العملية الكبرى

١

ما كان أصعبَ أيامها — وبالذات لحظتها — أن يشك! بل هو لا يزال لا يعرف كيف، كالبخار المتكاثف، بدأت تتجمَّع السحب؛ فالمهُمة على غرابتها الشديدة بدت أول الأمر مجرد مهمةٍ أخرى من المهام الكثيرة التي كان يوُكل إليه بها. كلُّ ما في الأمر أنها طريفة، وعلى وجه الدقة مثيرة لعجبٍ طريف لا بد تمطُّ له شفتَيك، أو تهزُّ كتفَيك؛ فمع انتهاء العملية الكبرى، والجميع في قليلٍ من الوجوم يتهيئون للانصراف، جاءه الأمر من الأستاذ الكبير أن يبقى بجوارها حتى تموت، ولأن لا طبيب بلا ممرضة، فقد ترقَّب همسة «الأخت تريزا» التي ستُحدِّد الاسم، وما كاد يسمع «انشراح» التي نطقتها «انسراح» حتى وجم وكاد يغضب ويدفعه لطلبٍ آخر، ثم رنَّ في أذنه المثل: «خسرانة خسرانة!» وأصبح مناسبًا جدًّا في نظره أن تكون «انشراح» بالذات هي شريكته في انتظار الموت.

وحين «صفصفت» الحجرة عليهما، ولم يعُد هناك إلا هو وهي والموت الرابض على صدر السيدة، بدأَت المهمة تتحوَّل من روتينٍ إلى نوعٍ من الواجب الثقيل. لو كانت شريكته في انتظار النهاية ناهد مثلًا أو سهير أو مديحة، أو حتى كاميليا لانقلب الواجب إلى متعة، أما المتوحشة البرَّاوية «انشراح»، الغاضبة أبدًا، المتنمِّرة تكاد «تخانق ذباب وجهها»، فأي أملٍ له في بعد ظهر هادئ حتى؟

بعد ظُهرٍ كان قد بدأ من زمن، وقفزات عقرب الدقائق في الساعة التي تتوسَّط الحائط من إحساسك ببطئها تبدو كل مرة كما لو كانت تُفاجئك بحدوثها. بعد ظُهرٍ أصبح خوفه أن يطول ويطول حتى ليصل الظهر بالمساء، ومن يدري ربما بالليل أيضًا؟ وما دامت ميتةً ميتة، فلماذا هذا العذاب كله؟ وما دامت هذه الأنفاس المأخوذة على هيئة شهقات — مفاجئة أيضًا كقفزات العقرب — خارجة بسرعة كالزفرة، ما دام هذا هو تنفُّس «طلوع الروح»، فما الداعي لعذابها باستمراره واستمراره؟ ما الداعي «يا ست انشراح» بلا أي «انشراح»، العاقدة ملامحك وكأن المُسجَّاة هي السيدة والدتك، المُنكَبَّة حضرتك على إبر التريكو بأصابعك القمحية الرفيعة الطويلة كإبر التريكو تنسجين بداية «البلوفر» التي لم تزد رغم آلاف الغرز مساحتها، وكأنما حضرتُها — لتغيظه — تنسجُ غرزة وتفُك غرزة؟ ما الداعي؟

لو التفتَت إليه لحظتها أو رفعَت رأسها لكان — ودون نظر لأي اعتبار — قد بدأ الشجار؛ ذلك أن غيظه بعد انتظارٍ دام إلى الآن ساعتَين وبضع دقائق كان قد بدأ، وهو على وجه التأكيد ليس غيظه؛ فأي شيءٍ كان يمُتُّ إلى الجراحة من قريبٍ أو بعيدٍ مهما تقبَّله الآخرون بضيقٍ أو تبرُّم، ما كان ليأخذه هو إلا كآلام الحب لها نفس مذاق المتعة. الغيظ إذن غيظٌ وافد لا يزال لا يدري مصدره، غيظٌ يبدأ عند وجه «انشراح» الجميل، حتى في تنمُّره، ليتزايد كلما انتقل بعده إلى مجالٍ آخر، وكلما اصطدمَت عيناه، أو اصطدمَت حواسُّه بشيءٍ من آلاف الأشياء التي تَحفِل بها الحجرة.

بداياتُ غيظٍ جعلَت روحه بالتدريج تنسحب من اندماجها التامِّ في دورها الجراحي المُحبَّب، ومن اختلاطها الكامل بكل شيءٍ تحفل به حجرة العمليات — مهبط الوحي عنده وقدس الأقداس — لتبدأ تتخذ موقفًا محايدًا، وتعود ترى وكأنها لأول مرة ترى، ولتبدأ دهشة كدهشة الإفاقة من حلمٍ تعتريه. لا ليست هذه حجرة العمليات أبدًا، إنها مكانٌ مرعب كئيب لم يَرَهُ من قبلُ؛ فأي معركةٍ شيطانية دارت ولا تزال آثارها طازجة؟ لا يزال الدم أحمر لم يغمق لونه بعدَ دمٍ واصل حتى السقف الأبيض راسمًا خطوطًا متقاطعة ومتقاربة ومتفرقة، خطوطًا مُكوَّنة من مئات النقاط رسمَها لا بد دمٌ تفجَّر تحت ضغطٍ شديد، انفجاراتٌ دموية كثيرة لا بُد دارت هنا، إلى أعلى وإلى الجوانب ترتسم على جدران الحجرة الأربعة، وفي كمياتٍ تملأ زجاج الشفَّاط، وتكون بُقعًا كبيرة تُلطِّخ المرايل والبلاطي البيض الملقاة هنا وهناك. دمٌ يُلوِّث كل مكان، حتى الأحذية المطاطية ذات الرقبة، حتى الأرض الكاوتشوك، بل لم يَسْلم منه أيضًا زجاج الأضواء الكاشفة البرَّاق والمُصفَر.

دمٌ كثير من المحال أن تعتقد أن هذه السيدة النحيفة الراقدة يحفل وجهها بسلامٍ كسلام أطفالٍ نائمين، مصدره، ولكنها بلا شك كانت المصدر الوحيد، والواضح أنها الطرف المغلوب.

أيكون الغيظ الذي يعتريه الآن غيظًا حقيقيًّا؟

أيكون ما يراه الآن خدعةً أو بداية، أو بالأصح بداية شعور أنه ضحية خدعةٍ شيطانية من المُحتَّم لو صحَّت أن يفقد لها أثبتُ العقول وأصلبُها الصواب؟

أخذَت السيدة شهقة، قبل أن تكتمل ركبَت فوقها شهقةٌ أخرى، وكانت النتيجة شهيقًا طويلًا جدًّا اضطَربَت له جفونُها المُسدَلة، حتى كادت تُفتح، وحتى تَصوَّر أنه في الشهيق التالي حتمًا سيعود إليها الوعي، ومن يدري؟ ربما تحدُث المعجزة الكاملة وتعود للحياة.

ولكن رغم دقة القلب العالية الزائدة التي دوَّت في صدره انفعالًا، فقد بدأ السؤال يُلِح من جديد: أيكون قد خدع الخديعة يا تُرى؟

٢

ويحدث هذا أين؟ في نفس حجرة العمليات التي شَهِدَت منذ بضعة شهور أعظمَ لحظات حياته، اللحظة التي وعى فيها لأول مرة بالحياة، حياته، وأدرك عن يقينٍ لماذا يريد أن يعيش.

لقد بدأَت مشكلتُه بعد أن تَخرَّج وأصبح طبيبًا، واستهلكَ في بضعة أسابيعَ كلَّ مُتَع الفرحة بالتخرُّج والإحساس الغامر الجميل بأنه انطلق من عقال تلمذةٍ طالت، وعليه أن يعُبَّ من مُتَع الحياة الصغيرة التي حُرم منها طويلًا. واجهَتْه حينذاك مشكلةُ ماذا يريد أن يكون؟ لقد دخل الكلية بالمجموع، وواصل الدراسة ونجح بالرغبة الغريزية في التفوُّق على أقرانه، وها هو ذا الآن بعد التخرُّج يستعرض أمام عينَيه كل فروع الطب، فلا يجد في نفسه مثقالَ رغبةٍ في أيٍّ منها، بل إنه حتى بعد أن تخرَّج وأصبح يُزاول المهنة لا يجد في نفسه أي رغبةٍ فيها أصلًا. وكاد يصبح الأمر كارثة؛ فإنها لمهزلة أن تبدأ بعد وصولك إلى هدفٍ ما قضيتَ في الوصول إليه أعوامًا طوالًا، أن تكتشف أنه ليس هدفك، وأن عليك أن تبحث عن آخر.

ولقد ظل هذا يحدث وهمُّ البحث يُؤرِّقه، حتى انتقل إلى العمل بقسم الجراحة. حين دخل ذات صباحٍ باكر هذه الحجرة، ومَرَّ بالطقوس المعتادة من ارتداء ملابس العمليات والاغتسال والتعقيم، وإحاطة رأسه ونصف وجهه بالقناع الأبيض المشهور، هنا حيث رأى أستاذ الجراحة الكبير لا يصف الدواء ويترك للعمليات الغامضة في الجسم أن تعمل عملها وتشفي، وإنما بأصابعه الطويلة الحادة القوية يقطع ويصل ويستأصل ويُعيد التشكيل. هنا حيث بإرادتك أنت وحدك وبقدرتك يتم الشفاء، يدخل المريض يتلوَّى من شدة الألم أو من اليأس، وبعد ساعةٍ يخرج وقد شُفي تمامًا وانتهى ألمه. هنا حيث يختلط دور الجراح بدور الساحر القديم، والعلم يُصبِح حرفةً ترتفع إلى مصافِّ الفن، والعملية السحرية كلها تدور في ذلك المكان البالغ النظافة، الشاحب الضوء، المعقَّم، بصمته القدسي الكلمات فيَّ تتحول إلى همساتٍ تختلط بالفحيح الصادر من أجهزة التعقيم، وتنسجم مع الحركة الصوتية المتتابعة لتنفُّس المريض من خلال جهاز التخدير، بالسكون المضمَّخ بروائح اليوسول واليود والأثير، السكون الحي النابض بدق القلب، وهو يتحول إلى إشاراتٍ موسيقيةٍ ضوئية، السكون الذي يتنفَّس تنفُّسًا خاشعًا منتظمًا. هنا اكتشف الجراحة كعلم وكسحر، واكتشف أن ها هنا يُوجد أمله، ومن الآن سيصير هدفه من الحياة.

وكان طبيعيًّا وقد اكتشَف الهدف أن تأخذ السعادةُ عنده شكل الهوس، حيث لا يعود يأكل أو يستريح أو يحلُم إلا وهو يقوم بشيءٍ من أجل عمله الذي أصبح حبه الأكبر. سمَّاه زملاؤه مجنون الجراحة، وكانوا يغيظونه بقولهم إنه إنما يتفانى ليُرضي الأستاذ، وليُتكتِك لينال وظيفة «نائب الجراحة» حين تخلو، مع أنه يعلم وهم جميعًا يعلمون ألا أمل له في هذه الوظيفة؛ إذ إن درجاتِه لا تُؤهِّله، ولكنهم معذورون؛ فالعمل عندهم مرتبط بالمصلحة، ومن المُحال أن يستطيعوا هضم أن يعمل الإنسان لأجل متعة العمل نفسها.

ولقد كان يعمل ويتفانى بلا كلمة تشجيعٍ واحدة، وحتى وهو يدرك أن رئيسه النائب ينسب معظم الأعمال أمام الأستاذ لنفسه، فماذا يهمه أن يعرف الأستاذ اجتهاده؟ إنه لم يكن يعمل ليُرضيَه، بل ليُرضيَ ذلك الشيء المركَّب فيه الذي لا يرضى أبدًا! نفسه.

بل بدلًا من التشجيع كان بالضرورة يناله كمٌّ غير قليلٍ من شتائم الأستاذ الدكتور أدهم أستاذ الجراحة، وليس هذا رئيس القسم فقط، إنه كبير أساتذة الجراحة في المستشفى كله. والجَرَّاح في المستشفى يحتل مكانةً لا يحتلها زميله طبيب الأمراض الباطنية أو طبيب الأطفال مثلًا. إنه له بجانب العلم مكانةٌ دنيوية؛ فهو ليس عالمًا فقط، ولكنه عالمٌ يُزاوِل العلم أمامك، وأمامك يُحيي ويُميت. ولأن المهنة هي التي تفرض الخُلُق والتصرُّف، فعند الجراح أسهل الطرق البتر، وأي كلامٍ ليس له فاعلية المشرط وحسمُه هذرٌ فارغ لا يُقال، وما دامت إرادته هي نفسها الدواء، فإحساسُه بنفسه يتعاظم، وكلمتُه مهما تكن أمرٌ واجب النفاذ. وليس صُدفةً أنهم يُسمُّون حجرة العمليات بمسرح العمليات؛ فالجرَّاحُ في هذا المسرح هو الإرادة الكبرى والعقل المُفكِّر، والحاضرون جميعًا من بشر أو أجهزة أو عقاقير ليسوا سوى أدواتٍ في يد تلك الإرادة تصنع بهم الشفاء. ولأن إحساس الآخرين عند الجراح غير مهم؛ إذ المهنة تُحتِّم عليه أن يُلقي شعوره بإحساسهم؛ إذ هو لو شعَر أن جُرحَه يؤلم لارتعشَت يده، ولربما نفَق مريضه، ولهذا هو أيضًا لا يهتم بوقع كلماته عند الآخرين، حتى لو جاءت شتائم ولعنات؛ فمسئوليته الخطيرة أن تنجح العملية، وملعونٌ أية حركة أو خطأ يحول دون هذا النجاح.

كانت شُهرة الأستاذ أدهم إذن كرئيسٍ لا يرحم تكاد تُعادِل شُهرته كأستاذٍ جراحةٍ ممتاز، ولأن أطباء الامتياز يحتلُّون أدنى مرتبة في سُلَّم المستشفى الطبقي، فنصيبهم من شتائمه ولَكَزاته وافر، ومعاملته لهم أسوأ بكثيرٍ من معاملته للممرضات أو التمورجية، وويلٌ لمن يفكر في الاحتجاج أو الذود عن كرامته؛ فمعنى هذا نهايته؛ فهو لا يجُر عداوته أو غضب رئيس القسم فقط، ولكن الدكتور أدهم كان أيضًا كبير الأساتذة والقائم بعمل عميد الكلية، ومستشار وزارة الصحة.

ورغم كل ذلك، ومن فَرْط الحب والانتماء للجراحة، وكأنها المبدأ أو العقيدة التي ظل يبحث عنها، فقد راح ينظُر للأستاذ أدهم باعتباره قائده لهذا المبدأ، ووسيلته للوصول. وليس مثلها سعادةٌ تلك التي يجد الإنسان مبدأه فيها وقد تجسَّد على هيئة قائدٍ وعقلٍ أكبر. وليكن الأستاذ أدهم شيطانًا مرعبًا في نظر الآخرين، ولترتجف له الأوصال إذا حضر، وحتى إذا غاب، ليكن! فقد وجد فيه الأستاذَ الكبير والراعي والعالم، ويبدو أن الأستاذ أدهم هو الآخر قد وجد فيه نعم التلميذ، فقد راحت شتائمُه إليه تَقِل، حتى انتهت وحتى أصبح يُناديه باسمه الأول، وفي هذا من التكريم ما لم يحلُم به أحد، وليأخذ حياته كلها بإشارةٍ منه لو أراد، فلم يعُد في الحياة شيء يجلب السعادة قَدْر أن يتلقَّى عبد الرءوف الأمر، أي أمر، وقَدْر أن يُفني نفسه تمامًا لتنفيذه، وقد أصبح رضا الأستاذ أدهم من رضا الضمير، من رضا الله، الله المُتجسِّد بكل قواه وخيره وكماله.

٣

ما اجتمع رجل وامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما.

ورواة الحواديت يقولون: كان فيه امرأة، وكان فيه رجل. ثم يحدُث الحدث، ويتساءلون: الحق على المرأة أو على الرجل؟

ولكن لا الأقوال المقدَّسة، ولا الأساطير قد تعرَّضَت بذكرٍ للموقف الذي هو فيه، فهو الرجل صحيح، وانشراح المرأة، ولكن ثالثهما هو الموت.

وصحيحٌ أنهما ينتظران معًا نهاية السيدة المُسجَّاة أمامهما، وإلى الآن وكلٌّ منهما ينتظر الموت بمفرده؛ فهي مُنكبَّة على إبر «التريكو»، وهو مُنكبٌّ على خواطره وبينهما ما هو أكثر من الموت، الحياة نفسها وكل ما سمعه أحدهما عن الآخر. وما سمعه عنها أشياءُ مرعبةٌ لا تُشجِّع أبدًا؛ فلقد أخطأ أحد زملائه وهو يعمل معها في ظلام غرفة الأشعة مرة، وحاول لمسها، وانفتَح فمها لتكتسح ظلامَ الحجرة ومن بعدها ضجةَ قسم الأشعة كله وممرات المستشفى وعنابره، حتى إن المسكين لم يجرؤ على أن يُريَ وجهه لزملائه أو للعاملين بالمستشفى إلا بعد إجازة عشرة أيام، وكان لا يزال وجهه مُحمرًّا بالخجل حين عاد منها.

ولا بد أنها هي الأخرى سَمِعَت عن عبد الرءوف وعن انكبابه المجنون على العمل، ذلك الذي كان له تفسيرٌ واحدٌ عند الممرضات والحكيمات والسسترات، أنه مُتكبِّر، وأنه وهو طبيب الامتياز المفعوص يتخلَّق بأخلاق الجراحين الكبار، وبالذات يصنع كما يصنع الأستاذ أدهم، ويضرب بالشلُّوت أحيانًا.

والحقيقة أن قولهم هذا لم يكن يخلو من الصحة، فقط لاحظ عبد الرءوف على نفسه أنه كثيرًا ما يعبَس، وأنه لم يُضبَط مرة متلبسًا بضحكة أو كلمة هزل مع طبيبة أو حكيمة من التي تُقال همسًا في أركان المستشفى وما أكثرها من أركان! وإذا كان قد تعلَّم أن يعبَس بوعي، فما أكثر ما نضَح إليه من خصال الأستاذ أدهم بغير وعيٍ منه، ودون أن يلحظ أصبح يبدأ الجُمَل من نهايتها كما يفعل أستاذه، وتخرج كلماته الأُولى همهماتٍ صعبة التمييز، وبنفس طريقة أدهم يترك مُحدِّثه يتكلم، ثم يُفاجِئه في منتصف كلامه بتحديقةٍ فاحصة مخترقة من عينَيه الواسعتَين، بحيث يُرتَج دائمًا على المتحدث أو ينهار لو كان يكذب، حتى لازمة أدهم المعروفة: يا اسطى! أصبحَت لازمته.

والغريب أنه قد بدأ يتكوَّن له بهذه التصرُّفات نفسها، ومهما قيل في أصلها، مركزٌ متميزٌ بين زملائه أطباء الامتياز، وأوامره أصبحَت تُقابَل باحترامٍ لا يمُتُّ بصلةٍ إلى هَزِّ الأكتاف الذي تُقابَل به أوامر الآخرين التي كثيرًا ما تأخذ شكل الرجاء، ولكن السبب الأهم في الحقيقة هو تفانيه في العمل في وسطٍ يُعتبَر فيه العمل واجبًا ثقيلًا مفروضًا ولا هدف منه سوى الماهية، وما دامت مضمونةً فما الداعي لوجع الرأس؟

وكان يومه الأكبر — حُلْمه الدائم طوال أيام الأسبوع — هو يوم العمليات.

كان يصحو له من الرابعة صباحًا، ويُحس بالسعادة الكبرى بكل عملٍ يقوم به لتجهيز المرضى للدخول إلى الغرفة المقدَّسة. ولا يكتفي بواجبات الطبيب إنما بنفسه يُشرِف على استحمام المرضى، وعلى تجهيز أوراقهم وأشعَّاتهم، ويكفيه شبحُ ابتسامة رضاءٍ سريعة تلُوح على وجه الأستاذ. كانت الانفعالة التي تحدُث له في أعقاب هذه المكافأة التي ربما لا يلحظُها أحدٌ أروعَ عنده من كل الشهادات والوظائف والعلاوات.

وكان اليوم يوم العمليات، وناهيك عن العمليات الصغيرة التي ستكون من نصيبه ونصيب زملائه، والتي سيقوم بها النائب والمدرس ومساعد الأستاذ. همُّه كله كان مُوجَّهًا لتلك الحالة النادرة التي جاءت إلى العيادة الخارجية منذ شهرَين، وأبدى الأستاذ اهتمامًا خاصًّا بها؛ فلقد زاول — الأستاذ — الجراحة حتى أصبحَت العيادة الخاصة تُدر عليه دخلًا يكفيه مستمتعًا مدى الحياة. ولم يكن يأتي إلى المستشفى الحكومي الكبير إلا ليلتقط بين الحين والحين حالةً تُشبع مزاجه الخاص، كجرَّاح أصبح لا يزاول الجراحة لشفاء الآخرين بقَدْر ما أصبح يزاولها لفن الجراحة نفسه، ليضيف إلى أمجاده فيها مجدًا جديدًا، ويصل إلى أرقامٍ قياسية لعدد ما أجراه من عمليات. وحبذا لو استطاع أن يُجري هنا في مصر عمليةً لم يسبقه إليها جراحٌ آخر، ويتيه بعرضِ ما قام به في المؤتمرات، ويتلذَّذ وهو يقرؤها منشورة في مجلات الجراحة في أوروبا وأمريكا. ولا أحد باستطاعته أن يستغرب هذا أو يلومه؛ فقد وصل إلى مكانةٍ أصبح فيها هو الجراحة، وما يقوم به ليس مجرد تطبيق، وإنما هو تجاربُ يُضيف بها إلى العلم وإلى تراث البشر، ولا ضرر أن يفعل هذا لمجدٍ ذاتي يناله؛ فما من فائدة للعلم أو للبشر إلا والدافع إليها متعةٌ ذاتية.

هذه السيدة بالذات جاءت إلى العيادة بشكوى بسيطة، مجرد خدل في ساقيها وإحساس بالتعب السريع إذا مشت طويلًا.

ويومها أزاح الأستاذ أدهم النائب وهو يقوم بفحصها، وفي دقائقَ كان قد انتهى من فَحصِها، وكعادته نطق بالتشخيص: ورمٌ خبيث في العمود الفقري، وعلى وجه الدقة سرطان في الغضروف مكانه بين الفقرة الرابعة والخامسة للبطن. كان من رأيه أن الاعتماد على الفحوص والمعمل في التشخيص مسألة تُحيل الجراح إلى آلةٍ حاسبة، أما الجرَّاح الحقيقي فهو الذي بمجرد الفحص يُشخِّص، وإذا لجأ إلى المعمل أو الأشعة، فإنما ليتأكَّد فقط من تشخيصه، وليكتسب الثقة بنفسه أكثر وأكثر.

وهكذا أُدخلَت الحالة ليس لعلاجها أساسًا، وإنما لإجراء الفحوص وليُثبِت بها الأستاذ أدهم لنفسه ولمجموعة الأطباء التي تعمل معه أنه كان على حق، وأن رأيه أبدًا لا يخيب.

ولم تكن هذه أوَّلَ حالةٍ تدخُل القسم لهذا السبب، فما أكثرها من حالاتٍ لا يتعجَّب أحد لإدخالها لمجرد البرهنة على صحة التشخيص! فالأستاذ أدهم لا يفعل في الحقيقة إلا أنه يزاول حق التميُّز، ذلك الحق الذي يحلُم جميع العاملين معه — جميع الطلبة والخريجين — بالوصول إليه.

ومكثَت السيدة بالقسم شهرَيْن، وأُجريت لها عشرات الاختبارات والتحليلات وصُور الأشعة، ومع هذا ظل الورم الصغير الذي بالكاد تلمسه الأصابع في قاع بطنها لغزًا لا حل له. ولم تكن قد بَقِيَت إلا وسيلةٌ واحدة لحل اللغز، أن تُجرى لها عملية استكشاف فيُفتَح البطن، ويُفحَص الورم، ويصل الأستاذ في أمره إلى قرار.

٤

في العاشرة كانت كل العمليات الصغرى قد انتهت، وفي ثوانٍ كان المسرح الجراحي قد نُظِّف تمامًا، وأُعيد ترتيبه، وجيء بالسيدة مُخدَّرة وحُملَت ووُضِعَت فوق منضدة العمليات الرئيسية، وسُلِّطَت على بطنها العاري أنوار الكشَّافات القوية، والكل في موقعه مستعد للبدء، بينما «سستر العمليات» الإيطالية تُراجِع للمرة الثالثة كالتلميذة قبل الامتحان كل ما تتطلبه العملية من أدوات، وكان الأستاذ يغتسل ويتعقَّم.

في العاشرة وعشر دقائق كان رأس المشرط ينغرز قريبًا من «السرة» محددًا نقطة البداية، ثم في خطٍّ موازٍ لمنتصف البطن تسحبه اليد الشهيرة التي أصبحَت جزءًا من تاريخ الجراحة في مصر سَحْبتَها السحرية، وفي ومضةٍ ينقَضُّ المساعدون بالملاقط يُغلِقون بها كل الأوعية الدموية الصغيرة التي تقطَّعَت، وبلا زمنٍ يربطونها بالخيط الخاص، والجرحُ قد أصبح نظيفًا بلا نقطة دمٍ يكشف عن دُهنِ ما تحت الجلد.

ولا بد أن لحظة رضاءٍ قد مرَّت بالأستاذ وهو يستمتع بقيادته لهؤلاء الناس؛ فهو لم يعد بحاجةٍ أن ينطق بكلمة؛ فقد تعلَّموا تمامًا أن يفهموه، حتى والفكرة أو الأمر لا يزالان مشروعَين في رأسه كانوا يستطيعون التقاطهما والشروع في تنفيذهما.

حتى ارتدادةُ عينه من فوق القناع إلى طبيب التخدير ترمقُه في هذه اللحظة بالذات، يفهمها الطبيب في الحال، ويمد يده إلى مفتاح الغاز في جهاز التخدير، وترتخي عضلاتُ السيدة تنفيذًا للأمر الذي تلقَّاه بنظرة العين.

العاشرة والنصف:

لا بد أنَّ يده الآن تلمس الورم، ولا بد أنها بحركتها طولًا وعرضًا تتحسَّسه وتُحدد حجمه وامتداده، ولقد ظل مساعدوه الأربعة — وعبد الرءوف لسعادته الكبرى ودونًا عن بقية زملائه يقوم بدور المساعد الرابع — يكادون يكتمون الأنفاس استعدادًا لكلمته التي سيُصدِر بها حُكمه على الورم، وحين أفلتَت شفتاه كلمة: غريبة! لم يجرؤ أحدهم حتى أن يسأل.

وقبل أن يطلُب الملقاط القاطع الذي يُستخدم لأخذ العينات الحية، كانت يد السستر تضعه في يده المفتوحة، وحين تم أخذ العينة كان على عبد الرءوف أن يطير بها إلى قسم «معمل الأمراض» لتُفحص بالميكروسكوب، ويصل الأخصائي إلى قرارٍ بشأنها. وحينذاك فقط عرف الجميع أن الأستاذ لم يصل بعدُ إلى معرفة كُنه الورم.

وكالعادة لم يجد عبد الرءوف الأخصائي في مكتبه، كان قد ذهب إلى الإدارة لأمرٍ لعله المطالبة بتسوية حالته. وكان عبد الرءوف يستغيث رجاءً في التليفون، ولم يصل إلا بعد ربع ساعة، وأخذَت عملية إعداد الشريحة وإعداد الميكروسكوب والصباغة وضبط النور ربع ساعةٍ أخرى. حتمًا ستطير رقبته وبالذات حين قرأ في النهاية التقرير الذي كتبه الأخصائي بخطٍّ لا يُقرأ، وأدرك معه أنه لا يستطيع الجزم إن كان الورم نابعًا من العظم أو الغضروف أو أي نسيجٍ آخر، وكذلك من الصعب تحديدُ إن كانت الخلايا خبيثة أو حميدة، كارثة!

وظن أن خللًا قد حدث في نظام الكون حين لم يُقابَل بكلمة لومٍ واحدة والوجومُ الشديد موجود ولا شيء سواه، فقط حين أمسك بالورقة قريبًا من عينَي الأستاذ، وقرأ الأخير التقرير تفجَّر بركان الغضب، وانهالت الشتائم بادئةً بالمعيدين أجمعين، مارَّةً بالجامعة والكلية، وخراب الذمم، والفساد والملعون الأخصائي. أما هو عبد الرءوف فقد نالَتْه لكزةٌ غليظة من كوع الأستاذ.

وكان الغضب قد تسرَّب إلى الحاضرين جميعًا، وإلى الحجرة كلها بكل ما تحتويه، يكاد جوُّها يُرعِد ويُبرِق، والتوتُّر وصل إلى أقصى مداه. ولم يكن أحدٌ يستطيع في وسط هذا كله أن ينطق بكلمةٍ أو يُشير برأي، وإنما التصرُّف كله والرأي والحل لا بد أن ينطق به الأستاذ، حتى وهو في هذه الحالة؛ فهو لا يزال الإرادة العليا؛ وعليه كان المفروض أن تؤخذ عدة عيناتٍ أخرى، ثم يُغلَق جرح البطن، وتكون عملية الاستكشاف قد تمت بنجاح، فما دمتَ لا تعرف كُنْه الورم، فمن غير المعقول أن تعبث به، أو تمُدَّ يدك لاستئصاله مثلًا.

ولكنهم — حتى قبل أن يُصدِر أوامره — كانوا يعرفون أن من المُحال أن ينكص، وأن يكتفي من الغنيمة بقفل الجرح. وهكذا حين كظم غيظه لحظةً ومن بين شفتَيه المطبقتَين صدرَت الغمغمة المعتادة تقول: إيه رأيكم؟ الفتحة واتفتحَت، والورم مش كبير، وشيله مسألةٌ سهلة.

لم ينطق أحد كالعادة، ولا هو انتظر أن ينطق أحد، واصل كلامه بحماسٍ مفاجئ: شوف النبض كام؟ وضغط الدم؟ والتنفُّس؟ ممكن بنج ساعة كمان؟ جهِّزوا نقل الدم وعقِّموا الآلات الزيادة، بسرعة.

بأسرعِ سرعةٍ تفرَّق الجمع الملتَفُّ حول المريضة الراقدة بلا حول، وتلاحقَت سلسلة الأوامر تُبعثِرهم في كل اتجاه، بينما باشمئناطٍ خلع الأستاذ أدهم قفَّازه، وطلب سجائره وولَّاعته، وانتحى ركنًا قريبًا من غرفة الاغتسال، ومضى في حجرة العمليات يُدخِّن، والسستر الطليانية ترقُبُه بغضبٍ لا يراه.

وفي هَرجٍ ومَرجٍ عُقِّمَت الآلات بسرعة وبطريقةٍ بدائيةٍ، بأن صبُّوا عليها الكحول وأشعلوا النار، وجُلِبَت أسطوانة أكسيجين لم يتمكَّن أحد من فتحها، فدفعها الأستاذ بساقه دفعةً أسقطتها وأحدث سقوطها دويًّا كالقنبلة، وجيء بأخرى. أما الدم فقد اكتشفوا أن فصيلة دمها لم تُحدَّد بعدُ، وكان على طبيب نقل الدم أن يُحضِر معه زجاجاتٍ من كل مجموعة، وأخيرًا رُكِّبَت الزجاجة في الحامل، ولكن قبل أن تتسرب منها نقطةٌ واحدة إلى وريد المريضة كان الأستاذ أدهم قد عِيل صبرُه، وكان قد أمسك بالمِلقَط والمِشرَط بينما مساعدوه الثلاثة — وقد أخرج منهم عبد الرءوف — يفتحون له الجُرح، ويُزيحون أعضاء البطن ومصارينه بالمُزيحاتِ المعدنية، كاشفين الورم بقَدْر ما يستطيعون.

كانت العملية الكبرى، عملية الاستئصال، قد بدأَت.

وعلى مجال رؤيةٍ تقريبي بدأ الأستاذ يستأصل الجزء الأعلى من الورم، وبالمِشرط والمِلقط يفصله عن العامود الفقري من الخلف، والغشاء البريتوني والكلية والطحال من أمام، وبدا أن كل شيءٍ رغم كل ما حدَث يسير على ما يُرام، والصمت يُخيِّم والرقاب مُشرئبَّة علَّها تلمح الورم، أو تستطيع بطريقةٍ ما أن تُلقي نظرة على البقعة التي تُعمِل فيها المِشرَط والمِلقَط.

وفجأةً تفجَّر من فتحة البطن عامودٌ دموي حاد، وارتطم الدم المنبثق بزجاج المصباح الكشاف، عامودٌ مفاجئ غير متوقَّع أبدًا شحبَت له الوجوه جميعًا؛ فهو يعني أن شريانًا قد انقطع، وفي تلك المنطقة التي كانت تدور فيها عملية التشريح لم يكن ثَمَّةَ شريانٌ آخر غير أضخم شرايين الجسم، الأورطي. أتكون قد حدثَت الكارثة، كارثةٌ أبشع من قَطْع شريان الرقبة، أيكون الأورطي قد قُطع؟

٥

حين أوغَل بعد الظهر في تقدُّمه، وراقب قفزاتِ عقرب الدقائق حتى ملَّها وأصبحَت الساعة تقترب من الخامسة، وقد مضت أكثر من ساعتَين على العملية الكبرى، بدلًا من الغيظ انتابته فجأةً موجة استخفاف. أحَسَّ بلا مقدماتٍ أن القداسة تذهب عن كل شيءٍ في محرابه المقدَّس، وأن حجرة العمليات تتعرَّى عن ذلك الغموض المعقم الساحر الذي كان يصبغ كل شيءٍ فيها، بل وزحف استخفافه ليشمل ذلك الشيء السخيف تمامًا، المضحك جدًّا، الموت الذي ربما يبدو مأساويًّا رهيبًا حين نسمعه كخبرٍ ابن لحظته، ونُدرِك في ومضةٍ أن فلانًا الحي قد مات وانتهى. أما حين يُصبِح الموت حدثًا يدور أمامك، ويُمثِّله، وتنتظر أن ينتهي فلا تبدو له نهاية، حين يصبح لحظةً تتكرر ودائمة التكرُّر، تذهب رهبتُه تمامًا وتُصبِح شيئًا كالحياة التي لا معنى لها، وأقصى ما تشعر به حينذاك أن تُحس بالملل. ولا بد أن ذلك الملل هو الذي دفعَه للاستخفاف؛ ليدفعه الاستخفاف أن يُقرِّر رغم أي اعتبارٍ آخر أن يُحادِث «انشراح».

– سمعتِ آخر نكتة؟

توقفَت أصابعها المكوكية وحدَّقَت تجاه عبد الرءوف، وجحظَت عيناها قليلًا، ثم حين رأته يعني ما يقول جحظَت عيناها أكثر.

– سمعتيها؟

– هي إيه يا دكتور؟

عجيبٌ صوتها، أول مرة يسمعه وإن كان كثيرًا ما سمع عنه، هادئ ومؤدَّب، أم هو تمثيل وتأدُّب؟

– النكتة، آخر نكتة.

حرَّكَت تحديقها في وجهه، ورمقَت السيدة المُسجَّاة، ثم أرخت عينَيها وقالت بصوتٍ منخفض: حرام يا دكتور! حرام! ده وقت نكت؟

– أمال وقت تريكو؟

واغمقَّ وجهها القمحي الشاب خجَلًا، وكفَّت أصابعها عن الحركة في الحال، وجمعَت الكُرة والنسيج والإبر في يدٍ أسقطَتْها بجانبها، ثم بعد ثباتٍ في مكانها بُرهةً انسلَّت قائمة متحركة ببطءٍ ناحية النافذة العريضة ذات الزجاج المصنفر، وفتحت ضلفةً منها وأطلَّت برأسها، ثم ما لبِثَت أن ارتكَزَت بذقنها على يدها. اعتقد أنها تفعل هذا خجلًا، في حين أنها — كما أخبرته بعد هذا — كانت تُحاول أن تكتُم عنه نوبة الضحك الشديدة التي انتابتها.

ولكنه لحظتها، وبوقوفها ومشيتها وارتكازها، تحوَّل انتباهه إلى الشيء الوحيد الذي غاب عن عينَيه طيلة الوقت، انشراح الأنثى. الآن وجهها مختفٍ، وجسدها الخلفي بكامله أمام عينَيه، وبمثل ما يرى الإنسان أول ما يرى وجه المرأة من أمام، تسقط عيناه أول ما تسقط حين يراها من الخلف على ساقيها، وجهها الخلفي، وجهٍ نادر الجمال، نادر أن تلتف الساق بلا ترهُّل أو نحافة، وتتسق مع الوسط والأرداف والكتفَين.

كيف استطاعت حواري شبرا المختلفة بازدحامها أن تُنبِت هذا الجسد السمهري المتسق الفارع؟

أيكون تنمُّرها وتوحُّشها علامات أنوثةٍ يسيء الرجال فهمها؟

وأي طرازٍ من الرجال يا تُرى تُفضِّل؟ مهما كان طرازها، فبالتأكيد لا يمكن أن ترى مثله في الشاب النحيف الطويل ذي الشعر الأصفر والعينَين المُلوَّنتَين الذي — وإن كان يُعجِب أغلب البنات والسيدات — ولكنها هي بالتأكيد مختلفة، ومزاجها مختلف.

أيُحاول بلا مقدماتٍ أن يجس النبض؟

أم يحترم نفسه كما ظل يحترمها ويقنع بالسكوت؟

٦

الدم المندفع المفاجئ معناه غلطة، وغلطة لا يرتكبها طبيبُ امتياز أو حتى طالبُ طب، فكيف ومرتكبها هو كبير أساتذة الجراحة؟ كان واضحًا أن هناك سرًّا، وأن شيئًا غير عادي لا بد يحدث. ولأنها ليست على ما يبدو غلطة، ولأنه حقًّا كبير أساتذة الجراحة، فلم يستغرق الانفجار سوى ومضة؛ إذ في ومضةٍ كانت يده قد امتدَّت وانتزعَت قطعةً كبيرةً من الشاش المطبق، وبدقةٍ شديدة كتَم بها مصدر الانفجار، وكَفَّ الدم عن التسرُّب تمامًا.

وصحيحٌ أنه لم يقل في لحظتها السبب، ولا أحدٌ استطاع التخمين، ولكن لم يكن من الممكن أن يستمر الغموض طويلًا؛ فقد اتضح أن الورم قد أحاط بالأورطي، وابتلعه داخله، وأنه في محاولته فصل الورم جرح الأورطي.

والتفَت إليهم بعد لحظة هدوء، وقد عادت شخصية الأستاذ الكبير تسيطر: الجراح الناجح هو اللي ما تهزُّوش أي مفاجأة تحصل، حتى لو انجرح الأورطي. الجراحة أعصاب، واللي ما عندوش أعصاب يدور له على شغلة تانية يا أسطوات. المسألة حلها بسيط زي ما شفتم، وقفنا النزيف، بعد كده نخيط الجرح.

ولرأب الجرح الذي حدث للوعاء الدموي الكبير، فلا بد من إحاطته بغُرز يضمها خيطٌ واحد تجذب طرفَيه وتعقده فتتعلَّق الفتحة كما تتعلَّق فتحة كيس النقود.

ولقد تولى الأستاذ المساعد مهمة كتم الجرح ريثما ينتهي الأستاذ من إحاطته بالغُرز بإبرٍ خاصة، وبخيطٍ خاص، ولكنه ما كاد يجذب طرفَي الخيط ليعلق الفتحة، حتى تفتَّت الجدار من حول الجرح وتفجَّر الدم في نافورةٍ غزيرةٍ مُروِّعة. هذه المرة كانت قد اتضحت الحقيقة المرة، جدار الأورطي قد تهرَّأ حين ابتلعه الورم، ولم يعُد يحتمل غُرزة، وقد حاول ربطه كليةً، وإذا به ينقطع تمامًا، ويتفجَّر بحرٌ من الدماء اندفع هذه المرة في كل اتجاه يُغرِق أنحاء الغرفة، ويُلطِّخ الوجوه، ويملأ العيون، ويُعمِي لابسي النظارات، ويُحيل الأقنعة البيضاء إلى حمراءَ قانية. دمٌ كثير وكأن عشرة رجال ينزفون معًا، تعجَّب كيف أن مصدره الوحيد هو هذه السيدة النحيلة الغائبة عن الوعي!

وكما أصاب الدم الموجود فسوَّى بين ملامحهما تكفَّلَت الفوضى والارتباك بإحالة الحجرة إلى مكانٍ انتهى منه النظام تمامًا، مليء بالصرخات العصبية والتخبُّط والجري في كل اتجاه والتعثُّر في كل خطوة، تلمع الكلمات كالشهب بلا صدًى، نقل الدم، رباط ضاغط، ضاغط، يا ابن الكلب، يا بهايم، امسحوا الدم اللي في عيني، يا غجر امسحوا الدم.

وامتدت كل يد تستطيع الامتداد إلى بطن المريضة، وليذهب التعقيم إلى الجحيم. وأخيرًا وبلفَّة قطن بالغة الضخامة وتحت ضغط ثماني أيدٍ أمكن سد فيضان البحر المكتسح سدًّا مؤقتًا؛ فالنزيف كان لا يزال مستمرًّا، وبمعدلٍ أسرع من زجاجات نقل الدم الأربع المفتوحة صماماتها إلى آخرها، والجميع وقد أطار عقولَهم ما حدَث لا يرجون إلا فرصةً واحدة — ثانية — لالتقاط الأنفاس.

وحين جاءت الفرصة وأحكم الضغط على الأورطي تمامًا، بحيث كفَّت الدماء عن التسرُّب، كان الخاطر الذي هبط بثقله على الجميع هو أن السيدة قد حُكم عليها — هكذا — بالموت، وأن العملية التي بدأَت لُعبةً واستكشافًا قد انقلبَت إلى مأساة، وأنْ لا حل.

– أظن ما فيش فايدة.

قالها الأستاذ المساعد باستسلام.

والمفاجأة كانت حين ارتفع صوت الأستاذ: ما فيش فايدة إزاي؟ الكلام ده يحصل مع واحد تاني غير أدهم شفيق، مش أدهم شفيق اللي تموت منه عملية، الأورطي انقطع حانشيله كله ونشيل الورم كمان، ونحط بداله وصلة من شريان الفخذ. اطلبوا كل الدم اللي في المستشفى، وهاتوا اللي في الإسعاف السريع كمان. «تيريزا» إبر خياطة الشرايين وحرير ثلاثة زيرو، وشغلوا الشفَّاط وامسحوا الدم ده كله، ولا نقطة أشوفها.

كانت أوامر كهذه تهبط عليهم دائمًا، وكأنها أوامر السماء! تفكيرهم الوحيد هو كيف يُنفِّذونها وبأكمل وجهٍ، كأنه كان يخاطب خشبًا مُسنَّدة هذه المرة! صحيح أنهم تفرَّقوا يُجهِّزون ما أمر به، ولكنهم كانوا كأنهم فقدوا الإيمان بما يقول.

ولقد تم كل شيء كما أراد، وربط الأورطي بعيدًا عن أجزائه المتهرئة، واستؤصل الباقي مع الورم، وامتد الجرح إلى الفخذ، واقتُطِعَت من شريانه أوسعُ قطعةٍ وُصِل بها الأورطي، ودار كل هذا ولا أحد يكاد يُصدِّق أنه يدور، فكأنه يحدُث في منطقة وراء العقل، أو انقلبَت الحجرة بهم إلى فندق تحوَّل فيه الواقع إلى كابوس، والأشخاص والأشياء إلى رموز، والجو مُلبَّدٌ مشحون.

وكان الجميع — وربما بما فيهم الأستاذ نفسه — يتوقَّعون أن تنتهي السيدة قبل أن تنتهي العملية، ولكن أغرب شيءٍ أنها رغم كل ما نزفَت وضاع من الدماء، رغم ضغط دمها الذي كان كالبندول يتأرجح، ويقترب عشرات المرات من منطقة العدم، والقلب الذي كان ينبض، ثم يكاد يكُف ليعود ينبض، رغم كل هذا لم تمُت مع إدراكهم جميعًا والعلمُ معهم أنها لا بد أن تموت، إلا أنها — وكأنما سخرية بهم — لم تمت. ولعل هذا هو الذي شجَّع الأستاذ في الثالثة، وبعد العملية التي استغرقت خمس ساعاتٍ طوالٍ أن يقول: اللي عليَّ عملته، وما كانش يخرج من إيد أي جراح في العالم أنه يعمل أكثر م اللي عملته. إنما حنعمل إيه بقى لوزارة الصحة؟

فالمستشفى في رأيه خالٍ من الخيوط الحريرية ذات السمك المضبوط، والإبر أصغر مما يجب، وغرفة العمليات ليس بها أجهزةُ تكييفِ هواءٍ تُساعِد على هدوء الأعصاب.

– واهو كده أو كده كان الورم حايموتها، يبقى العلم اللي كسب؛ فمصر كسبَت عملية عمرها ما اتعملت، وعملية ناجحة قدَّامكم أهه، والست لسه عايشة أهه، ولو كانت الإبر مضبوطة والخيط مضبوط كانت تعيش عشرين سنة كمان، إنما حظها كده.

•••

والحقيقة أنْ لا الإبر ولا الخيوط ولا أجهزة التكييف هي السبب، والسيدة ما زالت لم تمُت — هذا صحيح — ولكن الدم يتسرَّب من مكان الوصلة وبكمياتٍ ضخمة؛ فليس هكذا تُوصل الشرايين بالشرايين، فالطريقة خاطئة والفكرة من أولها خاطئة، والخطأ ممتد وبادئ من اللحظة التي قرَّر فيها أن يُحيل عملية الاستكشاف إلى عملية استئصالٍ كبرى، بل الخطأ — هكذا يدرك عبد الرءوف الآن — يمتد إلى أبعد، إلى ذلك اليوم الذي أصبحَت الجراحة عند أستاذه تُزاوَل من أجل الجراحة، وأصبحَت العمليات وأصحابها وهم غالبًا من الفقراء الذين بلا حول، ميدانًا لإثبات القدرة والأُستاذية.

٧

الشيء الذي لم يعمل له حسابًا قط هو الذي يحتل عقله الآن تمامًا، ليست هذه هي المرة الأُولى التي يرى فيها ميتًا يُحتضَر أو يسمع ذلك الشخير المتصل، ولكنها الأُولى التي يعايش الموت فيها ليست معايشة مُتفرِّج، ولكنها معايشة مُتأملٍ مترقِّبٍ ليرى متى وكيف تكون النهاية، أو بالأصح نهاية النهاية. وكلما تأمَّل وترقَّب وانتظر أحَسَّ أنه يغوص أكثر وأكثر في التجربة، حتى بدا وكأنه هو نفسه يُعاني نزعات الموت، ولكن حُب الاستطلاع يعود يجذبه ويعود يعيش المشهد بكل خلجاته ليرى كيف بالضبط يموت الناس. وإذا كان المُشاهِد في المسرح أو السينما، وهو يعرف أن ما يراه خيالٌ في خيال ينتفض انفعالًا في انتظار النهاية، فما بالُك والمشهد هنا حقيقي، والموت فيه حقيقي؟ واسم النهاية معروف، ولكن طريقة حدوثها شيء لا يمكن أن يعرف أحد كيف تحدُث. أنت هنا لا تضطرب بين اليأس والأمل! إنك تحفِر بتفكيرك وترقُّبِك في أعمال اليأس لتصل إلى منتهاه، وكأنك تتوقَّع أن تموت هذه السيدة الطيبة التي أسلمَتْهم نفسها بثقةٍ فيهم وفي عملهم ما بعدها ثقةٌ بطريقة لم يسبقها إليها أحد، ما دامت قد اجتازت هذه العملية الكبرى وعاشت بعدها وبطريقةٍ لم يسبقها إليها أحد.

ولم يدرك أنه الآخر قد بدأَت تنهَدُّ فيه أشياء وتموت مثل الجسد الواهي المُسجَّى أمامه إلا متأخرًا. هذا الشهيق المُتباعِد يبدأ ببطء، ويصل إلى منتهاه ببطءٍ ليندفع بعده الزفير فجأة مرةً واحدة. هذا التنفُّس الغريب الذي يسبق الوفاة، والذي طال أمده وامتد وانتظم حتى أصبح كالنبض، وانقلب من دليلٍ مؤكَّد على الموت القادم إلى نبضٍ منتظم، ليس نبض الحياة، وإنما نبض الموت ودقاته تهوي كل نبضة منه كالمطرقة الخرافية البشِعة تهدُّ وتسحقُ الجسد غير الواعي، ولكن الأهم أنها أصبحَت تهوي عليه نفسه، وعلى مراكز الحياة فيه فتتهدَّم وتهوي وتتساقط، حتى أصبَح وكأنما كلما أمعن في انتظار لحظة النهاية اقشعَر بدنه، مخافة أن تأتي معها بنهايته هو الآخر.

وكالفأر الذي أطبقَت عليه المصيدة مضى بكل ما يملك من قدرة على الهرب يستنجد بالخيال، وبأحداث اليوم، وﺑ «انشراح» وجسدها الفائر، ولكن الذكريات والخيالات وحتى الحقائق نفسها كانت تهرُب منه، وتفرُّ من حضرةِ أخلدِ حقيقةٍ عرفَها الإنسان — الموت — أقوى الحقائق كلها، الأقوى حتى من حقيقة أنك حي.

وكالاستغاثة الأخيرة تركَ مقعدَه، واتجه إلى حيث تجلس «انشراح»، ووضع يده على كتفها، ليجد أن جسدها هو الآخر يرتعش وكأنها هي الأخرى قد بدأت تُحتضَر.

ضمَّها عساها أن تكُفَّ عن الارتجاف، فإذا به يبدأ هو الآخر يرتعش، ويمُد يده يتناول يدها، فإذا بها باردة، ميتة بغير شك، برودتها أبدًا ليست من صنع الجسد، وإنما هي وافدة من مكانٍ بعيدٍ سحيق، نفس المكان الذي يُقبل منه الموت! تضغط على يده، وبكلتا يديه يعتصر يدها، وتنتقل برودتها إليه وبرودته إليها؛ فالسيدة كان رأسها قد بدأ يتململ، وشخيرها يضطرب، وأجفانها — مرةً واحدة — تفتَّحَت إلى آخرها، وبرزَت من خلفها عينان واسعتان مُحدِّقتان بلا نظرات. كان واضحًا أن شيئًا مهولًا يقترب، إما النهاية التي انتظراها حتى أوغل الليل في تقدُّمه، وإما المعجزة، وكلاهما مرعبٌ مخيف؛ فالموت حولهما وفي كل مكان، وهو لا يمكن أن يتراجع! فإذا لم تمُت هي فلا بد أنْ سيكون الموت من نصيبهما.

الموت الكثيف الذي تضبَّب له جو الحجرة وثقُل هواؤها، وأصبح النور كالخيوط المنعزلة المخنوقة.

ماذا بالضبط بدأ وفي قوةٍ عارمة يتدفق في جسدَيْهما؟ أبدًا ليس خاطرًا، ولا انفعالًا، ولا إحساسًا ولَّده الخارج، أو اندفَع من الداخل، وحتى ليس دفقة الحياة الأخيرة حين ينتاب الإنسانَ ذلك النوعُ الوحيد من الرعب الذي لا يُحِسُّه المرء إلا مرةً واحدة في عمره، الرعب من الموت الذي يصل إلى درجة أن يُميت هو إذا غاب الموت أو اختفى سببه.

ليس جنونًا أيضًا أو فقدانَ سيطرة.

الحقيقة ليس شيئًا أبدًا قابلًا للإخضاع والمناقشة والتفسير.

والعجيب أنه كان يحدُث لهما معًا، وفي نفس اللحظة، كالآلتَين تعزفان نفس النغمة، أو كأنهما أصبحا جسدًا واحدًا وكائنًا متكاملًا.

اشتدَّ التصاقهما حتى وقفا، وتراجعا إلى حافة المنضدة، حيث اقتربا، وتفتَّحت أذرعٌ أربع لتضم الجسدَين.

وكأنما هو مسوقٌ بها وهي مسوقةٌ به وكلاهما مسوقٌ بقوة أكبر، دفعا معًا «الترولِّي» المُجهَّز لتُحمَل عليه السيدة بعد وفاتها ووضعاه، حتى أصبح امتدادًا لمنضدة العمليات، وبدا ألَّا قوة على سطح الأرض تستطيع منعهما، ومعًا خلعا ملابسهما، وبمساعدته صَعِدَت فوق «الترولِّي» وصَعِد هو الآخر، والسيدة كفَّت عن التلفُّت والتحديق، واستقرَّت عيناها — لا تزالان متسعتَين أيضًا وبلا نظرات — على الجسدَيْن العاريَيْن تمامًا أمامها.

وغير مُهمٍّ إن كانت ترى أو لا ترى، المهم أنها استمرت تُحدِّق حتى حين عاد إليها نبض الموت، وعادت تتنفَّس شخيرًا منقطعًا غير منتظم.

والتهَب جسده وأحَسَّ بها بين ذراعَيه تلتهب وكأنهما محمومان، وضمَّها بشدة، واستماتت هي متعلقةً به وكأنما بألف ساقٍ وذراع.

ومضى هو يرُدُّ على تحديق العينَين المثبتتَين عليهما بتحديقٍ كأنما يدفع به الموت المنصَب من عينَيها، وبتحديقٍ هاتف يقول: لا للموت، لا. إلى اللحظة التي بدأ فيها وكأن نبض الحياة قد اتحد بنبض الموت، وأصبح للكائنات الموجودة بالحجرة — ميتةً وحيةً ومترددة بين الموت والحياة — نبضٌ واحد متسقٌ لا نشاز فيه.

وقبل أن يفقد وعيه بوجودها أحس أن السيدة لا بد قد استردَّت وعيها للحظة؛ فقد بدا من نظراتها أنها لأول مرة تراهما رأي العين وتُدرك تمامًا ما يدور، وأنها ما كادت تستردُّ الوعي حتى انتهى، ولكن اللحظة كانت كافية لتصنع ملامحها شيئًا كالابتسامة، ابتسامةٍ مندهشة قليلًا كابتسامة طفلٍ فتح عينَيه لأول مرة على الحياة فيُدهشُه ما يرى.

وما كاد يستعيد الوعي ويعود يُحدِّق في السيدة، حتى وجد أن كل شيء لا يزال كما تركَه، وابتسامة الدهشة القليلة لا تزال قائمة وموجودة، والعينان أيضًا مفتوحتان على آخرهما بأوسعِ اتساع. شيءٌ واحد فقط هو الذي غاب، نبض الموت؛ إذ قد انتهى الشخير والشهيق والزفير والتنفس.

•••

وكأنه أيضًا للحظةٍ قد تَوحَّد كل شيء، واشتبكت إغماءة النهاية بإغماءة البداية، أول البداية ونهاية النهاية، لحظة خروج الحي من الميت، والميت من الحي، لحظة كأنما أبت السيدة الطيبة إلا أن تحتشد وبآخر ما تملك تُسجِّل بشبكتَيها للمشهد صورة، صورةً تبقى في عينَيها وتخلُد إلى الأبد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤