مغامرة رَجل الطلاء المتقاعد

كان شيرلوك هولمز في حالة من التأمُّل والكآبة في صباح ذلك اليوم، وكانت طبيعته العملية المتيقِّظة خاضعةً لهذه الحالة.

سأل قائلًا: «هل رأيتَه؟»

«تعني العجوز الذي خرج للتوِّ؟»

«بالضَّبط.»

«نعم، قابلتُه عند الباب.»

«وما رأيك فيه؟»

«كائن مثيرٌ للشفقة؛ مُحطَّمٌ وغير ذي جَدوى.»

«بالضبط يا واطسون. مُثير للشفقة وغير ذي جَدوى. لكن أليسَت الحياة برمَّتها مُثيرةً للشفقة، وغير ذات جدوى؟ أليستْ قصته صورةً مصغَّرة لما يُعانيه الجميع؟ لا نكاد نَحصُل على ما سعَينا خلفَه حتى نجده قد تحوَّل في أيدينا في النهاية إلى سرابٍ، أو خيالٍ، أو ما هو أسوأ من الخيال … الشَّقاء.»

«هل هو أحد عُملائك؟»

«نعم، أعتقد أنني سأعتبره عَميلًا، لقد أُحيلَ إليَّ من الشرطة، تمامًا كما يُحوِّل الأطباء مرضاهم الذين لا يُرجى شفاؤهم إلى الدجَّالين والمُشعوذين، بحجَّة أنهم قد بذلوا كلَّ ما في استطاعتهم، وأنه ما من شيءٍ يمكن أن يحدُث للمَرضى أسوأ ممَّا هم فيه.»

«ما هي مشكلتُه؟»

تناول هولمز بطاقةً مُتَّسخة إلى حدٍّ ما على الطاولة قائلًا: «إنه يُدعَى جوزايا أمبرلي، وهو يقول إنه الشريك الأصغر في شركة بريكفول وأمبرلي المُصنِّعة للمواد الفنية. سترى أسماءهم على عُلب الطِّلاء. بعد أن أرسى دعائمَ شرِكته الصغيرة، تقاعَد عن العمل في سنِّ الحادية والستِّين، وابتاع منزلًا في منطقة لويزهام، وأقام به ليستريح بعد رحلةٍ طويلة من الكدح المُتواصل. قد يَظن المرءُ أن مستقبله كان مؤَمَّنًا بشكلٍ معقول.»

«نعم، بالفعل.»

ألقى هولمز نظرةً على بعض الملاحظات التي كان قد كتبَها على عجَلٍ على ظَهر أحد الأظرُف.

ثم قال: «تقاعد عام ١٨٩٦ يا واطسون، وفي بداية عام ١٨٩٧ تزوج بامرأةٍ تصغُره بعِشرين عامًا، وهي امرأةٌ جميلة المظهر إن لم تجامِلْها الصُّورة. كان الطريقُ إلى الرفاهيَة ميسورًا بالنسبة إليه؛ فقد كان لديه المقدرة المالية والزوجَة، ولكن ها هو الآن بعد عامين من زوَاجه كما رأيت، مُحطمٌ وتعيس، يبحث عن نجاته باستِماتة.»

«لكن ما الذي حدث؟»

«القصة المعتادة يا واطسون، صديق غادِرٌ وزوجة متقلِّبة. يبدو أنَّ لدى أمبرلي هوايةً واحدة في الحياة، وهي لعبة الشطرنج. وهناك طبيب شاب — ليس بعيدًا عنه في لويزهام — يَلعَب الشطرنج. لقد دوَّنتُ اسمه؛ إنه الدكتور راي إرنست. كان إرنست يقضِي معظم الوقت في المنزل، وكانت العلاقة الحَميمة بينه وبين السيدة أمبرلي نتيجةً طبيعية؛ إذ يجِب عليك أن تعترفَ بأن عميلنا التعيس لدَيه القليل من الجمال الظاهري، مهما كانت فضائله الدَّاخلية. هرَب العشيقان معًا الأسبوع الماضي، إلى وجهةٍ غيرِ معلومة. والأدهى من ذلك أنَّ الزوجة الخائنة حملت صندوقَ وثائق العجوز في أمتعتِها الشخصية مع جزءٍ كبير من مدَّخَرات حياته. هل يُمكننا أن نجد تلك السيدة؟ هل يُمكننا استنقاذُ المال؟ إنها قضية معهودة فيما يخصُّ تطوُّر أحداثها، إلا أنها معضِلة لجوزايا أمبرلي.»

«وماذا ستفعل بهذا الشَّأن؟»

«حسنًا، السؤال الأولَى بالطَّرح هنا يا عزيزي واطسون هو: ماذا ستفعل أنت؟ هذا إن تكرمتَ بأن تحلَّ محلي. أنت تعلَم أني مشغولُ البال بقضية البطريركَين القبطيَّين، التي يجب أن تصِل إلى نهايتِها اليوم، وفي الحقيقة ليس لديَّ فضلُ وقتٍ لأذهب إلى لويزهام، بالرَّغم من أن الأدلة التي أُخذت من موقع الحادث لها قيمة خاصة. كان العجوز مُصِرًّا على أن أذهب بنفسي، لكنني شرَحتُ له مدى صعوبةِ ذلك، وهو في انتظار مُمَثِّل عني.»

أجبته: «بكلِّ تأكيد، أعترِف أنني لا أرى أنني سأكون ذا قيمة كبيرة، ولكنني سأبذل قُصارى جهدي.» وهكذا توجَّهت في أمسيَّة صيفية إلى لويزهام، ويُداعبني حلمٌ صغير أن تُصبِح القضيةُ التي ذهبتُ لأسبر غَورها مثارَ نقاشِ إنجلترا كلِّها.

كان ذلك في وقتٍ مُتأخِّر من ذلك المَساء عندما عدتُ إلى شارع بيكر وقدمتُ تقريرًا لهولمز عن المهمة التي أوكلها إليَّ. استلقى هولمز بجِسمه النحيل مُتمدِّدًا على كرسيِّه المريح، فيما تتصاعَد ببطءٍ من غليونه جدائل من دُخان التبغ الحارة، وجفناه مُنسدلان على عينيه في كسلٍ وكأنه كان نائمًا، إلَّا عندما أتوقَّف أو أقول جملة استفهامية، فعندئذٍ يفتَح أجفانَه نصفَ فتحة، فتبدو منها عيناه الرماديَّتان اللامعتان، المُتوقِّدتا الذكاء، الحادَّتَان كالسَّيف؛ لتُذهلَني بنظراتها الفاحِصة.

أوضَحتُ له قائلًا: «الملاذ هو اسم منزل السيد جوزايا أمبرلي. أعتقد أنه سيُثير اهتمامَك يا هولمز؛ فهو يبدو كما لو كان أحدَ الأرستقراطيين البائسين وقد آل به سوء الحال إلى مصاحبة مَن هُم دونَه في المنزلة. أنت تعرف ذلك النوعَ من الأماكن، ذا الشوارع المرصوفة بالطوب، وطرق الضواحي الكئيبة. يقعُ هذا المنزل القديم في وسطها تمامًا، في جزيرةٍ صغيرة من الثقافة العريقة والرَّاحة، ويُحيط به جدارٌ عالٍ لفَحَته أشعة الشمس، عليه بُقعٌ من الأشنات، مكسوٌّ بالطحالب، وهو نوع من الجُدران …»

قاطعني هولمز بحدَّة قائلًا: «كفاك شِعرًا يا واطسون! إذن فهو جدارٌ عالٍ من الحجارة.»

«بالضَّبط. ولم أكن لأعلمَ المنزل لو لم أسأل ذلك المُتسكِّع الذي كان يُدخِّن في الشارع. وأنا أذكره لسبَبٍ ما؛ فقد كان رجلًا أسمرَ طويل القامة، كثَّ الشارب، يبدو كما لو كان عسكريًّا. هزَّ رأسه مُجيبًا إيَّاي على استفساري، ورمقَني بنظرةٍ غريبة مُتسائِلة، استحضرَتْها ذاكرتي بعد ذلك بقليل.

ما إن دخلتُ من البوابة حتى رأيتُ السيد أمبرلي يسيرُ على الطريق المؤدِّي للمنزل‎. لقد نظرتُ إليه نظرةً خاطفة هذا الصباح. ولا شكَّ أنه أعطاني انطباعًا بأنه مخلوقٌ غريب، لكن عندما رأيتُه في النهار، كان مظهره أكثرَ غرابة.»

قال هولمز: «لقد درستُ مظهَر الرجل؛ ولكنني مهتمٌّ بمعرفة انطباعِك عنه.»

«بدا لي وكأنه، حرفيًّا، رجلٌ كان ينحني بعناية؛ فقد كان ظهرُه منحنيًا كما لو كان يَحمِل عبئًا ثقيلًا. ومع ذلك، لم يكن ذلك الضعيفَ الذي كنتُ أتصوَّره في البداية؛ لأن كتِفَيه وصدرَه لهما هيكلٌ عملاق، إلَّا أن بدَنَه يَنحَل حتى ينتهي إلى ساقين نحيلتين.»

«وفردة حذائه اليُسرى مُتجعِّدة، بينما اليُمنى ناعمة.»

«لم ألحَظ هذا.»

«لا، لم تفعل، ولكني لمحتُ أطرافَه الصناعية. لا عليكَ، أكمِل.»

«لقد أدهشتني خصلات شعرِه الأشهب المُتعرِّجة، الملفوفة تحتَ قبعته القَشِّية القديمة، ووجهُه ذو التعبيرات الضَّارية المُتلهِّفة والملامح العَميقة.»

«جيد جدًّا يا واطسون، ماذا قال الرَّجل؟»

«بدأ يقصُّ عليَّ شكواه. ومَشيْنا معًا على الطريق المؤدِّي إلى المنزل، وبالطبع تفحَّصتُ المكان جيِّدًا، فما رأيتُ قطُّ مكانًا مُهملًا بهذا الشَّكل؛ كانت الحديقة بحالٍ بالغ السُّوء، مما ترك لديَّ انطباعًا عن الإهمال الهمَجيِّ الذي ترك النَّباتات تنمُو على طبيعتها، لا بطريقةٍ فنِّية. لا أعرف كيف يُمكن لأي امرأة مُحترمة أن تتساهل في مثل هذه الأُمور. كان المنزل أيضًا قذِرًا إلى أقصى درجة، لكن الرجُل المسكين بدا على دِراية بذلك وكان يُحاول إصلاحَه؛ لأنه كان هناك وعاءٌ كبيرٌ من الطلاء الأخضر موضوعًا في وسَط القاعة، بينما كان يحمِل فرشاةً سَميكة في يدِه اليُسرى. كان يدهن المشغولاتِ الخشبية.

أخذني إلى غُرفتِه الخاصة الرثَّة، وأجرَينا محادثةً طويلة. كان يشعر، بالطبع، بخيبة أمَلٍ لأنك لم تأتِ بنفسك. وقال لي: «ما كنتُ لأتوقَّع أنَّ شخصًا قليلَ الشَّأن مِثلي — خاصةً بعد خسارتي المالية الفادحَة — يُمكِن أن يحظَى بالاهتمام الكامل لرجل مشهور مثل السيد شيرلوك هولمز.»

وقد أكدتُ له أنَّ الأمر لا يتعلَّق بوَضعِه الماليِّ، فقال: «لا بالطبع؛ فالأمر في نظر شيرلوك هولمز فنٌّ، وهو يفعل ذلك من أجل الفَن، ولكن حتى من باب فنِّ الجَريمة، ربما يجِد في الأمر شيئًا يستحقُّ الدراسة. والطبيعة الإنسانية يا دكتور واطسون ناكرةٌ لكلِّ جميل، فمتى رفضتُ لها طلَبًا؟ وهل دلَّل أحدٌ امرأةً مثلما دللتُها؟ وذلك الفتى — الذي كان يُمكِن أن يكون ولَدي — كنت قد منَحتُه صلاحيةَ إدارة المنزل، والآن انظُرْ كيف ردَّا إليَّ الجميل! آهٍ يا دكتور واطسون، يا له من عالَم مُخيف، مُروِّع!»

كان ذلك فحوى شَكواه التي امتدَّت لمدة ساعة أو أكثر. يبدو أنه لم يكن لدَيه شكٌّ في وجود مَكيدة. لقد عاشُوا وحدَهم باستثناء امرأةٍ تأتي في النهار وتتركُهم في السادسة من مساء كل يوم. في ذلك المساء بالذات كان أمبرلي الذي كان يرغَب في إعطاء زوجتِه هديةً قد حجَز مقعدين من مقاعد الصَّفِّ العُلوي من مسرح هايماركت. وفي اللحظة الأخيرة اشتكَت من صُداعٍ وأبَت أن تذهب، فاضطرَّ أن يذهب وحيدًا. لم يكن هناك شكٌّ في حقيقةِ الأمر؛ لأنه أراني التذكرة غيرَ المُستخدمة التي ابْتاعها لزَوجته.»

وقال هولمز، الذي بدا أنَّ اهتمامَه بالقضية بدأ يزداد: «أكمِل من فضلِك يا واطسون. أجِد في سردِك ما يُثير الاهتمام. هل قُمتَ شخصيًّا بفحص هذه التَّذكرة؟ هل أخذتَ — ربما — رقمَها؟»

أجبتُه بكلِّ فخر: «ما حدَث هو أنني فعلتُ ذلك بالفعل، لقد صادف أن يكون رقم مدرستي القديمة، واحدًا وثلاثين؛ لذا فقد سهُل عليَّ حفظه.»

«ممتاز يا واطسون، إذن فرَقم كرسيِّه إما أن يكون ثلاثين أو اثنين وثلاثين.»

أجبته وأنا أشعر ببعضِ الحيرة: «تمامًا، وفي الصَّفِّ ب.»

«هذا أكثرُ من كافٍ، ماذا قال لك غيرَ ذلك؟»

«لقد أراني غرفتَه المُحصَّنة، كما سمَّاها. إنها حقًّا غرفةٌ مُحصَّنة — مثل البنك — مع باب حديد ومِصراع مُقاوم للسرقة كما ادَّعى. ومع ذلك، يبدُو أن المرأةَ كانت معها نُسخة من المفتاح، وقد سُرِق منهما ما يقرُب من سَبعة آلاف جنيه من النقود والسندات.»

«سندات! كيف يُمكنُ أن يتخلَّصوا من السندات؟»

«قال إنه أعطى الشرطةَ قائمةً بها، وإنه يأمُل أن تكونَ غير قابلةٍ للبيع. كان قد عاد من المسرح حوالَي منتصف الليل ووجد المكان منهوبًا، ووجد الباب والنافذة مفتُوحين، وقد فرَّ اللصوص. لم يكن هناك أيُّ خطاب أو رسالة، ولم يسمَع منهما منذ ذلك الحين. وقد سارع من توِّه بإبلاغ الشرطة.»

جلس هولمز يفكر في هدوء بضع دقائق.

قال: «تقول إنه كان يدهن، ما الذي كان يدهنه؟»

«حسنًا، لقد كان يدهن الممَر، لكنه كان قد دهن الباب بالفعل، والمشغولات الخشبية في تلك الغرفة التي تحدَّثت عنها.»

«ألا يُدهشك انشغالُه بهذا في مثل تلك الظُّروف؟»

«قال لي معللًا ذلك: «إنَّ على المرء أن يشغَل نفسَه بشيءٍ ما؛ للتخفيف عن قلبه المُتألم.» كان ذلك غريبًا بلا شك، ولكنه هو أيضًا رجلٌ غريب. لقد مزَّق إحدى صور زوجتِه في حضوري، مزَّقها بغضَبٍ في حالة هِياج عاطفي، وصرخ قائلًا: «أتمنى ألا أرى وجهَها اللعينَ مرة أخرى».»

«هل هناك شيءٌ آخر يا واطسون؟»

«نعم، شيءٌ واحد أدهشني أكثرَ من أيِّ شيء آخر. كنت قد ركبتُ إلى محطة بلاكهيث ولحقت بقطاري هناك، وعندما بدأ في التحرُّك رأيتُ رجلًا يثِب للعرَبة المجاورة للتي أركب فيها. أنت تعلم قدرتي الفائقة على تذكُّر الوجوه يا هولمز. لقد كان بلا شكٍّ ذلك الرجل الطويل الأسمر الذي كنتُ قد سألته عن الطريق، ورأيتُه مرة أخرى عند جسر لندن، ثم فقدتُه في الزحام، لكنني على قناعة أنه كان يَتبعني.»

قال هولمز: «بدون شك! بدون شك! تقول إنه كان رجُلًا طويل القامة، أسمر اللون، ذا شارب كثٍّ، يرتدي نظارة شمسية رماديةَ اللون؟»

«هولمز، أنت ساحر! إنني لم أُخبرك بذلك، لكنه بالفعل كان يرتدي نظارة شمس رمادية.»

«ودبوس ربطة عنق ماسوني؟»

«هولمز!»

«الأمر بسيطٌ للغاية يا عزيزي واطسون. ولكن دعْنا ننكبَّ على ما هو عمَلي. يجبُ أن أعترف لك أنَّ القضيةَ — التي بدت لي بسيطة للغاية، كما لو أنها تكاد لا تستحقُّ اهتمامي — تستدعي التعامُل معها بشكلٍ آخر. صحيح أنه على الرغم من أنه قد فاتَتك كلُّ الأشياء ذات الأهمية؛ إلَّا أن الأشياء التي فُرضت عليك تتطلَّب ملاحظتُها أيضًا تفكيرًا جادًّا.»

«ما هي الأشياء التي فاتَتني؟»

«لا يُزعجنك هذا يا رفيقي العزيز. أنت تعرف أنَّ الأمر غيرُ شخصي على الإطلاق. لم يكن أحدٌ ليقوم بالأمر أفضلَ ممَّا فعلت. ربما البعض ليسوا في مثل كفاءَتك، لكن من الواضح أنه فاتتك بعض النقاط الحيوية. فما رأيُ الجيران في هذا الرجل، أمبرلي وزوجته؟ هذا السؤال بالتأكيد له أهميةٌ كبيرة. ماذا عن الدكتور إرنست؟ هل كان هو الرجل المرِح الذي يتوقَّعُه المرء؟ مع ما أعرفه من مزاياك الطبيعية يا واطسون، فإنَّ كل سيدةٍ يُمكنُك أن تجعلها مساعدك وشريكَك في التحرِّي. فماذا عن الفتاة في مكتب البريد أو زوجَة البقَّال؟ إنني أستطيع أن أتخيَّلك وأنت تهمِس بكلمات ناعِمة جوفاء لسيدة شابَّة في بلو أنكور، وتتلقى بعضَ الأشياء الملموسة في المُقابل. كل هذا تركتَه غيرَ مُنجز.»

«لا يزال بإمكاني القيامُ بكلِّ هذه الأشياء.»

«قُضي الأمر بفضل الهاتف، ومساعدة مكتب الشرطة، يُمكنني عادة الحصول على الضروريات الخاصَّة بي دون مُغادرةِ هذه الغرفة. في الواقع، تؤكِّد معلوماتي رواية الرجل؛ فإن لديه سُمعة محلِّية بكونه زوجًا بخيلًا، كما أنه قاسٍ وصارمٌ. ومن المؤكَّد أنَّ لدَيه مبلغًا كبيرًا من المال في تلك الغرفة المُحصَّنة. وكذلك من المؤكد لي بالنسبةِ إلى لدكتور إرنست الشاب — وهو رجل غير متزوج — أنه كان يلعَب الشطرنج مع أمبرلي، كما مارَس ألاعيبَه على الأرجح في خداعِ زوجته. كلُّ هذا بدا استنتاجُه سهلًا للغاية، وقد يظُن المرء أنه لم يَعُد هناك ما يمكن أن يقال … ولكن! … ولكن!»

«أين تكمُن الصعوبة إذن؟»

«ربَّما في مُخيلتي. والآن لنترك كلَّ شيءٍ على حاله يا واطسون. وهيَّا بنا لنهرب من عالَم العمل المُضجِر هذا من بابِ الموسيقى؛ فالليلة ستُغنِّي كارينا في ألبرت هول، ولا يزال أمامَنا وقتٌ لارتداء ملابسنا وتناول الطعام والاستمتاع.»

استيقظتُ في الصباح الباكر لأجد بعض فُتات الخُبز المحمَّص وقشرتين من قشر البيض فارغتَين تُخبرانني أنَّ رفيقي كان قد استيقَظ قبلي. كما وجدتُ على الطاولة مذكِّرةً مكتوبًا فيها بشكلٍ فوضَوي:

عزيزي واطسون

عندي نقطة أو اثنتان، أحببتُ أن أتَّصل بالسيد جوزايا أمبرلي بشأنهما، وعندما أنتهي منهما سيتقرر إن كنَّا سنستبعد القضيةَ أم لا. إنني أطلب منك فقط أن تكون قريبًا بحلول الساعة الثالثة؛ لأنني أظنُّ أنَّني قد أحتاجك.

ش. ﻫ.

لم أرَ أيَّ أثرٍ لهولمز طوالَ اليوم، لكنه عاد في الساعة التي حدَّدها، جادَّ الملامح ومنشغلَ البال ومنعزلًا. ومن الحكمةِ في مثل هذه الأوقات ترْكه وشأنه.

قال هولمز: «ألم يحضر أمبرلي هنا بعدُ؟»

«بلى!»

«آه! أنا أنتظِره.»

لم يَخِب ظنُّه حيث وصل العجوز ونظراته يملؤُها القلق الغامر، ويَرتسِم على ملامحه الارتباكُ الشديد.

ثم قال: «لقد تلقيتُ برقية يا سيد هولمز، ولستُ أفهم شيئًا منها.» ثم ناولَها لهولمز، الذي قرأها بصوت عالٍ:

احضر فورًا دون تلكُّؤ. يمكنني إفادتك بمعلوماتٍ حول فاجعتِك الأخيرة.

إلمان
بيت راعي الكنيسة

قال هولمز: «أُرسلَت في الثانية وعشر دقائق من ليتل بورلينجتون. أعتقِد أن ليتل بورلينجتون في إسيكس وليست بعيدةً عن فرينتون. حسنًا، بالطبع سوف تنطلقان على الفور؛ فهذه البرقية واضحٌ أنها من شخصٍ مسئول، وهو قسُّ الكنيسة. أين معجم الكنائس الخاصُّ بي؟ نعم، لدَينا هنا: جيه سي إلمان، إم إيه، يقطن في موسمور ليتل بورلينجتون. ابحث عن القطارات المُتجهة إلى هناك يا واطسون.»

«هنالك قِطار سيتحرَّك في الخامسة وعشرين دقيقة من شارع ليفربول.»

«مُمتاز، الأفضل أن تَستقِلَّ معه ذلك القطار يا واطسون؛ فربما احتاج مساعدةً أو نصيحة. من الواضح أننا وصلْنا إلى أزمةٍ في هذه القضية.»

لكن بدا أنَّ عميلنا لم يكن يرغَبُ في التحرُّك.

قال: «يا له من أمرٍ بالغِ السُّخف يا سيد هولمز! فما الذي يمكن أن يعرفه هذا الرجل عمَّا حدث؟ إنها مَضيعة للوقت والمال.»

«لم يكن ليُرسل إليك برقية لو لم يكن يعرِف شيئًا. أرسل إليه برقية على الفور تُخبره فيها أنك قادمٌ على الفور.»

«لا أظنُّ أنني سأذهب.»

بدَت على هولمز أقصى آياتِ الصرامةِ وهو يقول: «إن ذلك ممَّا يُعطي أسوأ الانطباعات عنك لدى الشرطة ولديَّ أنا أيضًا يا سيد أمبرلي؛ إن ظهر دليل بمثل ذلك الوضوح، ومن ثمَّ نقوم بردِّه، سيُخالجُنا شعورٌ أنك غير جادٍّ في إجراء هذا التحقيق.»

بدا الذُّعرُ على عميلنا من كلام هولمز، ثم قال: «عجبًا، بالطبع سأذهبُ إذا كنتَ ترى الأمور بهذه الطريقة. في ظاهر الأمر يبدو من العبَث أن نَفترِض أن هذا الشخص يعرِف أيَّ شيء، ولكن إذا كنتَ تعتقد …»

قال هولمز بنبرةٍ مؤكدة: «نعم أنا أعتقد ذلك.» وهكذا استأنفْنا رحلتَنا، وقد أخذَني هولمز جانبًا قبل أن نُغادِر الغرفة وأسدى إليَّ نصيحةً أظهرتْ كم أنَّ الأمر ذو أهميةٍ كبيرة، فقال: «مهما كنتَ فاعلًا، فتأكد من ذَهابه بالفعل معك، وإذا تملَّص من الذهاب أو قفَل راجعًا، فتوجَّه إلى أقرب هاتفٍ عمومي وأرسل إليَّ كلمة «فرار»، وسأتدبَّر أنا هنا أن تصِلني رسالتُك في أي مكان سأكون فيه.»

يُذكر أن بورلينجتون ليست مكانًا يسهُل الوصول إليه؛ فهي محطة تقع على خط قطارٍ فرعي. وما أذكره أنَّ الرحلة لم تكن مُمتعة؛ لأن الطقس كان حارًّا، وكان القطار بطيئًا، وكان رفيقي هادئًا وصامتًا، فلم يكن يتحدَّث إلا بالكاد لإبداء ملاحظة تهكُّمية من حينٍ لآخر فيما يتعلق بعدَم جدوى إجراءاتنا. وعندما وصلْنا أخيرًا إلى المحطة الصغيرة، ركبْنا العربةَ لمسافة ميلين قبل وصولنا إلى بيتِ راعي الكنيسة؛ حيث استقبلَنا رجلُ دين كبير مهيب عليه سيماء الأبهة، وفي مكتبه وجدْنا برقيَّتنَا موضوعةً أمامه.

سألنا: «حسنًا أيها السيِّدان، ما الذي يمكنُني فعله لأجلِكما؟»

قلتُ موضحًا: «لقد جئنا استجابةً لبرقيتك.»

«برقيتي! لم أرسل أيَّ برقية.»

«أعني البرقية التي أرسلتَها إلى السيد جوزايا أمبرلي، بخصوص زوجتِه وأمواله.»

قال راعي الكنيسة بغضَب: «لو أنَّ هذه مُزحة يا سيد، فهي مزحة مُريبة؛ فلم يسبِق لي أن سمعتُ بالسيد الذي ذكرتَه لي، كما أني لم أُرسل برقيةً لأيِّ شخص.»

تبادلتُ أنا وعميلنا نظراتِ الدهشة.

قلتُ: «ربما هنالك سوءُ فهم، هل هناك بيت راعي كنيسَة آخر؟ ها هي البرقية نفسُها، موقعة من إلمان ومؤرَّخة من بيتِ راعي الكنيسة.»

«لا يُوجَد سوى راعٍ واحدٍ يا سيدي، وهو الراعي الوحيد، وهذه البرقية هي تزوير فاضِح، يجب على الشرطة التحقُّقُ من مصدرِه بالتأكيد. وفي الوقت نفسه، لا أرى سببًا لاستمرار هذه المقابلة.»

وهكذا وجدتُني أنا والسيد أمبرلي على جانب الطريق فيما بدا لي أنه أكثر القُرى بدائيةً في إنجلترا. توجَّهنا إلى مكتب التلغراف، لكنه كان قد أغلق بالفعل. لكن كان هناك هاتفٌ على السكة الحديدية العسكرية، ومن خلاله تواصَلتُ مع هولمز، الذي شاركَنا اندهاشَنا ممَّا توصَّلنا إليه في رحلتنا.

قال الصوت البعيد الصَّادر من الهاتف: «يا له من أمرٍ بالغٍ الغرابة! أخشَى بشدَّة يا عزيزي واطسون أنه لا يُوجَد قطار للعودة ليلًا. لقد ألجأتُك عن غير قصد لمُقاساة أهوالِ نزول البلدة. ومع ذلك، لدَيك هناك دائمًا الطبيعة يا واطسون — الطبيعة وجوزايا أمبرلي — كان الصوت يُمكنُك أن تكون على اتصال وثيقٍ بكليهما.» وسمعتُ ضحكةً مكتومة جافَّة بينما يبتعِد.

سرعان ما اتَّضحَ لي أن سُمعةَ رفيقي الشحيح كانَت مُستحقَّة؛ فلقد تذمَّر من تكلفة الرحلة، وأصرَّ على السَّفَر على الدرجة الثالثة، والآن يعترِض في صخَبٍ على فاتورة الفُندق. وفي صباح اليوم التالي، عندما وصلْنا أخيرًا إلى لندن، كان من الصعب تحديدُ أيٌّ منَّا كان في حالة مزاجية أسوأ من صاحبه.

قلت: «ربما نبدأ بالمرور على شارع بيكر؛ فربما يكون لدى السيد هولمز إرشاداتٌ جديدة.»

قال أمبرلي وهو واجِم بِلؤم: «إذا لم تكن قيمتُها أكثرَ من الأخيرة، فلن تكون ذات فائدة كبيرة.» ومع ذلك فقد رافقني. كنت قد أعلمتُ هولمز بساعة وصولِنا بالتلغراف، لكنَّنا وجدْنا رسالةً في انتظارنا تخبرُنا أنه في لويزهام وينتظرنا هناك. كانت هذه بمثابة مفاجأة، لكن المفاجأة الكبرى كانت أنه لم يكُن بمُفرده في غرفة الجلوس الخاصَّة بعميلنا؛ فقد كان يجلس بجانبه رجلٌ صارم، داكن البشرة، يرتدي نظاراتٍ رمادية اللون ودبوسًا ماسونيًّا كبيرًا يظهر من ياقَته.

قال هولمز: «هذا صديقي السيد باركر. لقد كان مهتمًّا أيضًا بموضوعك يا سيد جوزايا أمبرلي على الرَّغم من أنَّنا كنَّا نعمَل بشكلٍ مُستقل، لكن لدى كلٍّ منَّا نفس السؤال لنطرحَه عليك!»

انهار السيد أمبرلي على كرسيه؛ إذ شعَر بالخطَر الوشيك. لقد قرأتُ ذلك في عينَيه المُتوتِّرتَين وملامح وجهِه المُنقبِضة.

«ما هو السؤال يا سيد هولمز؟»

«السؤال فقط هو: ماذا فعلتَ بالجُثَّتَين؟»

وثَبَ الرجل على قدمَيه صارخًا بصوتٍ أجشَّ. كان يبدُو في هيئته تلك وهو يُحرِّك براثنه في الهواء ويدَيه ذات العظام النَّحيلة، بينما كان فمُه مفتوحًا كأحَدِ الطيورِ الجارحة. وللحظةٍ رأيْنا جوزايا أمبرلي في هيئَته الحقيقيَّة؛ شيطانًا مُشوَّه الخلقة برُوحٍ مشوَّهة مثل جسَده. وبينما هو يعود لكرسيِّه ليجلس عليه ضمَّ يدَه على شفتَيه فيما يُشبِه اللَّطمة وكأنه يمنَع السُّعال، لكن هولمز وثبَ وأمسَك برقبتِه مثل النمر، وأدار وجهَه نحو الأرض، فسقطتْ حُبَيبةٌ بيضاءُ من بين شفتَيه اللاهِثَتَين.

قال هولمز: «لن تُفلِت بهذه السرعة يا جوزايا أمبرلي. يَجِب أن تتمَّ الأشياء بشكلٍ لائق وبالترتيب. ما رأيك يا باركر؟»

قال رفيقُنا قليلُ الكلام: «لديَّ سيارة أجرة متوقِّفة عند الباب.»

«إنها فقط بضعُ مئاتٍ من الأمتار إلى مخفر الشرطة. سنذهب معًا. يمكنُك البقاء هنا يا واطسون. سأعود خلالَ نصفِ ساعة.»

كان لدى رجلِ الدهانات العَجوز قوةُ أسدٍ في جسده الكبير، لكنه كان عاجزًا في أيدِي رجُلين مُتمرِّسين ذَوَيْ خبرة. كان يصرُخ ويتلوَّى، وهو يُجَرُّ إلى السيارة المنتظرة، وتُركتُ وحدي منعزلًا في المنزل المشئوم. وفي وقتٍ أقلَّ مما ذكرَه عاد هولمز ومعه مُفتِّش شرطة شابٌّ ذكي.

قال هولمز: «لقد تركتُ باركر ليعتني بالشَّكليات، أنت لم يسبق لك لقاءُ باركر يا واطسون. إنه مُنافسِي العَتيد من قضيَّة شاطئ سَري. عندما ذكرتَ لي الرجُل الطويل ذا البَشرة الداكنة لم يكن الأمر صعبًا بالنسبة لي لأستكمِل الصُّورة. وقد قام بحلِّ العَديد من القضايا الجيِّدَة، أليس كذلك أيها المُفتش؟»

أجاب المُفتش بتحفُّظٍ: «لقد شاركَ في العديد من القضايا بالتَّأكيد.»

«أساليبُه في التحقيق غيرُ نظامية كالتي أستخدِمها. الأساليبُ غير النظامية مُفيدة في بعض الأحيان كما تعلَم. فأنت أيُّها المُفتش، على سبيل المثال، مُلزَم بتحذيره أنَّ كلَّ ما سيقوله يُمكن أن يُستخدَم ضدَّه في المَحكمة؛ لذا لم يكن بإمكانِك أن تخدَع هذا الوغد لكي يُدلي باعترافٍ عمَلي.»

«ربَّما لا نستطيع أن نفعَل ذلك، لكننا نَصِل إلى نفسِ الهدف يا سيد هولمز. لا تعتقد أنَّنا لم نُشكل وجهاتِ نظرنا الخاصَّة بهذه القضية، وأنَّنا لم نكن لنضَع أيدينا على الرجُل المطلوب. وستعذُرنا لشعورنا بالحنَق لاستخدامك أساليب لا يُمكننُا استخدامُها؛ ومِن ثمَّ تسلُبنا فضلَ الكشف عن الجَرائم.»

«لن يكون هناك سرقة كهذه يا ماكينون. أؤكد لك أنَّني أُعفِي نفسي من الآن، وبالنسبة إلى باركر فهو لم يفعل شيئًا سِوى ما أخبرتُه.»

بدا المفتش مرتاحًا، إلى حدٍّ كبير.

«هذا لطفٌ بالغٌ منك، يا سيد هولمز. قد لا تكترث بالثَّناء أو اللَّوم، لكن الأمر مختلف تمامًا بالنسبة إلينا، خاصَّةً عندما تبدأ الصُّحف في طَرح الأسئلة.»

«تمامًا. لكنَّهم سيطرحُون الأسئلة على كل حالٍ، لذا سيكون من الجيِّد الحصولُ على إجابات. فماذا ستقُول، على سبيل المثال عندما يسألُك المُراسلُ الذكيُّ المُغامر عن النقاط الدقيقة التي أثارت شكوكَك، والتي منحَتْك في النهاية قناعةً مُعينة فيما يتعلق بالوقائع الحقيقية؟»

بدا المُفتشُ حائرًا.

«يبدو أنَّنا لم نَحصُل على أيِّ وقائع حقيقية بعدُ يا سيد هولمز. أنت تقول إن السَّجينَ، بحضور ثلاثةِ شهود، اعترفَ عمليًّا — بمحاولَتِه الانتحار — بأنه قتَل زوجتَه وعشيقها. فما الحقائق الأخرى التي لدَيك؟»

«هل قُمتم بالبحث؟»

«هناك ثلاثةُ ضباط في الطَّريق.»

«إذن، ستصل قريبًا إلى الحقيقةِ الأوضح للجميع. لا يُمكنُ أن تكون الجُثَث بعيدةً. جرِّب الأقبِية والحديقة. لن يستغرق حفْر الأماكن المُحتمَلة وقتًا طويلًا. هذا المنزل أقدمُ من أنابيب المياه. يجِب أن تكون هناكَ بئر مهجورة في مكانٍ ما. جرِّب حظَّك هناك.»

«لكن كيف عرفتَ بالأمر، وكيفية حدوثه؟»

«سأريك أولًا كيفَ حدث ذلك، وبعد ذلك سأقدِّم لك التفسيرَ الذي تحتاج إليه، والذي يحتاج إليه صديقي الذي طالتْ مُعاناته هنا، والذي كان وجوده لا يُقدَّر بثمن طوال الوقت. لكن أولًا، سأعطيك لَمحةً عن عقليَّة ذلك الرجل. إنها عقليةٌ غيرُ اعتيادية على الإطلاق. طبيعة تفكيره تُشبِه — إلى حدٍّ كبير — الطبيعةَ الإيطاليَّة الغليظة التي تعُود إلى العصور الوُسطى وليس العقل البريطاني المُتحضِّر. لقد تسبَّب ببُخله وبؤسه وطرُقِه المُضطربة في إتعاس زوجته للدرجة التي جعلتها لقمةً سائغة لأيِّ مُغامر. تَجسَّد هذا المُغامر في شخص ذلك الطبيبِ لاعب الشطرنج. لقد برَع أمبرلي في لعبة الشطرنج يا واطسون؛ نظرًا لبراعته في التخطيط. وكحال كل البُخلاء، كان رجلًا غيورًا، وازدادت غيرتُه حتى صارت هوَسًا محمومًا. لقد كان يَشكُّ أن هناك دسيسةً ما، وسواءٌ أكان ظنُّه ذلك صَوابًا أو خطأً فقد صمَّم على الانتقام لنفسه، وخطَّط لذلك بذكاء شيطاني. تفضَّلا من هنا!»

قادنا هولمز على طول الممرِّ بقَدرٍ من اليقين، كما لو كان يعيشُ في المنزل، ثم توقَّف عند باب الغرفة المُحصَّنة المفتوح.

صاح المفتش: «أف! يا لها من رائحة طلاءٍ بغيضة!»

قال هولمز: «لقد كان ذلك مفتاحنا الأول لحَلِّ اللُّغز. يمكنك أن تَشكُر الدكتور واطسون على ملاحظته تلك، فعلى الرغم من إخفاقِه في أن يستنبِط منها شيئًا، إلا أنها وضعَت قدمي على أول الطريق. ما الذي يجعَل هذا الرجل في مثل هذا الوقت يملأ المنزلَ بتلك الرائحة القويَّة؟ من الواضح أنه فعل ذلك ليُغطِّي على رائحةٍ أخرى، راجيًا ألا تنكشِف رائحةُ جريمةٍ لم يرغب أن يُثير حولَها الشُّكوك، ثم طرأَت له فكرةُ الغرفة التي تراها الآن، ذات الباب والمصراع الحديديَّيْن؛ غرفة مُحكَمة الإغلاق. وإذا جمَعنا كلتا الحقيقتَين معًا، فإلى ماذا تُشيران؟ لقد تمكنتُ من معرفة ذلك عبرَ فحص المنزل بنفسي. وكنتُ متأكدًا بالفعل من أن القضية خطيرة؛ لأنني كنتُ قد درستُ مخطَّط شباك التذاكر لمسرح هايماركت — ملحوظة أخرى دَقيقة من الدكتور واطسون — وتأكَّدت من أنه لم يتمَّ حَجز المقعد «ب٣٠» ولا «ب٣٢» من الدور العلوي في تلك الليلة؛ لذا فأمبرلي لم يذهب إلى المَسرح، وانهارت حُجَّتُه تلك. لقد أخطأ بشكل سيِّئ عندما سمَح لصديقي المُخضرم أن يلاحظ رقمَ المقعد الذي ادَّعى أنه حجزه لزوجته. وكان السؤال الذي يطرح نفسه في ذلك الوقت هو: كيف يُمكنني تفتيش المنزل؟ لقد أرسلتُ وكيلي إلى أبعَدِ قرية يُمكنني التَّفكيرُ فيها، ثم استدعيتُه في ساعَةٍ لم يَستطِع فيها العودة. ولمنع أيِّ إخفاق، فقد رافقَه الدكتور واطسون. أما اسم راعي الكنيسة الطيِّب فقد أخذْته — بالطَّبع — من دليل كنائس كروكفورد. هل أوضحتُ لكما كلَّ شيءٍ الآن؟»

قال المُفتش بنبرةٍ مُتعجبة: «يا للبَراعة!»

«ولعدَم وجود أيِّ مخاوف من مقاطَعتي دخلتُ إلى المنزل خِلسة. لطالَما كان السطوُ دائمًا مهنةً بَديلة لي؛ ولو أني اهتممتُ بتبنِّيها، فليس لديَّ أيُّ شكٍّ في أنني كنتُ سأكون من أفضل مُمتهِنيها. لاحظوا ما وجدتُه. ترَون أنبوب الغاز على طول الحافَة هنا. جيد جدًّا. إنه يصعد في زاوية الجدار، ولدَينا فتحة هنا في الزاوية، ينفذُ منها الأنبوب إلى الغرفة المُحصنة، كما ترَون، وينتهي في ذلك الجِصِّ الذي ارتفع في وسط السقف؛ حيث أخفتْه أعمال الزخرفة. هذا الطرف من الأنبوب مفتوحٌ عن آخره. وفي أيِّ لحظة عن طريقِ فتح المحبس الخارجي يمكن أن تَمتلئ الغرفة بالغاز. مع إغلاق الباب بمِصراعيه وفتح المحبس عن آخره، لن يستغرق الأمر دقيقتَين لأيِّ شخصٍ يَمكُث في هذه الغرفة وهي مُغلَقة حتى يَغيبَ عن الوعي. ولا أدري بأي وسيلةٍ شيطانية قام باستدراجهما إلى هُناك؟ لكن بمجرَّد دُخولهما من الباب كانا تحتَ رحمته.»

فحص المُفتش الأنابيب باهتمامٍ قائلًا: «لقد ذكَر أحد ضباطنا وجودَ رائحة الغاز، ولكن بالطبع كانت النافذة والباب مفتوحَين آنذاك، وكان الطِّلاء — أو بعضُه — موجودًا بالفِعل. كان قد بدأ أعمالَ الدِّهان في اليوم السابق، حسَب روايته. ولكن ماذا حدَث بعد ذلك، يا سيد هولمز؟»

«حسنًا، ثم جاء الحادث الذي لم يكُن مُتوقعًا حتى منِّي. كنتُ أَقفِز عبر نافذة مخزَن المنزل في مطلَع الفجر عندما شعرتُ بيدٍ تُمسكني من يَاقتي وصوت يقول: «الآن، أيها الوَغد، ماذا تفعل هناك؟» وعندما تمكَّنت من لفِّ رأسي فإذا النَّظارات الملوَّنة لصديقي ومُنافسي السيد باركر. لقد كان ذلك بمثابة اجتماعٍ مُثيرٍ للفضول لكِلَينا. يبدو أنه كان مُنتدَبًا من قِبل عائلة الدكتور راي إرنست لإجراءِ بعض التَّحقيقات؛ ومن ثم توصَّل إلى نفس النتيجة فيما يتعلق بالتصرُّف غير القانوني. كان يُراقِب المنزل لعدة أيام، وقد اعتبر الدكتور واطسون أحد الشخصيات المشبوهة التي رآها هناك. لم يستطع القبض على واطسون، لكن عندما رأى رجلًا يتسلَّق فعليًّا من نافذة المخزن، كان يجِب عليه أن يضع حدًّا لذلك وأن يعتقله. بالطبع أخبرتُه كيف تسيرُ الأمور وواصلنا القضية معًا.»

«لماذا هو، وليسَ نحن؟»

«لأنه كان في نيَّتي أن أضع هذا الاختبار الصغير الذي أُجيب عليه بشكل مُثير للإعجاب. أخشى أنكم لم تكونوا لتَستجيبوا لي كما فعل.»

ابتسم المفتش قائلًا: «حسنًا ربَّما لم نكن لنفعل ذلك. أعتقد أنني حصَلتُ على وعدٍ منك يا سيد هولمز أنك ستتخلَّى عن القضية الآن، وستُطلِعنا على كلِّ النتائج التي توصَّلتَ لها.»

«بالتأكيد، تلكَ عادتي دومًا.»

«حسنًا، باسم قوَّات الشرطة أتقدم لك بالشكر. يبدو أنها قضية سهلة، كما أوضحتَ أنت، ولا يمكن أن يكون هناك أيُّ صعوبة في استخراج الجُثَّتَين.»

قال هولمز: «سأريك صورةً قاتمةً من الأدلة، وأنا على يقينٍ أن أمبرلي نفسه لم يخطر على باله ملاحظتُها. إنك — سيدي المفتش — تَحصُل على النتائج عن طريق وضعِ نفسك في موضع الرجل الآخر، والتفكير في كيفية تصرُّفِك في تلك الحالة. إنها عملية تتطلَّب خيالًا واسعًا، ولكنها طريقة مُجدية. والآن لنفترض أنك حُبست في هذه الغرفة الضيقة، ولديك أقلُّ من دقيقتَين ستظلُّ فيهما حيًّا، وتريد أن تنتقِم من الشَّيطان الشامِتِ فيك من الجانب الآخر من الباب، فماذا كنت ستفعل؟»

«سأكتبُ رسالة.»

«بالضبط، ستودُّ أن تُخبر فيها النَّاس كيف قُتلتَ، ولن يكون من المُفيد الكتابةُ على الورق؛ إذ يُمكن أن يُرى ذلك، ولكن إن كتبتَ على الحائط فربَّما استندَ أحدٌ ما فرآه. والآن انظُر هنا، فوق الحافة تمامًا، هناك خربشة بقلم أُرجواني يتعذَّر مَحوه، مكتوب به: «نحن … نتعر…» هذا كلُّ شيء.»

«وما الذي تستَنتِجه من ذلك؟»

«حسنًا، إنها على ارتفاع قدَم فوق الأرض، كان المسكين يَلفِظ أنفاسَه الأخيرة على الأرض عندما كتبَها، ولا بدَّ أنه أُغمي عليه قبل أن يُنهيَها.»

«كان يكتب: نحن نتعرض للقتل.»

«هكذا قرأتُها. إذا وجدت قلمًا مع الجثة …»

«سنبحث عنه، كن متأكدًا من ذلك. ولكن ماذا عن تلك السندات؟ من الواضح أنه لم يكن هناك سَطو. لكن كانت لدَيه بالفعل تلك السندات في حوزتِه. لقد تأكدْنا من ذلك.»

«كن متأكدًا أنه أخفاها في مكانٍ آمِن. حتى إذا ذهبَت قصة هروب العاشقَين طيَّ النسيان ادَّعى أنه وجدَها، وأعلن أنَّ المذنبَينِ رجَعا عن قرارهما فأرسلا ما استلباه منه، أو أسقطَاه في الطريق.»

قال المفتش: «يبدو أنك واجهتَ العديد من الصِّعاب. بالطبع كان مُلزَمًا باللجوء إلينا، لكن لِمَ كان عليه الذهاب إليك؟ لا يُمكنني فهمُ ذلك.»

أجاب هولمز: «شعور محضٌ بالزهو والخُيَلاء. كان واثقًا من نفسه لدرجة أنه تخيَّل أنه لا يمكن لأحدٍ أن يمسَّه. يُمكنه أن يقول لأي جارٍ يشتبِهُ به: انظُر إلى الخُطوات التي اتخذتُها. إنني لم أرجع إلى الشرطة فحَسْب، بل حتى إنني استشرتُ شيرلوك هولمز أيضًا.»

ضحك المفتش. ثم قال: «يجب علينا أن نغفر لك كلمةَ «حتى» تلك؛ فهي وظيفةٌ محترمة أيضًا على ما أتذكَّر.»

بعد بضعة أيام، ألقى إليَّ صديقي نُسخةً من مجلة «نورث سَري أوبزيرفر» التي تَصدُر كل أسبوعين. وتحت سلسلة من العناوين البراقة، والتي بدأت بعنوان «فزع السماء» وانتهت ﺑ «تحريات الشرطة العبقرية»، كان ثمَّة عمودٌ مكتظٌّ يضمُّ أولَ سردٍ مترابطٍ لهذه القضية، وفي فقرته الختامية الجامعة كُتب:

الفِطنة الاستثنائية التي استدلَّ بها المفتش ماكينون على أن رائحةَ الطلاء قد تُخفِي بعض الروائح الأخرى، كرائحة الغاز على سَبيل المثال، والاستدلال الجريء على أن الغرفة المُحصَّنة قد تكون هي غرفة الموت، والتحقيق اللاحق الذي أدَّى إلى اكتشاف الجُثَث في بئرٍ مهجورة والمدفونة بذكاء تحت بيت للكلاب، كل هذه الأمور يجب أن تحيا في وجدان تاريخِ الجريمة باعتبارها مِثالًا دائمًا على ذكاء مُحقِّقينا المُحترمين.

قال هولمز بابتسامةٍ مُتسامحة: «حسنًا، حسنًا، ماكينون زميل جيِّد. يُمكنُك إيداع الحقيقة في أرشيفنا يا واطسون؛ فربما تُروى القصةُ الحقيقية للناس يومًا ما.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠