فيلسوف العرب الكندي

قبيلته ونسبه

ينتسب الفيلسوف «يعقوب الكندي» إلى كندة، «وكندة» هي من بني كهلان وبلادهم باليمن١ وكان لكندة ملك بالحجاز واليمن، وفي الأغاني:٢ «قال أبو عبيدة: حدثني أبو عمرو بن العلاء أن العرب كانت تعد البيوتات المشهورة بالكبر والشرف من القبائل بعد بيت هاشم بن عبد مناف في قريش ثلاثة بيوت ومنهم من يقول أربعة: بيت آل حذيفة بن بدر الفزاري بيت قيس، وبيت آل زراره بن عدس الدارميين، وبيت آل ذي الجدين بن عبد الله بن همام بيت شيبان، وبيت بني الديان من بني الحارث بن كعب بيت اليمن.»

وأما «كندة» فلا يعدون من أهل البيوتات إنما كانوا ملوكًا.

وقال الكلبي: قال كسرى للنعمان: هل في العرب قبيلة تشرف على قبيلة؟

قال: نعم.

قال: بأي شيء؟

قال: من كانت له ثلاثة آباء متوالية رؤساء، ثم اتصل ذلك بكمال الرابع، والبيت قبيلته فيه.

قال: فاطلب لي ذلك. فطلبه فلم يصبه إلا في آل حذيفة بن بدر، بيت قيس بن عيلان، وآل حاجب بن زرارة بيت تميم، وآل ذي الجدين بيت شيبان، وآل الأشعث بن قيس، بيت كندة.

قال: فجمع هؤلاء الرهط ومن تبعهم من عشائرهم فأقعد لهم الحكام العدول، فأقبل من كل قوم منهم شاعر، وقال لهم: ليتكلم كل رجل منكم بمآثر قومه وفعالهم، وليقل شاعرهم فيصدق، فقام حذيفة بن بدر وكان أسن القوم وأجرأهم مقدمًا فقال …

ثم قام الأشعث بن قيس، وإنما أذن له أن يقوم قبل ربيعة وتميم لقرابته بالنعمان، فقال: لقد علمت العرب أنَّا نقاتل عديدها الأكثر، وقديم زحفها الأكبر، وأنا غياث اللزبات.

فقالوا: لم يا أخا كندة؟

قال: لأنا ورثنا ملك كندة فاستظللنا بأفيائه، وتقلدنا منكبة الأعظم، وتوسطنا بحبوحه الأكرم.

ثم قام شاعرهم فقال:

إذا قست أبيات الرجال ببيتنا
وجدت له فضلًا على من يفاخر
فمن قال: كلا أو أتانا بخطة
ينافرنا يومًا فنحن نخاطر
تعالوا فعدوا يعلم الناس أينا
له الفضل فيما أورثته الأكابر

ثم قال بسطام بن قيس فقال: … ثم قام حاجب بن زرارة فقال: … ثم قام قيس بن عاصم فقال: … فلما سمع كسرى ذلك منهم قال: «ليس منهم إلا سيد يصلح لموضعه فأسنى حباءهم.»

وفي كتاب المعارف لابن قتيبة عند الكلام على أديان الجاهلية: «وكانت اليهودية في حمير، وبني كنانة، وبني الحارث بن كعب، وكندة.»٣

هذه سيرة يعقوب الكندي في الجاهلية.

•••

أما نسبه في الإسلام فهو: أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن الصباح بن عمران بن إسماعيل بن محمد بن الأشعث بن قيس.

وقد بقي لكندة مجدها في الإسلام: فمن كندة من كان له ذكر في الفتوح والثورات٤ ومنهم من ولي الولايات٥ ومنهم من تقلد القضاء.
قال ابن دريد في كتاب الاشتقاق:٦ «ولي القضاء من كندة بالكوفة أربعة: جبر بن القشعم، ثم شريح، ثم عمرو بن أبي قرة، ثم حسين بن حسن الحجري، ولاه خالد بن عبدالله القسري.»

ومنهم: الشعراء كجعفر بن المكفوف شاعر الشيعة، وعزام بن المنذر من المعمرين وهو الذي يقول في شعره:

ووالله ما أدري أأدركت أمَّة
على عهد ذي القرنين أو كنت أقدما؟
متى تنزعا عني القميص تبينا
جناجن لم يكسين لحمًا ولا دما
وأول من أسلم من آباء الكندي الأشعث بن قيس،٧ قال ابن الأثير الجزري:٨

وفد إلى النبي سنة عشر من الهجرة في وفد كندة وكانوا ستين راكبًا فأسلموا … وكان الأشعث ممن ارتد بعد النبي فسير أبو بكر الجنود إلى اليمن، فأخذوا الأشعث أسيرًا فأحضر بين يديه فقال له: استبقني لحربك وزوجني بأختك، فأطلقه أبو بكر وزوجه بأخته، وهي أم محمد بن الأشعث، ولما تزوجها اخترط سيفه ودخل سوق الإبل فجعل لا يرى جملًا ولا ناقة إلا عرقبه، وصاح الناس: كفر الأشعث، فلما فرغ طرح سيفه وقال: إني ولله ما كفرت، ولكن زوجني هذا الرجل أخته، ولو كنا ببلادنا لكانت لنا وليمة غير هذه، يا أهل المدينة انحروا وكلوا، ويا أصحاب الإبل خذوا أثمانها فما رئي وليمة مثلها، وشهد الأشعث اليرموك بالشام ففقئت عينه ثم سار إلى العراق فشهد القادسية والمدائن وجلولا ونهاوند، وسكن الكوفة وابتنى بها دارًا، وشهد صفين مع علي وكان ممن ألزم عليًّا بالتحكيم، وشهد الحكمين بدومة الجندل، وكان عثمان — رضي الله عنه — استعمله على أذربيجان، وكان الحسن بن علي تزوج بنته فقيل: هي التي سقت الحسن السم فمات … وتوفي سنة اثنتين وأربعين، وقيل: سنة أربعين.

وقال الحافظ البغدادي٩ عن الأشعث بن قيس إنه «قدم على رسول الله في وفد كندة، ويعد فيمن نزل الكوفة من الصحابة، وله عن النبي رواية، وقد شهد مع سعد بن أبي وقاص قتال الفرس بالعراق، وكان على راية كندة يوم صفين مع علي بن أبي طالب، وحضر قتال الخوارج بالنهروان، وورد المدائن ثم عاد إلى الكوفة فأقام بها حتى مات في الوقت الذي صالح فيه الحسن بن علي معاوية بن أبي سفيان وصلى عليه الحسن … الأشعث بن قيس يكنى أبا محمد.

مات في آخر سنة أربعين بعد قتل علي … مات بعد قتل علي بن أبي طالب بأربعين ليلة فيما أخبر ولده، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين.»

وأما محمد بن الأشعث، فقيل: إنه ولد على عهد رسول الله واستعمله ابن الزبير على الموصل.١٠ وذكر الزبير بن بكار في تسمية أولاد علي أن مصعب بن الزبير لما غزا المختار بعث على مقدمته محمد بن الأشعث، وعبيد الله بن علي بن أبي طالب فقتلا، وكان ذلك سنة سبع وستين.

ولمحمد بن الأشعث ولد يسمى عبد الرحمن خرج على الحجاج واستولى على خراسان، ثم سار إلى جهة الحجاج وغلب على الكوفة وقويت شوكته، ثم أمد عبد الملك الحجاج بالجيوش، فانهزم عبد الرحمن ولحق بملك الترك، وأرسل الحجاج بطلبه وتهدد ملك الترك بالغزو إن أخره، فقبض ملك الترك على عبد الرحمن وعلى أربعين من أصحابه، وبعث بهم إلى الحجاج، فلما نزل في مكان في الطريق ألقى عبد الرحمن نفسه من سطح فمات وذلك في سنة خمس وثمانين.

ويظهر أن هذا الحادث، حادث عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الذي يصوره الدكتور طه حسين في كتابه «الأدب الجاهلي» بقوله: «ثم نحن نعلم أن حفيد الأشعث بن قيس وهو عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث قد ثار بالحجاج وخلع عبد الملك، وعرَّض مُلك آل مروان للزوال وكان سببًا في إراقة دماء المسلمين من أهل العراق والشام، وكان الذين قتلوا في حروبه يحصون فيبلغون عشرات الآلاف»، يظهر أن هذا الحادث جنى على منزلة بيت الأشعث بن قيس عند آل مروان، فخفت ذكرهم في التاريخ حوالي جيلين، من أجل ذلك سكت التاريخ عن إسماعيل بن محمد بن الأشعث أخي عبد الرحمن، وعن ابنه عمران، وهما جدان من جدود يعقوب بن إسحاق الكندي، بل قد سكت التاريخ عن شأن «الصباح» اللهم إلا ما جاء في كتاب «أخبار الحكماء»١١ نقلًا عن ابن جلجل الأندلسي، كما جاء أيضًا في كتاب «عيون الأنباء في طبقات الأطباء»:١٢ وقال سليمان بن حسان: «إن يعقوب بن إسحاق الكندي شريف الأصل بصري كان جده ولي الولايات لبني هاشم.»

ويظهر أن في هذه الرواية خلطًا؛ لأن الذي ولي الولايات لبني هاشم إنما هو إسحاق بن الصباح كما أجمع عليه سائر المؤرخين، ولأن الكندي لم يكن بصريًّا وإنما كان من الكوفة، على أن الصباح كان من عشيرته في مقام رفيع حتى أصبحوا ينتسبون إليه، فيقال لهم: بنو الصباح كما يقال: بنو الأشعث بن قيس.

وإذا كانت صلة بني الأشعث بن قيس بالخلفاء من بني مروان قد انقطعت منذ خروج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث على الحجاج، وعبد الملك بن مروان، فإن بيت الكندي ظل في الكوفة من بيوتات المجد والحسب الشامخ، ولما تولى الخلافة العباسيون عاد بيت الكندي إلى الظهور في ميدان السياسة والحكم، فتولى إسحاق بن الصباح الكوفة في أيام المهدي والرشيد.

وإسحاق بن الصباح الكندي الأشعثي مذكور في كتب رجال الحديث على أنه ضعيف مقل من الطبقة السابعة؛ أي: أنه عاش في المائة الثانية من الهجرة.١٣

أما كتب التاريخ والأدب فتذكر كثيرًا من أخبار ولايته وعزه وجاهه وكرمه وصلته بالشعراء والعلماء ومظاهر غناه ونبله وأخذه بأسباب الترف والنعيم.

وقال ابن سعد١٤ كان إسحاق الصباح الأشعثي صديقًا لنصيب:١٥ وقدم قدمة من الحجاز فدخل على إسحاق وهو يهب لجماعة وردوا عليه برًّا وتمرًا، فيحملونه على إبلهم ويمضون، فوهب نصيب جارية حسناء يقال لها: «مسرورة» فأردفها خلفه ومضى وهو يقول:
إذا احتقبوا برًّا فأنت حقيبتي
من الشرفيات الثقال الحقائب
ظفرت بها من أشعثي مهذب
أغر، طويل الباع، جم المواهب
فدًا لك يا إسحاق كل مبخل
ضجور، إذا عضت شداد النوائب
إذا ما بخيل المال غيب ماله
فمالك عد، حاضر، غير غائب
إذا اكتسب القوم الثراء فإنما
يرى الحمد غنمًا من كريم المكاسب

وقال فيه أيضًا:

فتًى من بني الصباح يهتز للندى
كما اهتز مسنون الفرار عتيق
فتًى لا يذم الضيف والجار رفده
ولا يجتويه صاحب ورفيق
أغر، لأبناء السبيل موارد
إلى بيته، تهديهم، وطريق
وإن عد أنساب الملوك وجدته
إلى نسب يعلوهم ويفوق
فما في بني الصباح إن بعد المدى
على الناس، إلا سابق وعريق
وإني لمن شاحنتم لمشاحن
وإني لمن صادقتم لصديق
وورد ذكر إسحاق بن الصباح في كتاب «البيان والتبيين»١٦ للجاحظ في قصة من قصص بهلول بن عمرو الصيرفي الكوفي الذي كان من عقلاء المجانين، وكان محبوبًا عند الرشيد وغيره من الخلفاء وتوفي في حدود سنة ١٩٠ﻫ / ٨٠٦م، قال الجاحظ: «ومن مجانين الكوفة: بهلول وكان يتشيع، قال له إسحاق بن الصباح: أكثر الله في الشيعة مثلك قال: بل أكثر الله في المرجئة مثلي وأكثر في الشيعة مثلك.»

وأول عهد إسحاق بن الصباح بالولايات والحكم كان في سنة ١٥٩ في عهد الخليفة المهدي الواقع بين سنتي ١٥٨–١٦٩.

ويروى:١٧ أن المهدي ضم إلى شريك بن عبد الله النخعي الكوفي المتوفى سنة ١٧٧ الصلاة مع القضاء، وولى شُرَطه إسحاق بن الصباح، ثم ولى إسحاق بن الصباح بن عمران بن إسماعيل بن محمد بن الأشعث الكوفة، وولى شرطه النعمان بن جعفر الكندي فمات النعمان، فولى على شرطه أخاه يزيد بن جعفر، ويقال: إن شريكًا القاضي هو الذي أشار على المهدي باختيار إسحاق، وظل يتناوب ولاية الكوفة مع هاشم بن سعيد، وروح بن حاتم، وموسى بن عيسى إلى عهد الرشيد الواقع بين ١٧٠–١٩٣، وهؤلاء كانوا سراة الكوفة ووجوهها.

وكان موسى بن عيسى واليًا على الكوفة، فقال موسى لشريك: ما صنع أمير المؤمنين بأحد ما صنع بك، عزلك عن القضاء، فقال شريك: هم أمراء المؤمنين يعزلون القضاة ويخلعون ولاة العهود فلا يعاب ذلك عليهم، فقال موسى: ما ظننا أنه مجنون هكذا لا يبالي ما تكلم به، وكان أبوه عيسى بن موسى ولي العهد بعد أبي جعفر فخلعه بمال أعطاه إياه، وهو ابن عم أبي جعفر.

فوالد الكندي كان يزاحم بمنكبه أبناء عمومة الخليفة، وكانت ولاية الكوفة دُولة بينه وبينهم، بل كان ابن عم الخليفة يلجأ إلى إسحاق بن الصباح ليُلين من شكيمة القاضي شريك بن عبد الله.

والظاهر أن إسحاق بن الصباح توفي في أواخر عهد هارون الرشيد المتوفى سنة ١٩٣، وظلت قرابته تتصل بخدمة الخلفاء، فإن المؤرخين لا يعرضون لإسحاق بعد زمن الرشيد، وقد سبقت الإشارة إلى قول كتب الرجال: إنه من أهل المائة الثانية.

على أنا نجد اسم جعفر بن محمد بن الأشعث في أسماء من ولاهم الرشيد خراسان، على ما في تاريخ الطبري، وذكر الطبري١٨ أيضًا أن الرشيد اتهم هرثمة فوجه ابنه المأمون قبل وفاته بثلاث وعشرين ليلة إلى مرو ومعه عبد الله بن مالك ويحيى بن معاذ وأسد بن يزيد بن مزيد، والعباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث إلخ.
وأما شريك القاضي فيروى عن حزمه وعدله قصص كثيرة، فمن ذلك ما رواه عمر بن هياج بن سعد قال: أتت امرأة يومًا شريك بن عبد الله قاضي الكوفة وهو في مجلس الحكم فقالت: أنا بالله ثم بالقاضي، قال: من ظلمك؟ قالت: الأمير موسى بن عيسى ابن عم أمير المؤمنين، كان لي بستان على شاطئ الفرات، فيه نخل ورثته عن أبي وقاسمت إخوتي، وبنيت بيني وبينهم حائطًا، وجعلت فيه رجلًا فارسيًّا يحفظ النخل ويقوم به، فاشترى الأمير موسى بن عيسى من جميع إخوتي، وساومني ورغبني فلم أبعه، فلما كان هذه الليلة بعث بخمسمائة غلام وفاعل فاقتلعوا الحائط، فأصبحت لا أعلم من نخلي شيئًا واختلط بنخل إخوتي، فقال: يا غلام أحضر طينة، فأحضر، فختمها وقال: امض إلى بابه حتى يحضر معك، فجاءت المرأة بالطينة المختومة فأخذها الحاجب ودخل على موسى فقال: قد أعدى القاضي عليك وهذا ختمه، فقال: ادع لي صاحب الشرطة فدعا به، فقال: امض إلى شريك وقل: يا سبحان الله ما رأيت أعجب من أمرك، امرأة ادعت دعوى لم تصح أعديتها عليَّ، فقال صاحب الشرطة: إن رأى الأمير أن يعفيني من ذلك، فقال: امض ويلك، فخرج وقال لغلمانه: اذهبوا واحملوا إلى حبس القاضي بساطًا وفراشًا وما تدعو الحاجة إليه، ثم مضى إلى شريك، فلما وقف بين يديه أدى الرسالة، فقال لغلام المجلس: خذ بيده فضعه في الحبس، فقال صاحب الشرطة: والله قد علمت أنك تحبسني فقدمت ما أحتاج إليه إلى الحبس …١٩

وشريك هذا هو أبو عبد الله: تولى القضاء بالكوفة أيام المهدي ثم عزله موسى الهادي، وتولى القضاء بعد ذلك بالأهواز، توفي بالكوفة سنة ١٧٧ أو ١٧٨ﻫ وكان هارون الرشيد بالحيرة فقصده ليصلي عليه فوجدهم قد صلوا عليه فرجع.

جرى بينه وبين مصعب بن عبد الله الزبيري كلام بحضرة المهدي، فقال له مصعب: أنت تنتقص أبا بكر وعمر — رضي الله عنهما — فقال القاضي شريك: والله ما انتقص جدك وهو دونهما. ودخل يومًا على المهدي فقال له: لا بد أن تجيبني إلى خصلة من ثلاث خصال، قال: وما هن يا أمير المؤمنين؟ قال: إما أن تلي القضاء أو تحدث ولدي وتعلمه، أو تأكل عندي أكلة؛ وذلك قبل أن يلي القضاء، فأفكر ساعة ثم قال: لأكلة أخفها على نفسي.

فأجلسه وتقدم إلى الطباخ أن يصلح له ألوانًا من المخ المعقود بالسكر الطبرزد والعسل وغير ذلك، فعمل ذلك وقدمه إليه، فأكل فلما فرغ من الأكلة قال له الطباخ: والله يا أمير المؤمنين ليس يفلح الشيخ بعد هذه الأكلة أبدًا.

قال الفضل بن الربيع: فحدثهم والله شريك بعد ذلك، وعلم أولادهم، وولي القضاء لهم.

وقد كتب له برزقه على الصيرفي فضايقه النقد، فقال له الصيرفي: إنك لم تبع به بزا. فقال له شريك: بل والله بعت به أكثر من البز، بعت به ديني.

وفي تاريخ بغداد للخطيب البغدادي المتوفى سنة ٤٦٣: «قال عبد الله بن مصعب: حضرت شريكًا في مجلس أبي عبيد الله، وعنده الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، والجريري (وهو رجل من ولد جرير كان خطيبًا للسلطان)، فقال شريك: حدثنا أبو إسحاق … عن عمر بن الخطاب قال: إنا كنا نأكل لحوم هذه ونشرب عليها النبيذ ليقطعها في أجوافنا وبطوننا، فقال الحسن بن زيد: ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة، إن هذا إلا اختلاق، فقال شريك: أجل والله ما سمعت، شغلك عن ذلك الجلوس على الطنافس في صدور المجالس.»

نشأته وبيئته

تاريخ ميلاد الكندي غير معروف إلا ظنًّا، وقد أشرنا فيما مضى إلى أن الراجح أن ميلاده كان في أواخر حياة أبيه الذي توفي في زمن الرشيد، والرشيد توفي سنة ١٩٣ﻫ / ٨٠٨م.

فالغالب: أن الكندي ولد في مطلع القرن التاسع الميلادي حوالي ٨٠١م / ١٨٥ﻫ كما رجحه «ده بوير».٢٠

ولما كان يعقوب بن إسحاق الكندي قد توفي في أواسط القرن الثالث الهجري كما سيأتي تحقيقه، ولم يكن أحد ممن ترجموا له أشار إلى أنه كان من المعمرين، فمن المرجح أنه ولد في عواقب عمر أبيه وأن أباه تركه طفلًا، فنشأ في الكوفة في أعقاب تراث من السؤدد ومن الغنى، وفي حضن اليتم وظل الجاه الزائل.

وإذا كان جاه بني الأشعث بن قيس لم يزل بزوال إسحاق، فإن عهدهم الزاهر في الكوفة قد تولى بموته، وكانوا انتشروا في البلاد، فلم يبق للصبي اليتيم إلا أمه التي لا نعرف من شأنها قليلًا ولا كثيرًا.

كانت الأيم تريد بالضرورة لولدها أن يعيش كأبيه ميسرًا وجيهًا، فدبرت له ماله ونشأته مقتصدًا مرهفًا غنيًّا، ثم ساقته في سبيل العلم لما آنست من ذكائه المتوقد وشوقه إلى التهام المعارف، حتى إذا فاتته فخامة الحكم لم تفته جلالة العلم والحكمة.

ولقد وصف الجاحظ٢١ مجد العالم الغني عن الناس وصفًا لعله يمثل ما أملته لابنها أم الكندي إذ يقول: «ولقد دخلت على إسحاق بن سليمان في إمرته فرأيت السماطين والرجال مثولًا وكأن على رءوسهم الطير، ورأيت فرشته وبزته.

ثم دخلت عليه وهو معزول وإذا هو في بيت كتبه وحواليه الأسفاط والرفوف والقماطير والدفاتر والمساطر والمحابر، فما رأيته قط أفخم ولا أنبل ولا أهيب ولا أجزل منه في ذلك اليوم؛ لأنه جمع مع المهابة المحبة، ومع الفخامة الحلاوة، ومع السؤود الحكمة.»

كانت علوم الأحكام الدينية ووسائلها هي العلوم التي تروج يومئذ سوقها، وتكسب صاحبها كرامة عند الخلفاء المحتاجين إلى أهل هذه العلوم في إقامة ملكهم على سند من السياسة الشرعية، وكانت هذه العلوم أيضًا تهب صاحبها جلالًا في قلوب العامة الذين تهمهم من الدين شعائره وشرائعه.

وكانت فيما حوالي هذا الزمن نكبة البرامكة يتناقل الناس أخبارها الفاجعة، فيتمثلون ما في شرف الولايات والحكم من أخطار.

وقد شهدت أم الكندي عهد «شريك» القاضي العالم الديني، ورأت سلطانه يغالب سلطان ابن عم الخليفة في الكوفة ويذل ما لزوجها من حسب وجاه شامخ.

وكل سلطانه يقوم على علمه ودينه، وكانت الأحاديث عن عزة شريك وشدته في الحق على أهل الشرف والجاه سمر المجالس.

أمثال هذه الأسمار عن شريك وغير شريك كانت جديرة أن ترغب الناس في العلوم التي شأنها أن توصل إلى هذه المنزلة، وهي كما ذكرنا علوم الأحكام الدينية ووسائلها.

أما علوم الكلام، فلم تكن حين ذاك برغم تشجيع الخلفاء لها إلا فنونًا من النظر العقلي مبتدعة، ينكرها أهل الزعامة الدينية وهي بعيدة الصلة بالحياة وحاجاتها، فلا جاه لها من دين ولا من دنيا.

وأما الفلسفة وما إليها، فلم تكن إلا علومًا دخيلة يشتغل بتعريبها أناس لا هم مسلمون ولا من العرب.

وكان من تحدثه نفسه بمعالجة بعض هذه العلوم من المسلمين لا يلقى من الثقة بعلمه ما يلقاه أهل هذا الشأن من غير المسلمين، قال الجاحظ في كتاب البخلاء٢٢ متحدثًا عن أسد بن جاني: «وكان طبيبًا فأكسد مرة، فقال له قائل: السَّنة وبيئة، والأمراض فاشية، وأنت عالم ولك صبر وخدمة، ولك بيان ومعرفة، فمن أين تؤتي في هذا الكساد؟ قال: أما واحدة فإني عندهم مسلم، وقد اعتقد القوم قبل أن أتطبب، لا بل قبل أن أخلق أن المسلمين لا يفلحون في الطب، واسمي أسد، وكان ينبغي أن يكون اسمي صليبًا، ومراسل، ويوحنا، وبيرا، وكنيتي أبو الحارث، وكان ينبغي أن تكون أبو عيسى، وأبو زكريا، وأبو إبراهيم، وعلي رداء قطن أبيض، وكان ينبغي أن يكون علي رداء حرير أسود، ولفظي لفظ عربي وكان ينبغي أن تكون لغتي لغة أهل جند يسابور.»

ثقافته

كان طبيعيًّا إذًا أن تدفع أم الكندي طفلها إلى العلوم الدينية وآلاتها، فتعلم علوم اللغة والأدب وشدا من علوم الدين شيئًا، ولكن الطفل كان بفطرته طلعة، يلتمس أن يدرك بعقله الأشياء وعللها ويريد أن يحيط بكل شيء علمًا، فما هو إلا أن بلغ رشده وأصبح أمره بيده، حتى انطلق يرضي شهوة عقله فيتصل بعلم الكلام، ويشارك المتكلمين في مباحثهم ويغلبه حب المعرفة، فلا يجد فيما تمارسه بيئته الإسلامية العربية ما يكفي حاجة عقله الطموح، ويقتحم غمار الفلسفة وما إليها من العلوم المنقولة عن يونان وفارس والهند، ولا يجد فيما يترجمه النَّقَلة غنى، فيحاول أن يرد هذه العلوم في منابعها، ويتعلم اليونانية، ويترجم بها ويصلح ما يترجمه غيره، ويتصل بالثقافة اليونانية اتصالًا ظاهر الأثر في عواطفه وفي تفكيره.

قال المسعودي في مروج الذهب:٢٣ وقد كان يعقوب الكندي يذهب في نسب يونان إلى ما ذكرنا: أنه أخ لقحطان، ويحتج لذلك بأخبار يذكرها في بدء الأشياء، ويوردها من حديث الآحاد والأفراد، لا من حديث الاستفاضة والكثرة، وقد رد عليه أبو العباس عبد الله بن محمد الناشي في قصيدة له طويلة، ووكد خلطه نسب «يونان» بقحطان على حسب ما ذكرنا آنفًا في صدر هذا الباب فقال:
أبا يوسف إني نظرت فلم أجد
على الفحص رأيًا صح منك ولا عقدا
وصرت حكيمًا عند قوم إذا امرؤ
بلاهم جميعًا لم يجد عندهم عندا
أنقرن إلحادًا بدين محمد
لقد جئت شيئًا يا أخا كندة إدا
وتخلط يونانًا بقحطان ضلة
لعمري لقد باعدت بينهما جدَّا

ويظهر أن الكندي كان عارفًا بالسريانية، وكان ينقل الكتب منها إلى العربية.

فقد جاء في كتاب «أخبار العلماء بأخبار الحكماء»:٢٤ «ومما اشتهر من كتب بطليموس وخرج إلى العربية … كتاب «الجغرافيا في المعمور من الأرض».» وهذا الكتاب نقله الكندي إلى العربية نقلًا جيدًا ويوجد سريانيًّا.»
وفي كتاب «طبقات الأطباء»٢٥ نقلًا عن أبي معشر: حذاق الترجمة في الإسلام أربعة: حنين بن إسحاق، ويعقوب بن إسحاق الكندي، وثابت بن قرة الحراني، وعمر بن الفرخان الطبري.
ومترجمو الكندي يكادون يتفقون على أنه (كان كثير الاطلاع).٢٦
يقول ابن النديم في الفهرست:٢٧ «فاضل دهره وواحد عصره في معرفة العلوم القديمة بأسرها». ويقول صاحب كتاب «أخبار الحكماء»:٢٨ «المشتهر في الملة الإسلامية بالتبحر في فنون الحكمة اليونانية والفارسية والهندية.»

وقد يكون تبحره في هذه الفنون دليلًا على أنه تعلم من اللغات ما أعانه على ذلك.

وفي مواضع متفرقة من كتاب «الفهرست» ما يدل على أن الكندي كان محيطًا بمذاهب الحرنانية الكلدانيين المعروفين بالصابئة ومذاهب الثنوية الكلدانيين.

وقد نقل صاحب الفهرست٢٩ وصف هذه المذاهب حكاية من خط أحمد بن الطيب في أمرهم، حكاها عن الكندي.
وورد كذلك في الفهرست «قال الكندي: إنه نظر في كتاب يقر به هؤلاء القوم وهو مقالات لهرمس في التوحيد لا يجد الفيلسوف إذا أتعب نفسه مندوحة عنها والقول بها.»٣٠

وفي الفهرست أيضًا ما يدل على أن الكندي كان خبيرًا بمذاهب الهند معنيًّا بدرسها، فقد جاء فيه ما نصه: «قرأت في جزء ترجمته ما هذه حكايته: «كتاب فيه ملل الهند وأديانها، نسخت هذا الكتاب من كتاب كتب يوم الجمعة لثلاث خلون من المحرم سنة تسع وأربعين ومائتين».» لا أدري الحكاية التي في هذا الكتاب لمن هي؟

إلا أني رأيته بخط يعقوب بن إسحاق الكندي حرفًا حرفًا، وكان تحت هذه الترجمة ما هذه حكايته بلفظ كاتبه: حكى بعض المتكلمين بأن يحيى بن خالد البرمكي بعث برجل إلى الهند ليأتيه بعقاقير موجودة في بلادهم وأن يكتب له أديانهم فكتب له هذا الكتاب.»٣١

وقال محمد بن إسحاق: الذي عنى بأمر الهند في دولة العرب: يحيى بن خالد وجماعة البرامكة واهتمامها بأمر الهند وإحضارها علماء طبها وحكماءها.»

تعلم الكندي في الكوفة، وانتقل إلى بغداد، واشتغل بعلم الأدب، ثم بعلوم الفلسفة، كما ذكر ذلك ابن نباتة المصري في كتابه «سرح العيون شرح رسالة ابن زيدون».٣٢ أما صاحب كتاب «أخبار الحكماء» فيذكر في ترجمة الكندي نقلًا عن ابن جلجل الأندلسي: أن يعقوب بن الصباح كان شريف الأصل بصريًّا، وكان جده ولي الولايات لبني هاشم ونزل البصرة وضيعته هناك وانتقل إلى بغداد، وهنالك تأدب، وينقل عن ابن أبي أصيبعة مثل ذلك.

وإذا كان فيما نقله القفطي وابن أبي أصيبعة خطأ من ناحية جعل الكندي بصريًّا، ففيه أيضًا تعارض؛ إذ كيف يكون بصريًّا ثم يقال: نزل البصرة؟

على أنه ليس ببعيد أن يكون الكندي نزل البصرة قبل ذهابه إلى بغداد، وليس ببعيد أن كانت له ضيعة هناك.

أما تاريخ انتقاله من الكوفة إلى البصرة وتاريخ ذهابه إلى بغداد فليس عندنا منهما خبر.

وقد كانت الكوفة والبصرة وبغداد مراكز الثقافة في بلاد الإسلام على اختلاف فنونها.

وفي كتاب «طبقات الأطباء»:٣٣ «أن يعقوب بن إسحاق كان عظيم المنزلة عند المأمون، والمعتصم، وعند ابنه أحمد.»

وليس لدينا ما يدل على أن صلة الكندي بهؤلاء الخلفاء كانت عبارة عن دخوله في المناصب إلا ما يروى من أنه كان مؤدبًا لأحمد بن المعتصم.

ومع ممارسة الكندي للأدب وما إليه حتى قال صاحب كتاب «أخبار الحكماء»: «وخدم الملوك مباشرة بالآدب»، وحتى نقلوا عنه حكايات في نقد الشعر، وفي الجدل في أسرار البلاغة العربية، وحتى ذكروا أن له كتابًا في صنعة البلاغة،٣٤ مع ذلك فإن الأدب لم يكن هو الميدان الذي ظهرت فيه مواهب الكندي وآثار عبقريته.

وفي كتاب «سرح العيون» لابن نباتة المصري: «حكى أنه كان حاضرًا عند أحمد بن المعتصم وقد دخل أبو تمام، فأنشده قصيدته السينية، فلما بلغ إلى قوله:

إقدام عمرو في سماحة حاتم
في حلم أحنف في ذكاء إياس

قال الكندي: ما صنعت شيئًا. قال: كيف؟ قال: ما زدت على أن شبهت ابن أمير المؤمنين بصعاليك العرب.» وأيضًا أن شعراء دهرنا تجاوزوا بالممدوح من كان قبله، ألا ترى إلى قول العكوك في أبي دلف:

رجل أبر٣٥ على شجاعة عامر
باسًا وغبر في محيا حاتم

فأطرق أبو تمام ثم أنشد:

لا تنكروا ضربي له من دونه
مثلًا شرودًا في الندى والباس
فالله قد ضرب الأقل لنوره
مثلًا من المشكاة والنبراس

ولم يكن هذا في القصيدة، فتعجب منه. ثم طلب أن تكون الجائزة ولاية عمل. فاستصغر عن ذلك. فقال الكندي: ولوه فإنه قصير العمر، لأن ذهنه ينحت من قلبه. فكان كما قال.

وقد يكون في ذلك ظهرت له دلائل من شخصه على قرب أجله.

وسمع الكندي إنسانًا ينشد ويقول:

وفي أربع مني حلت منك أربع
فما أنا أدري أيها هاج لي كربي؟
خيالك في عيني؟ أم الذكر في فمي؟
أم النطق في سمعي؟ أم الحب في قلبي؟

فقال: والله لقد قسمها تقسيمًا فلسفيًّا.

وسمع رجلًا ينشد قول ربيعة الرقي:

لو قيل للعباس: يا ابن محمد
قل: لا، وأنت مخلد، ما قالها

فقال ليس يجب أن يقول الإنسان في كل شيء: نعم، وكان الوجه أن يستثنى، ثم قال:

هجرت في القول لا، إلا لعارضة
تكون أولى بلا في اللفظ من نعم

وهذه الشواهد تعرب عن منهج الكندي في النقد الأدبي، وهو مذهب فلسفي يقوم على العناية بسلامة المعنى من الوجهة المنطقية واستقامته في نظر العقل.

وفي كتاب «دلائل الإعجاز» لعبد القاهر الجرجاني:٣٦ «فصل واعلم أن مما أغمض الطريق إلى معرفة ما نحن بصدده أن ههنا فروقًا خفية تجهلها العامة وكثير من الخاصة، ليس أنهم يجهلونها في موضع ويعرفونها في آخر، بل لا يدرون أنها هي، ولا يعلمونها في جملة ولا تفصيل. روي عن ابن الأنباري أنه قال: ركب الكندي المتفلسف إلى أبي العباس٣٧ وقال له: إني لأجد في كلام العرب حشوًا، فقال له أبو العباس: في أي موضع وجدت ذلك؟ فقال: أجد العرب يقولون: عبد الله قائم، ثم يقولون: إن عبد الله قائم، ثم يقولون: إن عبد الله لقائم، والألفاظ متكررة والمعنى واحد، فقال أبو العباس: بل المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ، فقولهم: عبد الله قائم، إخبار عن قيامه، وقولهم: إن عبد الله قائم، جواب عن سؤال سائل، وقولهم: إن عبد الله لقائم، جواب عن إنكار منكر قيامه، فقد تكررت الألفاظ لتكرر المعاني، قال: فما أحار المتفلسف جوابًا.

وإذا كان الكندي يذهب هذا عليه حتى يركب فيه ركوب مستفهم أو معترض، فما ظنك بالعامة ومن هو في عداد العامة ممن لا يخطر شبه هذا بباله؟

واعلم أن ههنا دقائق لو أن الكندي استقرى وتصفح وتتبع مواقع «إن» ثم ألطف النظر وأكثر التدبر لعلم علم ضرورة أن ليس سواء دخولها وأن لا تدخل.»

وقد نسبت إليه أشعار رواها ابن نباتة في «سرح العيون شرح رسالة ابن زيدون» ورواها غيره ممن ترجموا له، منها قوله في وصف قصيدة:

تقصر عن مداها الريح جريًا
وتعجز عن مواقعها السهام
تناهب حسنها حاد وشاد
فحث بها المطايا والمدام

ومنها أيضًا:

أناف الذنابي على الأرؤس
فغمض جفونك أو نكس٣٨
فإن الغنى وفي [فقيز] غدا٣٩
وإن التعزز بالأنفس
وكائن نرى من أخي عسرة
غني وذي ثروة مفلس
وكم كاتم شخصه ميت٤٠
على أنه بعد لم يرمس٤١

وظاهر من هذا الشعر: أن يعقوب الكندي لم يكن جديرًا بأن يعد في الشعراء ولم يكن أديبًا يتصرف في أفانين البيان بالأساليب البارعة.

ويذكر بعض من ترجموا له أنه كان يعاب بضعف بيانه.

قال الشهرزورى في كتاب «نزهة الأرواح»:٤٢ «ذكر أبو سليمان السجزي أنه اجتمع هو وجماعة من الحكماء عند الملك أبي جعفر بن بويه بسجستان فجرى حديث فلاسفة الإسلام، فقال الملك: ما وجدنا فيهم على كثرتهم من يقوم في أنفسنا مقام سقراط وأفلاطون وأرسطوطاليس، فقيل له: ولا الكندي، قال: ولا الكندي، فإن الكندي على غزارته، وجودة استنباطه، رديء اللفظ، قليل الحلاوة، متوسط السيرة، كثير الغارة على حكمة الفلاسفة، «وثابت»٤٣ ألزم للقطب وأشد اعتسافًا بهذا الفن، ثم جميع الناس يتفاوتون بعدها ولهما السبق.»

أسلوبه

وأسلوب الكندي في الترجمة لما يدرس بعد كما أشار إلى ذلك الأستاذ «مسنيون» في كتابه «مجموع نصوص لم تنشر متعلقة بتاريخ التصوف في بلاد الإسلام»:٤٤ إذ يقول: «ولما كان أكثر ما كتب الكندي قد عبثت به يد الضياع إلا بقايا توجد في ترجمات لاتينية مثل رسالته في العقل، فإن على الباحث في أسلوب الكندي أن يكتفي بالنزر القليل الذي وصل إلينا من مؤلفاته بالعربية كرسالته في كمية ملك العرب أو ما وصلنا من التراجم التي أصلحها الكندي مثل كتاب «أتولوجيا» الذي نقله إلى العربية عبد المسيح بن عبد الله بن ناعمة الحمصي، وأصلحه لأحمد بن المعتصم بالله أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي.

والذي يلاحظ في أسلوب الكندي اعتمادًا على هذه المصادر الضئيلة أن فيه غموضًا يأتي بعضه من أن الألفاظ الاصطلاحية الفلسفية لم تكن استقرت في نصابها وتحددت معانيها.

ومن أمثلة ذلك: ما جاء في كتاب «أتولوجيا» ص٢: «وإذ قد ثبت في اتفاق أفاضل الفلاسفة أن علل العالم القديمة البادية أربعة: وهي الهيولى، والصورة، والعلة الفاعلة، والتمام»، والذي سماه التمام هو الذي سمى فيما بعد العلة الغائية، كما يؤخذ من سابق كلامه ولاحقه.

ومن أمثلة ذلك أيضًا: استعماله في كتاب «أتولوجيا» كلمة «مبسوط» بمعنى «بسيط» كما جاء في صفحة ١٦: قلنا «وما الذي يمنع النفس إذا كانت في العالم الأعلى من أن تعلم الشيء المعلوم دفعة واحدة، واحدًا كان المعلوم أو كثيرًا، لا يمنعها شيء عن ذلك ألبتة؛ لأنها مبسوطة ذات علم مبسوط فعلم الشيء الواحد مبسوطًا كان أو مركبًا دفعة واحدة.

وقد يكون الغموض من عدم وضوح المعنى في نفسه؛ وقد أشار إلى ذلك الأستاذ «جلسن»٤٥ في كلامه على نظرية العقل عند الكندي حسبما ورد في رسالته في العقل الموجودة باللاتينية، حيث يقول: «المعاني ضعيفة كأن الكندي كان يكابد في امتلاك ناصيتها عناء.»

والواقع: أن الأصول التي كان يرجع الكندي إليها مترجمة كانت إلى العربية أو غيرها أو موجودة في لغاتها الأصلية لم تكن تخلو من تحريف ومن غموض، وكان طبيعيًّا أن يجد الكندي عناء في استخلاص معان منها مستقيمة في نظر العقل منتظمة النسق.

وكان جهد الكندي في استخلاص هذه المعاني مجتمعًا إلى جهده في إبرازها في لغة لم تذلل للأبحاث العلمية، يظهر في أسلوب الكندي، فيضعف من روعة بيانه حين يقاس بأساليب البلغاء من أدباء العربية في ذلك العهد، ويضعف من وضوح معانيه أيضًا، مع ميل الكندي للإيجاز والاقتصار من الألفاظ على ما يضبط المعنى، ويمثله في الذهن مستقيمًا.

والظاهر: أن الغموض كان غالبًا على أساليب المشتغلين بالبحوث العلمية في عصر الكندي لأسباب مختلفة يشير إلى بعضها الجاحظ في كتاب «الحيوان»٤٦ إذ يقول:

قلت لأبي الحسن الأخفش: أنت أعلم الناس بالنحو، فلم لا تجعل كتبك مفهومة كلها؟ وما بالنا نفهم بعضها ولا نفهم أكثرها؟ وما بالك تقدم بعض العويص وتؤخر بعض المفهوم؟ قال: أنا رجل لم أضع كتبي هذه لله، وليست هي من كتب الدين، ولو وضعتها هذا الموضع الذي تدعوني إليه قلت حاجتهم إلي فيها، وإنما كانت غايتي المنالة، فأنا أضع بعضها هذا الموضع المفهوم لتدعوهم حلاوة ما فهموا إلى التماس فهم ما لم يفهموا، وإنما قد كسبت في هذا التدبير إذ كنت إلى هذا التكسب ذهبت.

ولكن ما بال إبراهيم النظام وفلان وفلان، يكتبون الكتب لله بزعمهم، ثم يأخذها مثلي في موافقته وحسن نظره وشدة عنايته ولا يفهم أكثرها؟!

وما كان الكندي يلتمس بعلمه المنالة والكسب، فقد كان غنيًّا بما ورث من آبائه وبما قد وصل إليه من بر الخلفاء.

معيشته

وكان يعيش مرفهًا يجمع في داره ما يجمع أرباب الرفه من صنوف الحيوان العجيبة، ذكر الجاحظ في كتاب «الحيوان» أنه كان في منزل أبي يوسف بن إسحاق الكندي هران ذكران يلاحظ فيهما شذوذ، ونص عبارته: «وكان عند يعقوب بن الصباح الأشعثي هران ضخمان أحدهما يكوم الآخر متى أراده من غير إكراه، ومن غير أن يكون المسفود يريد من السافد مثل ما يريد منه السافد» …٤٧ «وخبرني صاحبنا هذا أن في منزل أبي يوسف بن إسحاق الكندي هرين ذكرين عظيمين يكوم أحدهما الآخر، وذلك كثيرًا ما يكون، وأن المنكوح لا يمانع الناكح، ولا يلتمس منه مثل الذي يبذله له.»٤٨

وكان في دار الكندي أسباب للنعيم المادي إلى جانب أسباب المتاع العقلي كما يشهد له ما نقلناه عن كتاب «الحيوان».

وكان للكندي ضيعة بالبصرة كما أشرنا إليه آنفًا، وكانت له ببغداد دور يستغلها بالأجر كما يؤخذ من كتاب «البخلاء» للجاحظ.

وكان الكندي بعد أن ترك الاشتغال بفنون الأدب، وترك علم الكلام، وانصرف بكليته إلى علوم الفلسفة وما إليها، يعيش عيشة عزلة وانكباب على الدرس، يدل على ذلك ما روي من شعره الذي أسلفناه.

المكتبة الكندية

وكانت له مكتبة زاخرة، كما تدل عليه القصة التي نقلها ابن أبي أصيبعة.٤٩ إذ يقول: «كان محمد وأحمد ابنا موسى بن شاكر في أيام المتوكل يكيدان كل من ذكر بالتقدم في معرفة، فأشخصا سند بن علي إلى مدينة السلام وباعداه عن المتوكل، ودبرا على الكندي حتى ضربه المتوكل، ووجها إلى داره، فأخذا كتبه بأسرها وأفرداها في خزانة سميت «الكندية»، ومكن هذا لهما استهتار المتوكل بالآلات المتحركة، وتقدم إليهما في حفر النهر المعروف «بالجعفري»، فأسندا أمره إلى أحمد بن كثير الفرغاني الذي عمل المقياس الجديد بمصر، وكانت معرفته أوفى من توفيقه؛ لأنه ما تم له عمل قط، فغلط في فوهة النهر المعروف «بالجعفري»، وجعلها أخفض من سائره، فصار ما يغمر الفوهة لا يغمر سائر النهر، فدافع محمد وأحمد ابنا موسى في أمره، واقتضاهما المتوكل، فسعى بهما إليه فيه، فأنفذ مستحثًّا في إحضار سند بن علي من مدينة السلام فوافى، فلما تحقق محمد وأحمد ابنا موسى أن سند بن علي قد شخص أيقنا بالهلكة ويئسا من الحياة، فدعا المتوكل بسند وقال له: ما ترك هذان الرديان شيئًا من سوء القول إلا وقد ذكراك عندي به، وقد أتلفا جملة من مالى في هذا النهر، فاخرج إليه حتى تتأمله وتخبرني بالغلط فيه؛ فإني قد آليت على نفسي إن كان الأمر على ما وصف لي أن أصلبهما على شاطئه، وكل هذا بعين محمد وأحمد ابني موسى وسمعهما، فخرج وهما معه فقال محمد بن موسى لسند: يا أبا الطيب إن قدرة الحر تذهب حفيظته، وقد فرغنا إليك في أنفسنا التي هي أعلاقنا، «وما ننكر: إنا أسأنا، والاعتراف يهدم الاقتراف، فتخلصنا كيف شئت، قال لهما: والله إنكما لتعلمان ما بيني وبين الكندي من العداوة والمباعدة؛ ولكن الحق أولى ما اتبع، أكان من الجميل ما أتيتماه إليه من أخذ كتبه؟ والله لا ذكرتكما بصالحة حتى تردا عليه كتبه.

فتقدم محمد بن موسى في الكتب إليه، وأخذ خطه باستيفائها، فوردت رقعة الكندي بتسلمها عن آخرها، فقال: قد وجب لكما علي ذمام برد كتب هذا الرجل ولكما ذمام بالمعرفة التي لم ترعياها في، والخطأ في هذا النهر يستتر أربعة أشهر بزيادة دجلة.

وقد أجمع الحساب على أن أمير المؤمنين لا يبلغ هذا المدى، وأنا أخبره هذه الساعة أنه لم يقع منكما خطأ في هذا النهر إبقاء على أرواحكما، فإن صدق المنجمون أفلتنا الثلاثة؛ وإن كذبوا وجازت مدته حتى تنقص دجلة وتنضب أوقع بنا ثلاثتنا.

فشكر محمد وأحمد هذا القول منه واسترقهما به، ودخل على المتوكل فقال له: ما غلطا. وزادت دجلة وجرى الماء في النهر فاستتر حاله، وقتل المتوكل بعد شهرين.

وسلم محمد وأحمد بعد شدة الخوف مما توقعا.»

كان الكندي يعيش في بغداد في رخاء في دار تحوي من الكتب ما احتاج ابنا موسى بن شاكر أن يفرداه في خزانة سميت «الكندية» لكثرة تلك الكتب ونفاستها، وبنو موسى بن شاكر هم كما يقول صاحب الفهرست:٥٠

وهؤلاء القوم ممن تناهى في طلب العلوم القديمة وبذل فيها الرغائب، وأتعبوا فيها نفوسهم، وأنفذوا إلى بلاد الروم من أخرجها إليهم، فأحضروا النقلة من الأصقاع والأماكن بالبذل السني فأظهروا عجائب الحكمة.

فهم كانوا ممن يجمع الكتب ويعرف أقدارها، واهتمامهم بأمر مكتبة الكندي دليل على عظم شأنها.

شخصيته

ويظهر أن نوع الحياة التي كان يحياها الكندي الفيلسوف بحكم ما فيها من عزلة، وانقطاع عن مجامع الأدباء والعلماء، واتصال بالمترجمين والفلاسفة، وهم غير مسلمين ولا عرب، لم يكن من شأن ذلك أن يجعل الكندي خفيفًا على أرواح من يرون في الحياة غير ما يرى.

ولعل هذا هو السر في أن عمرو بن بحر الجاحظ جعل من الكندي في كتابه البخلاء موضوع أسمار وفكاهات.٥١

فالكندي عند الجاحظ مثل في البخل: «لا يزال يقول للساكن وربما قال للجار: إن في الدار امرأة بها حمل، والوحمى ربما أسقطت من ريح القدر الطيبة، فإذا طبختم فردوا شهوتها ولو بغرفة أو لعقة، فإن النفس يردها اليسير، فإن لم تفعل ذلك بعد إعلامي إياك فكفارتك أن أُسقطت غرة عبد أو أمة، ألزمت نفسك ذلك أم أبيت.

قال: فكان ربما يوافي إلى منزله من قصاع السكان والجيران ما يكفيه الأيام؛ وإن كان أكثرهم يفطن ويتغافل، وكان الكندي يقول لعياله: أنتم أحسن حالًا من أرباب هذه الضياع، إنما لكل بيت منهم لون واحد وعندكم ألوان.

وكان الكندي يشترط على السكان أن يكون له روث الدابة وبعر الشاة، ونشوار العلوفة، وأن لا يخرجوا عظمًا، ولا يخرجوا كساحة، وأن يكون له نوى التمر، وقشور الرمان، والغرفة من كل قدر تطبخ للحبلى في بيته، وكان في ذلك يتنزل عليهم، فكانوا لطيبه وإفراط بخله، وحسن حديثه يحتملون ذلك.»

وافتن الجاحظ في خياله فأنشأ على لسان الكندي احتجاجات يساجل بها الساكنين عنده تبريرًا لشح نفسه، وطمعه في النزر القليل، وأسلوب الجاحظ نفسه ظاهر كل الظهور في تلك الاحتجاجات، على ما فيها من تكلف الجدل الفلسفي.

على أن الجاحظ في تشنيعه على الكندي تند منه كلمات بإقراره بعقل الرجل وعلمه، وأنه ينقم منه الشح بالطعام، وترويج ذلك الشح.

فهو يقول في مقدمة كتابه: «… وذكرت ملح الحزامي واحتجاج الكندي، ورسالة سهل بن هارون، وكلام ابن غزوان، وخطبة الحارثي … ولم احتجوا مع شدة عقولهم بما أجمعت الأمة على تقبيحه، ولم فخروا مع اتساع معرفتهم بما أطبقوا على تهجينه، ولم سخت نفس أحدهم بالكثير من التبر وشحت بالقليل من الطعم، وقد يعلم أن الذي منعه يسير في جنب ما بذله، وأنه لو شاء أن يحصل بالقليل مما جاد به أضعاف ما بخل كان ذلك عتيدًا ويسيرًا موجودًا.»٥٢
ويروي الجاحظ في بخل الكندي القصة الآتية:
وحدثني عمرو بن نهيوى قال: تغديت يومًا عند الكندي فدخل عليه رجل كان له جارًا، وكان لي صديقًا فلم يعرض عليه الطعام ونحن نأكل، وكان أبخل من خلق الله، قال: فاستحييت منه، فقلت: سبحان الله لو دنوت فأصبت معنا مما نأكل، قال: قد والله فعلت، فقال الكندي: ما بعد الله شيء، قال عمرو فكتفه والله كتفًا لا يستطيع معه قبضًا ولا بسطًا، وتركه ولو مد يده لكان كافرًا، ولكان قد جعل مع الله جل ذكره شيئًا.٥٣

كان الكندي رجلًا منصرفًا إلى جد الحياة، عاكفًا على الحكمة ينظر فيها التماسًا لكمال نفسه، ويقوم بأول محاولة لتوطيئها ومدافعة ما يعوق قومه عن الإقبال عليها من العصبية الجنسية والعصبية الدينية، وقد يكون ذهابه إلى أن يونان بنو عمومة للعرب من وسائله لتهدئة ثائرة العرب على علوم العجم، كما كانت له وسائل للتوفيق بين الدين والعلوم الحكيمة مدافعة لنفرة المسلمين من هذه العلوم.

ويقول ظهير الدين البيهقي:٥٤ «وقد جمع في بعض تصانيفه بين أصول الشرع وأصول المعقولات.»

كان الكندي هادئًا في حياته آخذًا بأسباب الاقتصاد والنظام وسياسة النفس ومجاهدة شهواتها، ومن حكمه المأثورة: «اعص الهوى، وأطع ما شئت»، «لا تنجو مما تكرهه حتى تمتنع عن كثير مما تحب وتريد»، «إن النظر في كتب الحكمة اعتياد النفوس الناطقة».

وروى له الشهرزوري:٥٥ «من ملك نفسه ملك المملكة العظمى واستغنى عن المؤن، ومن كان كذلك ارتفع عنه الذم وحمده كل واحد، وطاب عيشه»، «ولو أفسد أحد أحسن أعضائه كان مذمومًا، وأشرف الأعضاء الدماغ، ومنه الحس والحركة وسائر الأفعال الشريفة، ومستعملو السكر يدخلون الفساد على أدمغتهم، ومتى توالى السكر على بدن مرض دماغه، واشتد ضعفه، وبعد عن القوة الممدة للأفعال الإرادية والنفسانية.»

وما كان ذلك ليعجب الجاحظ الضاحك الساخر العايش عيشة الأدباء من غير نظام ولا حدود ولا اقتصاد.

لا جرم كان الجاحظ يسخر من الكندي ويشنع عليه لبعد ما بين طباعيهما، وبعد ما بين سلبهما في الحياة.

وكان الجاحظ بصريًّا وكان الكندي كوفيًّا، وبين أهل البلدين عداوة وتنافس، والجاحظ معتزلي ولم يكن يسلم من لذعاته إلا من تحرم بحرمة الكلام.

وفي كتاب الحيوان:٥٦ «وسمع رجل ممن قد نظر بعض النظر تصويب العلماء لبعض الشكاك بإجراء ذلك في جميع الأمور، حتى زعم أن الأمور كلها يعرف حقها من باطلها بالأغلب، وقد مات ولم يخلف عقبًا واحدًا يدين بدينه، فلو ذكرت اسمه مع هذه الحال لم أكن أسأت، ولكني على كل حال أكره التنويه بذكر من تحرم بحرمة الكلام، وشارك المتكلمين في أسماء الصناعة، ولا سيما إذا كان ممن ينتحل تقديم الاستطاعة.»

والكندي لم يكن ممن تحرم بحرمة الكلام، بل هو قد ألم به في أول أمره مسايرة لحكم الوقت ثم انصرف عنه إلى الفلسفة.

ولم يكن الكندي ممن يخافهم الجاحظ عندما كتب كتاب البخلاء، يقول الجاحظ في مقدمة الكتاب: «وقد كتبنا لك أحاديث كثيرة غير مضافة إلى أربابها إما بالخوف منهم وإما بالإكرام لهم.»

ويظهر أن الجاحظ ألف كتاب «البخلاء» في أخريات حياته بالبصرة، وهو مريض ما بين سنتي ٢٥٤، ٢٥٥ كما استنتجه Van Vloten في مقدمته لطبعة ليدن.

وقد توفي الكندي قبل ذلك التاريخ كما سيأتي تحقيقه، ولم يكتف الجاحظ بإشاعته حديث البخل مكبرًا عن الكندي في كتابه «البخلاء»، بل ألف رسالة في فرط جهل الكندي، ولعل تشنيع الجاحظ هو أساس لكل ما تناقل الرواة من بعده. فابن النديم صاحب الفهرست يقول عن الكندي: «وكان بخيلًا». ويقول ابن نباتة في سرح العيون: «ومن نوادره وكلامه في البخل كان يقول: إنك تقول للسائل: لا ورأسك إلى فوق، ومن ذل العطاء أنك تقول: نعم وأنت رأسك إلى أسفل.

وكان يقول: سماع الغناء برسام حاد؛ لأن الإنسان يسمع فيطرب فينفق فيسرف فيفتقر فيغتم فيعتل فيموت … ومن وصيته لولده: «يا بني كن مع الناس كلاعب الشطرنج تحفظ شيئك وتأخذ من شيئهم، فإن مالك إذا خرج عن يدك لم يعد إليك، واعلم أن الدينار محموم فإذا صرفته مات، واعلم أنه ليس شيء أسرع فناء من الدينار إذا كسر والقرطاس إذا نشر، ومثل الدرهم كمثل الطير الذي هو لك ما دام في يدك فإذا ند عنك صار لغيرك. وقال المتلمس:

قليل المال تصلحه فيبقى
ولا يبقى الكثيرُ مع الفساد
لحفظ المال خير من فناه
وسير في البلاد بغير زاد

وأعرف هنا بيتًا بيَّت أكثر من مائة ألف في المساجد، وهو قول القائل:

فسر في بلاد الله والتمس الغنى
تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا

فاحذر يا بني أن تلحق بهم.»

أما ابن أبي أصيبعة فيروى ما نصه:٥٧

ومن كلامه مما أوصى به لولده أبي العباس، نقلت ذلك من كتاب «المقدمات» لابن بختويه، قال الكندي: يا بني الأب رب، والأخ فخ، والعم غم، والخال وبال، والولد كمد، والأقارب عقارب، وقول: لا، يصرف البلا؛ وقول نعم، يزيل النعم، وجماع الغناء برسام حاد؛ لأن الإنسان يسمع فيطرب، وينفق فيسرف فيفتقر فيغتم، فيعتل فيموت. والدينار محموم فإن صرفته مات، والدينار محبوس فإن أخرجته فر، والناس سخرة فخذ شيئهم واحفظ شيئك، ولا تقبل ممن قال اليمين الفاجرة فإنها تدع الديار بلاقع.

أقول: وإن كانت هذه من وصية الكندي، فقد صدق ما حكاه عنه ابن النديم البغدادي في كتابه، فإنه قال: إن الكندي كان بخيلًا.

ولا يكتفي ابن نباتة بما نسبه من الوصايا السخيفة للكندي، بل هو يجعل فيلسوف الإسلام رجلًا أحمق متكلفًا سخيفًا. فهو يروي في كتابه:

وقال يومًا لجارية كان يهواها: إني أرى فرط الاعتياصات من المتوقعات على طالبي المودات مؤذنات بعدم المعقولات، فنظرت إليه وكان ذا لحية طويلة فقالت: إن اللحى المسترخيات على صدور أهل الركاكات محتاجة إلى المواسي الحالقات.

هكذا يبلغ العبث بالتاريخ حدًّا يشوه من خلق الكندي ومن عقله، وقد كان الرجل في خلقه وفي عقله من أعظم ما عرف البشر. يقول «ده بوير» في دائرة المعارف الإسلامية عند ترجمته للكندي: إن «كوردان» Curdan وهو فيلسوف من فلاسفة النهضة La Renaissance يعد الكندي واحدًا من اثني عشر هم أنفذ الناس عقلًا، وأنه كان في القرون الوسطى يعتبر واحدًا من ثمانية هم أئمة العلوم الفلكية.

آثاره وآراؤه ومنزلته العلمية

نبغ الكندي في علوم الحكمة، وصار كما يقول الأستاذ «مسنيون»:٥٨ «إمام أول مذهب فلسفي إسلامي في بغداد، وله أبحاث طريفة ثم إليه يرجع الفضل بعد ذلك في تحرير جملة من التراجم العربية لمصنفات يونانية في الفلسفة.»

ويدل عدد ما نسبه المترجمون له من الكتب في الموضوعات المختلفة على سعة معارفه، وكثرة اطلاعه.

وقد جعل ابن النديم٥٩ كتب الكندي سبعة عشر نوعًا: «(١) كتبه الفلسفية (٢) كتبه المنطقية (٣) كتبه الحسابيات (٤) كتبه الكريات (٥) كتبه الموسيقيات (٦) كتبه النجوميات (٧) كتبه الهندسيات (٨) كتبه الفلكيات (٩) كتبه الطبيات (١٠) كتبه الأحكاميات (١١) كتبه الجدليات (١٢) كتبه النفسيات (١٣) كتبه السياسيات (١٤) كتبه الأحداثيات (١٥) كتبه الأبعاديات (١٦) كتبه التقدميات (١٧) كتبه الأنواعيات.»
«وقد يقع في تعديد كتب الكندي خلاف بين المؤرخين بالزيادة والنقص؛ ولكنهم متفقون على أن له في أكثر العلوم مؤلفات من المصنفات الطوال والرسائل القصار، كان: فاضل دهره وواحد عصره في معرفة العلوم القديمة بأسرها، ويسمى فيلسوف العرب».٦٠
وفي «طبقات الأمم» لصاعد:٦١ «ولم يكن في الإسلام من اشتهر عند الناس بعلوم الفلسفة حتى سموه فيلسوفًا غير يعقوب.»
وفي كتاب «أخبار الحكماء»:٦٢ «يعقوب بن إسحاق … أبو يوسف الكندي المشتهر في الملة الإسلامية بالتبحر في فنون الحكمة اليونانية والفارسية والهندية، متخصص بأحكام النجوم وأحكام سائر العلوم، فيلسوف العرب وأحد أبناء ملوكها.»
وقد ذكر مثل ذلك صاحب «طبقات الأطباء»٦٣ وزاد: «أن له مصنفات جليلة ورسائل كثيرة جدًّا في جميع العلوم.»
أما ابن نباتة المصري فيقول في شرحه لرسالة ابن زيدون:٦٤ «الكندي هو يعقوب بن الصباح المسمى في وقته «فيلسوف الإسلام» من ولد الأشعث بن قيس، كان أبوه ابن الصباح من ولاة الأعمال في الكوفة وغيرها في أيام المهدي والرشيد، وانتقل يعقوب إلى بغداد واشتغل بعلم الأدب، ثم بعلوم الفلسفة جميعها فأتقنها وحل مشكلات كتب الأوائل، وحذا حذو أرسطاطاليس وصنف الكتب الجليلة الجمة، وكثرت فوائده وتلامذته، وكانت دولة المعتصم تتجمل به وبمصنفاته، وهي كثيرة جدًّا.»

والكندي هو بلا ريب أول مسلم عربي اشتغل بالفلسفة التي كانت إلى عهده وقفًا على غير المسلم العربي، وكان معاصرًا لأبي الحسن ثابت بن قرة الحراني الصابئي و«قسطًا» بن لوقا البعلبكي المسيحي، وكانوا ثلاثتهم أعلامًا في مملكة الإسلام بعلم الفلسفة في وقتهم، كما ذكر ذلك صاعد في كتاب «طبقات الأمم» وكان ذلك جديرًا بأن يثير على الكندي أحقادًا من كل نوع، فمنها حسد منافسين كعداوة ابني موسى بن شاكر، ومنها إنكار متشددين في دينهم كما رأينا في شعر الناشي. ومن أمثلة ذلك: ما ذكره صاحب «الفهرست» عند الكلام على أبي معشر المنجم قال: «وكان أولًا من أصحاب الحديث، ومنزله في الجانب الغربي بباب خراسان، وكان يضاغن الكندي ويغري به العامة، ويشنع عليه بعلوم الفلاسفة، فدس عليه الكندي من حسن له النظر في علوم الحساب والهندسة؛ فدخل فيه فلم يكمل له، فعدل إلى علم أحكام النجوم، وانقطع شره عن الكندي بنظره في هذا العلم؛ لأنه من جنس علوم الكندي.»

وذكر المسعودي في «مروج الذهب»٦٥ شيئًا من آراء الكندي في تأثر العالم بالأشخاص العلوية:

وقد قال يعقوب بن إسحاق الكندي في بعض رسائله في أفعال الأشخاص العلوية والأجرام السماوية في هذا العالم: إن جميع ما خلق الله صير بعضه لبعض عللًا، فالعلة تفعل في معلولها آثار ما هي لديه علة، وليس يؤثر المفعول المعلول في علته الفاعلة.

والنفس علة الفلك لا معلولة له، فليس يؤثر الفلك فيها أثرًا؛ إلا أن من طباع النفس أن تتبع مزاج البدن إذا لم تجد شيئًا، كما هو موجود في الزنجي الذي حمي موضعه فأثرت فيه الأشخاص الفلكية، جذبت الرطوبات إلى أعاليه، فأجحظت عينيه وأهدلت شفتيه، وأفطست أنفه وعظمته، وأشالت رأسه بكثرة جذب الرطوبات إلى أعالي بدنه، فخالف بذلك مزاج دماغه عن الاعتدال، فلم تقدر نفسه على إظهار فعلها فيه بكمال، ففسد تمييزه وأخرجت الأفعال العقلية منه.

ولئن كان الكندي قد اشتغل بالتنجيم القائم على ربط الحوادث الأرضية بحركات النجوم، وعوارض الأفلاك ومطالع الكواكب، وألف الكتب التي كان لها يومئذ شأن عظيم، فإنه اشتغل أيضًا بالأبحاث الفلكية العلمية، وظهر تميزه في هذه الأبحاث لعهده وبعد عهده، واقتبس من مذاهب الهنود ما لم يكن مقتبسًا في فنون العرب الفلكية من قبله، وكانت له آراء طريفة بناها على أرصاده وحسابه بنفسه، وأسعده في ذلك تبحره في الرياضيات، والهندسيات.

والشهرزوري يجعل الوصف الأول للكندي: كونه مهندسًا، وكذلك يفعل البيهقي، فهما يقولان: «يعقوب بن إسحاق الكندي كان مهندسًا، خائضًا غمرات العلم.»

وكان كما يقول «ده بوير» مولعًا بتطبيق الرياضيات لا في العلم الطبيعي وحده، بل في الطب أيضًا؛ فهو مثلًا يفسر عمل الأدوية المركبة بالتناسب الهندسي الحادث من مزاج صفاتها الحسية، أي: الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة.

وجاء في كتاب «الفهرست»٦٦ ما يدل على غرام الكندي بتطبيق الرياضيات: «وقال الكندي: القلم على وزن نفاع؛ لأن الفاء ثمانون والنون خمسون والألف واحد والعين سبعون، ذلك مائتان وواحد، والقلم، الألف واحد، واللام ثلاثون، والقاف مائة واللام ثلاثون والميم أربعون، فذلك مائتان وواحد.»

وقد يدل على هذه النزعة إلى تطبيق الرياضيات على الطب والعلاج ما يرويه المترجمون للكندي من أنه كان يجعل من اللحون الموسيقية طبًّا لبعض الأمراض، وعلم الموسيقى كان يومئذ معتبرًا فرعًا من فروع العلوم الرياضية، وكان الكندي عالمًا بالموسيقى وبالطب، وله فيهما مؤلفات.

روى صاحب كتاب «أخبار الحكماء»:٦٧ «وقد ذكروا، من عجيب ما يحكى عن يعقوب بن إسحاق الكندي هذا، أنه كان في جواره رجل من كبار التجار، موسع عليه في تجارته، وكان له ابن قد كفاه أمر بيعه وشرائه، وضبط دخله وخرجه وكان ذلك التاجر كثير الإزراء على الكندي والطعن عليه، مدمنًا لتعكيره والإغراء به، فعرض لابنه سكتة فجأة، فورد عليه من ذلك ما أذهله، وبقي لا يدري ما الذي له في أيدي الناس وما لهم عليه، مع ما دخله من الجزع على ابنه، فلم يدع بمدينة السلام طبيبًا إلا ركب إليه واستركبه لينظر ابنه ويشير عليه من أمره بعلاج، فلم يجبه كثير من الأطباء لكبر العلة وخطرها إلى الحضور معه؛ ومن أجابه منهم فلم يجد عنده كبير غناء، فقيل له: أنت في جوار فيلسوف زمانه، وأعلم الناس بعلاج هذه العلة، فلو قصدته لوجدت عنده ما تحب، فدعته الضرورة إلى أن يحمل على الكندي بأحد إخوانه، فثقل عليه في الحضور، فأجاب وصار إلى منزل التاجر، فلما رأى ابنه وأخذ مجسه أمر بأن يحضر إليه من تلامذته في علم الموسيقى من قد أنعم الحذق بضرب العود، وعرف الطرائق المحزنة والمزعجة، والمقوية للقلوب والنفوس، فحضر إليه منهم أربعة نفر، فأمرهم أن يديموا الضرب عند رأسه وأن يأخذوا في طريقة أوقفهم عليها، وأراهم مواقع النغم بها من أصابعهم على الدساتين! ونقلها! فلم يزالوا يضربون في تلك الطريقة والكندي آخذ مجس الغلام، وهو في خلال ذلك يمتد نفسه ويقوى نبضه، ويراجع إليه نفسه شيئًا بعد شيء إلى أن تحرك ثم جلس وتكلم، وأولئك يضربون في تلك الطريقة دائمًا لا يفترون، فقال الكندي لأبيه: سل ابنك عن علم ما تحتاج إلى علمه مما لك وعليك وأثبته، فجعل الرجل يسأله وهو يخبره، ويكتب شيئًا بعد شيء، فلما أتى على جميع ما يحتاج إليه غفل الضاربون عن تلك الطريقة التي كانوا يضربونها وفتروا، فعاد الصبي إلى الحال الأولى وغشيه السكات، فسأله أبوه أن يأمرهم بمعاودة ما كانوا يضربون به، فقال: هيهات إنما كانت صبابة قد بقيت من حياته ولا يمكن فيها ما جرى، ولا سبيل لي ولا لأحد من البشر إلى الزيادة في مدة من قد انقطعت مدته، إذ قد استوفى العطية والقسم الذي قسم الله له.»

عني الكندي بالكيمياء فيما عني به من العلوم، ووضع فيها مصنفات وذكر في بعض رسائله تعذر فعل الناس لما انفردت الطبيعة بفعله، وخدع أهل هذه الصناعة وجهلهم، وأبطل دعوى الذين يدعون صنعة الذهب والفضة، وترجم الكندي هذه الرسالة: «بإبطال دعوى المدعين صنعة الذهب والفضة من غير معادنها»، وقد نقض هذه الرسالة على الكندي «أبو بكر محمد بن زكريا الرازي».

وقد ذكر «أبو القاسم صاعد» في كتابه «طبقات الأمم»٦٨ عن الكندي عند ذكر تصانيفه: «أنه كان مع تبحره في العلم يأتي بما يصنفه مقصرًا: فيذكر مرة حججًا غير قطعية، ويأتي مرة بأقاويل خطابية وأقاويل شعرية، وأهمل صناعة التحليل التي لا تحرر قواعد المنطق إلا بها: وإن يكن جهلها فهو نقص عظيم، وإن يكن ضن بها فليس ذلك من شيم العلماء، وأما صناعة التركيب التي قصدها في تواليفه فلا ينتفع بها إلا المنتهي الذي هو في غنى عنها بتبحره في هذا النوع.»
قال ابن أبي أصيبعة في «طبقات الأطباء»:٦٩ «أقول هذا الذي قاله القاضي صاعد عن الكندي فيه تحامل كثير عليه، وليس ذلك مما يحط من علم الكندي، ولا مما يصد الناس عن النظر في كتبه والانتفاع بها.»

ورأى «ابن أبي أصيبعة» في الكندي وتآليفه يبينه بقوله: «وترجم من كتب الفلسفة الكثير، وأوضح منها المشكل ولخص المستصعب، وبسط العويص». ويقول القفطي في الكندي مثل ذلك.

ولسنا ندري كيف يقولون: إن الكندي أهمل صناعة التحليل في المنطق؟ مع أنا نجد في أسماء كتبه تفسيرات وشروحًا على «أنولوطيقا الأولى» تحليل القياس، وعلى «أنولوطيقا الثانية» البرهان، ولم يترك الكندي قسمًا من أقسام المنطق لم يعرض له بالشرح والبيان وبالاختصار أحيانًا، فلعل تلك الكتب لم يتصل بالقاضي «صاعد» علمها، فكتب ما كتب، ويؤيد ذلك أن «صاعدًا» ذكر أن عدد كتب الكندي نحو خمسين، على حين يبلغ بها غيره ١٥٠، بل قيل: هي ٢٦٥ كتابًا.

والكندي صاحب مؤلفات في «الجغرافيا» فقدت فيما ضاع من كتبه؛ لكنها كانت مرجعًا لمن جاء بعده من المؤلفين، وكانت تظهر آثار اطلاعه الواسع وفكره العميق، ونجد في كتب المسعودي نماذج منها.

•••

فيما أسلفنا دليل على إحاطة الكندي بكل أنواع المعارف التي كانت لعهده على اختلافها إحاطة تدل على سعة مداركه وقوة عقله، وعظم جهوده، وقد ألف في كل تلك العلوم كتبًا ورسائل يشهد ما عرف منها وما تنوقل من مقتطفاتها بما للكندي من استقلال في البحث ونظر ممتاز.

وإذا كنا لا نعرف للكندي مصنفات في العلوم الدينية، فإن في بعض مؤلفاته آثارًا من معرفته بعلوم الدين، بل هو قد عالج مسائل علم الكلام وكتب فيها.

أما شأنه في الفلسفة فهو أهم شئونه ومظهر عبقريته، ومناط الخلود لاسمه في ثنايا التاريخ.

والكندي يقول عن الفلسفة فيما روى عنه ابن نباتة المصري:

علوم الفلسفة ثلاثة: فأولها العلم الرياضي في التعليم وهو أوسطها في الطبع؛ والثاني علم الطبيعيات وهو أسفلها في الطبع؛ والثالث علم الربوبية وهو أعلاها في الطبع.

وإنما كانت العلوم ثلاثة؛ لأن المعلومات ثلاثة: إما علم ما يقع عليه الحس وهو ذوات الهيولى، وإما علم ما ليس بذي هيولى إما أن يكون لا يتصل بالهيولى البتة وإما أن يكون قد يتصل بها.

فأما ذات الهيولى فهو المحسوسات، وعلمها هو العلم الطبيعي؛ وأما ما ليس بذي هيولى فإما أن يتصل بالهيولى، فإن له انفرادًا بذاته كعلم الرياضيات التي هي العدد والهندسة والتنجيم والتأليف، وإما لا يتصل بالهيولى البتة وهو علم الربوبية.٧٠

وقد كان هذا المنحى في فهم معنى الفلسفة وتقسيمها باعتبار الموضوع توجيهًا للفلسفة الإسلامية منذ نشأتها.

والكندي هو الذي وجه الفلسفة الإسلامية وجهة الجمع بين أفلاطون وأرسطو؛ وهو الذي وجهها في سبيل التوفيق بين الفلسفة والدين.

وليس فيما بين أيدينا من آثار الكندي ما يمكننا من استخلاص مذهبه الفلسفي نسقًا كاملًا.

ويقول بعض مترجميه كابن نباتة: إنه حذا حذو أرسطو، ويقول «ابن أبي أصيبعة»: احتذى في تآليفه حذو أرسطوطاليس.

ويورد له الشهرزوري أقوالًا كلها بسط لآراء أفلاطون منها: «أما أفلاطون فإنه قال: إن مسكن الأنفس العقلية إذا تجردت، كما قالت الفلاسفة القدماء، خلف الفلك في عالم الربوبية حيث نور الباري، وليس كل نفس تفارق البدن تصير من ساعتها إلى ذلك المحل؛ لأن في الأنفس ما يفارق البدن وفيها دنس وأشياء حسنة، فمنها ما يصير إلى فلك عطارد فيقيم فيه مدة، فإذا تهذبت ونفت ارتقت إلى عالم العقل وجازت الكل، فصارت في أجل محل لا تخفى عليها خافية، وواصلت نور الباري تعالى، وصارت تفكر في الأشياء قليلها وكثيرها كعلم الواحد بأصبعه الواحدة، وصارت الأشياء كلها لها مكشوفة وبارزة، فحينئذ يفوض الباري إليها من سياسة العالم أشياء تلتذ بها وبعقلها والتدبير لها.»

ولعل الشهرزوري يشير بذلك إلى إيثار الكندي لأفلاطون.

والأشبه أن يكون الكندي قد بنى مذهبه على ما صح في نظره من الآراء المختلفة من غير تقيد بما نسب لأفلاطون ولا بما نسب لأرسطو، بيد أنه كان بلا شك يراهما إمامي هذا الشأن، فهو كما يقول «ده بور»: «بحق، كان من أهل الترجيح والتخير.»

وقد سار على نهجه أكثر من بعده من فلاسفة الإسلام.

الكندي هو «فيلسوف العرب» كما في كتاب «أخبار الحكماء» وكتاب «طبقات الأطباء»: «ولم يكن في الإسلام من اشتهر عند الناس بمعاناة علوم الفلسفة حتى سموه فيلسوفًا غير يعقوب هذا»، وفي الفهرست: «وسمي فيلسوف العرب.»

ويقول ابن نباتة: «الكندي هو يعقوب بن الصباح المسمى في وقته فيلسوف الإسلام.»

والكندي كان جديرًا بهذه التسمية في وقته وسيظل بها جديرًا، فإنه أول عربي مسلم مهد للفلسفة سبيل الانتشار بين العرب وفي ظل الإسلام، فقد كان أمر الترجمة من قبله لنقلة حرصهم على الترجمة الحرفية مع ضعف بيانهم العربي يجعل تراجمهم رموزًا يستعصى حلها، حتى جاء الكندي يترجم بنفسه ويصلح هذه التراجم ليسهل تناولها؛ ولكيلا تنفر من أساليبها أذواق العرب، ثم درس الكندي هذه الكتب المترجمة ويسر من موضوعاتها ما كان معسرًا، واختار ما صح من آرائها في نظره فبسطه إن كان محتاجًا لبسط، ولخصه إن كان محتاجًا لتلخيص، وجاهد كما بينا من قبل في تزيين الفلسفة في أعين العرب جهادًا مكللًا بالنصر، بذل فيه كل ما يستطيع إنسان أن يبذله من نعيم الحياة وجاهلها، وصبر في سبيل ذلك على أذى أشرنا إلى بعضه فيما مضى.

والكندي هو الذي وجه الفلسفة الإسلامية في وجهتها فسارت في سبيلها على أيدي تلاميذه ومن أخذ عن تلاميذه.

وقد أورد صاحب الفهرست أسماء تلاميذ الكندي بقوله: «تلاميذ الكندي وورَّاقوه: حسنويه ونفطويه وسلمويه وآخر على هذا الوزن، ومن تلامذته: أحمد بن الطيب ونذكره فيما بعد، وأخذ عنه أبو معشر.»٧١
وذكر في موضع آخر:٧٢ «دبيس تلميذ الكندي هو محمد بن يزيد …» وفي ذلك دلالة على أن تلاميذ الكندي لم يعرف عددهم على استقصاء، كما غاب عنا أسماء من تلقى عنهم ضروب العلم المختلفة.

عقيدته

بقي أن البيهقي قال في كتابه «تاريخ حكماء الإسلام» عن الكندي: «واختلفوا في ملته فقال قوم: [كان] يهوديًّا ثم أسلم، وقال بعضهم كان نصرانيًّا». وقال الشهرزوري في «نزهة الأرواح»: «وقيل: كان يهوديًّا ثم أسلم، وقيل: كان نصرانيًّا»، ويلاحظ أن المؤلفين كليهما لم يذكرا للكندي نسبًا إلا أنه يعقوب بن إسحاق، وليس في الاسمين ما يميز ملته، فدل ذلك على أنهما خلطا بين أبي يوسف يعقوب بن إسحاق الأشعثي وبين كندي آخر. ولا يستحق هذا الاشتباه إلا أن ينبه إليه. وفي كتابي البيهقي والشهرزوري أخطاء تاريخية كثيرة ظاهرة البطلان عند الكلام على غير الكندي، وفي النسخ التي بين أيدينا منهما تحريفات كثيرة على أنه لا يبعد أن تكون هذه الأضاليل من آثار ما كان يدسه على الكندي خصومه تشويهًا لذكره وتشنيعًا عليه.

وفاته

هذا وقد ذكر صاحب كتاب «أخبار الحكماء» سبب موت الكندي بقوله: «قال أبو معشر: وكانت علة يعقوب بن إسحاق أنه كان في ركبته خام، وكان يشرب له الشراب العتيق فيصلح، فتاب من الشراب وشرب شراب العسل، فلم تنفتح له أفواه العروق، ولم يصل إلى أعماق البدن وأسافله شيء من حرارته، فقوي الخام فأوجع العصب وجعًا شديدًا، حتى تأتى ذلك الوجع إلى الرأس والدماغ فمات الرجل؛ لأن الأعصاب أصلها من الدماغ.»

أما تاريخ وفاته فلم يعرض لذكره أحد عرفناه ممن ترجموا له من الأقدمين، وقد حاول المحدثون أن يحددوا ذلك التاريخ من سبيل الاستنباط: فمنهم من جعل موته سنة ٢٤٦ﻫ / ٨٦٠م كالأستاذ «مسنيون» في نصوصه الصوفية، ومنهم من جعله نحو سنة ٢٦٠ﻫ / ٨٧٣م كالأستاذ «نالينو» في محاضراته في الفلك وتاريخه عند العرب في القرون الوسطى.

ويقول «ده بوير» في دائرة المعارف الإسلامية: إن الكندي كان يعيش سنة ٢٥٧ﻫ / ٨٧٠م حيث اعتقد أنه يستطيع أن يؤكد للخلافة العباسية، وهي يومئذ مهددة بالقرامطة، بقاء يدوم حوالي ٤٥٠ عامًا.

وقد نقلنا فيما سبق عن الفهرست ما يثبت أن الكندي نسخ كتابًا بخطه سنة ٢٤٩ رآه ابن النديم. وفي تاريخ الطبري عند الكلام على موت المنتصر بالله سنة ٢٤٨ والتشاور في تعيين خلفه: أن محمد بن موسى المنجم سعى في دفع الخلافة عن أحمد بن المعتصم؛ لأنه صاحب الكندي الفيلسوف.

كل هذا يباعد رأي الأستاذ «مسنيون».

ثم إن الجاحظ المتوفى سنة ٢٥٥ﻫ يذكر ما ذكره عن الكندي في كتابيه «الحيوان» و«البخلاء» في صيغة الماضي الدالة على أن الكندي كان ميتًا حين كتب كتابه، وكتاب «البخلاء» مؤلف على الراجح سنة ٢٥٤ﻫ وكتاب «الحيوان» سابق عليه. فالكندي لم يكن حيًّا في سنة ٢٥٤ﻫ ولا في سنة ٢٥٣ﻫ إن صح أن الجاحظ كتب «الحيوان» في هذه السنة.

وتدل رسالة الكندي في ملك العرب وكميته على أنه شهد عهد الخليفة المستعين، وشهد الفتنة التي قتل في أعقابها المستعين آخر رمضان سنة ٢٥٢، فالراجح أن الكندي توفي في أواخر سنة ٢٥٢.

هوامش

(١) تفرقت قبائل اليمن من كهلان، وحمير، ابني سبأ، وسبأ اسمه «عبد شمس»، وقال: قوم اسمه «عامر» وهو ابن يشجب ويشجب بن يعرب ويعرب بن قحطان، وسبأ اسم يجمع القبيلة كلها كما يكون اسم رجل بعينه (كتاب الاشتقاق لابن دريد ص٢١٧).
(٢) الأغاني ج١٧ ص١٠٦–١١٠.
(٣) كتاب المعارف لابن قتيبة ص٣٠٥.
(٤) مثل حصين بن نمير السكوني الذي صار صاحب جيش يزيد بن معاوية بعد مسلم بن عقبة في وقعة الحرة بظاهر المدينة، وشرحبيل بن السمط أدركه الإسلام وأدرك القادسية وهو الذي قسم منازل حمص بين أهلها حين افتتحها، ومعاوية بن حديج الذي قتل محمد بن أبي بكر، وكنانة بن بشير الذي ضرب عثمان بالعمود — (كتاب الاشتقاق ص٢٢٠-٢٢١).
(٥) كالربيع بن مري بن أوس ولي الحمى بظهر الكوفة ولاه الوليد بن عقبة، وكان لولاية الحمى قدر في ذلك الزمان (الاشتقاق ص٢٢٩).
(٦) نفس المصدر ص٢١٩.
(٧) من أصحاب النبي، وكان قبل ذلك ملكًا على جميع كندة، وكان أبوه قيس بن معدي كرب ملكًا على جميع كندة عظيم الشأن، (طبقات الأمم للقاضي صاعد ص٥٢).
(٨) أسد الغابة في معرفة الصحابة ج١ ص٩٨.
(٩) في كتاب تاريخ بغداد ج١ ص١٩٦-١٩٧.
(١٠) أسد الغابة ج٤ ص٣١١-٣١٢.
(١١) ص٢٤١.
(١٢) ج١ ص٢٠٧.
(١٣) تقريب التهذيب ص١٤.
(١٤) الأغاني ج٢٠ ص٣٣.
(١٥) الذي كانت وفاته بعد السبعين ومائة.
(١٦) ج٢ ص١١٩.
(١٧) تاريخ بغداد ج٩ ص٢٩٣.
(١٨) تاريخ الطبري ج١٠ ص١١٠.
(١٩) «العقد الفريد للملك السعيد» ص١٧١-١٧٢.
(٢٠) دائرة المعارف الإسلامية — الكندي.
(٢١) كتاب الحيوان ج١ ص٣١٠.
(٢٢) طبعة ليدن ص١٠٩، ١١٠.
(٢٣) طبعة بولاق ص١٣٨.
(٢٤) طبع مطبعة السعادة بمصر ص٦٩-٧٠.
(٢٥) ج١ ص٢٠٧.
(٢٦) أخبار الحكماء ص٤٦.
(٢٧) ص٢٥٥.
(٢٨) ص١٤٠.
(٢٩) ص٣١٨.
(٣٠) الفهرست ص٣٢٠.
(٣١) الفهرست ص٣٤٥.
(٣٢) ص١٢٣.
(٣٣) ج١ ص٢٠٧.
(٣٤) وفي ص١٧١ من كتاب الفهرست في الفصل الذي عنوانه: «ذكر ما وجدت من الكتب المصنفة في الآداب لقوم لم يعرف حالهم على استقصاء» من نصه: «كتاب من نسج بيتًا فنبز به، ومن نسب بيتًا فنسب إليه الكندي.» وفي ص١٠ من كتاب «الفهرست»: وقال الكندي: «لا أعلم كتابة تحتمل من تحليل حروفها وتدقيقها ما تحتمل الكتابة العربية، ويمكن فيها من السرعة ما لا يمكن في غيرها من الكتابات.»
(٣٥) أبر عليهم غلبهم (لسان العرب).
(٣٦) أبو بكر محمد توفي سنة ٣٢٨ﻫ ص٢٢٦-٢٢٧.
(٣٧) بهامش الكتاب: هو إما ثعلب، أو المبرد، وكانا متعاصرين ومتفقين في الكنية، والظاهر أن المقصود هو أبو العباس أحمد بن يحيى بن زيد بن سبار النحوي المعروف بثعلب إمام الكوفيين في النحو واللغة في زمانه، وعنه أخذ ابن الأنباري، توفي سنة ٢٩١. أما أبو العباس محمد بن زيد المعروف بالمبرد المتوفى سنة ٢٨٥ فكان من أهل البصرة.
(٣٨) بعد هذا البيت في «طبقات الأطباء» وفي رواية الشهرزوري من كتاب نزهة الأرواح:
وضائل سوادك واقبض يديك
وفي قعر بيتك فاستجلس
(٣٩) الذي في «نزهة الأرواح» وفي «طبقات الأطباء»: فإن الغنى في قلوب الرجال.
(٤٠) الذي في طبقات الأطباء: ومن قائم شخصه ميت.
(٤١) بعد هذا البيت في طبقات الأطباء:
فإن تطعم النفس ما تشتهي
تقيك جميع الذي تحتسي
(٤٢) نسخة مصورة بمكتبة الجامعة المصرية ص١٧٥.
(٤٣) هو أبو الحسن ثابت بن قرة كانت ولادته في سنة ٢٢١ إحدى وعشرين ومائتين، وتوفي يوم الخميس السادس والعشرين من صفر سنة ٢٨٨ ثمان وثمانين ومائتين.
(٤٤) ص١٧٥.
(٤٥) GILSON (E.T), Archives d’historire doctrinale et Litterraire de Moyen age (année 1929-30), Paris 1930 (vol. IV, p. 22–27).
(٤٦) ج١ ص٤٥-٤٦.
(٤٧) ج٣ ص٥٧.
(٤٨) ج٥ ص٩٧.
(٤٩) ج١ ص٢٠٧-٢٠٨.
(٥٠) ص٢٧١.
(٥١) الكندي الذي يذكر في كتاب «البخلاء»، هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق وإن لم يصرح بذلك الجاحظ الذي يذكر الفيلسوف في كتاب «الحيوان» باسم يعقوب بن الصباح الأشعثي تارة، وباسم أبي يوسف بن إسحاق الكندي تارة أخرى، ويشهد لذلك وصف الكندي الفيلسوف بالبخل عند من جاء بعد الجاحظ من المؤلفين كابن النديم.
(٥٢) البخلاء ص١، ٢، ٣.
(٥٣) البخلاء ص٦٥.
(٥٤) تاريخ الحكماء ص١٨ نسخة فتوغرافية بمكتبة جامعة فؤاد الأول رقم ١١٩، ٢٦٠.
(٥٥) نزهة الأرواح ص١٧٥.
(٥٦) ج٦ ص١١.
(٥٧) طبقات الأطباء ج١ ص٢٠٩.
(٥٨) MASSIGNON (Louis), Recueil de textes inèdits Concernant l’histoire de la Mystique en Pays d’islam, Paris 1929 .
(٥٩) الفهرست ص٢٥٥.
(٦٠) الفهرست ص٢٥٥.
(٦١) ص٥٢.
(٦٢) ص٢٤٠.
(٦٣) ج١ ص٢٠٦-٢٠٧.
(٦٤) ص١١٣.
(٦٥) طبعة باريس ج١ ص١٦٤.
(٦٦) ص١٠.
(٦٧) ص٢٤٦-٢٤٧.
(٦٨) ص٥٢.
(٦٩) ج١ ص٢٠٨.
(٧٠) سرح العيون ص١٢٥.
(٧١) ص١٦١.
(٧٢) ص٣٥٩.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠