مسحوق الهمس

حين هدأْتُ أتأمَّل الروعة في المسألة، وجدتُ نفسي أمامها كالطفل الصغير الأبله، الذي وقف يُحدِّق في الجسد العاري تمامًا لسيدةٍ ناضجة الأنوثة، وهو غير قادرٍ على الربط بين ما يراه وبين ذاته، أو حتى بين رغباته ومشتهياته الخاصة وبين هذا الجسد المستسلم العاري، الذي أصبح فجأةً أمامه، وملك ناظرَيْه، ويدَيه، وحواسِّه.

كنتُ باندفاعٍ وتهوُّرٍ وجنونٍ فرحًا، ولكنه فرحٌ لا أدري ماذا أفعل به أو لماذا اعتراني أصلًا؟ كاد اليوم يمر مروره الأزلي الخالد لولا أنه قبل «التمام» ربما بساعة، «ترت ترت» فُوجئتُ ببابي يُفتح، وعبد الفتاح الطويل الرفيع الأسمر يظهر، وقبل أن ينطق كانت عصاه الخيزران التي تفتَّتَت نهايتها على ظهور «النبطشية» تدُق كعصا «النقرزان» على باب الزنزانة، دقَّاتٍ كمزاج صاحبها في النهار عصبيةً مُتعجِّلة مُلِحَّة: يالله! لم عزالك يالله! بسرعة يالله! شيل نزامك (نظامك)، بُرشَك وبطانيتك وتعالَ بسرعة! «النزام» بسرعة بسرعة! يالله بسرعة!

كلماته الخارجة كتكتكةٍ مفرقعة متلاحقة لمسدَّس أطفال، ودقَّات العصا «النقرزانية» وازدياد تفتُّتها، والإلحاح المزعج واللهفة والسرعة، وفي ومضةٍ كنت أحملُ كل ما يخصُّني في الزنزانة، حتى «جردل» البول حمَلْتُه؛ فقد كان جديدًا يُوفِّر عليَّ مئونة الحبس مع «جردل» قَذِر، وتبعتُه واضطرابُ الفرحة يُبعثر خُطاي. أعرف أنه مجرد «عزال» لا أفراح فيه ولا زيادة، أو حتى أمل في أيٍّ منهما، ولكنه حدَثٌ هائل يقع؛ إذ هو جديد لم يحدث بالأمس، ولن يتكرر غدًا. إلى أين؟ لم يكن مهمًّا، حتى لو كان مع «الإخوان». لم أستطع ملاحقة خطوات «الأومباشي» عبد الفتاح السريع المضحك، الذي يبدو به وكأنه يخوض سباقًا للأرجل الخشبية، وبدأَت المسافة بيني وبينه تتسع، وأنا أجاهد ولا أستطيع، وكأنني من طول الجلوس نسيتُ المشي. بعد بضع خطواتٍ بدأتُ ألهث وأتساءل جادًّا هذه المرة عن وجهتنا؛ إذ كنا قد غادرنا السلَّم الهابط إلى أسفل، والثاني الصاعد إلى أعلى، وتركنا منطقة «الإخوان» والمحبوسين احتياطيًّا وتحت التحقيق، ولم تعُد سوى أمتارٍ قليلة وينتهي «العنبر». أتكون وجهتنا نهاية «العنبر»؟

بالضبط عند بابِ آخرِ زنزانة وجدتُ «الأومباشي عبد الفتاح» يتوقَّف، ويستدير بسرعة إنسانٍ انفلَت عيارُه، ويمضي جسده يتململ ويتشنَّج ضيقًا بتخلُّفي وراءه: بسرعة! بسرعة بسرعة! النزام، نزامك بسرعة!

– يا أومباشي أنا مش …

– من فدلك! من فدلك! ما فيش كلام! ما فيش كلام النزام! بسرعة خش أودتك، بسرعة بسرعة!

وبسرعةٍ بسرعة دخلتُ، و«ترت ترت» انغلق الباب ورائي بالمفتاح، ووجدتُ نفسي جالسًا فوق «النظام» مُسنِد الظهر إلى الحائط، نفس جلستي من دقيقتَين، دقيقتان هذا صحيح، ونفس الجلسة، ولكن يا له من فارق! فارق جعلَني أخبط جبهتي بيدي خبطةً ارتجَّ لها عقلي. إن الزنزانة الجديدة التي انتقلتُ إليها، وإن كانت تقع في نهاية «العنبر»، لكن «العنبر» لا ينتهي بها؛ إذ هي في الحقيقة تقع في منتصفه، فالنصف الثاني كله مُخصَّص لسجن النساء.

النساء!

من قال إن السجن هو فقط مصادرة حرية الإنسان؟ إن فقدان الحرية ليس سوى الإحساس السطحي الأول؛ فالإنسان يظل يفقد أشياءَ كثيرةً جدًّا، كل ما يملكه أو باستطاعته امتلاكه، كل قدراته ومكتسباته، كل صِلاته وقَراباته وأحلامه وطُموحه، كل ما ينفرد به كشخص، وكل ما يتساوى به مع المجموع، كلها بعد معاركِ استماتةٍ وتشبُّثٍ طاحنة، لا يلبث أن يجدها رغمًا عنه وأمام ناظرَيْه وبقوة الحبس والعزل القاهرة، تتسرَّب واحدةً وراء الأخرى، هو لا يملك لها ردًّا ولا منعًا، حتى الأمل في خروجه من ذلك «الليمان» والإفراج عنه بعد أيامٍ طويلة من المراودة والمطاردة والإلحاح، إلى درجة أن يُفسِّر كل فتحةِ بابٍ على أن الشاويش قادمٌ بأمر الإفراج، وكل حذاءٍ ثقيل يدُق أرض «العنبر» على أنه حذاء المأمور أو المدير جاء يحمل قرارًا خاصًّا بالإفراج، كل شعاع شمسٍ يدخل على أنه آخر صباح، كل غروبٍ أحمر مخنوقٍ شنقَت نافذةُ زنزانته شعاعاته وخنقَتها على أنه آخر غروب، حتى تصل الأزمة أحيانًا حدَّ تهديد العقل، وفي مرات تُطيح به، ثم يصحو الإنسان ذات يوم وهو يُحس بالراحة الكبرى، وقد انتهَت الأزمة، ومات الأمل تمامًا، وحل اليأس الكامل. حين ذاك فقط تبدأ حياة السجن الحقيقية، حياةٌ أخرى مختلفة عن حياة الناس، حياةٌ لا أمس لها ولا غد، وإنما طولها يومٌ واحد بالتحديد، ذلك اليوم الذي تحياه، يُولد المسجون مع صاحبه ويحيا أحداثه، وكأنها أحداث حياةٍ بأكملها عريضةٍ وافرة الغنى. إن مد فترة الذهاب إلى دورة المياه من ١٠ دقائق إلى ربع ساعةٍ تُعادل في الفرحة بها قرارًا يصدُر بمنحه إجازةَ ثلاثةِ أشهرٍ يقضيها على حساب المصلحة في أجمل مصايف أوروبا. إن تغيير «الحلاوة الطحينية» في العَشاء بالعسل الأسود يتجاوز في أثَره، واحتفال المسجون به، قرارًا استثنائيًّا بمضاعفة مرتَّبه إلى حدٍّ ينقلُه من طبقةٍ تتعشَّى بالعسل الأسود إلى الطبقة التي تتعشَّى ﺑ «الكافيار والرومي». إن العثور على قطعة ورقٍ من جريدةٍ قديمة، حتى لو كان تاريخها يرجع إلى أعوامٍ مضت وقراءة أيِّ خبرٍ فيها عن أي شيء، ولو كان العثور على لقيطٍ بجوار مستشفى «أبو الريش»، يعادل الدهشة والذهول الذي ينتاب إنسان الحياة العادية حين يُفاجأ بالجرائد تنشُر على صدرها بالبنط العريض نبأ اكتشافِ سِرِّ الحياة، بل كانوا يُحضرون لنا الطعمية في الصباح ملفوفة — زيادةً في تعذيبنا بمنع أي متعةٍ عنَّا، ولو كانت قراءة الأخبار القديمة في الصحف العربية — في جرائدَ ألمانية، لا أعرف من أين استطاع المتعهد الهُمام أن يعثُر على كل تلك الكَمِّيَّات منها.

وكانت جرائدي اليومية هي تلك القِطَع المُشبَعة بالزيت من أوراق الصحيفة الألمانية، التي لم أعرف لها اسمًا. أما وقد انقطعَت عنا تمامًا أخبار العالم الخارجي، فقد كانت أخبار الصباح بالنسبة لي ليست أحداثًا أو «مانشتات» أو حروبًا وثوراتٍ واكتشافات، كانت أخباري أن أنجح رغم بُقَع الزيت في قراءة كلمةٍ ألمانية كاملة ونُطقِها. كلَّ صباح كنتُ لا أترك الورقة، حتى أنجح في قراءة كلمة، وحينئذٍ أضع الورقة جانبًا، وأتنهَّد بأعظم وأعمق ارتياح. أُقسِم أنه كان أعظم وأعمق من ارتياحٍ قد يُحِسُّه إنسانٌ قرأ مع إفطاره كل جرائد العالم وعرف أخباره واطمأن أن كل شيءٍ فيه على ما يُرام. أما المتعة الكبرى، المتعة التي لم يظفر بها إنسان، فهي تلك التي أُحسُّها حين أنجح مستعينًا باللاتينية التي أعرف بعضها، وبالإنجليزية والفرنسية وبالفهلوة المصرية أن أعرف معنى كلمةٍ نجحتُ في قراءتها. وأبدًا أبدًا لا يمكن للزمن أن ينالَ من فرحتي ذلك الصباح الذي نجحتُ فيه في معرفة معنى كلمة «فريدان»، وخمَّنتُ أنها «الحرية».

النساء!

تلك الحياة المسجونة الثانية التي تجد نفسك تحياها، وتخضع لقوانينها، حياة كحياة المشلول، أو من أُصيب بالعمى، أو فقد بعض عقله — أضيق قليلًا من حياة الناس — ولكنها أيضًا مزدحمة، بل حتى أُناسها ليست لهم شخصياتٌ جديدة لا بد تختلف بدرجةٍ أو بأخرى عن شخصياتهم التي يعرفهم بها الناس في دنياهم العادية. تُفاجأ أحيانًا بمن كان طَبْعه الضجَر والملَل والتكشير، وقد تحوَّل إلى «بلياتشو»، وأصبحَت شُهْرته أنه «ابن نكتة»، ومجلسه «مجلس أُنس»، والمُخيف المُرعِب، وقد تحوَّل إلى فأرٍ مذعور، والمتواضع الغلبان وقد انتصب من داخله شجاعٌ عنيد. وأحيانًا يُضاف إلى كلٍّ منهم «لحسته الخاصة»، إطلاق الذقَن مرة، أو الإغراق في الصلاة، أو موهبة قول الشعر، وكتابة القصص، وقد نمَت فجأةً وبلا سابقِ إنذار، وتتجمَّع فئاتُ تلك الحياة الموازية الخاصة، وتستدير كي تصنع حياةً تكاد تكون كاملة، أقول تكاد؛ لأن أمرًا حيويًّا واحدًا يظل ينقصها.

النساء!

بعدما تنتهي من إعادة تذكُّر كل قصص الحب والعلاقات بالنساء في حياتك وتجترُّها مرارًا، بعدما ترتوي ما شئتَ من أحلام يقظتك، ومن تصوُّرك لكل ما استحال عليك بلوغه ممكنًا، وكل وقائع فشلك، وقد انقلبَت إلى معارك فوزٍ وانتصار، بعدما تستميت دفاعًا عن كنوز ذكرياتك تلك ضد العدو الأوحد، السجن وعمله في النفوس، تبدأ تُحس أنها رغم استماتتك تتسرَّب من قبضتك المُطبِقة عليها، وتتركُك وقد بدأتَ تنسى أنك رجل؛ إذ قد تلاشى من وعيك كل ما كان يُذكِّرك برجولتك، واختفت من عالمك الجديد كل لمحة أو بادرة تُعيد لك الذكرى، وهكذا تحيا ونفسك الجديدة تعمُر بكل شيءٍ من آيات الحياة إلا منطقة منها مجدَّدة مُجدِبة قَفْراءَ لا أمل لها في ماءٍ أو نماء.

هكذا جلستُ أُحدِّق في الحادث المُروِّع الذي وقع، والذي نقلني فجأةً من عالمٍ اندثَرَت فيه الذكورة والأنوثة من زمانٍ وانمحت، إلى وضعٍ أنا فيه أرتكن إلى حائطٍ ليس وراءه إلا نساءٌ في نساء، كبيرات وصغيرات، وسمينات ورفيعات، وبيضاوات وسمراوات، وعلى كل لونٍ وبأي شكلٍ تشتهي وتريد، أُحدِّق مُروَّعًا مُشتَّتًا، عاجزًا عن أن أصنع أي شيءٍ بالمرة.

إني في الزنزانة التي يتقاتل المساجين عليها ويُقدِّمون الرشاوي ﻟ «شاويشية» الأدوار كي يمنحوهم إياها. في الزنزانة الشهيرة التي لا يزال السجن يتناقل جيلًا بعد جيل قصة الواقعة التي جرت فيها يومَ أن احتلها أحد «اللومانجية» الذي قضى عشر سنوات في «الليمان»، وكان لا يزال أمامه على الإفراج عنه عشر سنواتٍ أخرى، وكان مارًّا على السجن في «ترحيلة»، واكتشفوا في الصباح أنه استطاع بجبروته والاستعانة ﺑ «مطواته» التي مهما فتَّشْتَه لا تعثُر لها على أثَر، أن «يثقُب» الحائط المبني من «الدبش»، والكائن بين زنزانته والزنزانة المجاورة في سجن النساء، بحيث أمكنه أن يصنع «ثغرة» نفَذ منها بجسده إلى جاراته المسجونات الثلاث اللاتي تقبَّلن الحفر والثقب واللومانجي دون استغاثة، بل يُقال إنه «ضاجع» حارسة الليل نفسها، حين جذبَت انتباهها أصوات عدم الاستغاثة. منذ ذلك اليوم أقامت إدارة السجن حائطًا ثانيًا سميكًا جعلَت مُونَتَه من الأسمنت هذه المرة، من المُحال أن ينجح أحدٌ في ثَقْبه، حتى لو كان قادمًا من حرمانٍ مؤبد.

أذكر الحادثة؛ لأنها بعد مدة وعقلي أبيضُ منتفخٌ بفكرة حظِّي الهائل، ساكنٌ لا يملك حراكًا، حين بدأ يتحرك كانت حركته الأُولى هوجاءَ مجنونةً على هيئة فكرة أن أثقُب الحائط، وحيث إن المونة من الأسمنت فلا بد من استعمال أصبعٍ من الديناميت أُكلِّف أحد العساكر بشرائه، وما داموا يُهرِّبون كل شيء إلى السجن، حتى المخدرات، فلماذا يستعصي الديناميت؟ ويصنع لي فتحةً أدخل بها إلى بيت اللحم المجاور، اللحم الشهي الحي الذي لم أذُق طعمه من سنوات!

ومع أني رُحتُ أُخرِّف وأُبذِّر في تخريفي على تلك الصورة، وأنا أُحِسُّ بنفسي سعيدًا منتشيًا سكرانَ بالنشوة، إلا أنه عاجلًا أو آجلًا كان لا بد أن أبدأ أَتبيَّنُ الوضع على حقيقته، وأُدرك بجلاءٍ ووضوحٍ وثبات أني أصبحتُ في مكانٍ ليس بيني وبين ما لا يقل عن أربعمائة امرأة فيه إلا خطوة — حتى لو كانت على هيئةِ حائط، فهي لا تعدو كونها خطوة — تأمُّلًا بدأ مخي معه يسخن وترتفع حرارته، حتى يبدأ يُفرِز عرقًا داخليًّا غزيرًا على هيئة رذاذٍ من الأفكار المتلاحقة. وكنتُ أعرفُ أنه مهما تنوَّعَت أفكاري وتشتَّتَت فلا بد أن أبدأ بعد «التمام» في الخامسة، أدُق.

•••

إن الحياة الحقيقية للمساجين لا تبدأ إلا بعد أن يزول إرهاب العيون الآمرة الناهية التي لا عمل لها إلا أن تمنعك من كل ما تملك حَقَّ منعه، وكأن السجن في الحقيقة ليس إلا كلمة «ممنوع» كبيرة وشاملة، ممنوعٌ كل شيءٍ إلا ما يُبقي عليك الحد الأدنى اللازم كي لا تموت، لا لأنهم يريدون — لا سمح الله — لك البقاء، ولكنهم يريدون لك أن تحيا حياةً الموتُ معها أرحم؛ إذ ممنوعٌ عليك فيها كلُّ ما يجعل من الحياة متعة، والمباح فقط هو كلُّ ما يجعلها عبئًا وعذابًا وقيدًا ثقيلًا تتمنى لو تخلَّصتَ منه واسترحتَ بالموت، ولكن الغريب أنهم لم يستطيعوا، وأعتقد أنهم أو غيرهم لن يستطيعوا — مهما اتخذوا من احتياطاتٍ وبالغوا في قائمة الممنوعات — أن يخلُقوا ذلك السجن الكامل الذي يحلُمون به؛ فقد استطاع الإنسان دائمًا أن يجد حريةً داخلَ كل قيدٍ على الحرية، وأن يخلق داخل كل ممنوعٍ ما هو مباح؛ ولهذا لا تبدأ الحياة الحقيقية إلا بعد زوال حُراس المنع من ضباط وشاويشية، والعهدة بالرقابة إلى حَرَس الليل العُزْل، وهؤلاء كالمساجين تمامًا ما إن تزول عنهم الرقابة حتى — في معظم الحالات — ينطلقوا على سجيتهم. ما إن يدُق جرس «التمام»، ويطمئن المأمور أن العدد مضبوط ولم ينقُص واحد أو يهرُب واحد، حتى يُفرج كل مسجون عن نفسه، فيبدأ يتكلم مع مَن يشاء من جيرانه، ويسكُت حين يشاء، ويزعق إذا عنَّ له، ويُغنِّي متى أراد، ويقول رأيه في أحداث اليوم، ويشتم ويسُب، أجل ويسُب، وما أكثر كمِّيَّة السباب التي تغادر الأفواه بعد «التمام»! وكأن السِّباب غريزة، ومزاولته ركن من أركان الحرية. وهكذا لا يبقى من السجن الكامل الذي أرادوه إلا جدرانًا صمَّاء هي الوحيدة المحبوسة داخل مساجين يُشبِعونها دقًّا وضغطًا واختراقًا بأحاديثهم وصُراخهم، دون أن تجسُر على منعٍ أو اعتراض.

وكانت حريتي وما هو أكثر من الإفراج في رأيي، أن تأتي الخامسة وتقوم الضجة لأستطيع محتميًا بها أن أبدأ أدُق وأُعلِم الجارات بوجودي؛ إذ من لحظة الوعي فقط سيبدأ أروع وأهم حدث في حياتي تلك!

وقلت وأنا أُدلِّل الاحتمالات تدليلًا لا يحدُث إلا والهدف العظيم في جيبك تُداعِبه مُتلذِّذًا مستثيرًا لشهيَّتك: ربما هُنَّ لم يعُدن بعدُ، ربما هُنَّ في الحمام أو في المنسج. ولكن أشعة الشمس أصبح بينها وبين السقف في زنزانتي ما لا يزيد عن العشرة السنتيمترات بما معناه تعدِّيها الخامسة والنصف، وأنا أدُق ولا أحد يُجيب. ربما سمك الحائط؟ بقوة أكبر ﺑ «الجردل» نفسه، بقدمي وقُوَّة الساق الهائلة رحتُ أدُق، وفي الحقيقة لم أكن أدُق بقَدْر ما كنتُ أطرد بشدةٍ احتمالَ أن تكون نتيجة هذا الاحتشاد والفرحة إلى درجة الوصول إلى تدليل الاحتمالات أن الزنزانة المجاورة خالية تلك الليلة، ومن يدري؟ ربما غدًا أيضًا ولليالٍ كثيرة مقبلة. كنتُ أطرده بشدةٍ لعلمي أن البلَه الذي قابلتُ به المسألة أول الأمر كان راجعًا إلى أنها من الضخامة بحيث لا تُصدَّق، وأني حين صدَّقتُها فعلًا، وبدأتُ أتصرَّف كانت قد غوَّرت في كياني وعقلي وأحلامي إلى درجة أصبحَت معها خيبةُ الأمل إذا حدثَت شيئًا بشعًا شريرًا لا يتحمَّله بَشَر.

في السادسة توقفتُ عن الدق. لم تكن أول مرة أُقرِّر فيها التوقُّف، ولكنها كانت المرة التي قرَّرتُ فيها التوقُّف بلا عودة. لم يعد لديَّ أدنى أملٍ في استجابة أو رَد، بل حتى الأمل في ذلك، الأمل كان قد انتهى، وأصبح عليَّ أن أعتبر الموضوع كأن لم يكن، وأن أُجهِّز نفسي لقضاء الليلة في زنزانتي الجديدة تلك مثلما كنتُ أقضي الليالي في الزنازن القديمة، أُفكِّر بلا هدف في لا شيء، حتى تتزغلَلَ قوى عقلي وتنهار فأنام.

إنها لكارثةٌ محققة.

فصحيح أنه لم يكن قد مر أكثر من ساعتَين منذ عرفت الخبر، لكن المشكلة ليست أنه استثارني أو هيَّج كامن أشجاني، المشكلة أني لم أعُد أنا، أني فجأة وجدتُ نفسي أمام إنسانٍ آخر انتفض من داخلي ماردًا عملاقًا رهيبًا، لا علاقة بينه وبين الإنسان الذي كُنتُه طوال ذلك اليوم والأيام الكثيرة التي قبله، الإنسان الذي كنتُ قد اعتدتُه وعرفتُ حدوده وخصاله ومزاياه. لم أُدرك أنه كان على تلك الدرجة من الموت إلا حين انبثَق ذلك الآخر، إلا حين أحسستُ وكأنما أرى بعينَيَّ الحياة تتدفَّق — لدى ذكر النساء وعالمهن واستحضار المرأة في ذهني — غريزةً وحشية مكتسحة كأمطار الصيف فوق خط الاستواء، تنهال على سطح البحيرة الآسن الراكد البليد، الذي أُلتُ إليه بجسَدي وأفكاري وأحلامي وانفعالاتي. مُجرَّد وقع الكلمة على الأُذن «النساء» بذلك التضادِّ القاهر المُكهرِب معك، المناقض تمامًا لك، الذي تحنُّ إليه وترغبه وتريده كما تريد الحياة نفسها، مجرد تصوُّرك لأجسادهن المختلفة، لانبعاجاتها المثيرة، لملابسهن حتى ملابس السجن الواسعة، لروائحهن الخاصة، دائمًا خاصة كبصمات الأصابع، لأصابع أقدامهن الصغيرة كالجرذان الوليدة المنكمشة على نفسها، لأياديهن النحيفة زرقاء العروق، للعيون، عيونهن وإحساسك أنها عيون امرأة ورموش أنثى، تُرسِل نظراتٍ تُدرِك أنها نظراتٌ أنثوية مُنتزَعة من أعماق امرأة، ومُرسَلة إليك مضمَّخة بأنوثة تُلوِّن حتى شعاعات البصر. المرأة، الصدر الحنون والقلب الرحيم، والكلمة الحلوة الرقيقة، والأفخاذ التي يفقد بينها الرجل صوابه. بركانٌ تفجَّر لا سبيل إلى إيقافه، قوًى وافدة، غريبة، ملايين من شحناتٍ كهربية حية أحسستُ بها من منبعٍ خفيٍ في جسدي تتفجَّر كالنهر الغاضب في فيضانه يكتسح. جنٌّ وعفاريت وأفكارٌ مجنونة حافلة بذكاءٍ لامعٍ براق، وطموح هائل، وأحلام شهية تتولَّد وتتكاثر وتغمُر الدنيا بأَسْرها. هكذا لا بُد فتَكَ ذلك اللومانجي بالحائط، فقد كان باستطاعتي ساعتَها أن أثقُب الجدران أو أهُدَّها أو أُحطِّم المعبد. قوًى لم أعُد أقوى على السيطرة عليها، فأصبحَت حُرةً تستطيع أن تفعل ما تشاء، تُقدِم على الفرار أو تقتُل حارس الليل، أو تُضاجع الحجَر. العَشاء التهَمتُه في غمضة عينٍ، ودارَ حارس الليل على الزنازن يلمُّ لي ما بقي من طعام، وبنهمٍ جَشِع رُحتُ أُدخِّن، حتى أتيتُ على نصيب الأيام القادمة الذي قسَمتُه بعنايةٍ وادَّخَرتُه. أحيانًا كنتُ أُمسِك رأسي بيدي، وأضغط عليه بشدةٍ مخافةَ أن ينفجر، وكل أمَلي أن تأتي ساعة النوم وأهدأ، ولكني كنتُ متفائلًا جدًّا؛ فها هو برد الزنزانة يشتد، والظلام يقلُّ علامةَ طلوع الفجر، وليس في عيني أو كياني كله لمحةُ نومٍ واحدة.

•••

في اليوم التالي لم أنتظر «التمام» النهائي في الخامسة، في ساعة القيلولة دققتُ دقاتٍ عنيفةً مختلسة يائسة، وفي نهاية اليوم دققتُ، وكثيرًا ما منعتُ نفسي أن أدق الحائط برأسي غيظًا، غير متصور أبدًا أن يكون حظِّي بهذه التعاسة، وأن تظلَّ الزنزانة خاليةً أيضًا لليوم الثاني. والمضحك أن أسبوعًا بأكمله مضى وأنا كلَّ يوم أدق، وأفعل هذا مع أن حريتي في الدق كانت محدودة بتلك الدقائق التي تعقب «التمام» مباشرة؛ حيث بعد السكون الشامل المفعم تنطلق في أنحاءِ العنبر ثمانمائة حنجرة تصرُخ كلها في وقتٍ واحد، ويُزاوِل أصحابها متعة الكلام بعد إجبارٍ طويل على السكوت. ومع انتهاء الضجة تنتهي محاولاتي وفرحتي، ومع هذا فما أكثر ما غامرتُ ودققتُ في ساعات الصمت! وأنا أحاول بكل قواي أن أكتم الصوت، بل أحيانًا كنتُ أستيقظ من النوم لأجد نفسي قبل أن أُفيق تمامًا أدُق!

ولا أذكُر كيف فقدتُ الأمل؛ فقد كان لا بُد طال الوقت أم قصُر أن أفقده. كان واضحًا أن «عنبر» الحريم يشكو قلة الزبائن، وأنهم يؤثرون هناك أن يجعلوا المنطقة القريبة من «عنبر» الرجال آخر ما يُستعمل. وعلى غيرِ ما كانت البداية حادَّةً ومتفجرة وعنيفة كانت النهاية بطيئةً طويلة ممتدة، وكأنما عن عمد، وكأنما رفضًا للفقدان التام للأمل، والتلكُّؤ لعل وعسى تحدُث المعجزة.

وحتى تلك النهاية التي بدَت كالحدث الفاجع أول الأمر، انتهت هي الأخرى كنهاية، ومع الأيام ذابت كي يعود المواتُ إلى كل شيء، وتُصبح البُحَيرة الراكدة أهدأَ ما تكون وآسنَ ما تكون. كل ما في الأمر أن طعمًا مريرًا ممتدًّا، طعم الفشل، كان قد أُضيف إليها، طعمًا كنتُ متأكدًا أنه هو الآخر لا يلبث أن يزول، ولا تلبث الحياة أن تعود بي إلى ذلك الإنسان الآخر الذي كُنتُه.

بالاستطاعة إذن إدراك هول الزلزال المُفاجئ الذي هز أركان نفسي، حين سمعتُ — أجل سمعتُ — بأذني هذه دقاتٍ تأتيني عَبْر الحائط السميك، في ضجة ذات «تمام».

وشكرًا للسجن الانفرادي أن أحدًا لم يَرَني ساعتها، وأنا أقفز في الهواء، وأدقُّ الحائط من أعلى ومن أسفل، ثم أستجمع كل قواي، وأثب وثبةً هائلة أتعلَّق بها في حديد النافذة، وأصرخُ وأُغنِّي وأُقلِّد طرزان وأتشقلَب، رأسي إلى الأرض، وساقاي في الهواء، وأعوي، بأعلى صوتي أنادي جاراتي جميعهن ناعتَهُن بألفاظٍ لا تخطر على بال سكران، وأعود أدُق وأدُق فقط كي أدق، وأنا فرح فرحًا حقيقيًّا أُحس به. ونحن في الحياة العادية التي نتعامل فيها مع الفرح والحزن والاكتئاب والتفاؤل نفقد الإحساس بهذه الانفعالات بكثرة المزاولة، «نعرفها» بحيث لا نعود نتوقف عندها أو نكتفي بها. إذا نجح فينا أحدٌ يجد نفسه يكاد لا يُحس بالنجاح ساعة وقوعه؛ إذ هو على الفور يبدأ يتساءل عما بعده، عما يُفرح أكثر، فالنتيجة أننا لا نفرح في السجن حين يحدُث ما يُفرح من طول افتقادنا للفرحة، نُحس بها، نلمسها وتضطرب بها أجسادنا، وتحفل بطاقاتٍ من نشاط الفرحة الغامر، ونرى أبواب أملٍ واسعة في صدورنا تتفتح، وتنبهر بالنور الكثير يكتسح أمام أعيننا الظلامَ الكثيف الرابض داخلنا، فعلًا نفرح، لا يهمنا كثيرًا ما بعده بقَدْر ما يهمُّنا أنه جاء وأننا نحياه. لكأن كلما ضيَّقَت علينا الحياة اتسع إحساسنا بها، وكلما قلَّت كميتها أصبح لكل دقيقةٍ من دقائقها وقعٌ أروع وأثمن.

ولم أفطَن إلى زوالِ ما بعد «التمام» إلا حينما بدأتُ أعي أني الوحيد الذي يُحدِث ضَجَّة، وكما كان على «العنبر» أن يئوب إلى هدوئه الليلي كان عليَّ أن أبدأ بروَيَّةٍ أكثر. ها بعد طول صبرٍ ويأسٍ وانتظارٍ قد غمزَت السنارة، وها أنا ذا متأكد أن صيدًا سمينًا كبيرًا على الناحية الأخرى، صيدًا قادمًا من تلقاءِ نفسه، وهو الذي بدأ، وعليَّ بكل ما أُوتيتُ من قدرةٍ وحذقٍ أن أظفَر به كاملًا. وبانتظامٍ بدأتُ أدُق وأُرهف أذني — وهذا هو الأهم — كي أتسمَّع الرد. كانت تأتيني أصواتٌ خافتة بعيدة كالقادمة من أعماق بئر، وكانت أذناي تلتقطها وتُترجمها وتُنقِّيها وتُحولها من دقاتٍ إلى لغة، ومن لغةٍ تتكلمها اليد إلى لغةٍ يُحسها الشعور ويُدركها العقل. إنها مثلي بمفردها، وهاتان الدقتان السريعتان المتصلتان معناهما أنها قلقةٌ هي الأخرى، خائفةٌ مثلي أن يحدث ما يقطع الاتصال؛ تلك الدقَّة الوحيدة التي لم ترفع اليدَين عن الحائط بعد دقها، إنها ابتسامة اطمئنان، ألمحها؛ فمثلما يُطمئِنني قلقُها لا بد أن قلقي يُطمئِنها، ما أعذبَ هذا! ما أروعَ أن أعثر في وسط صحراءَ مترامية الأطراف، في آخر الدنيا هنا، حيث لا حضارة ولا أُنس ولا بَشَر، حيث انتهى العالم من زمن، أعثُر على أنثى! أدُق لها فتدُق لي، وأضطرب خوفًا من فقدانها، فتبتسم لي في حنانٍ واطمئنان. لقد عرفتُ الحب أكثر من مرة، الحب المحموم المجنون الذي ينهش الصدر ويعتصر الروح، الحب الذي يُنسيك مَن تكون، وما كُنتَه، وما يجيء به الغد، الحب الذي من طينته خرجَت قصص الغرام الكبرى، وجُن قيس وانتحر فرتر وماتت جولييت. بعد الحديث القصير الذي تَمَّ بالأيدي أحسستُ وكأنني عثرتُ على سيدة عمري، أحسستُ أن حبي الثالث ذلك الذي لا يُقاس بجواره أوَّلُ أو ثانٍ، ذلك الذي طالما حلَمتُ به وخشيتُه، وطالما هفوتُ إليه وأرعبَني مجرد التفكير فيه، عرفتُ أنه هكذا ودون كلمةٍ أخرى قد بدأ. إن قصتي مع المرأة حربٌ دامية طويلة، بدأَت من يوم مولدي، ومع أول امرأة عرفتها، أُمِّي! حربٌ انتهت بخوفي من المرأة إلى درجة عبادتها، والحقد عليها إلى درجة الرعب المقيم أن يتحوَّل الحقد إلى حب، فأُودعه كل شوقي المريض إلى المرأة منذ أن كانت أمي إلى أن أصبحتُ غريمتي وعشيقتي، وأفقد في تلك المعركة، في الحب، نفسي تمامًا. وهكذا بمقدار تعطُّشي للحب كانت محاولاتي للهرب، ولكني هذه المرة بإرادتي المدلَّهة أختاره، حتى لو كان فيه — وحتمًا فيه — هلاكي، هذه المرة لا صراع ولا محاولات مستمرة للتراجع. إني أدفع بكل قواي وأدُق وأكاد أموت متعة وتلذذًا، والرد يأتيني دقًّا أنثويًّا واهنًا مبحوحًا، أرى اليد التي تُرسله بيضاءَ صغيرة ذات شعرٍ ميكروسكوبي أصفر، وأظافر بلون دم الغزال الشاحب، يدٌ أعرفها وأُقبِّلها وأُقبِّل كل أصبعٍ فيها، وبلساني ألثِمُ ما بين الأصابع.

وأصبح واضحًا من دقَّاتنا المتتالية المتشنِّجة أننا في حاجةٍ لاقترابٍ أكثر. لم تعُد لغة الأيدي القاصرة قادرةً على ترجمةِ ما يغلي داخلنا من انفعالات، كان لا بد أن نتكلم! وللمساجين طريقتهم الشهيرة في التخاطب عبر الجدران هي وضع «كسرولة» الطعام الفارغة من ناحية فتحتها على الحائط، وتقريب الفم من قاعها للتكلم، أو إلصاق الأذن به للاستماع. ورحتُ من خلال «الكسرولة» أتحدَّث وأحاول الإنصات، ولم أُعجَب حين بدا وكأنْ لا صوت هناك، كنت أعرفُ أن الجدار سميك، وهكذا رحتُ بأعلى وأحدِّ ما أستطيع أهمس محاذرًا أن يسمع الحارس همسي، والوقت يمضي ومحاولاتي لا تكُف، وحنقي وضيقي قد بلغا درجةً أصبحتُ معها لا أحفِل، حتى أن يسمع الحارس. كانت تعاستي تكاد تذهبُ بعقلي، وأنا أرى نفسي لا يفصلني عن الأنثى التي استجابت لي، وبدأتُ معها مغامرة العمر الثالثة إلا جدارٌ عمره ما وقف حائلًا بين مسجونين، أقرب ما تكون مني، أبعدَ ما تكون عني، وأنا بين النقيضَين مشدودٌ أتمزق غيظًا وألمًا.

ولم يكن لي من منقذٍ إلا أن تحدث معجزة، فيتفق وضعي لﻟ «كسرولة» مع وضعها، بحيث تلتقيان عند نفس النقطة من الحائط، فيمُر الكلام مباشرةً من إنائها لإنائي، وكيف لي أن أعلم أنها هي الأخرى وصلت إلى نفس استنتاجي، وبدأَت تبحث عن مكاني مثلما بدأتُ أبحث عن مكانها؟ ويا له من مشهد ذلك الذي كان مقدرًا أن يراه الرائي لو أُتيح له أن يشاهد كلَيْنا في نفس الوقت، بحيث يُتابِع تلك اللعبة الخالدة الدائرة ربما منذ بدايات الخليقة، ذلك البحث الدائب عن ملتقًى بين اثنَين أقربَ ما يكونان وأبعدَ ما يكونان، لا يفصلهما سوى بضعةِ سنتيمترات من حَجرٍ أو طبقة أو جنس أو لون!

أُناديها بأعلى وأقوى ما أستطيع من همس: سامعاني؟

وتُناديني دون أن أسمع لها صوتًا: أنتَ فين؟

وكلانا أعمى محمومٌ بالرغبة، يتحسَّس بالغريزة وحدها والسليقة طريقه إلى الآخر، وأبدًا أبدًا لا يفقد الأمل. وكم بدت المهمة سهلةً أول الأمر! إن هي إلا بضعةُ أمتارٍ مربعة باستطاعتي أن أمسحها طولًا وعرضًا وحتمًا سأنتهي بالعثور عليها. ويمضي الوقت بطيئًا، قاتل البطء، وتستحيل الأمتار القليلة إلى غابةٍ مترامية الأطراف من المحال أن تلتقيَ برفيقك أو يلتقيَ بك بمجرد بحثك عنه وبحثه عنك.

ولكن، حتى بقانون الصدفة المحضة كان مُحتَّمًا أن نلتقي، فما بالك وثَمَّةَ قانونٌ مُقدَّس أعلى كان يحكمنا في ذلك الوقت، قانون الأنثى والذكر. ولم أكن في تصوُّري أطلب المستحيل، وأعتقد أني سأستطيع التحدُّث إليها عَبْر الإناءين، بحيث تسمعني وأسمعها في وضوح. كان يكفيني مجرد أن أسمع صوتها الأنثوي، مجرد أن أستطيع تمييز نطقها المخالف، وأطمئن بالدليل المادي إلى أنني لا أحلُم ولا أتصوَّر ولا أبني انفعالاتي على وَهْم، وإنما هناك وراء هذا الحائط أنثى حقيقيةٌ من دمٍ ولحم. وحين حدث اللقاء وبدأَت أذني المنتبهة أدقَّ انتباهٍ تلتقط ما يأتيني عَبْر الحائط، كدتُ أُصاب بخيبة الأمل، فقد جاء الصوت وكأنه ليس نافذًا من خلال الحائط، وإنما كأن الحائط، أو ما هو أثقلُ بكثيرٍ من الحائط، كأن جبلًا بأكمله قد مَرَّ على كلماته وحروفه، فسحقها كما كان القطار يسحق ما نضعه فوق قضيبه من مسامير ونحن صغار، فيُحيلها إلى رقائقَ معدنيةٍ كحدِّ المُوسى. لم تكن كلمات أو حروف، وإنما مسحوق همسٍ لا تستطيع تمييز جُمله، تهشَّمَت ودُكَّت بحيث استحالت إلى أصواتٍ متصلة أو مُتقطِّعة، كالأنين مرةً وكالصفير مرةً أخرى، كسينٍ طويلة بطول السطر، أو كمائة دالٍ متتابعة، وأيضًا لا تعرف حتى نوع الصوت الآتية به؛ فهو أحيانًا غليظ كأصوات الرجال، وأحيانًا دقيقٌ رقيق كأن مصدره عُصفور كناريا. ولا بد أن صوتي هو الآخر كان يصلها على نفس الصورة، ولكن كما لم تستطع الجدران أن تحول بين قانون الذكر والأنثى، وبين أن يأخذ مجراه، فكذلك لم تقف اللغة المهشَّمة والهمس المسحوق حائلًا، بل مثلما أحلنا الجدار الذي كان مفروضًا أن يفصل بيننا إلى وسيلةِ اتصال، فكذلك أحلنا اللغة المهشَّمة إلى أداةِ تفاهُم.

وبالهمس المسحوق رحنا نتحدَّث، حديث المُحبين الخجول المُتعثِّر المفضي دائمًا إلى الحديث عن النفس، والاعتراف، وكان كلٌّ منا قد وجد القلب الحنون الذي يُهدهِد على كلماته، ويغفر أخطاءه، ويجد المُبرِّر لذنوبه وعثراته.

ومن همسها المسحوق راحت تتجسَّد لي، وكما يستطيعون في الطب الشرعي أن يُعيدوا صنع الإنسان بأكمله إذا عثروا على أصبعٍ من أصابعه مثلًا، أو جزء من أعضائه؛ إذ لا بُد لكل أُصبعٍ من اليد التي تُناسبه، ولا بد لليد من الذراع والجسد والأقدام التي تُناسبها، وكل أنفٍ له الأذن والعين والوجه الخاص به، وهكذا يعيدون تركيب الإنسان ليصبح صورةً طبق الأصل للضحية. واستطعتُ من همسها المسحوق أن أراها كاملة، وأُقرِّبها، وأضُمَّها، وأُعانقها، وتصل منابتُ شعرها إلى أنفي؛ إذ هي أقل مني طولًا، وعيناها سوداوان غامقتا السواد، وعلى جانبَي وجهها المستطيل ينهدل شعرها الأسود الناعم، ومن خلال جلباب السجن الأزرق ينفرُ ثدياها متباعدَين بلا «سوتيان» كثديَي بِكْر، ولا بُد بإزميل فنانٍ صنع فخذَيها؛ فهما طويلتان ممتلئتان، تُتوِّجُهما تلك الاستدارة الطرية الملساء الكاملة. اسمها حتمًا فردوس وفي عروقها دمٌ بدوي، وعلى ذقَنها بالضبط فوق الغمَّازة وشمٌ لا يتعدى ثلاث نقاطٍ رمادية باهتة، وفمها ليس صغيرًا كفم البنات، ولكنه ممتلئٌ مقلوب الشفة العليا لا تملك لحافتها المُشرَعة إلى أعلى، مقاومة، لها في السجن ثلاث سنوات، كان زوجها يستخدمها في تهريب المخدرات، وضُبطَت بالبضاعة في ديزل الإسكندرية.

وككل إنسان، كثيرةٌ هي المرات التي يخوض فيها تجربة الجسد مع النساء، حتى لو كان الجسد لحبيبة، ولكني ما حييتُ لن أنسى كيف استطاع الحديث بيننا أن يرتفع بدفئه درجاتٍ مُقرِّبًا ما بيننا، حتى بدأتُ أُحِسُّ بأجسادنا تتلاصق وتتداخل صانعةً البداية لأروعِ متعةٍ ظَفِرتُ بها في حياتي. وأنا من خلال ذلك التيار الصوتي الدائر بيننا أُحيل جسَدي كله وذكورتي كلها إلى أصواتٍ أنفثها عَبْر الوعاء الألومنيوم ويسحقها الحائط، ولكني أُحس بها تغادره أكثر حدَّة والتهابًا، تخترق وعاءها المعدني وجسدها، وتصل إلى مكمن الحياة فيها. وبدوري أتلقَّف أنوثتها الذائبة في الصوت المطحون المبحوح القادم يئن عَبْر الحائط، أجذبه وأمتصُّه، وأجذبها هي نفسها وأمتصُّها، حتى منديل رأسها، وبعنفٍ أكبر تُغيِّبني هي في نفسها حتى أظافر القدم.

ولم ننَم ليلتَها.

ولم أتحرك من زنزانتي طوال اليوم التالي ممدَّدًا فوق «البُرش» أجتر سعادتي، وأُحس وأنا في أقبح مكان في الكون بجمالٍ للعالم، وطعمٍ للدنيا لم يذُقْه بشر، أشعر أني أصبحتُ أقوى من سجني وسجَّانتي ومن سجنوني. كل لحظات الضعف واهتزاز الثقة راحت وتبخَّرت، والرجل فيَّ قد عاد للحياة تمامًا، فعاد للحياة سحرها ومعناها. والرجل في حالة حُب، حبٍّ لم يذُقه في كلِّ ما سبقَ من قصصه؛ فقد كانت تجارب للصراع المحموم وكبح النفس والإحساس بالخجل وتأنيب الضمير، ولا أدرك أنه كان حبًّا إلا هناك حين ينتهي كل شيء، وتعود الحياة إلى بلادتها. الآن ومنذ اللحظة الأولى أعترف وأستمتع وأعيش للحب وسعادتي الكبرى أن فردوس تُحبني. قد تكون غير متعلمة أو مثقَّفة أو تُجيد استعمال الماكياج، وأخذ المواعيد من الترزي. قد لا تستطيع أن تُدركَ معنى أنني شاعر، أو تفهم تمامًا سبب سجني، ولكن حسبي أني رجلُها، وأنها أنثاي، وأن كل ما حدَث لي أو حدَث لها قبل لقائنا، وبالذات قبل ليلتنا الماضية، كان سَرابًا وخِداعًا، وأننا منذ الأمس فقط بدأنا لأول مرة في حياتنا نعيش.

وجاء المساء.

هذه المرة لا جنون ولا استعجال إنما هو الاطمئنان العظيم يُغلِّف كل شيء، وبمثل ما كان للقلق والخوف والترقب من متعة، فللاطمئنان متعةٌ أكبر وأشهى وأعمق.

قبل أن يحل «التمام» وجدتُ أني لا أستطيع الانتظار، وقررتُ ما دام الكلام مستحيلًا أن أكتفي بالإنصات لعلي أسمعها تكُح أو تُغنِّي، أو حتى تستعمل «الجردل». ودهشَتي كانت أني سمعتُها تتحدَّث، عَبْر الحائط أتتني أصواتٌ استطعتُ تمييزها وإدراكَ أنها لأكثر من شخص، وفي الحال أحسستُ بغُصَّةٍ حادة، وكأنما حدثَت كارثة. إنها ليست بمفردها إذن، هناك مسجوناتٌ معها يتحدَّثن ويضحكْن ولا بد أنهُن ينمن بجوارها. وأحسستُ بالغُصَّة تندَكُّ في أعماقي أكثر، مجردُ أن يزاملها أحد، حتى ولو كن نساءً مسجونات متاحًا لهن ما ليس متاحًا لي، نساء يستطعن أن يرينها رأي العين أو يعانقنها ولو أَردْنَ احتمالٌ لا أستطيع قبوله، يخنقُني ويُلهبُ غيظي. وما يغضبني أكثر أنها بدورها تُحادثُهن، فلا بد أنهن يحتللن من تفكيرها جزءًا، بأي حق تسمح لنفسها بهذا، وأنا بكل جزء من عقلي ونفسي وجسدي لها وحدها؟ بلغ غيظي مداه. وحين حل «التمام» ودققتُ، ومضت لحظة قبل أن ترُدَّ، لم أعُد أستطيع الصبر، وانهلتُ على الحائط لكمًا وكأنما لتُدرك أني إنما أُوجِّه لها هي اللكمات.

ثم جلستُ في الركن البعيد غاضبًا أُنفِّس عن غيظي بإشعالِ نصف السيجارة من نصف السيجارة متجاهلًا تمامًا دقَّاتها، وهي تستحيل من العنف إلى الإلحاح، إلى السكون لحظة، إلى الغضب القصير إلى العودة مرةً أخرى بلينٍ ورقة، وكأنما ترجو وتُلِح في الرجاء، رجاء لم أستطع معه المقاومة، فعُدتُ إلى الجدار أدُقُّ أنا الآخر دقَّاتِ الصفح والصلح، ومن خلال الوعاء أهمسُ همسَ العَتب، وتتعانق الهمسات وتتعانق أجسادنا خلال الهمسات، وأُقبِّلُها في فمها الكبير ذي الشفة المقلوبة إلى أعلى، أُقبِّلها قُبلةً لا نُفيق منها إلا على دقاتٍ تنهال على الحائط في احتجاج، وكأن زميلاتها يُطالبن باحترام وجودهن.

ولكنَّنا رغم هذا لم نستطع أن نحترم ذلك الوجود، وفي حضورهن ورغم كل شيء قضينا ليلة غرامٍ أخرى.

وعُدتُ إلى نفسي ذات لحظةٍ بعد الأيام القليلة التي تلَت لأجد أنني لم أفعل شيئًا طوال تلك الأيام إلا التفكير فيها. لم يدُر بعَقلي خاطرٌ واحد أو أحلُم بشيءٍ آخر خارج نطاقِها ونطاقِ علاقتي بها، إنه الحب إذن بأكمل صوره. وإذا كان الحب في الخارج يستولي على المحب تمامًا ويعزله عن الحياة وينفرد به، فما بالك وأنا هنا مُنعزلٌ ومعزولٌ ولا عمل لي سواه! إن الحدَث الصغير التافه الذي قد لا يعلَق بالذهن مطلقًا في الخارج، حتى لو كان ذهن محب، يبدو هنا مهمًّا خطيرًا لا بد من الوقوف عنده طويلًا، والعودة إليه مرارًا، والتفكير فيه وربطه بغيره، والخروج باستنتاج، بل باستنتاجاتٍ قد تؤدي إلى افتراضاتٍ ونتائجَ لا بد أن تؤدي بدورها إلى عودةٍ للتفكير والتأمُّل.

وهكذا عرفتُ عنها — من تلقاء نفسي وتأملاتي لهمسها المسحوق — في أيامٍ قليلةٍ ما لم يكن باستطاعتي أن أَعرِفه في الخارج بمعُاشرتها واحتكامي المباشر بها في شهور، كل شيءٍ عنها، بطفولتها بأجدادها وعِرْق البداوة فيها، بالأغاني التي كانت «تُدندِن» لها جدَّتُها بها قبل أن تنام، بتفاصيلِ ما دار لها ليلةَ دخلتها، بالجهود التي بذلَتْها أمها كي تنزف دماءً يسلم لها الشرف الرفيع، ويُزفُّ على رءوس الأشهاد.

وقد يستنكر البعضُ أن يحدُث هذا كله دون أن نتبادل كلمةً سليمة واحدة، وأن أستطيع أن أدرك كلَّ هذا من خلال همسٍ مسحوق، ولكن فليسأل المُستنكِر كلَّ من أحب إن كان قد أخطأ مرة في تفسير مُواء الحبيبة، أو إن كان قد عجز — أقل العجز — عن الإحاطة بكلِّ ما يقوله أنينُها مهما تشعَّب ما تقول. ما حاجة المحبين إلى لغةٍ إذا كان الصوتُ وحده مهما كان مسحوقًا ومن خلال جدارٍ يكفي؟

حتى فِعل الزمن في الحب بدأتُ أستعذبه، وأستمتع بحدَث الغرام الهائل، وقد تحوَّل إلى عادة، وتحوَّلنا من غريبَين محبَّين إلى قريبَين، بل ما هو أكثر من زوجَين محبَّين، هذا الإحساس بأنها لي وبأني لها طول الوقت، بالأمس واليوم وغدًا أيضًا ستكون لي. هذا الضيق الشديد بالساعات التي تُباعد بيننا، هذا القلق المُفزِع للدقائق التي تفصِلُنا عن اللقاء، اليقين الذي أصبحتُ معه أستطيع أن أُحدِّد دون بحثٍ بالضبط أين ستضع وعاءها لأضع وعائي، وأين ستتحدَّث لأصغي، ومتى تنضَج رغبتها للإصغاء كي أتحدث. هذا الهاتف الذي يُوقظنا معًا لأدُق دقة وتدُق دقة، ونقول بهما: صباح الخير. أو بالضبط متى تبدأ تتثاءب لأقول بعدها: يالله ننام! تصبحي على خير!

غير أني وأنا أحيا أطوار الحب كلها وأنعم بها لم يخطر ببالي طورٌ آخر ما أعددتُ له في نفسي أبدًا، وما تصوَّرتُ إمكان وجوده أو حدوثه؛ فهو في الغالب كالعدُو الغادر يُداهم فجأة، ومن أول دقةٍ دققتُها، ولم يأتني الرد في الحال قال هاتفٌ في نفسي: انتهت علاقتنا إذن ولن أسمع عنها بعد الآن أو تسمع عني. حدث هذا مع أن تأخُّرها أو تأخُّري في الرد كان مسألةً عادية تحدث في اليوم عدة مرات.

في الحال أيضًا أخرستُ الخاطر؛ إذ إني أعرف ذلك الهاتف المتشائم أبدًا، الرابض خلف كل انعطافةِ حدَثٍ يُبشِّر بالفاجعة والنهاية. ولم تكن تلك أول مرة يجأر بهُتافه؛ فمنذ قصتنا معًا وكلما واتَتْه الفرصة هتف، ولكن علامات التفاؤل لا تلبث دائمًا أن تظهر وتُفحِمه. هذه المرة مثلما خمَّنتُ لم تأتِ العلامات، وبينما علا عُواء الهاتف سعيدًا بتحقُّق فأله، بكل ما أملك من قدرةٍ رحتُ أكافح، وأستدعي إلى الذاكرة أسبابًا وتعلُّلاتٍ تُبرِّر تأخُّر الرد، أو حتى غيابه كليةً ليلتَها لو حدث، ربما هي في التأديب، ربما في المستشفى، إن هي إلا ليلةٌ أو على أسوأ الفروض ليلتان وتعود.

ولكنه كان تمسُّكًا بأهداب وهمٍ أوهى من نسيج العنكبوت، كانت حقيقةً قد ذهبت تمامًا، هكذا أكَّدَت الأيام والليالي الطويلة التالية، حتى حين — بعد أكثر من أسبوع — جاءني ردٌّ على دقي، أشَحتُ عنه في اشمئزازٍ وضيق؛ فقد عرفتُ على الفور أنه ليس دقَّها، ليس لها، ليس صادرًا عن يدها البيضاء الطويلة الأصابع ذات الشعر الميكروسكوبي الأصفر.

وفي كل مرةٍ انتهت لي فيها قصةُ حُب كنتُ — حين أتأكد من النهاية، وبرغم إطباق المأساة — أُحس بنوعٍ من الراحة، وكأن حملًا ثقيلًا انزاح عن كاهلي، ولكن حتى ذلك الشعور لم يَعترِني أو يُخفِّف عني، بل ليتَ ما اعتراني أخذ شكل الحزن القاهر الواضح الحاد! إن هو إلا ذهولٌ مستمر ذو نوبات. فجأة تتوقف اللقمة في حلقي، وأنا — وكأنما لأول مرة — أُدرك أن ما حدث لن يعود، وأني أبدًا لن أسمع مرةً أخرى ذلك الحفيفَ الواهنَ الداقَّ يأتيني صادرًا تمامًا عن القلب إذ أُحس به تمامًا في قلبي. انتهى وجودنا معًا، وأصبحتُ وحدي نصف شيءٍ لا يصلُح للبقاء، ألمٌ مستمر متصل لا ينقطع ولا يزول.

المؤلم أكثر أني كنتُ متأكدًا أنه حتى ذلك الألم وتلك النوبات مصيرها إلى زوال، ومصيري إلى العودة إلى حياة السجن ذات اليوم المستمر الواحد، ولن أعود أنعم بالتذكُّر، حتى لو جاء على هيئة غُصةٍ أو ألم.

المؤلم أني مستمر، والحياة مستمرة، والكون كله قائم وموجود ومستمر، وما أبشع أن يستمر هذا كله بغيرها، بغير وجودها وحديثها وروحها وظلها!

بعد مرور تلك الفترة من أيام الحدَّة الأولى، كان شُغلي الشاغل هو تلك الرغبة العارمة التي لم أكن أستطيع مقاومتها، الرغبة في الحديث عنها لإنسان، لأي إنسان، وإن لم يكن بالذات عنها، فعلى الأقل عنهن جميعًا، عن المسجونات النساء، أو حتى عن النساء بشكلٍ عام.

وجاءت مرةً فرصةٌ حين انتهت النوبة، وجاءت نوبةٌ جديدة، وأصبح «الأومباشي عبد الفتاح» العصبي الرفيع ذو العصا حارسًا لليل في الدور الذي أحتلُّ إحدى زنازينه.

جاءت الفرصة لأني أعرف أن عبد الفتاح العصبي المتعجل في النهار غيره عبد الفتاح حارس الليل، حيث لا تُوجد عيون الشاويشية والضباط، وحيث لا عصا، وحيث يعود إلى طبيعته الصعيدية البسيطة، ويصبح الطريق إلى قلبه كوبَ شايٍ مصنوع على السبرتو المُهرَّب، والطريق إلى لسانه سيجارة بلمونت.

وعَبْر باب زنزانتي المصنوع من عمدانٍ حديدية متينة وقَفْنا بعد العشاء ندردش ونتحدث، وبمهارةٍ قدتُ الحديث إلى قصة اللومنجي الذي ثقَب الحائط ضاحكًا، قائلًا إني أنا نفسي طالما فكَّرتُ أن أصنع مثله، وشخشخ صدر عبد الفتاح وهو يضحك ويقول: بس المرة دي ح يطلع نقبك على شونة. أمَّال، على شونة.

وسألته: كيف؟

فقال: دول خلاص عزلوا، كل الحريم راح القناطر، كلُّه كلُّه عزل، كلُّه، كُّله.

ودقَّ الخاطر في رأسي، إذن هذا هو السبب في رحيلها المفاجئ لا بد.

وقلتُ لأتأكد: أظنهم نقلوهم بقى من حوالي عشرة أيام كده؟

فعادت إليه العصبية وهو يقول: لا لا لا، عشرة أيام إيه؟ أنت نايم حضرتك؟ دول من زمان، زمان خالص، من ثلاثة أشهر، لا لا لا، ييجي من أربعة أشهر!

وكدتُ أتوقَّف عن التنفس.

وكالتائه سألت: الله! بس ده فيه ناس في «العنبر»؟

فقال: آه! فيه ناس أيوه، بس دول تراحيل، مرة رجالة مرة ستات. تراحيل، يومين، أسبوع، أسبوعين وأنت وحظك.

وكدتُ أُقهقِه قَهقَهةَ مَن فقَد العقل، وفي ألف ناحيةٍ جرى عقلي يُفكِّر: أليس من الجائز رغم آلام الحب المروعة ألا تكون هناك فردوس بالمرة، بل من يدري؟ أليس من الجائز أن الهمس المسحوق كان همس رجل، ربما كان يعتقد أنه يخاطب به أنثى؟ أو ربما فعلَها أو فعلَتْها للتسلية وكسر الملل في وقتٍ طويل، طويلٍ متشابه؟

ليلتها، قبل أن أنام قلتُ لنفسي: أليس هذا أروع ختامٍ لقصة ذلك الحب؟ إنه على الأقل سيُعفيني من آلام النهاية ومَرارتها.

غير أن الشيء المذهل الغريب، الشيء الذي لم أتوقَّعْه أبدًا، ولا يمكن أن يُصدِّقه إنسان، حتى أنا نفسي لا أكاد أُصدِّقه، أن الغُصَّة ظلت تعتريني وظل الألم ممدودًا طويلًا يُعكِّر طعم الحياة في نفسي، وظلَّت «فردوس» حيةً في خاطري أكثر حياةً من كلِّ مَن عرفتُ من النساء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤