الدور الثاني من سيادة الدولة العثمانية على مصر

(من سنة ١١١٥–١١١٧ﻫ ومن ١٧٠٣–١٧٦٣م)

(١) انتقال النفوذ إلى المماليك

استغرق هذا الدور ٦٢ سنة تولى في أثنائها على العرش العثماني أربعة سلاطين، ويمتاز عن الدور السابق أن النفوذ فيه تحول من الجند والباشا إلى البكوات المماليك، وقبل التقدم إلى ذكر أخبار هذا الدور نمهد الكلام في المماليك وسيادتهم.

قد علمت من النظام الذي وضعه السلطان سليم عند فتح مصر أنه جعل للأمراء الذين بقوا من دولة المماليك عميلًا يكون وسيلة للموازنة بين سلطة الباشا وقوة الجند لأن أولئك الأمراء كانوا أعداء لكلا الفريقين. فجعلهم حكامًا على الأقاليم، وهي ١٢ إقليمًا أو سنجقية (مديرية) يتولى كلًّا منها أمير من المماليك بلقب بك؛ ولذلك عرف الأمراء المماليك أيضًا بالبكوات المصرلية. ومنهم أمير يتولى حكومة القاهرة كانوا يسمونه: «شيخ البلد». ومشيخة البلد منصب ضعيف في حد ذاته، لكن الأحوال جعلته أهم مناصب مصر. وكان الأمراء المماليك كعادتهم في أيام سلطنتهم يتوقَّون بالاستكثار من المماليك بالشراء. ومنهم تتألف الأحزاب وينسب الحزب صاحبه أو زعيمه، فيقولون مثلًا: المماليك القاسمية نسبة إلى: «قاسم بك» والرضوانية إلى رضوان بك كما سترى.

وكانوا في أول سلطنة العثمانيين قد أدهشهم الفتح وقنعوا بالبقاء في مناصب الحكومة. وكانت الدولة العثمانية شديدة ولها هيبة.

فلما ذهبت هيبتها بتوالي الزمن — كما تقدم — اشتدت سواعدهم، وصاروا يحتقرون ولاتها، ولا سيما بعد أن وقع الخلاف بين الباشوات والجند وتداخلوا، وجعل النفوذ يتحول إليهم رويدًا رويدًا على مقتضى الأحوال حتى صار منصب شيخ البلد أهم المناصب وصاحبه أعظم الأمراء، وإليه يرجع الحل والعقد. فلنعد إلى سياق التاريخ.

(٢) سلطنة أحمد بن محمد

من سنة ١١١٥–١١٤٣ أو من ١٧٠٣–١٧٣٠م

تولى السلطان أحمد المذكور وعمره بضع وثلاثون سنة، وكان حكيمًا، فأنعم على الإنكشارية بالأموال وفوَّض إليهم قتل المفتي «فيض الله أفندي»؛ لأنه قاومهم في أعمالهم. فلما استقر الأمر وثبَّت قدمه في الدولة، اقتص من الإنكشارية، فقتل منهم جمعًا كبيرًا وعزل رئيسهم — الأغا — وولى عليهم ابن أخته الداماد «حسن باشا». ولكن الدسائس غلبت على هذا التعيين فعُزل وتولى غيره. وتكاثر عزل الصدور، وشغلت الدولة بداخليتها عن خارجيتها، ولم تنتبه لما كان يجريه «بطرس الأكبر» ملك الروس في بلاده ولا إلى سياسته في خارجها، وهي تقضي بإضعاف جيرانه حتى يبتلعهم. وكان قد أخذ بإخراج مشروعه إلى حيز العمل، فحارب شارل الثاني ملك أسوج وغلبه.

وأفضت الوزارة إلى «محمد باشا البلطجي» فمال إلى إشهار الحرب على الروس وقاد الجيوش بنفسه. وبعد وقائع عديدة حصر العثمانيون إمبراطور الروس وامرأته، ولو طال الحصار لغلبوا على أمرهم وسلموا، ولكن «كاثرينا» زوجة الإمبراطور «بطرس» استمالت «البلطجي» المذكور، وأغرته بالجواهر، فأعطته كل ما كان معها منها، فرفع الحصار واكتفى بمعاهدة لم تغن الدولة فتيلًا.

وتوالى الصدور، وهم مختلفون ميلًا إلى الحرب أو السلم فكانت حال الدولة تختلف لاختلاف ذلك مما ليس هو محل الكلام عليه.

وفي عهد هذا السلطان، دخلت الطباعة المملكة العثمانية، وتأسست دار الطباعة في الآستانة بفتوى من شيخ الإسلام تقضي ألَّا يطبع القرآن بحروف الطباعة؛ خوفًا من وقوع التحريف فيه، وتولى على «مصر» سنة ١١١٩ «حسن باشا» واليًا.

(٢-١) قاسم بك وذو الفقار بك أو المماليك القاسمية والفقارية

أما مصر فصار النفوذ فيها إلى الأمراء المماليك — كما تقدم — وكانوا في أيام هذا السلطان حزبين كبيرين يُعرفان بالمماليك «القاسمية» نسبة إلى «قاسم بك» و«الفقارية» إلى «ذي الفقار بك» وكان هذان الحزبان لا ينفكان عن المنافسة، يحاول كل منهما اكتساب النفوذ دون الآخر.

أما أصل هذين الحزبين ففيه أقوال، منها: أنهما ينسبان إلى أخوين هما: «قاسم بك» و«ذو الفقار بك» ولدي سودون أحد أمراء المماليك في عهد السلطان «سليم الفاتح» وأن السلطان سليم هو الذي نشطهما ونشط أحزابهما.

وقد ذكر «الجبرتي» لذلك قصة طويلة لا حاجة بنا إلى ذكرها.

وبعضهم يقول إن هذين الحزبين ينسبان إلى «قاسم عيواظ بك» الدفتردار و«ذي الفقار بك الكبير» سنة ١٠٥٠ﻫ. وكان «قاسم عيواظ» رئيس الطائفة القاسمية، وذو الفقار رئيس الفقارية. وكان لكلٍّ من هاتين الطائفتين مناقب خاصة بها.

«الفقارية»: كانت توصف بالكثرة والسخاء و«القاسمية»: بالثروة والبخل.

وشارية «الفقارية»: علم أبيض مزاريقه رمانة.

والقاسمية: علم أحمر.

وكانت هاتان الفئتان قبل تولي «حسن باشا» المتقدم ذكره. في وفاق تام. فلما جاء خشي من اتحادهما فعمد إلى الدسائس، فألقى بينهما الشقاق فحصلت بين الطائفتين وقائع دامت ثمانين يومًا، فكانوا يخرجون من القاهرة إلى مكان يعرف بقبة العزب يوميًّا، ويأخذون في الكفاح من شروق الشمس إلى غروبها ثم يعودون إلى القاهرة، فيقضون الليل بسلام في بيوتهم بين نسائهم وأولادهم ثم يعودون في الصباح إلى المحاربة. ومن الغريب أن هذه المحاربات لم تؤثر في الراحة العمومية مطلقًا، فظلت الأشغال جارية في مجراها والحوانيت والمخازن تفتح وتقفل كالعادة.

(٢-٢) مشيخة إسماعيل بك

وانتهت تلك الوقائع بوفاة «قاسم عيواظ بك» فأسف عليه الناس، وبكوه بكاءهم على حاكم عادل أو أب حنون بار. ولم يبقَ صديق ولا عدو إلا بكاه؛ لأنه كان فضلًا عن حكمته وعدله ودعته شجاعًا باسلًا أبيَّ النفس. فأقاموا ابنه «إسماعيل بك» مكانه «شيخ البلد».

وقد تقدم أن مشيخة البلد منصب كان يتولاه أحد البكوات المماليك، كما يتولون إدارة المديريات، ويقابل محافظ القاهرة اليوم.

ولم يكن المنصب نفسه مهمًّا، لكن تراخي الباشوات واستفحال أمر المماليك جعل لهذا المنصب أهمية كبرى حتى أفضى بتوالي الأيام إلى صاحبه، وصار إليه الأمر والنهي — كما سترى.

ولما تولى السلطان «أحمد» كان على مشيخة البلد «قاسم عيواظ بك» — المتقدم ذكره — فلما مات، خلفه ابنه «إسماعيل» وصادق الباشا على ذلك لظنه أن إسماعيل لصغر سنه، يكون آلة في يده يديرها كيف شاء، فازداد كدر «ذي الفقار بك» واشتد حنقه؛ لأنه كان ينتظر أن يئول ذلك المنصب إليه.

وكان «إسماعيل» عاقلًا حكيمًا كوالده، عارفًا وجه الربح والحق، فسعى في الوفاق مع طائفة الفقارية، فاتحدت الطائفتان على الباشا. وكان إسماعيل من الجهة الأخرى يظهر الطاعة والرضوخ لأحكام الباشا لأنه رئيسه، لكنه لم ينفك ساعيًا سرًّا في خلعه، فكتب عنه إلى الآستانة ففاز بعزله، فجاء غيره ثم أبدل بآخر فآخر و«إسماعيل بك» في منصبه يحبونه إلى ما يشبه العبادة.

ومما يحكى عنه أن أحد تجار القاهرة في أيامه واسمه: «عثمان» باع لأحد القبقجية (لقب الحرس السلطاني) ثلاثمائة قفة بُن إلى أجل مسمًّى، وكتب عليه بذلك صكًّا. فقبل الاستحقاق جاء الآستانة إعلان بخيانة القبقجي والحكم عليه بالإعدام حالًا، فجيء به إلى الباشا، فقتله، ووضع يده على تركته، وفيها البُن كما هو، فعلم «عثمان» التاجر بذلك، فعرض لإسماعيل ما كان من أمر البُن فأجبر الباشا أن يرجع البن لصاحبه قبل كل شيء، ففعل، فأصبح «عثمان» في حال من الامتنان لا يعرف كيف يبينها، فلاح له أن يهديه علبة مرصعة، وبضعة قناطير من السكر النقي، فرفض «إسماعيل بك» الهدية، وخاطب عثمان التاجر قائلًا: «إذا كان المال الذي حصلت عليه بواسطتي حقًّا لك، فأكون قد فعلت الواجب علي، والله يكافئني، فإذا قبلت هديتك أظلم نفسي. أما إذا كان هذا المال ليس لك وإنما حصلت عليه بالخيانة فقبولي هديتك يعد مشاركة لك في الخيانة، لكنني مع ذلك أقبل السكر الذي حملته إليَّ على أن تقبض ثمنه من وكيلي لأنني سآمره أن يدفعه إليك.»

ويحكى عنه أيضًا أنه كان يأدب في ليالي رمضان مأدبات يجتمع إليها العلماء والفقهاء ومشائخ والقراء القرآن، ولم يكن يؤذن لغير هؤلاء في الحضور فيها. فرأى ذات ليلة رجلًا بين الحضور عليه ملامح الكآبة، فأوصى بعض الخدم متى انفض الاجتماع، أن يأتوا به إليه، ففعلوا. فلما حضر بين يديه، أعطاه مصحفًا، وأمره أن يتلو عليه سورة. فتوقف الرجل وَجِلًا، ثم ترامى على قدمي البيك متضرعًا وقال: «يعش سيدي البك إني رجل نجار لا أعرف القراءة، وإنما أتيت إلى هذه المأدبة متنكرًا بثوب الفقهاء لأملأ جوفي من الطعام، فإني في حالة من الفاقة شديدة.» فأنصفه. ولم يكتفِ بالإغضاء عن ذنبه لكنه جعله في عداد خَدَمَته، وجعل لعائلته راتبًا معينًا وصار هذا النجار بعد ذلك من أصدق الخدمة وأكثرهم عزة وهمة.

وما زال «إسماعيل بك» شيخًا للبلد ١٦ سنة، تقلَّب في أثنائها على «مصر» عدة باشوات كانوا اسمًا بلا مسمًّى.

وكان لحسن سياسته قد أوقف الفقاريين عن كل حركة لتظاهره أنه على وفاق معهم، فلم يترك لهم فرصة يتحدون بها عليه، على أنه ارتكب خطأً واحدًا آل إلى قتله. وذلك أن أحد المماليك الفقارية واسمه «ذو الفقار» أيضًا كان له عقار يقوم بنفقات عائلته، فاختلسه منه أحد المماليك القاسمية — من مماليك إسماعيل — فرفع «ذو الفقار» دعواه إلى شيخ البلد إسماعيل، فلم يصغِ لطلبه فرفع دعواه إلى زعيم الفقارية، ويقال له «شركس بك». وكان خصمًا لإسماعيل بك بالفطرة، فسار إلى الباشا وخاطبه بشأن تصرف إسماعيل. وكان في قلب الباشا حزازات من الحسد عليه، فوافقه على الإيقاع به، ثم قال له:

ليس لك وسيلة أفضل من أن تبعث أحد مماليكك وتأمره بقتله وأنا أجعل له جميع ما يتركه من المال والنساء مكافأةً لأتعابه.

فوافقه على رأيه، وعين لتلك الفعلة أول يوم يجتمع فيه الديوان. وأمر مملوكه «ذو الفقار» أن يستعد لإجرائها، فقبل اعتمادًا على وعد الباشا. ففي اليوم المعين، جاء «ذو الفقار» إلى الديوان وفيه «إسماعيل بك» فتقدم إليه وقبَّل يده قائلًا: أرجو أن تأمر بإرجاع عقاري إليَّ. فأجابه «إسماعيل بك» سننظر في طلبك هذا. فألح عليه، فانتهره، فاستلَّ خنجرًا ماضيًا بَقَر به بطنه، فتدفقت أمعاؤه، ومات ساعته في وسط الديوان، فهجم رجال الباشا، وقتلوا كل من كان هناك من رجال إسماعيل، ولم ينجُ منهم إلا سريع العدو. هكذا كانت نهاية حكم إسماعيل بك سنة ١١٣٦ﻫ فنقلت جثته إلى بيته، ثم دفنت بجانب جثة أبيه بجوار باب اللوق.

فتولى مشيخة البلد «شركس بك» واستولى «ذو الفقار» على جميع ممتلكات «إسماعيل بك» ونسائه حسب وعد الباشا فأصبح رجلًا عظيمًا يشار إليه بالبنان، وفي حوزته مئات من المماليك، فخافه «شركس بك» وأخذ يسعى في إذاقته ما أذاقه لإسماعيل بك. فعلم «ذو الفقار» بتلك الدسائس، فجمع إليه رجاله، وفيهم عدة من رجال العثمانيين، وهجم على شركس بك، فجرت واقعة لم يستطع رجال شركس الثبات فيها أكثر من ربع ساعة فقتل معظمهم، وفر الباقون، وزعيمهم معهم يطلبون الصعيد وهو الملجأ الوحيد للبكوات المغضوب عليهم.

(٢-٣) ذو الفقار بك

فتولى ذو الفقار مكانه مع لقب بك، بعد أن أقر الباشا على ذلك، وأصبح ذو الفقار عدوًّا لأترابه البكوات، وعلى الخصوص لأبي دفية، وسمِّي بذلك لأنه كان يتشح برداء كبير يقال له دفية، ثم أنبئ «ذو الفقار بك» أن أبا دفية ساعٍ في إهلاكه، وحاول ذلك مرارًا ولم ينجح.

أما «شركس بك» فجمع دعاته في الصعيد، وسار بهم نحو القاهرة، فأرسل «ذو الفقار بك» «عثمان كاشف» أحد كبار قواده في فرقة من المماليك لمحاربته، فتقهقر «شركس» ورجاله فرارًا حتى لحق ببلاد البربر.

فسكر «ذو الفقار» من خمرة النصر، وأخذ في الانتقام من البكوات الذين في القاهرة، وقتل منهم من يظن فيه الانتماء إلى «شركس بك»، وهم كثيرون. فاتحد من بقي حيًّا مع رئيس الشرطة، والأغا رئيس الإنكشارية، وبعثوا إلى شركس بك بما كان من فعلة «ذي الفقار» وتعاهدوا جميعًا على محاربته، وانضم إليهم «مصطفى القرد» وكان من أعداء ذي الفقار ومعه جماعة من الرجال الأشداء، فقدم «شركس بك» إلى القطر المصري، فعلم «ذو الفقار» بذلك، فجمع إليه العلماء والمشائخ، وشاورهم في الأمر، فأجمعوا على عدم مناسبة الهجوم في تلك الحال، إلا إذا تأكد الفوز، فلم يُصغ لمشورتهم، فأرسل «عثمان بك» أحد قواته لمحاربة «شركس بك»، فحصل بينهما واقعة، قُتل فيها «مصطفى القرد» وغرق «شركس بك» في النيل وهو يحاول الفرار.

فبعث «عثمان بك» برأسيهما إلى «ذي الفقار». أما هذا فلم يهنأ بذلك النصر لأنه قُتل بعد قَتل عدوه «شركس» بيومين، بمكيدة أعدها له البكوات في القاهرة وذلك أنهم ألبسوا واحدًا منهم دفية، وجاءوا به إلى بين يدي «ذي الفقار» وقالوا له: «هذا أبو دفية قد جعله الله في أيدينا.» وكانوا قد جعلوا تحت دفيته عيارين ناريين، فلما وقف بين يديه، أطلقهما دفعة واحدة، فسقط «ذو الفقار» مضرجًا بدمائه في وسط ديوانه سنة ١١٤٢ﻫ، فعلم «عثمان بك» بما أصاب رئيسه، فهرع للأخذ بثأره، فدخل القاهرة، وجعل يفتك بمن يصادفه في طريقه، فخافه الجميع.

ثم إن «محمد بك» أحد البكوات الذين كان يترقبهم «عثمان بك» رأى منصب مشيخة البلد خاليًا فطمع فيه، فعاهد صديقه «صالح كاشف» على أن يقتلوا من بقي من زملائه البكوات بمكيدة ينصبها لهم. فأدب «محمد بك» مأدبة فاخرة دعاهم إليها، فلبوا دعوته. ثم علموا بمكيدته فقاوموه مقاومة شديدة وتمكنوا من قتله. فيئس «صالح كاشف» من مرامه، ففر إلى القسطنطينية بعد أن شاهد رءوس البكوات ملقاة على الطريق أمام جامع الحسين.

ثم عقب هذه القلاقل ضربة أشد وطأة؛ نعني الوباء الذي أصاب مصر في تلك السنة، ويدعى طاعون الكي، فإنه انتشر في البلاد انتشارًا سريعًا، وفتك في العباد فتكًا ذريعًا ووافق كل هذه الضربات خلع السلطان أحمد الثالث في جمادى الأولى سنة ١١٤٣ﻫ.

(٣) سلطنة محمود بن مصطفى

من سنة ١١٤٣–١١٦٨ﻫ ومن ١٧٣٠–١٧٥٤م

هو محمود الأول، وُلد سنة ١١٠٨ﻫ، فكانت سنُّه لما تولى العرش العثماني ٣٥ سنة، وكان النفوذ عند توليه لرئيس الإنكشارية حتى نقم عليه الإنكشارية أنفسهم، فقتلوه وعادت السكينة وأمن الناس.

وفي أيامه ظهر «نادر شاه» القائد الفارسي الملقَّب «بنابليون الشرق» لكثرة فتوحه. وكانت الدولة تحارب الفرس، وكادت تذهب فيها، فعاض «نادر شاه» ووقف في طريقها.

وجرت في أيام هذا السلطان حروب ومعاهدات مع دول أوربا. وقد تُوفِّي السلطان المذكور، وأسفه العثمانيون لأنه كان عادلًا حليمًا فيه ميل إلى المساواة بين الرعايا.

وفي أيامه اتسع نطاق المملكة العثمانية بآسيا وأوربا وعقد معاهدة في بلغراد مع الروس محت العار السابق.

ومن آثاره أنه أسس أربع كتبخانات ألحقها بجوامع آيا صوفيا، ومحمد الفاتح، والوالدة وغلطه سراي.

وكان الباشوات الذين تولوا مصر في أيامه أكثر أهلية من سابقيهم، ولكن الأحكام كانت بالحقيقة قائمة بمشائخ البلد، ولهم الحل والعقد لا يستطيع الباشوات معارضتهم في شيء.

(٣-١) مشيخة عثمان بك

فبعد قتل ذي الفقار بك تولى مكانه عثمان بك، المتقدم ذكره. فرقَّى كثيرين من مماليكه إلى رتبة البكوية ليقوموا مقام الذين هلكوا بالحوادث الأخيرة.

وكان «عثمان بك» عادلًا حازمًا، ولكنه كان صارمًا لا يراعي في تنفيذ العدل جانبًا، فعلم أن أحد بكواته سعى في إقليمه ظلمًا فاستدعاه إليه، فتحقق ارتكابه، فقطع رأسه.

ويحكى عن «عثمان بك» حوادث كثيرة تشير إلى حزمه واستقامته، وقسطه، لا بأس من ذكر بعضها على سبيل المثال:

يحكى أن حمَّارًا من حمَّاري القاهرة أراد ترميم مذود حماره، وهو يفعل ذلك عثر في أحد جدران البيت على وعاء مملوء ذهب، ففرح جدًّا، وأخذ الوعاء وسلَّمه إلى امرأته، وأوصاها أن تكتم الأمر لئلا ينكشف للحكومة، فتأخذ المال منه لأن لها وحدها الحق بالاستيلاء على مخزونات الأرض. فطلبت المرأة من زوجها أن يبتاع لها حليًّا وثيابًا فاخرة لتتمتع بتلك الهبة. فأبى زوجها إجابة طلبها لئلا يئول ذلك إلى كشف الحقيقة، فاغتاظت، وأسرعت لساعتها ووشت به إلى «عثمان بك» فاستدعى الحمَّار، وبعد أن سمع حقيقة الحال صرفه قائلًا: «احفظ ما وهبك الله، وطلق امرأتك، وعش بسلام.»

ولما جاء الوباء إلى مصر، كان «عثمان بك» في أول حكمه، فلما رأى الجوع الذي عقب الوباء، فتح مخازنه وخزائنه، وفرَّق الأقوات والأموال في الناس. ومع ذلك لم يستطع النجاة من مكايد ذوي المطامع، وفي مقدمتهم «إبراهيم وإسماعيل رضوان» الأول كخيا الإنكشارية، والآخر كخيا العَزَب، وكان كلاهما من المماليك. الواحد من طائفة الكُزدغلية، والآخر من طائفة الجلفية، وأصل الطائفة الأولى مملوك يقال له: «الكزدغلي» كان سروجيًّا، وأصل الطائفة الثانية «أحمد الجلفي» كان في أول أمره شيالًا، وأغناه الله بطريقة في غاية الغرابة، لا بأس من ذكرها وهي:

جاء بعض المماليك إلى إحدى معاصر الزيت ليبتاع مئونة بيته من الزيت مدة السنة، وكان «أحمد الجلفي» في تلك المعصرة، فابتاع المملوك الزيت، واستأجر «أحمد» فحمله وسار معه حتى بلغ بيته، فأنزل الحمل ووقف ينتظر أجرته، فجاءه المملوك وطلب إليه أن يساعده في إخفاء مبلغ من النقود في أحد جدران البيت، وألح عليه أن يكتم الأمر سرًّا، وأعطاه بضعة دراهم مكافأة لذلك، فساعده، وأخذ الدراهم وسار في سبيله حامدًا شاكرًا. وبعد ثلاثين يومًا اتفق له المرور بالقرب من ذلك البيت، فشاهد جماهير متجمعة، ثم علم أن ذلك المملوك تُوفِّي وقد تركته للمبيع، فتقدم أحمد وابتاع البيت الذي فيه المخبأة، وبعد انفضاض الجمع استخرج النقود، وسار بها إلى قريته «جلف» في الصعيد وامتلك ممتلكات كثيرة.

ثم اتسعت ثروته، وما زال حتى أصبح زعيمًا لعصابة كبيرة نسبت إليه.

وكان «إبراهيم وإسماعيل رضوان» في بادئ الرأي على تباين كلي بالأدبيات والماديات: كان إبراهيم في ضيق من المعاش مع إقدام وبسالة ومطامع كبيرة. وكان «إسماعيل» غنيًّا بليدًا لا يهمه إلا التمتع باللذات والشهوات. فكان إبراهيم في احتياج إلى إسماعيل ولذلك كان يتقرب منه. ثم تزوج «إبراهيم» ابنة «محمد البارودي» أحد التجار الأغنياء، وأخذ معها مالًا كثيرًا، فتمكَّن بذلك من التقرب إلى بيت شيخ البلد، وإلقاء المفاسد فيه بواسطة بعض المماليك والأتراك وغيرهم من ذوي الرتب، كان يستعملهم آلةً لتنفيذ مآربه.

ثم تأتَّى له الارتقاء إلى رتبة البكوية مع صديقه «إسماعيل رضوان» فصار اسمه «رضوان بك»، واتحد الاثنان على السراء والضراء، ووحَّدا ممتلكاتهما، واجتزآ بالسواء في محصولاتها. فأوجس «عثمان بك» خيفة من سرعة نمو ثروتهما، وملافاة لما كان يخشى حدوثه من طموح أنظارهما ضم إليه ثلاثة أحزاب: أحدها حزب «إبراهيم بك القطامش» وفيه ثلاثة بكوات، والثاني حزب «علي بك الدمياطي» وفيه بيكان والثالث حزب «علي كخيا الطويل»، وشاورهم في الأمر فأقروا على قتل «إبراهيم بك»، وكان إذ ذاك كخيا الإنكشارية، و«رضوان بك»، فوافقوه على ما أراد.

وكان وكيله أحمد السكري من مماليك «إبراهيم بك» فلم يمكنه كتمان ذلك عنه، فجاء إليه وأخبره بجميع ما كان من التواطؤ على قتله وقتل رفيقه، فسار الحال إلى «رضوان بك» وأخبره وتشاوروا بشأن ذلك، فقررا نصب أحبولة يقتلان بها «عثمان بك»، فبعث إليه رجالًا يترصدونه في طريقه إلى القلعة فمرَّ ووثبوا عليه، ففر بجواده حتى دخل القلعة، ولم يظفروا به، فلاقاه وكيله وقد أضمر له الشر فسأله عما ألمَّ به، فأخبره بما كان، فكلمه بلسان الثعلب ناصحًا له أن يبرح المدينة حالًا؛ لأن الناس قد قاموا يطلبون قتله، وما زال حتى أقنعه ففر إلى «سوريا» وسار هو معه حتى إذا دنوا من غزة تنحَّى أحمد عن الطريق واختبأ في قرية يقال لها الأشرفية، بحجة استطلاع الأحوال لحماية «عثمان بك» فتربص هناك مدة ثم عاد إلى «القاهرة» بمن معه من المماليك، وسار إلى «إبراهيم بك» وأعلمه بما فعله، فكافأه على تلك الخيانة برتبة البكوية، وهمَّ الأهلون ببيت عثمان فأحرقوه، واقتسموا تركته.

أما هو فوصل «سوريا» وحده، وسار منها إلى الآستانة، فولي بورصة ولبث فيها حتى توفاه الله. وجميع هذه الحوادث توالت على «مصر» في أثناء سنة ١١٥٦ﻫ.

(٣-٢) إبراهيم كخيا ورضوان بك

فلما خرج «عثمان بك» من «مصر» صفا الجو «لإبراهيم كخيا» و«رضوان بك». فعملا على إبادة الأحزاب التي تآمرت عليهما فأخذ «رضوان بك» على نفسه قتل «علي كخيا الطويل». فأمر أحد مماليكه أن يقتله بالرصاص في وليمة حافلة، فلبى المملوك الأمر، لكنه أخطأ الرمي. وعوضًا من أن يصيب «عليًّا» أصاب مملوكه الذي كان بجانبه، فقبض عليه وقُتل للحال.

أما «إبراهيم كخيا» فتكفَّل لإهلاك من بقي من الأحزاب، وكان على ولاية مصر إذ ذاك «كيور أحمد باشا» فطلب إليه إبراهيم أن يوافقه على إبادة البكوات، فوافقه. وربما فعل ذلك، خوفًا منه أو لأنه يعود عليه بالنفع الشخصي، واستعانوا بالنقود، فبذلوها فسهلت مشروعهم حتى قتلوا «علي بك الدمياطي» بيد وكيله «سليمان» في وسط الديوان. وقد وعدهم هذا بتسليم رءوس البكوات الآخرين من أحزابه. فأمر «إبراهيم كخيا» و«رضوان بك» أن تقفل جميع منافذ القلعة على من فيها من البكوات المَنْوِي قتلهم، وجعلا على بابي الإنكشارية والعزب جندًا، وحافظ «سليمان» على وعده، فبوشرت المذبحة وأول من قتل فيها «خليل بك» من دعاة «الدمياطي» و«محمد بك» من دعاة «قطامش» وكثيرون غيرهم.

وحاول «علي بك» و«عمر بك البلَّاط» الفرار، فتبعهما الباشا بنفسه. ثم لاقاهما «إبراهيم» و«رضوان» وقتلاهما عند باب القلعة، ولم يدفن من القتلى إلا «محمد بك» و«خليل بك».

ولم يبقَ من مناظري «إبراهيم كخيا» و«رضوان بك» إلا «إبراهيم قطامش» و«علي كخيا الطويل» فالأول مات من الحزن بعد مدة قصيرة، والثاني هاجر من تلقاء نفسه تاركًا الدار تنعي مَن بناها، فصفا الجو لإبراهيم كخيا، فتولى مشيخة البلد وسمَّى «رضوان بك» أميرًا للحج ثم جعلا يتبادلان هذين كل سنة، وعاد كل منهما إلى ميله الطبيعي: «إبراهيم» إلى مطامعه، و«رضوان» إلى ملاهيه. فأخذ «إبراهيم كخيا» يفسد الأحكام، ويستخدمها لاسترجاع ما بذله للحصول عليها، فلم يغادر وسيلة إلا استخدمها في سبيل مطامعه من قتل وهتك.

فابتدأ بسليمان قاتل «علي بك الدمياطي»، فحجر عليه في القلعة، ولم يفرج عنه حتى استرجع منه ما كان أعطاه من النقود، ثم باغت من بقي من الأغنياء في القاهرة، ووضع يده على ممتلكاتهم بعد أن قتل بعضًا منهم، وبقي البعض الآخر فاستولى في يوم واحد على أموال ثمانين بيتًا من بيوت القاهرة، ووضع يده على محصولات البلاد والجمارك والقرى والمخازن حتى الحوانيت الصغيرة، فلم يبقَ ولم يذر.

وكان «كيور أحمد باشا» قد استدعي إلى الآستانة، وولي حكومة قبرص فأقيم مقامه باشا آخر سنة ١١٥٦ﻫ فعامله «إبراهيم كخيا» بالاحتقار، فحقد عليه. ثم اتفق غياب «إبراهيم» في قافلة الحج إلى مكة، فاغتنم الباشا غيابه. وتواطأ مع «حسين بك الخشاب» على مكيدة يعدانها لإبراهيم. فاتفق على أن يقوم الخشاب بقتل «إبراهيم» ورفيقه «رضوان» وأن يكافئه الباشا على ذلك بمشيخة البلد.

فلما رجع «إبراهيم» سعى «الخشاب» في إنجاز وعده، ففاز بالقبض على الاثنين، فسجنهما في القلعة، فولاه الباشا مشيخة البلد، لكنه لم يهنأ بها لأن دعاة «إبراهيم كخيا» اتحدوا وهجموا على «حسين بك» والباشا، وأخرجوا المسجونين، ففر الخشاب إلى مصر العليا واختبأ من إبراهيم في بلاد النوبة. أما الباشا، فاستدعي إلى الآستانة وعاقبه السلطان عقابًا انتهى بالموت.

(٣-٣) نشأة علي بك الكبير

وكان في حوزة «إبراهيم كخيا» أكثر من ألفي مملوك، من جملتهم «علي» الذي سيلقَّب بعلي بك الكبير ويكون له شأن عظيم لهذا التاريخ، وسترى في سيرته أنه من أفراد الدهر حزمًا وبطشًا وحكمة. وكان «علي» سلحدارًا بين مماليك «إبراهيم كخيا» وكان إبراهيم يحبه كثيرًا ويجلُّ مواهبه حتى جعله ناقل سيفه. ومما زاده تعلقًا به أنه اصطحبه إلى الحرمين في قافلة. وكان قد صار كاشفًا فسار قائدًا لتلك القافلة، فلاقاهم في الطريق عصابة من اللصوص، فدفعهم «عليٌّ» بقلب لا يهاب الموت، فلقبوه بالجنِّي. ولما رجع «إبراهيم كخيا» إلى القاهرة عزم على مكافأة «علي» برتبة بك، لكن صغر سنه ودسيسة الخشاب حالا دون ذلك.

ثم عقب ذلك مشاغل أكثر أهمية زاد الأمر تأخيرًا وذلك أنه جاء القاهرة خبر وصول باشا جديد إلى الإسكندرية بدلًا من الباشا الذي أخرج منها، وكان من عادة رجال الحكومة في مصر إذا علموا بمجيء باشا جديد أن يبعثوا وفدًا يلاقونه في الإسكندرية، وفيهم العيون والجواسيس فيحيطون به يستطلعون مقاصده ونواياه ويطلعون على ما في يده من الأوامر السلطانية، فإذا رأوا تلك الأوامر سليمة ومقاصده حسنة رحبوا به وفتحوا له الطريق حتى يصل بولاق، فيحتفل الأمراء بلقائه. أما إذا تبينوا من أحواله غير ذلك، وبلغوا الأمراء بالقاهرة فيجتمعون ويقرون إعلانه أن يقف حيث هو، ويكتبون إلى ديوان الآستانة بعدم موافقة ذلك الباشا الجديد، وأن بقاءه في مصر مخلٌّ بالنظام العمومي أو ربما حمل الرعية على الثورة. ثم يطلبون استبداله بآخر أكثر موافقة للبلاد منه.

فلما اتصل بهم خبر قدوم هذا الباشا واسمه «راغب محمد باشا» سار شيخ البلد بنفسه لاستقباله ومعه البكوات فخلع على كل واحد منهم خلعة كالمعتاد، ثم اجتمعوا جميعًا بجلسة رسمية وأقسموا على الطاعة والإخلاص لأمير المؤمنين، وأحب الأمراء «راغب باشا» محبة عظيمة لأنه عرف كيف يعامل شيخ البلد، فأحبته الرعية ومالوا بكليتهم إليه فقضى بين ظهرانَيهم سنتين كلهما سلام وطمأنينة حتى أجمع البكوات على استبقائه بينهم زمنًا. وهم في ذلك، ورد إلى الباشا خط شريف أن يسعى جهده في قطع دابر البكوات، وفي جملتهم شيخ البلد ومن يلوذ به، فاستنتج الباشا من نص ذلك الخط أن ديوان الآستانة مشتبه بتصرفه في مصر وأنه وشي إلى جلالة السلطان بأن اتفاقه مع بكوات مصر ليس إلا لعزمه على استخدامه في مآربه بالاستقلال بحكومة مصر وإخراجها من طاعة الدولة العلية، فوقع في حيرة وتردد بين أن ينفذ الأوامر الشاهانية مع ما فيها من الخطر، أو أن يعصيها، أو يؤخرها، فيعرض حياته للخطر ويؤيد التشكيات التي تقدمت بحقه.

وبعد أن نظر في المسألة من سائر وجوهها، فضَّل الفتك بأصدقائه البكوات، فتواطأ مع عصابة من رجاله أنه متى اجتمع البكوات في مجلسه، فليكونوا على استعداد للهجوم عليهم معًا عند أول إشارة.

ففعلوا ما أمرهم به، لكنهم لم يفوزوا كل الفوز لأن ثلاثة من البكوات تمكنوا من النجاة، وفي مقدمتهم شيخ البلد بعد أن جاهدوا الجهاد الحسن وأوسعوا الباشا تعنيفًا على فعلته هذه التي لم يكونوا ينتظرونها من بعد ما أظهروه نحوه من اللطف والإخلاص. فبرأ ساحته باطلاعهم على الفرمان السري الوارد له بهذا الصدد. فكفوا عن الانتقام منه، لكنهم عزلوه. وكتبوا إلى الآستانة يطلبون بدله، وعينوا ثلاثة بكوات في مكان الثلاثة الذين قُتلوا بتلك المكيدة.

واغتنم «إبراهيم كخيا» هذه الفرصة لترقية «علي» كاشفًا فرقَّاه إلى رتبة بك، فشقَّ ذلك على أحد البكوات المدعو «إبراهيم بك» شركسي المولد يعرف «بإبراهيم بك الشركسي» وكان من دعاة «إبراهيم كخيا» لكنه تظاهر عند ذلك بعداوته، ونمت بينهما الضغائن ولم تنتهِ إلا بقتل «إبراهيم كخيا» بعد ذلك بخمس سنوات بيد «إبراهيم بك الشركسي» المذكور سنة ١١٦٨ﻫ. وفي تلك السنة، تُوفِّي السلطان «محمود بن مصطفى».

(٤) سلطنة عثمان بن مصطفى

من سنة ١١٦٨–١١٧١ﻫ أو من ١٧٥٤–١٧٥٧م

هو عثمان الثالث، ولم يحكم إلا ثلاث سنوات لم يحدث في أثنائها ما يستحق الذكر في المملكة العثمانية حتى في مصر. فإن «إبراهيم الشركسي» شفى غليله بقتل «إبراهيم كخيا» لكنه لم يرو مطامعه؛ لأن مشيخة البلد انتقلت إلى «رضوان بك» صديق «إبراهيم كخيا».

ثم ظهر لرضوان منافس آخر من زعماء حزب إبراهيم يقال له «حسين بك» أصبح بعد قتل الكخيا أكبر رجال ذلك الحزب، فادعى لنفسه الأولوية بمشيخة البلد، فلم تقبل دعواه، فجمع إليه بعض دعاته المماليك، وصعد إلى قلعة القاهرة واستولى على بطارية من المدافع تشرف على بركة الفيل حيث يقيم «رضوان بك» فأطلق بعض القنابل على المنازل، فغرقت جدرانها، فتداعت أركانها و«رضوان بك» مشغول بحلاقة لحيته، فلما أحس بالأمر، طلب جواده، ولم يعلُ ظهره حتى أصيب برصاصة كسرت فخذه، وتمكن من الفرار ومعه بعض المماليك إلى قرية الشيخ «عثمان» وهناك توقف عن المسير لزيادة الألم، ومعه رئيس الضابطة، وكان مجروحًا ثم تُوفِّي الاثنان ودفنا معًا.

فسمي «حسين بك» من ذلك الحين «شيخ البلد» وأخذ يتقرب من أترابه البكوات وهم لا يزيدون منه إلا نفورًا. ولم تمضِ بضعة أشهر من توليته، حتى كمنوا له في مكان مصاطب النشاب في السهل الواقع بين القاهرة وأرض «إبراهيم بك» وكان مشتغلًا بعرض جنوده المماليك، فهمُّوا به وذبحوه ثم قطعوه إربًا إربًا وصار يعرف من ذلك الحين بحسين بك المقتول. وتولَّى مكانه «خليل بك» واشتهر بحب القتل، وكان متظاهرًا بالعداوة والحسد لعلي بك على الخصوص لاعتقاده أنه أشد أعدائه وطأة وأقواهم عزيمة.

(٥) سلطنة مصطفى بن محمد

من سنة ١١٧١–١١٨٧ﻫ أو من ١٧٥٧–١٧٧٤م

وهو «مصطفى الثالث» تولى الملك وسنه ٣٢ سنة. وكان ميالًا إلى الإصلاح، ووزَّر له «راغب باشا» وهو ذو حزم ونشاط وعمل، فأعانه فيما أراده من الإصلاحات وحفظ السلام طوال حياته. فلما تُوفِّي عادت «روسيا» إلى الحرب، وكانت «كاترينة» الثانية إمبراطورة الروس، قد تولت العرش الروسي بعد «بطرس». فعيَّنت صديقها «ستسلاس يونياتسكي» ملكًا على «بولونيا» وكان ذلك مخالفًا للمعاهدة بين «روسيا» والدولة، وإنما عمدت «كاترينة» إلى خرق هذه المعاهدة عملًا بوصية «بطرس الأكبر» وهي تقضي أن يبذل الروس جهدهم في إزالة الحواجز الثلاثة الحائلة بينهم وبين أوربا الغربية، وهي «أسوج» و«بولونيا»، و«الدولة العثمانية». وقد أزيل الحاجز الأول باستيلاء «الروس» على الولايات الأسوجية الفاصلة بينها وبين «ألمانيا»، وأزيل الثاني تقريبًا بتعيين أحد أتباع الإمبراطورة على «بولونيا»، ولم يبقَ إلا إزالة الدولة العثمانية من «أوربا».

فنبهت الدولة لهذا الخطر، لكن بعد فوات الفرصة؛ إذ كان ينبغي لها أن تنجد شارل الثاني عشر على «الروس» ولكنها عمدت إلى استدراك ما فات، وفتحت حربًا طال أمدها، وتعاظم لهيبها، وبذلت كل من الدولتين جهدها في التغلب، وأرسلت «روسيا» عمارتها إلى البحر الأبيض لمصادرة السفن العثمانية وضرب الثغور العثمانية فاغتنم «علي بك الكبير» تلك الفرصة، واستعان «بالروس» على استقلاله بمصر في الدولة العثمانية، كما سيجيء

وكان «علي بك» كثير الإخلاص «لإبراهيم كخيا» لا ينفك ساعيًا في الانتقام له، ولكنه كان يرى السبيل الأقرب والأسهل لبلوغ مرامه، إنما هو القوة، فأخفى ما في ضميره ثماني سنوات، اشتغل في أثنائها بجمع القوة، فابتاع عددًا وافرًا من المماليك، ووطد علائقه مع البكوات الآخرين واكتسب ثقتهم بما كان يُظهره من الغيرة عليهم والإخلاص لهم، وما كان يكرمهم به من الهدايا. وما زال يخطو خطوة بعد أخرى حتى اقترب من النقطة المطلوبة، فأوجس «خليل بك» خيفة منه، وجعل يتجسس حركاته بالأرصاد والعيون، ويعد المكائد في شوارع «القاهرة». ففي ذات يوم هجم عليه «حسين كشكش» بأمر «خليل بك» وبعد واقعة هائلة اضطر «علي بك» أن يفر إلى الصعيد في طائفة من أصدقائه البكوات، يستعد للانتقام مضاعفًا.

فصرح «خليل بك» أن «علي بك» وأتباعه البكوات مجردون من رتبهم وحقوقهم، وولى مكانهم بكوات من ذويه، وقتل من ظفر به في القاهرة من أصدقاء «علي بك» أو المنتمين إليه. أما «علي بك» فالتقى في الصعيد بواحد من مماليك «مصطفى أنور» يدعى «صالح بك» كان منفيًّا هناك وفي قلبه من «خليل بك» حزازات فاتحد الاثنان ورجالهما وزحفا على «القاهرة» فخرج «خليل بك» و«حسين بك كشكش»، فدارت رحى الحرب، فكان الفوز «لعلي» ورفيقه، فطاردا «خليل بك» ورجاله حتى قطعوا مديرية «القليوبية» وأوصلوهم إلى المسجد الأخضر على ضفاف النيل، واشتد الكفاح هناك، فالتجأ «خليل بك» ورجاله إلى «طنطا»، فبعث «علي بك» كاشفه «محمد» الملقب «بأبي الذهب» ليهاجمهم، فهاجمهم، واستلم «طنطا» بعد أن قتل «حسين كشكش». أما «خليل بك» فاختبأ بالمسجد وبقي فيه، وقد غلبه الجوع، ثم قُبض عليه، ونفي إلى «الإسكندرية» وخنق هناك، ونقلوا رءوس القتلى إلى القاهرة، وطافوا بها في أسواقها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠