العميل؟ هل هو في نطاق الأعمال التي نهتمُّ بها؟

  • ما السعر الذي نرغب فيه لهذه المهمة؟ (مقتبس بشيء من التعديل من بيكر، ٢٠٠١: ١٧٣–١٧٧)

لاحِظ كيف أنَّ هذه الأسئلة والاعتبارات (التي تخصُّنا وتخصُّ رابطة المُحامين الأمريكيين) تذهب إلى ما هو أبعد من الوقت واليد العاملة. فهي تُحاول، في الأساس، تحديد القيمة للعميل من خلال النظر إلى مجموعة كاملة من العوامل؛ وكُلَّما زادت معرفتك، كان بمقدورك أن تكون مُستعدًّا على نحوٍ أفضل لتحديد سعرٍ يتناسَب مع القيمة. لا يُوجَد خطأ، في حدِّ ذاته، في تقدير حجم العمل المطلوب، ولكن يجِب القيام بذلك قبل إقامة العلاقة وليس بعدَها. كذلك لا ينبغي أن يكون هذا هو العامل الحاسِم في تحديد السعر، ولكنَّهُ واحد فقط من بَين عديدٍ من العوامل. العُملاء لا يشترون ساعات؛ ومِن ثَمَّ فهي غير ضرورية في تحديد القيمة.

السؤال الأخير — ما السعر الذي ننشده لقَبول هذه المهمة؟ نقترح أن تحدد الشركة ثلاثة أسعار داخلية مأمولة لكلِّ اتفاقية سِعر ثابت أو أمر تغيير (أو تحديد سِعرٍ ثابت لهؤلاء العملاء الذين لا يخضعون لاتفاقيات السعر الثابت):
  • السِّعر التَّحَفُّظي: هذا هو السعر الذي لا تقبل الشركة بأقلَّ منه بأيِّ حالٍ من الأحوال. ويمكن أن يعتمد على تقدير مُعدلات القياسية بالساعة، ولكن ينبغي أيضًا أن يُراعي جميع الاستراتيجيات الأخرى ومُحرِّكات القيمة والعوامل الأخرى التي ناقشْناها. هذا السعر سيُحقِّق للشركة «ربحًا عاديًّا».
  • السعر المأمول: هذا هو السعر الذي سيُحقِّق «ربحًا فوق العادي» للشركة.
  • السِّعر المِثالي: هذا هو السعر الذي سيُحقِّق ربحًا «استثنائيًّا غير متوقع» للشركة.

من الأهمية بمكان تحديد هذه الأسعار داخليًّا قبل الاتفاق مع العميل. فكما ناقشنا، لا يُوجَد سبب لعدَم تحديد الشركة السِّعر مُقدَّمًا، ومِن ثَمَّ تحديد ما إذا كان بإمكانها أن تَستثمِر بطريقةٍ مُربحة في التكاليف الداخلية لتحقيق الربح المُريح للشركة (على غرار الطريقة التي اتبعها أياكوكا في تسعير «فورد موستانج»).

لن تُصبح أبدًا مُفاوضًا فعَّالًا إلَّا إذا كُنتَ على استعدادٍ للتخلِّي عن الصفقة. هذا هو مَوقفك التَّفاوضي قبل الأخير — المَوقف التَّفاوضي النهائي هو فَهم وتسليم القيمة الخاصَّة بك — وهو الطريقة التي تتجنَّب بها أفضل الشركات في العالم المُنافسة فقط على السعر (والتي بِسببها ترفض أيضًا نِسبة كبيرة من العُملاء المُحتمَلين). ويمنح السِّعر التَّحفُّظي ميزة رسم الحدود الفاصلة هذه. فيجب ألَّا تتنازَل أبدًا عن هذا السعر للحصول على «حصة في السوق». فلا يُمكنك أخذُ حصَّة في السوق إلى البنك، وإنما الربحية وحدَها. إذا لم يكن العُملاء على استعدادٍ لدفع السعر التَّحفُّظي، فاطلُب منهم حذْفَ الخدمة التي يرغبون في حذْفها من باقة الخدمات؛ أو اجعلهم يقومون بالمزيد مِن العمل بأنفسهم؛ أو إذا كُنتَ تبحث عن تخفيضٍ هامشي، فعليك تغيير شروط السداد والحصول على السِّعر بالكامل مُقدَّمًا. مهما حدث، لا تُقدِّم تنازلاتٍ في الأسعار من جانبك دون دفْع العميل إلى تقديم شيءٍ في المُقابل. فأنت لا تُريد مُكافأة هذا النوع من السلوك. ولا تُضِف طاقةً استيعابية (أو تستهلك الكثير من الطاقة الاستيعابية الحالية) لخدمة العُملاء مُنخفِضي السعر. ربما تحرِص على الاحتفاظ بعُملاء عادِيِّين على سبيل الاحتياط، ولكن يجب على الشركة أيضًا الحصول على حِصَّتها من عملاء الدرجة الأولى ورجال الأعمال في إطار سَعيها للربح. كذلك عليك حجْز جزء من طاقتك الاستيعابية الثابتة لتلبية الاحتياجات الفورية لأفضل عُملائك الذين سيكونون أقلَّ حساسية للسعر من العملاء الجُدد الذين يبدءون في أسفل منحنى القيمة.

السعر المِثالي هو أعلى سعرٍ في منحنى القيمة. سيكون هذا أفضل تقدير من جانب الشركة فيما يتعلَّق بالسِّعر الحقيقي الذي يكون العميل مُستعدًّا وقادرًا على دفعه إذا كان لديك معلومات مِثالية عنه. يتردَّد العديد من المِهنِيِّين في طلب هذا السعر، لكن لا ينبغي أن تكون كذلك. عليك أن تُؤمِن بأنك تستحقُّ ذلك لكي تحصُل عليه. ونحن لا نقترِح عليك الحصول على هذا السعر في مُعظم الأوقات (بناءً على خِبرتنا في العمل مع الشركات التي تستخدم هذه الطريقة، ستحصُل عليه بنسبة تتراوح بين ٢٠ و٤٠ بالمائة من الوقت). ولكن ثمة شيئًا واحدًا نعرفه على وجه اليقين: إذا لم تطلُب قطُّ السعر المثالي، فلن تحصُل عليه أبدًا. إنَّ مقولة لاعب هوكي الجليد الرائع وين جريتسكي صحيحة تمامًا: «أنت تفوِّت ١٠٠ بالمائة من التسديدات التي لا تُسدِّدها.»

في مُعظم الأحيان، سيصِل سعرُك النهائي إلى المستوى المأمول في نهاية المطاف، وهو ربح فوق العادي. نظرًا لأنك تقوم بتجميع الخدمات في صورة باقات، وتوفير ضمانٍ للسعر والخدمة، وتقديم أسعار وشروط سدادٍ ثابت، يجب أن تكون قادرًا على طلَب أسعارٍ مُمتازة خلال المنافسة. فالهدَف هو التنافُس على الخدمة والقيمة وليس السعر.

ومن المُناسِب أيضًا في ظروفٍ مُعيَّنة أن تسأل العُملاء عمَّا يعتقدون أنه سِعرٌ عادلٌ مُقابل الخدمة، وأن تترُك لهم تحديد السعر. ففي كثيرٍ من الأحيان، سوف تُفاجَأ عندما تعلَم أنَّ العميل اختار سعرًا أعلى بكثيرٍ من السعر التَّحفُّظي. كما أنه يجعل عملية التحصيل أسهلَ كثيرًا؛ نظرًا لأنه سيصعُب جدًّا على العملاء أن يُجادلوا لاحقًا في السعر الذي حدَّدوه سابقًا بأنفسهم.

أما في الحالات التي لا يعرِض فيها العميل سعرًا مُعينًا، فتكون الكرة في ملعبك. أخبره بالسعر المِثالي أولًا؛ إذ إنَّ البدء من الأعلى والانتقال للأسفل أسهل بكثيرٍ من العكس. ثُم، «التزم الصمت». إذا قلتَ أيَّ شيءٍ بعد ذلك، فستكون في طريقك لخفْض الأسعار، وستفقِد السيطرة على التفاوض (ولن تكسب شيئًا). دع العميل يمر بصدمة السعر المُرتفِع، ولحظة من الصمت؛ لأنَّ ذلك طبيعي جدًّا. الصمت في هذه المرحلة أمر صعب (فالبشر لا يُحبُّون الصمت)، ولكن عليك أن تمتنِع عن الكلام، وذلك سيستغرِق عادةً فترة لا تتعدَّى ٣٠ إلى ٦٠ ثانية.

قد تبدو هذه مهمَّة شاقَّة في البداية، لكن مثل كلِّ الأعمال المعرفية الأخرى، هي عملية تكرارية. وكلَّما قُمتَ بها، زادت الثقة التي اكتسبْتَها، وحصلتَ على نتيجةٍ أفضل. كما أنه من خلال إشراك أعضاء فريقك في هذه العملية، فإنك تغرس بداخلهم توجُّهًا مُتميزًا في ريادة الأعمال وتُقدِّم رأس مال بشريًّا ثمينًا (وإيجابيًّا) بشأن عملية التسعير المقصود بهدف تحقيق الأرباح.

•••

بول: في بعض الأحيان نحتاج إلى تجارب شخصية لجعل الأفكار تنبض بالحياة، بل جعلها أكثر عاطفية، بحيث تُصبح جزءًا من نظام معتقداتنا (ستتذكر النقطة المُتعلقة بتغيير المُعتقَد الذي يسبق تغيير السلوك). مع أخذ ذلك في الاعتبار، اسمحوا لي أن أُشارككم بعض التجارب التي قد تُساعد في هذه العملية.

في مجلس استشاري للعُملاء كنتُ أديره في إنجلترا، تطرَّقنا إلى الحديث عن السعر. قال أحد العملاء: «لديَّ مشكلة حقيقية في طريقة تسعير هذه الشركة. لشرح ذلك، دَعْني أطرح عليك هذا السؤال: هل لديهم خيَّاطون في أستراليا؟»

أجبتُه: «نعم نعم بالطبع». (ربما ظنَّ العميل أنه ليس لدينا إلَّا حيوان الكنغر على نواصي الشوارع!)

لم يلبَثْ أن وقف العميل وأخذ يقول: «حسنًا، تخيَّل أني ذهبتُ إلى محلِّ الحياكة المحلي الذي أتعامَلُ معه، وجرَّبتُ بذلة، ولكن السترة كانت طويلةً أكثر من اللازم. لذلك ذهبتُ إلى الشخص المسئول وسألته كم سيتكلَّف تقصير الأكمام. فقال مُوظَّف البيع: «حسنًا، ذلك يعتمد على أمورٍ عدة.» من الواضح أنَّ ردِّي سيكون: «ما هي تلك الأمور؟»

فيردُّ عليَّ موظف البيع قائلًا: «حسنًا، يعتمد الأمر على المُدَّة التي يستغرقها. وإذا قمتُ بذلك، فسوف يستغرق الأمر وقتًا أطول مِمَّا سيستغرقه مُديري. لكن سعره للقيام بذلك هو ٥ جنيهات إسترلينية للبوصة وسِعري هو ٤ جنيهات إسترلينية للبوصة. فأيُّ الخيارين تُفضِّل؟»»

كان العميل الآن يتطلَّع بشدَّة لسرد باقي القصة. قال: «بول، أخبرْني، كيف سيكون شعوري؟» وقبل أن أتمكن من الإجابة، أجاب على سؤاله بحماسٍ قائلًا: «سوف أغضب، هذا ما سأشعُر به.» بعد ذلك وصل إلى الخلاصة: «أترى؟ هذا بالضبط شعوري عند التعامُل مع شركة المُحاسبة هذه. لا يهمني من يفعل هذا، لا يهمني كم من الوقت سيستغرق، كلُّ ما يهمني هو الحصول على المطلوب على نحوٍ صحيح.»

أليس هذا بالضبط ما يشعُر به عملاؤك؟ والأكثر من ذلك، أليس ذلك ما تشعُر به؟ إذا كان كذلك، فتعالَ معي إلى عيادة طبيب الأقدام. (قبل أن تقول: «ما علاقة ذلك بالتسعير؟» الإجابة هي: «الكثير، ابقَ معنا».)

إن أطباء الأقدام مُفيدون للغاية إذا كُنتَ تقضي الكثير من الوقت في التحرُّك المتأني على خشبة المسرح جيئة وذهابًا. أنت فعليًّا تمشي أميالًا في اليوم الواحد! وإذا كُنت في الخمسينيات فما فوق من العمر، يُمكن أن يبدأ بروز مُؤلِمٌ جدًّا في الظهور في قدميك. حسنًا، كان لديَّ بروز في قدمي اليسرى مُؤلمٌ للغاية. كان الناس يسألونني إذا كنتُ قد تعرضت لكسر في كاحلي؛ فقد كنتُ أعرج كثيرًا. لذلك بعد شهور من العذاب (والسفر) وصلتُ إلى البيت وذهبتُ إلى طبيب الأقدام الودود القاطن في الحي، واسمه كريس.

ما إن فحص قدمي حتى قال: «أوه، هذا سيِّئ، لكنَّنا سرعان ما سنتخلَّص منه؛ سيستغرق الأمر نحو ٤٥ دقيقة لأداء عملٍ جيِّد بحق.» عندما شرع في عمله استفسرتُ عن الأتعاب. فأخبرَني بشيءٍ من الخجل: ٥٠ دولارًا.

الآن توقَّف للحظة. ماذا سيكون ردُّ فعلك؟ تظاهر للحظة أنك، مِثلي، تقضي مُعظم حياتك تقول للمُحاسِبين المُحترفين إنَّ أسعارهم مُنخفضة للغاية: سيكون ردُّ فعلك إذن تمامًا مِثل رد فعلي. «هل هذا كل شيء؟ كريس، انتظر لحظة. عندما أتيت، كنتُ بالكاد أستطيع المشي؛ خلال ٤٥ دقيقة أو نحو ذلك، سأكون وكأنَّني مُعافًى تمامًا وأنت لا تطلُب مِنِّي إلَّا ٥٠ دولارًا فقط. أنا أُصِرُّ على أن تطلُب أكثر.» (حسنًا، ربما أكون غريب الأطوار!)

تفاجأ كريس، على أقل تقدير، بعض الشيء. فقد أخبَرَني أنه لم يسمع أحدًا يقول ذلك من قبل. كُنَّا نتناقَشُ في ذلك بينما كان يُعالِج أصبعي الأصغر (الذي كان يزداد تضاؤلًا!) من قدمي اليسرى. بهذا إن هدفي من ذلك هو أن أُبيِّن كيف أن مُعظم المِهنيِّين لديهم مُشكلات تتعلق بهيكل الأسعار أكثر من أيِّ شيءٍ آخَر، وكيف أنَّ العميل (أو المشتري) يُعاني دائمًا من مُشكلاتٍ مع السعر أقل من تلك التي يُعانيها البائع. إن الاعتراض على السِّعر يشغل البائع في أغلب الأحيان أكثر من المُشتري.

•••

رون: يبدو أنَّ المهنِيِّين هم من ينقلون بالفعل اعتراضهم الشخصي على السعر إلى عملائهم.

•••

بول: أخبرَني كريس بعد ذلك أنه لم يسبِق لأحدٍ أن وضَّح له التسعير من قبل. بعد ذلك علمتُ أنه يعمل في المجال منذ عامٍ واحدٍ فقط، وأنه يشعُر أن عليه البدء بسِعرٍ مُتدنٍّ (لكنه اعترف أيضًا أنه لم يسبق لأحدٍ أبدًا أنْ قال إنَّ أسعاره كانت باهِظةً للغاية، وأنه لطالَما اعتقد أنه يجب أن يرفعها).

صحتُ به قائلًا: «افعلْها الآن.» وهكذا اتَّفقْنا على أن يأخذ ٧٠ دولارًا. لكن الأمر لم ينتهِ عند ذلك الحد. فقد خرَجْنا معًا — نعم أصبح بإمكاني حينذاك المشي مُجدَّدًا — لردهة الاستقبال، عندما أخبرتْني موظفة الاستقبال أنَّ عليَّ دفع ٥٠ دولارًا. قلتُ لها: «لا، ذلك ليس صحيحًا، بل ٧٠ دولارًا، يُمكنك أن تسأليه.» (وأشرْتُ إلى كريس) عندها سعل كريس في عصبية قائلًا: «نعم، المبلغ ٧٠ دولارًا.»

لك أن تتخيَّل الآن مُوظَّفة الاستقبال وقد تملَّكتها الحيرة تمامًا وتتساءل ما الذي يجري بحقِّ السماء. قالت: «لا، لا، لا، أنت مخطئ؛ إنها ٥٠ دولارًا فقط.» شجَّعت كريس على التمسُّك بمَوقفه. وفي نهاية الأمر، أعطيتُ مُوظفة الاستقبال ورقَتَين من فئة ٥٠ دولارًا، وأعطتْني الباقي ٣٠ دولارًا.

النقطة المُهمَّة هنا هي، بالطبع، أنَّني لو تركتُ الأمر لكريس وقلتُ له: «حسنًا، يُمكنك أن تتقاضى ٥٠ دولارًا هذه المرة، ولكن تأكَّد من أنك ستتقاضى من الشخص التالي ٧٠ دولارًا.» لَمَا فَعَل ذلك أبدًا. ولم يكن ليحدُث مُطلقًا. كان سيجد سببًا لإبقاء السعر مُنخفضًا. (ربما كان عليَّ أن أتقاضى منه ثَمَن المشورة! وذاك من شأنه أن يضمن الالتزام بها من جانبه.) وهنا تكمُن النقطة الحاسِمة مرة أخرى: الاعتراض على السعر يشغل البائع في أغلب الأحيان أكثر من المشتري.

بعد أيام قليلة من تجربتي في عيادة طبيب الأقدام، تحدَّثتُ مع ريجينالد، وهو مُحاسِب في مُؤسَّسةٍ عامَّة في إنجلترا. كُنَّا نُناقِش التموضع، وكان يوضِّح لي أن بعض عملائه (في الغالب كانوا أولئك الذين يدفعون أجرًا أقل) يُعامِلونه باحترامٍ أقلَّ مِمَّا ينبغي. مرة أخرى تفْهَم المَغزى.

ولكن لا تنخدع. فالأمر لا يتعلَّق بمُجرَّد رفع الأسعار فحسب (رغم أنَّ ذلك بالتأكيد جُزء من الهدف)، بل يتعلَّق أولًا وقبل كلِّ شيءٍ برفع قيمة ما نُقدِّمه، ثُمَّ تحديد السعر بما يتوافق مع القيمة. غير أنني ما زلت مُقتنعًا بأنه ما من مهنة أقل تقديرًا لقيمة ما تفعله من مهنة المُحاسبة (وبدرجة أقل منها مهنة المُحاماة).

لقد ساعدَني كريس في السير بصورة أفضل. والمُحاسبون والمحامون يُساعدون عملاءهم في إدارة أعمالهم بصورة أكثر فاعلية. ومنذ تلك التجربة، لم يتراجَع كريس عمَّا قام به أبدًا. إنه يسير بكبرياء وهيبة أكثر قليلًا من ذي قبل هذه الأيام، كما أُلاحظ، ومن المؤكد أنَّ في ذلك رسالةً ما أيضًا.

•••

رون: لإثبات جدوى هذه الاستراتيجيات، تأمل رسالتَي البريد الإلكتروني التاليتَين اللَّتَين تلقَّيتُهما من المُشاركين في دورة تدريبية عقدتها مُؤسَّسة «كاليفورنيا» لتثقيف المُحاسبين القانونِيِّين لمُدَّة يوم ونصف، شاركت فيها في أواخر أكتوبر ٢٠٠٠، في نابا فالي بولاية كاليفورنيا. حضر الدورة التي عُقِدت تحت عنوان «ندوة حول أسلوب التسعير القيمي لطُلَّاب الدراسات العُليا» ١٣ مُحاسبًا قانونيًّا حصلوا على دورة التسعير على أساس القيمة كشرطٍ مُسبَق للحضور، وشرعوا في تنفيذ استراتيجيات التسعير على أساس القيمة في شركاتهم.

٢٨ فبراير ٢٠٠١
مرحبا رون

لقد شغلَني برنامجي الجديد عن مُراسلتك، ولكن لديَّ رغبة في إرسال رسالة سريعة إليك لأشكُرك على كتابك «دليل المهني في التسعير القيمي» وعلى الندوة. لقد قرأتُ الكتاب ثلاث مرَّات أثناء عطلة الكريسماس، وعُدتُ إلى المكتب لكتابة اتفاقية السِّعر الثابت الخاصَّة بي لجميع الإقرارات الضريبية، وواجهتُ كلَّ مخاوفي التي تتعلَّق بفقدان العملاء، ورفعتُ أسعاري بشكلٍ كبير (مِن ضِعفَين إلى أربعة أضعاف سِعر إعداد الضريبة السابق). وقد لاقيت تجاوبًا كبيرًا من العُملاء الذين أُعجِبوا بأسلوب التسعير الثابت الجديد وجميع الخدمات التي يرَون أنهم سيحصلون عليها. لا يعود الكثير من العُملاء مرَّة أخرى، ولكن يبدو أنَّ هؤلاء الأشخاص هم نوعية العملاء الذين يُمكنني الاستغناء عنهم على أيِّ حال، فجميعهم أشخاص كثيرو الشكوى ومُتذمِّرون ولا يُقدِّرون خدماتي. لقد تلقَّيتُ في الواقع اتِّصالًا من ثلاث شركات مُحاسبة قانونية محلية هنَّأتْني على امتلاكي الشجاعة اللَّازمة لفِعل ما فعلت. لم يكن لديَّ الوقت أو الجهد اللَّازمان لأن أُحيل هؤلاء العملاء إلى شركاتٍ أخرى، لكنَّني أحسستُ بأنني كنتُ مُرهقًا للغاية في ظلِّ موسم ضريبي كئيب آخَر مُحتمَل لدرجة أنَّني لم أكن مُهتمًّا. العملاء الجُدد الذين اكتسبتُهم لديهم اتفاقيات تسعير ثابتة مُميَّزة للغاية. ولقد حلَّ ستة عملاء جُدد محل ٢٦ عميلًا قديمًا! كم يَروق لي هذا الأمر!
على أي حال، لقد تغيَّرَتْ حياتي للأفضل. فهناك المزيد من المال، والمزيد من الرضا، ولكن الأهمَّ من ذلك كله هو الوقت الذي فرَّغْتُه لعائلتي وحياتي.
دَيان جرين

٢٣ فبراير ٢٠٠١
مرحبًا رون

أودُّ أن أُطلِعك على التقدُّم الذي أحرزتُه. في هذه الفترة، أبرمتُ اتفاقيَّتَين جديدتَين من اتفاقيات السِّعرٍ الثابت، وتمكَّنتُ من إقناع عميلٍ حاليٍّ باتفاقية السعر الثابت بنجاح كبير. وكما وَعَدْتني، أحب العُملاء فكرة إتاحة الفرصة لهم للاتفاق على السعر مُقدَّمًا.
بعد الدورة التدريبية، كان عليَّ توفير ما يكفي من الوقت لتنفيذ الرؤية الجديدة. وكما هو مُتوقَّع، أواجه الكثير من المُعارَضة من جانب شريكي الشديد التمسُّك بنظام إعداد الفواتير على أساس الساعات. وبينما لا أزال آمُل أن يرى مزايا الرؤية الجديدة، سأمضي قدُمًا سواءً أكان معي في ذلك أم لا. أشعُر أن هذه التجربة قد تكون مُفيدة للآخَرين الذين لديهم تحدِّيات التنفيذ نفسها.
إليك ما أفعلُه. أوَّلًا، أجريتُ تحليل باريتو. ولم تكُن النتائج مُفاجئة، بل كانت نداء صحوة رائعًا جعلني أُفكِّر في التخلُّص من ١١٤ عميلًا. لو تتذكَّر، لقد ورثتُ العديد من العملاء ذوي المستوى المُنخفِض من شريكي الذي تُوفِّي، وكنتُ أُعاني في الاختيار بين التدفُّق النقدي الفَوري وتقديم الخدمة لنوعية العملاء الذين أُحبُّهم. وآثرتُ هذا الاختيار الأخير ووجدنا مُحاسِبة قانونية كانت قد بدأَتْ للتوِّ مُمارسة المهنة، وبعتُ لها العُملاء مقابل ٧٠ بالمائة من إيرادات العام الماضي.
ثم كتبتُ لكلِّ عُملائي الضريبيين (لم يشترك شريكي في البداية، قائلًا إنَّ عُملاءه كانوا تقليديِّين ولا يُحبُّون التغيير. وقد أحدثَ ذلك بعض الارتباك بين أعضاء فريقنا، ولكن بمرور الوقت ونجاح البرنامج، حُلَّ الموقف). حدَّدَت [الرسالة] بعض شروط علاقتنا إضافةً إلى معلومات التسعير التي اشتملت على خصمٍ مُقابل التنازُل عن موعد الموسم الضريبي. بعد ذلك، أجرى أحد أعضاء الفريق الذي يتمتَّع بمهارات تواصل رائعة متابعة للأمر عن طريق المكالمات الهاتفية بهدف استطلاع آراء العملاء حول ما يشعرون به تجاه النظام الجديد ومعرفة ما إذا كانوا يُريدون حجْز موعد. لقد كان النجاح ساحقًا، وحصلنا على ميزات لم أحلم بها أبدًا عندما كنتُ أتوقَّع ردود فعل العميل. ونظرًا لأنني رفعتُ أسعار الجميع، فقد أُتيح للعملاء فرصة للتحدُّث عن السعر مُقدَّمًا؛ وبذلك لن أُضطر إلى قضاء بعض الوقت في الاستماع إلى الشكاوى بعد إرسال الفاتورة. بالإضافة إلى أنَّ ذلك يساعد في تخصيص التدفُّقات النقدية؛ إذ سيدفع الناس مُقدَّمًا أو عندما يحصدون عوائدهم وليس بعد أن يحصلوا على فاتورتنا. نحن نعرف مَن سيعود ومَن لن يعود (وهم قِلَّة قليلة للغاية).
بعد موسم الضرائب، سأضغط لترقية المزيد من العُملاء الجَيِّدين إلى نظام اتفاقية السعر الثابت، وسأُتابع إزالة نظام إعداد الفواتير بناءً على الساعات [وسجلَّات ساعات العمل] تمامًا. سأحتاج إلى كل المساعدة التي يمكنني الحصول عليها إذا كان لدى أيٍّ منكم نصيحة، وسأكون مُمتنًّا لذلك. وكلي أمل أنه إذا توصَّلتُ إلى بعض مؤشرات الأداء الرئيسة العالية (مُؤشرات الأداء الرئيسة، التي جرى مُناقشتها في الفصل العاشر)، فسيكون شريكي أكثر تقبُّلًا.
وآمل أن يسير كلُّ شيء على ما يرام بالنسبة لك، وأتطلَّع إلى المزيد من قصص النجاح بعد موسم الضرائب.
مع تحياتي
ليزلي تشابمان

لاحِظ كيف يُمكن لدعم الشريك أن يكون مسألةً حسَّاسةً؛ وعليَّ أن أكون صادقًا، لقد فُضَّت بعض الشراكات بسبب مسألة التسعير هذه. فإذا كان لديك أنت وشركاؤك رؤًى مُختلفة حول مُقترَحات القيمة وسياسات التسعير والقضايا الاستراتيجية الأخرى، فإنَّ تنفيذ اتفاقيات السعر الثابت وأوامر التغيير — فضلًا عن التخلُّص من سجلَّات ساعات العمل، موضوع الفصل العاشر — لن يؤدي إلَّا إلى زيادة التوتُّر. في بعض الأحيان، يكون فضُّ الشراكة هو الحل الوحيد، وكان في نهاية المطاف النتيجة التي وصل إليها ليزلي. وفي أحيان أخرى، سيُنفِّذ أحد الشركاء هذه الأفكار ويُحقِّق النجاح، وسينضمُّ إليه آخرون. فحتى أشدُّ المِهنِيِّين مُعارضةً سيجد صعوبةً كبيرة في إنكار النتائج الناجحة.

فيما يلي رسالة تتحدَّث عن نجاح تنفيذ اتفاقيات السعر الثابت، تلقَّيتُها بعد عرض تقديمي عن أسلوب التسعير على أساس القيمة، قدَّمتُه في مؤتمر في لاس فيجاس في سبتمبر ٢٠٠٠. ليس الهدف أن أحظى باستحقاق شخصي — في الواقع، يستحقُّ بول قدْرَ ما أستحِقُّه من التقدير حيث إنه اشتغل بالتدريس في معسكر شيكاجو للتدريب في عام ١٩٩٨ — ولكن الهدف هو تسليط الضوء على الآثار الإيجابية التي يمكن أن يحققها تطبيق اتفاقيات السعر الثابت، وتوضيح كيف أن مُعظم الشركات تبنَّت هذه الأفكار تدريجيًّا، مع مرور الوقت، وليس جميعها في وقت واحد.

٦ أبريل ٢٠٠١
عزيزي رون

بصفتك محاسبًا قانونيًّا واقتصاديًّا، هل جال بخلدك يومًا أنك ستتلقَّى رسالةً بريدية من مُعجبيك؟ حسنًا، أنا أيضًا لم أظُنَّ أبدًا أنَّني سأكتُب واحدةً! ولكن بصفتي عضوًا في فريق لدى شركة مُحاسبة قانونية في مدينة ليكوود بولاية كولورادو، أشعر بأن عليَّ إخبارك بتأثير كتابك «دليل المهني في التسعير القيمي» وعرضك التقديمي في مؤتمر «شبكة ريزالتس أكونتانتس» في شهر سبتمبر لعام ٢٠٠٠ على شركتنا. إنَّني لفخورة بالنجاح الذي حقَّقناه باتِّباع مُمارساتك في التسعير، وأعلم أن شُركاءنا شديدو التواضع لدرجة تجعلهم لا يخبرونك عن ذلك بأنفسهم. لذا أرجو أن تسمح لي بشيءٍ من التَّباهي نيابةً عن شركتنا، ولأبقى مُستحوذة على انتباهك، سأتباهى نيابة عنك أيضًا!
دعْني أبدأ بنبذةٍ صغيرة. دخلت شركة «برادلي، آلن آند أسوشيتس» مجال الأعمال منذ عام ١٩٨٢. وعندما حضر الشركاء الثلاثة (تيم برادلي، ومارك ألن، وتوم سوارت) معسكر تدريب شيكاجو الذي نظمَتْهُ مؤسسة «ريزالتس أكونتانتس سيستمز» في شيكاجو عام ١٩٩٨، كانوا جميعهم في أوائل الأربعينيات من أعمارهم، ناجحين في حياتهم المهنية، تُسيطر عليهم بشدَّةٍ عقليةُ إعداد الفواتير على أساس الساعات. في ذلك المؤتمر، سمعوا اسمك وقليلًا عن كتابك. مرَّت سنة، وبعدَ أن أثنى على كتابك شريكٌ من شركة «جورجيا»، كانوا قد اجتمعوا معه في «معسكر التدريب»، قرَّروا أنه يجب أن يقرأ الكتاب مجموعة مُختارة من أعضاء الفريق. لذلك، اشترَيْنا خمسَ نُسَخ وخصَّصنا لأنفسنا موعدًا نهائيًّا لاستكمال قراءتها. بعد ذلك بوقتٍ قصير، خاض تيم المُغامرة وجازَفَ بالتفاوض على أول اتفاقية سعر ثابت له. وفي خلال التسعة الأشهر الأولى من عام ٢٠٠٠، تفاوض تيم ومُزوِّد خدمة آخَر على اتفاقيات سِعر ثابتٍ مع تِسعة عُملاء، مما أدَّى إلى زيادة في الإيرادات تصِل إلى نحو ٧٠ ألف دولار.
ثم جاء مؤتمر «شبكة ريزالتس أكونتانتس» في لاس فيجاس؛ وعرضُك التقديمي المُفعَم بالحيوية والحماس والجاذبيَّة حول أسلوب التسعير على أساس القيمة! بصفتي إدارية لديها قدرةٌ خاصَّة على التنفيذ، دُعيتُ لحضور المؤتمر مع الشركاء، واتَّفَقْنا جميعًا على أن الجزء الذي استغرَقَ أربع ساعاتٍ من المؤتمر يَستحقُّ سِعر الرحلة التي تستغرق يومَين. كُنَّا مُتحمِّسين! عُدنا إلى المكتب بحماسٍ مُتجدِّد، وللمرة الأولى، اقتنَعْنا بأنَّ «أسلوب التسعير على أساس القيمة» فلسفة يُمكن أن نَعتنِقها حقًّا. أعتقد أنَّنا لطالما عرَفْنا أنَّ العديد من عُملائنا المُخلِصين يُقدِّرون تاريخنا معهم ومعرفتنا بشركاتهم وأعمالهم، ونحن نُدرِك أيضًا أن علاقتنا معهم هي الشأن الأكثر أهمية. ولكن جاء إلهامُنا في إدراك أنه من المقبول أن يُدفَع مُقابل لهذه القيمة. فبرغم كُلِّ شيء، لم يكن لدينا بندُ مُحاسبة على «العلاقة»!
لذلك اشترينا نُسخة من كتابك لكلِّ عضوٍ من أعضاء الفريق، وأطلَقْنا برنامجًا مُدَّته ستة أسابيع للقراءة وللمُناقشات الجماعية الحيوية، وبدأنا في إقناع كل شخصٍ باعتناق فلسفة ولغة وتقنيات أسلوب التسعير على أساس القيمة. وبالرغم من كلِّ هذا الحماس والمعرفة، ظل الشركاء ومُزوِّدو الخدمات يجدون فكرة «بيع» أو «أتعاب التحدُّث» غير مستساغة إلى حد كبير. ولكن مع كلِّ نصر أحرزه أحدهم وعرضه على الفريق، كانت الثِّقة تنمو وكان «النجاح يجلب نجاحًا جديدًا».
إنَّني فخورةٌ للغاية بإبلاغك أنه في الفترة بين أكتوبر ٢٠٠٠ وأبريل ٢٠٠١، باع شركاؤنا الثلاثة، وخمسة من مُزوِّدي الخدمات خدماتٍ تبلغ قيمتُها ٩١٨ ألف دولار بموجب اتفاقيات التسعير الثابت، في ٥٦ عقدًا تتراوح قيمة الواحد منها بين ٢٠٠٠ دولار و٨٤ ألف دولار!
من المؤكد أنَّ المحك الحقيقي لنجاحنا هو مدى قُدرتنا على خدمة هؤلاء العملاء وإدارة تكاليفنا. أنا واثقة من أننا سنتميَّز في ذلك أيضًا. الشركاء مديرون ممتازون، وأتوقَّع أنهم سيستمرُّون في رؤية منظومة حساب التكلفة بناءً على عدد الساعات كطريقة صالحة لتقييم مدى فعاليتنا في تقديم خدماتنا. لذا على الرغم من أنَّنا لم نتخلَّ عن «الساعة الجبارة»، فإنَّنا نستخدم سجلَّات ساعات العمل كأداة إدارية أكثر منها أداة تسعيرية.
رون، لقد كان لك أبلغ الأثر على كيفية قيام شركة «برادلي، آلن آند أسوشيتس»، بأعمالها التجارية في الألفية الجديدة. وإذ نتقدَّم بالشكر إليك، فإنَّنا نُقدِّم لك دعوة مفتوحة لزيارتنا في أي وقت تتواجد فيه في مدينة دنفر. نودُّ أن نُظهر لك بعضًا من كرم الضيافة في ولاية كولورادو، كما نرجو منك أن تُوقِّع لنا على السبع عشرة نُسخة المطويَّة الحافات من كتابك!
المُخلصة لكم
باتي كاربنتر

تُوضِّح هذه الرسالة مدى أهمية تبنِّي هذه الأفكار تدريجيًّا وبوتيرة مُريحة للشركة وعملائها. ما من حاجة للتعجُّل في هذا الإجراء. فمن واقع خبرتنا، يمكن للشركات الحصول على أي نسبة تتراوح بين ٥٠ بالمائة و٨٠ بالمائة من إيراداتها تحت مظلَّة اتفاقيات السعر الثابتة في مُدَّة تتراوح بين ستَّة أشهر وسنتَين. تحرَّك بإيقاع تشعر بالارتياح إزاءه، ولكن تأكَّد من احتفائك بنجاحاتك خلال ذلك (وتحليل أيِّ انتكاسات أو إخفاقات).

(٥) شرط ضمان التنفيذ

رون: نشرت مجلة «ذا نيويوركر» ذات مرة رسمًا كاريكاتيريًّا لأحد المقاهي: مرسوم فيه نافذة عرض لأحد المحالِّ عليها لافتة مكتوب فيها: «الإكرامية إهانة»؛ وعلى شبَّاك الدفع لافتة مكتوب فيها «ضع إهانتك هُنا».

سأظلُّ أتذكَّر دائمًا قصَّة سمعتُها في ندوة عُقدتْ في عام ١٩٩٧ شملت أفضل ١٥ شركة مُحاسبة. لقد تركَت انطباعًا لا يُمحى في ذهني؛ لأنها تُوضِّح بجلاءٍ جوانب القصور في التسعير استنادًا إلى عدد الساعات، خاصَّة في الحالات التي تُقدِّم فيها الشركة مستوًى غير عاديٍّ من الخدمة وتُضيف قيمةً هائلة إلى صفقة ما. وبفضل هذه القصَّة، نشأ شرط ضمان التنفيذ.

كان تيم الشريك الإداري لذلك المكتب المُختصِّ بالمدينة، وقد جاء إليه أفضل عملائه الذي مرَّ على تعامُله معه وقتٌ طويل (منذ ٢٠ عامًا) خلال الربع الماضي؛ حيث أراد بيع نشاطه التجاري الذي تبلغ قيمته ٢٥٠ مليون دولار. لقد أخبر تيم (وأنا أعيد صياغة كلامه هنا) قائلًا: «لقد ظلَلْتَ محاسبي القانوني لأكثر من ٢٠ عامًا وأنا آتمِنُك على حياتي. لقد حان الوقت لبيع شركتي والاستمتاع بسنوات تقاعدي. وإليك ما أريدك أن تفعله:
  • تحديث تسعير أعمالنا من أجل زيادة سِعر البيع لأقصى درجة مُمكِنة.

  • السفر معي في أيِّ مكانٍ أذهب إليه لمقابلة المُشترين المُحتمَلين.

  • المشاركة بنشاط في كل مرحلة من مراحل التفاوض على البيع.

  • بذل الجُهد المطلوب، جنبًا إلى جنبٍ مع مُحامي المُشترين المؤهلين.

  • التعاون مع المحامين في صياغة عقود البيع لضمان حماية مصالحي.

  • إجراء التخطيط الضريبي وهيكلة الصفقة بطريقةٍ تُعزِّز احتفاظي بثروتي على النحو الأمثل.»

من الواضح أنه كان عميلًا متمرِّسًا للغاية، ولم يكن تيم يستخدم اتفاقيات التسعير الثابت آنذاك؛ ولكن حتى لو استخدمها فمِن المُحتمل أنها لم تكن لتشتمل على هذا الالتزام، فهذا من شأنه أن يتطلَّب أمر تغيير. وفي الواقع، حدَّد العميل بالفعل نطاق الخدمة. صحيح أن تيم لم يكن لديه أي فكرة في بداية تقديم هذه الخدمة عن مقدار الوقت المُستغرق لإنجاز العمل، ولا عن عدد الموظفين المُحتمَلين اللازمين لإتمام الأمر، لكنه يعرف أكثر مما يعرفه بائع مُتوسِّط الخبرة والأداء. كان يعلم أنَّ شركة العميل تتمتَّع بالاستقرار في السوق وتُحقِّق أرباحًا ونموًّا، وهذا من شأنه أن يُشير إلى احتمالية نجاح كبيرة جدًّا. كما علم أيضًا أنَّ هذا العميل كان عميلًا تُقدِّم له الشركة خدمة تدقيقٍ مُحاسبي؛ ومِن ثَمَّ لن يكون قادرًا على فرْض سعرٍ احتياطي يُمكن أن يتغيَّر استنادًا إلى النتائج المالية (مثل النسبة المئوية لسعر البيع أو أي وفورات ضريبية).

سألتُ تيم كيف سعَّر هذه الخدمة، فأكَّد لي بفخر أن كل ساعة احتُسِبت بهذا المشروع — بغض النظر عن المستوى المنوط به في الشركة — قد احتُسِبت بأعلى سعر للاستشارات لديه البالغ ٤٠٠ دولار للساعة الواحدة. هذا يدلُّ على أن تيم كان يعلم منذ البداية أنَّ هذا المشروع كان يحمِل قيمةً أكبر مما يمكن رصده في سجلِّ ساعات العمل، كما أكد أنه كان قد حدَّث تثمينًا للشركة، وفاوَضَ عليه اثنين من المُشترين، مع تأدية جميع المهام الأخرى التي طلَبَها العميل. وكثمرة لمجهود تيم، جنى العميل (ووفَّر في صورة ضرائب) ١٥ مليون دولار إضافية، واعترف أن تيم كان مسئولًا مسئولية مباشرة عن هذه النتيجة. وصَفَ تيم هذا العميل بالمُبتهِج.

ثم أخبر تيم المجموعة كيف سعَّر تلك الخدمة، من خلال استعراض جميع ساعات العمل من نظام وقت العمل الجاري إنجازه وإعداد الفواتير، وعندما رأى أنَّ ذلك النظام لم يعكس القيمة التي قدَّمها بالقدْر الكافي، أضاف نسبة ٢٥ بالمائة على سعر الساعة البالغ ٤٠٠ دولار. بعد ذلك أرسل فاتورة بمبلغ ٣٨ ألف دولار إلى العميل وسارع العميل إلى دفع هذه الفاتورة بسعادة. فقد كان يعتقد أنَّ ما جرى هو تسعير قيمي. ولم يكن الأمر كذلك؛ بل كان «تخمينًا للقيمة»، إذ لم يكن للعميل إطلاقًا أي دخل في السعر، ويمكن للعميل أن يحكم على القيمة فحسب.

عندما سألت تيم عما كان يعتقد أن العميل سيدفعه لو كان استخدم شرط ضمان التنفيذ (الذي يشار إليه أيضًا باسم «السعر الاسترجاعي»، أو «سعر النجاح»)، كما في المثال التالي:

في حالة قُدرتنا على تلبية احتياجاتك في الوقت المناسب وبطريقة احترافية، تكون بذلك قد وافقتَ على مراجعة الموقف وتحديد — وفقًا لتقدير «شركة العميل» وحدها — ما إذا كان سداد دفعة إضافية إلى شركة «مزوِّد الخدمة» مُناسبًا في ضوء رضائك عن الخدمات المُقدَّمة من طرف شركة «مُزوِّد الخدمة» أو النتائج المالية التي حقَّقتْها «شركة العميل» من هذه الصفقة.

يجب تعديل الصياغة هنا؛ لأنَّه كان عميلًا تُقدِّم له الشركة خدمة تدقيق الحسابات، ولذلك فمن غير القانوني أن يستند شرط ضمان التنفيذ إلى نتيجة مالية. وللقيام بذلك، كل ما تحتاج إليه هو مُجرَّد حذف عبارة «أو النتائج المالية التي حقَّقَتْها «شركة العميل» من هذه الصفقة.» لذلك، يعتمد شرط ضمان التنفيذ على «الرِّضا العام عن الخدمات المُقدَّمة»، وليس على أيِّ حدَثٍ مالي مُحتمَل، وهو معنى عبارة شرط ضمان التنفيذ. سيتم استخدام شرط ضمان التنفيذ هذا بالتزامُن مع أمر التغيير ومناقشته مع العميل «قبل» بدء أي عمل. وإذا لزم الأمر، يمكنك وضع حدٍّ أدنى للسعر فيما يتعلق بأمر التغيير (من ١٠ آلاف دولار إلى ٣٠ ألف دولار على سبيل المثال) لتغطية أجور الفريق المُشتغِل على المشروع. ولكن في هذه الحالة، وبالنظر إلى العلاقة التي تبلُغ مُدَّتُها ٢٠ عامًا مع العميل، فإن السعر الذي يتحدد «فقط» على أساس شرط ضمان التنفيذ سيكون مقبولًا؛ إذ إنه من غير المُحتمل أن يستفيد العميل من تيم بعد الخدمات التي قدَّمها مُسبقًا.

ردًّا على سؤالي، قال تيم إن عميله ربما كان سيدفع له مبلغ ٥٠٠ ألف دولار على الأرجح، وهو مبلغ أعتقد أنه في هذا اليوم أقلُّ من الرقم الحقيقي؛ لكنه على الأقلِّ أفضل من اﻟ ٣٨ ألف دولار التي حصَّلها في النهاية. ومع ذلك، وبما أن تيم يعرف العميل أفضل منه، دعنا نأخذ رقمه على أنه مضبوط.

أبلغتُ تيم أنه قد أجرى «قيد المحاسبة المطلق» (المذكور في كتاب تشارلي لارسون، «طرُق مُبتكَرة وفعَّالة لإعداد الفواتير والتحصيل»، ١٩٩٥: ٤٢):

مدين دائن
الخبرة ٤٦٢ ألف دولار
نقدي ٤٦٢ ألف دولار

كان تيم في قِمَّة مُنحنى القيمة، ولكنه سحب معه استراتيجية تسعير تقع أسفل المنحنى إلى الأعلى؛ وهي استراتيجية التسعير بالساعة. هذا هو السبب في ضرورة القضاء على عقلية التسعير بالساعة من شركتك. لا أحدَ مِمَّن أخبرتُهم القصة كان يظنُّ أن تيم سيحصُل على أقلَّ من ٣٨ ألف دولار نظير خدماته في هذا العمل. في الواقع، لقد دفع تيم «بدل المخاطرة العكسية» عندما بات مُطمئنًّا أنه لن يتقاضى أقلَّ من سعره بالساعة، ولكنه في المُقابل تخلَّى عن القيمة المُضافة التي اعتقد العميل أنه قد قدَّمَها بالفعل. وهذه ليست مُخاطرة جديرة بخوضها إذا كُنتَ ترغب في زيادة ربحية شركتك. ولأنَّ تيم كان يحظى بعلاقة طويلة مع هذا العميل، فقد كان من المقبول له أن يمتنع عن تحديد السعر وأن يسمَح للعميل بتحديد السعر بعد إنجاز العمل. ومع ذلك، لا بدَّ من مُناقَشة شرط ضمان التنفيذ والحصول على إذن خطِّي، قبل القيام بالعمل. إذا لم تكن لديك علاقة طويلة الأمد، فعندئذٍ يُمكنك أن ترفع سعر الحدِّ الأدنى في أمر التغيير، ولكنك ستستمرُّ في استخدام شرط ضمان التنفيذ إذا لم يكن لديك سببٌ للاعتقاد بأنَّ العميل سيستفيد منك. (إن لم يكن لديك سببٌ، فلماذا هو أحدُ عملائك في المقام الأول؟)

إن العواقب الوخيمة لهذا النموذج أعمقُ من مُجرَّد حرمانك من قيمة العمل الذي قدَّمْتَه في إحدى المعاملات. فالمشكلة تكمُن في جوهر نظام قياس الشركة وتُشير إلى أنه لا يُتيح الفرصة للتعلُّم من فُرَص التسعير الضائعة أو تقدير ثمن «الأخطاء».

(٥-١) أخطاء غير مُبرَّرة

شرح يوجي بيرا بأسلوبه الذي لا يُضاهى هذه المشكلة ببلاغة في كتابه «الجرأة عند مواجهة المواقف الصعبة!»:

عندما واجهنا فريق «بيتسبرج بايرتس» في نهائيات كأس العالم للبيسبول عام ١٩٦٠، كان من الصعب تصديق أنَّنا قد خسرنا. كان ذلك غريبًا حقًّا. لقد تصدَّينا لكل رمياتهم. وفُزْنا بثلاث مباريات بنتيجة ١٦-٣ و١٠-صفر و١٢-صفر. كُنَّا الفريق الأكثر خبرةً والأقوى. لكنَّنا خسرنا في المباراة النهائية لبطولة السبعة الكُبرى الجامحة والغريبة عندما صوَّبَ بيل مازيروسكي تلك الرَّمية في الشوط التاسع ومرَّت الكرة فوق رأسي في الجانب الأيسر من الملعب. وحتى يومنا هذا، ما زلتُ أعتقد أن الكرة كانت ستصطدم بالسياج. على أي حال، عندما سألني أحد المراسلين فيما بعد كيف يمكن أن نخسر ضد «بايرتس»، قلت: «لقد ارتكبْنا الكثير من الأخطاء غير المُبرَّرة.» (بيرا، ٢٠٠١: ٧٥)

في لعبة البيسبول، كَكُلِّ شيءٍ آخر، تكون الأخطاء إما جسديَّة أو ذهنية. وفي التنس، يُطلقون عليها «أخطاء قسْرية وأخطاء بدون سبب». أودُّ أن أقول إنَّ هناك أخطاءً عارضة وهناك أخطاء غير مُبرَّرة. ما أعنيه هو أنَّ الأخطاء غير المُبرَّرة أكثر خطورة، وأكثر قابليَّةً للتَّفادي، وأكثر تَكلِفة. وعادة ما تكون ذهنية أكثر منها جسدية. (المرجع السابق: ٧٤)

عندما يتعلق الأمر بالتسعير، فإنَّ حِكمة «يوجي» عميقة. لقد ارتكب تيم «خطأً غيرَ مُبَرَّرٍ»، والسبب أنه لن يتعلَّم أي شيء منه لأنَّ التقييم الأساسي للشركة هو الساعات التي يمكن إعداد فواتير بها. عندما يقوم الشركاء بمراجعة التقرير المتعلِّق بفواتير مهمة العمل هذه، فسيجدون أنَّ الرِّبح قد تحقَّق بنسبة ١٢٥ بالمائة، وهو أمرٌ ممتاز عندما تعلَّم أنَّ مُعظَم الشركات تُحقق مُعدَّلًا أقلَّ من ١٠٠ بالمائة على وجه العموم. على الأرجح، لن يحصل تيم إلَّا على الأوسمة والثناء من زملائه الشركاء. ولن يسأل أحد عن مبلغ اﻟ ٤٦٢ ألف دولار الذي أُهدِر؛ لأنَّ مقاييس نظام إعداد الفواتير بالساعة لا تشتمل على آليةٍ لرصْد هذا النوع من المعلومات، وهو بالضبط السبب وراء كَون التسعير فنًّا وليس علمًا.

هذا مثال ممتاز للخطأ غير المُبرَّر؛ لأنَّ تِيم (أو الشركة) لن يتعلَّم أيَّ شيءٍ من هذه الفرصة التسعيرية المفقودة. وسيُهدَر مبلغ اﻟ ٤٦٢ ألف دولار (أو على وجهٍ أدقَّ، سيظلُّ ضِمن قائمة دخل العميل). لم تُكتسَب أي معرفة من قِبل الشركة حول كيفية تسعير مهمة العمل المُماثلة التالية وفقًا للقيمة. بل إن ذلك سيؤدِّي ببساطة إلى ارتكاب نفس الخطأ مرارًا وتكرارًا.

هذا لا يعني أنك لن تقترِف أخطاء مع أسلوب التسعير على أساس القيمة. حتمًا ستُخطئ. الفرق هو أنها ستكون أخطاء مُبرَّرة؛ لأنك مع التسعير على أساس القيمة سيتعيَّن عليك تلقِّي معلومات من العميل فيما يتعلق بقيمتك، وبما لديك من استراتيجيات تسعير سارية ستُحقِّق المزيد من تلك القيمة (مثل شرط ضمان التنفيذ). وإذا انخرطْتَ في تقدير القيمة كإجراءٍ تحليلي عقب كلِّ مهمَّةٍ مُنتهية وتلقَّيتَ آراءً من عُملائك، فسوف تتعلَّم من أخطائك وتُصبح أفضل في التسعير مستقبلًا. التسعير على أساس القيمة هو مهارةٌ مُشابهة لممارسة لعبة البيسبول أو التنس أو الجولف: كلَّما مارسْتَها أكثر، تحسَّن أداؤك.

إن مقاييس معدلات الإنجاز الخاصة بمنظومة إعداد الفواتير بالساعة، ومحاسبة التكاليف، والمبادئ المحاسبية المُتعارَف عليها — وحتى تحليل محاسبة تكاليف النشاط — تمنع المهنيين من التسعير بما يتناسَب مع القيمة لأنَّ أخطاء التسعير (أو الفُرَص الضائعة) لا تظهَر في أيٍّ من هذه التقارير. وهكذا حُرِمت الشركة من فرصة الحصول على مقاييس القيمة المناسبة واستثمار رأس المال الفكري في التسعير ليصبح واحدًا من المزايا الأساسية داخل الشركة وبين المهنيين. تركز جميع المقاييس التقليدية لشركة الخدمات المهنية على القياسات الداخلية، بينما تكون القيمة دائمًا مسألةً خارجيَّةً في قلوب العملاء وعقولهم. سمحَت استراتيجيات التسعير المُبتكَرة، مثل شرط ضمان التنفيذ، لعددٍ أكبر من المهنيِّين في جميع أنحاء العالم بتحقيق الاستفادة القُصوى من القيمة التي يُقدِّمونها، كما تُوضِّح القصص التالية.

•••

بول: قصة «شرط ضمان التنفيذ» هذه من نيوزيلندا. التقَينا ببيتر في ندوة في أوكلاند. كان دومًا نصيرًا للعمل الذي نقوم به بل كتَبَ لي رسالة عبر البريد الإلكتروني أعرب فيها أنه حظي بالكثير من القيمة والكثير من الأفكار من كتاب رون. وخلال الندوة، حكى لنا بيتر عن عميل (لنُسمِّه فرانك.) من شركة المحاسبة خاصَّته كان يبلُغ من العمر ثمانين عامًا تقريبًا. لسنواتٍ كان فرانك يسعى إلى تحقيق حُلمه بامتلاك مزرعة، لكنه لم يتمكَّن من تحقيق ذلك. لكن بيتر، وعن طريق استخدام بعض عمليات التفكير الإبداعية للغاية والكثير من المهارات، ساعد فرانك أخيرًا في شراء مزرعته.

أوضح بيتر أنه قبل قراءة كتاب رون، كان قد أصدر فاتورة للعميل قيمتها ٥٠٠٠ دولار أمريكي على أساس سعر عادي احتُسِب بنظام عدد الساعات. ولكن كان بيتر يُدرك في أعماقه أنَّ العميل قد تلقَّى قيمةً أكبر بكثير من ذلك (في الواقع، أحدث تحوُّلًا في نشاط العميل)، لذا قرَّر بيتر أن يتقاضى ١٥٠ ألف دولار، وهو أعلى ٣٠ مرة. (لسوء الحظ، كان بيتر قد نفَّذ العمل بالفعل قبل قراءة كتاب رون؛ ومِن ثَمَّ لم يُناقِش شرط ضَمان التنفيذ مع العميل مُقدَّمًا، وهي ليست الطريقة التي نُوصيك بها في التفاوض على شرط ضمان التنفيذ؛ بل يجب أن يتمَّ تنفيذها مُقدَّمًا. لحُسن الحظِّ في هذه الحالة كانت النتيجة لا تزال إيجابية!)

تذكَّر بيتر اللحظة التي أخبر فيها فرانك بالفاتورة. وتوقَّع بعضَ ردِّ الفعل لكن لم يتوقَّع ما تلقَّاه. قال فرانك: «بيتر، هذا المبلغ لا يكفي. لا يكفي ذلك حقًّا (يُمكنك أن تتخيَّل كيف كان يبدو بيتر في هذه المرحلة). سأُحرِّر لك الشيك الآن باﻟ ١٥٠ ألف دولار؛ وأنا أُصرُّ على أن تَحصُل أنت وزوجتك وابنك على تلك العطلة الأوروبية التي كنتَ ترغَب فيها، ولكن على حسابي إذا ناسَبَك ذلك!»

وهكذا، بعد مرور سبعة أشهر، حصل بيتر وعائلته على عُطلةٍ أوروبية ليحلُّوا ضُيوفًا على بيتي في فرنسا لبضعة أيَّام.

في هذه المرحلة، دَعُونا نتأمَّل من جديدٍ حقيقةً من الحقائق: نحن، بائعو الخدمات، لدينا دائمًا تقدير أقل للقيمة التي نُقدِّمها من المشتري. والحقيقة الأكثر جوهريةً أن شركات المستقبل لا تُطالِب بفاتورة أُعِدَّت استنادًا إلى عدد الساعات. إذا كنتَ لا تزال، بينما تقرأ هذا، تستخدم طريقة إعداد الفواتير استنادًا إلى عدد الساعات؛ فتعهَّد الآن واليوم بالتوقُّف عن فعل ذلك. فهو خطأ. بكلِّ بساطة.

أعلم ما ستُحاول فِعله. ستُحاول العثور على جميع الأسباب التي تجعلك على حق. وستقول أشياء من قبيل «ماذا لو كان العميل لا يُقدِّر ما أفعله؟» هناك إجابة بسيطة على ذلك: إمَّا ألَّا تتقاضى شيئًا مُقابل ذلك وإمَّا ألا تُؤدِّي عملًا لا يُقدِّره الناس، أو أن نتأكد من أنك تجعل الناس يُقدِّرون ما تفعله من خلال التعلُّم واستخدام الاستراتيجيات (مثل اتفاقيات التسعير الثابت، على سبيل المثال) لتوصيل القيمة التي تُقدِّمها بفاعلية.

مرة أخرى، لا يشتري العملاء الساعات، لذلك إيَّاك ومُحاولة بيعها!

•••

رون: قصَّة نجاح أخرى لشرط ضمان التنفيذ تأتينا من جاس ستيرنز، الذي التقيتُه في ٢٥ سبتمبر ٢٠٠٠، في مؤتمر شبكة «ريزالتس أكونتانتس» في لاس فيجاس. تتبَّعَني جاس في حفل العشاء، وسار معي إلى البار، وأخبَرَني بينما كُنَّا نحتسي كأسًا من النبيذ بقصته المدهشة مع شرط ضمان التنفيذ. لم يكن هذا عميل تدقيق حسابات؛ ومِن ثَمَّ لم يكن لدى جاس شيء يُقيِّده. إليكم رسالتَي البريد الإلكتروني اللَّتين تلقَّيتُهما من جاس يعرِض فيهما نجاحه؛ الأولى قبل اجتماعنا في لاس فيجاس والثانية بعد ذلك:

٢٠ أبريل ٢٠٠٠
مرحبًا رون

آمُل أن تستمتِع بالموسم الضريبي. كنتُ محظوظًا بما يكفي لحضور مؤتمر أتلانتا [يناير ٢٠٠٠] عندما ألقيتَ كلمةً وتسلَّمتُ منك نُسخة مُوقَّعة من كتابك، الذي قرأتُه بشغف في رحلة العودة بالطائرة.
بدأ العمل الذي أُشير إليه (السعر الإجمالي ١٨٠ ألف دولار) قبل شهرٍ أو شهرين، وكنتُ قد استخدمتُ الطريقة الروتينية القديمة المُعتمِدة على عدد ساعات العمل، وطالبتُ العميل بفاتورةٍ بلغت قيمتها نحو ٢٠٠٠ دولار بسعرٍ قياسي قدره ١٨٠ دولارًا في الساعة. وبعد الاستماع إليك وقراءة الكتاب، صمَّمتُ على إعادة تقييم هيكل السِّعر وعُدْتُ ببساطةٍ إلى عميلي وقلتُ: «حسنًا، لقد أعدتُ تقييم خدماتي؛ إذ إنه يجلبُ الكثير من القيمة من جهة كذا وكذا، وما إلى ذلك. لا أعتقد أنَّ التسعير بالساعة على أساس الوقت مُناسب. أنا غير قادِر على وضع قيمة مُناسبة لهذا العمل. فأنا بحاجة إلى مُساعدتك. أخبرْني ما قيمة كلِّ هذا بالنسبة لك؛ فأنت العميل ويُمكنك وحدك تحديد القيمة. اعلم أنَّني سأكون سعيدًا بأيِّ نتيجةٍ تتوصَّل إليها.» هذا ما قلتُه على وجه التقريب.
وتركتُ الأمر عند ذلك الحدِّ قبل شهرَين. وعند نهاية العمل تسلمتُ شيكًا بمبلغ الدفعة الأولى قيمته ٥٠ ألف دولار. أعتقد أنَّ هذا هو ما تُسمُّونه «التسعير الخارجي». إنه يحوز على إعجابي.
جاس ستيرنز، محاسب قانوني
إن الوضع يتحسَّن؛ لأن مهمَّة العمل هذه كانت على مرحلتَين. فيما يلي رسالة متابعة وصلتني عبر البريد الإلكتروني من «جاس» يشرح فيها النتيجة النهائية بعد أن أُنجزت المهمة (وهي القصة التي أخبرني بها ونحن نحتسي كأسًا من الشراب الرائع «كابرينيه سوفينو»). كانت النتيجة بمثابة الهدية المثالية التي يُمكن أن يتلقَّاها مؤلِّف:

مرحبًا رون

كانت مهمَّة العمل الأساسية تتعلَّق بعميل سابق كنتُ قد عيَّنتُ له مُراقبًا لتولِّي الأعمال الضريبية، بناء على اقتراحي، لأنه كان مُحاسبًا قانونيًّا. كان التكليف هو تنفيذ استراتيجية التخارُج والتعاقُب الإداري، والتي اشتملت على توفير بعض ضرائب الدخل الضخمة أيضًا. كان إجمالي الوقت الذي أُنفِق نحو ١٠٠ ساعة، وعلى الرغم من أن الكثير من الوقت أُنفِقَ على أشياء غير ذات صِلة، لم أرغَب في فرض رسوم عليها بسبب ضخامة السعر (وكنا قد عزفْنا عن استخدام سجلَّات ساعات العمل منذ حينٍ، واستعَضْنا عنها «بسجلَّات النشاط اليومية» للتأكُّد من حصول عُملائنا على الفواتير، استنادًا إلى القيمة المُتصوَّرة لكلِّ تكليف).
لقد استخدمتُ رسمًا بيانيًّا في العرض التقديمي، مُوضِّحًا قيمة الخدمة التي كانوا يتلقَّونها. وفي نهاية العرض التقديمي، سألتُ عن مقدار ما يرونه سعرًا مناسبًا لتلك الخدمة، واقترحتُ عليهم ٣٠٠ ألف دولار و٥٠٠ ألف دولار ومليون دولار؛ كنتُ أريد منهم أن يُفكروا في أرقامٍ كبيرة. كان الرئيس التنفيذي مُتحمِّسًا إلى حدٍّ ما واختار مليونًا. ولعلمي أن هذا سيكون من الصعب الحصول عليه في ضربة واحدة، اقترحتُ دفعة مُقدَّمة قيمتها ٤٠٠ ألف دولار وأتعابًا قيمتُها أربعة آلاف دولار شهريًّا. وقد وافقوا على ذلك لكنَّهم طلَبوا أن أنضمَّ إلى مجلس الإدارة وأن أحضر الاجتماعات رُبع السَّنوية خلال عام ٢٠٠٨، عندما تُسدَّد المبالغ المُستحقَّة إلى المالكين السابقين. كانوا كرماء معي إذ كانوا يدفعون لي راتبًا حتى أتمكن من المشاركة في خطَّة المعاشات التقاعُدية لديهم، وهي مُساهمة مُباشرة من الشركة نسبتها ٢٥ بالمائة. وكان مجموع كل هذا يزيد قليلًا على مليون دولار.
لم أستخدم كلمة «وقت» قطُّ أو أُشِر إليها أنا أو أحد من مُوكليَّ. كان الوقت هو آخر ما كانوا يفكرون فيه. في جميع تكليفاتي، لم أستخدم الكلمة قط. ومن خلال التركيز على القيمة وتشجيع العميل على المشاركة في تقييم التكليف، ارتفعَتْ أسعارنا ارتفاعًا كبيرًا. لقد كنتَ مُصيبًا تمامًا عندما قلتَ إنَّ المحاسبين شُنَعاء في تقييم خدماتهم (وأنا من بينهم).
استمرَّ في عملك الرائع.
جاس

نحن نُدرك أنَّ هذه الأنواع من التكليفات ليست هي القاعدة في شركتك، بل استثناء. ومع ذلك، فإنها تحدُث بالفعل، وعندما تحدُث، فمن الأهمية بمكانٍ أن تُدرك أنك في أعلى مُنحنى القيمة وأن تستخدم استراتيجيات تسعير مُبتكَرة تُساعدك في الحصول على تلك القيمة الهامشية. وهذا يُوضِّح أيضًا سبب كون التسعير أقوى وسيلة لزيادة أرباح شركتك، وهي أكثر تأثيرًا بكثيرٍ من خفْض التكاليف أو زيادة مُستوى الكفاءة.

نحن لا نروي هذه القصص لأنَّنا نعتقد أنك ستحصل على شرط ضمان تنفيذ بقيمة مليون دولار، ولكن لتوضيح كيف وضعَتْ عقلية سعر الساعة سقفًا مُصطنعًا مفروضًا ذاتيًّا فوق رءوس المهنيين. لقد أثَّر السعر بالساعة في الواقع على تقدير الذات لدى المهنيين، مِمَّا جعلهم يشعرون كما لو أن سعر الساعة هو كل ما يستحقُّونه. لم يكن ليُحصِّل جاس ولو في أكثر أحلامه جُموحًا سعرًا بقيمة مليون دولار على عمله. لكن العميل فعل ذلك. ألم يكن ذلك ما يَستحقُّه؟ ألا تستحقُّ ذلك أنت أيضًا؟

(٦) التسعير على أساس القيمة وتقدير الذات

رون: شهد فرانك لويد رايت، في سنِّ التاسعة والثمانين، في إحدى المحاكمات أنه «أعظم مُهندس مِعماري في العالم». بعد ذلك، لمَّحت له زوجته أن التواضُع كان سيكون أكثر تأثيرًا. أجاب رايت: «لقد نسيتِ يا أولجيفانا أنَّني أقسمتُ يمينًا.»
عندما بدأتُ في دراسة وتدريس التسعير، لم أكُن أبدًا أُفكِّر في تقدير الذات، على الرغم من أنَّني كنتُ دائمًا أندهِش عندما كان الزملاء يَتحدَّونني بشأن قُدرتهم على رفع أسعارهم، أو عندما يقولون إنهم سيشعرون بالذَّنب بشأن فرْض رسومٍ أعلى من أسعارهم المُحتَسَبة بالساعة. كانت الرؤية بالنسبة لي هي أنَّ هذه لم تكن قضية استراتيجية، وإنما قضية تدنِّي تقدير الذات. في الرسالة الإخبارية الشهرية التي بعنوان «سي بي أيه بروفيتابيليتي مانثلي» التي تدور حول ربحيَّة المحاسبين القانونِيِّين والتي صدرَتْ في أغسطس عام ١٩٩٦، كتب تيموثي جيه بوشمين مقالًا كان له تأثير كبير في نفسي؛ إذ أوضَحَ فيه التعليقات التي كنتُ أسمعها من المحاسبين القانونيين في جميع أنحاء البلاد. تُوفِّي تيموثي في فبراير ١٩٩٧، ولكن تفكيره المُبدِع في العديد من الموضوعات لا يزال باقيًّا حتى يومنا هذا، كما يُوضِّح هذا المقطع من مقالته، «لا مزيد من التسوُّل من أجل العمل: تقدير الذات هو المفتاح لأعمال أفضل»:

أرى الكثيرَ ممَّا أُسمِّيه «التسوُّل» في صناعتنا؛ التسوُّل من أجل العمل (لا سيما بتخفيض الأسعار)، ثم التسوُّل للحصول على المال. لم أفهم أبدًا سبب هذا، لا سيما عندما تُفكِّر في التدريب والعمل الجاد والمخاطر التي يمرُّ بها المحاسبون. التفسير الوحيد الذي يُمكنني أن أفهَمَه هو أنَّ المحاسبين غالبًا ما يُسيئون تقدير أنفسهم، على نحوٍ غير عادل وغير مُبرَّر، ولكنهم يُسيئون على أي حال. (بوشمين، ١٩٩٦: ٤)

التسعير ليس فنًّا فحسب، بل هو أيضًا لعبة، تدور أحداثها في عقلك. إنه يتطلَّب التفاوض، وبما أنَّ المهنيِّين مُدرَّبون على تحري الدقة، فإنهم يُناضِلون للظَّفر بالغموض الضروري ليُصبِحوا مُفاوِضين فعَّالين. درَس عالم النفس ناثانيل براندن تقدير الذات باستفاضة، ويجب قراءة كتُبه للوصول إلى فهمٍ أعمق لهذا الموضوع الذي هُمِّش كثيرًا. وأطروحته حول هذا الموضوع بعنوان «الأركان الستَّة لتقدير الذات»، وفيها يُعرِّف تقدير الذات بأنه:
  • (١)

    الثقة في قُدرتِنا على التفكير والثقة في قُدرتنا على التعامُل مع التحدِّيات الأساسية للحياة.

  • (٢)

    الثقة في حقِّنا في أن نكون ناجِحين وسُعداء، والشعور بأنَّنا ذَوو قيمة، ومُستحِقُّون، ومُؤهَّلون لأن نؤكد حاجاتنا ورغباتنا، ونُحقِّق قيَمنا، ونتمتَّع بثمار جهودنا. (براندن، ١٩٩٤: ٤)

في كتابه «تقدير الذات في العمل: كيف يُؤسِّس الواثقون في أنفسهم شركاتٍ قوية»، يُناقِش براندن الدور الحيوي الذي يُؤدِّيه تقدير الذات في نجاح المؤسسة:

ثمة مثال بسيط يتمثل في حقيقة أنَّ تحليلات فشَل الأعمال التجارية تُخبِرنا بأنَّ السبب الشائع وراء ذلك هو خَوف المُديرين التنفيذِيِّين من اتِّخاذ القرارات. وما الخوف من اتِّخاذ القرارات إلَّا جرَّاء عدَم ثِقة المرء في تفكيره وحُكمه؟ بعبارة أخرى، هذه مشكلة تقدير للذَّات.

مثال آخر يتعلَّق بالكفاءة في التفاوض. فقد كشفت إحدى الدراسات أنه في حين أنَّ الأشخاص الذين يتمتَّعون بتقدير الذَّات الصحي غالبًا ما يكونون واقِعيِّين في مطالبهم، فإن المُفاوضين الذين يُعانون من ضَعف تقدير الذات غالبًا ما يَطلُبون أكثر من اللَّازم أو أقلَّ من اللَّازم (اعتمادًا على مُتغيِّراتٍ شخصية أخرى)، ولكن في كِلتا الحالتَين يكونون أقلَّ فعاليةً ممَّا في استطاعتهم. (براندن، ١٩٩٨: ١٢)

لا يُوجَد في الواقع أي جانب من جوانب النشاط التجاري — بدءًا من القيادة مرورًا بالإدارة ووصولًا إلى المشاركة في الفرق، ومن التَّعامُل مع العملاء مرورًا بالمشاركة في البحث والتطوير ووصولًا إلى الاستجابة للتحدِّيات والأفكار الجديدة — لا يتأثر تأثرًا ملحوظًا بمستوى تقدير الشخص لذاته. (المرجع السابق: ١٣)

في بيئة الأعمال التنافُسيَّة المعاصرة، يُعدُّ تدنِّي تقدير الذات عائقًا تنافُسيًّا، في حين يمنح تقدير الذات المرتفِع لدى المهنيين في شركتك ميزةً تنافُسية. لكن كيف يمكن للمهنيين أن يشعروا بالرِّضا عن أنفسهم وعملهم وخدمتهم للعميل وللمُجتمَع بأسرِه إذا اعتقدوا أنهم سِلعة، وأنهم يُواجِهون باستمرارٍ تحدِّي تخفيض أسعارهم أو قِلَّة عدد الساعات المُحتَسبة؟ تأمَّل هذه الرسالة الإلكترونية التي تلقَّيتُها من ديان (التي كتبت أيضًا رسالة البريد الإلكتروني تعقيبًا على اتفاقية السعر الثابت) والتي تُوضِّح أهمية تقدير الذات والتأثير الذي يمكن أن يُحدِثه في حياة المهني:

٢٨ سبتمبر ٢٠٠٢
عزيزي رون

أخيرًا (وربما أخبرتُك بذلك من قبل) كان التغيير الأكبر في كل هذا هو تقدير الذات. قبل نحو عشر سنوات، قبل أن يمضي وقتٌ طويل على افتتاح مكتبي الخاص‎، قالت لي والدة زوجي، وهي مُحامية: «ديان، تذكَّري فحسْب، أن الرجال في مجال الأعمال هُم من يجنون المال، أمَّا النساء فيقُمنَ برعاية الناس فيه. تجاوزي الأمر!» ما كانت تقصِدُه هو أنَّ السلوك النسائي في قولهنَّ «سأعتني بك» سيَمنَحُهنَّ القليل من الرضا ولكن لن يمنحَهنَّ المال. إذا توجَّب عليك الابتعاد عن عائلتك، فربما ينبغي عليك أيضًا أن تجني الكثير من المال وستشعُر بالرضا عن ذلك. ولكن الكلام أسهل من الأفعال. لقد وقعْتُ في فخِّ مُساعدة عملائي ونسيان نفسي. هل كنتُ مُفضَّلة لديهم؟ هل كان عُملائي يُحبونني؟ نعم حدث بالفعل! لكنَّني لم أشعُر بالشيء نفسه. فقط عندما أخذتُ عملي على مَحملِ الجدِّ وبدأتُ في وضع قيمةٍ لخدماتي مع نظام اتفاقية السعر الثابت، بدأتُ أشعُر بالنجاح. إذا كنتَ تشعُر بأنك ناجح، فأنت ناجح ومِن ثَمَّ يأتي المال. عندما تختزل قيمة خدماتك في الحساب بالساعة، فإنَّ هذا أمر سيِّئ للغاية، بغضِّ النظر عن ارتفاع السعر الذي تتقاضاه مُقابل ساعة العمل.
حظًّا سعيدًا وواصِل العمل الجيد! ابقَ على اتِّصال.
ديان جرين

«لن يُدفع لك أكثر ممَّا تعتقد أنك تستحق.» وإذا كنتَ لا تعتقد أنك تستحق أكثر من التسعير بحسب سِعر الساعة، فلماذا سيعتقد عملاؤك أنك تَستحق أكثر من هذا؟ لقد أخبرَني عدد لا يُحصى من المهنيين، وبعبارات لا لبس فيها، أنهم لم يتمكنوا من مُضاعَفة أسعارهم مُطلقًا، ولكننا نعرِف عددًا لا يُحصى من الآخرين الذين ضاعفوها، ولا يقتصر الأمر على الاحتفاظ بالعملاء، بل إنهم يُقدِّرون المستوى الإضافي للخدمة وجميع المزايا الأخرى المُترتِّبة على أسلوب التسعير على أساس القيمة.

(٧) التسعير على أساس القيمة والمبادئ الأخلاقية

رون: تظهر مسألة أخلاقيات التسعير على أساس القيمة دائمًا خلال تدريسنا هذا المبدأ في أنحاء العالم وأنا أُرحِّب — بل أشجِّع — بالمناقشة. إنها قضية ذات أهمية حيوية، ومسألة تتطلَّب مُناقشتها بذكاء وتفهُّمها قبل أن تشعر بالارتياح عند تطبيق هذه الاستراتيجيات. (بالنسبة لأولئك الذين يُريدون بحثًا أعمق، راجعوا «دليل المهني في التسعير القيمي»، الطبعة الرابعة، لا سيما الفصل ١٦: «الأخلاقيات واحتساب الأجر بالساعة، والتسعير على أساس القيمة».)

اكتسب أسلوب التسعير على أساس التكلفة والرِّبح قَبولًا، وإلى حدٍّ كبير لا يزال يحتفظ ببريقه؛ نظرًا لاعتباره أسلوب تسعير عادلًا. ويرجع تاريخ هذا المفهوم إلى المفهوم الكَنَسي اللاتيني «السِّعر المُناسب» الذي يعود للقرون الوسطى، بمعنى أنَّ التجارة لا ينبغي أن تُحقِّق أكثر من الربح المعقول الزائد عن تكاليفها. بالطبع، هذا يطرح السؤال التالي: من الذي سيُحدِّد ما هو عادل ومُنصِف؟ حقيقة الأمر أنَّ هناك شدًّا وجذبًا طبيعيًّا — وصحيًّا — بين المُشتري والبائع، تُخفِّف من حِدَّته المنافسة في السوق.

لا ينبغي أن يُفسَّر أيُّ شيء في هذا الفصل على أنه دعوة لخسارة عُملائك أو فرض أسعار عالية للغاية مُقابل الحصول على خدماتك. على العكس من ذلك، نحن نقول إن العميل هو الذي يُحدِّد قيمتك في نهاية المطاف، وهذا هو السبب في تأييدنا لشرط ضمان استرداد الأموال وضمان السعر بنسبة ١٠٠ بالمائة. بل إنَّني سأمضي إلى ما هو أبعدُ من ذلك؛ إذ أعتقد بحقٍّ أنه من الأخلاقيات المشكوك فيها عدَم وضْع السعر مُقدَّمًا، مع القَبول التام والموافقة من قِبَل العميل. ويُعدُّ سلوك المحامين الذي هو موضع جدل — والمُحاسبين بنسبة أقل — المتمثلة في ملء سجلَّات ساعات العمل بغرض تضخيم أسعارهم دليلًا على الصراع المتأصِّل بين احتساب الأجر بالساعات وخدمة العملاء بفعالية.

نحن نؤمن بشدَّة أنَّ المهنيين يخضعون لنفس قوانين الاقتصاد وعلم نفس العملاء، ومشاعر التسعير مِثل جميع الأعمال الأخرى؛ ومِن ثَمَّ يجب عليهم الكف عن الاختباء وراء عباءة وأمْن احتساب الأجر بالساعات، وأن يُسعِّروا مُقدِّمًا مُتقبِّلين المخاطر المُصاحبة لعدم اليقين الذي ينطوي عليه التسعير مُقدَّمًا. إنَّ الفكرة القائلة إنَّ المهنيِّين لا يخضعون للمبادئ الأساسية للسلوك البشري نفسها هي قمة الغطرسة، وسيُحَل قدر هائل من التحدِّيات الأخلاقية والألغاز إذا ما حُدِّدت الأسعار بشفافيةٍ وبموافقة تامَّة من جانب العميل.

كانت رابطة المحامين الأمريكية، ونقابات المحامين في مختلف الولايات، تناقش المآخِذ الأخلاقية لاحتساب الأجْر بالساعات على مدى عقود، ولم تصِل إلى معايير حاسمة في حدِّ ذاتها. ومع ذلك، كان هناك اعتراف في الآونة الأخيرة بأنَّ الأسعار التي تتحدد بين البائع والمُشتري بالتراضي «مُنصفة»، كما أشارت رابطة المحامين بولاية نيويورك إلى:

في حقيقة الأمر، ورهنًا بالواقع الاقتصادي والالتزامات المهنية للمُحامي، فإن أي طريقة لاحتساب الأجر بالساعات يُمكن للمحامي أو العميل الموافقة عليها والالتزام بها، سينجم عنها، على نحو يكاد يكون حتميًّا تقريبًا، أسعارٌ عادلة.

إن السوق الحُرَّة تقتضي تعامُلات مُنصفة بين المشتري والبائع، وأي عمل ينتهك هذا فهو على مسئوليته الخاصة. أما خلاف ذلك، فيُسمَح بالأعمال الرأسمالية بين البالِغين المُتراضين. إن التسعير حسب القيمة والمبادئ الأخلاقية لا ينفي أحدُهما الآخر ولا يَتعارَضان؛ فهما يتعايَشان في السوق كما في كلِّ مكانٍ آخر؛ بدءًا من شركات الطيران التي لديها أسعار مُختلفة لركَّاب مُختلفين لمُصنِّعي الآيس كريم الذين يبيعون بأسعار مُمتازة ومُصنِّعي فشار السينما ومحلَّات الكتب الكبيرة الذين يتقاضَون أسعارًا مُمتازة. لقد حان الوقت لاعتماد هذا النوع من التسعير فيما يتعلق بالخدمات المهنية في كلِّ مكان، وشركات المستقبل تقود الطريق نحو ذلك.

(٨) لجنة رابطة المحامين الأمريكية المعنية بتقرير احتساب الأجر بالساعات

تاريخيًّا، كانت مهنة المُحاماة هي أول مِهنة استخدمت التسعير على أساس ساعات العمل. فبحلول ستينيات القرن العشرين، ترسَّخ هذا الأسلوب في هذه المهنة، كما تعلَّمَه المُحاسبون. وفي ثمانينيات القرن نفسه، أسَّست رابطة المحامين الأمريكية فريق عمل لدراسة آثار احتساب الأجر بالساعات، حيث كان موضوع نقد أساسيًّا في بعض قطاعات المهنة. أُنشِئ فريق العمل المعني بأساليب إعداد الفواتير البديلة في الفترة ١٩٨٧-١٩٨٨ كجزء من قسم إدارة مزاولة القانون التابع لرابطة المحامين الأمريكية. وقد نُشِر ثلاثة كتب كثمرةٍ لجهود فرقة العمل هذه، اثنان حرَّرهما ريتشارد سي ريد، والثالث من تأليفه، بين عامي ١٩٨٩ و١٩٩٦.

تدرس نقابة المحامين الأمريكيين، تحت قيادة رئيسها روبرت إيه هيرشُن، مرة أخرى آثار احتساب الأجر بالساعات على مهنة المُحاماة. في الجزء الأول من عام ٢٠٠٢، شكَّلت النقابة لجنةً لدراسة نظام احتساب الأجر بالساعات، وأصدرت اللجنة تقريرها في أغسطس ٢٠٠٢. وفي مقالٍ كتبه هيرشُن بعنوان «المحاماة واحتساب الأجر بالساعات: معيار مُستحدَث في ستينيات القرن العشرين قد يُلحِق الضرر بمهنتنا» يوضِّح قائلًا:

تُشير الدراسات إلى وجود شعورٍ بعدم الارتياح في أوساط المُشتغلين بمهنتنا، خاصَّة بين المحامين الأصغر سنًّا. ورغم تنوُّع الأسباب لكن يبدو أن جميعها تكمُن في التفاوت بين العمل في مهنة والعمل في وظيفة. ويتأثَّر التوجيه، وتوازُن الحياة، والتحفيز في بيئة العمل، والابتكار بانتهاج أسلوب سجلَّات ساعات العمل؛ إذ إنه يعتمد في الأساس على الكمِّ دون مُراعاة الجودة، وعلى التَّكرار على حساب الإبداع. ونظرًا لأنَّ وقت المحامي ليس مُتغيرًا مَرِنًا، فإن متطلبات زيادة الساعات المُحتَسَبة تؤثر على جوانب أخرى من معنى كونك مُحاميًا. وعلى الرغم من أنَّ لديَّ اهتمامًا مُحدَّدًا بكيفية تأثير هذه الظاهرة سلبًا على قُدرة مهنتنا على القيام بالأعمال الخيرية، فإنَّ العواقب المعنوية السلبية لنظام الساعات المحتسبة تتفشَّى على نطاقٍ أوسع. ويعتقد الكثيرون أنه إذا طوَّرنا أساليب إعداد الفواتير، فلن نُحقِّق العائدات نفسها التي من الممكن تحقيقها فحسْب، بل إنَّ مهنة المُحاماة نفسها ستُصبح أكثر مُتعةً أيضًا.

سيكون على الشركات أن تُفكِّر بطريقةٍ مُختلفة، وهذا ليس بالخيار السهل للمؤسَّسات التقليدية المحافِظة التي تتَّقِي المخاطر. ولكن في سبيل الربح والمحافظة على مهنة المحاماة الرائعة (التي استمتعتُ بالعمل فيها على مدى ٣٠ عامًا) يجب أن نبدأ في النظر إلى القيمة بدلًا من التكلفة عند تحديد الأسعار المُنصفة للخدمات المُقدَّمة. ذلك سيعني قَبول بعض المخاطر، كما سيعني أن تحسينات الكفاءة والإجراءات ستزيد الأرباح.

يُقدِّم ريتشارد ريد، الخبير في هذا الموضوع، نصائح لقادة شركات المحاماة الذين يبحثون عن طرق جديدة، فيقول: أولًا، اجمَعْ أفضل الأشخاص لديك وفكِّروا معًا من منظور عالمي في كيفية تغيير هذه الأساليب. اقرءوا كلَّ ما يُمكنكم قراءته بشأن الطرق البديلة لإعداد الفواتير، ولكن الأهم من ذلك، أن تدرُسوا تحليل القيمة. فَكِّروا في تطبيق الاستراتيجيات الجديدة في مهام صغيرة داخل الشركة كإجراء استطلاعي. واطلب من الفريق المالي تطبيق استراتيجيات تجريبية على مشروعات حالية. فكِّر في كيفية تحسين جهودك التسويقية من خلال طرُقٍ مُبتكَرة لإعداد الفواتير.

كان قاضي المحكمة العليا الأمريكية ستيفن جي براير عضوًا فخريًّا في اللجنة، وكتب مقدمة التقرير، مُدوِّنًا هذه الملاحظات الواضحة فيما يتعلَّق بالآثار الضارَّة المُترتِّبة على إعداد الفواتير بالساعة فيما يتَّصل بمهنة المحاماة، والتي تتجاوز إلى حدٍّ بعيد مُجرَّد الحدِّ من ربحية شركات المحاماة:

كتب روسكو باوند أن مهنة المحاماة تتَّسم «بروح الخدمة العامة». وتُفسِّر هذه الروح سبب استجابة العديد من المحامين «للعمل الخيري» بهدف تلبية احتياجات أولئك الذين لا يستطيعون دفع تكاليف المساعدة القانونية، وسبب مشاركتهم في العمل مع العديد من اللجان الحكومية وغير الحكومية المشاركة في إصلاح القانون، وسبب تعليمهم لغيرهم، سواء داخل المهنة أو خارجها، إنها تلك القيم التي جعلت سيادة القانون مُمكِنة في أمريكا. ومع ذلك، أصبح من الصَّعْب على مدى العقود الأربعة الماضية على العديد من المحامين تَبنِّي هذه الروح عمليًّا.

والسبب وراء ذلك هو ما يدعوه البعض «الحلقة المُفرغة»؛ الاندفاع المستمر نحو زيادة ساعات العمل المُحتَسَبة. وكما قال أحد المحامين، إنَّ هوَس المهنة بساعات العمل المحتسَبة سيجعل المُحامي مُتخمًا بالمهام والمسئوليَّات ومِن ثَمَّ يُصبح عُرضةً للإنهاك التام. فكيف يمكن للمحامي أن يقوم بالعمل الخيري المجاني، والمشاركة في جهود إصلاح القانون، وحتى حضور اجتماعات نقابة المحامين، إذا كان عليه أن يُحقق أيضًا ٢١٠٠ ساعة أو أكثر من ساعات العمل المحتسبة كلَّ عام؟ لنقُل، على سبيل المثال، إنه سيقضي ٦٥ أو ٧٠ ساعة في المكتب كلَّ أسبوع. الإجابة هي أن مُعظمهم لا يمكنه القيام بذلك، ولهذا السبب يُعاني كلٌّ من المهنة والمجتمع.

وتأمل اللجنة المعنيَّة بدراسة تأثيرات نظام إعداد الفواتير استنادًا إلى عدد الساعات البدء في مُواجهة المشكلة من خلال فحص الساعات المُحتسَبَة نفسها. هل هذا النوع من أساليب إعداد الفواتير يؤدِّي دون داعٍ إلى تفاقُم الضغوط التي تُهدد بجعل المحامي حبيس مكتبه، أو تعزله عن المجتمع؟ علاوة على ذلك، هل الساعات المحتسبة تُسهم في الوصول إلى الهدف الأسمى للمحامي — وهو تقديم أفضل الخدمات القانونية الممكنة للعميل — أم تحول دون ذلك؟ وكيف، ومتى، وإلى أي مدى، من الممكن تغيير طرق إعداد الفواتير عندما تؤدي الساعات المحتسبة إلى نتائج عكسية بالنسبة إلى أيٍّ من الجانبين أو كليهما؟

ومِن ثَمَّ، فإنَّ المهمة الفنية للجنة لا تتعلَّق فقط بطريقةٍ أفضل أو أكثر كفاءة لإدارة شركة محاماة. بل تتعلَّق بكيفية خلْق حياة داخل الشركة تسمح للمحامين، ولا سيما المحامين الشباب، أن يعيشوا حياةً يكون لديهم فيها وقت للعائلة والمستقبل المهني والمجتمع. ومع أنَّ القيام بذلك صعب، فإنني أعتقد أنه تَحدٍّ لا يمكن رفضه، خشية أن نتخلَّى عن القيم نفسها التي دفعَت الكثيرين مِنَّا لاختيار هذه المهنة المرموقة. يسرُّني أن هذه اللجنة قد بدأت، بطريقة عملية للغاية، في مُعالجة هذه المشكلة ذات الأهمية البالغة. (رابطة المحامين الأمريكية: ٢٠٠١-٢٠٠٢: ٧)

مرَّةً أخرى، ستحذو مهنة المحاسبين القانونيين حَذْوَ مهنة المحاماة، بترْك أسلوب الساعات المحتسبة والتحوُّل إلى التسعير على أساس القيمة. نحن نُثني على جهود رابطة المحامين الأمريكية، ورئيسها، وتقرير اللجنة، ونعتزُّ بتقديم مساهمتنا نحن أيضًا في القضاء النهائي على أسلوب إعداد الفواتير بالساعات. إنها ببساطة ليست طريقة أخلاقية أو عادلة لتسعير رأس المال الفكري، بل هي فكرة من الزمن الغابر وآنَ أوانُ التخلُّص منها إلى الأبد.

مُوجَز ونتائج

نشر روجر راسيل في عدد مجلة «أكونتينج توداي» الصادر في الفترة من ٣ إلى ١٦ يونيو ٢٠٠٢ مقالًا بعنوان «لماذا لا يَلقى التسعير القيمي الذُّيوع والانتشار: هل يفتقر المحاسبون القانونيون إلى تقدير الذات؟» جاء فيه: «لم يُبتَّ إلى الآن في الحملة العنيفة التي يشنُّها المحاسب القانوني رون بيكر على نظام إعداد الفواتير بالساعات لصالح التسعير القيمي.» ما كان مُثيرًا للاهتمام بشأن هذا المقال هو ما تضمنه من تعليقات من مستشارين بارزين في مهنة المحاسبة القانونية. فقد قال المستشار دونالد شول من وست تشيستر بولاية بنسلفانيا، والمستشار آلان بوريس من يوستيس بولاية فلوريدا، عن حركة التسعير القيمي: «حتى تنتهج شركة ما أسلوب التسعير القيمي بحق، يتعيَّن عليها أن تُغير فلسفتها حول كيفية تقديم الخدمات للعملاء.» سيُحقِّق المفهوم تقدُّمًا إضافيًّا على مدى السنوات الخمس المقبلة، ولكن ما إذا كان سيصير هو المعيار الأوحد للتسعير، فذاك أمرٌ مشكوك فيه، وفقًا لشول الذي يقول: «مُعظم المحاسبين لا يُحبِّذون التحدُّث عن الأتعاب مع العملاء على الإطلاق، ولإقناعهم بالجلوس مع عميل، وفَهم قيمة المشروع الحقيقية، فإنَّ ذلك يحتاج إلى بذْل جهدٍ كبير.»

قال آلان بوريس: «إنَّ المحاسبين القانونيين يكرهون التغيير. والسبب في أنَّ التسعير القيمي لن يُفلِح، هو أنَّ المحاسبين القانونيين لن يُحدِثوا أي تغييرات غير مُضطرِّين إليها.»

بالنسبة إلى السيد شول، يُمكننا أن نقول: يجب على كلِّ شركة أخرى أن تُسعِّر منتجاتها وخدماتها مُقدَّمًا، وليس في هذا عناء أو خروج عن المألوف. إن ما هو خارج عن المألوف هو تحديد السعر «بعد» انتهاء المهمة. ولا شكَّ أن الشركات سوف تُضطرُّ إلى تغيير فلسفتها التسعيرية جذريًّا، ولكن لدينا آلاف الشركات الأخرى — لا سيما تلك التي تعمل في مجال رأس المال الفكري — والتي اكتشفَتْ أنَّ التسعير حسب التكلفة ونسبة الربح ليس طريقة تسعيرٍ فعَّالةً لمُعاوَضة القيمة، سوف تضطر إلى ذلك أيضًا.

نحن نُكِّن احترامًا كبيرًا لآلان بوريس، لكنَّنا أيضًا أكثر تفاؤلًا بشأن رغبة زملائنا في التغيير؛ لأنَنا رأَيْنا الكثير من الشركات تتبنَّى التسعير القيمي بكلِّ حماس. نحن لا نتَّفِق مع فكرة إنَّ المحاسبين القانونيين يكرهون التغيير؛ بل نعتقد أنهم غير مُتأكِّدين من «عواقب» التغيير، والسَّبب في أنَّنا قدَّمنا الكثير من التفاصيل في هذا الفصل هو إظهار كيف اعتمد المهنيون الآخرون هذه الأفكار بنجاح. لقد مرَّت المهنة، رغم كلِّ شيءٍ بتغييراتٍ هائلة في تاريخها الذي يربو على أكثر من ١٠٠ عام.

لقد واجَهْنا مقاومة متحجرة بخصوص التسعير القيمي من كبار المستشارين، سواء داخل أو خارج المهنة. وكُنَّا نظنُّ دائمًا أنه من المُفترَض أن يكون المُستشارون وكلاء تغيير من أجل الأفضل، إذا عرفوا أنَّ الحلول المُقترحة قد صمدَتْ أمام اختبار الزمن. آدم سميث، والمدرسة الاقتصادية النمساوية، وغيرهما من المُفكرين الذين أتَيْنا على ذكرهم في هذا الفصل لم يكونوا بالتأكيد مُجرَّد روَّاد إدارة يقترحون بدعةً مُستحدثة. بل كانت نظرياتهم موجودة منذ مئات السنين وصمدَتْ أمام اختبار الزمن. لقد أصبَحْنا نعتقد أنَّ الاستشاريين في بعض الأحيان يكونون قصيري النظر ويتَّخِذون الموقف العدائي نفسه تمامًا كالمؤسَّسات التي ينبغي عليهم أن يُطوِّروها. وفي ظل سلوكٍ مثل هذا، من الجدير بالاهتمام أن نُفكِّر فيما إذا كان المستشارون ضَروريِّين من الأساس أم لا.

على أيِّ حال، هذه المقاومة للتسعير القيمي من جانب الاستشاريين ليست استثنائية بالتأكيد، وهي تُعيد إلى الأذهان صراع الاقتصادي الراحل جُوليان سايمون مع شركات الطيران. إذا كُنتَ قد تلقَّيتَ ترضية — تذكرة طيران مجانية، أو ترقية، أو ما يعادل ذلك على حساب شركة الطيران — بعد أن ألغَت شركة الطيران رحلتَكَ إثر نفاد المقاعد على إحدى رحلاتها، فالفضل في ذلك يعود إلى السيد سايمون. فحتى عام ١٩٧٨، كانت شركات الطيران تُلغي حُجوزات المسافرين من الرحلات ذات الإقبال الكبير دون إنذار (حيث آثرَتْ شركات الطيران الإطاحة بالمُسنِّين والأفراد العسكريِّين على أساس النظرية القائلة إنهم من المُرجَّح أن يكونوا الأقل تذمُّرًا) وتسبَّب ذلك في كميَّاتٍ هائلة من شكاوى العملاء والضغائن. وفي بعض الأحيان كانت تُلغى رحلةٌ كاملة ويُعاد إطلاقها بالسَّعة المناسبة، مما يُسبِّب مزيدًا من الغضب. والأسوأ من ذلك، أنَّ المشكلة كانت تتفاقَمُ تلقائيًّا؛ لأن المسافرين بدءوا يتوقَّعون أن يجري استبعادهم، ولذا كانوا يقومون بحجز عدَّة رحلاتٍ تحت أسماء مُختلفة لضمان مقعدٍ واحد على الأقل؛ ما دفع شركات الطيران إلى زيادة الحجوزات في سبيل ضمان تلبية الطلَب المُتزايد. نمت المشكلة إلى علم سايمون عن طريق صديقة له كانت تعمل مضيفة لدى شركة «يونايتد إيرلاينز»:

في اليوم التالي، بينما كنتُ أَحلق ذقني، خطر لي أنه لا بدَّ أن هناك طريقة أفضل. في الواقع، يمكن لسوق مزادٍ حلُّ المشكلة، من خلال إيجاد الناس الذين هم أقلُّ مُمانَعة لانتظار الرحلة القادمة. واتضحت لي التفاصيل العملية جليَّةً قبل أن أفرغ من الحلاقة.

في عامي ١٩٦٦ و١٩٦٧، كتبتُ إلى جميع شركات الطيران عارضًا عليهم اقتراحي. وقد تراوَحَتِ الردود بين الرفض المهذَّب من بعضهم، وإنكار البعض قيامهم بزيادة عدد الحجوزات فوق المتاح، وإصرار البعض على أنَّ الاقتراح لا يُمكن نجاحه والسخرية من بعضهم.

… لم أتمكن من إقناع أي شركة طيران (أو المجلس المدني للملاحة الجوية) بإجراء تجربة لمدة يومٍ واحد على شركة طيران واحدة في مطارٍ واحد عند بوابة داخلية واحدة؛ وهي تجربة اعتقدتُ أنها ستكون كافية، حتى مع الأعطال الحتميَّة في أيِّ نشاطٍ جديد. (سايمون، ٢٠٠٢: ٢٨٩–٢٩٤)

ربما تُهمَل الأفكار الجيدة، لكنَّها نادرًا ما تموت. ومن الطبيعي أن يُقاوم البشر الأفكار وطُرق العمل الجديدة. ومع ذلك، كيف يتأتَّى لأي شخصٍ أن يُنكر مزايا مناقشة الشروط والأحكام، والنطاق، والتسعير مُقدَّمًا مع العميل عندما تكون هذه الممارسة في كل مكان، بحيث لا تحتاج إلى دليلٍ أو بُرهان على ما يبدو؟ إن عدَم التصرُّف كوكلاء تغيير في هذا الجانب، بالنسبة للمستشارين، إمَّا سوء تصرُّف أو رفض لا عقلاني للحقيقة التي تُحيط بهم من كلِّ جهة.

لحُسن الحظ، بدأ بعض المستشارين في رؤية الضوء. فقد أجرَتْ شركة «ماكنزي وشركاه» دراسةً تضمَّنَت ١٠٠٠ شركة ووجدَت أن زيادة بنسبة ١ بالمائة في السعر في حجم مبيعات ثابت، أنتجت زيادةً في الربحيَّة بنسبة ٧٫٤ بالمائة (وَجدَت دراسة مماثلة أجرتْها شركة «أكسينتشر» زيادة بنسبة ١١ بالمائة أو أكثر في الأرباح من زيادة في السعر بنسبة ١ بالمائة). بل إنها ذهبت لأبعد من ذلك خلصت إلى أنَّ التسعير له تأثير أكبر على الربحيَّة من أي زيادةٍ في حجم المبيعات، أو تخفيضات في التكاليف، أو تحسين الكفاءة، والمناطق التي عادةً ما تحظى باهتمامٍ أكبر بكثيرٍ في الإدارة، لا سيما المهنيين.

ولهذا السبب على وجه التحديد أصبح التسعير أحد أهم المهام في الشركات على اختلاف أحجامها. الأرجَح أن توماس تي ناجل وريد كيه هولدن (مُؤلفي كتاب «استراتيجية وتكتيكات التسعير: دليل لصنع القرار المُربح») قد فعلا المزيد خلال العشرين سنة الماضية لجعل التسعير ضمن الأهداف الرئيسة لدى الكثير من رجال الأعمال وإدراجه ضمن مُخطَّطاتهم التنظيمية. كما تُقدِّم مُؤسَّسات مثل جمعية التسعير المهني، ومؤسَّسات أخرى، مُؤتمرات تعليمية، وفعاليات، ورسائل إخبارية، ودراسات حول مجموعة كبيرة من قضايا التسعير والمجالات المختلفة.

حتى مع كلِّ هذا الاهتمام الذي يحظى به التسعير في العقود الأخيرة، فإنه وفقًا لتقديرات ريد هولدن، يَستخدم ١٥ بالمائة فقط من الشركات استراتيجيات قائمة على التسعير القيمي لمنتجاتها أو خدماتها. وبالرغم من ضعف الانتشار، فإنَّ الفرص كبيرة؛ إذ تُفصِح بعض الشركات عن حقيقة مضاعفة أرباحها من خلال استخدام هذه الاستراتيجيات. ونعتقد أن التقديرات البالغة ١٥ بالمائة أقل حتى بين شركات الخدمات المهنية؛ فربما تكون في حدود من ٥ بالمائة و١٠ بالمائة، ومع ذلك، فإنَّ فرصة الربحية كبيرة للغاية بالنسبة لشركات الخدمات المهنية كما هو الحال في المجالات الأخرى.

كتب سورين كيركيجارد «نقاء الروح يكمن في تكريس النفس لشيءٍ واحد». ولقد كرَّسْنا أنفسنا للقضاء، مرَّةً واحدة وإلى الأبد، على نظام إعداد الفواتير استنادًا إلى عدد الساعات في الأعمال المهنية. سوف يحدد المهنيون في شركات المستقبل أسعارهم «عن عمد»، وسوف يُكافئون بما يعتقد عملاؤهم بالفعل أنهم يستحقُّون قيمته. كما أنهم لن يستخدموا سجلَّات ساعات العمل، التي هي مظهرٌ آخر من مظاهر نظام احتساب الأجر بالساعة، والتي سوف نتحوَّل إليها الآن.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠