الدور الثالث لسيادة الدولة العثمانية على مصر أو علي بك الكبير

من سنة ١١٧٧–١١٨٥ﻫ أو من سنة ١٧٦٣–١٧٧٢م

فتمكَّن «علي بك» بهذا الانتصار من استلام مشيخة البلد «في القاهرة» سنة ١١٧٧ﻫ، وأول أمر باشره قتل «إبراهيم الشركسي» الذي قتل سيده، فثارت عليه أحزابه يطلبون الانتقام، وهم عديدون، فخاف علي بك على حياته ففر إلى «سوريا» والتجأ إلى متسلم (حاكم) بيت المقدس، وكانت بينهما صداقة قديمة إلا أن هذا الملجأ لم يحمِه إلا شهرين؛ لأن أعداءه البكوات لما علموا بمقره شكوه للسلطان «مصطفى» وأخبروه بمقره. فأنفذ إلى متسلم القدس فرمانًا يأمره به أن يرسل «علي بك» مخفورًا إلى الباب العالي.

فعلم «علي بك» بذلك، ففر إلى «عكا»، وهناك اكتسب صداقة الشيخ «ضاهر العمر» أمير تلك المدينة الحصينة فأكرم وفادته وسعى في تبرئته أمام الباب العالي، وبمساعدة نصرائه من أصدقاء «إبراهيم كخيا» اكتسب له العفو من الحضرة السلطانية، فألغيت الأوامر بالقبض عليه، وأعيد إلى «القاهرة» بمنصبه الأول.

وفي سنة ١١٧٩ﻫ — أي بعد ذلك بسنتين — هدد «علي بك» بالإقالة من ذلك المنصب؛ وذلك أن «محمد راغب باشا» الذي كان على مصر وعزل منها «علي ماهر بك» كان يتذكَّر كرم أخلاق «علي بك» منذ كان كاشفًا، فبعد استقالته من مصر، ولي بر الأناطول، وبعد تسع سنوات صار صدرًا أعظم، وما انفك متذكرًا صداقة «علي بك» لا يفتر عن معاضدته، وتسهيل مطالبه سرًّا وجهرًا.

ففي سنة ١١٧٩ﻫ، تُوفِّي الوزير «محمد راغب باشا» المذكور، فأصبح «علي بك» في حاجة لمن يعضده، فاغتنم أعداؤه هذه الفرصة، ووشوا به إلى الآستانة، فاضطر أن يفر إلى اليمن. ولم تأتِ سنة ١١٨٠ﻫ حتى عاد إلى القاهرة، واسترجع منصبه بمساعدة أحزابه وموت أربعة من دعاة «إبراهيم الشركسي». ثم تراءى له أن صديقه «صالح بك» تحدثه نفسه بخرج حرمة الصداقة، واتباع داعي المطامع الشخصية، فوكل أمر قتله إلى «إبراهيم كاشف» أحد أتباعه، فقتله طعنًا. وسترى أن «إبراهيم» هذا سيرتقي حتى يتولى مشيخة البلد.

ورأى «علي بك» أن قبائل العربان في مصر السفلى قد شقت عصا الطاعة، فأنفذ إليها أحد مماليكه المدعو «أحمد» في فرقة من الرجال، فحارب أولئك العربان، وأمعن في قتلهم حتى لقبوه بالجزار، وهو الذي تولى «عكا» بعدئذٍ واشتهر «بأحمد باشا الجزار». أما من بقي من أعداء «علي بك» فخافوا ولزموا السكوت. وتحقق تخلصه من القلاقل والمفاسد والمقاومات، ورأى من باب الاحتياط والحرص أن يرقي ثمانية عشر مملوكًا من أتباعه إلى رتبة البكوية لينصروه وقت الحاجة، وهي أسماؤهم:
  • (١)

    رضوان (ابن أخيه): من جورجيا.

  • (٢)

    علي الطنطاوي: من جورجيا.

  • (٣)

    إسماعيل: من جورجيا.

  • (٤)

    خليل: من جورجيا.

  • (٥)

    عبد الرحمن: من جورجيا.

  • (٦)

    حسن: من جورجيا.

  • (٧)

    يوسف: من جورجيا.

  • (٨)

    ذو الفقار: من جورجيا.

  • (٩)

    عجيب: من جورجيا.

  • (١٠)

    مصطفى: من جورجيا.

  • (١١)

    أحمد الجزار: من أماسيا.

  • (١٢)

    سليم أغا: إنكشاري.

  • (١٣)

    سليمان كخيا: إنكشاري.

  • (١٤)

    لطيف الشركسي: شركسي.

  • (١٥)

    عثمان: شركسي.

  • (١٦)

    إبراهيم: شركسي.

  • (١٧)

    مراد: شركسي.

    ولهذين الأخيرين شأن في هذين التاريخ لأنهما سيتنازعان السلطة بمصر.

  • (١٨)

    محمد.

وكان يعز محمدًا أكثر من الجميع وستراه رجلًا عقوقًا منكرًا للجميل. ولما تقلد البكوية لقِّب بأبي الذهب، فأحب أن يجعل هذا اللقب اسمًا على مسمًّى، فتظاهر بالكرم المفرط وبدلًا من أن يفرق العطايا بالبارات، فرقها بالأرباع.

أما «علي بك» فكان ساهرًا مصلحة البلاد سهرًا تامًّا، وكان مخلصًا في أعماله، فطهَّر البلاد من اللصوص، وسعى جهده في إصلاح شئونها، فساد الأمن فيها بعد أن كانت معرضًا للقلاقل والمفاسد. ولم تقف مطامع «علي بك» عند هذا الحد، فإنه رأى من تحامل الواشين بينه وبين ديوان الآستانة، وإيقاع ذوي الأغراض به وبسلطته، ما حمله على السعي في الاستقلال بمصر، وتجريدها من رعاية الدولة العثمانية، لكنه كتم مقاصده، وجعل يسعى في تنفيذها تحت طي الخفاء.

(١) مساعيه في سبيل الاستقلال

وأول خطوة خطاها نحو هذه الغاية، أنه انتحل أسبابًا بنى عليها عزل مستخدمي الملكية والجهادية ورؤساء الوجاقات، واستبدلهم برجال على دعوته إلا وجاق الإنكشارية فإنه لم يمسه بعد أن تمكن من استبقائه تحت حمايته وسد جميع السبل التي يمكنه بها التطرق إلى مقاومته. وأخَّر دفع مرتبات الوجاقات الأخرى عمدًا، وصار يدفع رواتبهم أقساطًا عملة ورق بول كانت تخسر المائة منها تسعين، فكان يربح أرباحًا عظيمة باسترجاع الورق بالأثمان البخسة، وصرفه ثانية بثمنه الأصلي. فلما رأت رجال الوجاقات أنهم لا يستولون من ماهياتهم إلا على العشر، كرهوا الاستخدام بالعسكرية، وجعلوا يستقيلون منها شيئًا فشيئًا ويتعاطون أشغالًا أخرى أكثر فائدة لهم.

ثم سعى في تقليل العساكر العثمانية واستخدام المماليك من دعاته حتى صاروا نحو ستة آلاف. وحظر على سائر البكوات والكشاف الذين يخشى تغيرهم عليه أن يقتني أحدهم أكثر من مملوك أو مملوكين. وكان على ولاية مصر إذ ذاك «محمد باشا» فأزعجته إجراءات «علي بك» وخشي عاقبتها، فنصح له أن يقف عند حده، فلم يكترث بقوله، فأقر على مقاومته لأن هذه الإجراءات مضادة لمصلحة الباب العالي. ولكنه لم يكن يستطيع المجاهرة بمقاصده هذه، فأخذ يدسها سرًّا، واتحد مع من بقي من دعاة «إبراهيم الشركسي» وأجمعوا على الانتقام من «علي بك»، ثم جعلوا يسعون فسادًا بين أحزابه واستجلبوا بعضًا منهم إلى جانبهم بالمواعيد المبنية على الحسد والطمع. وفي جملة هؤلاء «محمد بك أبو الذهب» الذي طمره «علي بك» بفضله حتى أزوجه ابنته، وكان يناديه كما ينادي أولاده. ولم يكونوا يستطيعون تنفيذ مآربهم جهارًا، فأغروا صهره «محمد بك» المذكور بالمال ووعده أنه إذا قتل «علي بك» يتولى المشيخة مكانه، فقبل.

لكنه علم بعدئذٍ أنه يقصر عن مناوأة «علي بك» واستعظم الجناية، فعدل عنها إلى جناية تقرب منها، وذلك أنه شكى إلى «علي بك» معاملة الباشا له، فأسرع إلى إنقاذه منه، وما انفك عن الباشا حتى أخرجه من مصر، فعاد إلى الآستانة، ولم يزدد «علي بك» إلا ثقة في «محمد بك أبو الذهب» وإخلاصه له، رغم ما كان ينقل إليه عنه من السعي ضده.

وفي سنة ١١٨٢ﻫ، انتشبت الحرب بين روسيا والدولة العلية، فبعثت هذه إلى مصر أن تمده باثني عشر ألفًا، فوصلت الأوامر لعلي بك بذلك ومشروعه لم ينضج بعد، فلم يسعه إلا مباشرة ما أمر به لما ابتدأ بجمع الجنود، أما أعداؤه فاغتنموا تلك الفرصة للوشاية، فضموا إليهم الباشا الجديد الذي كان قد أرسل إلى القسطنطينية بدلًا من الباشا الذي أخرجه «علي بك». واتفقوا جميعًا على كتابة تقرير أمضاه الباشا وسائر البكوات أعداء «علي» يشون به إلى الديوان الشاهاني بدعوى أنه إنما أراد بما يجمعه من الجيوش معاضدة روسيا للاستقلال بمصر، فأنفذ الديوان الشاهاني إلى الباشا أمرًا مشددًا أن يقتل «علي بك» ويرسل رأسه إلى الآستانة.

فاتصل ذلك لعلي بواسطة أصدقائه بالآستانة فبعث «علي بك طنطاوي» أحد دعاته في عشرة من أتباعه المماليك، متنكرين بلباس البدو ويكمنون على مسافة قصيرة من القاهرة حيث لا بد للقابجي باشي حامل ذلك الفرمان من المرور به، فمكثوا هناك ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع بان لهم القابجي ومعه أربعة رجال، فوثبوا بهم وقتلوهم وطمروهم بالرمل، وأخذوا ملابسهم والفرمان وصاروا إلى «علي» فقرأه.

ثم جمع إليه ديوان البكوات العمومي وأطلعهم عليه وأقنعهم أن ذلك ليس لقتله وحده بل لقتلهم جميعًا. ثم خاطبهم قائلًا:

دافعوا إذن عن حياتهم وحقوقهم واعلموا أن مصر ما برحت منذ القدم يحكمها دول من المماليك كانوا سلاطين أشداء تفاخر بهم الأرض السماء فأعيدوها إليهم وهذه فرصة لا يضيعوها. فإنهم لن تعثروا عمركم على فرصة مثلها. هلم إذن نسعى في الاستقلال، فإن فيه حياتنا وحريتنا.

(٢) استقلال علي بك بمصر

فتأثر البكوات من فصاحة «علي» وبلاغته، وكانوا ثمانية عشر، قد أجمعوا على دعوته، فعاهدوه على الدفاع عنه ما استطاعوا إلى الدفاع سبيلًا. أما سائر الأمراء المماليك من أعدائه فخافوا العاقبة، ولزموا السكوت، فكتب ديوان «علي بك» أمرًا إلى الباشا أن يبرح الديار المصرية في ٤٨ ساعة، وإذا لم يفعل؛ يقتل وأن مصر قد أصبحت مستقلة. وبعث علي إلى الشيخ «ضاهر العمر» أمير عكا يعلمه رسميًّا باستقلال مصر، ويدعوه للمساعدة في ذلك. فأجابه الشيخ ضاهر مسرورًا، وجمع إليه رجاله ورجال بنيه السبعة وصهره. وانضم الجميع إلى جنود «علي» وكان قد أضاف إلى الستة الآلاف التي عنده من المماليك الاثني عشر ألفًا التي جمعت مددًا للعثمانيين، وأضاف إلى هذه أيضًا رجال أصدقائه البكوات حتى رجال أعدائه لأنهم لم يعد يسعهم إلا طاعته.

فاتصل ذلك بالآستانة، فأرسل الباب العالي أمرًا إلى والي دمشق أن يسير في ٢٥ ألفًا لمنع جنود عكا من معاضدة «علي» فسار الوالي في ذلك العدد من الرجال، فلاقاه الشيخ «ضاهر» في ٦ آلاف بين لبنان وبحيرة طبرية، ورده على أعقابه سنة ١١٨٣ﻫ. وكانت هذه الواقعة آخر الوقائع لأن الباب العالي أمسك بعدها عن إرسال الجند كأنه نسي علاقته مع «سوريا» و«مصر» بالكلية.

أما «علي» فاغتنم اشتغال الدولة العلية بالمحاربة مع روسيا وصرف عنايته في تنظيم مملكته الجديدة، وإصلاح داخليتها من الخلل. فخفض الضرائب وجعل على المالية مدير الكمرك القديم المعلم «ميخائيل فرحات القبطي» بدلًا من يوسف بن لاوي الإسرائيلي، وكان قد قُتل جزاء خيانته. ونظم التجارة الخارجية والمواصلات، وأبعد العربان إلى الصحراء، فاستولى الأمن وانتشر الإصلاح في القطر، فزادوا على ألقاب «علي» لقب بلوط قبان — مبيد اللصوص.

(٣) قبيلة الهوارة

وكان في جملة القبائل الثائرة على «مصر» قبيلة «الهوارة» وهي أشدهن بأسًا وأطول باعًا، جاءت في الأصل من ضواحي تونس الغرب، واستقرَّت بين «جرجا»، «فرشوط» في بقعة من الأرض لم تكن تصلح للزراعة. فاعتنوا فيها حتى أنشئوا عدة قرى. وما زالوا ينشرون سطوتهم حتى احتلوا البقاع بين هوارة وكفر الشيخ سليم.

ثم اغتنم الشيخ «هامان» — شيخ الهوارة — اشتغال مصر بما تقدم، ووضع يده على البلاد من «أسيوط» إلى «أصوان» وجمع إليه محصولاتها، وكان قد حارب هذه القبيلة كثيرون ممن تولوا مصر قبل «علي» وفرضوا عليها ضريبة مقدارها ٢٥٠ ألف أردب من الحنطة توردها سنويًّا إلى مصر.

ففي سنة ١١٨٣ﻫ، أرسل «علي بك» صديقه «محمد بك أبا الذهب» لمحاربة الشيخ «هامان» وقبيلته فحاربهم وتغلب عليهم في أواخر تلك السنة. فاضطر أبناء الشيخ أن يبتاعوا حياتهم بما لديهم من ثروة أبيهم، فربح «أبو الذهب» من ذلك مالًا كثيرًا ثم أسرع إلى «القاهرة» لما علمه من الدسائس التي كان ساعيًا بها رفيقه «أحمد بك الجزار» على «علي بك» وكأنه لم يكن يريد أن يشاركه أحد بالدسائس على سيده.

وكان «أحمد الجزار» ينظر إلى أبي الذهب نظره إلى عدو يناظره في ارتكاب الدنايا، فسعى في قتله، فلم ينجح. وكان لأحمد الجزار سيف مشهور بطيب فولاذه، وإتقان صنعه، فاتفق يومًا أنه اجتمع «بمحمد أبي الذهب». فقال له «محمد»: «أرني حسامك لأجرِّبنَّ فرِنْدَه»، فأجابه أحمد: «لا يستل حسامي حتى يستباح قتيل»، ثم نهض للحال، وغادر القاهرة قاصدًا «القسطنطينية» فوصلها. ثم عهدت إليه ولاية «عكا» بعد ذلك، وما زال بها حتى توفاه الله.

(٤) فتوح علي بك ومعاهداته

أما «علي بك» فبعد أن تغلب على الصعيد، ثار في خاطره حب الافتتاح، فجرد على «اليمن» جيشًا تحت قيادة «محمد أبي الذهب» فسار في عشرين ألفًا، فقطع برزخ السويس، ومضيق العقبة، ولم يبقِ على أحد من القبائل التي حاولت الوقوف في طريقه، وما زال حتى أتى اليمن وافتتحها.

وأمر «علي» فسار «إسماعيل بك» في ثمانية آلاف لافتتاح السواحل الشرقية للبحر الأحمر و«حسن بك» لافتتاح «جدة»، ولقب الجداوي إشارة إلى انتصاره على تلك المدينة، وما زال يعرف بهذا اللقب من ذلك الحين. ولم تمضِ ستة أشهر حتى افتتحت جزيرة العرب، وفي جملتها «مكة المشرفة» ولحق بها نهب شديد وأنزل شريفها، وأقيم مقامه ابن عمه الأمير «عبد الله» فوافق عليًّا على سلطته وسمَّاه «سلطان مصر وخاقان البحرين»، فعل ذلك بصفته الدينية تملقًا لعلي.

فلما حصل «علي بك» على ذلك من شريف مكة، أخذ يتمتع بحقوق السلطنة، فأمر أن يخطب باسمه في الصلوات العمومية أيام الجمعة، وضربت النقود باسمه سنة ١١٨٥ في القاهرة — كما سنرى.

وسعى «علي بك» في هذه السنة في أمر سيق به إلى حتفه؛ وذلك أنه عهد إلى «محمد أبي الذهب» أن يسير في ثلاثين ألفًا لإخضاع بلاد الشام لأنه كان يعتبر هذه الولاية بعد خروجه من طاعة الدولة العلية عدوًّا قريبًا يخشى منه على نفسه وعلى صديقه ومحالفه الشيخ «ضاهر» وكان ينظر إلى «سوريا» كأنها جزء طبيعي من مملكة مصر. وكانت في الواقع قسمًا منها في سائر أزمنة التاريخ التي كانت فيها مصر مستقلة، في الدولة الطولونية والفاطمية والأيوبية والمماليك وغيرها.

وسعى «علي بك» في التحالف مع الدول التي بينها وبين الآستانة عداوة، فاستخدم تاجرًا إيطاليًّا اسمه «روستي» عقد له معاهدة سلمية مع البندقيين على أن يكونوا حلفاءه، ثم عهد إلى رجل أرمني اسمه «يعقوب» أن يستطلع من الكونت «ألكسيس أورلوف» قومندان القوات الروسية في البحرين (المتوسط والأسود) عن عقد معاهدة دفاعية هجومية مع قيصرة الروس «كاثرينا الثانية». فأجاب الكونت بالإيجاب وفتحت المخابرات بشأن ذلك، وطال أمرها كثيرًا لبعد المسافة بين الطرفين.

أما جنود «علي بك» في سوريا، فصاحبها الظفر واتحدت بجنود الشيخ «ضاهر» فاستولوا على «غزة» و«الرملة» و«نابلس» و«القدس» و«يافا» و«صيدا»، وأخيرًا حاصروا «دمشق» ولم تلبث يسيرًا حتى سلمت.

(٥) خيانة أبي الذهب

فلما رأى «محمد أبو الذهب» تمام هذه الفتوح العظيمة على يده، حدثته نفسه أن يجعلها لنفسه، ثم قادته مطامعه إلى محاربة علي، واستخراج مصر من يده، ويظن أنه لم يقدم على ذلك من تلقاء نفسه، وإنما حمل عليه بأوامر جاءته من الآستانة لأن المخابرات السرية كانت متواصلة بينه وبينها بواسطة الباشا الذي أخرجه علي من مصر، فأمسك «محمد» عن المسير في البلاد العثمانية، وحول شكيمة مقاصده نحو الديار المصرية، فجمع ما كان لديه من الجيوش، وضم إليها الحاميات التي كان قد أقامها في المدن المفتتحة، وسار قاصدًا مصر، لكنه لم يجسر على المسير إلى القاهرة رأسًا خوفًا من الإنكشارية والوجاقات الأخرى لعلمه بما في قلوبهم من الضغينة عليه. فعرج نحو الصحراء حتى أتى الصعيد، فحط رجاله هناك، واستولى على أسيوط في آخر يوم من سنة ١١٨٥ﻫ. ثم استقدم قبائل العربان وطلب محالفتهم ومحالفة بكوات الصعيد، وجاهر بعزمه على خلع «علي بك». وسار قاصدًا القاهرة، فوصلها في أوائل سنة ١١٨٦ﻫ، فنزل بجيشه تجاه البساتين فوق مصر القديمة.

فلما علم «علي بك» ندم على ما وضعه من الثقة في رجل كان له أن يعتبر من سيرته الماضية أنه على غير الإخلاص والاستقامة، فجند ٣ آلاف رجل بقيادة «إسماعيل بك» وأمرهم أن يمنعوا محمدًا من عبور النيل، فسار إسماعيل، لكنه خاف سطوة عدوه، وورد عليه كتب مفعمة بالمواعيد يمازجها بعض التهديد فأخذ جانبه، وضم جيشه إلى جيشه فقطع «محمد بك» النيل، فاستقبله رجال إسماعيل بالترحاب، فاتصل ذلك بعلي فيئس من الفوز، فانقطع إلى القلعة بأهله وأصدقائه ورجال دعوته، وقد عزم على المدافعة إلى آخر نسمة من حياته.

(٦) علي بك في عكا

وبعد ثلاثة أيام، ورد إليه كتاب من الشيخ «أحمد» أحد أبناء صديقه الشيخ «ضاهر» أن يبرح القاهرة حالًا ويأتي إلى أبيه في «عكا»، فخرج علي من القلعة بمن معه وسار من جهة الجبل الأحمر طالبًا سوريا عن طريق الصحراء. وكان خروجه قبل دخول «محمد بك» القاهرة بيوم واحد؛ أي مساء ٩ محرم سنة ١١٨٦ﻫ — وهذه هي المرة الثالثة لخروجه منها إلى «سوريا» وفي معيته عدد يسير من الجند لا يبلغ ستة آلاف معظمهم من الخدمة الذين لا يستطيعون الدفاع، ولم يحمل معه من المال إلا ثمانمائة ألف زر محبوب يحملها ٢٥ جملًا، ونقل معه المصوغات والحلي ما يساوي أضعاف ذلك.

وما زالوا في المسير ليلًا ونهارًا حتى وصلوا إلى خان يونس في حدود سوريا بعد ثلاثة أيام. فرأوا أن خمسة من الجمال الحاملة النقود قد ذهبت فريسة بيد القبائل البدوية، وأن عددًا من رجاله فروا، ومعهم «يوسف الخزندار». وفي اليوم التالي دخل «علي بك» غزة، ثم واصل السير حتى أتى «عكا» بعد ثمانية أيام، فرحب به أميرها وكانت بينهما مودة شديدة، فاطمأن «علي بك» هناك. غير أن ما تكبده من المشاق في الأسفار مع ما أثر في نفسه من الغيظ الشديد غيَّر صحته، فلم يصل «عكا» إلا وهو في حالة الخطر من شدة المرض.

وفي أثناء ذلك وصل ميناء عكا أسطول روسي، فلما علمت حاميته بما حلَّ «بعلي بك» عقدوا معه معاهدة ثانية وقدموا له كل ما يحتاج إليه من المؤن والذخائر. وكان في خدمة ذلك الأسطول فرقة من الألبانيين مؤلَّفة من ثلاثة آلاف رجل، فأمدوه بهم. فلما رأى «علي بك» ما كان من نجدة الروسيين مع ما يمكنه الحصول عليه من جنود الشيخ «ضاهر» عزم على مناوأة «أبي الذهب» لكنه لم يكن يستطيع مباشرة ذلك بنفسه لانحراف صحته، فعهد إلى «علي بك الطنطاوي» بعد ثلاثة أشهر أن يسيروا أولًا لاسترجاع المدن السورية التي دخلت في حوزة «محمد أبي الذهب» فسار واستولى على «صور» و«صيدا» وقرى أخرى من سواحل سوريا كانت قد احتلتها جنود عثمانية بعد انسحاب جنود «أبي الذهب».

ثم سار «علي» بنفسه مع من بقي من الجند إلى «يافا» وافتتحها بعد محاصرة خمسة أشهر استولى في أثنائها على «غزة» عنوة وعلى «الرملة» و«اللد» تسليمًا. فأعاد «يافا» إلى حكومة الشيخ «ضاهر» وجعل على «اللد» «حسن بك» الجداوي، وعلى الرملة «سليم بك».

(٧) محمد بك أبو الذهب

وفي ٩ القعدة سنة ١١٨٦ﻫ، كان «علي بك» في «يافا» فجاءته رسل من القاهرة بمهمة سرية من وجاق الإنكشارية والوجاقات الأخرى، وسائر أعيان القاهرة: أن «محمد أبا الذهب» دخل القاهرة حالما خرج هو منها، وسمَّى نفسه شيخ البلد، وجعل يعيث في البلاد عيثًا لم يسبقه إلى مثله أحد ممن تولى مصر قبله، فجعل الضرائب ضعفين، وبعضها ثلاثة أضعاف، ثم اختلق قانونًا غريبًا دعاه: قانون رفع المظالم، والمقصود منه بحسب الظاهر إنقاذ ملتزمي الأموال الأميرية من الإجراءات الاستبدادية التي كان يسومهم إياها الكشاف إلى ذلك العهد واستبدالها بما يعود بالمنفعة. والحقيقة أن الضرائب ما انفكت أشد وطأة من ذي قبل، والإجراءات لم تزد إلا استبدادًا فضلًا عما رافق ذلك من الفتك بالعباد قتلًا ونهبًا.

ثم قالوا إن مصر بجملتها لما رأت ما وصلت إليه من الانحطاط، وما لحق بأهلها من المظالم التي ما أنزل الله بها من سلطان قد أنابتهم أن يبلغوا «علي بك» أنها بصوت واحد تلتمس رجوعه ليحكم فيها لأنه هو منقذها الوحيد، وأن مدينة القاهرة مستعدة أن تفتح أبوابها لاستقبال أميرها القديم وأن تدافع عنه الدفاع الممكن إذا حاول «محمد بك أبو الذهب» ما يخالف الصوت العمومي.

(٨) خروج علي بك لمحاربة أبي الذهب

فلما علم «علي بك» بكل ذلك، شعر أن آماله عادت إليه وبرح «يافا» للحال قاصدًا القاهرة، وما يكن معه من الجنود إلا ألفان وخمسمائة، فاستنجد حاميات «اللد» و«الرملة» وانضم إليهم جنود الشيخ «ضاهر» وجنود ابنه الشيخ «شبلي» وصهره الشيخ «كريم»، و«حسن» شيخ صور. وكان قد استأجر ثلاثة آلاف وخمسمائة من المغاربة، فكان عدد جنوده جملة ثمانية آلاف محارب.

ففي ١١ محرم سنة ١١٨٧ﻫ، وصل «علي بك» إلى خان يونس، وفي ١٦ منه اقترب من «الصالحية»، وفي ١٨ منه التقى بمقدمة جيوش «محمد أبي الذهب» وعدتهم اثنا عشر ألف مقاتل. وبعد محاربة بضع ساعات ظهر «علي بك» عليهم وقتل عددًا غفيرًا من رجالهم. فانفتحت له أبواب «الصالحية» فدخلها وقد أصيب بجروح بليغة.

ثم علم أن اعتماده على أحزابه في القاهرة لا يورثه إلا الخيبة؛ لأن أبا الذهب كان قد جمع إليه كبراء البلاد ورجال حكومتها لما علم بمظاهرتهم «لعلي» وأقنعهم أن «علي بك» قد غدر الأمة وخان الوطن وأباح دماء المسلمين بمعاهداته مع الروسيين وغيرهم من الأمم النصرانية، واستخدم «أبو الذهب» في سبيل إقناعهم الدرهم الوضاح، فانحازت إليه القوات العسكرية إلا وجاق الإنكشارية، فإنه ظل على ولاء «علي بك».

فلما تحقق «أبو الذهب» اجتماع الأحزاب على دعوته أمن الاضطراب الداخلي فسار بنفسه لمحاربة علي.

أما «علي» فانزعج لتلك الأحوال انزعاجًا كثيرًا فضلًا عما كابده من المشاق في السفر، وقطع الصحراء، وزد على ذلك الجروح التي أصابته في واقعة «الصالحية»؛ فأصيب بحمى شديدة عجز معها عن ركوب جواده وقيادة جنوده. وفي ٢٠ محرم سنة ١١٨٧ﻫ، علم بمجيء «أبي الذهب» وهو على ما تقدم من المرض فلم يتردد في وجوب الدفاع. فأمر قواده، فانتظمت رجاله على قلتها وتهيأت للدفاع. وكان على أحد جناحي الجيش «علي بك الطنطاوي» ومن معه من البكوات، وعلى الجناح الآخر ابن الشيخ ضاهر وصهره، فاستظهرت جنود علي بادئ الرأي حتى قاربت الفوز التام.

ثم أرسل «أبو الذهب» بعض جواسيسه إلى المغاربة في جيش علي يغريهم على خيانة رئيسهم، فوافقوه، ووافقه غيرهم كثيرون من بكوات علي، وفي جملتهم «إبراهيم بك» و«مراد بك» وهذا الأخير اشترط أن يأخذ مقابلًا لخيانته هذه ما يخلفه «علي» من المتاع والنساء، وخصوصًا امرأته «نفيسة»، وكان «علي» يحبها ويحترمها لما كانت عليه من الفطنة والجمال. فلما انتشبت الحرب في الصباح التالي، انحاز جميع المغاربة والبكوات الذين خانوا، إلى عسكر «أبي الذهب» وكانت جنود «علي بك» قريبة من الفوز. فلما رأت تلك الخيانة تضعضعت، وفر الجند يطلبون النجاة بأنفسهم بعد أن قتل «علي بك الطنطاوي» و«الشيخ شبلي» ونجا «الشيخ كريم» والشيخ «حسن» و«رضوان بك» من المعركة وساروا إلى فسطاط «علي بك» وأعلموه بما حصل، وطلبوا إليه أن يمتطي فرسه، ويسير برفقتهم إلى غزة، حيث يلاقيهم الشيخ «ضاهر» بمن معه من الجند.

(٩) مقتل علي بك

أما «علي بك»، فأبت نفسه الإصغاء لما أرادوا، فجلس بباب خيمته وقال لهم: «إني ملازم هذا الموضع لا أبرحه حتى تبرحني نفسي؛ لأن الموت هنا أفضل عندي من الفرار، أما أنتم إذا شئتم النجاة بأنفسكم، فبادروا إلى الفرار قبل أن يغشاكم ما ربما لا تقوون على دفعه.»

فاضطر ابن أخيه ورجاله الباقون أن يذعنوا لما أمر، فودعوه، وحولوا الأعنَّة في طريق خان يونس، قاصدين «غزة» فلقوا الشيخ «ضاهرًا» هناك، فأعلموه بما كان، وبوفاة ابنه فأسف كثيرًا.

ومكث «علي بك» بعد ذهاب أصدقائه بضع ساعات ينتظر منيته، وبجانبه عشرة من مماليكه وإذا بخمسين رجلًا تحت قيادة الكخيا؛ نائب «محمد أبي الذهب»، قد وصلوا الخيمة ودخلوها وقتلوا من كان فيها من المماليك. ثم وثبوا على «علي»، وكان المرض مشتدًّا عليه وفيه جروح، لكنه نهض بسيفه فقتل أول قادم عليه، وجرح اثنين آخرين فخاف الباقون الاقتراب منه، فأطلقوا عليه البنادق فجرحوه جروحًا بليغة في زراعه اليمنى وفخذه، فجعل يدافع بيسراه دفاعًا شديدًا إلى أن وثب عليه الكخيا بنفسه، فدافعه «علي» حتى أصيب بذراعه اليسرى، وفي أماكن أخرى، فسقط على الأرض وهو لا ينفك عن الدفاع، فتكاثرت عليه الرجال حتى أمسكوه حيًّا، وساروا به إلى «محمد أبي الذهب» وطرحوه عند قدميه فأمر بحمله إلى القاهرة، فحملوه إليها، وأنزلوه في داره بدرب عبد الحق في شارع البكري — وراء صندوق الدين — فلبث فيها سبعة أيام ثم توفاه الله. وقد قال بعضهم إن «أبا الذهب» أدخل السم في جراحه فقتله — والله أعلم — ودفنوه بتربة أستاذه «إبراهيم كخيا» بجوار الإمام الشافعي. وكان لموت هذا الرجل تأثير عظيم في قلب كل من عرفه حتى إن أبا الذهب نفسه لم يسعه إلا الندم في سره، لما فرط منه، وما أتاه من نكران الجميل وارتكاب مثل هذه الخيانة.

(١٠) مناقبه

ومن مناقب «علي بك» أنه كان عظيم الهيبة حتى اتفق لأناس أنهم ماتوا خوفًا من هيبته، وكانت تأخذ الرعدة بعضهم بمجرد المثول بين يديه، فيأخذ هو بتلطيف رعبه فيقول: «هوِّن عليك!» وكان صحيح الفراسة، شديد الحذق، يفهم ملخص الدعوى الطويلة بين المتخاصمين، ولا يحتاج في التفهيم إلى ترجمان أو من يقرأ له الصكوك والوثائق، بل يقرؤها هو بنفسه، ولا يختم ورقة حتى يقرأها ويفهم فحواها.

(١٠-١) مآثره

البناية العظيمة «بطنطا»، وهي المسجد والجامع والقبة على مقام السيد البدوي، والمكاتب والميضاة الكبيرة، والحنفيات، والمنارتان العظيمتان، والسبيل المواجه للقبة، والقيسارية العظيمة. وجدد أيضًا قبة الإمام الشافعي، وبنايات ووكالات في بولاق مصر، ولا يزال هذا الرجل مميزًا عن المؤرخين بلقب الكبير، فيدعونه: «علي بك الكبير».

وقد ضرب نقودًا باسمه بمصر، وقد أضاف اسمه إلى اسم السلطان أحمد خان على الطغراء اسم السلطان المذكور، واسم «علي» على الجانب الآخر.

وبموت «علي بك» انتهى الدور الثالث من سلطة العثمانيين على مصر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠