وليم كاتسفليس

(١) البترون سنة ٢٥٢٠م

شهر أيار، أو نوار، كما يسميه العامة في سوريا، هو أجمل أشهر السنة، وأكثرها رونقًا وزهاءً، في كل أقطار العالم، وبنوع خاص في سوريا؛ حيث تظهر الطبيعة بأبهى رداء، وأصفى سماء، وأعذب هواء؛ إذ ينتشر عبير الأزهار مالئًا الفضاء عطرًا، والعين سرورًا، والصدر انشراحًا. هناك يعانق الشاطئ الأخضر البحر الأزرق، كما يعانق الحبيب الحبيبة، وكأنى به يفاخر سائر الشواطئ والمدائن بجمال حبيبه قائلًا: «من له مثل هذا البحر الفتان.»

هناك — بين تلك الهضاب والرياض — بين أريج الياسمين والمنثور وبخار المياه؛ إذ تلطم الصخور فتتصاعد في الفضاء كاللؤلؤ المنثور. هناك عند أقدام الجبال المزنرة بأشجار الشربين والأرز. في شهر أيار من سنة ٢٥٢٠ كنت ترى الجماهير من الناس، قد ملأت الطرقات والفضاء، كلها متجهة نحو بناية هائلة في جوار البترون، من القوم من جاء من مصر وفلسطين ودمشق، ومنهم من العراق وحلب وحماة وحمص وطرابلس، وغيرها من مدائن سوريا، في المناطيد السريعة التي تمر في الجو مر البرق، وفي النقالات العمومية المرتفعة عن الأرض نحو مائتي ذراع، والتي تسير على دولاب واحد فوق شريط من الفولاذ، بسرعة المناطيد تقريبًا. ومنهم — وهم الفقراء — من جاءوا من الأماكن القريبة في سيارات عظيمة الحجم، من طراز النقالات القديمة العهد.

قلت إن هذه الجماهير، كانت متجهة نحو بناية عظيمة في جوار البترون ذلك لسماع محاضرة الأستاذ محمد جمال العلم الزهاوي. فالمحاضرات العمومية التي تقام على نفقة حكومة العالم المتحد، تجري في تلك البناية في شهر أيار، وفي دمشق في شهر آب، وفي القاهرة في كانون الثاني، هذا لأبناء اللغة العربية الخالدة.

أما البناية التي مر ذكرها، فهي كناية عن قاعة مستديرة، مساحة دائرتها لا تنقص عن الميل. مقاعدها مرتفع أحدها عن الآخر، بحيث يرى الجالس في أرفع المقاعد ما يراه في أوطاها. جدرانها من زجاج، وسقفها من الألومنوم، ومنصة الخطابة أو المنبر في صدرها. على أن بناءها محكم هندسيًّا بنوع أن يُسمع الصوت في أقصى المقاعد عن المتكلم بجلاء ووضوح، كما يُسمع في أقربها إليه، وهذا فوز كبير للهندسة الحديثة في البناء، وتحسين شروط السماع أو الأكوستيك.

الأستاذ محمد جمال العلم الزهاوي، هو من صنف المرشدين؛ إذ لا يخفى أن جماعة العلماء العمال، ممن نالوا أكثرية الأصوات لاجتهادهم وتفوقهم، يقسمون إلى ثلاثة أصناف أو أقسام: المجربون، وهم الذين يعملون في البحث والتنقيب والاختبار والاكتشاف والاستنباط.

والمصنفون، وهم الذين يؤلفون الكتب وينشئون المقالات، فينشرون بين الورى نتائج الأعمال.

والمرشدون، وهم الذين يخصصون قسمًا من أوقاتهم للخطابة والمحاضرات.

وكان الأستاذ محمد من هؤلاء، وقد اشتهر بين المتكلمين بالعربية بالفصاحة، مع توقد الذهن، وملاحة الأسلوب، فضلًا عن وافر علمه، وسعة معارفه.

فلما احتشد الناس في القاعة، وامتلأت المقاعد، والقوم بين حديث وضحك، ولعب وهرج ومرج؛ إذ ظهر نور أحمر في وسط القاعة من جهة السقف، وكان هذا النور لوحًا كبيرًا، ظهرت عليه كتابة بالكهربائية مآلها: «فُتحت الجلسة، فعليكم بالسكون والسكوت.»

وما كادت تظهر هذه الكتابة، حتى عم السكون، فكأن القاعة خاوية خالية، لا يُسمع فيها سوى نبضات قلوب الألوف المجتمعة من رجال ونساء؛ إذ ذاك انتصبت رئيسة الجامعة القحطانية المرشدة أستير ليفي، وقالت:

سادتي

إن الوقت المخصص لهذا الاجتماع ساعتان كما تعلمون، فالبرنامج هو هذا: موسيقى آلية ثلاث دقائق، ثم نشيد جوق الجامعة للفتيات، ثم محاضرة الأستاذ المرشد محمد جمال العلم، وموضوعها «الجيل العشرون»، يتلو ذلك نشيد جوق الجامعة النابلسية للفتيان، ونختم الجلسة بقرار مستشار المعارف الأديب لمخائيل البناء عن أهم أعمال الحول. أشكركم.

فلما جلست الرئيسة ظهر على المنصة الآلاتيون، فلعبوا نغمًا لطيفًا قصيرًا، كي لا يمل الناس. ثم عدد من الفتيات، فأنشدن نشيدًا متقنًا مطربًا، وهي قصيدة قديمة جدًّا لشاعر عاش في الجيل العشرين، كان يسكن القارة الأميركية، وينظم في العربية، ومن الغريب أن شعره راقٍ، رقيق، خالٍ من الحشو المبتذل، بالرغم من وجوده في ذلك الجيل المظلم المتوحش. ثم انتصب الأستاذ محمد، وإليكم خطابه، قال:

سادتي!

كنت أطالع من عهد قريب، مجموعة خطب ومحاضرات، لأناس مختلفين في الجيل العشرين، وقد استلفت نظري في أكثرها أن الخطباء في ذلك الجيل، كانوا يخصصون ثلث كلامهم لإطراء الحضور بالمبالغة السخيفة، وإطراء أنفسهم بذكر عجزهم وقصورهم، وهو أسلوب مبتذل لإلفات الأنظار إلى مقدرتهم، والثلث الثاني لحشو الكلام الرنان المصفوف صفًّا، والمركب تركيبًا: مبنى دون معنى، ما يثبت أنهم كانوا يرتاحون إلى هذا النوع من الثرثرة، التي لا فائدة منها، والتي لا تدل إلا على شيء واحد، وهو عناية الكاتب أو الخطيب بالتفتيش عن الكلمات والجمل، التي تروق له وجمعها مترادفة، سواء كانت لازمة، أو لم تكن، والثلث الآخر لموضوع المحاضرة أو الخطاب.

لا أخالني يا سادة راجعًا بكم إلى تلك العصور المتأخرة. أما إطراؤكم فلا حاجة لي إليه؛ لأنكم أدرى بأنفسكم مني، وقد تكونون إلى الانتقاد أحوج منكم إلى المديح. وأما الإقرار بعجزي، فأخشى أن يُحمل محمل الكذب؛ إذ لولا أهليتي لما كنت حيث أنا بالتصويت الشعبي والانتخاب.

وهنا تبدو لي ملاحظة أخرى، غير مختصة بخطبائهم؛ فهي تشمل أيضًا كتابهم وشعراءهم، إلا النذر القليل من السابقين المولدين، وهو التشابه العظيم في أقوالهم؛ حتى إن أكثرهم كان يردد عبارات وجملًا واحدة، وينهج الأسلوب عينه، الذي ينهجه سواه. وهذا يدل على أمرين: إما أن المواصلات لم تكن موجودة البتة، فلم يدرِ أحدهم بما كتب الآخر، وهذا مردود تاريخيًّا ومنطقيًّا؛ إذا لا يعقل تكرار توارد الخواطر حتى في اللفظ. وأما أنهم كانوا راسفين في قيود التقليد العقيم، والسرقة الأدبية، وهذا الأصح. وقد قال الأستاذ المجرب حسين النافعي في كتابه الجليل: «تأثير الأديان في العصور المظلمة»، ما معناه:

أما كون أبناء اللغة العربية أكثر استسلامًا للتقليد من معاصريهم، فلأسباب كثيرة: أهمها تأثير الأديان عليهم، فالأديان كما كانوا يفهمونها في تلك الأيام المحزنة، كانت شديدة التحفظ بحرفية تعاليمها، لا ترتاح إلى البحث وتحرم الجدال، عدوة الاستقلال وحرية العقول، وقد رسخت تعاليمها المشوهة بالتفسير والتأويل في قلوب الشرقيين ونفوسهم، رسوخ المرض العضال في الجسم النحيل. إنما الفرق بينهم وبين المريض، هو أن المريض يكره علته، ويسعى للتخلص منها. أما هم فكانوا شديدي التمسك بعلتهم، يتعصبون لها، ويناضلون من رام مداواتهم وإبراءهم منها. ولذلك، ولما كانت أديانهم مقلدة ومحافظة، نشئوا على التقليد والخوف من كل جديد وإن كان فيه التقدم والإصلاح.

ومن الأسباب أيضًا ذلهم، وعدم معرفتهم الحياة الحرة المنطلقة من القيود، كما يعرفها العالم اليوم، فبينما كانت الأمم من حولهم نائلة بعض الاستقلال يومئذ، كانوا هم مستعبدين لسواهم، وقد ألفوا تلك الحالة، فقتلت فيهم العبودية قوة التوليد والاستنباط. أضف إلى ذلك الجهل؛ فقد كانوا، إلا الأفراد، قليلي البضاعة العلمية، يجهلون لغات المعاصرين وآدابهم، مما ضيق عليهم المسالك. اﻫ.

هذه جملة من هذا الكتاب النفيس، وإني أنصح لكم أن تقرءوه، إذا سمح لكم الوقت؛ لأنه كبير الفائدة، ثمين البحث في عوامل النفس، وثوران العواطف، إذا هي ضلت السبيل، وتمردت على إرشاد العقل.

من الغريب أن الناس في تلك العصور كانوا يتوهمون أنهم بلغوا شأوًا كبيرًا من التمدن والرقي، مع أن آثارهم تدل على انحطاط وتأخر. أجل إنهم وضعوا أساسات الاختراعات والاكتشافات التي حسَّنها من جاء بعدهم، وصلت إلى الدرجة التي تتمتعون اليوم بثمارها، وأن بعضهم كانوا قد بدءوا يذكرون الحقائق الكبرى، ولكن هؤلاء هم الأفراد القلائل، أما الأكثرية فكانت تهزأ بتعاليمهم، وكثيرًا ما كانت تضطهدهم.

من ذلك أن المذاهب الفلسفية، التي تُعرف اليوم بأسمائها القديمة، كانت تدعى عندهم أديانًا؛ أي إنهم كانوا يعتبرونها شرائع منزَّلة من السماء، يجب عليهم اتباعها بالحرف والمناضلة عنها، ومحاولة إقناع الآخرين بصحتها، وإكراههم على اعتناقها إذا تسنى لهم ذلك. فكان أتباع المسيح، وهم الأكثرية ولهم الصولة والحول، كثيرًا ما يضطهدون المتمذهبين بمذهب موسى أو اليهود، وفي بلادنا الشرقية كان المسلمون يحتقرون النصارى وينبذونهم، وأحيانًا يفتكون بهم، وهم أبناء جنس واحد، وبلاد واحدة، ولغة واحدة، لغير سبب إلا الاختلاف في المذهب الفلسفي. ولم تكُ «الوطنية» تلك الآفة التي سُفكت باسمها دماء كثيرة، أقوى من العاطفة الدينية، إلا في بعض الدول التي كانت تدعي التفوق، وتفاخر بكونها جعلت الوطنية فوق الدين.

أواه يا سادتي، كم كانت الإنسانية تشقى في تلك الأيام السوداء، وما أسعدنا لوجودنا في عصر، أصبحت فيه تلك العقائد البربرية آثارًا تاريخية، بدلًا من أن تكون آفات حقيقية، تحرمنا السعادة، وتورثنا الشقاء والبلاء!

قلت إن بعض الدول التي كانت تدعي التفوق، وضعت الوطنية فوق الدين؛ أي إنها هربت من الدلف إلى تحت المزاب؛ فبدلًا من أن تنحر باسم الدين، صارت تنحر باسم الوطنية، بطريقة أعم. وليس هذا فقط، بل تبرر عملها وتقدسه باسم الوطن. كلمة كان معناها ملتبسًا على الناس، يؤَوِّلونها كما تشاء أغراضهم أو ميولهم البربرية، فكأن ضمير الإنسانية كان مائتًا، أو متخدرًا، أو كأن شيطان العالم لما فرغت يداه من سلاح الدين، اخترع سلاح الوطنية؛ لتظل الإنسانية راسفة في قيوده تحت قدميه.

في الجيل العشرين ظهر في البلاد الروسية مذهب البلشفة، الذي هو أقرب إلى الإخاء العمومي، الذي يتمتع العالم به الآن من كل مذهب تقدمه، ولكنه لم يلبث طويلًا حتى مات؛ ذلك لأنه أخطأ استعمال الوسائل، فامتطى سيف الظلم لإبادة الظلم. وفي قبضة السيف عدوى تسربت إلى جسمه، فنخرت عظمه، وأخطأ أيضًا بالتسرع؛ إذا حاول أن يهدم في عام ما بناه العالم في مليون عام، فكان نصيبه مثل نصيب أسلافه الكوميونسم والسان سيمونسم … إلخ. على أنه لم يندثر تمامًا؛ إذ ترك آثارًا في عقول المفكرين، الذين فحصوه وعرفوا مواضع الضعف فيه، فنبذوها واقتبسوا منه ما كان مفيدًا ومطابقًا لحاجات الإنسانية، فصارت العقول تتمخض به جيلًا بعد جيل حتى ولدته كاملًا.

أتدرون يا سادتي أن الشعوب القاصرة في أيامنا هذه، التي هي تحت وصاية إخوانها ممن هم أدرى منها، هي بالحقيقة أرقى مما كانت أمم الجيل العشرين جميعها؟ قد تستغربون هذا القول، ولكنه حقيقة راهنة؛ فشعوب أواسط أفريقيا مثلًا لم تصل إلى ما وصلنا إليه من المعارف والتسلط على العناصر، ولكنها راغبة في الاستفادة، ساعية للتعلم، راضية بوصايتنا، مخلدة إلى السكون والمحافظة على الشرائع العمومية. بينما في الجيل العشرين، وفي بلادنا هذه عينها ثارت ثائرات القوم، وهدرت الدماء لانتداب فرنسا الوصاية عليهم، مع أن فرنسا كانت أرقى أمم تلك العصور، وما ذلك إلا لأن أغلب سكان سوريا كانوا من المحمديين، فرغبوا عن فرنسا، لا لذنب ارتكبته، أو لقصور أظهرته؛ بل لأنها على غير مذهبهم الفلسفي، الذي كانوا يسمونه دينًا، كما ذكرت لكم سابقًا.

تلك كانت حالتهم في أديانهم؛ جهل مطبق يقوده علم فاسد. فعامة الناس كانت جاهلة كنه الدين، وزعماء الدين من كهان وشيوخ، كانوا يضرمون فيهم عاطفة التعصب لمذاهبهم، والبغضاء لمن كان خارجًا عنها؛ ليظلوا في زعامتهم راتعين، وفي رقاب العامة مالكين. فلو تركوهم وشأنهم لاهتدوا إلى السبيل، وأدركوا سريعًا كما أدرك من خلفهم على الأرض، أن الدين هو الأخلاق والأعمال، فإن تساوت في الناس بالرقي كانوا من دين واحد، ومذهب واحد، وما دون ذلك باطل، والباطل عدو الخالق وآفة المخلوق.

قلت إن ذلك الجيل، الذي نسميه مظلمًا، لم يخلُ من بعض المحاسن؛ فقد شهد تقدم الكهرباء تقدمًا يُذكر، وإن كانوا لم يتوصلوا إلى الانتفاع منها، كما هي الحالة الآن. وشهد أيضًا مولد المنطاد، واختراع المواد الانفجارية التي كانوا لبربرتهم يستعملونها في الحروب، للقتل والتدمير، فأصبحنا — وقد حسنَّاها — نستعملها كقوة محركة أوجدت العجائب. وفي ذلك العصر بدأ العلماء والجراحون يدركون فوائد التطعيم البشري، ونقل الدم والغدد، ولكنه ظل في المهد حتى جاء الجيل الذي بعده، فتقدم، ولم يبلغ تمام نفعه إلا في الجيل الثاني والعشرين. وحسنوا قليلًا في الأشعة الخارقة، التي كانوا يسمونها أشعة رنتجن نسبة إلى مكتشفها، واخترعوا الغواصات، ولكنهم لم يتوصلوا إلى استخراج الراديوم من الهواء، وحصر قوته الهائلة، فكل هذه الاختراعات والاكتشافات كانت لا تزال في المهد، لم يجنوا كل فوائدها. فكانت الأمراض منتشرة انتشارًا كبيرًا، والناس يموتون بالأوجاع والآلام، بدلًا من أن ينطفئوا بهدوء وبلا ألم، كما هي الحالة الآن، بفضل الأشعة الخارقة، التي صرنا بواسطتها نستطيع أن نرى ما في داخل الجسم، كما نرى ما في خارجه، والأشعة البنفسجية، والأشعة الزرقاء، واستخدام الراديوم للتطعيم بالغدد الحية التي تصلح ما فسد من دم الإنسان، وتجدد فيه مادة الحياة، وغير ذلك من الأمور التي يطول شرحها.

وهنالك سبب آخر لكثرة أوجاعهم، وقلتها بيننا، وهو أنهم كانوا يفرطون في الأكل والشرب، فيحمِّلون دماءهم سمومًا من المأكولات، لم تقوَ معدهم على هضمها كلها، ومن المشروبات الروحية السامة. بينما نحن الآن نكتفي بالأشياء المغذية، السريعة الهضم، كالخضر والفواكه والألبان، ونشرب علاوة على الماء؛ الأكسير، الذي هو عصير الفواكه، لا تزيد فيه كمية الكحول عن الاثنين في المائة. ولا نأكل اللحوم كما كانوا يفعلون، ففي بعض الخضر، كالعدس والفاصوليا، وفي اللبن والجبن، ما يغني عن المادة الغذائية في اللحوم، وعن سمومها أيضًا. فبينما كان معدل التعمير في عصرهم من الخمسين إلى السبعين، وكان عدد الذين يموتون قبل الأربعين يعادل الثلث، نرى اليوم أن معدل التعمير أصبح فوق المائة، وأن الذين يموتون قبل السبعين لا يعدلون واحدًا من مائة، وأكثرهم يموتون من حوادث طارئة غير منتظرة.

انظروا إلى البعد الشاسع بيننا وبينهم. انظروا إلى البناء الفخم الذي شيدناه على الأساس الضعيف الذي تركوه لنا. انظروا كيف أننا نستخدم العناصر كما نشاء، فنحول مجاري الأهوية، ونلجم العواصف، ونستنزل الأمطار، ونقطع المسافات الشاسعة ببضع ساعات، مما لم يحلموا به. إن ضغط الهواء، تلك القوة الهائلة، كانت عندهم بابًا مغلقًا، إلا في بعض الصغائر، فجعلنا منها قوة تهز الأرض هزًّا، وأوجدنا الشروط الجوية والطقسية الملائمة ضمن جدران نقالاتنا، فسخرنا بالسرعة وصرنا نجتاز من الخمسمائة إلى الألف ميل في الساعة، دون خطر أو انزعاج.

كل هذا يا سادتي، كل هذه التحسينات المفيدة وغيرها مما لا يساعدني الوقت لذكرها. ثم بفضل الإخاء العمومي، وتوحيد الشرائع في الأرض، مع توحيد العملة، وتحديد مفعولها، ومنع الاحتكار، وقتل عاطفة الطمع في نفوس البشر، مما أبطل الشحناء والحروب، ولولا ذلك لكنا اليوم متأخرين متوحشين هائمين في همجيتنا، كما كان الناس في الجيل العشرين. ولا ريب عندي أن أولادنا سيزيدون على أفعالنا، حتى يبلغ العالم من الكمال الدرجة التي نواها له الإله، الذي هو الكل، والكل هو الإله. أشكركم لإصغائكم.

(٢) اجعلوا الحلم جميلًا

هي حلم ينقضي بين ليلة وضحاها، زهرة تتفتح مع الفجر أوراقها، وتذبل مع المغيب، معشوقة لا تكاد تمنح قبلة اللقاء حتى تذرف دمعة الوداع. هي الحياة بخمرها وخلِّها، بأفراحها وأوزارها، في فضاء الكون كنور سريع ضئيل.

«فاجعلوا الحلم جميلًا.»

روِّحوا النفس فالسبيل ضيق وقصير، إذا نثرنا فوقه الأزهار ربما هان المسير، ومن الجنون أن نؤثر العسير على اليسير، ومن الجحود أن نهمل كنوز النفس، وهي عطايا الإله، فالعيش حلم، والحلم كما نريده يكون.

«فاجعلوا الحلم جميلًا.»

زهرة الحقل تنبت فلا تسائل لماذا، ولا تحسد نضارة الوردة وجمالها، متألمة لأنها ليست مثلها محبوبة، ولا نكيد لها المكايد لإتلافها، زهرة الحقل قانعة بنصيبها وحالها، فاقتدوا بها.

«واجعلوا الحلم جميلًا.»

مادة وروح، قذارة والرهية، فالجسم هيكل من طين، الآلهة هي النفس، وليس بالجسد، بل بالنفس السعادة، تناسوا الجسد وحدوده، تناسوا السجن الذي يقيد لا نهاية النفس.

«واجعلوا الحلم جميلًا.»

جسمك لا يطير؛ إذ ليس له جناح، أما عقلك فطائر لا تجاريه الرياح. فاتركوا الضعف، وتمسكوا بالقوة، التي هي من السماء، واعلوا بنفوسكم فوق سجونها؛ لتذوقوا الهناء. حياة المرء حلم، والأفكار مولدة.

«فاجعلوا الحلم جميلًا.»

ما عمَّر الأكوان إلا المحبة، والقلب إن لم يسَع الدنيا فهو وعاء صغير، وإن لم يفهم أنغام الكائنات فهو أوتار ميتة لا تحركها أغاني الأرواح المتآخية، فليحدث كل جرح في قلوبكم جرحًا.

«واجعلوا الحلم جميلًا.»

وعندما ينضب زيت السراج، فيعود نوره من حيث أتى، ويعود طينه إلى ترابه، وتفلت النفس من قيود الأديم، تنشد وهي سابحة في سماء النعيم:

«لقد جعلت الحلم جميلًا.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠