الفصل الثاني

جلستْ على كرسيٍّ قديم في الصالة، وجلس صاحبُ العمارة على الكرسي المقابل لها، وبينما كانت المنضدةُ الكالحة، ومن فوقها صينية صغيرة عليها فنجانان من القهوة. كان وجهُه كبيرًا ممتلئًا باللحم، من تلك الوجوه التي نراها لأول نظرة فتفقد الثقة في صاحبها، شيء ما في حركة الشفتين أو في حركة العينين، أو في شيء آخر لا تعرفه، يوحي إليها أنه يكذب، أو أنه لا يمكن أن يُصدَّق، ربما هي تلك الذبذبة اللاإرادية المستمرة في عينيه الجاحظتين، أو الرعشة الخفيفة التي تُصيب شفتَيه حين تنفرجان لتخرج من بينهما كلماتُه السريعة المتآكلة. إنها لا تدري تمامًا.

ولكن أتصدر أحكامًا على الناس من ملامحهم؟ هي صاحبة العقل الكيميائي؟ أيمكن أن تحكم على الناس بأحاسيسها وانطباعاتها؟ لماذا لا تكفُّ عن هذه العادة السخيفة.

ورأتْ شفتَه العليا الرفيعة تقفز وهو يتكلَّم فتكشف عن أسنان صفراء كبيرة. كان يقول: هذه الشقة إيجارُها اليوم لا يقلُّ عن ثلاثين جنيهًا في الشهر، ومدَّت يدَها إلى فنجان القهوة وهي تقول: أعرف أعرف، ولكني لا أملك إلا هاتين المائتي جنيه، وسوف أدفعها لكَ دون أن آخذَ العفش؛ فإنني لن أحتاج إليه، وارتجَّت عيناه الجاحظتان من تحت نظارته البيضاء السميكة كعينَي سمكة كبيرة تمشي تحت الماء، ورمَق البوَّاب الواقف بجوار الباب نظرة سريعة ثم قال: إذا كنتِ في غير حاجة إلى العفش فإني أخفِّض القيمة إلى أربعمائة جنيه.

وابتلعت رشفةً من القهوة المُرَّة، وقالت: قلتُ لك ليس معي إلا مائتان، وقال البوَّاب بعد أن نظر إلى سيِّدِه نظرةً متواطئة: يمكنها يا سعادة البيه أن تدفع المائتين الآن وتُقسِّط الباقي، وانفرجت الشفتان الرفيعتان عن ابتسامة ضيِّقة وتذبذبت العينان الجاحظتان وهو يقول: أقبلُ التقسيط ولكن كم يكون كل قسط؟

لم تكن تعرف فؤادة شيئًا عن تلك المساومات، كانت تريد الشقة، بل أصبحت الشقةُ أملَها الوحيد في الحياة، قارب النجاة الوحيد من ذلك الضَّياع والفراغ، والخيط الوحيد المتين الذي يقودها إلى البحث الكيميائي، وربما إلى الاكتشاف العظيم، ولكن هذا الوجه الكبير المشبع باللحم من كل زاوية، وهاتان العينان المقعرتان تنظران إليها في جوع ونهَم وكأنها قطعة من اللحم، ألا تكفيه مائتان من الجنيهات نظير لا شيء؟ وكيف تُقسِّط الباقي؟ إنها ستشتري الأدوات والأجهزة بالتقسيط، فمن أين تدفع كلَّ هذا؟ ثم إنها ستدفع إيجار الشقة كلَّ شهر، وقد تستأجر شخصًا يستقبل الزبائن ويساعد في تنظيف المعمل.

كانت مطرقةً تُفكِّر في صمْت، ورفعتْ عينَيها فجأةً إليه وضبطتْ عينَيه الزجاجتين يرمقان ساقيها بنظرة شرهة فشدَّت بغير إرادة فستانَها ليُغطِّيَ ركبتيها، وقالت: لن أستطيع أن أدفع شيئًا بالتقسيط، وأمسكت حقيبتها ونهضت لتخرج، ونهض هو الآخر وكأنه محرج وأطرق إلى الأرض وتمتم في أسف، أنا لم أخفِّض المبلغ عن خمسمائة جنيه لأيِّ أحد، وجاءني أشخاص كثيرون لكني رفضتُ تأجير الشقة لمدة طويلة؛ إنها أجمل شقة في العمارة.

وقالت وهي تتَّجه إلى الباب: إنها شقة جميلة ولكني لا أستطيع دفْعَ أكثر من مائتي جنيه، وسارت نحو المصعد، وأحسَّت بنظراته تلسعُ ظهرها، وفتح لها بابَ المصعد فدخلتْ ودخل وراءها، كان ضخمَ الجثة عريضَ الكتفين له بطنٌ عالٍ، وساقان رفيعتان تنتهيان بحذاء صغير، وقال للبوَّاب قبل أن يهبط المصعد: أغلق الشقة يا عثمان.

وهبط المصعد بهما، ورأت عينَيه المقعرتين ترشقان صدرَها بنظرة فاحصة دقيقة كأنما هو يقيسه أو يَزِنه، وكتفت ذراعيها حول صدرها وتشاغلت بالنظر في المِرآة، وكأنما فوجئت حين رأت وجهها؛ منذ مدة طويلة لم ترَ وجهها، إنها لا تذكر أنها نظرت في المِرآة في اليومين السابقين، منذ غياب فريد، ربما ألقتْ مرة نظرة خاطفة على شعرها بعد أن مشَّطتْه، لكنها لم ترَ وجهها، وبدا لها وجهها أطول مما كان، وعيناها أكثر اتساعًا يشوب بياضَها احمرارٌ خفيف، وأنفها هو أنفها، وفمها هو فمها بتلك الفرجة اللاإرادية القبيحة، وزمَّت شفتيها وابتلعت لعابًا له طعمُ البُنِّ المُر حين توقَّف المصعدُ في الدور الأرضي، وتنبَّهت إلى أن صاحب العمارة كان لا يزال يرمقها من تحت نظارته السميكة البيضاء. وفتحت باب المصعد وأسرعت تخرج من العمارة لكنها سمعتْ صوتَه من خلفها يقول: لو سمحت يا آنسة. واستدارت إليه فقال: لم أعرف لماذا تريدين الشقة … للسكن؟ وقالت في ضيق: لا؛ سأجعلها معملًا كيمياويًّا. وانحسرتْ شفتُه العليا عن الأسنان الكبيرة الصفراء وقال: هذا شيء عظيم، وأنت التي ستعملين فيه؟ قالت: نعم. وتذبذبت عيناه لحظة ثم قال: كنتُ أودُّ أن أعطيَكِ الشقة ولكن …

وقاطعتْه قائلة: أنا أشكرك ولكني كما قلتُ لكَ ليس معي إلا المائتان.

وثبتت نظرتُه لحظة وهو يقول: سأقبل منك المائتين، تأكَّدي أنني لم أكن أقبلُها أبدًا من أيِّ شخص غيركِ. ونظرتْ إليه في دهشة وقالت: معنى هذا أنكَ توافق. وابتسم ابتسامته اللَّزِجة وعيناه الجاحظتان ترتجفان من تحت زجاج النظارة كعينَي ضفدعة تتلصَّص تحت ماء عكر، وقال: من أجل خاطرك فقط. وقالت وهي تُخفي سرورها: هل يمكن أن أدفع الآن؟ قال: إذا شئتِ. وفتحتْ حقيبتها بسرعة وناولتْه المائتي جنيه وقالت: متى أكتب العقد؟ قال: متى تشائين … قالت: الآن؟ قال: الآن.

•••

خرجت فؤادة من العمارة، وسارت في الشارع ساهمة، يسيطر عليها شعورٌ غريب كذلك الذي تحسُّه في الأحلام. كان مزيجًا من عدم التصديق الكامل بالحصول على الشقة وبالخوف الشديد من فقدانها، ذلك الخوف الذي ينتاب المرءَ حين يحصل على شيء ثمين فيظنُّ أنه سيفقده في لحظة حصوله عليه.

وخُيِّل إليها أن ما حدث لم يكن إلا حلمًا، ففتحتْ حقيبتَها ورأتْ عقد الإيجار مطويًّا تحت كيس النقود، وأمسكت الورقة وفتحتْها ووقعت عيناها على بعض كلمات، طرف أول محمد الساعاتي، وطرف ثان فؤادة خليل سالم … وتأكَّد لها أن الأمر لم يكن إلا حقيقة، فطوتْ عقد الإيجار وأعادتْه إلى مكانه في الحقيبة، وواصلتْ سيرها.

شيءٌ ما يجثم فوق قلبها ويجعلُه ثقيلًا، ما هذا الذي يُثقِل قلبَها؟ أما كان يجب أن تكون مسرورة، ألم تحصل على الشقة؟ ألم تُحقِّق الأمل؟ ألن تُصبحَ صاحبةَ معمل كيمياوي؟ ألن تُجريَ بحثها؟ ألن تسعى إلى اكتشافها؟ نعم؛ كان يجب أن تكون سعيدة، ولكنَّ قلبَها ثقيل، كأنه رُبِط بحَجَر.

ولن تشعر برغبة في العودة إلى البيت، وتركتْ قدماها تسيران ولمحتْ تليفونًا من وراء باب زجاجي فدفعت الباب ودخلت ووضعتْ يدها فوق السماعة لترفعها لكنَّ صوتًا خشنًا قال لها: ممنوع استعمال التليفون، وخرجتْ تبحث عن تليفون، الساعة الواحدة واليوم جمعة، ربما يكون فريد قد عاد إلى البيت، ولكن قلبَها يحسُّ أنها لن تجده، سيأتيها ذلك الجرسُ الأخرس حادًّا متصلًا لا ينقطع، خيرٌ لها ألا تطلبَه في التليفون، خير لها أن تكفَّ عن السؤال عنه، لقد هجرها واختفى فلماذا تُثقل قلبَها بالأوهام؟

ورأتْ تليفونًا في كشك سجائر فتظاهرتْ بأنها لا تراه وسارتْ في طريقها رافعةً رأسَها ولكنها استدارتْ وعادت لترفع السمَّاعة بأصابعَ مرتجفة باردة.

نفذ الجرس إلى رأسها كمسمار مدبَّب، كان يؤلم أذنَها لكنها كانت تُبقيه وكأنما تستعذب الألم، كأنما تعالج به ألمًا آخر أشد وأفدح، كالذي يكوي جلد بطنه بسيخ محمَّى ليتخلَّص من ألم الكبد أو الطحال. وظلَّت السماعة إلى جوار أذنها، ملتصقة بها، حتى سمعت البائع يقول: هناك غيرك يريد التليفون. فوضعت السمَّاعة وواصلتْ سيرَها مطرقةَ الرأس.

أين اختفى؟ لماذا لم يقل لها الحقيقة؟ أكان كل ذلك خداعًا؟ أكانت كل أحاسيسها كذبًا؟ لماذا لا تكفُّ عن التفكير فيه؟ إلى متى تتجوَّل كالتائهة في الشوارع؟ ما جدوى هذه الحركة الدائرية العقيمة كدوران عقربي الساعة؟ ألا يجب أن تبدأ في شراء أدوات المعمل وأجهزته؟

ورفعت رأسها فاصطدمت عيناها بظهر كظهر فريد، وتصلَّبت واقفة في مكانها كأنما أصيبت بمسٍّ كهربي، لكنها أفاقت بعد لحظة حين رأتْ وجه الرجل من الجانب، لم يكن فريد. وتراختْ عضلاتها كما تتراخى أثر انتهاء الصدمة الكهربية وشعرت أنها لا تستطيع السير، وأن قدمَيها لا تقويان على حملها، كان إلى جوارها مقهًى صغير تنتشر كراسيه فوق الرصيف فجلست على كرسي منها، وراحت تُحملق بنصف وعْي فيما حولها، وكانت الأشياء من حولها تبدو مألوفةً كأنما رأتْها من قبل؛ الرجل العجوز الأعرج الذي يوزِّع أوراق اليانصيب، والجرسون الأسمر ذو الخطِّ العميق في ذقنه أثرُ جُرحٍ قديم، والمنضدة الرخامية المستطيلة التي تضع يدَها عليها، والرجل القصير السمين الذي يجلس إلى المنضدة المجاورة يشرب فنجان القهوة، والخطوط الرفيعة الحمراء التي رُسمت على فنجان القهوة؛ بل وتلك الرعشة المستمرة في أصابع الرجُل وهو يرفع فنجان القهوة إلى فمه … كلُّ هذا حدث في مرة سابقة كما يحدث الآن. إنها لم تجلس في هذه القهوة أبدًا، بل إنها لم تأتِ إلى هذا الشارع من قبلُ، ولكن هذه الجلسة التي تجلسها ومن حولها تلك الأشياء قد حدثت مرة سابقة لا تدري أين؟

وتذكَّرتْ أنها قرأتْ مرة شيئًا عن تناسخ الأرواح وقالت لنفسها في سخرية ربما عشتُ هذه الحياة من قبلُ في جسم آخر.

وخطر لها في هذه اللحظة خاطرٌ غريب، فقد تصوَّرت أنها سترى فريد مارًّا أمامها في الشارع، لم يكن تصورًا فحسب ولكنه كان كاليقين؛ بل لقد خُيِّل إليها أن قوة ما خفية هي التي ساقتْها إلى هذا المقهى بالذات وفي هذا الشارع بالذات وفي هذه الدقيقة بالذات لكي ترى «فريد».

ولم تكن تؤمن بالأرواح الخفيَّة، كان عقلُها كيميائيًّا لا يؤمن إلا بما يخضع للتحليل الكيميائي ويوضع في أنابيب الاختبار، ولكن هذا الخاطر سيطر عليها بدرجة كبيرة إلى حدِّ أنها ارتجفتْ من الرهبة، فقد تصوَّرت أنها في اللحظة التي ترى فيها «فريد» ستسقط على الأرض ويصعقها الإيمان. وشدَّت عضلاتِ وجهها وجسمها متأهبة للصاعقة التي ستحلُّ بها حين يقع بصرُها على فريد سائرًا بين الناس وظلَّت عيناها تبحثان في الوجوه المارَّة ولا ترمشان، وأنفاسُها تهبط ولا تصعد، وقلبها يدقُّ بعنف وكأنه يُفرغ آخر جرعاته.

ومرَّت لحظة ولم ترَ «فريد»، وابتلعت ريقَها، كأنما تستردُّ بعضَ هدوئها، كأنما تحمد الله على أنه لم يظهر وعلى أنها لم تُصعَق، ومرَّت لحظة أخرى فبدأت تشعر بالقلق لأن النبوءة لم تتحقَّق ولأنها سوف تسقط مرة أخرى في هوة الانتظار، ولكنها كانت لا تزال تأمل في أن تراه، وظلَّت تُحملق في وجوه الرجال تُفرز بسرعة كلَّ وجه، وكان بعضُ الرجال يشترك مع فريد في شيء من الملامح والحركات، وكانت عيناها تستقرَّان لحظة على الشيء المتشابه وكأنها ترى جزءًا حقيقيًّا من فريد.

ومرَّ وقتٌ طويل قبل أن تتأكَّد فؤادة من كذِب النبوءة الغاشمة، وارتختْ عضلاتُ رأسِها ورقبتها في خيبة أمل، لكن راحة خفية كانت قد تسرَّبتْ إلى نفسها، تلك الراحة التي تعقب التحرر من مسئوليات الإيمان.

•••

مضت ثلاثة أيام وأصبح المعملُ معدًّا، كان اليوم الثلاثاء بعد الظهر، حين سارت فؤادة في شارع قصر النيل في اتجاه المعمل، تحمل في يدها لفة بها بعض أنابيب اختبار وخراطيم رفيعة من «الكاوتش»، كانت على الرصيف المواجه للعمل فوقفت مع الواقفين عند الإشارة لتجتاز الشارع.

بينما هي واقفة تنتظر اللون الأخضر، رفعتْ رأسها إلى واجهة العمارة. كانت اللافتات تُغطِّي النوافذ والشرفات والأبواب والمساحات الخالية من الجدران، لافتات بأسماء أطباء ومحامين ومحاسبين وخيَّاطين ومدلكين وغيرهم من ذوي المهن الحرَّة. كانت الأسماء مكتوبة بخط أسود عريض فوق أرضية بيضاء فبدتْ لها كصفحة الوَفيات في جريدة، والتقطتْ عيناها اسمها؛ فؤادة خليل سالم مكتوبًا بأحرف سوداء في أعلى الصفحة، وأحسَّتْ بثِقَل في قلبها كأنها تقرأ نعيَها، لكنها كانت تعلم أنها لم تمُت، وأنها واقفة عند الإشارة تنتظر اللون الأخضر، وأنها قادرة على تحريك ذراعيها، واصطدمت ذراعُها وهي تُحرِّكها برجل كان يقف إلى جوارها مع ثلاثة من الرجال، وكانوا ينظرون جميعًا إلى واجهة العمارة ويقرءون اللافتات، وخُيِّل إليها أنهم ينظرون إلى اسمها هي بالذات، فانكمشت داخل معطفها في خجل، وخُيِّل إليها أن حروفَ اسمِها لم تَعُدْ خطوطًا من الطلاء الأسود، وإنما أشياء مجسدة كالأعضاء، كأعضاء جسمها، لم تدرِ كيف تصوَّرت هذا، لكنها أحسَّت وعيون الرجال تتأمَّل اسمَها المعروض كأنما يتأمَّلون جسمها العاري ممدودًا فوق النافذة، وفتحت الإشارة فاندست بين السائرين تتخفَّى بينهم، وتذكَّرت حادثة وقعت لها وهي في السنة الأولى بالمدرسة الابتدائية. كان مدرِّس الدين بأنفه المقوَّس الغليظ كمنقار البطَّة واقفًا في الفصل يشرح للبنات الصغيرات ما بين السادسة والثامنة من العمر تعاليم الدين التي تنصُّ على احتشام الإناث، وقال في ذلك اليوم إن الأنثى لا بد أن تغُطِّيَ جسمَها لأنه عورة، ولا تتكلَّم في حضرة الرجال الغرباء لأن صوتَها عورة، وقال أيضًا إنَّ اسمَها عورة ويجب ألا يُذكَر علنًا أمام الرجال الغرباء، وضرب مثلًا بنفسه قائلًا: حين يعنُّ لي وللضرورة القصوى أن أذكر زوجتي في حضرة الرجال فإني لا أنطق اسمها الحقيقي وإنما أُطلق عليها اسمَ الجماعة.

كانت فؤادة الطفلة الصغيرة جالسةً تسمع، ولم تكن تفهم شيئًا مما يقال، لكنها كانت تقرأ ملامحَ المدرِّس وهو يتكلَّم، وحين نطَق كلمة عورة لم تفهم معناها، لكنها أحسَّت من التعبير الذي ارتسم على ملامحه أنها تعني شيئًا قبيحًا ومزريًا للغاية فانكمشتْ في الدرج حسرة على نفسها المؤنثة، وكاد أن يمرَّ اليوم بسلام كأيِّ يوم آخر لولا أن مدرِّس الدين عنَّ له في تلك اللحظة أن يسألَها عن معنى ما قاله، فوقفت تنتفض من الذعر، وبينما هي واقفة لم تدرِ كيف فلت البولُ من بين ساقيها بغير إرادة، واتجهتْ عيونُ البنات جميعًا إلى ساقَيها المبتلَّتين، وأرادت أن تبكيَ لكنها لم تستطع من شدة الخزي.

•••

أصبحت فؤادة في معملها الكيمياوي، كلُّ شيء من حولها يبدو جديدًا مغسولًا ينتظرها؛ الأنابيب، المخابير، الأجهزة، الأحواض، وكلُّ شيء، واقتربت من الميكروسكوب الموضوع على منضدة خاصة لها ضوءٌ خاص، وحرَّكت مساميره، وهي تنظر من خلال العدسة، ورأت دائرةَ الضوء نظيفةً خالية، وقالت لنفسها: ربما أجد ضالتي يومًا في هذه الدائرة.

وشعرت برغبة في العمل؛ فلبست الفوطة البيضاء وجهَّزت الأنابيب، وأشعلت موقدَ الغاز، كان ضوءُ اللهب زاهيًا فأمسكت أنبوبةَ اختبار بماسكها المعدني الخاص، وغسلتها غسلًا دقيقًا خشيةَ أن تظلَّ بها ذَرَّة تراب وقرَّبتها من لسان اللهب حتى جفَّت تمامًا، ثم شدَّت عضلاتها وتأهبتْ لإجراء البحث.

لكنها ظلَّت ممسكةً بالأنبوبة الفارغة تُحملق فيها وكأنها نسيت موضوع البحث وأحسَّت بعَرق بارد يُندِّي جبينَها وقد فوجئت بسؤال بدهي كانت تعرف جوابَه دائمًا، لكنها حينما وُوجِهت بالسؤال وبدأت تفكِّر، هرب منها الجواب، وكلما كانت تفكِّر وتفكِّر كان يهرب منها أكثر وأكثر. وتذكَّرت يومًا قرأتْ لها زميلة الفنجان لتدلها على بعض أحداث المستقبل، وبينما كانت الزميلة تقرأ الفنجان سألتْها فجأة: ما اسم أمك؟

لم تدرِ فؤادة كيف فاجأها السؤال حتى إنها نسيت اسمَ أمها، وألحَّت الزميلة في معرفة الاسم، وكلما كانت تُلحُّ بالسؤال كان الاسمُ يهرب من ذاكرة فؤادة، واضطرت الزميلةُ في النهاية أن تواصل قراءة الفنجان بغير اسمِ الأمِّ، ولكن فؤادة تذكَّرت الاسم في اللحظة نفسها التي كفَّت فيها الزميلة عن السؤال.

ظلَّت فؤادة تُحملق في الأنبوبة الفارغة ثم وضعتْها في حامل الأنابيب وأخذتْ تروح وتجيء في الحجرة مطرقةَ الرأس، كلُّ شيء يمكن أن يختفيَ إلا هذا، كلُّ شيء يمكن أن يهربَ منها إلا هذا! إنها لن تحتملَ اختفاءَه هو الآخر، لن تحتملَ هروبه، فهو الشيء الوحيد الباقي لها، وهو السببَ الوحيد الذي يُبقيها على قيد الحياة.

وتوقَّفتْ عند النافذة وفتحت الزجاج، ولفَح الهواءُ البارد وجهَها فأحسَّت بشيء من الانتعاش وقالت لنفسها: إنه الإرهاق، يجب ألا أُفكِّر في البحث وأنا مرهقة، ونظرتْ من النافذة، كانت اللافتةُ الكبيرة معلَّقة في حديد الشرفة، ورأت الشارع بعيدًا، والناس يسيرون في طريقهم دون أن يرفعوا رءوسهم إلى أعلى، غير عابئين بمعملها الكيمياوي، وخُيِّل إليها أن أحدًا لن يفطنَ إلى وجود معملها ولن يطرقَ بابَها زَبونٌ واحد، ومصمصتْ شفتَيها في أسًى، وهمَّت بأن تُغلق النافذة حين لمحت امرأةً تقف على الرصيف وتُلوي رأسَها إلى فوق وتنظر ناحيةَ نافذتها، ودبَّ الحماسُ في جسمها فجأةً، لا بد أنها مصابةٌ بداء النقرس وقد جاءت لتحليل بولِها، وأسرعتْ إلى الحجرة الخارجية التي كُتب على بابها حجرة الانتظار، وعدلتْ بعض الكراسي المعوجَّة، ونظرتْ إلى نفسها في المِرآة الطويلة بجوار الباب، ورأت الفوطة البيضاء تتدلَّى إلى ما فوق ركبتها كحلاقي الشعر وغضَّت الطَّرف عن فمها المنفرج ونظرت في عينيها، وابتسمتْ وهي تهمس لنفسها: فؤادة خليل سالم صاحبة معمل للتحاليل الكيميائية، نعم؛ إنها هي.

وسمعتْ أزيز المصعد يتوقَّف، وسمعتْ بابَه يُفتح ويُغلق، وطرقع كعبُ الحذاء الثقيل العالي على أرض الممر البلاط، وانتظرتْ فؤادة وراء الباب لتسمع صوت الجرس لكنها لم تسمع شيئًا، ففتحتْ شرَّاعة الباب بهدوء شديد، ورأت ظهر السيدة وهي تدخل من باب الشقة المجاورة لها، وقرأتِ الرقعة النحاسية الصغيرة فوق الباب: معهد شلبي الرياضي للتدليك والتخسيس.

وأغلقت الشراعة، وعادتْ إلى الحجرة الداخلية التي كُتب على بابها: حجرة التحليل والأبحاث، وأشاحت بوجهها عن الأنبوبة الفارغة، وأخذت تروح وتجيء في الحجرة ثم نظرت في الساعة، كانت الثامنة، وتذكَّرت أن اليوم هو الثلاثاء، فخلعت الفوطة البيضاء بسرعة وألقتْها على أحد الكراسي ثم خرجتْ إلى الشارع مسرعة.

الثلاثاء الماضي لم يأتِ، ربما لسبب قاهر، وها هو ثلاثاء آخر، أتراه يأتي في الموعد؟ أيمكن أن تذهب إلى المطعم فتجده جالسًا إلى المائدة؟ ظهرُه ناحيتها ووجهُه ناحية النيل؟ إن قلبَها يخفق ولكن تهتزُّ داخله تلك الجلطةُ التي تجمَّدت وتقلَّصت وثقلتْ ككرة الرصاص، إنها لن تجدَه فلماذا تذهب إلى المطعم؟ وحاولتْ أن تُغيِّر اتجاهَها وتعود إلى البيت لكنها لم تستطعْ، كانت قدماها تندفعان بغير وعْيٍ في اتجاه المطعم كحصان جامح شدَّ اللِّجام من يد صاحبِه وانطلق يجري وحدَه.

وصفَع عينيها ظهرُ المائدة العاري بغير مفرش، والهواء يضربه من كلِّ جانب كصخرة عاتية هرمة في قلب بحر هائج، ووقفتْ لحظة ساهمةً ثم خرجتْ من المطعم مطرقة، وسارت بخطوات بطيئة وثقيلة حتى وصلت بيتَها.

•••

كانتْ أمُّها في ركْنٍ من الصالة تُصلِّي، ظهرُها للباب ووجهُها للحائط، ووقفتْ لحظةً تتأمَّلُها. كان ظهرُها المقوَّس ينحني إلى الأمام فيرتفع طرفُ جلبابها عن بطن ساقيها، وتركع على الأرض بضعَ لحظات ثم تنهض واقفةً لتنحني مرةً أخرى إلى الأمام ويرتفع جلبابُها كاشفًا عن بطن ساقيها، ورأت فؤادة عروقًا كبيرة زرقاء نافرة في بطن ساقيها كالديدان الطويلة المتعرِّجة، وقالت لنفسها: مرض خطير في القلب أو الشرايين، وركعتْ أمُّها على الأرض ثم لوتْ رأسَها ناحية اليمين وهمست ببضع كلمات ثم ناحية اليسار وهمست بالكلمات نفسها ونهضتْ مستندةً بيدها على الكنبة ووضعت قدميها في الشبشب واستدارت لترى فؤادة وراءها. وقالت وهي تبصق في فتحة جلبابها عند العنق: بسم الله الرحمن الرحيم! متى دخلتِ؟ وقالت فؤادة وهي تجلس على الكنبة تتنهد في إعياء: الآن، وجلست الأمُّ على الكنبة إلى جوارها وقالت وهي تتأملها: يبدو أنكِ متعبة.

كانت على وشك أن تقول متعبة جدًّا، لكنها نظرت في وجه أمِّها ورأتْ عينيها الواسعتين مشربتين باصفرار واضح لم ترَه من قبل فقالت: اشتغلت كثيرًا فقط، هل تشعرين بتعب يا ماما؟ قالت الأم في دهشة: أنا؛ أي تعب؟ وردَّت قائلة: في القلب مثلًا. وقالت الأم: لماذا؟ قالت فؤادة: لاحظت عروقًا نافرة في رجليك وأنتِ تُصلِّين. وقالت الأم: وما دخل القلب بالرِّجلين؟ قالت: الدم يمشي من القلب إلى الرِّجلين.

وشوَّحت الأم بيديها في لا مبالاة؛ يمشي كما يمشي، أنا لا أشعر بتعب. قالت فؤادة: لا نشعر أحيانًا بالتعب لكن المرض يكون كامنًا في أجسامنا، من المفيد أن نبحث من الآن، وقالت الأمُّ وهي تربِّع رجلَيها فوق الكنبة: أنا أكره الأطباء كالعمى.

قالت فؤادة: لن تذهبي إلى طبيب. سأتولَّى أنا البحث. قالت الأم في دهشة: أي بحث؟ ردت فؤادة: سآخذ عينة من بولك وأُحلِّلها في معملي، وابتسمت الأم ابتسامة صغيرة وقالت بصوت عالٍ: آه فهمت! تريدين إجراء تجاربك عليَّ.

ونظرت إليها فؤادة لحظة ثم قالت: أي تجارب! إني أعرض عليك خدمة بغير مقابل. وقالت الأم: أشكرك جدًّا، أنا في تمام الصحة ولا أريد أن أوهم نفسي بمرض، وقالت فؤادة في ضيق: لن يكون هناك أيُّ وهم يا ماما ولن يكون عندك مرض. وقالت الأم: إذن ما فائدة التحليل؟ وقالت فؤادة: لنتأكَّد من عدم وجود المرض هذا شيء، والشيء الآخر أن التحليل … وسكتتْ لحظة ثم قالت بصوت منخفض: التحليلُ في حدِّ ذاته فنٌّ يلذُّ لي أن أمارسَه.

وقالت الأم وهي تُقلِّب شفتَها السفلَى في امتعاض: وما هو الفنُّ أو اللذة في تحليل البول! وردَّت فؤادة وكأنها تُكلِّم نفسها: إنه عملٌ يعتمد على الحواس، كالفنِّ سواء بسواء، وقالت الأمُّ: أيُّ حواس؟ وقالت فؤادة: الشمُّ، اللمس، النظر، التذوق … وصاحت الأم قائلةً: تذوُّق! ونظرت إلى ابنتها لحظة ثم قالت: يُخيَّل إليَّ أنكِ لا تعرفين شيئًا عن هذه التحليلات.

ونظرتْ فؤادة إلى أمِّها، ورأتْ في عينيها نظرةً غريبة تُشبه النظرةَ التي رأتْها في عينيها في صورة الزفاف، نظرة قاسية، متشكِّكة، فاقدة الثقة فيمن أمامها فقدانًا مريرًا، وأحسَّت بسخونة ترتفع في رأسها ووجدتْ نفسَها تقول بغير وعي: أنا أعرف لماذا ترفضين التحليل، أنتِ ترفضين لأنك لا تثقين في تحليلي، وارتفع صوتُها بغير إرادة وصاحت: أنتِ لا تثقين في أنني يمكن أن أعمل شيئًا، هذه هي نظرتُكِ لي دائمًا، وهذه كانت نظرتك دائمًا لأبي.

وفتحتْ أمُّها فمَها في دهشة ثم قالت: ماذا تقولين؟ وردَّتْ بصوت أكثر ارتفاعًا: نعم؛ أنتِ لا تثقين في، هذه هي الحقيقة التي كنتِ تُخفينها دائمًا عني.

ونظرتْ إليها أمُّها في دهشة شديدة، وقالت بصوت واهن: ولماذا لا أثقُ فيكِ؟

وصاحت فؤادة: لأنني ابنتُكِ؛ فالناس دائمًا لا ترى الأشياء الثمينة التي تمتلكها لمجرد أنها تمتلكها.

وأطرقت فؤادةُ رأسَها إلى الأرض وأمسكتْه بيديها كأنها تشعر بصداع شديد، وراحتِ الأمُّ تتأمَّلُها في صمْتٍ وإشفاق ثم قالت بصوت حنون: مَن قال لكِ إنني لا أثقُ فيكِ يا ابنتي؟! أنتِ لا تعرفين كيف أحسستُ بكِ حين رأيتُكِ لأول مرة بعد ولادتِك، كنتِ نائمةً إلى جواري كالملاك الصغير تتنفَّسين بهدوء وتنظرين حولَكِ في دهشة بعينَيكِ الصغيرتين اللامعتين، وحملتُكِ بين ذراعي ورفعتُكِ إلى فوق ليراكِ أبوكِ وقلتُ له: انظر إليها يا خليل، وألقى عليكِ أبوكِ نظرةً خاطفة وهو يقول في أسًى: إنها بنت. وقلتُ له وأنا أُقرِّبكِ من وجهه: ستكون امرأةً عظيمة يا خليل، انظر إليها، انظر في عينيها، قبِّلْها يا خليل! قبِّلْها! وقرَّبتُكِ منه حتى كاد وجهُكِ يُلامس وجهَه، لكنه لم يُقبِّلْكِ، وأشاح بوجهه بعيدًا عنَّا وتركنا وخرج. ومسحتِ الأمُّ بكُمِّها دمعةً صغيرة بلَّلتْ جفنَيها، وقالت: كرهتُه في تلك الليلة أكثرَ من أي ليلة أخرى، وبقيتُ طولَ الليل صاحيةً أنظر إلى وجهك الصغير وأنت نائمة، وكلما كنتُ أقرِّب أصبعي من يدكِ تلتفُّ أصابعُكِ الصغيرة الرقيقة حول أصبعي وتُمسكه بقوة ولا تتركه، وظللتُ أبكي حتى طلَع النهار، ولا أدري يا ابنتي ما المرضُ الذي أصابني فقد ارتفعتْ حرارتي فجأةً وفقدتُ الوعيَ أيامًا، وحينما أفقتُ واسترددتُ صحَّتي عرفتُ أنني نُقلت إلى مستشفى حيث انتزعوا من جسمي الرحمَ فأصبحتُ عقيمًا.

وأخرجتْ منديلَها من جيب جلبابها لتمسحَ الدموع التي تسربتْ إلى أنفها، وقالت: كنتِ أنتِ الشيءَ الوحيد لي في الحياة، وكنتُ أدخل عليكِ حجرتك وأنت ساهرة تستذكرين وأقول لك … وغلبتْها الدموع فوضعت المنديل فوق عينيها لحظة ثم رفعتْه عن عينين محتقنتين بالدم، وقالت: هل نسيتِ يا فؤادة؟

كانت فؤادة تُقاوم ألمًا حادًّا في نصف رأسها، وكانت صامتةً شاردة كأنها نصف نائمة وقالت بصوت ضعيف: لم أنسَ يا ماما.

وسألت الأمُّ في رقَّة: ماذا كنتُ أقول لكِ يا فؤادة؟ وقالت فؤادة في شرود: كنتِ تقولين إنكِ واثقة من أنني سأنجح وأسبق كلَّ زملائي.

وانفرجتْ شفتا الأمِّ الذابلتان عن ابتسامة واهنة وقالت: أرأيتِ؟ كنتُ واثقة دائمًا منك. وقالت فؤادة: كنتِ تتصورين أنني أحسنُ من كل البنات.

وقالت الأمُّ في شيء من الحماس: لم أكن أتصوَّر فقط. كنت متأكدة.

ونظرت فؤادة في عينَي أمِّها وقالت: ولماذا كنتِ متأكدة؟ وقالت الأمُّ بسرعة: هكذا! بغير سبب! وحاولت فؤادة أن تُثبت عينيها في عيني أمِّها لترى نظرتها وتفهمها، وتعرف سرَّ ذلك التأكُّدِ الذي كان يلازمها لكنها لم ترَ شيئًا، وشعرت بشيء من الضيق تحوَّل بعد لحظة قصيرة إلى غضب خفيف، وقالتْ لأمِّها فجأة: هذا التأكُّد أفسدَ حياتي.

وارتفع الجفنان الخاليان من الرموش عن مساحة أكبر من بياض العينين الأصفر ذي الشعيرات الدموية الحمراء وقالت الأم في دهشة شديدة: ماذا؟

وقالت فؤادة بغير إرادة وكأنما يُلقِّنها شخص من الماضي البعيد: هذا التأكد كان يطاردني كالشبح، كان يُثقل قلبي، ولم أكن أنجح في الامتحانات إلا … وسكتتْ لحظة وابتلعتْ ريقها بصوت مسموع ثم واصلتْ كلامها: نعم؛ لم أكن أنجح إلا من أجلكِ أنتِ، وكان هذا يُعذِّبني، نعم كان يُعذِّبني لأنني كنتُ أحبُّ العلوم وكان يمكن أن أنجحَ وحدي، وأمسكتْ رأسها بين يديها وضغطت عليه بقوة.

وسكنت الأمُّ لحظة واجمةً ثم قالت في أسًى: أنتِ مرهقة يا فؤادة الليلة، ماذا حدث في الأيام الأخيرة؟ أنتِ لستِ في حالتك الطبيعية.

ظلَّتْ فؤادة، مطرقةً صامتة، تضغط بكلتا يدَيها على رأسها وكأنما تخشى عليه أن ينكسرَ، كان هناك ألمٌ حادٌّ يشقُّ رأسَها نصفين، وفي مكان ما من مؤخرة رأسِها كانت هناك نقطةٌ تكشفُ عن نفسها، لم تكن تعرف تمامًا ما هي، ولكن خُيِّل إليها أنها بدأتْ تكتشف السببَ الحقيقيَّ للحزن الغامض الذي كان ينتابها أحيانًا حين تمرُّ بها لحظةٌ سعيدة. لم يكن هذا السببُ سوى أمِّها، كانت تحبُّ أمَّها أكثر من أي شيء آخر؛ أكثر من فريد، وأكثر من الكيمياء، وأكثر من الاكتشاف، وأكثر من نفسها، ولم تكن لتتحرَّرَ من هذا الحب رغم أنها كانت تريد أن تتحرَّر، كأنما وقعت في شَرَك أبدي، التفَّت أسلاكُه وخيوطه حول قدميها ويديها ولم تستطعْ منه فكاكًا طوال حياتها.

وتحرَّك أصبعها الصغير بغير إرادة وزحف فوق شفتها العليا ثم دخل في فمها، وأخذت تعضُّ طرف أصبعها كطفل ظهرتْ أسنانُه ولا يزال يمصُّ ثديَ أمِّه، وانقضَتْ فترةٌ طويلة وهي جالسة على الكنبة في الصالة، رأسُها بين يديها وطرفُ أصبعها الصغير بين أسنانها، وخُيِّل إليها أن أمَّها تركت الصالة، ولم تعرف أين ذهبتْ لكنها عادت بعد قليل وفي يدها زجاجةٌ صغيرة مليئة بسائل أصفر ومدَّت يدها النحيلة المعروقة إلى ابنتها، ممسكة بالزجاجة، ورفعت فؤادة عينيها إليها فسقطت الدمعة الحبيسة من بينهما في حِجرها.

•••

أحسَّت فؤادة بلذَّة كبيرة وهي تغسل الأنابيب وتُعدُّ زجاجاتِ القلويات والأحماض، وتضبط أجهزة التحليل الكيميائي وقراءة الألوان، وأشعلت الموقدَ وسكبتْ قليلًا من بول أمِّها في أنبوبة الاختبار وأمسكت الأنبوبةَ بماسكها المعدني وقرَّبتْها من طرف اللهب. وبينما هي في هذا الوضع أدركتْ لماذا ألحَّت على أمِّها لتأخذ منها عينة؛ كانت تريد أن تستخدم أدوات المعمل الجديدة.

كانت العينةُ خالية من الزُّلال، فلم تجمِّد الحرارةُ منها شيئًا وأطفأت الموقد، وسكبت قطرةً صغيرة من البول البارد فوق شريحة زجاجية وضعتْها تحت الميكروسكوب، ونظرتْ من خلال عدسته فرأتْ تلك الدائرةَ الكبيرة تتحرَّك داخلها دوائرُ صغيرة مختلفة الأحجام والأشكال، وحرَّكت المِرآة لتضبط الضوء ولفَّت المسمار الجانبي الخاص بالعدسة المكبرة فاتسعت الدائرة الكبيرة وزادت عن المدار الذي تدور فيه عيناها، وكبرت الخلايا الدائرية الصغيرة المهتزة وبدت كحبَّات من العنب تطفو فوق ماء.

وركَّزت عينها على إحدى الخلايا، كان لها شكلُ البويضة بل إنها كانت بويضةً فعلًا، كانت تهتزُّ ككائن حيٍّ وتتذبذب داخلها نويتان قاتمتان كالعينين، وأمعنت النظرَ فيهما، وخُيِّل إليها أنهما تنظران إليها نظرةً أليفة كنظرة أمِّها، وتذكَّرت أن هذه البويضة هي بويضة أمِّها، وأنها هي نفسها كانت هذه البويضة منذ ثلاثين سنة، لكنَّ أمَّها لم تضعْها في زجاجة وتُغلق عليها بسدادة، كانت تتشبَّث بلحمها كما تتشبَّث القملة بجلدة الرأس، وكانت تأكل خلاياها وتمصُّ دمَها.

لم تدرِ فؤادة كيف استرسلتْ في أفكارها، وكيف تصوَّرت بكثير من الاندهاش وعدم التصديق منظرَ أمِّها وهي مستلقية فوق السرير وإلى جوارها أبوها. لم تكن تخيَّلت من قبل أن أمَّها مارست تلك الأعمال التي تمارسها النساء قبل إنجاب الأطفال، لكنها كانت على يقين من أنَّ أمَّها قد مارستْها بدليل وجودها في الحياة، وحاولت أن تتصور شكلَ أمها في مثل هذا الموقف، وخيِّل إليها أنها كانت تظلُّ بتلك الصورة التي عرفتها بها، الطرحة البيضاء تلتفُّ حول رأسها، والجلباب الطويل فوق جسمها، والجورب الأسود الطويل في قدميها، والشبشب الصوفي أيضًا. نعم؛ لقد تصوَّرتها بكل تلك الأشياء راقدة فوق السرير بين ذراعي أبيها مطبقة شفتيها في صرامة وفوق جبينها العريض تكشيرةٌ جادة، تؤدي واجبها الزوجي بالحركات الوقورة البطيئة نفسها التي تؤدي بها الصلاة.

وسمعت جرس الباب يرنُّ، كانت قد سمعته منذ رأت البويضة لكنها ظنت أنه جرسُ الشقة المجاورة، أو جرس عجلة في الشارع، لكن الرنين تكرَّر واستمرَّ فتركت الميكروسكوب وذهبت لتفتحَ الباب.

كانت الخلايا الدائرية لا تزال تهتزُّ أمام عينيها حين وقع بصرها على العينين الجاحظتين تهتزُّ داخلهما نويتان بارزتان سوداوان، وخيِّل إليها أنها لا تزال تنظر في الميكروسكوب فدعكت عينيها بيدها وهي تقول: تفضَّل يا أستاذ ساعاتي.

سار وراءها بجسمه الضخم إلى حجرة الانتظار في خطوات محرجة وكأنه لا يعرف سببًا وجيهًا لمجيئه، وقال وهو يتلفَّتُ حوله إلى الكراسي المعدنية الجديدة: مبروك. ألف مبروك؛ لقد أصبح معملًا جميلًا جدًّا. وجلس على أحد الكراسي وهو يقول: فكَّرتُ أن أمرَّ عليك قبل اليوم أكثر من مرة لأُهنِّئكِ على المعمل الجديد لكنني خشيتُ أن … وسكت لحظة وتذبذبت عيناه الجاحظتان من تحت النظارة السميكة ثم قال: لكني خشيتُ أن أُزعجَكِ.

وقالت في هدوء: أشكرك.

ورفع عينيه وقرأ الرقعة النحاسية فقال في دهشة: حجرة الأبحاث! ونهض وأدخل رأسَه من باب الحجرة فرأى الأجهزة والأدوات والأنابيب والأحواض الجديدة فقال في سرور وإعجاب: هذا رائع! رائع! لقد أصبح معملًا كيمياويًّا بمعنى الكلمة.

ونظرتْ حولها في شيء من الدهشة، لم تكن أحسَّتْ بعدُ أنها تمتلك المعمل، أو أنه أصبح معملًا كيمياويًّا بمعنى الكلمة، كان يُخيَّل إليها أنه ليس كاملًا وأن أشياء كثيرة تنقصه، فقالت بدهشة حقيقية: حقًّا! هل ترى أنه معمل كيمياوي؟!

ونظر إليها مندهشًا، وقال: وأنتِ، ألا ترين ذلك؟

وقالت في شرود وهي تتأمَّل معملها بعين جديدة: نحن لا نرى دائمًا الأشياء التي نمتلكها.

وابتسم، فقفزت شفتُه العليا كاشفةً عن أسنانه الكبيرة الصفراء وقال: هذا صحيح خاصة في حالة الزوجات والأزواج. وضحك ضحكة قصيرة ثم عاد وجلس على كرسيه، وظلَّت واقفة فقال لها: يبدو أنك مشغولة، هل أنا أعطلكِ؟ وجلستْ على كرسي بجوار الباب وهي تقول: كنتُ أُجري بعضَ الأبحاث.

وابتسمتْ بغير سبب، ولعلها تذكَّرت شكل بويضة أمِّها، والتهمت نظراتُه الحدباء وجهَها وقال: سأقول لكِ شيئًا، هل تعرفين أنكِ تُشبهين ابنتي؟ الابتسامة نفسها، العينان، القوام، كل شيء.

وأحسَّت فؤادة بوقْع نظراته فوق جسمها فصمتت مطرقةً، وهمست لنفسها: إنه يريد أن يثرثر فحسب. وقال: حين رأيتُكِ لأول مرة أحسست بهذا الشبهِ الغريب، وخيِّل إليَّ أنكِ قريبة مني، وربما هذا هو السبب الذي جعلني أصمم بيني وبين نفسي على أن أعطيَكِ الشقة.

نعم؛ إنه يريد أن يثرثر، وها هو يذكر الشقة، ما الذي أتى به في هذا الوقت؟ لقد أفسد عليها لذَّةَ تحليل بول أمها.

وأكمل كلامه قائلًا: فكَّرتُ في الأيام الماضية أن آتيَ وأساعدك في تجهيز المعمل، لكني خشيتُ أن تظنِّي بي سوءًا. النساء عندنا يُسئْنَ الظنَّ بأي رجل يُبدي رغبته في المساعدة، أليس كذلك؟

ولم تردَّ، كانت قد شردت فجأةً في شيء آخر، تذكَّرتْ حادثة صغيرة وقعتْ لها وهي طفلة؛ كانت تلعب مع الأطفال في الشارع، وكان هناك الرجل العجوز الأبله الذي يتجوَّل في الشوارع بغير هدف ويجري الأطفال خلفه يهلِّلون: العبيط أهه! وكانت تجري خلفه مع الأطفال وتهلِّل معهم، وفي ذلك اليوم جرت خلفه أكثر من اللازم فابتعدتْ عن الأطفال واقتربتْ منه، واستدار إليها الرجلُ العجوز ونظر إليها نظرة مخيفة فارتعدتْ وخيِّل إليها أنه سيجري خلفها ويُمسكها فأطلقتْ ساقَيها للريح، وكفَّت من يومها عن الجري خلفه مع الأطفال، وكانت تختبئ بسرعة حين تراه، وقد خيِّل إليها أنه يخصُّها دون الأطفال بتلك النظرة المخيفة المرعبة.

لم تدرِ فؤادة لمَ تذكَّرتْ تلك الحادثة البعيدة، لكنَّ عينَي الرجل العجوز الأبله كانتا جاحظتين كهاتين العينين، وتلفَّتتْ حولها في المعمل، وكأنما اكتشفت فجأةً أنها وحدَها مع الساعاتي في الشقة، فشعرتْ بخوف غامض ونهضت، وهي تقول: لا بد أن أذهب الآن؛ فقد تذكَّرت شيئًا هامًّا، ونهض الساعاتي قائلًا: متأسف لأنني عطلتُكِ، هل تودِّينَ أن أوصلكِ بعربتي؟ وقالت وهي تسرع وتفتح الباب: لا، أشكرك؛ فالمكان ليس بعيدًا. وخرج من الباب فأغلقت الشقة بالمفتاح وأسرعتْ أمامه لتهبط السُّلَّم، فقال لها مندهشًا: ألا تنتظرين المصعد؟ وقالت وهي تهبط السلم مسرعة: أُفضِّل الهبوط على قدمي.

•••

سارتْ في الشارع تتطلَّعُ إلى نوافذ المحلات، وكان الليل قد بدأ يهبط بثقله وكثافته على الأرض، وأُضيئت أنوارُ الشارع والمحلات، لم تشعر برغبة في العودة إلى البيت، فسارتْ تُحملق في الوجوه التي تمرُّ بها، وكانت قد أدمنتْ تلك العادةَ الغريبة، عادة مقارنةِ الرجال بفريد، في ملامحهم، في حركاتهم، في أحجامهم، وأدمنتْ شيئًا أغرب من هذا، وهو خلق تنبؤات مبتكرة والانسياق وراء احتمال تحقُّقِها، كانت تقول لنفسها مثلًا وهي سائرة في الشارع: ستمرُّ بي ثلاثُ عربات ملاكي يتبعُها تاكسي، وسأنظر داخل التاكسي فأرى فريد جالسًا، وكانت تبدأ في عدِّ العربات التي تمرُّ بها ولا تتحقَّق النبوءة فتعض شفتَها السفلَى، وتقول: ومَن قال إنها يمكن أن تتحقَّق؟ إنها ليست إلا وهمًا، وتُواصل سيرها، وبعد قليل تخطر لها نبوءةٌ أخرى بشكل آخر.

ووصلت إلى نهاية شارع قصر النيل فوجدتْ جمْعًا من الناس يلتفُّون حول عربة، وسمعت الأصوات تقول: رجل مات، ووجدت نفسَها تندفع بين الناس وتشقُّ الزحام وهي تلهث وترتجف حتى وصلت إلى الرجل الممدود فوق الأرض، ونظرت في وجهه ولم يكن فريد، فعادت تخرج من بين الزحام بخُطًى بطيئة ثقيلة.

وتركتْ شارع قصر النيل وسارتْ في اتجاه شارع سليمان؛ كان الشارع مزدحمًا بالناس لكنها لم ترَ أحدًا. كانت تسير شاردةً، تُدرك الأجسام من حولها بحدودها الخارجية التي تَفصلُها عن كتلة الدنيا الهلامية الضخمة، فتعرف بغير إرادة أن ذلك الجسمَ يشغل ذلك الحيز من الشارع وعليها أن تتفادى الاصطدامَ به. وهكذا سارت دون أن تصطدم بشخص أو جدار.

وخُيِّل إليها أن حاجزًا ما يسدُّ الطريق، ورفعتْ رأسها فرأتْ طابورًا طويلًا من الناس يقف في عرض الشارع، فوقفتْ هي الأخرى.

كان الطابور يتناقص شيئًا فشيئًا، حتى وجدتْ نفسَها أمام شباك التذاكر، فاشترتْ تذكرة واتجهت مع الناس إلى الباب الواسع. كانت الصالة مظلمة، وسقط نورُ الكشاف الصغير على ظهر تذكرتها وصَعِدت السُّلَّم وراء كرة الضوء حتى جلستْ في كرسيها.

كان الفيلم قد بدأ منذ قليل، ورأتْ على الشاشة رجلًا وامرأة يتعانقان فوق سرير، وتحرَّكت الكاميرا مبتعدة عنهما لتُظهر قدم رجل تطل من تحت السرير ثم عادت إلى الرجل والمرأة وكانا لا يزالان ملتحمين في قبلة طويلة. وأحسَّت بذبابة تمشي على ساقها فهشتها بيدها وهي تحملق في الشاشة.

وانتهت القبلة وارتدى الرجل حلَّته وخرج من الباب، وقالت المرأة شيئًا فخرج الرجل الآخر من تحت السرير وبدأ العناق من جديد.

وخيل إليها أن الذبابة تعود، لم تكن ذبابة صغيرة كالذباب فهي كبيرة في حجم صرصار، وهي لا تقفز بسرعة الذباب وإنما تزحف ببطء صاعدة فوق ساقها. وكانت حريصة على ألا يفوتها شيءٌ من مناظر الفيلم فظلَّت شاخصة ببصرها إلى الشاشة ومدَّت يدها في الظلام لتقبض على الحشرة قبل أن تصعد فوق ركبتها، لكن أصابعها تقلَّصت فوق شيء صلب، فنظرت في فزع إلى يدها، ووجدت أنها تقبض على أصبع الرجل الجالس إلى جوارها، وظلَّت ممسكةً بأصبعه في يدها ونظرتْ إليه في غضب، لكنه لم يلتفت إليها، وظلَّ ينظر إلى الشاشة، في استغراق شديد وكأنه لا يراها، وكأن أصبعَه ليستْ ممسوكة في يدها، وقذفت بأصبعه في وجهه حتى كادت تقلع إحدى عينيه لكنه ظلَّ يحملق في الشاشة كالنائم، ونهضتْ بسرعة من جواره وغادرت السينما.

•••

تمدَّدت فوق سريرها، وراحت تُحملق في السقف، في تلك الدائرة الصغيرة المشرشرة التي سقط عنها الطلاء الأبيض، وشعرت ببرودة فشدَّت الغطاء فوق جسمها وأغمضتْ عينيها لتنام، لكنها لم تَنَمْ، وفكَّرت أن تمدَّ يدَها إلى التليفون وتطلب الرقم الخماسي كما تفعل كلَّ ليلة قبل أن تنام، لكنها لم تمدَّ يدَها وضغطت برأسها على الوسادة وهي تقول: يجب أن أكفَّ عن هذه العادة، لكنها لم تكفَّ، كانت تعرفُ أنه لن يكون هناك سوى الجرس الحادِّ الأخرس، وأنه لم يَعُدْ صوتًا، أو ذَبذبات هواء تصل إلى أذنها، ولكنه قد تحوَّل إلى سيخ مدبَّب من الحديد، يُؤلم أُذنَها، ليس ألمًا عاديًّا، ولكنه ألمٌ حارق كالنار.

غير أنها كانت قد أَلِفتْه، وكانت في الموعد المحدَّد كلَّ ليلة تطلبه، وتفتح أُذنَها للساعة وتدعه يدخل مؤلمًا حارقًا، كأنما كان الألمُ يُريحها، كمريض يكوي جسمَه بالنار ليتخلَّص من نار أخرى أشد، أو كمُدمن أَلِف طعمَ السُّمَّ وأصبح يطلبُه كلَّ يوم.

ولم يكن رنينُ الجرس يصل إليها خالصًا، كان يختلط بصوت شهيقها وزفيرها ودقَّات قلبها، ولم تكن تعرف هذا من ذاك؛ فالأصوات كانت تمتزج وتتشابك وتُصبح كلها صفيرًا حادًّا متصلًا، كذلك الصفير الطبيعي الذي يدوي في الأذن حين تصمت كلُّ الأشياء.

أجل، كانت تنتظر الجرسَ كلَّ ليلة كأنما أصبح حُبًّا جديدًا، لم تكن تنسى أنه جرس حادٌّ أخرس، لكنها كانت تعرف أنه ينبعث من تليفون فريد، ويرنُّ في بيت فريد، ويرتطم بمكتب فريد الذي كثيرًا ما جلسا عليه إلى جوار بعضهما البعض، ويصطدم بالكنبة الكبيرة التي كثيرًا ما تمددا فوقها جنبًا إلى جنب، ويحرك الهواء الذي تنفساه معًا وزفراه معًا.

وانقطع الجرسُ، وجاءها صوتُ فريد يهمس في أذنها، وأحسَّت بذراعه حول خصرها، وأنفاسه الساخنة على عنقها، ولم تكن نسيتْ أنه غاب عنها كلَّ تلك الأيام لكنها بدتْ وكأنما نسيت كلَّ شيء، ولم تَعُدْ تذكر شيئًا، لم تَعُدْ تذكر أن لها رأسًا أو ذراعين أو ساقين، وفقدتْ كلَّ حواسِّها ولم يبقَ منها إلا شفتان متضخمتان ملتهبتان.

وفتحتْ عينيها لتنظر في عينيه، لكنه لم يكن فريد، كان رجلًا آخر، له عينان ضيقتان زرقاوان وحاجبان كثيفان، أول رجل أحبَّته. كانت طفلةً صغيرة لا تذكر كم كان عمرها في ذلك الوقت، لكنها تذكر أنها كانت قد كبرت وأصبحت تفتح عينيها كلَّ صباح فتجد فراشها جافًّا، وكانت تكره البلولة وحمدت الله لأنها تخلَّصت منها؛ لكن الله لم يخدع بحمدها فسرعان ما أصابها ببلولة من نوع آخر، أشد خطرًا، فهي ليست بلا لون كالبلولة السابقة، ما إن تجف حتى تعود الملاءة بيضاء من جديد، ولكنها ذات لون أحمر قان، لا تضيع إلا بالغسل الشديد الذي يلهب أصابعها الصغيرة، وهي لا تضيع تمامًا بعد الغسل، وإنما تترك أثرًا باهتًا أصفر.

ولم تكن تعرف سببها الحقيقي، فهي بلولة عشواء تظهر وتختفي كما يحلو لها، وظنَّت أن شبحًا ما اغتال جسمها الصغير وهي نائمة، أو أن مرضًا خبيثًا ألمَّ بها وحدها من دون البنات. وأخفَتْ كارثةَ جسدها عن عينَي أمِّها، وفكَّرت أن تذهب وحدها إلى طبيب ليشفيَها سرًّا، لكنَّ أمَّها ضبطتها مرة وهي تغسل ملاءة السرير أمام الحوض، ودارتْ بها الأرض من شدة الخزي وكوَّرت الملاءة بيديها ورأت عينَي أمِّها تنظران إليها من تحت عتامة لم ترَها من قبل، وامتدَّت يدُها إلى الملاءة ففردتها، ورأت البقعة الحمراء المتعرجة فوق النسيج الأبيض راقدة ممدودة كصرصار ميت. وحاولت أن تُنكر جريمتها الشائنة، لكنَّ أمَّها بدتْ وكأنها مشتركة معها في الجريمة، إنها لم تُفزع، ولم تغضب؛ بل إنها لم تفاجأ على الإطلاق، كانت وكأنها تتوقَّع حدوث هذه المصيبة لها، وتستسلم لها استسلامًا هادئًا.

ولم تطمئن فؤادة إلى هذا الهدوء؛ بل إنه أفزعها حتى إن جسمها ارتعد، إنها ليست كارثةً إذن، إنها ليست مرضًا شاذًّا مؤقتًا، إنها شيء عاديٌّ، عاديٌّ جدًّا. وكان فزعُها يزداد كلما زاد إحساسُها بعاديته. كانت تتمنَّى أن يكون شيئًا شاذًّا، فالأشياء الشاذة محتملة لأنها شاذة وغير دائمة.

وأصبح جسمُها الصغير يتغيَّر، كانت تحسُّ التغيير يسري في جسدها كحيَّة ناعمة لها ذيلٌ طويل رفيع تلعب به في صدرها وبطنها، وتلدغها في أماكنَ مختلفة من جسمها، كانت اللدغات مؤلمة ولذيذة، وعجبتْ كيف يمكن لأحاسيس جسمها أن تبدوَ لها مؤلمة ولذيذة في الوقت نفسه، لكن جسمها كان وكأنه أكثر ذكاء منها، كان يبدو مقتنعًا بالألم واللذة، راضيًا بهما جنبًا إلى جنب، يحتضنهما معًا بغير تعجب أو دهشة.

كان جسمها يتغيَّر فجأة وبالتدريج، وكانت تحسُّ التغيير ولا تحسُّه كهواء دافئ يدخل أنفها، أو كماء فاتر ينسكب عليها بهدوء فهي تحمل كثافتَه فوق جسمها، لكنها لا تحسُّ حرارتَه لأنه من نفس حرارتها.

ودُهشت حين رأتْ صدرَها يومًا في المِرآة، لم يكن ذلك الصدرُ الأملس الذي ألفتْه عيناها، ولكنه تقعَّر إلى الأمام على شكل قُمعين ينتهيان بزَبيبتَين سوداوين يصعدان ويهبطان مع كل شهيق وزفير، ويهتزَّان إذا ما اهتزَّت وكأنما سيسقطان من فوق صدرها كما يسقط البرتقال من فوق الشجرة لولا تلك الطبقة الشفَّافة من الجلد.

وبينما هي تهتزُّ، أحسَّت بشيء آخر يهتزُّ خلفها، واستدارتْ أمام المِرآة فاكتشفتْ نهدين آخرين متكورين مشدودين بجلد سميك إلى أسفل ظهرها، ووقفت لحظة تتأمل جسمها، وخيِّل إليها أنه جسم فتاة أخرى غيرها، أو جسمُ امرأة كبيرة، وشعرتْ بشيء من الخزي وهي ترى تلك التعاريج والبروزات تُعلن عن نفسها كالفضائح مع كل شهيق وزفير، لكن كان هناك شيءٌ آخر غير الخزي، شيء عميق ودفين، يُسربل نفسه بضباب كثيف، شيء كالسرور الخفي أو الزهو الخبيث.

ولماذا تبقى كلُّ هذه الصور القديمة في ذاكرتها بجوار صورة الرجل الأول؟ لماذا تبقى على حين زالتْ صورٌ أخرى كبيرة وحديثة؟ لكنها تعتقد أن هناك تفاعلًا كيميائيًّا لا شك يحدث في خلايا الذاكرة، يُذيب بعضَ الصور، ويركِّز بعض الصور، ويشوِّه بعض الصور، يبقى منها أجزاء ويبتر أجزاء. نعم، يبتر أجزاء، فقد بتر النصف السفلي لجسم أول رجل في حياتها. لماذا بتره؟ إنها لا تعرف، فهي لا تذكر أنه كان يمتلك نصفًا سفليًّا؛ كان له رأسٌ كبير، وعينان زرقاوان ضيقتان، وكتفان وذراعان طويلتان. كيف كان يمشي بغير ساقين، إنها لا تذكر، فهي لم ترَه أبدًا وهو يمشي، كان يطلُّ من نافذة غرفته دائمًا، وكان يمكن للكبار ذوي القامات الطويلة أن يروا داخل الغرفة وهم سائرون على الأرض في الشارع لكنها كانت قصيرة، ولم تكن ترى شيئًا إلا إذا قفزت.

كانت تتعمَّد أن تقفز الحبل تحت نافذته، وفي كلِّ قفزة تُصوِّب نظرةً إلى داخل الحجرة؛ لم تكن ترى كلَّ شيء بوضوح؛ لأن رأسَها كان يهبط بسرعة، لكنها استطاعتْ أن تلمحَ صوَرًا ملونة معلَّقة على الحائط، وحقيبة كبيرة فوق الدولاب، ومكتبة فيها كتب، كانت تحبُّ الصور الملونة أكثرَ من أيِّ شيء آخر، وقالتْ له يومًا وهي تقفزُ تحت النافذة: أريد صورة ملونة. وقال لها: تعالي وأنا أعطيك صورة. ولم يكن في استطاعتها أن تذهب بغير إذنٍ من أمِّها، لكنَّ أمَّها رفضتْ وقالت لها في شدَّة: لقد كبرتِ على القفز في الشارع، ودسَّتْ نفسها في سريرها وهي تنتفض غضبًا، وكرهتْ أمَّها في تلك اللحظة كراهية شديدة وحسدتْ صديقتَها سعدية لأن أمَّها ماتت وهي تلدها. ولم تبقَ في السرير كثيرًا، فقد نهضت، وسارت حافيةً على أطراف أصابعها تُمسِك حذاءها في يدها وأسرعت تجري إلى الشارع.

خفَق قلبُها الصغير حين طرقتْ بابَه، كانت سعيدةً لأنها ستحصل على صورة ملونة، لكنها كانت تعرف أن الصورة وحدَها ليست سببَ سعادتها. كانت تريد أن ترى غرفتَه من الداخل تريد أن ترى شكلَ دولابه، وشكلَ سريره، وشكل شبشبه، وكانت تريد أن تُمسِك كتبه وأوراقه وصوَره، وأن تلمس بيدها كلَّ أشيائه.

وفتح البابَ، ودخلتْ وهي تلهث، وقفتْ بجوار الحائط تنتفض كدجاجة نُتف ريشها في البرد، وقال لها شيئًا فاختنق صوتُها ولم تردَّ، واقترب منها، ورأتْ عينيه الزرقاوين تقتربان منها، وشعرت بخوف، كان شكلُ وجهه عن قرب غريبًا، وفي عينيه نظرةٌ صارمة كعينَي قطٍّ هائج، وشدَّها إليه بذراعيه الطويلتين فصرختْ، كانت تظنُّ أنه سيذبحها أو سيخنقها، وصفَعها على وجهها قائلًا: لا تصرخي! لكنها ذعرتْ أكثر وصرختْ أكثر، وبينما هي تحاول أن تُفلت من بين ذراعيه سمعتْ طرقًا شديدًا على الباب وتركها تفتح الباب، وكادتْ تسقط على الأرض؛ فقد رأتْ أمَّها بلحمها ودمها واقفةً في وسط الغرفة.

وفتحتْ عينيها فوجدتْ نفسها راقدةً فوق السرير تنتفض من البرد، وكان الظلامُ شديدًا، والنافذة مفتوحة، وخُيِّل إليها أن شبحًا ما يتحرَّك خلف النافذة فارتعدتْ، لكنها عرفتْ أنها شجرةُ الكافور تهتزُّ مع دفعات الهواء، ونهضتْ وأغلقت النافذة، ثم عادت إلى السرير ودخلت تحت الغطاء الصوفي، وخُيِّل إليها أنها تسمع أنفاسًا في الحجرة غيرَ أنفاسها، فأخرجتْ رأسَها من تحت الغطاء ونظرتْ بحذر في الغرفة، ووقعتْ عيناها على شبح طويل واقف بجوار الدولاب وكادت تصرخ، لكنها عرفتْ أنه ليس إلا الشمَّاعة ومن فوقها مِعطفُها، وأغمضتْ عينَيها لتنام، ولكنَّها أحسَّتْ بحركة وكأنها تأتي من تحت السرير، ورغبتْ في أن تمدَّ يدَها وتُضيءَ النور؛ لكنها خشيتْ أن تُخرجَ يدَها من تحت الغطاء فينقضَّ عليها الشبح القابع تحت السرير وظلَّت متكورة تحت الغطاء، مفتوحة العينين، حتى سرى النومُ في جسمها ساخنًا كالدم.

•••

كانت أشعةُ الشمس تدخل من شقوق الشيش حين استيقظتْ فؤادة، وظلَّت في الفراش متكورة تحت الغطاء تتمنَّى بينها وبين نفسها لو أنها بقيتْ في الفراش إلى الأبد، لكنها نهضتْ وجرَّت جسمَها الثقيل وسارتْ إلى المِرآة. كان وجهُها شاحبًا، أكثرَ طولًا مما كان، وعيناها أكثر اتساعًا، وشفتاها الشاحبتان بينهما تلك الفرجةُ التي زادتِ اتساعًا، وبدتْ تحتها أسنانُها أكثر بروزًا، وأمعنت النظرَ لحظة في عينيها كأنما تبحث عن شيء، ثم زمَّت شفتيها في امتعاض وسارتْ إلى الحمَّام، غسلتْ جسمها بالماء الساخن وشعرتْ بانتعاش، فابتسمتْ لنفسها ابتسامةً صغيرة وهي تتطلَّع إلى جسمها في المِرآة؛ كانت طويلةً ممشوقة وفردتْ ذراعيها وساقيها وهي تشعر بقوة كامنة في عضلاتها، قوة لم تُستنفد في شيء، قوة حبيسة لا تعرف كيف تُفرج عنها. وارتدتْ ملابسها وخرجتْ إلى الشارع؛ كان الهواء باردًا منعِشًا والشمس ساطعة دافئة وكل شيء يبرق ويهتزُّ في انتعاش، وسارتْ تُحرِّك ذراعيها بقوة في الهواء، إنها تشعر بقوة، إن في أعماقها طاقةً كبيرة، إنها تستقبل يومًا جديدًا بكل حماس، ولكن إلى أين هي ذاهبة؟ إلى ذلك القبر الآسِن الذي تفوح منه رائحةُ دورة المياه، إلى ذلك المكتب الأجرب الذي تجلس عليه ست ساعات دون أن تفعل شيئًا، أتُبدِّد هذه القوة وهذا الحماس في لا شيء؟

ورأتْ حصانًا يجرُّ عربة، كان يضرب الأرضَ بأقدامه في قوة ونشاط، وراحتْ تتأمَّل الحصان وكأنها تحسدُه؛ إنه يستنفد قوتَه في جرِّ العربة، إنه يفرج عن طاقته، إنه يحرِّك أقدامه في سعادة، لو كانت حصانًا لكانت الآن مثلَه، تجرُّ عربتها، وتطرقع فوق الأرض بحوافرها منطلقةً سعيدة.

وجاء الأتوبيس ٦١٣، ووقفتْ جامدةً تنظر إليه بغير حَراك كحصان جامح، لا؛ إنها لن تذهب إلى الوزارة، إنها لن تُبدِّدَ ساعاتِ النهار في لا شيء، لن تُبدِّدَ عمرَها في التوقيع في دفتر الحضور والانصراف؛ من أجل ماذا؟ تلك الجنيهات القليلة التي تأخذها كلَّ شهر، أتبيع عمرَها من أجل بضعة جنيهات؟ أتدفن ذكاءها في تلك الحجرة المغلقة ذات الهواء الفاسد؟ نعم؛ إنه الهواء الفاسد الذي يُبدِّد نشاطها، إنه الهواء الفاسد الذي يُعطِّل أفكارها ويقتلها قبل أن تنطلق، كثيرًا ما خطرتْ لها أفكار، وكثيرًا ما طرأتْ لها فكرةُ البحث، وكثيرًا ما اقتربتْ من الاكتشاف، ولكن كل شيء كان يضيع في تلك الحجرة المغلقة الأبواب والنوافذ ذات المكاتب الكالحة الخاوية والرءوس الثلاثة المحنطة.

وجاء الأتوبيس رقم ٦١٣ مرة أخرى، وكادت تتحرَّك لتركب لكنها بقيتْ في مكانها تنظر إليه بعينين ثابتتين. كلَّ يوم تمرُّ بهذه اللحظة دون أن تنتصر عليها، لو أنها استطاعت اليوم فسوف تستطيع كلَّ يوم، إنها مرة واحدة تنتصر فيها، مرة واحدة تقطع فيها تلك العادة القبيحة.

وتلكَّأ الأتوبيس، لكنها ثبَّتت قدميها في الأرض ورفعتْ رأسها إلى السماء سيمضي الأتوبيس بعد لحظة دون أن يحملها معه وينتهي كلُّ شيء، والسماء ستظلُّ كما هي عالية وزرقاء وصامتة، ولن يحدث شيء. نعم؛ لن يحدث أيُّ شيء.

تنفَّستْ بعمق وهي تقول بصوت مسموع: لن يحدث أيُّ شيء، ووضعتْ يديها في جيبَي المِعطف وسارتْ تُدندنُ بلحن قديم، وتنظر إلى ما حولها في دهشة وفرحة، كسَجينٍ خرج لأول مرة إلى الشارع بعد سنين طويلة قضاها في السجن، ورأتْ بائع الجرائد فاشترتْ جريدة ومرَّت بعينها على عناوين الصفحة الأولى ثم مصمصتْ شفتيها، كانت هي العناوين العريضة الطويلة التي تراها كلَّ يوم، والوجوه هي الوجوه، والأسماء هي الأسماء، ونظرت إلى التاريخ في أعلى الصفحة وقد خُيِّل إليها أنها تُمسك جريدة أمس أو الأسبوع الماضي أو السنة الماضية، وقلبت الصفحاتِ وهي تبحث بعينيها عن موضوع جديد، أو وجه جديد، ووصلتْ إلى الصفحة الأخيرة دون أن يلفت نظرَها شيءٌ، فطَوتِ الجريدةَ ووضعتْها تحت إبطها، لكنها تذكَّرت أنها رأتْ عينين جاحظتين في صورة من الصور، وخُيِّل إليها أنهما تُشبهان عينيَ الساعاتي، وفتحت الجريدة مرة أخرى، ولدهشتها الشديدة وقعتْ عيناها على صورة الساعاتي نفسه وقرأت اسمَه تحت الصورة: محمد الساعاتي رئيس الهيئة العليا للإنشاءات والمباني، وتحرَّك أصبعُها بغير وعْيٍ وتحسَّست العينين، خُيِّل إليها أنهما بارزتان من الورق، لكن الورقة كانت ناعمةً ملساء بغير بروز.

وقرأتِ السطورَ تحت الصورة؛ كانت تصفُ اجتماعًا عقدَه الساعاتي لعمَّال الهيئة في كلام كثير تبيَّن لها أنها قرأتْه من قبلُ عدَّة مرات، وأنها قرأتِ اسم الساعاتي عدة مرات، ورأت صورتَه عدة مرات، وعجبتْ فؤادة كيف لم تربط بين هذا كلِّه وبين الساعاتي صاحبِ العمارة الذي تعرفه، لكنها لم تتصوَّر أبدًا أن يكون ذلك الساعاتي موضوعًا يمكن أن يُذكَرَ في الصحف، وأعادت النظر إلى الصورة والاسم ثم طوَتِ الصحيفة ووضعتْها تحت إبطها.

كان البوَّابُ جالسًا على دكَّته في الشمس حين وصلتْ إلى العمارة، وانتصب واقفًا حين رآها وجرى نحوها وهو يمدُّ يدَه السوداء تُمسك بورقة بيضاء صغيرة وفتحت الورقةَ وقرأت: سأمرُّ في السادسة مساء اليوم لأمر هامٍّ، الساعاتي. ودخلت المصعدَ بينما كانت أصابعُها تعبث بالورقة وتُمزِّقُها بغير وعْيٍ إلى قِطَع صغيرة جدًّا، وتُلقي بها من خلال جدار المصعد الحديدي.

سيمرُّ في السادسة مساء، ولأمر هامٍّ … ماذا يمكن أن يكون الأمر الهام؟ ماذا يمكن أن يكون هامًّا في نظرها؟ موضوع البحث؟ مكان فريد؟ سقوط مبنى الوزارة؟ هذه هي حياتها، لا شيءَ هامًّا خارجها، ولكن الساعاتي، لا يعرف شيئًا عن البحث أو فريد أو الوزارة، فما الذي يمكن أن يكون هامًّا في زيارته؟

ودخلت المعمل، وارتدتِ الفوطة البيضاء، ورصَّت زجاجات الأملاح والأحماض فوق المنضدة، وأشعلت الموقد، وضغطتْ على الماسك المعدني لتُمسك أنبوبة الاختبار، لكنها لم تُمسِكْها، وتركتْها في الحامل الخشبي، منتصبة، تفتح فوهتها الفارغة للهواء.

وظلَّت تُحملق في الأنبوبة الفارغة لحظات، ثم جلستْ وأمسكتْ رأسَها بيديها، من أين تبدأ، إنها لا تعرف! لا تعرف، الكيمياء تبخَّرتْ من عقلها، الأفكار الكثيرة كانت تتزاحم في رأسها وهي تقرأ، أو وهي تُجري التجاربَ في معمل الكلية، أو وهي سائرة في الشارع أو نائمة، كلُّ تلك الأفكار أين راحتْ؛ كانت في رأسها! نعم كانت موجودةً، وكانت تحسُّ حركتَها وتسمع أصواتها، وحوار طويل كان يدور بينهما، وينتهي بنتائج تندهشُ لها.

كثيرًا ما وصلتْ إلى فكرة جديدة، كادت تُجنُّ لها فرحًا. نعم؛ كادت تُجنُّ، وتتلفَّتُ حولها في دهشة، وترى الناس تسير وكأنها كائناتٌ من غير نوعها، وهي! هي شيء آخر! في رأسها شيءٌ ليس في رأس أحدٍ، شيءٌ سيُبهر العلماء، شيءٌ يمكن أن يُغيِّر العالم. وتكاد تدهمها عربةٌ أو أتوبيس فتصعد إلى الرصيف في خوف، وتمشي بجوار الحائط في حذَر. حياتُها يمكن أن تضيع تحت أيِّ عجلات وتضيع معها الفكرةُ الجديدة إلى الأبد. وتُسرع الخُطى، إنها تريد أن تُبلِّغ الفكرة إلى العالم قبل أن يحدث لها شيءٌ، وتكاد تجري؛ بل إنها تجري فعلًا، وتلهث ثم تتوقَّف وتتلفَّت حولها. إلى أين، إلى أين هي تجري؟ وتكتشف فجأةً أنها لا تعرف! لا تعرف!

وأطفأتِ الموقد، وخلعت الفوطة البيضاء، وخرجتْ إلى الشارع، حركة الذراعين والساقين تُريحها، تخفِّف من الضغط داخل رأسها، تنفِّس عن تلك الطاقة الحبيسة في أعماقها، ولمحتْ تليفونًا داخل محل، فتوقَّفت فجأة، لماذا لا توضع التليفونات في أماكن خفيَّة؟ لماذا يعرضونها هكذا أمام عيون الناس؟ لو لم ترَ هذا التليفون لما تذكَّرتْ. ومدَّت يدَها ورفعت السمَّاعة، ووضعتْ أصبعها في الثُّقب وأدارت القرص الخمس الدورات. ودوَّى الجرس في أذنها حادًّا عاليًا لا ينقطع، ووضعت السمَّاعة بهدوء وسارتْ بضع خطوات ثم وقفتْ فجأة وهي تقول لنفسها: أهو فريد؟ أغياب فريد هو السبب؟ لماذا أصبح كلُّ شيء متغيرًا؟ لماذا أصبح كلُّ شيء غير محتمل؟ كان فريد موجودًا وكانت حياتها هي حياتها، ولكن فريد كان يجعل كلَّ شيء محتملًا. كانت تنظر في عينيه البُنِّيَّتين اللامعتين فتحسُّ أن كلَّ شيء في الدنيا لم تَعُدْ له قيمة؛ الوزارة تُصبح مبنًى صغيرًا مهجورًا، والبحث يُصبح وهمًا صغيرًا من أوهام الفراغ، والاكتشاف؛ نعم الاكتشاف أيضًا يصبح حلمًا باهتًا من أحلام الطفولة.

كان فريد يمتصُّ آلامها وأحلامها وتُصبح معه بغير آلام وبغير أحلام، تصبح معه فؤادة أخرى غير التي ولدتْها أمُّها، فؤادة بغير ماضٍ أو مستقبل، فؤادة التي تعيش لحظتها ويُصبح هو كلَّ لحظتها.

كيف أصبح كلَّ لحظتها؟ كيف أصبح رجل كلِّ حياتها؟ كيف ابتلع شخصٌ كلَّ اهتمامها؟ إنها لم تعرف كيف حدث هذا، فهي ليست امرأة من ذلك النوع؛ الذي يهب حياته لأحد. إن حياتها أكبر من أن توهب لرجل واحد وحياتها فوق ذلك ليست ملكًا لها، إنها ملك العالم الذي تريد أن تُغيِّرَه.

وتلفتتْ حولها في قلق، حياتها ملك العالم الذي تريد أن تغيرَه، ورأت الناس تسير بسرعة، والعربات تنطلق مسرعة، وكلُّ شيء في العالم يجري بغير توقُّف، هي فقط التي تقف. وقوفها لا يعني شيئًا لتلك الحركة المسرعة المتدفقة. وماذا يعني وقوفها؟ ماذا تفعل قطرةٌ في بحر؟ أهي قطرة في بحر؟ أهي قطرة؟ نعم؛ هي قطرة، وها هو البحر من حولها تتلاطم أمواجُه وتتصارع وتتسابق، أيمكن للقطرة أن تغلب الموج؟ أيمكن لقطرة أن تغيِّر البحر؟ لماذا عاشت هذا الوهمَ؟

وابتلعت لعابًا مُرًّا، وانكمشت داخل مِعطفها، وسارت ساهمة مطرقة حتى وصلتْ إلى بيتها، فدخلت وألقتْ نفسها فوق السرير بملابسها.

•••

فتحتْ عينيها ونظرت في الساعة، كانت السابعة، فردتْ ساقيها تحت الغطاء فشعرت بآلام في مفاصلها، أغمضتْ عينيها لتنام مرة أخرى لكنها لم تنَمْ، كانت قد نامت أربع ساعات متصلة، ولم يسبق لها أن نامت أربع ساعات متصلة في النهار. وتذكَّرت فجأة أنها لم تكن متصلة، لقد صحت مرة وكانت الساعة الخامسة، ولم تكن نسيت أن موعد الساعاتي في السادسة، لكنها أغمضت عينيها وهي تقول لنفسها: لا زال أمامي ساعة كاملة، وصحت مرة أخرى في السادسة إلا ربعًا، وحرَّكت ذراعها لتكشف عنها الغطاء وتنهض لكنها شدَّت الغطاء فوق رأسها وهمست لنفسها؛ ماذا يحدث لو تأخرت قليلًا، ولم تفتح عينيها بعد ذلك إلا في الساعة السابعة.

بقيت تحت الغطاء تتمطَّى وتتخيَّل منظر الساعاتي بجثَّته الضخمة وساقيه الرفيعتين وهو واقف أمام باب المعمل، ضاغط على الجرس، ولا أحد يردُّ. كانت تحسُّ بسرور خفي؛ فقد خلَّصها النوم من الساعاتي إلى الأبد.

وملأها هذا الإحساسُ بالنشاط فاختفت آلامُ المفاصل ونهضت وارتدتْ ملابسها وخرجت، وبينما هي تهبط السُّلَّم، رأتْ أمَّها تفتح شراعة الباب، وبدأ وجهُها الشاحب بخطوط تجاعيده الرأسية والأفقية والمائلة، من خلف القضبان الحديدية الرفيعة، كصفحة كتاب شطبت وشطبت عشرات المرات، وسمعت صوتَها الواهن يقول: ذاهبة إلى المعمل؟ وقالت: نعم، وسألت: هل ستتأخرين؟ وردَّت في شرود: لا أعلم. ورغبتْ في أن تسألها شيئًا، لكنها نظرتْ إليها في صمت ثم هبطت السُّلَّم وخرجتْ إلى الشارع.

كان الهواء باردًا ثقيلًا، وظلام الليل الكثيف يزيد من ثِقل الهواء وكثافته. وسارتْ في الشارع بخطوات بطيئة حذرة. كأنما ستصطدم بشيء، وكأنما الظلام تكثَّف في بعض أجزائه فأصبح أجسامًا صُلبة يمكن أن تصطدم بها، وأسرعت الخُطَى لتخرج من شارعهم المظلم، وسارتْ بحذاء المشتل، وامتلأ أنفُها برائحة الياسمين فانقبض قلبُها، لماذا تبقَى رائحتُه في أنفها؟ لماذا يبقى ملمسُ شفتيه في عنقها؟ لماذا يبقى طعمُ قُبلته في فمها؟ لماذا تبقى هذه الأشياء معها، في حين أنه اختفى، اختفى بلحمه ودمه ورائحته وشفتيه، اختفى بكل شيء فيه، فلماذا يبقى أيُّ شيء منه؟

ولكن، هل بقي شيءٌ منه؟ ألا تكون تلك الرائحةُ هي رائحتَها، وذاك الملمس هو جلدَها؟ وذلك الطَّعم هو لُعابَها؟ لماذا تبدو أشياؤهما مختلطة وممتزجة إلى هذا الحدِّ؟ أيمكن أن يكون هو جزءًا منها؟ أو تكون هي جزءًا منه؟ وتحسَّست رأسَها وأطرافها، أي جزء يمكن أن يكون؟ وتحسَّست كتفيها وصدرها وبطنها، لكنها تنبَّهت فجأةً أنها تسير في الشارع الواسع المضيء، ونظراتٌ كثيرة تُصوَّب نحوها، فأسرعت الخُطَى إلى محطة الأتوبيس.

ركبت الأتوبيس إلى ميدان التحرير، وسارت في اتجاه شارع قصر النيل، ورأت العمارة من بعيد فشعرت بالكتلة الصلبة تتحرَّك في قلبها؛ المعمل أيضًا أصبح شيئًا مقبضًا. تلك الأنبوبة الفارغة التي تفتح فوهتها للهواء وجدرانها الزجاجية الشفَّافة تكشف قاعها الخاوي، منتصبة هناك في حاملها الخشبي، تؤكِّد وجودها بغير محتوى.

وفتحتْ باب المعمل ودخلتْ ولمحتْ فوق الأرض ورقةً صغيرة فالتقطتْها وقرأت الكلمات الصغيرة المنمقة: مررتُ في السادسة ولم أجدْكِ، سأمرُّ في التاسعة، الساعاتي. ونظرتْ في الساعة، كانت الثامنةَ والنصف، واستدارت بسرعة إلى الباب، لكنها سمعت الجرس فارتعدتْ ووقفت لحظة خلف الباب دون أن تفتح ودقَّ الجرس مرة أخرى فقالت من وراء الباب: من؟ وجاءها صوتُ البوَّاب فابتلعتْ ريقَها وفتحت الباب، كان مع البوَّاب رجلٌ وامرأة، وسمعت البوَّاب يقول: كانا يسألان عن معمل للتحاليل فأتيتُ بهما.

قادتْهما إلى حجرة الانتظار حيث جلسا، وارتدت الفوطة البيضاء في غرفة الأبحاث ثم ذهبت إليهما. وقال الرجل بصوت خشن: جئنا لتعرفي بالتحاليل ما سبب عقْم زوجتي. وأشار إلى المرأة التي كانت جالسة مطرقة في صمْت، ووجَّهت فؤادة كلامَها إلى المرأة قائلة: هل عرضتِ نفسَكِ على طبيب؟ وحملقت فيها المرأةُ صامتةً وردَّ الرجل قائلًا: عرضتُها على أطباء كثيرين، وعملت تحاليل وأشعات دون أن نعرف السبب، وسألتْه فؤادة: وهل فحصتَ نفسك أنتَ أيضًا؟ ونظر إليها الرجل في دهشة وغضب، وقال: أنا؟ وقالت في هدوء: نعم أنتَ، الرجل أحيانًا يكون السببَ. ونهض الرجل واقفًا وشدَّ المرأة من ذراعها وقال في غضب: ما هذا الكلام الفارغ! إنها لن تُحلِّلَ هنا!

وكان يمكن أن يأخذ زوجتَه ويخرج، لكن المرأة لم تتحرَّكْ من مكانها. ظلَّت واقفة جامدة تُحملق في زوجها بعينين واسعتين لا ترمشان؛ كأنما ماتت وتجمَّدتْ في هذا الوضع. وشعرت فؤادة بشيء من الخوف فاقتربت من المرأة وربتتْ على كتفها قائلة: اذهبي مع زوجك يا سيدتي. وكأنما كانت في تلك اللمسة شحنة كهرباء فانتفضت المرأةُ وأمسكت بذراع فؤادة بكل قوتِها وصاحت بصوت غريب: لن أذهب معه! أنقذيني! إنه يضربني كلَّ يوم ويأخذني إلى أطباء يضعون أسياخًا من الحديد في جسمي، فحصوا كلَّ شيء وحلَّلوا كلَّ شيء، وقالوا إنني لستُ عقيمًا. إنه هو المريض! هو العقيم! تزوَّجني منذ عشر سنوات ولا زلتُ عذراء، إنه ليس رجلًا! إنه لا يعرف في الظلام مؤخرتي من رأسي! وانقضَّ عليها الرجل كالوحش، وراح يضربها بيديه وقدميه ورأسه، فأخذت المرأةُ تضربه بكل قوتها، وابتعدتْ عنهما فؤادة في ذُعر وهي تتمتم لنفسها: مجنون! سيقتل المرأة في معملي! ماذا أفعل؟ واتجهت إلى الباب مسرعة، وخرجت إلى الممرِّ لتناديَ أحدًا، ورأتْ باب المصعد يُفتح فجأة، ويخرج منه الساعاتي.

وقالت في اضطراب: الرجل يضرب المرأة، ودوَّت صرخة عالية في تلك اللحظة فأسرع الساعاتي إلى المعمل، كانت المرأةُ راقدةً فوق الأرض والرجل يضربها في بطنها بحذائه، وأمسكه الساعاتي بيد واحدة، وصفعه باليد الأخرى عدَّةَ صفعات على وجهه وألقى به هو والمرأة خارج الشقة وأغلق البابَ.

وقفت فؤادة جامدةً في وسط الصالة، تسمع صوتَهما العالي وهما يتناحران على السُّلَّم، وسارت لتفتح الباب وترى ماذا يفعل الرجلُ بالمرأة، لكنَّ صوتَهما انقطع وأصبح الممرُّ هادئًا. وذهبت إلى النافذة لتطلَّ عليهما وهما يخرجان من العمارة وكانت تظنُّ أن المرأة لن تخرج منتصبة على قدميها، لكنها دهشت حين رأت الرجل يخرج ومن ورائه المرأة، كانت تسير مطرقة هادئة، الهدوء نفسه الذي كانت عليه قبل الحادثة. وظلَّت فؤادة تحملق فيها حتى اختفت عن عينيها، فتركت النافذة وجلست على أحد الكراسي شاردةً.

كان الساعاتي يتأمَّلُها طول الوقت ولما رآها تجلس جلس هو الآخر على كرسي غير بعيد عنها، وقال وهو يبتسم: يبدو أنك تتألمين من أجل المرأة. وتنهدت وقالت: إنها يائسة. وتذبذبت العينان الجاحظتان وهو يقول: ما أكثر البؤساء الذين سترينهم هنا في معملك. ولكنك لن تستطيعي أن تفعلي لهم شيئًا. ورفع أصبعه إلى فوق قائلًا: لهم رب! وردَّت قائلة بشيء من الضيق، أَوُجد الرب ليمسح الناس فيه أخطاءهم؟

لم تعرف كيف قالت هذه الجملة، فهي ليست جملتَها؛ إنها جملة فريد، كانت تسمعها منه كثيرًا. وذكَّرتْها الجملةُ بفريد فغاص قلبُها في أعماقها ككتلة صلبة مصمتة. وأطرقت صامتة واجمة، وسمعت الساعاتي يقول: يبدو أنكِ تأثرت من منظر المرأة. ولم تردَّ وظلَّت مطرقة. ونهض وسار بضع خطوات مقتربًا منها ثم قال: قلبك طيب مع كلِّ الناس … وسكتْ لحظة ثم أكمل بصوت مضطرب: إلا أنا.

ورفعت إليه عينيها في دهشة، فابتسم في حرج وقال: لماذا أخلفت موعدكِ معي؟ كنتِ مشغولة؟ أم أن هذه هي طبيعة كلِّ النساء؟ وارتطمت «كل النساء» بأذنها فشعرت بغضب، وقالت بسرعة: أنا لستُ ككل النساء! فقال كمن يعتذر: أعرف أنكِ لستِ ككل النساء، أعرف هذا جيدًا، وربما أعرفه أكثر من اللازم.

وفتحتْ فمها لتسأله وكيف عرفتَ ولكنها أطبقت شفتَيها في صمت، ومرَّت فترةُ صمتٍ طويلة ثم وجدت نفسها تقول: ما هو الأمر الهامُّ؟ وقال وهو يجلس: قابلتُ صدفة بالأمس وكيلَ وزارة الكيمياء في حفل عشاء، إنه صديقي منذ سنين طويلة وتذكَّرتُ أنكِ تعملين في وزارة الكيمياء، فسألتُه عنكِ. وقالت: إنه لا يعرفني. وقال باسمًا: إنه يعرفكِ جيدًا، لقد وصفك لي وصفًا دقيقًا. وقالت في دهشة: شيء غريب. وقال: الغريب أنه لا يعرفُكِ، وقالت: لماذا؟ وقال: إنه رجل يتذوَّق الجمال.

ونظرت في عينيه البارزتين في غضب وقالت: أهذا هو الموضوع الهام؟ وقال: لا؛ ولكني حين سألتُه عنكِ قال لي إنك موظفة ممتازة وتقاريرك ممتازة جدًّا. وابتسمتْ في سخرية. وقال: وخطرت لي فكرة وهو يتكلم عنك بهذا الحماس، أنا في الهيئة في أشد الحاجة إلى باحثة كيميائية. وقالت: ماذا تعني؟ قال: أعني أن أنقلك عندي في الهيئة. وقالت: عندك! وأكمل كلامه قائلًا: لن يكون العملُ كثيرًا كما هو في الوزارة، لن تفعلي شيئًا على الإطلاق؛ فالهيئة ليس بها معملٌ كيمياوي. ونظرت إليه بدهشة وقالت: ولماذا أذهب إذن؟ وابتسم، فقفزت شفتُه العليا كاشفة عن أسنانه الصفراء وقال: ستكونين في مكتبي.

ونهضت واقفة؛ كان رأسُها قد سخن، ونظرت في عينيه المهزوزتين نظرة ثابتة، وقالت: أنا لستُ من هذا النوع يا أستاذ ساعاتي! إنني أريد أن أعمل! أريد أن أقوم بأبحاث كيمياوية! إنني أدفع عمري من أجل أن أعمل بحثًا. وسكتتْ لحظة وابتلعت ريقَها، وقالت: إنني أكره الوزارة! أمقتها! لأنني لا أعمل فيها شيئًا، لا أدري كيف تكون تقاريري ممتازة وأنا لم أعمل شيئًا منذ ست سنوات؟ لن أذهب إلى الهيئة، ولن أذهب إلى الوزارة، سأقدم استقالتي وأتفرَّغ لمعملي.

وطفتْ فوق عينيه سحابةٌ خفيفة وأطرق إلى الأرض، وسادتْ فترةُ صمت طويلة. كانت فؤادة قد نهضت وسارت إلى النافذة ثم عادت فجلست على طرف الكرسي وكأنما ستنهض ثانيًا. واختلس نظرةً طويلة إليها من تحت نظارته السميكة، كانت هناك عضلة صغيرة ترتجف تحت عينها اليمنى. وقال بصوت منخفض: أنا لا أفهمك في هذه اللحظات التي تثورين فيها، عيناك تمتلئان بحزن دفين؛ إنك تنطوين في أعماقك على ألمٍ لا أعرف سببَه الحقيقي، وأنت صغيرةُ السنِّ على أن تحملي بين جنبَيك كلَّ هذه المرارة، ولكن يبدو أنكِ مررتِ بتجربة قاسية في حياتكِ. والحياة يا فؤادة لا تحتمل كلَّ هذا الجد. لماذا لا تأخذين الحياةَ كما هي؟

واقترب منها وهي جالسة وأحسَّت يده الطرية السمينة فوق كتفها فانتفضتْ واقفة، وسارت إلى النافذة، وسار وراءها وهو يقول: لماذا تضيعين شبابَكِ في هذه الأوهام؟ انظري؛ وأشار لها إلى الشارع. انظري؛ كيف يستمتع الشبابُ مثلكِ بحياته … وأنتِ؛ أنتِ هنا في المعمل غارقة في عمل تحليلات وأبحاث، عن أي شيء تبحثين؟ هل هناك شيء تريدينه ليس موجودًا في كل هذه الدنيا؟!

ومدَّت بصرَها إلى الشارع. كانت الأنوارُ والناس والعربات تموج بحركة حيَّة مرحة، لكنها حركة بعيدة عنها، حركة منفصلة عنها، كحركة الصوَر المتحركة على شاشة السينما، تحكي حياةً أخرى غير حياتها، وقصة أخرى غير قصتها، وشخصيات أخرى غير شخصيتها، وهي وحدَها، وحدها داخل تلك الدائرة الضيقة التي تلتفُّ حولها، والتي تضيق كثيرًا لتُصبح حدود جسمها.

وسمعتْ صوت الساعاتي يقول وكأنه يأتي من بعيد: يبدو أنكِ متعبة. اخلعي هذه الفوطة البيضاء وتعالَي نخرج لنشمَّ الهواء. ونظر في ساعته ثم قال: عندي اجتماع الليلة في المجلس السياسي ولكني لن أذهب؛ هذه الاجتماعات السياسية مملَّة جدًّا؛ لا أدري كيف أتكلم فيها كلَّ هذا الكلام، وفي كل مرة أقول الكلام نفسه.

وتذكَّرتْ فجأةً الموضوع الصحفي الذي قرأتْه مرارًا، وصورته التي نشرت كثيرًا، وقالت: يبدو أن لك نشاطًا سياسيًّا واسعًا. وقال: لماذا؟ قالت: يُخيَّل إليَّ أنني قرأتُ كثيرًا عن هذا النشاط. وضحك ضحكة قصيرة اهتزَّت لها نظارتُه السميكة وقال: أتقصدين ما يُكتب في الصحف؟ يُخيَّل إليَّ أن الناس لم تَعُدْ تصدِّق شيئًا مما يُكتب، إنهم يقرءون الصحف بحُكم العادة وليس لسبب آخر. هل تقرئين الصحف كلَّ يوم؟

قالت: أقرؤها ولا أقرؤها، وابتسم وظهرتْ أسنانُه ككل مرة، وقال: وماذا تقرئين فعلًا؟ قالتْ وهي تتنهَّد: الكيمياء. وقال: تتكلمين عن الكيمياء وكأنكِ تتكلمين عن رجل تُحبِّينه. هل أحببتِ رجلًا مرة؟

وكأنما سكب فوق رأسها ماءً باردًا فأفاقت لتجدَ نفسها واقفة في النافذة وإلى جوارها الساعاتي. واستدارت بسرعة فوجدت المعمل خاليًا صامتًا، ونظرت في الساعة: كانت الحادية عشرة، كيف حدث هذا؟ ألم تحاول الهروب من المعمل قبل أن يأتيَ؟ وتذكَّرت حادثة الرجل والمرأة. ولكن ألم يكن في استطاعتها أن تنزل من المعمل مباشرة؟ واختلست نظرةً إلى الساعاتي، كان متكئًا على النافذة بنصفه الأعلى الكروي الضخم يتدلَّى من تحته ساقاه الرفيعتان كساقَي النعامة. وكانت عيناه تتذبذبان من تحت الزجاج السميك وفيهما تلك النظرةُ الضفدعية الجاحظة، وخُيِّل إليها أنها أمام نوعٍ غريب من الزواحف البريَّة غير المستأنسة، وتلفَّتتْ حولها في شيء من الخوف، وقالت وهي تخلع الفوطة البيضاء وتتَّجه إلى الباب: يجب أن أعود إلى البيت فورًا.

ونظر إليها في دهشة ثم قال: كنا نتكلم في هدوء فما الذي حدث؟ هل ضايقكِ سؤالي؟ وقالت: لا لا، لم يضايقْني شيءٌ، ولكن أمي وحدَها في البيت ولا بد أن أعود فورًا. وقال وهو يسير معها إلى الباب: يمكنني أن أوصلَكِ بعربتي. وفتحت البابَ وهي تقول: أشكرك. سآخذ الأتوبيس. وقال: الأتوبيس! في هذا الوقت المتأخر؟! لا يمكن! وهبطا إلى الدور الأرضي وسبقها إلى عربة زرقاء طويلة وفتح لها الباب، ورأت البوَّاب ينتصب واقفًا في احترام. ووقفتْ لحظة متردِّدة، كانت تريد أن تهرب لكنها لم تعرف، كان الباب مفتوحًا، والرجلان واقفان ينتظران دخولَها، فدخلت وأغلق الساعاتي الباب، ثم أسرع إلى الناحية الأخرى من العربة وفتح بابَها وجلس وأدار المحرِّك.

كان الشارع خاليًا إلا من عدد قليل من الناس والعربات، وكان الهواء باردًا ورطبًا، ورأتْ رجلًا يقف أمام كشك سجائر، وارتعدتْ فجأةً وكادت تصيح: فريد! لكن الرجل استدار ورأتْ وجهه. لم يكن فريد، وانكمشتْ داخل المِعطف ترتجف ببرودة مفاجئة، ونظر إليها الساعاتي وقال: هل رأيتِ أحدًا تعرفينه؟ قالت بصوت خافت: لا، وسألها: أين تسكنين؟ قالت: في الدقي. ووصفتْ له الشارع والبيت.

اجتازت العربةُ كوبري قصر النيل، ورأتْ برج القاهرة واقفًا منتصبًا في الظلام كشبح ضخم، وعيناه الحمراوان المتوهجتان تدوران حولَ رأسه دورانًا مستمرًّا. وشعرتْ بدوار وهي تُحملق في الكرات المتوهجة الدائرة حول نفسها، وبدا لها البرجُ برجَين اثنين وله رأسان يدوران، ودعكتْ عينَيها بيدَيها فاختفى البرجُ الثاني وبقي برجٌ واحد له رأسٌ واحد يدور، ثم ظهر البرجُ الثاني، ودعكتْ عينها ليختفيَ البرجُ الثاني لكنه لم يختفِ، ونظرتْ إلى الساعاتي بطرف عينها ورأت له رأسين وأربع عيون جاحظة وارتعدتْ وأخفَتْ وجهها بيديها.

وسمعتْ صوتَه يقول: أنتِ متعبة … وقالت وهي ترفع رأسها: أشعر بصداع، ونظرت من خلال النافذة. كان الظلام كثيفًا فلم ترَ إلا كتلًا من السواد، وتذكَّرت فجأةً قصةً قرأتْها عن رجل شاذ كان يتصيَّد النساء ويذهب بهنَّ إلى مكان مظلم بعيد ويذبحْهن، واختلستْ نظرةً حذرة إلى الساعاتي، كان جالسًا وعيناه الجاحظتان تنظران إلى الأمام، ورقبته المكتنزة باللحم تستند إلى الكرسي، وركبتاه الرفيعتان مدبَّبتان. والتفتَ ناحيتها، فنظرت من النافذة. كانت البيوتُ مغلقة بالشيش ومظلمة، لا نورَ يظهر في نافذة ولا أحدَ يسير في الشارع.

لماذا ركبت معه العربة؟ مَن هو؟ إنها لا تعرفه، لا تعرف عنه شيئًا، أهي صاحية أم أنها تحلم حلمًا مزعجًا؟ وضغطت بظفرها على فخذها لتتأكَّد من وجودها.

وخُيِّل إليها أن العربة تقف، وارتعدتْ وهي تلتصق بالباب، وسمعتْ صوتَ الساعاتي يقول: أهذا هو البيت؟ ونظرتْ من النافذة، ورأت بيتها فهتفت بدهشة: إنه هو! وفتحت الباب وخرجت مسرعةً، وخرج هو أيضًا، وسار معها إلى الباب. كان السُّلَّم غارقًا في ظلام دامس، وقال لها: أنتِ متعبة والسُّلَّم مظلم، هل أصعد معك حتى باب الشقة؟ قالت بسرعة: لا لا أشكرك. سأصعد وحدي، ومدَّ يدَه الطرية وهو يقول: هل أراكِ غدًا؟ وقالت في اضطراب: لا أدري، لا أعلم، ربما لا أخرج غدًا، وبرقتْ عيناه البارزتان في الظلام، وقال: أنت متعبة، سأسأل عنكِ بالتليفون، وابتسم؛ لا ترهقي نفسك في الأبحاث الكيميائية!

وصَعِدت السُّلَّم بقدمين مرتجفتين، وخُيِّل إليها أنه سيصعد وراءها. كثيرٌ من الجرائم تقعُ على سُلَّم مظلم، ووصلتْ إلى باب الشقة وهي تلهث، وأخرجت المفتاح وارتجفتْ أصابعُها وهي تبحث عن الثقب، وفتحتِ البابَ ودخلت وأغلقت الباب خلفها بسرعة، وسمعتْ صوت أنفاس أمِّها العالية المنتظمة فشعرت ببعض الهدوء، لكنها كانت لا تزال تنتفض من البرد، وارتدتْ ملابس صوفية ثقيلة ودسَّت نفسها في الفراش وأسنانها تصطكُّ وأغمضتْ عينيها وغابتْ عن الوعي.

•••

فتحت عينَيها في الصباح على صوت أمِّها، كانت تقول لها شيئًا لم تسمعْه، ورأتْ عينَي أمِّها الواسعتين الصفراوين تنظران إليها في قلق، وحاولت أن ترفعَ رأسها من فوق الوسادة فلم تستطعْ؛ كان رأسها ثقيلًا ترتجُّ داخله كتلةٌ صُلبة وترتطم بعظام رأسها محدثةً صوتًا؛ كأنما تجمَّد مخُّها وأصبح مادةً معدنية، ودارتْ عيناها في الغرفة، ورأت الدولاب والنافذة والشمَّاعة والتليفون فوق الرفِّ، وفتحتْ فمَها لتقول شيئًا لكنها أحسَّت بألمٍ حادٍّ في حلقها، ورأتْ وجهَ أمِّها المجعَّد يقترب منها وسمعتْها تقول: هل تريدين التليفون؟ وهزَّت رأسها وخرج صوتُها مبحوحًا: لا لا. خُذِيه إلى الصالة؛ لا أريده هنا! وحملتْ أمُّها التليفون فوق صدرها وكأنها تحمل قطًّا أسود ميتًا، وسمعتْ صوتَ قدمَيها تزحفان إلى الصالة ثم تعودان إلى حجرتها.

وأخفَتْ رأسَها تحت الغطاء، وسمعتْ صوت أمِّها يقول: سمعتُكِ تسعلين بالليل، هل أخذتِ بردًا؟ وردَّت من تحت الغطاء: يبدو ذلك يا ماما، وحرَّكت لسانَها الجافَّ في فمها، فأحسَّت بمرارة تهبط إلى جوفها. ورغبتْ في البصق وأخرجت المنديل من تحت الوسادة وبصقتْ، ومسحتْ أنفها الذي كان يرشح، وأحسَّت بشيء صُلب كالحصوة يحتكُّ بحلقها، وراحتْ تعطس وتسعل لكن الحصوة لم تُطرد، كانت تزحف ببطء مع الهواء داخل صدرها.

وسمعتْ أمَّها تقول شيئًا فقالت: نعم دون أن تعرف ماذا كانت تقول، وسمعت القدمين تزحفان خارج الغرفة وصنعتْ لأنفها فتحةً صغيرة بين السرير والغطاء ليدخل منها الهواء، لكنَّ الضوء دخل أيضًا ورأت يدَها تحت رأسها. وحول مِعصمِها كانت تلتفُّ الساعة، والتقطتْ عيناها الرقم الذي يُشير إلى العقرب الصغير وتذكَّرت الوزارة، وسدَّت فتحة الضوء فعاد الليلُ مرة أخرى.

نعم، ليعدِ الليل ويبقَ، وليختفِ الضوء من حولها ولا يكن هناك نهارٌ أبدًا، فما فائدة النهار؟ تلك الحركة الدائرية من البيت إلى الوزارة ومن الوزارة إلى المعمل ومن المعمل إلى البيت. ما جدوى هذه الحركة؟ ما جدوى الدوران في تلك الحلقة المفرغة؟ تحريك عضلات الذراعين والساقين؟ تنشيط الهضم ودورة الدم؟ وتذكَّرت صوت الساعاتي: عن أي شيء تبحثين، هل هناك شيء تريدينه ليس موجودًا في كل هذه الدنيا؟ إنها لا تريد شيئًا من كل هذه الدنيا، لا تريد أن تأخذ شيئًا منها، لا تريد مالًا، وماذا تفعل بالمال؟ ماذا تفعل المرأة بالمال في هذه الدنيا؟ تشتري فساتين غالية كثيرة؟ ولكن ما فائدة الفساتين الغالية؟ إنها لا تذكر شكل فساتينها، لا تذكر أن «فريد» نظر إلى فستانها مرة واحدة، لم تحسَّ يومًا أن فستانها له قيمة ما سوى أنه يُغطِّي أجزاءً من جسمها.

وماذا غير الفساتين؟ ماذا تفعل امرأةٌ بالمال في هذه الدنيا غير شراء الفساتين؟ تشتري أدوات الزينة وعلب البودرة؟ ذلك المسحوق الأبيض الذي تدهن به المرأةُ وجهها وتخفي تلك الشعيرات الدموية التي تجري في البشرة الحية؟ وماذا يبقى للبشرة الحية بعد أن يختفيَ منها لونُ الدم؟ ذلك الجلد المعتم الميت؟ ذلك اللون الجيري الأبيض كلون حذاء الكاوتش.

وماذا غير شراء المساحيق والفساتين؟ ماذا تريد امرأة من هذه الدنيا؟ الذهاب إلى السينما؟ زيارة الصديقات؟ النميمة والغيرة والسعي من أجل الزواج؟

ولكنها لا تريد شيئًا من هذا، إنها لا تشتري مساحيق، ولا تذهب إلى السينما، وليس لها صديقات ولا تسعى وراء زواج فما الذي تريده؟

وضغطت برأسها فوق الوسادة وجزَّتْ على أسنانها في غيظ: ماذا أريد؟ ماذا أريد؟ لماذا لا أريد تلك الأشياء التي تريدها النساء، ألستُ امرأة مثلهن؟!

ورفعت الغطاءَ قليلًا عن وجهها ليدخل الهواء، ورأتْ أصابعها الرفيعة وأظافرها، أصابع وأظافر امرأة، وتحسَّست بشرتَها وجسمها؛ بشرة امرأة وجسم امرأة. إنها امرأة فعلًا. فلماذا لا تريد ما يريده النساء؟ لماذا؟

نعم، لماذا؟ لماذا؟ إنها لا تعرف. أتكون الكيمياء هي السبب؟ ولكن أهي الوحيدة التي درَستِ الكيمياء؟ أتكون مدام كوري هي السبب؟ ولكن أهي الوحيدة التي سمعتْ عن مدام كوري؟ أتكون مدرِّسة الكيمياء؟ ولكن أين هي مدرِّسة الكمياء؟ إنها لا تعرف عنها شيئًا. إنها لم تسمع عنها شيئًا منذ تركت المدرسة، أتُعلِّق حياتها على كلمة قالتْها امرأة مغمورة؟ أتكون أمها؟ ولكن أتعرف أمُّها شيئًا عن العالم الواسع خارج جدران البيت؟ أيكون فريد؟ ولكن أين هو فريد؟ من هو؟ إنها لا تعرف أحدًا يعرفه، ولا تعرف أين هو، ولا تعرف أكان موجودًا حقًّا في يوم من الأيام، ربما كان وهمًا، ربما كان حلمًا، إنه غائب، وما دام غائبًا فكيف إذن تُفرِّق بين الحلم والحقيقة؟ لو ترك ورقة صغيرة بخط يده لاستطاعت أن تعرف. نعم، ورقة صغيرة تستطيع، أما هي برأسها وذراعيها وساقيها فلا تستطيع شيئًا، لا يستطيع جسمها شيئًا، ولا رأسها أيضًا. كلُّ شيء يتحوَّل داخل رأسها إلى طنين أخرس، كلُّ شيء ينسحق داخلها إلى صفيرٍ حادٍّ مستمرٍّ كذلك الصفير الذي يُدوِّي حين تصمت كلُّ الأشياء.

نعم؛ إنه الصمت المطبق في أعماق ذلك الجسد الممدود في عجز تحت الغطاء. الصمت ولا شيء غير الصمت، إنه عاجز عن أن يقول شيئًا، تلك الكلمات التي تخرج من بين شفتيه ليست كلماتِه، إنها أصداء متناثرة لكلمات سمعها من قبل، كلمات قالها فريد، أو أمها، أو مدرِّسة الكيمياء، أو كلمات قرأها في الكتب. نعم؛ إنه يردِّد ما سمع وما قرأ، إنه قادر على الترديد فحسب كأي جدار من الحجر.

وحرَّكت جسمها تحت الغطاء؛ كان ثقيلًا كأنه قد تحجَّر، وأحسَّت بسخونة شديدة وعرق غزير يُبلِّل جسمها، وسائل دافئ لزج ينساب من أنفها، فأخرجت المنديل من تحت الوسادة ومسحتْ أنفها في تقزُّز. أنفُها يرشح كصنبور بالٍ وجسمُها يَنِزُّ بالعَرق. إنها ليستْ جدارًا جافًّا نظيفًا. ولكنها جدارٌ رُشق في رأسه وبطنه بصنابير بالية ترشح من فوق ومن تحت، بلولةٌ لا إرادية مقزِّزة.

ورفست الغطاء عن جسمها، كانت تريد أن ترفس عنها ذراعيها وساقيها، كانت تريد أن ترفس عنها جسدَها. لكنه ظلَّ ملتصقًا به، مشدودًا إليها، جاثمًا فوقها بثقله الكئيب وبلولته الكريهة كشخص آخر غريبٍ عنها.

غريبٌ عنها! غرابةُ أيِّ شخص يُقابلها صدفة في طريق، غرابة بوَّاب العمارة، غرابة الساعاتي! وارتعدتْ. نعم، غريب كل هذه الغرابة، يبتلع الأكل في جوفه ولا تعرف ماذا يفعل به؟ تسمع أصواتًا أحيانًا في معدتها كمُواء القطط كأنها لا تعرف ماذا يدور هناك، أين تذهب تلك الكميات الكبيرة من الطعام؟ كالطاحونة، تدور وتدور وتسحق الأشياءَ الصُّلبة، إنه الدوران والسحق ولا شيء سواهما، لا شيء آخر.

وماذا يمكن أن يكون الشيء الآخر؟! ذلك الوهم الذي كان يتراءى من وراء الضباب؟ أنبوبة الاختبار يتراقص من فوَّهتها غازٌ جديد؟ وماذا يفعل الغازُ الجديد؟ قنبلة هيدروجينية جديدة؟ صاروخ له رأسٌ نووي جديد؟ ماذا ينقص العالم؟ وسيلة جديدة للقتل؟

ولماذا القتل؟ ألا يكون شيئًا آخر له فائدة؟ شيئًا يقضي على الجوع؟ على المرض؟ على الشقاء؟ على الظلم؟ على الاستغلال؟ نعم نعم؛ أيها الرأس المصمت، ردِّد الكلماتِ التي سمعتَها من فريد، ردِّد الصدى كأي جدار، ماذا تعرف أنتَ عن الجوع؟ وماذا تعرف عن المرض؟ وماذا تعرف عن الشقاء؟ وماذا تعرف عن الظلم؟ وماذا تعرف عن الاستغلال؟ ماذا تعرف عن هذه الأشياء التي تحدث للناس وأنت لا تعيش مع الناس؟ تنظر إليهم من بعيد وتتأمل حركاتِهم وسكناتهم وكأنهم صوَرٌ متحركة فوق شاشة بيضاء. هل جُعتَ يومًا؟ هل رأيتَ يومًا إنسانًا جائعًا؟ تلك الشحَّاذة الجالسة على رصيف الوزارة وفي حِجرها الطفلُ الصغير، هل رأيتَها مرة؟ هل نظرتَ في عينيها لحظة؟ ألم تكن ترى منها إلا ظهرها الذي تغرقه الشمسُ الدافئة وتحسدها؟

هل عرفتَ شيئًا من هذا أيها الرأس المصمت؟ لِمَ الإصرار إذن على هذا الوهم؟ ألا تأكل وتشرب وتبول وتنام كالآخرين، لماذا لا تكون كالآخرين؟ لماذا؟

نعم؛ لماذا؟ لماذا؟ لماذا لا تكون كالآخرين وتستقرُّ وتهدأ وتقبَل حياتَك كما هي؟ لماذا لا تأخذ الحياة كما هي؟ وهذه الكلمات أيضًا ليست كلماتِك، ألم تسمعْ هذا السؤال نفسَه من الساعاتي بالأمس في المعمل؟ أتختزن في جوفك كلَّ الكلمات؟ حتى كلمات الساعاتي؟ يا لتفاهتك! ألا تقول كلمة واحدة من عندك؟

وأفاقت فؤادة على صوت أمِّها، ورأتْها تقف إلى جوارها تمدُّ يديها النحيلتين المعروقتين بكوب من الشاي، ونظرت إلى أصابعها الرفيعة الطويلة المجعَّدة، أصابعها طويلة رفيعة كأصابع أمِّها، وسوف تصبح مجعَّدة كأصابعها بارزة المفاصل كعيدان الذرة الجافة. ورفعت إليها عينَيها، ورأتْ وجهها ذا التجاعيد الكثيرة، وشفتيها اليابستين منفرجتين. الفرجة نفسها، والأسنان نفسها، ولسوف تملأ التجاعيدُ نفسها ووجهها هي أيضًا، ولسوف تعجز قدماها عن المشي السريع وتزحفان مثل قدميها.

ومدَّت ذراعًا نحيلة واهبة وأخذتْ منها كوب الشاي، وجلستْ أمُّها على طرف السرير تنظر إليها؛ لماذا هي صامتة؟ لماذا لا تقول شيئًا، لماذا لا ترفع يديها للسماء وتُردِّد دعوتَها القديمة؟ راح الحلم وضاع الوهم، إنها لم تلد فلتة من فلتات الطبيعة، مَن قال لها إنها ستلد فلتة؟ ولماذا هي بالذات؟ لماذا بطنها بالذات؟ ملايين البطون تلد كلَّ يوم فمن الذي وضَع في رأسها ذلك الوهم؟ ربما أمها هي التي أورثتْها هذا الوهم كما ورثتْه فؤادة عنها؟! إنها امرأة من العائلة تصوَّرت بطنها غيرَ البطون، إنها واحدة التي بدأتْ، لا بد أن تكون هناك واحدةٌ بدأتْ، لا بد أن يكون هناك دائمًا مَن يبدأ.

وسمعتْ صوتَ أمِّها يقول في حزن: ما لكِ يا فؤادة؟ لماذا لا تتكلمين؟ كان صوتُها حنونًا إلى حدِّ أنها رغبتْ في البكاء، لكنها ابتلعتْ دموعها وفتحتْ فمَها المُرَّ لتقول: عندي صداعٌ شديد. وسألت الأمُّ: هل آتي لك بأسبرين؟ وهزَّت رأسها: نعم. وخرجت الأمُّ إلى الصالة مرة أخرى. وبينما هي في الصالة دقَّ جرس التليفون، وقفزت فؤادة من فوق السرير وهي ترتعد؛ أيكون الساعاتي؟ ووقفت على عتبة بابها تنظر إلى التليفون. واقتربت أمُّها من التليفون لتردَّ لكنها صاحتْ: لا ترفعي السماعة يا ماما! هناك شخص لا أريد أن أكلِّمَه! لكنَّها تذكَّرتْ فجأة أنه ربما يكون «فريد» فقفزتْ إلى التليفون في خطوة واحدة ورفعت السماعة وهي تلهث، ألو؛ وجاءها صوتُ الساعاتي اللَّزِج فسقطتْ على الكرسي كالجثة الهامدة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢