حركة المقاومة في الأدب العربي الحديث

لم يكد المستعمر البريطاني يمس الأرض العربية في مصر (١٨٨٢م) حتى انعكس حضوره على الأدب في صور شتى من المقاومة، يمكن تقسيمها من حيث الصفة الغالبة عليها مراحل ثلاثًا، كان للمقاومة في كل مرحلة منها خاصة مميزة، أما المرحلة الأولى فقد امتدت من لحظة الاحتلال إلى نهاية الحرب العالمية الأولى، جاءت المقاومة خلالها تنبيهًا مباشرًا للناس أن يستيقظوا للخطر الداهم، الذي أحاق بالوطن وبالعقيدة، وأما المرحلة الثانية فقد امتدت خلال فترة ما بين الحربين، وفيها أضيفت إلى الأدب السياسي المباشر، الذي اشتعل بالدعوة إلى الحرية والاستقلال عقب الثورة الوطنية عام ١٩١٩م، أقول إنه قد أضيفت إلى هذا الأدب السياسي المباشر خلال المرحلة الثانية بحوث في الحرية من حيث هي كذلك، كائنة ما كانت جوانبها وميادينها، وسرعان ما ألحقت بهذه البحوث النَّظريَّة، سير لأبطال الحرية تجسد للناس معانيها في رجال عاشوها، وقد اختير هؤلاء الأبطال من الغرب تارة ومن التاريخ العربي تارة، ثم جاءت المرحلة الثالثة لتمتد من الحرب العالمية الثانية إلى يومنا هذا، منقسمة شطرين: في أولهما كان الاستعمار عسكريًّا سافرًا، وفي ثانيهما أخذ يتسلل في خفاء إلى حياتنا الفكرية بغير جند ولا سلاح، على أن المقاومة — كما انعكست في الأدب — خلال هذه الفترة الثالثة بشطريها، قد اتسمت بطابع واحد متصل، هو طابع إيجابي بالقياس إلى الطابع السلبي الذي ميز المرحلتين الأوليين، إذ اتخذت المقاومة هذه المرة طريق البناء لثقافة جديدة، تحمل خصائصنا القومية الأصيلة، وتفتح أبوابها — في الوقت نفسه الحياة، ولا حياة إلا بك يا — لعوامل التطور الحضاري الحديث، وذلك رغبة منا في تقرير ذواتنا، وتحصين وجودنا الشخصي المتميز الفريد.

ولم يكن الأدب العربي في مصر، خلال هذه المراحل الثلاث جميعًا، ليقصر مقاومته على أرض مصر وحدها، منزوعة من الوطن العربي الكبير، أو معزولة عن حركات التحرر التي أخذ مداها يتسع في أرجاء مختلفة من آسيا وإفريقيا، بل كانت الأمة العربية بأسرها هي مجال الكتابة عند الكاتبين، كما كانت البلاد الإسلامية، وكل بلاد أخرى تُطالب بحريتها من مستعمر غاصب، موضوعًا لا يغيب عن سياق الحديث، كلما مس الحديث قضايا التحرر الوطني.

احتل الإنجليز أرض مصر، فرحل عنها جمال الدين الأفغاني، ونُفي الشيخ محمد عبده، ثم ما لبث القطبان أن التقيا معًا في باريس، ليُصدرا جريدة العروة الوثقى، ناطقة بالدعوة إلى مقاومة الموجة الاستعمارية العارمة، التي أخذت تطغى على أقطار الشرق بعامة، وإلى تحرير مصر من الاحتلال البريطاني بصفة خاصة، وإن القارئ ليطالع على صفحات الأعداد الثمانية عشر التي صدرت من العروة الوثقى — وقد صدر عددها الأول قبل أن ينقضي على الاحتلال البريطاني عامان — صيحات قوية تنبه من غفا، وتوقظ من استنام: «إننا لو نادينا الغافلين أن انتبهوا، والنائمين أن استيقظوا، واللاهين بحظوظهم أو أمانيهم وأوهامهم أن التفتوا، ولو أنذرنا أهل مصر بأن الإنجليز لو ثبتت أقدامهم في ديارهم، لحاسبوا الناس على هواجس أنفسهم، وخطرات قلوبهم، بل على استعداد عقولهم لما عساه يخطر ببالهم، لقال الناس إننا نبالغ في الإنذار ونغرق في التحذير» (العدد الخامس من العروة الوثقى).

وحسب القارئ أن يقرأ المقالة الأولى من العدد الأول — وكان عنوانها «مصر» — ليرى بأي بلاغة عربية مبينة، وصفت حالة البلاد عندما أخذت أصابع الاستعمار تعبث بأمورها: «وا أسفا على حالة الأهالي بعد هذا، حكم من لا دافع لحكمه بطرد آلاف من الوطنيين الموظفين من دوائر الحكومة، وما منهم أحد إلا ويتبعه عائلة وأولاد، ولا قوت لهم إلا من مرتب عائلهم … إن صدى أنينهم يتلى في صفحات الجرائد الوطنية العربية والإفرنجية، وسيتبع السابقين منهم اللاحقون، حتى لا يجد وطني منهم في البلاد من المهن، إلا ما لا يليق بالإنجليزي تعاطيه من سفاسف الأمور، كما هو في البلاد الهندية، وزاد الويل بمحق الحرية الشخصية، والأخذ بالشبه — وإن ضعفت — واتباع بواطل التهم — وإن بعدت أو استحالت — حتى أخذ الفزع من القلوب مأخذه، وبلغ منها مبلغه، فلا ترى مارًّا بطريق إلا وهو يلتفت وراءه لينظر هل تعلق بأثوابه شرطي يقوده إلى السجن، أو يقتضي منه فداء، وكل معروف الاسم من المصريين ينتظر في كل خطوة عثرة، وفي كل نهضة سقطة … أي شقاء ينتظره الحي في حياته أشنع من هذا؟!»

بمثل هذه النذر المفزعة الصريحة، أخذ الأفغاني ومحمد عبده يتعاونان على إطلاق الصيحة الأولى من خارج البلاد، لتجاوبها في داخل البلاد أصداء تبلغ رسالتها وتزيد من قوتها، فها هو ذا عبد الله النديم (١٨٤٥–١٨٩٦م) الذي أطلقت عليه صفات تدل على الدور العظيم الذي أداه في اليقظة الوطنية، إذ أطلق عليه «خطيب الشرق» — وقد كان أول خطيب مصري يخطب قومه في شئون السياسة — كما أطلق عليه «محامي الوطن»، لقد استخدم النديم في أداء رسالته كل فنون الأدب من زجل وشعر إلى مسرحية وقصة، ثم إلى المقالة والخطابة، وفي نسبة هذه الفنون عنده بعضها إلى بعضٍ يقول أحمد تيمور: «… أما شعره فأقل من نثره، ونثره أقل من لسانه، ولسانه الغاية القصوى في عصرنا هذا»، على أن ما يهمنا هنا من آثار النديم أدبه المكتوب، ومقالاته الصحفية اللاذعة، خصوصًا ما ورد منها في مجلة الأستاذ، التي صدرت في عهد الاحتلال الإنجليزي، والتي لم يلبث الإنجليز أن طالبوا بإغلاقها، لشدة ما جاء فيها من هجمات النديم على خصوم الوطنية والعروبة والإسلام، فكان مما قاله عن الدولة الغاصبة أنها وضعت معظم الإدارات في أيدي الأجانب، حتى لا تمكن المصريين من إصلاح بلادهم، فاختلت البلاد، «فإن كان مرادها إفساد البلاد فقد أفلحت، أما إذا كانت تريد صلاحها، وتسليمها لأبنائها، فكيف يحدث ذلك، وهي لا تستعمل أبناءها في الحكم، وتبعدهم عن الإدارات؟» وفي مقال له بعنوان «هذه يدي، في يد من أضعها؟» يقول إنه إذا لم يضع يده في أيدي مواطنيه المخلصين «فقطعها خير من وضعها في يد أجنبي يستميلك إليه بوعود كاذبة، وحيل واهية، يظهر لك سعيه في صالحك، وحبه لتقدمك … ويصور لك الأباطيل في صورة حقائق؛ حتى يخدعك بها، ويحول أفكارك الشرقية إلى أفكار غربية تأخذها، وتقول بها، فتكون يده القوية وعونه الأكبر على ضياع حقوقك، وإذلال إخوانك واحتلال بلادك.»

وكان من اللمحات النَّافذة عند النَّديم إشاراته المتكررة إلى ضرورة التعليم وضرورة قيام الصناعة؛ لأنه ما اغتصب غاصب أرضًا إلا بسبب جهالة أبنائها أو بسبب انصرافهم عن الصناعة؛ لأن الانصراف عن الصناعة هو انصراف عن العلم، «إن التهور والثورة مع الجهل والفراغ من المعدات، لا يفيدان إلا الخذلان» ولا نجاح لثورة على استعمار إلا إذا كان أساسها التعليم والصناعة: «وما نجحت ثورة تجردت جماهيرها من المعارف وبعدت عن المصانع والتفنن في الآلات، واندفعت خلف الأهواء» (مجلة الأستاذ في ٣٠ / ٨ / ١٨٩٢م).

ولا نترك الحديث عن أواخر القرن الماضي، قبل أن نذكر أثرًا شامخًا من آثار المقاومة الوطنية لكل مستعمر أو دخيل، لكنه — هذه المرة — أثر إيجابي بناء، وضع البذور الأولى للنهضة العربية الشاملة، التي ستزداد مع السنين، حتى تصبح في سنواتنا الراهنة حركة ثورية لتحقيق الوحدة العربية، وإنما عنيت بذلك الأثر، نهضة الشعر على يدي محمود سامي البارودي (١٨٣٩–١٩٠٤م) إذ الأمر فيها لا يقتصر على أمر الشعر وحده، بل يجاوز ذلك ليكون إقامة لأهم دعائم القومية العربية السليمة، ألا وهي دعامة اللغة القوية الرصينة، فبعد أن ضعفت العربية مع الضعف السياسي والاجتماعي خلال قرون امتدت ما امتد الحكم العثماني، أراد البارودي الشاعر أن تعود لنا القوة السياسية والاجتماعية بادئة من بدايتها الصحيحة، ألا وهي اللغة، وأسعفته الموهبة، فربط بين قديم شامخ وجديد متطلع إلى الشموخ، ونسج نسجًا لا يتخاصم فيه الحاضر والماضي، ولا يتعارض فيه التجديد مع التقليد، بل هو نسج: لحمته الحاضر، والماضي سداه، فجاء شعر البارودي في أدبنا الحديث — خصوصًا وقد أخفقت الثورة العرابية التي كان الشاعر أحد رجالها، واحتل المستعمر البريطاني بلادنا — جاء هذا الشعر القوي في أدبنا الحديث بمثابة الخطوة الأولى في طريق طويل ما نزال نواصل السير فيه، على هداية مبدأ عام، هو أن تجيء النهضة العربية على أساس يجمع بين الطابع القومي المتميز، وظروف العصر الذي نعيش فيه.

وتمضي السنون — ويستدير القرن التاسع عشر، ليبدأ العشرون، فتزداد المقاومة شدة وظهورًا فيما تجري به أقلام المفكرين والأدباء، وحسبنا أن نجد في السنوات الأخيرة من القرن الماضي وفي العشرة الأعوام الأولى من هذا القرن قاسم أمين، ومصطفى كامل، ومحمد فريد، ولطفي السيد، وعبد العزيز جاويش، ومن الشعراء شوقي وحافظ، كانت حالة الضعف السياسي قد انتهت بالبلاد إلى قبضة المستعمر، وخدعت طائفة من مفكري الغرب عن حقيقة الأمر، فنقلوا بأوهامهم ذلك الضعف من السياسة إلى العروبة من حيث هي جنس، وإلى الإسلام من حيث هو دين، فكان لا بُدَّ للفكر والأدب عندنا أن يتصديا لذلك؛ لأن التهمة إذا صدقت انفسح الأمل أمام المستعمر الفرنسي في تونس والجزائر ولبنان وسوريا، وأمام المستعمر الإنجليزي في مصر والعراق، وأما إذا ردت التهمة وظهر بطلانها، فقد انفسح الأمل أمام الأمة العربية أن تزيل عنها الكابوس الطارئ، لتسترد مجدها، وتمضي قدمًا في طريقها، ومن هذا القبيل ما حدث بين دعوى هانوتو فيما يتصل بخصائص الجنس الآري والجنس السامي، ورد الشيخ محمد عبده عليه لتفنيد دعواه، وكذلك ما حدث بين دعوى رينان عن موقف الإسلام من العلم، وزعمه بأن الإسلام مضاد للعلم، ورد الأفغاني عليه لتفنيد دعواه، وها هي ذي دعوى ثالثة لمتهجم آخر، يتصدى للرد عليها قاسم أمين.

ذلك أن داركور قد أصدر كتابًا سنة ١٨٩٣م عن المصريين، يصفهم فيه بالتأخر، ويأخذ عليهم حجبهم للنساء عن موارد العلم وميادين الحياة، ثم لا يكتفي بذلك، بل يربط هذا كله بالعقيدة الإسلامية، فرد عليه قاسم أمين سنة ١٨٩٤م في كتاب عنوانه «المصريون» مدافعًا عن وطنه وأهله، معترفًا بما قد شاب ذلك الوطن وأهله من عيوب محال أن ترد إلى الإسلام، وإنما هي أثر مباشر للحكم الفاسد الذي نكبت به البلاد أمدًا طويلًا من الدهر، وقد كتب قاسم أمين كتابه هذا بالفرنسية، ليتاح لمن قرأ داركور، من الفرنسيين أن يطالعوا الرد عليه، اقرأ هذه العبارة — مثلًا — من رده على الدوق داركور، لترى كيف رد التهمة عن أهله ردًّا يوقع خصمه فيما هو أشنع منها: «يظهر أن مسيو داركور ينعي علينا عدم وجود الفوارق الاجتماعية عندنا، ويعيبنا لأنه ليس من طوائفنا طائفة الأشراف بالمولد أو بغير المولد، وكل السكان الذين يقيمون في بلد إسلامي هم متساوون أمام القانون بلا تفرقة بين أجناسهم ودياناتهم.»

على أن هذه المعركة القلمية بين الدعوى ونقيضها، قد حركت الكاتب العربي إلى النهوض بعبء الإصلاح في ميدانه، حتى لا نغمض العين على نقص واضح، فكتب كتابه العظيم «تحرير المرأة» (١٨٩٩م) وأعقبه بآخر «المرأة الجديدة» (١٩٠٠م) ليرد به على ما قد وجه إلى كتابه الأول من نقد.

وإن ذكرنا لكتاب تحرير المرأة، ليستدعي ذكر جريدة المؤيد التي أنشأها الشيخ علي يوسف (١٨٦٣–١٩١٣م)، والتي ظهر فيها الكتاب فصولًا امتدت على شهرين وهي نفسها الجريدة التي نشر فيها عبد الرحمن الكواكبي (١٨٤٩–١٩٠٢م) كتابه «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» الذي هو من أبرز الكتب التي عرفها الأدب العربي في العصر الحديث عن الحرية، يقول فيه الكاتب عن الحاكم المستبد إنه «يتحكم في شئون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحاكمهم بهواه لا بشريعتهم»، «والمستبد عدو الحق، عدو الحرية وقاتلهما، والحق أبو البشر، والحرية أمهم، والعوام صبية أيتام نيام لا يعلمون شيئًا»، «إن الاستبداد يضغط على العقل فيفسده، ويلعب بالدين فيفسده، ويحارب العلم فيفسده»، «الحكومة المستبدة تكون طبعًا مستبدة في كل فروعها، من المستبد الأعظم إلى الشرطي، إلى الفراش، إلى كناس الشوارع»، «أقل ما يؤثر الاستبداد في أخلاق الناس أنه يرغم الأخيار منهم على ألفة الرياء والنفاق — ولبئس السيئتان — ويعين الأشرار على إجراء غي نفوسهم آمنين، حتى عن الانتقاد والفضيحة؛ لأن أكثر أعمالهم تبقى مستورة يلقي عليها الاستبداد رداء خوف الناس من تبعة الشهادة.»

لم تكن هذه الدعوى الاجتماعية التي وجهها قاسم أمين لتحرير المرأة العربية بعيدة الصلة بالدعوات السياسية التي أخذت منذ أوائل هذا القرن تشغل أصحاب الأقلام، فصاحب «تحرير المرأة» هو نفسه الذي كتب عن جنازة مصطفى كامل يقول: «١١ فبراير سنة ١٩٠٨م يوم الاحتفال بجنازة مصطفى كامل، هي المرة الثانية التي رأيت فيها قلب مصر يخفق، المرة الأولى كانت يوم تنفيذ حكم دنشواي: رأيت عند كل شخص تقابلت معه قلبًا مجروحًا، وزورًا مخنوقًا، ودهشة عصبية بادية في الأيدي وفي الأصوات، كان الحزن على جميع الوجوه …»

وإن هذا لينقلنا إلى أدب سياسي جياش بالعاطفة، أنشأه قادة الحزب الوطني في جريدتهم اللواء: مصطفى كامل، محمد فريد، عبد العزيز جاويش.

أما مصطفى كامل (١٨٧٤–١٩٠٨م) فهو — كما قال عنه لطفي السيد، برغم ما كان بين الرجلين من اختلاف بعيد في وجهة النظر — «كان شعاره الوطنية، ووسيلة الوطنية، وكتابته الوطنية، وحياته الوطنية، حتى لبسها ولبسته، فصار بينهما التلازم الذهني والعرفي فإذا ذكرت مصطفى كامل بخير، فإنما تطري الوطنية، وإذا قلت الوطنية فإن أول ما يتمثل في خيالك شخص مصطفى كامل … كأنما هو والوطنية شيء واحد.» يكفينا منه هنا مثل واحد، نقبسه من خطبته الكبرى في الإسكندرية (١٩٠٧م):

تقولون يا أعداء مصر إننا لو أفلحنا لما نلنا هذا الاستقلال إلا بعد حين طويل، فنجيبكم أنا لو سلمنا بقولكم لما جاز لنا أن نتأخر لحظة واحدة عن العمل؛ لأننا لا نعمل لأنفسنا، بل نعمل لوطننا، وهو باقٍ ونحن زائلون، وما قيمة السنين والأيام في حياة مصر، وهي التي شهدت مولد الأمم كلها، وابتكرت المدَنية والحضارة للنوع الإنساني كله؟ إن العامل الواثق من النجاح يرى النجاح أمامه كأنه أمر واقع، ونحن نرى من الآن هذا الاستقلال المصري، ونبتهج به وندعو له كأنه حقيقة ثابتة، وسيكون كذلك لا محالة …

إننا وجهنا قلوبنا ونفوسنا وقوانا وأعمارنا إلى أشرف غاية اتجهت إليها الأمم في ماضي البلاد وحاضرها، وأعلى مطلب ترمي إليه في مستقبلها، فلا الدسائس تُخيفنا، ولا التهديدات تقف في طريقنا، ولا الشتائم تؤثر فينا، ولا الخيانات تُزعجنا، ولا الموت نفسه يحول بيننا وبين هذه الغاية التي تصغر بجانبها كل غاية …

بلادي … بلادي … لك حبي وفؤادي، لك حياتي ووجودي، لك دمي ونفسي، لك عقلي ولساني، لك لُبي وجَناني، فأنت أنت الحياة، ولا حياة إلا بك يا مصر …

هل خلق الله وطنًا أعلى مقامًا، وأسمى شأنًا، وأجمل طبيعة، وأجل آثارًا، وأغنى تربة، وأصفى سماء، وأعذب ماء، وأدعى للحب والشغف من هذا الوطن العزيز؟ … إني لو لم أولد مصريًّا لوددت أن أكون مصريًّا.

ذلك قبس من تلك الخطبة السياسية الوطنية الرائعة، وهي التي نظم بعدها علي الغاياتي (صاحب ديوان «وطنيتي» الصادر سنة ١٩١٠م) قصيدة وجهها إلى مصطفى كامل، يقول فيها:

اصدع بقولك إن أردت مقالا
فالقوم جندك إن دعوت رجالا
لم تدر مصر سوى حماك تؤمه
فترى به آلامها آمالا

وفي ١٩٠٨م تولَّى عبد العزيز جاويش (١٨٧٦–١٩٢٩م) رئاسة تحرير اللواء، وكان للواء طابعه الواضح في مهاجمة الاستعمار البريطاني، وفي إيقاظ الروح الوطنية، فكانت لجاويش في مهاجمة الإنجليز مقالات حامية، وكلمات من نار، حتى قبل أن يتولى تحرير اللواء: «إن البلاد المصرية أخذت منذ بدء الاحتلال المشئوم تتدلى في مهاوي الضعف والاضمحلال، وإنه لا منقذ لها سوى أن يرفع الاحتلال يده الثقيلة المفسدة عنها.» ولكي تعلم ماذا أراد الكاتب أن يصنع بقلمه في مقاتلة العدو، فاسمع ما يخاطبه به: «أيها القلم … لو كنت سيفًا لأغمدتك في صدور من يحاربونك، أو سهمًا لأنفذتك في أعماق قلوبهم، ولو كنت جوادًا لوجدت لك في ميادين النزال مجالًا للكر والفر …»

وكان يقابل هذه الجذوة المشتعلة من الوطنية في جريدة اللواء، فكر منطقي هادئ في جريدة «الجريدة» التي كان يُحررها أحمد لطفي السيد (١٨٧٢–١٩٦٣م) إذ كان لطفي السيد — كما يقول عنه العقاد — «ينظر إلى المسائل الفكرية والاجتماعية نظرة محيطة شاملة، توشك أن تتعادل فيها جميع الجوانب والأطراف، ولكنه كان من أشد المفكرين اهتمامًا بما يعتقد فيه الخير والصلاح.»

وحسب العشرة الأعوام الأولى من هذا القرن أن تكون قد شهدت فاجعة دنشواي (يوم الأربعاء ١٣ يونيو سنة ١٩٠٦م)، فليس كمثل الكوارث الكبرى شيء يوحِّد قلوب الأمة في قلب واحد نابض، ودنشواي قرية في محافظة المنوفية، قَدِم إليها خمسة من الضباط الإنجليز لصيد الحمام، فأصيب برصاصهم بعض الأهلين، فهاجم الناس أولئك المعتدين، فأصيب بعضهم ومات أحدهم، فثار العميد البريطاني في مصر، لورد كرومر، وعُقدت محكمة خاصة لمحاكمة المصريين، فقضت بإعدام أربعة من الأهالي، وبالجلد وبالحبس على ثمانية، ونُفذ الجلد والإعدام في دنشواي علنًا، فكان لذلك ردُّ فعل عنيف في طول البلاد وعرضها، وانطلق الشعراء والكُتَّاب ينظمون وينشئون بكاء ورثاء ووطنية وإخاء.

قال إسماعيل صبري:

وأقلت عثرة قرية حكم الهوى
في أهلها وقضى قضاء أخرق
إن أنَّ فيها بائس مما به،
أو رن، جاوبه هناك مطوق
وارحمتا لجناتهم ماذا جنوا؟
وقضاتهم ما عاقهم أن يتقوا؟

وقال أحمد شوقي:

يا دنشواي على رباك سلام
ذهبت بأنس ربوعك الأيام
شهداء حكمك في البلاد تفرقوا
هيهات للشمل الشتيت نظام
مرت عليهم اللحود أهلَّة
ومضى عليهم في القيود العام
كيف الأرامل فيك بعد رجالها؟
وبأي حال أصبح الأيتام؟
عشرون بيتًا أقفرت وانتابها
بعد البشاشة وحشة وظلام
يا ليت شعري في البروج حمائم
أم في البروج منية وحمام؟
نيرون … لو أدركت عهد كرومر
لعرفت كيف تنفذ الأحكام

وقال حافظ إبراهيم:

جاء جهالنا بأمر، وجئتم
ضعف ضعفيه قسوة واشتدادا
أحسنوا القتل إن ضننتم بعفو
أقصاصًا أردتم أم كيادا؟
أحسنوا القتل إن ضننتم بعفو
أنفوسًا أصبتم أم جمادًا؟
ليت شعري أتلك محكمة التفتيـ
ـش عادت أم عهد نيرون عادا؟
كيف يحلو من القوي التشفي
من ضعيف ألقى إليه القيادا؟

تلك كانت المرحلة الأولى، وهكذا جاءت خلالها صورة المقاومة في الأدب، ثم جاءت المرحلة الثانية التي امتدت فيما بين الحربين، وقد اتخذت المقاومة صورة أخرى، وهي الإشادة بالحرية والدعوة إليها، حتى ولو لم يذكر المستعمر في سياق الدعوة ذكرًا صريحًا.

وقد ظهرت بدايات هذه المرحلة الثانية، حتى قبل أن تنتهي الحرب العالمية الأولى، كأنما كانت بدايات تمهد النفوس تمهيدًا مباشرًا لثورة ١٩١٩م، وهي بدايات ظهرت أوضح ما تكون في الشعر، ففي العشرة الأعوام الثانية من هذا القرن، ظهرت دواوين ثلاثة، عزفت كلها على وتر واحد، إذ عزفت نشيد الفرد الإنساني وما يجب له من حرية وما يجب عليه من مسئولية إزاء نفسه، وتلك الدواوين الثلاثة كانت هي الجزء الثاني من ديوان عبد الرحمن شكري (١٩١٣م) والجزء الأول من ديوان المازني (١٩١٤م)، وقد قدم العقاد لهما، والجزء الأول من ديوان العقاد (١٩١٦م) وقد قدم له المازني، فجاءت هذه الدواوين الثلاثة بمثابة إعلان لحقوق الإنسان الجديد، وإنهم — هؤلاء الثلاثة الشعراء — ليؤمنون أن نهوض الأدب شرط لازم للنهضة القومية وللحرية الوطنية، وأنه لا حرية ولا استقلال لإنسان هانت عليه نفسه حتى ليعجز عن الشعور بها، يقول العقاد في مقدمته للجزء الأول من ديوانه: «ومن كان يماري في هذا القول فليراجع التاريخ، وليذكر أمة واحدة نهضت نهضة اجتماعية فلم تكن نهضتها هذه مسبوقة أو مقرونة بنهضة عالية في آدابها» وقد ظهرت بدايات شبيهة بذلك في ميدان الرواية متمثلة في قصة زينب ١٩١٤م للدكتور هيكل التي هي من أولى بشائر الشعور بالمصرية الصميمة وحياة الطبقة العاملة في الريف، وهو الشعور نفسه الذي جاءت رواية عودة الروح (١٩٢٩م) لتوفيق الحكيم لتؤكده.

ويُثور الشعب ثورته عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، مطالبًا بحقه في الحرية من المستعمر البريطاني، وتجري أنهر الصحف اليومية بأنهر من الأدب السياسي المشتعل بحرارة الثائرين، ثم سرعان ما يصاحب هذا الأدب السياسي مقالات وكتب في ضروب الحرية وفي مراميها وأبعادها، فيكتب العقاد في فلسفة الحرية وفي علاقتها بألوان الفنون جميعها، ويقول إن حب الأمم للحرية إنما يقاس بحبها للفنون الجميلة «لأن الصناعات والعلوم النفعية مطلب من مطالب العيش تساق إليه الأمم مرغمة مجبرة، وضرورة من ضرورات الذود عن الحياة تدفع إليها مغلوبة مسخرة … وإنما تعرف الأمم الحرية حين تأخذ في التفضيل بين شيء جميل وشيء أجمل منه، وتتوق إلى التمييز بين مطلب محبوب ومطلب أحب وأوقع في القلب وأدنى إلى إرضاء الذوق وإعجاب الحس، ولا يكون ذلك منها إلا حين تحب الجمال، منظورًا أو مسموعًا» (مطالعات في الكتب والحياة، ص٥٤).

ويخرج سلامة موسى (١٨٨٨–١٩٥٨م) سنة ١٩٢٧م كتابًا عن «حرية الفكر وأبطالها في التاريخ»، يقول عنه في صفحة الغلاف إنه «قصة الحرية الفكرية وانطلاق العقل البشري من قيود التقاليد وفوز التسامح على التعصب، مع ذكرها ما لقيه الأحرار من ضروب الاضطهاد من أقدم العصور للآن.» ثم يتلو على قارئه صفحات من استشهاد الأبطال في سبيل الحرية على اختلاف أنواعها: سياسية ودينية وعلمية وغير ذلك، وهو يسوق أمثلته من اليونان القديمة ومن المسيحية ومن الإسلام ومن العصور الحديثة في الغرب وفي الشرق على السواء.

وكان محمد حسين هيكل (١٨٨٨–١٩٥٦م) من الداعين إلى الحرية في كثير من معانيها، فألف كتابًا عن جان جاك روسو ليستمد من دعوة هذا الفيلسوف إلى الحرية دعوة يوجهها إلى العرب في ثورتهم في سبيل الحرية، ويخرج صحيفة السياسة الأسبوعية (١٩٢٦م) لتكون ملحقًا أدبيًّا أسبوعيًّا لصحيفة السياسة التي كان يشرف على تحريرها، وليتخذ منها أقوى أداة لنشر الثقافة الجديدة التي أراد هو ومعاصروه أن يبذروا بذورها إرهاصًا لعصر جديد، وكانت تلك البذور — في رأي هيكل أول الأمر — بذورًا غربية صرفًا، ثم سرعان ما أفاق إلى خطئه، وصمم على أن يكون للنهضة العربية أصولها الخاصة التي تستعير من الغرب ما تستعيره، لكنها لا بُدَّ إلى جانب ذلك أن تستمد من ماضيها التربة الخصبة التي تستنبتها، يقول هيكل في ذلك: «حاولت أن أنقل لأبناء لغتي ثقافة الغرب المعنوية، وحياته الروحية لنتخذها جميعًا هدًى ونبراسًا، ولكني أدركت بعد لأْيٍ أنني أضع البذر في غير منبته، فإذا الأرض تهضمه ثم لا تتمخض عنه، ولا تبعث الحياة فيه، وانقلبت ألتمس في تاريخنا البعيد في عهد الفراعنة موئلًا لوحي هذا العصر ينشأ فيه نشأة جديدة، فإذا الزمن وإذا الركود العقلي قد قطعا ما بيننا وبين ذلك العهد من سبب يصلح بذرًا لنهضة جديدة، ثم رأيت أن تاريخنا الإسلامي هو وحده البذر الذي ينبت ويثمر، ففيه حياة النفوس، يجعلها تهتز وتربو، ولأبناء هذا الجيل في الشرق نفوس قوية تنمو فيها الفكرة الصالحة لتؤتي ثمرها بعد حين» (من مقدمة «منزل الوحي»).

الحق أننا لا نجد صفة نصف بها الحياة الفكرية في عشرينيات هذا القرن، أصدق من أنها كانت حياة تمهد الأرض لبناء جديد يقام عليها حين تحين الفرصة المناسبة؛ ولذلك شغل الكتاب جميعًا في تلك الحقبة بالتنوير عامة وبالتنوير فيما يمس الحرية العقلية والفنية والسياسية بصفة خاصة، وفي هذا النشاط التمهيدي لذلك العصر يقول إبراهيم عبد القادر المازني: «قضى الحظ أن يكون عصرنا عصر تمهيد، وأن يشتغل أبناؤه بقطع هذه الجبال التي تسد الطريق، وبتسوية الأرض لمن يأتون بعدهم، ومن الذي يذكر العمال الذين سووا الأرض، ومهدوها ورصفوها، ومن الذي يُعنى بالبحث عن هؤلاء المجاهدين الذين أدموا أيديهم في هذه الجلاميد، وبعد أن تمهد الأرض وينتظم الطريق يأتي نفر من بعدنا ويسيرون فيه إلى آخره، ويقيمون على جانبيه القصور شاهقة باذخة، ويذكرون بقصورهم وننسى نحن الذين أتاحوا لهم أن يرفعوها شاهقة رائعة، والذين شغلوا بالتمهيد عن التشييد، فلندع الخلود إذن ولنسأل كم شبرًا مهدنا من الطريق» (من مقدمة «حصاد الهشيم»).

لقد كان لسان الحال في مجال الفكر والأدب إبان فترة التنوير والتمهيد التي أشرنا إليها — منذ ما قبل نهاية الحرب العالمية الأولى بقليل وإلى نهاية الحرب العالمية الثانية — ناطقًا بأنه إذا كان الغرب قد استبدَّ بأرضنا فطريق الخلاص له شعاب كثيرة، منها أن نتزود بعلمه وثقافته لنفل الحديد بالحديد؛ ولذلك كان أبرز طابع يميز تلك الفترة هو نقل الفكر الغربي من اليونان القديمة ومن بريطانيا وفرنسا الحديثتين، وكانت أداة النقل الأساسية — هي المجلات أكثر مما كانت هي الكتب، المجلات التي تصدر كل أسبوع مثقلة بحصيلتها المنقولة ترجمة وتلخيصًا وتعليقًا ونقدًا، فإذا كانت الصحف اليومية في المرحلة الأولى — كالمؤيد واللواء والجريدة — قد حملت هذا العبء نفسه، ففي المرحلة الثانية تخصصت لها مجلات أسبوعية وشهرية، أول ما نذكره منها مجلة السفور التي صدر عددها الأول سنة ١٩١٥م، وفيه أعلن صاحبها عبد الحميد حمدي منهاجها، شارحًا المواد بعنوانها، فقال في ذلك:

ليست المرأة وحدها هي المحجبة في مصر، ولكنها محجبة نزعاتنا وفضائلنا وكفاءاتنا ومعارفنا وأمانينا، وكل شيء يبدو على غير حقيقته، فنحن أمة محجبة بحقيقتها، بادية منها ظواهر كاذبة، وقد تبين للباحث أن هذه العلل ليست طبيعية في نفس الأمة، وإنما هي عوارض تزول بزوال أسبابها.

واشتركت في تحرير «السفور» مجموعة من الكُتَّاب، هي نفسها المجموعة التي سيشتد بأسها في عشرينيات القرن وثلاثينياته، والتي ستكون هي الداعية إلى الأخذ بأسباب الفكر الغربي والثقافة الغربية ليكون ذلك هو نفسه أفعل سلاح في استرداد حرياتنا المغتصبة من الغرب المغتصب، ففيها كتب هيكل، وطه حسين، وعلي عبد الرازق، وغيرهم وكأنما جاءت مجلة السفور حلقة وسطى في سلسلة ثقافية واحدة، أولها «الجريدة» برئاسة لطفي السيد، وآخرها «السياسة الأسبوعية» برئاسة هيكل، وهي مدرسة فكرية يغلب عليها الطابع الفرنسي.

ولذلك قام خط آخر يوازي ذلك الخط ويوازنه، تمثل في مجلة البلاغ الأسبوعي واجتمع حوله من الكُتَّاب من كان يؤثر النهل من معين الثقافة الإنجليزية، وأشهرهم العقاد والمازني، كما تمثل في مجلة العصور لإسماعيل مظهر والمجلة الجديدة لسلامة موسى، ثم نشأت في الثلاثينيات مجلتان أخريان هما «الرسالة» أولًا، و«الثقافة» ثانيًا لتحدثا شيئًا من الجمع بين الثقافتين الغربية والعربية، تمهيدًا لقيام شخصيتنا الثقافية الجديدة، التي سنتحدث عنها بعد قليل، وفيهما ظهر أحمد حسن الزيات وأحمد أمين، الأول بأسلوبه العربي الرصين، الذي يُعد في ذاته علامة اعتزاز بالقومية العربية في أصولها وفروعها، والثاني بأسلوبه العلمي الواضح الذي يعد علامة من علامات التبشير بعصر جديد، يرتكز على القديم ويفتح صدره للحديث.

وإنه لمما يميز هذه المرحلة الثانية كذلك، تلك النزعة الرومانسية التي غمرت الشعر، بل وشطرًا كبيرًا من الكتابة النثرية، وتجلت بصفة خاصة في جماعة أبولو التي نشأت سنة ١٩٣٢م (وأخرجت مجلة باسمها سنة ١٩٣٥م) وكان من أهم شعرائها؛ أحمد زكي أبو شادي، وإبراهيم ناجي، وعلي محمود طه، فإذا تذكرنا أن كل حركة ثورية كبرى تصاحبها على الأغلب حركة رومانسية في الأدب، تفك القيود بكل أنواعها: قيود الصياغة الشعرية، وقيود العاطفة الباطنية، عرفنا كم كانت الحركة الرومانسية في الأدب العربي إبان عشرينيات القرن وثلاثيناته دالة على تيار المقاومة العنيف، ومدى سريانه في نفوس الناس على طول البلاد العربية وعرضها كأنما هي صيحة واحدة متعددة الأوتار والأنغام، صدح بها شعراء العروبة جميعًا.

فهذا أحمد زكي أبو شادي (١٨٩٢–١٩٥٥م) في قصيدته «الضحايا» يعلن أن نداء الوطن يستوجب ألا نفرط في حق مواطنيه، وألا نجامل الأولى نهبوا المواطنين نهبًا، عن جشع لا يشبع وظلم لا يرتدع:

وكل يوم ضحايا لا عداد لها
من غدرهم في جحيم البؤس والهون

أبعد هذا نصوغ الشعر زخرفة؟

وبلغت الانفعالية الرومانسية أوجها في الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي (١٩٠٦–١٩٣٤م) خذ قصيدته «نشيد الجبار» مثلًا لهذه اللوعة التي تأكل صاحبها كمدًا على ما قد حلَّ به، وتطمح به إلى السماء في دنيا الأمل والرجاء:

سأعيش رغم الداء والأعداء
كالنسر فوق القمة الشماء
أرنو إلى الشمس المضيئة هازئًا
بالسحب، والأمطار والأنواء

•••

النور في قلبي وبين جوانحي
فعلام أخشى السير في الظلماء؟

وإن القول ليطول بنا لو استطردنا نذكر أمثال هذه الجذوات المشتعلة بوطنيتها خلال المرحلة الوسطى — فترة ما بين الحربين — التي هي الآن موضع الحديث.

وإنه لمن أبرز الملامح في الحركات الرومانسية كلها — وهي غالبًا حركات للتحرر تعقب الثورات السياسية أو تصاحبها — العودة بالذكرى إلى مجد الآباء، وهكذا كان الأمر في الأدب العربي؛ لأنه إذا كانت الدعوة إلى الحرية تتحقق بشرح المبدأ من جهة، وبضرب المثال من جهة أخرى، فأين يوجد المثال في أسمى صورة إذا لم يكن في أبطال العروبة والإسلام وهما في ذروة المجد؟ من هنا رأينا أدباءنا جميعًا يتجهون هذه الوجهة، فبدءوا بالحديث عن أعلام الشعراء الأقدمين — وكان ذلك في العشرينيات — ثم انتقلوا إلى ميدان أوسع، فترجموا سيرة الرسول والخلفاء الراشدين وعددًا كبيرًا من قادة المسلمين وأعلامهم، فكان ذلك أبلغ ما يقال في وجه عدو البلاد، الذي جعل من أسلحة هجومه أن يستخف بالحضارة العربية وبالثقافة العربية جميعًا، وأن يدعي لنفسه الأصالة في مبادئ الحرية والديمقراطية والأخوة الإنسانية بين أفراد البشر.

وتنتهي الحرب العالمية الثانية سنة ١٩٤٥م، فتدخل حركة المقاومة — كما انعكست في الأدب — مرحلة ثالثة، فلئن كان قوام المرحلة الأولى كتابة هي أقرب إلى الخطابة السياسية، قصد بها استثارة الشعور الوطني، ثم كان قوام المرحلة الثانية رومانسية تنادي بالتحرر وفك القيود، وتضرب أمثالها من أبطال التاريخ، فقد جاءت المرحلة الثالثة لتقيم البناء الثقافي الجديد على نحو يبرز الخصائص القومية إلى جانب العناصر الحديثة، وها هنا تغيرت الأداة الأدبية الأساسية، فبعد أن كانت الأداة هي المقالة، أصبحت القصة والمسرحية؛ وذلك لأنهما الوسيلتان المواتيتان لتصوير المواقف والأشخاص: على أي نحو لا نريدها، وعلى أية صورة نريدها، وإن في اختيار الأداة الأدبية الجديدة لدليلًا واضحًا على توحيد العنصرين في حياة واحدة: ما نأخذه من الغرب وما نضيفه من أنفسنا، فلئن كنا قد أخذنا قالب القصة وقالب المسرحية من حيث هما طريقتان للتعبير، فقد عرفنا كيف نملأ القالبين بمضمون محلي أصيل، غلب عليه — فيما بين ١٩٤٥م و١٩٥٢م (سنة الثورة الاجتماعية الكبرى) — تصوير البؤس الذي أحاط بالناس، ثم شيء من الكفر بالحضارة الغربية في ماديتها؛ لأن هذه المادية فيها كانت هي الدافع الأول نحو حركات الاستعمار الأوروبي لشعوب الشرق، ولما كانت الحضارة الغربية المادية الحديثة قرينة العقل وما ينتجه من علوم وتقنيات ومكنات، فقد انقلب هذا الكفر بالحضارة المادية كفرًا بالعقل وما يؤدي إليه، ودعوة إلى عودة الشرق إلى روحانياته التي ميزته إبان ازدهاره.

أما تصوير البؤس فقد كان في طليعة من اضطلع به الدكتور طه حسين في قصصه التي كتبها في تلك الفترة: «شجرة البؤس» (١٩٤٤م) و«جنة الشوك» (سنة ١٩٤٥م) و«المعذبون في الأرض» (سنة ١٩٤٩م)، وكان قبل ذلك قد نشر قصته الأولى «دعاء الكروان» التي تسير في الاتجاه نفسه، فهذه القصص كلها تستفز الأريحية لما يصيب الإنسان الحر في كرامته على أيدي طغاة ملئوا دروب الحياة ومنعطفاتها، على أن هذا الإنتاج الأدبي الخاص، لم يحل دون أن يمضي عميد الأدب العربي في دراساته التي قصد بمعظمها إقامة النماذج المثلى، لتكون المقارنة صارخة بين ما هو كائن وما يمكن أن يكون، فقد كتب «الوعد الحق» (١٩٥٠م) و«عثمان» (١٩٤٧م) و«علي وبنوه» (١٩٥٣م) و«الشيخان» (أبو بكر وعمر بن الخطاب) (١٩٦٠م)، فضلًا عن دعوته القوية نحو تكافؤ الفرص بين المواطنين في التعليم.

وأما الثورة على العقل — ما دام العقل هو ينبوع الحضارة المادية بكل تفريعاتها السياسية — فقد اضطلع بها توفيق الحكيم في مسرحياته التي صدرت إبان الفترة التي نُشير إليها، فأصدر «سليمان الحكيم» (١٩٤٣م) و«الملك أوديب» (١٩٤٩م) وكلتاهما تبين أن العقل وحده لا يغني الإنسان عن الحق شيئًا.

وكان من أبرز معالم هذه الفترة — وأعني الفترة التي توسطت بين الحرب العالمية الثانية وقيام ثورة ٢٣ يوليو سنة ١٩٥٢م — ما أصدره العقاد من كتب سياسية يقاوم بها استبداد الحكم، وأخرى يصور بها النماذج الإسلامية الرفيعة، فمن المجموعة الأولى «هتلر في الميزان» (١٩٤٠م) و«فلاسفة الحكم في العصر الحديث» (١٩٥٠م)، ومن المجموعة الثانية، وهي من أهم ما كتب الكاتب في حياته الأدبية، عبقريات محمد (١٩٤٢م) وعمر (١٩٤٢م) والصديق (١٩٤٣م) والإمام علي (١٩٤٣م) … إلى آخر هذه السلسلة الطويلة التي شملت نحو خمسة عشر كتابًا، أما طوال الخمسينيات، فقد أخذ يخرج الكتاب إثر الكتاب، دفاعًا عن الإسلام، حتى يبطل ما يدعيه المستعمر في هذا الميدان، مما يتخذه ذريعة يبرر بها اعتداءه، ومن أهم هذه المجموعة كتب «الديمقراطية في الإسلام» (١٩٥٢م) و«الإسلام والاستعمار» سنة (١٩٥٧م) و«حقائق الإسلام وأباطيل خصومه» (١٩٥٧م) و«التفكير فريضة إسلامية» (١٩٥٧م) وغيرها.

وفي تلك الفترة نفسها ظهر عدد كبير من الأدباء الشُّبان، اشتد وعيهم بما كان في الحياة السياسية حينئذٍ من فساد، وبما كان بينها وبين الاستعمار من صلات وروابط، وهم أنفسهم الشبان الذين ظهرت في كتاباتهم بذور المعاني الاشتراكية التي جاءت ثورة ١٩٥٢م لتخرجها إلى عالم الوجود، وقد امتدَّ الوجود الأدبي ببعض هؤلاء الشبان إلى يومنا هذا فأصبحوا من كُتَّاب الاشتراكية وشعرائها المرموقين.

ومن الكُتَّاب الذين انعكست المقاومة في أدبهم نجيب محفوظ، الذي امتد إنتاجه في القصة من الثلاثينيات إلى يومنا الراهن، ولعل قمة أعماله — من الزاوية التي ننظر منها الآن إلى الأدب، وهي انعكاس الجهود التحررية على الأدب — أقول لعل قمة أعماله في هذا الميدان هي ثلاثيته الكبرى: «بين القصرين» و«قصر الشوق» و«السكرية» ففي هذه الثلاثية صورة كاملة الدقائق والتفصيلات لحياة المجتمع المصري كله خلال الفترة التي تقع بين الحربين، نرى فيها كيف تطور مفهوم الوطنية عند الأجيال المتعاقبة، فالوطنية عند الجد الكبير كانت دفعًا للتبرعات ودعاء من الله بنصرة الزعماء، والوطنية عند ابنه الكبير هي توزيع للمنشورات السياسية ومشاركة في المظاهرات حتى لقد لقي حتفه في إحداها، والوطنية عند ابنه الأصغر (كمال عبد الجواد) هي العمل من أجل الشعب، بل من أجل الإنسانية المكافحة داخل الوطن وخارجه على السواء، ثم ننتقل إلى الحفدة، فنرى مفهوم الوطنية قد ارتبط بالميدان الاقتصادي، فأعداء الوطن هم من يستغلونه في هذا الميدان، لا فرق بين أجنبي ومواطن إذا كان كلاهما من المستغلين، ومن هؤلاء الأشخاص جميعًا، يهتم الكاتب — بصفة خاصة — بكمال عبد الجواد، الذي قال عنه «إنه يعكس أزمتي الفكرية، وهي أزمة جيل بأسره.»

وتحدث أحداث كبرى تشد حولها الكُتَّاب والشعراء جميعًا، من أهمها قيام إسرائيل (١٩٤٨م) والعدوان الثلاثي على الجمهورية العربية المتحدة (١٩٥٦م)، وثورة الجزائر، وغيرها من الثورات التي شملت الوطن العربي كله من أوله إلى آخره، فتفجرت عيون الأدب نثرًا وشعرًا، لتنصب على هذه المآسي الإنسانية الكبرى، كتبت القصص التي تصور روح الشعب الثائرة إزاء المستعمرين والمستبدين والإقطاعيين، نذكر منها قصة يوسف السباعي «رد قلبي» وقصة إحسان عبد القدوس «في بيتنا رجل» وقصة لطيفة الزَّيات «الباب المفتوح»، وكتبت المسرحيات التي تصور القوة الغاشمة حين تنتهك حرمات العدل والحق، نذكر منها مسرحية عبد الرحمن الشرقاوي «مأساة جميلة» ومسرحية ألفرد فرج «سليمان الحلبي» ومسرحية «اللحظة الحرجة» ليوسف إدريس، ونظمت دواوين بأسرها تعبيرًا عن الشعور الوطني الفياض، نذكر منها ديوان «قاب قوسين» للشاعر محمود حسن إسماعيل، وأعيدت ذكريات المآسي الماضية في شعر جديد، كحادثة دنشواي في قصيدة صلاح عبد الصبور «شنق زهران» وقصيدة «أوراس» عن ثورة الجزائر لأحمد عبد المعطي حجازي، الحق أن ما كُتِب ونُظِم في مأساة فلسطين وفي بطولة بورسعيد وفي معركة الجزائر ومعركة الكونجو وشتى ضروب المقاومة التي يبديها الوطن العربي بخاصة وتبديها أفريقيا وآسيا بعامة — لا تكاد تقع تحت الحصر، فالموضوع حاضر على أسنان الأقلام أيًّا كانت الصورة الأدبية التي تجري بها.

ومن الموضوعات التي تشغل الأقلام كذلك إبان هذه المرحلة الثالثة موضوع الوحدة العربية والقومية العربية، وهو جانب إيجابي يستهدف إقامة بناء جديد على أسس سليمة، ولا يقف عند مجرد الثورة الشعورية في مهاجمة الغاصب والمستعمر، فالدول العربية القائمة الآن — كما يقول الباحث العربي الكبير ساطع الحصري — «لم تتكون ولم تتعدد بمشيئة أهلها ولا بمقتضيات طبيعتها، وإنما تكوَّنت وتعددت من جراء الاتفاقات والمعاهدات بين الدول التي تقاسمت البلاد العربية، وسيطرت عليها» ويوجه ساطع الحصري اللوم إلى أولئك الذين ثاروا ليتخلصوا من المستعمرين، حتى إذا ما ظفروا بشيء مما أرادوا، أصروا على أن تبقى لبلادهم الحدود التي حددها بها المستعمرون لصالح المستعمرين: «ما أغربنا نحن العرب، لقد ثرنا على الإنجليز والفرنسيين، ثُرنا على من استولى على بلادنا واستعبدنا، وأثرنا الثورات الحمراء والبيضاء عدة عقود من السنين، وقاسينا في سبيل ذلك ألوانًا من العذاب والتضحيات، ولكننا عندما تحررنا من نير كل هؤلاء، أخذنا نقدس الحدود التي كانوا قد أقاموها في بلادنا بعد أن قطعوا أوصالها، ونسينا أن تلك الحدود إنما كانت هي الحبس الانفرادي والإقامة الجبرية التي فرضوها علينا، لإضعافنا، وعزل قوى بعضنا عن أن تتحد بالقوى الأخرى» ومن أهم كتب الحصري في ذلك كتاب «آراء وأحاديث في القومية والوطنية» و«العروبة بين دعاتها وخصومها».

قلنا: إنَّ أدب المرحلة الأخيرة — فيما يتصل بمقاومة المستعمر — قد اتسم بطابع إيجابي يبرز به خصائصنا الشخصية الفريدة، لكي نقف على أقدامنا ولا يجرفنا تيار الشمول، الذي يسود فيه القوي ويضيع بين أمواجه الضعيف، وكان من أهم ما عُني به الأدباء في هذا الاتجاه الإيجابي البناء، استخراج أصولنا من لفائف التراث الشعبي، فأخذوا يتقصون الرسوم الشعبية والأغاني الشعبية والأساطير الشعبية، حتى لقد صدرت مجلة فصلية بإشراف الدكتور عبد الحميد يونس، لنختص في عرض التراث الشعبي وتحليله وتقويمه، ليفيد منه كُتَّاب القصة والمسرحية كما يفيد منه المصورون والنحاتون والشعراء، فإذا أضفنا إلى هذه الحركة حركة أخرى لبثت قائمة منذ فجر نهضتنا في أول القرن وإلى يومنا، وأعني بها حركة نشر التراث العربي وتحقيقه، تبين لنا الأساس العريض المكين الذي نريد أن نقيم على ركائزه المجتمع العربي الجديد، وعندئذٍ لا نقول إن الجديد قد جاء ليعارض القديم ويدحضه، بل نقول إن الجديد قد جاء ليجد رواسيه في عروق الماضي وشرايينه، وبهذا يتصل بنا تاريخنا ماضيًا بحاضر، فلا تكون فترة الاستعمار في هذا الطريق الطويل الموصول إلا بمثابة غشاوة طرأت حينًا على الجسم عندما أخذته العلة وسرعان ما اختفت حين استرد العليل عافيته وقوته.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤