الشعر العربي في خمسين سنة

إذا اعتبرتَ الشعر العربي قبل خمسين سنة خَلَتْ — أي: قبل إنشاء المقتطف — وتأملتَ حِلْيتَه ومَعرِضه، ونظرتَ في منهاجه وطريقته، وتصفَّحتَ معانيَه وأغراضه — لم ترَ منه إلا شبيهًا بما تراه من بقايا الورق الأخضر في شجرة ثقُل عليها الظلُّ فهو جامد مستوخَم، وحُمَّ في ظلها شعاع الشمس فهو بارد يرتعد،١ فالحياة فيها ضعيفة متهالكة، لا هي تموت كالموت ولا هي تحيا كالحياة، وما ثَمَّ إلا ماء ناشفٌ ورونق عليل ومنظر من الشجرة الواهنة كأنه جسم الربيع المعتلِّ بدت عروقه وعظامه.
وكان ذلك الشعر فاسدَ السَّبْك، متخلف المنزلة، قليل الطلاوة، بين مديح قد أُعيد كل معنى من معانيه في تاريخ هذه اللغة بما لا يُحصِيه٢ إلا الملائكة الموكلون بإحصاء الكذب، وبين هجاء ساقط هو بعض المواد التي تشتعل بها نار الله يوم تطَّلع على الأفئدة، وبين غزل مسروق من القلوب التي كانت تحب وتعشق، وبين وصف لا عيب لموصوفه سواه، وشكوى من الدهر يشكو الدهرُ منها، وتحزُّن ويأس وندْب تجعل ديوان الشاعر كما سمَّى أحدُ ظرفاء القرن الثاني عشر للهجرة ديوانَ أحد أصحابه «بالملطمة …» ورثاء كقراءة القُرَّاء في جنازات الموتى، لا فيها عظة السكوت ولا فائدة النطق، وتغمر كلَّ ذلك أنواعٌ من الصناعة بيِّنة التعسف، ضعيفة التقليد، لا ترى المتأخِّرَ فيها مع المتقدِّم إلا قريبًا مما يكون عمل اللص في أخذ المال، من عمل صاحب المال في جميعه؛ والعجيب أنك إذا اعترضتَ الشعر من القرن العاشر للهجرة إلى القرن الثالث عشر — السادس عشر للميلاد إلى التاسع عشر — رأيتَه نازلًا من عصر إلى عصر بتدريج من الضعيف إلى الأضعف، حتى كأنما ينحطُّ بقوة طبيعية كقوة الجذب، كلما هبطتْ شيئًا أسرعتْ شيئًا إلى أن تلصق بالأرض، وبعضهم يسمي هذه العصور بالعصور المظلمة، ولم يتنبَّه أحد إلى أن في الأدب ناموسًا٣ كناموس رد الفعل، يُخرِج أضعف الضعف من أقوى القوة، وأن انحطاط الشعر في تلك العصور — على أنه لم يكن إلا صناعة بديعية — إنما سببه القوة الصناعية العجيبة التي كانت للشعر منذ القرن السادس إلى العاشر، بعد أن نشأ القاضي الفاضل المتوفى سنة ٥٩٦ﻫ/١١٩٩م؛ وكان رجلًا من الرجال الذين يَخلُقون حدودًا للحوادث تبدأ منها أزمنة وتنتهي عندها أزمنة؛ ففَتَنَ الناسَ بأدبه وصناعته، وصرفَ الشعرَ والكتابة إلى أساليب النكتة البديعية؛ وظهرتْ من بعده عصابتُه التي يسمونها العصابة الفاضلية، وما منهم إلا إمام في الأدب وعلومه، فكان في مصر القاضي ابن سناء الملك، وسراج الدين الورَّاق، وأبو الحسين الجزار، وأضرابهم؛ وكان في الشام عبد العزيز الأنصاري، والأمير مُجير الدين بن تميم، وبدر الدين يوسف بن لؤلؤ الذهبي، وأمثالهم؛ فهذه العصابة هي التي تُقابِل في تاريخ الأدب العربي عصابة البديع الأولى: كمسلم، وأبي تمام، وابن المعتز، وغيرهم؛ وكلتا الفئتين استبدَّتْ بالشعر وصرَّفتْه زمنًا، وأحدثت فيه انقلابًا تاريخيًّا متميزًا؛ بَيْدَ أن العصابة الفاضلية بلغت من الصنعة مبلغًا لا مطمع في مثله لأحد من بعدها، حتى كأنهم لم يَدَعوا كلمة في اللغة يجري فيها نوع من أنواع البديع إلا جاءوا بها وصنعوا فيها صنعة؛ وكان بعضهم يأخذ من بعض ويزيد عليه، إلى آخر المائة الثامنة، فلم يتركوا بابًا لمن يأتي بعدهم إلا باب السرقة بأساليبها المعروفة عند علماء الأدب.

ولهذا لا تكاد تجد شعرًا عربيًّا بعد القرن التاسع إلى أول النهضة الحديثة، إلَّا رأيته صُوَرًا ممسوخة مما قبله؛ وكل شعراء هذه القرون ليسوا ممن وراءهم إلا كالظل من الإنسان؛ لا وجود له من نفسه، وهو ممسوخ أبدًا إلا في الندرة حين يسطع في مرآة صافية؛ ومتى كان الشعراء لا ينشئون إلا على فنون البلاغة وصناعاتها، وكانت هذه كلها قد فَرَغَ منها المتقدمون؛ فما ثَمَّ جديد في الأدب والفن إلا ولادة الشعراء وموتهم، وإلا تغيُّر تواريخ السنين … وهذا إذا لم نعدَّ من الأدب تلك الصناعات المستحدثة التي ابتدعها المتأخرون مما سنشير إلى بعضه: كالتاريخ الشعري وغيره.

•••

إن الفكر الإنساني لا يسيِّر التاريخ، ولا يقدِّر قدَرًا فيه، ولا ينقله من رسم إلى رسم؛ لأنه هو نفسه كما خُلِق مُصلِحًا خُلِق مُفسِدًا وكما يستطيع أن يُوجِد يستطيع أن يُفنِي، وكما تطَّرد به سبيل تلتوي به سبيل أخرى؛ وما أشبهَ هذا الفكرَ في روعته بقطار الحديد؛ يطير كالعاصفة ويحمل كالجبل ويُدهِش كالمعجزة، وهو مع كل ذلك لا شيء لولا القضيبان الممتدان في سبيله، يحرفانه كيف انحرفا، ويسيران به أين ارتميا، ويقفان به حيث انتهيا، ثم هو بجملته ينقلِب لِأَوْهَى اختلال يقع فيهما.

لا جرم كانت العصور مرسومة معيَّنة النمط ذاهبة إلى الكمال أو منحدرة إلى النقص، حسب الغايات المحتومة التي يسير بها الفكر في طريق القدَر الذي يقوده.

فهذه علوم البلاغة التي أحدثت فنًّا طريفًا في الأدب العربي، وأنشأت الذوق الأدبي نشْأتَه الرابعة في تاريخ هذه اللغة، بعد الذوق الجاهلي، والمُحدَث والمُولَّد — هي بعينها التي أضعفت الأدب وأفسدت الذوق وأصارتْه إلى رأْيِنا في شعر المتأخرين، كأنما انقلبتْ عليهم علومًا من الجهل، حتى صار النمط العالي من الشعر كأنه لا قيمة له؛ إذ لا رغبة فيه، ولا حفل به؛ لمباينته لما ألِفوا وخلوِّه من النكتة والصناعة؛ وحتى كان في أهل الأدب ومدرِّسيه مَن لا يعرف ديوان المتنبي!

ولا يصف لك معنى الشعر في رأي أدباء ذلك العهد كقول الشيخ ناصيف اليازجي المتوفى سنة ١٨٧١:

مَلَلْتُ مِن القريضِ وقلتُ يكفي
لأمرٍ شابَ قوَّتَه بضَعْفِ
أُحاوِل نُكتةً في كلِّ بيت
وذلك قد تُقصِّر عنه كَفِّي
أَجَلُّ الشعر ما في البيت منه
غرابةُ نُكْتَةٍ أو نَوْعُ لُطْفِ
يريد النكتة البلاغية وأنواع البديع، وذلك ما قصَّرتْ عنه كفُّه وكف غيره؛ لأنه شيء مفروغ منه، حتى لا يأتي المتأخر بمثال فيه إلا وجدته بعينه لمن تقدموه على صور مختلفة ينظر بعضها إلى بعض وما يأتي اختلافها إلا من ناحية الحِذْق٤ في إخفاء السرقة بالزيادة والنقص، والإلمام والملاحظة والتعريض والتصريح وغيرها مما يعرفه أئمة الصناعة، ولا يَتسبَّب إليه بأقوى أسبابه إلا مَن رُزق القوة على التوليد والاختراع.
إذا عرفت ذلك السر في سقوط الشعر واضطرابه وسفسفته،٥ لم ترَ غريبًا ما هو غريب في نفسه، من أن بدء النهضة الشعرية الحديثة لم يكن العِلْم الذي يُصحِّح الرأي، ولا الاطلاع الذي يؤتي الفكر، ولا الحضارة التي تهذِّب الشعور، ولا نظام الحكم الذي يحدث الأخلاق، وإنما كان ضربًا من الجهل وقف حدًّا منيعًا بين زمن فنون البلاغة وبين زماننا؛ وكان كالساحل لذلك الموج المتدفِّع الذي يتضرَّب على مد ثمانمائة سنة من القرن السادس إلى الرابع عشر للهجرة؛ ولله أسرار عجيبة في تقليب الأمور وخلق الأحداث ودفع الحياة الفكرية من نمط إلى نمط، وإخراج العقل المبتدِع من هيئة إلى هيئة، وجعل بعض النفوس كالينابيع للتيار الإنساني في عصر واحد أو عصور مُتعاقِبة، وإقامة بعض الأشخاص حدودًا على الأزمنة والتواريخ؛ فكان الذي أحدثَ الانقلابَ الرابع في تاريخ الشعر العربي، وأنشأ الذوق نشْأتَه الخامسة، هو الشاعر الفَحْل محمود باشا البارودي الذي لم يكن يعرف شيئًا البتة من علوم العربية أو فنون البلاغة؛ وإنما سَمَتْ به الهمة؛ لأنه حادثة مرسلة للقلب والتغيير، فأبعدَه الله من تلك العلوم، وأخرجه لنا من دواوين العرب، كما نشأ مثل ابن المُقفَّع والجاحظ من فصحاء الأعراب، ويسَّرَ له من أسباب ذلك ما لم يتفق لأحد غيره مما لا محلَّ لبسطه هنا، ولا تكاد تجد شعر أديب متأخر يستقيم له أن يُذكَر في شعر كل عصر من لدن زمننا إلى صدر الإسلام ثم لا تنحطُّ مرتبته — غير كلام البارودي هذا؛ وهو وحده الذي يقابل القاضي الفاضل في أدوار التاريخ الأدبي، على بُعْدِ ما بينهما؛ لأن شعره هو الذي نسخَ آيةَ الصناعة، ودار في ألْسِنة الرُّواة، وكان المثل المحتذَى في القوة والجزالة ودقة التصوير وتصحيح اللغة؛ ولم يشأ الله أن يسبقه إلى ذلك أحد؛ لأن النهضة الاجتماعية في هذا الشرق العربي كانت في علم الله مرهونة بأوقاتها وأسبابها؛ ولولا ذلك لسبقه شاعر القرن الحادي عشر الأمير منجكُ المتوفى سنة ١٠٨٠ﻫ/١٦٦٩م؛ فقد اتفقتْ لهذا الأمير نشأة كنشأة البارودي، فكان كثير الحفظ من دواوين العصور الأولى، وكان يقلِّد أبا فِراسٍ الحمداني ويحتذي على مثاله؛ ولكن عصره كان في العصور الهالكة، فخرج الشاعر ضعيفًا كما يخرج كل شيء في غير وقته ولغير تمامه وبغير وسائله الطبيعية.

ونشأتِ العصابة البارودية وفيها إسماعيل صبري وشوقي وحافظ ومطران وغيرهم، وأدركوا ما لم يدركه البارودي وجاءوا بما لم يجئ به، واتصل الشعر بعضه ببعض، وسارتْ به الصحف، وتناقلته الأفواه، وأُنسِي ذكرُ البلاغة وفنونها بالنشأة المدرسية الحديثة التي جعلت من ترك البلاغة بلاغةً؛ لأنها صادفت أوائل الانقلاب ليس غير؛ وبذلك بطَلَ في مصر عصرُ أبي النصر والليثي والساعاتي والنديم وطبقتهم، وفي الشام عصرُ اليازجي والكستي والأنسي والأحدب وأضرابهم، وفي العراق عهد الفاروقي والموصلي والتميمي وسواهم؛ واستقلَّ الشعر عربيًّا وخرج كما يخرج الفكر المخترَع ماضيًا في سبيل غير محدودة.

•••

لا ريب في أن الطرق التي تُتَّبع في تربية الأمة وتكوين روحها العالمية لا بد أن يكون لها أثر بيِّن في شعر شعرائها؛ فإنما الشعر فكرٌ ينبِض وعاطفة تختلج، وما أرى الشاعر الحق من أمته إلا كالزهرة الصغيرة من شجوتها؛ إن لم تكن خلاصة ما فيها من القوة، فهي خلاصة ما في الشجر من معنى الجمال ولونه وملمسه، ولا تعدم مع هذه الصفة أن تكون وحدها الكوكب الساطع في هذا الأفق الأخضر كله، ولقد اطَّردتِ النهضة منذ خمسين سنة أو حولها، في الأدب والعلم؛ وفي الفكر والفن والصناعة؛ واستوى لنا من ذلك ما لم يتفق لهذه الأمة في عصر من عصورها، حتى بلغنا من ذلك أن صرنا كأنما فتحنا أرضًا من أوروبا وتغلَّبنا عليها، أو أنشأنا أوروبا عربية وما نزال نُعمِّرها وننقل إليها العلوم والفنون والآداب، ونستخرج لها الأمثلة والأساليب؛ غير أن الشعر العربي مع هذا كله لم يُوفَّ قسْطَه ولم يبلغ مبلغه في مجاراة هذه النهضة قوةَ ابتكار وسلامةَ اختراع وحُسنَ تنوُّع، لسببين؛ الأول: أنه لا يزال كما كان منذ فسدت اللغة العربية؛ شعر فئة لا شعر أمة، فهو يُوضَع للخاصة لا للشعب، ويدور مع الأغراض والحاجات لا مع الطبائع والأذواق، وذلك لو تأملت هو من بعض الأسرار في سمو هذا الشعر وقوة إحكامه وإبداع تنسيقه وجمال توشيحه منذ الدولة العباسية إلى القرن الخامس؛ ثم انحطاطه بعد ذلك وتدنِّيه شيئًا فشيئًا حتى بلغ الدرْك الأسفل في العصور المتأخرة؛ إذا كانت الفئة التي يُوضَع لها ويصف أهواءها وأغراضها وتتقبَّله وتُثِيب٦ عليه وتُحسِن وزنه ونقده، هي في الناحيتين كما ترى من طرفي المنظار الذي يقرب البعيد، فهي بالنظر في أوله واضحة جلية مترامية إلى الجهات، وبالنظر في آخره ضئيلة ممسوخة لا تكاد تُعرَف.

وما أقضي العجبَ من غفلة بعض الكُتَّاب في هذا الزمن إذ يُناهِضون العربية ويُزْرون على الفصاحة ويعملون على انكماش سوادها وتقليل أهلها، وما يدرون أنهم بذلك يُسقِطون الشعر قبل الكتابة على خطأ أو عَمْدٍ وقلما تجد واحدًا من هؤلاء يُحسن معالجة الشعر، فإن أصبتَ له شعرًا وجدته لا غَناء فيه أو في أكثره، وأين وضعتَ يدَك منه لم تخطئ أن تقع على مَثَل مما يُمثَّل به لِعَيْبٍ من عيوب البلاغة.

وهذه النهضة التي نحن في صدد الكلام عنها أوسع مدى وأوفر أسبابًا من تلك التي كانت في الدولة العباسية، بما دخلها من أدب كل أمة، وما اتصل بها من أساليب الفكر، ولكن أين رجال الفصاحة المتمكنون منها، المتعصبون لها العاملون على بَثِّها في الألسنة، مع أن عصرهم أوسع من عصر الرواة، بكثرة ما أخرجت المطابع من أمهات الكتب والدواوين، حتى أغنتْ كل مطبعة أدبية عن راويةٍ من أئمة الرواة.

والسبب الثاني الذي من أجله لا يزال الشعر متخلفًا عن منزلته الواجبة له: سقوط فن النقد الأدبي في هذه النهضة؛ فإن من أقوى الأسباب التي سَمَتْ بالشعر فيما بعد القرن الثاني وجعلتْ أهله يُبالِغون في تجويده٧ وتهذيبه، كثرة النُّقَّاد والحُّفَّاظ. وتتبُّعهم على الشعراء، واعتبار أقوالهم، وتدوين الكتب في نقدهم، كالذي كان في دروس العلماء وحلقات الرواية ومجالس الأدب، وكالذي صنَّفه مُهلهلُ بن يموت في نقد أبي نُوَاس وأحمد بن طاهر، وابنُ عمَّار في أبي تمام، وبشرُ بن تميم في البحتري، والآمديُّ في المُوَازنة، والحاتمي في رسالته، والجُرجاني في الوساطة، وما لا يُحصَى من مثل هذه الكتب والرسائل، وأنت من النقد في هذه النهضة بين اثنين: صديق هو الصديق أو عدو هو العدو … فإن ابتغيتَ لهما ثالثًا فكاتب لا تتعادل وسائل النقد فيه فلا خير في كلامه، أما الناقد الذي استعرض علم العربية وآدابها، وكان شاعرًا كاتبًا قويَّ العارضة،٨ دقيق الحس ثاقب الذهن، مستوي الرأي بصيرًا بمذاهب الأدب متمكنًا من فلسفة النقد مُبرَّزًا في ذلك كله — فهذا الخيال يُذكِّرني كلمةً قلتُها يومًا للبارودي إذ قلت له: إن الشاعر لا يكون لسان زمنه حتى يوجَد معه الناقد الذي هو عقل زمنه؛ فقال: ومَن ناقد الشعر في رأيك؟ قلت: الكاتب وهو شاعر، والأديب وهو فيلسوف، والمصلح وهو موفَّق؛ فكأنما هوَّلتُ عليه حتى قال: رحمهم الله، «فين دا كلُّه؟» قلت: فلعله لا ينشئ لنا هذا العقل الملتهب إلا العصر الذي يوجِد لنا أسطولًا كأسطول إنجلترا.

•••

وعلى ما نزل بالشعر العصري من هذين السببين فقد استقلَّت طريقته وظهر فيه أثر التحول العلمي والانقلاب الفكري، وعدل به أهله إلى صور الحياة بعد أن كان في أكثره صورًا من اللغة، وأضافوا به مادة حسنةً إلى مجموعة الأفكار العربية، ونوَّعوا منه أنواعًا بعد أن كان كالشيء الواحد، واتسعت فيه دائرة الخيال بما نقلوا إليه من المعاني المترجمة من لغات مختلفة، وهو من هذه الناحية أوسع من شعر كل عصر في تاريخ هذه اللغة؛ إذ كان الأولون إنما يأخذون من اليونانية والفارسية، ثم أخذ المتأخرون قليلًا قليلًا من التركية؛ أما في العهد الأخير فيكاد العقل الإنساني كله يكون مادة الشاعر العربي، لولا ضعفُ أكثر المحدَثِين من النشء الجديد في البيان وأساليبه، وبُعدُهم من ذوق اللغة واعتياص٩ مرامها عليهم، حتى حسبوا أن الشعر معنًى وفكر، وأن كل كلام أدى المعنى فهو كلام، ولا عليهم من اللغة وصناعتها، والبيان وحقيقته؛ وحتى صرنا — والله — من بعض الغثاثة والركاكة والاختلال في شر من توعُّر نظم الجاهلية وجفاء ألفاظه وكزازة معانيه؛ وهل ثَمَّ فرقٌ بين أن تنفر النفس من الشعر؛ لأنه وَعْرُ الألفاظ عسير الاستخراج شديد التعسُّف، وبين أن تمُجَّه؛ لأنه ساقط اللفظ، متسوِّل المعنى، مضطرب السياق؟ ثم تراهم يُنجِزون الشعر كله على اختلاف أغراضه نمطًا واحدًا من تسهيل اللفظ ونزوله، حتى كأن هذه اللغة لا تنوُّع في ألفاظها وأجراس ألفاظها،١٠ مع أن هذا التنوع من أحسن محاسنها وأخص خصائصها دون غيرها من اللغات، كما أن كل تنوُّع هو من أبدع أسباب الجمال والقوة في كل فن؛ ولا يدري أصحابنا أن كل ذلك من عملهم عبثٌ في عبثٍ١١ إذا هم لم يُعطوا الشعر حقَّه من صناعة اللغة؛ وهذا شاعر الفُرْس الشهير مُصلح الدين السعدي الشيرازي إمام من أئمة البلاغة في قومه لا يدفع مكانه وشعره مَثَل من أسمى الأمثلة في جمال المنطق الروحي، وليس في الناس إلا مَن يُسلِّم له هذا المحل من النبوغ، وهو مع ذلك حين نظم الشعر لم تنفعه نافعة من حكمة أو خيال أو فكر، وذهب في التعسُّف كل مذهب، وحمل على كلامه من العيوب ما لم يسلَم معه إلا صحة الوزن، كقوله في وصف نكبة بغداد وتخريبها:
فقد ثَكِلَتْ أمُّ القُرى١٢ ولكعبةٍ
مَدامِعُ في المِيزابِ١٣ تُسكَب في الحِجْرِ
على جُدُر المستنصريَّة نَدْبةٌ
على العلماء الراسخين ذوي الحِجْرِ
نوائبُ١٤ دهرٍ ليتني مِتُّ قبلها
ولم أرَ عُدوانَ السفيهِ على الحَبْرِ
محابِرُ تبكي بعدَهم بسوادها
وبعض قلوب الناس تألَف بالغدر
لحى الله١٥ مَن تُسدِي١٦ إليه بنعمة
وعند هجوم اليأسِ أحلَكُ من حِبْرِ
فانظر أي شعر هذا في الركاكة والهذيان والسخف، وفي خمود الفكر وضعف الروح وذهاب الرونق،١٧ وتأمل كيف هَوَى به السعدي من مكانته التي بوَّأه إياها أدبُه العالي، وكيف سقط إلى حيث ترى، مع أنه في محراب الفكر إمام وراءه صفوف من عصور البلاغة.

ومن ها هنا نشأ في أيامنا ما يسمونه «الشعر المنثور»، وهي تسمية تدل على جهل واضعها ومَن يرضاها لنفسه؛ فليس يضيق النثر بالمعاني الشعرية، ولا هو قد خلا منها في تاريخ الأدب؛ ولكن سر هذه التسمية أن الشعر العربي صناعة موسيقية دقيقة يظهر فيها الاختلال لأوهى علة ولأيسر سبب، ولا يُوفَّق إلى سبك المعاني فيها إلا مَن أمدَّه الله بأصحِّ طبعٍ وأسلمِ ذوقٍ وأفصحِ بيانٍ؛ فمن أجل ذلك لا يحتمل شيئًا من سخف اللفظ أو فساد العبارة أو ضعف التأليف، ولا تستوي فيه أسمى المعاني مع شيء من هذه العلل وأشباهها، وتراه يُلقِي بمثل «السعدي» من الفَلَك الأعلى إلى الحضيض، لا يُقيم له وزنًا ولا يرعى له محلًا ولا يقبل فيه عذرًا ولا رخصة؛ غير النثر يحتمل كل أسلوب، وما من صورة فيه إلا ودونها صورة إلى أن تنتهي إلى العامي الساقط والسوقي البارد؛ ومن شأنه أن ينبسط وينقبض على ما شئت منه، وما يتفق فيه من الحُسن الشعري فإنما هو كالذي يتفق في صوت المطرب حين يتكلم لا حين يغني؛ فمن قال: «الشعر المنثور» فاعلم أن معناه عجز الكاتب عن الشعر من ناحية وادعاؤه من ناحية أخرى.

•••

والذي أراه جديدًا في الشعر العربي مما أبدعتْه هذه النهضة أشياء:
  • أولًا: هذا النوع القصصي الذي تُوضَع فيه القصائد الطوال، فإن الآداب العربية خالية منه، وكان العرب ومن بعدهم إذا ذكروا القصة ألمُّوا بها اقتضابًا١٨ وجاءوا بها في جملة السياق على أنها مَثَل مضروب أو حكمة مرسلة أو برهان قائم أو احتجاج أو تعليل، وما جرى هذا المجرى مما لا ترِدُ فيه القصة لذاتها ولا لتفصيل حوادثها؛ وهو كثير في شعر الجاهليين والإسلاميين، والجيد منه قليل حتى في شعر الفحول؛ فإن طبيعة الشعر العربي تأباه؛ والذين جاءوا به من العصريين لا يجِدون منه إلا قِطَعًا تعرض في القصيدة وأبياتًا تتفق في بعض معانيها وأغراضها مما يجري على أصله في سائر الشعر طال أو قصر.

    والسبب في ذلك أن القصة إنما يتم تمامها بالتبسُّط في سردها وسياقة حوادثها وتسمية أشخاصها وذِكْر أوصافهم وحكاية أفعالهم وما يُداخِل ذلك أو يتصل به، وإنما بني الشعر العربي في أوزانه وقوافيه على التأثير لا على السرد، وعلى الشعور لا على الحكاية؛ ولا يريدون منه حديث اللسان ولكن حديث النفس؛ فهو في الحقيقة عندهم صناعة روحية يصنعون بها مقادير من الطرب والاهتزاز والفرح والحزن والغضب والحمية والفخر والاستطالة، ونحوها من المعاني التي هي بسبب من أسباب الانفعال والنزعة؛ فلا جرم كان سبيلهم إلى ذلك هو التحديد لا الإطلاق، وضبط المقادير لا الإسراف؛ إذ كان من شأن هذه الأمور في طبيعة النفس أن ما زاد منها عن مقداره تحول وانقلب في تأثيره، وذلك هو السبب أيضًا في أن هذا الشعر ما لم يكن قائمًا على اختيار اللفظ وصنعة العبارة وتصفيتها وتهذيبها واختيار الوزن للمعنى وإدارة الفكر على ما يلْفِتُ من ضروب المجاز والاستعارة ونحوها — سقطَ وركَّ بمقدار ما ينقصه من ذلك؛ وليس الشأن في إطالة القصيد؛ فمن الشعراء من نظم رويًّا واحدًا في أربعة آلاف بيت، ومنهم من نظم تفسير القرآن كله؛ ولكن عيب مثل هذا الشعر في العربية أنه شعر … وما أخملَ ابنَ الرومي على جلالة محله إلا طولُ قصائده وسياقُه الكلام فيها مع ذلك على ما يشبه أسلوب الحكاية وخروجُها مخرج المقالة يتحدث بها، فلم تَحْيَ له إلا مُقطَّعات وأبيات ومات سائر شعره وهو حيٌّ وميتٌ على السواء، حتى قال فيه صاحب الوساطة: «ونحن نستقرئ القصيدة من شعره وهي تُناهِز المائة أو تربي أو تضعف، فلا نعثر فيها إلا بالبيت الذي يروق أو البيتين، ثم قد تنسلخ قصائد منه وهي واقفة تحت ظلِّها جارية تحت رسلها لا يحصل منها السامع إلا على عدد القوافي …»

    والعجيب أن بعض الكتاب في عصرنا ممن لا تحقيق لهم في مثل هذه المسائل، يعدُّون أحسن محاسن ابن الرومي ما هو أقبح عيوبه، وقاتَل اللهُ صناعةَ الكتابة، فكما أنها لملء الفراغ هي كذلك لإفراغ الملآن …

  • ثانيًا: صياغة بعض الشعر على أصل التفكير في الإنجليزية أو الفرنسية أو غيرهما من لغات الأمم، فيخرج الشعر عربيًّا وأسلوبه في تأدية المعنى أجنبي؛ وأكثر ما يأتي هذا النوع من أمريكا، وأنا أعجب بكثير منه لما فيه من الغرابة والحُسن.
    وما زالتْ أجناس الأمم يضيق بعضها بأشياء ويتسع بعضها بأشياء فلسنا مقيدين بالفكر العربي ولا بطريقته، وعلينا أن نضيف إلى محاسن لغتنا محاسن اللغات الأخرى؛ ولكن من غير أن نفسدها أو نَحِيف عليها أو نبيعها بيع الوَكْس؛١٩ ومتى كان هذا النوع من الشعر رصينًا محكمًا جيد السبك رشيق المعرض، كان في النهاية من الرقة والإبداع؛ ولم يأت التجديد في هذه اللغة إلا من هذه الناحية، كالذي تراه فيما أخذ عبد الحميد وابن المقفع من نمط الأداء في اللغة الفارسية.
  • ثالثًا: الانصراف عن إفساد الشعر بصناعة المديح والرثاء، وذلك بتأثير الحرية الشخصية في هذا العصر؛ والمدح إذا لم يكن بابًا من التاريخ الصحيح لم يدل على سمو نفس الممدوح، بل على سقوط نفس المادح؛ وتراه مدحًا حين يُتلَى على سامعه، ولكنه ذم حين يُعزَى إلى قائله! وما ابتُلِيَتْ لغة من لغات الدنيا بالمديح والرثاء والهجاء ما ابتليت هذه العربية؛ ولذلك أسباب لا محل لتفصيلها.
  • رابعًا: الإكثار من الوصف والإبداع في بعض مناحيه والتفنُّن في بعض أغراضه الحديثة، وذلك من أسمى ضروب الشعر، لا تتفق الإجادة فيه والإكثار منه إلا إذا كان الشعر حيًّا، وكانت نزعة العصر إليه قوية، وكان النظر فيه صحيحًا، ولما وصف الشيخ أحمد الكردي — من شعراء القرن الثاني عشر — السفينة واستهلَّ بهذا الوصف مدْحَ الوزير راغب باشا، عدُّوا ذلك حادثة من حوادث الأدب في عصره فتأمل!
  • خامسًا: إهمال الصناعات البديعية التي كان يُبنى عليها الشعر، فيُنظَم البيت؛ ليكون جناسًا أو طباقًا أو استخدامًا أو تورية … إلخ، أو ضربًا آخر من صناعة العدد والحساب، كالتاريخ الشعري بأنواعه، أو صناعة الحرف، كالمقلوب والمهمل وغيرهما، أو صناعة الفِكْر، كاللغز والمعمَّى؛ أو صناعة الوضع كالتشجير والتطريز، إلى ما يلتحق بهذا الباب الذي ذهب أهلُه فلا يتيسَّر لأحد من بعدهم أن يجاريهم فيه، وكانت لهم في كل ذلك عجائب استقصيناها بالتدوين في موضعها من «تاريخ آداب العرب»؛ بَيْدَ أن إهمال صناعة البديع شيء وإهمال فن البديع نفسه شيء آخر؛ ومن هنا جاء ما نراه في بعض الشعر الحديث «والشعر المنثور» من الإغراق السخيف الذي لا يقوم على أصل من التعدي في ضروب الاستعارة، والبُعد في المجاز، والإحالة في الوضع، ونحوها مما يرجع إلى الجهل بطبيعة البلاغة، ومما لا نعدُّه إلا ضربًا من الفساد يلتحق بما كان في العصور الماضية وإن كان على الضد منه.
  • سادسًا: النظم في الشئون الوطنية والحوادث الاجتماعية، مما يجعل الشعر محيطًا بروح العصر وفكره وخياله، وهو باب لا ينهض به إلا أفراد قلائل، ولا يزال ضعيفًا لم يستحكِم؛٢٠ وقد قالوا: إن للقاضي الفاضل اثني عشر ألف بيت في مدح الوطن والحنين إليه، ولكن لا أحسب أن فيها مائة من نحو ما يُنظَم في هذا العصر مما أدَّى بالشعر إلى أن يدخل في باب السياسة ويُعَدُّ من وسائلها، وفي طرق التربية ويُعَدُّ من أسبابها.
  • سابعًا: اسخراج بعض أوزان جديدة من الفارسية والتركية، وهو قليل، جاء به شوقي في قصيدتين ولم يُتابِعه أحدٌ؛ لإفراط ذلك الوزن في الخِفَّة حتى رجع إلى الثقل … ثم نظم بعض الشعر من أوزان مختلفة قريبة التناسق على قاعدة المُوشَّح، ولكنه شعر لا توشيح، كما ينظم بعض شعراء أمريكا وسوريا؛ ولم يحدث مثل ذلك في العربية، فإن القصيدة كانت تُنظَم من بحر واحد، وقد يخرج منه وزن آخر، ولا نعرف في تاريخ الأدب قصيدة تتألَّف من وزنين إلا الذي قالوا إن حسين بن عبد الصمد المتوفى سنة ٩٨٤ﻫ/١٥٧٦م قد اخترعه ونظم فيه أبياته التي مطلعها:
    فاحَ عَرْفُ الصَّبا وصاحَ الدِّيكْ
    وانثنى البانُ يشتكي التحريكْ
    قم بنا نجتلي مُشعشعةً
    تاهَ من وصفه بها النِّسِّيكْ٢١

    وعارضها ولدُه الإمام الشهير بهاء الدين العاملي صاحب الكشكول بأبيات قالوا: إنها سارت في عصره مسير المثل، ونسج عليها شعراء ذلك العصر، كالنابلسي وغيره، ومطلعها:

    يا نَديمي بمُهْجتي أفديكْ
    قمْ وهاتِ الكئوسَ من هاتيكْ
    خمرةٌ إن ضَلَلْتَ ساحَتَها
    فسَنَا٢٢ نورِ كأسِها يَهديكْ

    على أن هذا الوزن بشطريه مستخرج من الخفيف، فليس باختراع كما زعموا، وإنما هو ابتداع في التأليف الشعري؛ وقد اجتزأنا بما مرت الإشارة إليه، فإنه كل ما تغيَّر به الرسم في هذه الصناعة؛ وتركنا الأمثلة تفاديًا من الإطالة.

وبعدُ؛ فلا ريب أن النفس البشرية في حاجة أبدًا مع دينها الروحي إلى دين إنساني يقوم على الشعور والرغبة والتأثير، فيفسِّر لها حقائق الحياة، ويكون وسيلة من وسائل تغييرها؛ ليجعلها ألْطَفَ مما هي في اللطف؛ وأرقَّ مما تكون في الرقة، وأبدع مما تتفق في الإبداع؛ ذلك الذي يصل بظهوره وإبهامه بين الواضح والغامض، والخالد والفاني؛ ذلك الذي لا يجمُل الجمالُ إلا به، ولا تسكن النفس إلا إليه؛ ذلك هو الشعر!

صرُّوف اللغوي

كان شيخنا هذا رجلًا حصيفًا٢٣ جيد المنزعة حسن الرأي، ممكَّنًا له فيما كان يعترضه من مسائل اللغة، قويًّا على الأحوال التي تجري له من أوضاعها فيما يُعانيه من النقل ويزاوله من الترجمة على اختلاف مناحيها وكثرة فنونها، وعلى أنها لا تزال كل يوم تنبعث من عِلْم وتحتفل من رأي وتمد مد السيل كأنها دنيا عقلية لا يبرح عقل الإنسان دائبًا يُحلِّق فيها ويبنيها من معاني الكون وأسراره، فلا الكون ينفد لتتمَّ، ولا هي تتمُّ قبل أن ينفد الكون.

وثبتَ شيخنا على ذلك عُمْرَ دولة من الدول في خمسين سنة ونيِّف، يضرب قلمه في السهل والصعب، وفي الممكن والممتنع؛ وإنه لَيَمُرُّ في كل ذلك مرًّا لا ينثني، ويحذو حذوًا لا يختلف، كأن الصعب عنده نسق السهل، والممتنع صَوْغُ الممكن؛ فلو قلتَ: إنه بُني في أصل خَلْقه وتركيبه على أن يكون قوة من قوى التحويل لتحقيق المشابهة العقلية بين الشرق والغرب لما أبعدتَ، ولو زعمتَ أن ذلك القلم الحي لم يكن إلا عِرْقًا في جسم الإنسانية لكان عسى …

وانتهى شيخنا في العهد الأخير إلى أن صار يُعَدُّ وحده حُجَّة اللغة العربية في دهر من دهورها العاتية، لا في الأصول والأقيسة والشواذ وما يكون من جهة الحفظ والضبط والإتقان، بل فيما هو أبعد من ذلك وأرَدُّ بالمنفعة على اللغة وتاريخها وقومها، بل فيما لا تنتهي إليه مطمعةُ أحد من علمائها وكُتَّابها وأدبائها؛ إذ وقع الإجماع على أنه انفرد في إقامة الدليل العلمي على سَعَة العربية وتصرُّفها وحسن انقيادها وكفايتها، وأنها تؤاتي كلَّ ذي فن على فنه، وتمادُّ كل عصر بمادته؛ وأنها من دقة التركيب ومطاوعته مع تمام الآلات والأدوات بحيث ينزل منها رجل واحد بجهده وعمله منزلة الجماعات الكثيرة في اللغات الأخرى، كأنها آخر ما انتهت إليه الحضارة قبل أن تبدأ الحضارة.

ولا يذهبَنَّ عنك الفرق بين رجل حافظ، والكتاب أحفظ منه، وهو من الكتاب خرج وإلى الكتاب يرجع؛ وبين رجل يكون ترجمانًا من تراجمة العقل الإنساني المعنيِّ٢٤ بتأويل الكون وتفسيره، والطائر بالألفاظ الإنسانية على أجنحة العلوم والفنون والمخترعات والمعاني؛ فإن ذاك ينقل عن الواقع ثم لا يتعدَّى هذه المنزلة ولا يتجاوز متون الألفاظ، وأما هذا فلا يزال يضطرب مع الألفاظ ومعانيها يجاذبها ويدافعها، ثم لا يزال يضع يده في النسيج اللغوي يُسدِّي ويُلحِم، فهو مدفوع إلى المسالك الدقيقة من مذاهب الوضع وطرقه، وأساليب الأخذ والانتزاع؛ وهو مقيَّد أبدًا بخاص المعنى وخاص اللفظ على التعيين والتحديد، لا يجد فُسحة من ضيِّقين؛ فإن لم يكن مثل هذا في منزلة الواضع فهو في المنزلة بعده ولا ريب.
إنما اللغوي الأكبر عندي هو هذا الكون، وما العالم باللغة وفنونها إلا وسيلة لتهذيب الطريقة تهذيبًا عقليًّا، فيجب من ثَمَّ إن يكون للغوي رأيٌ وعِلْم وذكاء وبصر، ويجب أن يُطابِق النواميس، فلا يتعادى ما بينه وبينها؛ لأنه وسيلة إنطاقها ليس غير؛ ومن ذلك أرى الدكتور صرُّوف في الغاية، فقد كان ينزع في مذهبه اللغوي منازع علمية دقيقة تُوزَن وتٌقاس وتُختَبَر، في حين لا تزيغ ولا تهن ولا تختل، وتراها تنطلق وهي مقيدة، وتتقيد وهي مطلقة؛ إذ كان لا يعتد اللغة عربية للعرب، بل عربية للحياة؛ وما تهدمه وتبنيه وما تحدثه وتنسخه فهي على أصولها فيمن قبلنا، ولكن فروعها فينا نحن وفيمن يلينا وفيمن بعد هؤلاء، فلنا أن نتولاها على تلك الأصول وعلى ما يُشبِهها في الطريقة حين تنتقل الحال ويتغير الرسم، ولعلةٍ إن وجبتْ، ولقياس إن جاز. والدكتور بهذا الاعتبار يشتد في التمسك بالقواعد والضوابط ولا يترخَّص٢٥ في شيء منها غير أنه لا يكون كأقوام يَرَوْن الفروع من الجذوع قد خرجت، فيحسبون الثمرات سبيلها من الجذوع أيضًا … وإن لم تجيء منها فستجيء منها.

عرض لي يومًا أحد هؤلاء اللغويين فانتقد في المقطم قصيدة من القصائد التي رفعتها إلى الملك فؤاد، وتمحَّل في نقده ودلَّل ببعض ما نقله من كتب اللغة، فكان فيما تكلم فيه لفظا «الأزاهر والورود»، فقال إنهما ليسا من اللغة ولم يجريا في كتبها؛ وكان من ردِّي عليه أن قلت له: إن العرب جمعوا الجَمَل ستة جموع، وجمعوا الناقة سبعة؛ لأنها أكرم عليهم منه، وإن لكل حياة صورها الدائرة في ألفاظها، فالزهر والورد عند المولَّدين والمحدَثين أكرم من الجمل والناقة عند العرب، أو هذان كهذين؛ ثم هما من خاص الألفاظ المولدة، فلنا أن نجمعهما على كل صور الجمع التي يُسوِّغها القياس؛ لأن ها هنا العلة الموجبة التي لم تكن مع العرب فيهما؛ فمن الصحيح أن تقول: زهور، وأزهار، وأزاهر، وأزاهير إلخ، فلما لقيتُ الدكتور بعد نشر هذا الرد هنَّأني به، ثم قال فيما قال: يحسبون أن العرب هم الجمل والناقة وليس غير ما استجمل وما استنوق … أما هذا الدهر الطويل العريض فليس عندهم شيئًا، وهم يستطيعون أن ينكروا على المولَّدين ألف كلمة، ولكن هل في استطاعتهم أن ينكروا على التاريخ ألف سنة؟ فذكرت له الأصل الذي قرَّره أبو علي الفارسي في العربي الصحيح نفسه من أنه ليس كل ما يجوز في القياس يجب أن يخرج به سماع، فإذا أخذ إنسان على طريقة العرب وأمَّ مذهبهم فلا يُسأَل ما دليله وما أسماعه وما روايته، ولا يجب عليه من ذلك شيء، حتى قال أبو علي: لو شاء شاعر أو متَّسِع أن يبني بإلحاق اللام اسمًا وفعلًا وصفة لجاز له، ولكان ذلك من كلام العرب؛ وذلك نحو قولك: خَرْجَجٌ أكثر من دَخْلَل، وضرببَ زيد عمرًا، ومررتُ برجل ضرببٍ وكرممٍ، ونحو ذلك. قال تلميذه ابن جِنِّي: فقلت له: أترتجل اللغة ارتجالًا؟ قال: ليس بارتجال لكنه مقيس على كلامهم فهو إذن من كلامهم.

وسألني مرة عن وجه الخلاف بين ما يسمونه القديم والجديد، فقلت له: إن الخلاف ليس علي جديد ولا قديم، ولكن على ضعف وقوة؛ فإن قومًا يكتبون وينظمون ولكن لم تقسم الفصاحة والبلاغة على مقدار ما يطيقونه من ذلك، ولا يتسع الصحيح لآرائهم في اللغة والأدب، وقد أرادوا أن يسعوا كل ذلك من حيث ضاقوا، ويطاولوه من حيث تقاصَروا، وينالوه من حيث عجزوا؛ فظنوا بالأمر ما يظن إنسان يمشي على الأرض ويعرف أنها تدور، فيُؤَوِّل ذلك بأنه هو يُدير الأرض على محورها بحركة قدميه! … نحن نقول: أسلوب ركيك، فيقولون: لا بل جديد، وتقول: لغة سقيمة، فيقولون: بل عصرية، ونقول: وجه من الخطأ، فيقولون: بل نوع من الصواب، وهلمَّ جرًّا أو سحبًا … ثم قلت له: أفتجد أنت الركاكة واللحن والخطأ والغثاثة٢٦ وإن وأخواتها بابًا جديدًا أو أمرًا مبتدعًا أو شيئًا يحتاج إلى اسم جديد غير اسمه العربي؟ قال: لا، وأنا معك في هذا، وطريقتي في المقتطف أن اللغة في قواعدها عربية، ولكن من قواعدها أن لكل مقام مقالًا، فنحن نكتب كتابة صحيحة ونريد بها أن ترفع العامة ولا تنزل بالخاصة، فنخدم العربية من الجهتين.
ثم نشر بعد ذلك في عدد شهر مايو سنة ١٩٢٧ مقالًا جعل عنوانه «أسلوبُنا في الترجمة والتعريب» وابتدأه بهذه العبارة: «اللغة جسم حيٌّ نامٍ، وشأن مَن يحاول منعها من النمو شأن الصينيين الذين يربطون أقدام بناتهم لكي لا تنمو وتبلغ حدها الطبيعي، ولكن إذا كان النمو مشوَّهًا فلا بد من تقييده وتهذيبه.» وكل ما نقوله نحن هو التقييد والتهذيب واتقاء الشوهة أن تُلِمَّ باللغة وأساليبها فتترادف على محاسنها بمعايبها، وتُطمَس٢٧ مفاتنها بمقابحها؛٢٨ فإن هذه المعايب والمقابح إذا هي استجمعت وانساغت في لغة من اللغات لبستها بأشكالها فلا تزال تُنكِر منها حتى لا تُبقِي لها وصفًا يُعرف، والحسن وحده هو الذي يُحَدُّ بالأوصاف والتعاريف، وهو الذي يُدقَّق فيه ويُبالَغ في قياسه وتقديره، فإن وقع فيه الفضول واختلطت الحدود وضعفت الملاءمة وجرى الوصف ناقصًا وزائدًا فقد خرج إلى القبح، وإن خرج إلى القبح لم يعُد الناس يحدُّون له حدًّا أو يعبئون٢٩ له بقاعدة، ووجدوا فيه كل الأوصاف الجميلة مقلوبة مُنكَرة؛ لأنه هو جمال مقلوب؛ «فتقييد التشويه وتهذيبه» كلمتان فيهما الكلام كله، أو هما المصراعان لهذا الباب؛ ومن أجل ذلك كنا نعد الدكتور من حجتنا على أصحاب الجديد؛ لأنه أوسعهم إحاطة وأكثرهم علمًا وأمدهم عملًا، ثم لن يُدانِيَه أحد منهم إلا إذا جمع لنفسه عُمْرَيْن، وهل في الجديد رجل ذو عمرين؟ …
قلنا: إن الشيخ كان في المنزلة التي تلي منزلة الواضع، وقد دفعتْه العلوم إلى ذلك دفعًا، لأنه مقيد بخاص المعنى في كل ما يترجم أو يعرِّب، ثم بالخصائص العلمية الدقيقة التي لا تحتمل في أدائها ما تحتمل المعاني الأدبية؛ وقد تصدَّر للكتابة والترجمة منذ شاب هذا العصر، ومنذ بدأ الناس يقرأون العلوم الحادثة في الشرق؛ فلا جرم لم يكن لغويًّا كأبي عمرو وأبي زيد والخليل والأصمعي وأبي حاتم وأبي عُبَيْدة وأضرابهم ممن يحملون عن العرب ويؤدون ما حملوه، ولا كان لغويًّا في طريقة سيبويه والكسائي والزجاج والأخفش واليزيدي وأشباههم ممن ينظرون في اللغة وعللها وأقيستها وشواذها؛ ولكنه لغوي فيما يعمر بين الشرق والغرب، يحمل بلسان ويؤدي بلسان غيره ويوافق بين المعاني الجديدة والألفاظ القديمة، ويشابك بين خيوط التاريخ في هذه وهذه، ويأخذ اللغة للاستعمال لا للحفظ، وللتعليم لا للتدوين، وللمنفعة لا للمباهاة، وللفائدة لا للتنبُّل؛ ويترجم وإنَّ في خياله العالمَ الواسع الذي ينقل عنه بعلمائه وأدبائه وكتبه ومجلاته ومصطلحاته، ويكتب وإنَّ له تلك الملكة الدقيقة التي كوَّنتْها العلوم الرياضية والطبيعية والفلسفية وغيرها؛ فلم يكن بدٌّ من أن يبتدع، وأن تكون له طريقة يوافِق فيها ويخالِف، وقد بسط هو القواعد التي أخذ بها وجرى عليها، فكتب فيها مقالًا في «المقتطف» شهر يوليو لسنة ١٩٠٦، وأعاد نشره في عدد شهر مايو لسنة ١٩٢٧، وهو يوافِق فيه أكثر العلماء، وخاصة الإمام الجاحظ؛ ومع أن قاعدة الجاحظ لم تكن يومئذٍ معروفة، ولكن كلا الشيخين حصيف الرأي٣٠ تام الإدارة في عمله، قويُّ الحِسْبة والتدبير فيما يأخذ وما يدَع؛ وخلاصة رأي الدكتور أنه ينظر في الكلمة الأعجمية، فإن أصاب لها مرادفًا في العربية يحدِّدها ويفي بها فذاك، وإلا أمرَّها في كتابته وهو مقيَّد بقاعدة القارئ وما هو أخفُّ على قارئه في المئونة وأبين له في الدلالة، فإن كانتِ اللفظة الأعجمية أوفى وأشيع في الاستعمال عدل إليها،٣١قال: وغنيٌّ عن البيان أننا التزمنا أن نجاري العلماء في المصطلحات العلمية التي تفقد دلالتها بتعريبها: كالحامض الكبريتوس والكبريتيك إلخ، فإن لكل من هذه الملحقات والزوائد التي فيها، معنًى خاصًّا يدل على تركيب الحامض المراد كما يعلم دارسو الكيمياء؛ قال: فمَن يسمي الحامض الكبريتيك بالحامضي الكبريتي كمن يسمي الفرس حمارًا؛ لأن لكل منهما رأسًا وذنبًا …

والجاحظ يقول في مثل ذلك: إن رأيي في هذا الضرب من هذا اللفظ أن أكون ما دمت في المعاني التي هي عبارتها والمادة فيها على أن ألفظ بالشيء العتيد الموجود — يعني: اللفظ العلمي الاصطلاحي — وأدَع التكلف لما عسى ألَّا يسلس ولا يسهل إلا بعد الرياضة الطويلة … ولكل صناعة ألفاظ قد جُعلتْ لأهلها بعد امتحان سواها، فلم تلزق بصناعتهم إلا بعد أن كانت بينها وبين معاني تلك الصناعة مشاكلات.

فأنت ترى الجاحظ لا يمتنع من الألفاظ الأعجمية والعامية كما هي ما دامت المعاني قائمة، وقاعدتُه هي الأخفُّ والأدلُّ والأفهَم والأشيَع، وهذا بعينه يقول الدكتور فيه: «يُشتَرَط في حُسن التعبير أن يؤدِّي المعنى المراد إلى ذهن السامع بأقل ما يكون من الوقت والكلفة والإسراف في القوة العصبية.»

وقد كلمني بعضهم في خطأ الدكتور من ناحية الألفاظ الأعجمية وإقحامها٣٢ في كتابته، وأنه يجنح إلى ذلك بأوهى سبب؛ ولا أراه خطأ، بل أنا أردُّ ذلك إلى ما بيَّنْتُه آنفًا من أمر الناقل والواضع ولا يعجزنا أن نجد لصنيع الدكتور نصًّا يقوم به وينهض بحجته؛ فقد قال أبو علي الفارسي: إن العرب إذا اشتقَّت من الأعجمي خلطت فيه. فإذا كان هذا في الاشتقاق وهو لا يكون إلا من أصل، فكيف بالتعريب؟ على أنه لا خلط ولا اضطراب، إنما هو سبيل الوضع وحكمة الدلالة وأن اللغة هكذا تجيء، ثم يأتي بعد ذلك النحوي يقول: لماذا ولأن …
وقد أعجبني حُسنُ تقسيم الدكتور لقواعده التي بسطها في مقاله المستفيض،٣٣ حتى إني لأراه بابًا جديدًا في التقسيم المعروف عند علماء البلاغة واللغة لابتذال الألفاظ وغرابتها؛ إذ لم يبقَ عندنا غريبٌ ومبتذلٌ ولا بيننا عربٌ ومحدثون.

بَيْدَ أن مِن تلك القواعد أن الأستاذ يترخَّص في الألفاظ العامية وهو يجد فصيحها، ويقول في ذلك: «إذا أسمعتَ الفلاحَ المصري كلمة بِذَارٍ مرةً في الأسبوع أو في الشهر، سمع كلمة «تقاوي» مائة مرة وألف مرة، فرأيُنا أن محاولة تغيير لغة العامة في هذه الكلمات وأمثالها ضرب من العبث وإضاعة للوقت وتضييع للفائدة، فجاريناهم فيما نكتبه لهم.» وهذا ما كنت أجادله فيه ولا أسلِّم له بشيء منه؛ لأنه أغفل أصلًا اجتماعيًّا عظيمًا، فإن عاميتنا غير منقطعة من العربية الفصحى، ولا يزال فيهم ميراثها من القرآن والحديث وكلام العلماء في أمور دينهم، وهذه هي وسائل مزجهم بالفصيح وردهم إليه، ولا تزال هذه الوسائل تفعل ما تفعله النواميس المحتومة ولولاها لما بقي للفصحى بقية بعدُ.

وقد كان جاء إلى مصر من بضع سنين رجل من أمريكا هو من تلاميذ الدكتور القُدَماء، فنزح إلى ذلك البر فاتَّجَر فأثْرَى وفشَتْ له نعمة عظيمة؛ ولما لقيتُه لقيتُ في يده صحيفة وضع فيها مسائل في اللغة والنحو، وكأن أعدَّها ليسأل عنها؛ وفي أولها هذا السؤال: لماذا يقال: فصُح الرجل فصاحة فهو فصيح، ثم يقول: شعُر شعرًا فهو شاعر؟ ألم يكن القياس أن يقال: شعُر شَعارة فهو شعير، والفصاحة والشعر من باب واحد؟

وهذا السؤال وإن كان في ظاهر الرأي لغوًا وعبثًا ولكنه دقيق في تاريخ اللغة وأقيستها، ولا محل لبسط الكلام عليه في هذا الموضع، غير أني أنهيتُ الخبر للدكتور صرُّوف وقلت له: إن صاحبك هذا يضع قواعد اللغة في الميزان الذي في حانوته … وأنت كذلك تعالج بعض الألفاظ أحيانًا ببعض الغازات والحوامض.

قلت هذا؛ لأني لم أسلِّم له قط فيما كان يراه في مثل البِذار والتقاوي، على أنه قيَّد الكلام بقوله: «فيما نكتبه لهم.» وهذا احتراس يُدافِع عنه بقوة كما ترى.

ولا يمتري أحد في أن هذه النهضة اللغوية التي أدركناها وعملنا فيها لم تكن سوى نمو طبيعي لعمل رجال أفذاذ نظن الدكتور صروف في طليعتهم؛ لأنه كان أطولهم جهادًا وأكثرهم عملًا وأظهرهم أثرًا؛ وكان المقتطف يجيء لها كل شهر كأنه قطعة زمنية مسلَّطة بناموس كناموس النشوء، حتى لَألمَّ هذا المقتطف أن يكون عصرًا من العصور قد خرج في شكل الكتابة؛ ولقد كاشفني الدكتور في آخر أيامه أنه كان يودُّ لو ختم عمله بوضع معجم في اللغة يصلح أن يقال فيه: إنه معجم الشعب، وفصَّل لي طريقته؛ إذ كنتُ أكلمه في كتاب لغوي افتتحتُ العمل فيه من زمن ولا يعرف أحد من أمره خبرًا فقال لي: خذ بين طريقتي وطريقتك، وامضِ أنت في هذا العمل؛ فإني لو وجدتُ فراغًا لما عدلتُ بهذا الأثر شيئًا، وما كل سهل هو سهل …

على أن شيخنا هذا لو قد كان تفرَّغ للغة وتوفَّر عليها واجتمع لها بذلك العمر وتلك العلوم والأدوات، لكان فيها بأمة من الأشياخ الماضين من لدُن أبي عمرو بن العلاء إلى الدكتور يعقوب صرُّوف، ولكن لعل الدهر أضيق من أن يتسع أو هو أوسع من أن يضيق … لإمام آخر كأبي علي الفارسي، يُفرِغ سبعين سنة لفرع واحد من علوم اللغة هو علم القياس والاشتقاق والعلل الصرفية ويجعله همه وسدَمَه على ما قال تلميذه ابن جِنِّي: «لا يعتاقُه عنه ولدٌ، ولا يُعارضه فيه متجرٌ، ولا يسوم به مطلبًا، ولا يخدم به رئيسًا؛ فكأنه إنما كان مخلوقًا له.»

وكانت للدكتور طريقة جريئة في رد الألفاظ العربية إلى أصولها والرجوع بها إلى أسباب أخذها واشتقاقها وتصاريفها من لغة إلى لغة، وأعانه على ذلك ثقوبُ فكره٣٤ وسعة علمه ودقة تمييزه وميله الغالب عليه في تحقيق ناموس النشوء وتبيُّن آثاره في هذه المخلوقات المعنوية المسماة بالألفاظ؛ وكان معجَبًا بكل ما جاءه من هذا الباب ولو كان من خطأ؛ لأنه إلى الرأي يقصد وللطريقة يمكِّن ومع الحاضر يجري.

وهذا باب يحتاج إلى التسمُّح والتساهُل؛ إذ لا يمكن تحقيقه، ولا تتفق الحيطة فيه، وليس إلا أن يتلوَّح شيء منه ويسنَح شيء وتتلامَح علة ويعرض سبب؛ ثم هو في الدكتور في بعض الدلالة على استحكام ملكة الوضع فيه، ونزعه إلى أن يقتاس بقياسه ويستخرج من علله؛ وقد تراه يبعد في ذلك فينصب لك الدليل من وراء بضعة آلاف سنة، وأنا الساعة أُعانُّ ذاكرتي وأُدِيرها من ها هنا وها هنا لأجد، كلمة، قال لي مرة في تاريخها: إن العرب أخذوها عن اليونان حين كانت مكة نفسها جارية في حكمهم، ولكن أُنسيتُ هذه الكلمة؛ إذ لم أرتبطها، وإذ كنتُ لا أرى هذا المذهب ولا أُحسن أن أقول فيه قولًا، وأعدُّ كلَّ ما يقال فيه من باب تلفيق الأدلة، كأنه ذئب ذلك الأعرابي الذي يريد أن يجعل في الناس منه مثل غرائز الغنم … فيقول: «إلَّا ترَهْ تظُنَّهْ.»

والدكتور صروف رجل مالي في المال وفي اللغة جميعًا. فمذهبه القصد٣٥ في الدلالة والقصد في الوقت والقصد في القوة، وقد صرفَتْه ثلاثتُها عن الشعر وعما كان في حكمه من تحبير النثر وتوشيته، على أنه يحسنهما لو أراد ولو سَخَتْ نفسه بالوقت ينفقه ولا يتعرف قدر ما مضى منه في هذه الساعات، بل في ساعة الكون الكبرى التي يتعاقب فيها عقربا النهار والليل، كما كان ينفق البارودي يومًا في بيت أو بيتين.

وكان شيخنا في آخر مجالسي معه قبل وفاته بشهر أو نحوه، أطلعني على كل ما نشره في مجلدات «المقتطف» من شعره، فأعجبتُ بأشياء منه، وأشرتُ على صديقنا الأستاذ فؤاد صروف أن يُعيد نشر قصيدة الرقاش التي ترجمها الدكتور عن الإنجليزية في نسق سَلِس موشَّح القوافي، والتي يقول فيها صاحبها يصف مخازي المدنية:

مخازٍ توالتْ فصالتْ وصارتْ
على اللحم دودًا وفي العظم سُوسا

وسألني الدكتور بعد أن فرغت من شعره: في أي طبقة تعدُّني من شعرائهم؟ ففكرتُ قليلًا ثم قلت له: في طبقة الدكتور صروف! فضحك لها كثيرًا.

وكانت له آراء في الشعر العربي غير بعضها في آخر عهده، ومما قاله لي مرة: إن الذي يريد أن يَخلُد ذكرُه في هذا الشرق فلا يُنسَى، لا ينبغي له أن يطمع في هذا إلا إذا بَنى هرمًا كهرم الجيزة! وهي كلمة فلسفية كبيرة تنطوي على شرح طويل يعرفه من يعرفه.

وقد كادت قاعدة القصد التي أومأتُ٣٦ إليها تنتهي به في آخر مُدَّته إلى القول بإسقاط الإعراب بَتَّةً، وأظن ذلك خاطرًا سنَح له فأخذ بأوله وترك أن ينظر في أعقابه، فزرتُه مرة في شهر يناير لسنة ١٩٢٧، وكان يصحِّح تسويدة جواب كتبه عن سؤال وَرَدَ عليه في هل يمكن الرجوع إلى اللغة الفصحى في القراءة والتكلم، وما الفائدة من ذلك؟ فلما أمر بالجواب على نظره دفعه إليَّ فقرأتُه، فإذا هو يرى أن كل حركة من حركات الإعراب والبناء يتهوَّر فيها وقت ما؛ قال: فإذا قضينا على أبناء العربية ألَّا يتكلموا إلا كلامًا معربًا نكون قد أضعنا عليهم ثلث الوقت الذي يقضونه في التكلم من غير فائدة تُجنَى.
ولقد جادلتُه في ذلك ولججْتُ٣٧ في الخلاف معه، وقلت له: إن هذه قاعدة مالية، ثم إنك أغفلتَ أمر العادة وما تيسِّره، وفي الكلام إيجاز يقوم مع الإعراب، هذا المقام حين لا يكون من الإيجاز بد، وفي اللهجات العامية من الحشو ومط الصوت وفساد التركيب ما يذهب بأكثر من ثلث الوقت؛ فأحسبُه اقتنع وإن كنتُ رأيتُه لم يقتنع.

وإنه ليحضرني بعد هذا كلام كثير في فضائل الدكتور وآدابه وشمائل نفسه الزكية ومنزعه في الأخلاق الطيبة الكريمة، ولو ذهبتُ أفصِّل لخرجتُ إلى الإفاضة في فنون مختلفة، ولكني أجتزئ من كل ذلك بأنه كان يَظهَر لي دائمًا كأنه في ظل من محبة الله.

١  يرتعد: يرتجف.
٢  يحصيه: يَعُدُّه.
٣  ناموسًا: قانونًا.
٤  الحذق: المهارة.
٥  سفسفة: انحطاط.
٦  تثيب: تُكافِئ.
٧  تجويده: تحسينه وإتقانه.
٨  قوي العارضة: متمكن من ملكته الشعرية الفنية وحجته.
٩  اعتياص: صعوبة.
١٠  أجراس ألفاظها: موسيقاها.
١١  عبث: لعب، لا طائل منه.
١٢  أم القرى: مكة.
١٣  الميزاب: جمعه ميازب، وهو أنبوب تجري فيه المياه.
١٤  نوائب: مصائب.
١٥  لحى الله فلانًا: قبَّحَه ولعنه.
١٦  تسدي: تُقدِّم.
١٧  الرونق: الطلاوة.
١٨  اقتضابًا: اختصارًا.
١٩  الوكس: النقصان والتنقيص.
٢٠  لم يستحكم: لم يُتقَن ويَقْوَى.
٢١  النسيك: العابد.
٢٢  سنا: ضوء.
٢٣  حصيفًا: ذكيًّا أريبًا.
٢٤  المعني: المهتم.
٢٥  يترخص: يسمح ويتساهل.
٢٦  الغثاثة: التفاهة والركاكة.
٢٧  تطمس: تُغطَّى وتُمحَى.
٢٨  مقابحها: بشاعتها.
٢٩  يعبأون: يهتمُّون.
٣٠  حصيف الرأي: صائبه.
٣١  عدل إليها: مال إليها.
٣٢  إقحامها: حشرها.
٣٣  المستفيض: المشبَع بحثًا ودراسة.
٣٤  ثقوب فكره: سداده.
٣٥  القصد: الاعتدال والاقتصاد.
٣٦  أومأت: أشرت.
٣٧  لججت: ألححت إلى آخر حَدٍّ ممكن.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢