بطليموس العرب ابن الهيثم

التعريف بابن الهيثم

احتفلت القاهرة منذ بضع سنين احتفالًا كبيرًا في الساحة الجامعية الكبرى بذكرى وفاة ابن الهيثم، وقد شهدت القاهرة منذ أكثر من تسع من مئات السنين تشييع جنازته في غير احتفال، من قبة كان يقيم فيها على باب الجامع الأزهر إلى قبر يجهل التاريخ موضعه من تلك القبور التي يقول فيها شيخ المعرة:

رب لحد قد صار لحدًا مرارًا
ضاحك من تزاحم الأضداد

هذا مصداق الحكمة المأثورة عن أبي بكر الصديق — رضي الله عنه: «فر من الشرف يتبعك الشرف، واحرص على الموت توهب لك الحياة». وكان ابن الهيثم يفر من شرف الدنيا وجاهها؛ حتى ليروي بعض المؤرخين أن الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله الذي ولي الخلافة سنة ٣٨٦ﻫ / ٩٩٦م وتوفي سنة ٤١١ﻫ / ١٠٢١م ولاه بعض الدواوين، فضاق بذلك صدره ولم يجد سبيلًا للخلاص من فتنة الحكم وفتنة الحاكم إلا بإظهار الجنون والخبال، واحتمل الحبس في داره والحجز على ماله عدة سنين، فلما مات الخليفة عاد الفيلسوف إلى الاشتغال بعلمه وفلسفته في عزلة وزهادة وكفاف من العيش.

وابن الهيثم هو أبو علي الحسن بن الحسن بن الهيثم، وممن ترجموا له من يسميه محمدًا، وأبوه في بعض الروايات يسمى الحسين، ويستنتج من كلام ابن أبي أصيبعة أن مولد ابن الهيثم يقع حوالي ٣٥٤ﻫ / ٩٦٥م. أما وفاته فيقول القفطي: إنها في حدود عام ٤٣٠ﻫ / ١٠٣٩م. ويزيد القفطي بعد ذلك: «ورأيت بخطه جزءًا في الهندسة وقد كتبه في سنة ٤٣٢ﻫ / ١٠٤٠-١٠٤١م.»

ولم نر أحدًا ممن ترجموا لابن الهيثم عرض لنشأته الأولى، اللهم إلا أن مولده كان بالبصرة، والظاهر أن ابن الهيثم من أصل عربي؛ واسم جده الأعلى «الهيثم» ليس من الأسماء التي تداولها الأعاجم في الإسلام. وأصل الهيثم فرخ النسر. ولسنا نعرف شيئًا عن دراسات ابن الهيثم الأولى ولا عن أساتذته.

وبالجملة فإن الدور الأول من حياة ابن الهيثم، أي: مدة إقامته بالبصرة محاطة بالغموض، ويفهم من كلام بعض المؤرخين أنه أقام بالشام زمنًا. ويقول البيهقي في كتاب تتمة صيوان الحكمة: «وأقام بالشام عند أمير من أمراء الشام، فأدر عليه ذلك الأمير وأجرى عليه أموالًا كثيرة، فقال له أبو علي: يكفيني قوت يوم وتكفيني جارية وخادم، فما زاد على قوت يومي إن أمسكته كنت خازنك وإن أنفقته كنت قهرمانك١ ووكيلك، وإذا اشتغلت بهذين الأمرين فمن الذي يشتغل بأمري وعلمي، فما قبل بعد ذلك إلا نفقة احتاج إليها ولباسًا متوسطًا.»

ولعل سفره إلى مصر كان في أوائل القرن الحادي عشر الميلادي. ومن المؤلفين من يقول: إن الحاكم بأمر الله هو الذي استدعاه إلى مصر. وكان ابن الهيثم حينئذ يسكن الشام. وفي بعض الروايات أن ابن الهيثم سافر أولًا إلى مصر ولقي الحاكم ثم خاف على نفسه منه، فسار إلى الشام وعاد بعد وفاة الحاكم إلى القاهرة، والرواية الأولى أرجح من الرواية الثانية التي انفرد بها الشهرزوري. وفي مصر كانت حياة ابن الهيثم العلمية وفيها ألفت أكثر مصنفاته. ولا نعرف من تلاميذه غير واحد يعد من الفلاسفة هو أبو الوفاء مبشر بن فاتك من أعيان أمراء مصر، كما جاء في كتاب دي بور. ويذكر ابن أبي أصيبعة أن إسحاق بن يونس المتطبب بمصر له تعليق علقه عن ابن الهيثم في كتاب ديوفنطس في مسائل الجبر؛ وعلى ذلك فإسحاق أيضًا من تلاميذه، وإذا كان ابن الهيثم بصري المولد فقد انتقل إلى الديار المصرية وأقام بها إلى آخر عمره، فلا غرو أن يلقبه صاعد في طبقات الأمم بالمصري.

كان ابن الهيثم — على ضآلة جسمه وقصر قامته — دائم الاشتغال، قوي الذكاء، كثير التصانيف، وافر الزهد، سامي النفس، محبًّا للخير.

منزلته الفلسفية وآثاره

ذكر صاعد في طبقات الأمم ابن الهيثم في المشهورين بإحكام بعض أجزاء الفلسفة ممن اشتهر بعلم حركات النجوم وهيئة العالم، وقال القفطي «صاحب التصانيف والتآليف المذكورة في علم الهندسة، كان عالمًا بهذا الشأن، متقنًا له، متفننًا فيه، قيمًا بغوامضه ومعانيه، مشاركًا في علوم الأوائل.» أما البيهقي فيقول في ترجمته: «الحكيم بطليموس الثاني أبو علي بن الهيثم، كان تلو بطليموس في العلوم الرياضية والمعقولات؛ وتصانيفه أكثر من أن تحصى.»

ويقول ابن أبي أصيبعة: «كان متفننًا في العلوم، لم يماثله أحد من أهل زمانه في العلم الرياضي ولا يقرب منه.»

والشهرزوري يقول: «كان عالمًا بالرياضات والمعقولات، وتصانيفه أكثر من أن تحصى.»

وأقوال العلماء الغربيين في ابن الهيثم تجري على مثل هذا النمط، فيقول “Suter” في مقاله عن ابن الهيثم في دائرة المعارف الإسلامية: «وكان أحد أقطاب الرياضيين والطبيعيين من العرب؛ وكان أيضًا عالمًا بالطب وبسائر علوم الأوائل خصوصًا فلسفة أرسطو». ويذكر دي بور في كتابه «تاريخ الفلسفة في الإسلام» الذي ترجمه الأستاذ محمد عبد الهادي أبو ريده: «ونجد في القاهرة في أوائل القرن الحادي عشر الميلادي (الخامس من الهجرة) رجلًا من أعظم الرياضيين والطبيعيين في العصور الوسطى هو أبو علي محمد بن الحسن بن الهيثم»، ويقول Sarton: «أكبر عالم طبيعي مسلم، ومن أكبر المشتغلين بعلم المناظر في جميع الأزمان، وكان أيضًا فلكيًّا ورياضيًّا وطبيعيًّا وكتب شروحًا عدة على مؤلفات أرسطو وجالينوس.»

ويتبين من ذلك أن الآراء متفقة على أن ابن الهيثم من الطراز الأول بين الرياضيين والطبيعيين في الشرق والغرب، وتكاد تتفق الآراء على أن مرتبته في سائر العلوم الفلسفية دون هذه المرتبة.

ولقد كانت آراء ابن الهيثم الرياضية والطبيعية موضع الدراسة والبحث منذ عهد بعيد. أما مؤلفاته في سائر أجزاء الفلسفة فهي على كثرتها وخطر كثير من موضوعاتها لم تتناولها أيدي الباحثين ولم ينشر منها شيء مترجمًا ولا في لغته الأصلية. ولا يقوم هذا دليلًا على أن فلسفة ابن الهيثم الإلهية وما إليها أقل طرافة وعمقًا من مذاهبه في الطبيعة والرياضة. وليس من الميسور الآن تكوين صورة واضحة مفصلة لآراء ابن الهيثم في المنطق وما وراء الطبيعة والسياسة والأخلاق؛ إذ ليس في متناول أيدينا عن هذه الآراء إلا بعض ما نقله المترجمون له، وإلا إشارات وردت استطرادًا في بعض رسائله الرياضية أو الطبيعية، ومن هذه المصادر القليلة المجملة نستطيع أن نلم إلمامًا بمذاهب ابن الهيثم الفلسفية.

ينقل ابن أبي أصيبعة من خط ابن الهيثم في مقالة له قوله: «إني لم أزل منذ عهد الصبا مرويًّا في اعتقادات هذه الناس المختلفة، وتمسُّك كل فرقة منهم ما تعتقده من الرأي. فكنت متشككًا في جميعه، موقنًا بأن الحق واحد، وأن الاختلاف فيه إنما هو من جهة السلوك إليه، فلما كملت لإدراك الأمور العقلية انقطعت إلى طلب معدن الحق … فخضت لذلك ضروب الآراء والاعتقادات وأنواع علوم الديانات فلم أحظ من شيء منها بطائل، ولا عرفت منه للحق منهجًا، ولا إلى الرأي اليقيني مسلكًا جددًا، فرأيت أنني لا أصل إلى الحق إلا من آراء يكون عنصرها الأمور الحسية وصورتها الأمور العقلية، فلم أجد ذلك إلا فيما قرره أرسطوطاليس … فلما تبينت ذلك أفرغت وسعي في طلب علوم الفلسفة؛ وهي ثلاثة: علوم رياضية وطبيعية وإلهية». وبعد أن عدَّد مصنفاته قال: «ثم شفعت جميع ما صنعته من علوم الأوائل برسالة بينت فيها أن جميع الأمور الدنيوية والدينية هي من نتائج العلوم الفلسفية»، ويقول بعد ذلك: «فإن ثمرة هذه العلوم هو علم الحق والعمل بالعدل في جميع الأمور الدنيوية، والعدل هو محض الخير الذي بفعله يفوز ابن العالم الأرضي بنعيم الآخرة السماوي.»

وهذا الرأي الذي يرد إلى الفلسفة وعلومها كل شئون الدنيا والدين، ويجعل علم الحق وعمل العدل نتيجة لها، ليس هو رأي الفلاسفة الإسلاميين من قبل ابن الهيثم ولا من بعده؛ فإنهم يجعلون علم الحق وعمل العدل شركة بين الفلسفة والدين على نحو يختلف تفصيله باختلاف الفلاسفة، على أن لابن الهيثم كتابًا في إثبات النبوات، وإيضاح فساد رأي الذين يعتقدون بطلانها، وذكر الفرق بين النبي والمتنبي، ولوددنا أن يتسنى الاطلاع على هذا الكتاب لنعرف ما الذي أبقى ابن الهيثم للنبوة بعد أن أعطى للفلسفة ما أعطى.

ولابن الهيثم عناية بالمنطق الأرسطاطاليسي وله فيه مؤلفات لم تصل إلى الباحثين، وهو يعرض في بعض كتبه الرياضية والطبيعية إلى أبحاث تتصل بالمنطق، ففي كتاب المناظر يعني ابن الهيثم بتحليل الإدراك إلى عناصره المختلفة تحليلًا طريفًا؛ ويثير في هذا الكتاب وفي غيره موضوعات جليلة تتعلق بمنهج البحث العلمي واعتماده أولًا على الأمور الحسية وتتعلق بقيمة النظرية العلمية ووظيفتها. وابن الهيثم يطبق المناهج المنطقية فيما يعالجه من الطبيعيات والرياضيات، وقد أشار إلى كثير من ذلك الأستاذ مصطفى بك نظيف في محاضرته القيمة عن «الحسن بن الهيثم والناحية العلمية منه وأثره المطبوع في علم الضوء.»

بقيت ناحية تستحق النظر من نواحي ابن الهيثم: هي الناحية الأخلاقية والسياسية. ولابن الهيثم كتاب في السياسة ذكره ابن أبي أصيبعة في مؤلفاته في أخريات حياته بعد سنة ٤١٩ﻫ، وله في الأخلاق رسالة لطيفة ما سبقه بها أحد على ما جاء في تتمة صيوان الحكمة، وفي كتاب نزهة الأرواح للشهرزوري.

وأساس الأخلاق عند ابن الهيثم إيثار الحق وطلب العلم، والحق ليس هو بأن يدركه الكثير من الناس؛ لكن هو بأن يدركه الفهم الفاضل منهم؛ ولذلك يقول ابن الهيثم على ما نقله من خطه ابن أبي أصيبعة: «فكنت كما قال جالينوس في المقالة السابعة من كتابه في حيلة البرء يخاطب تلميذه: لست أعلم كيف تهيأ لي منذ صباي، إن شئت قلت: باتفاق عجيب، وإن شئت قلت: بإلهام من الله، وإن شئت قلت: بالجنون أو كيف شئت أن تنسب ذلك، إني ازدريت عوام الناس واستخففت بهم ولم ألتفت إليهم، واشتهيت إيثار الحق وطلب العلم، واستقر عندي أنه ليس ينال الناس من الدنيا شيئًا أجود ولا أشد قربة إلى الله من هذين الأمرين». ويكرر ابن الهيثم هذه المعاني في كلامه، ويشير إلى أنه إنما يبتغي من إيثار الحق وطلب إدراك العلم والمعارف النفسية أن يتحقق بفعل ما فرضته عليه هذه العلوم من ملابسة الأمور الدنيوية وكلية الخير ومجانبة كلية الشر فيها؛ ليعتاض عن صعوبة ما يلقاه بذلك مدة البقاء المنقطع في دار الدنيا دوام الحياة منعمًا في الدار الآخرة.

ونجد في بعض ما روى المؤرخون ما يدل على حرص ابن الهيثم على الحق والعدل. وذكر البيهقي أن أميرًا من الأمراء جاء ابن الهيثم متعلمًا فقال له أبو علي: أطلب منك للتعليم أجرة وهي مائة دينار في كل شهر. فبذل ذلك الأمير مطلوبه وما قصر فيه وأقام عنده ثلاث سنين، فلما عزم الأمير على الانصراف قال له أبو علي: خذ أموالك بأسرها فلا حاجة لي إليها، وأنت أحوج إليها مني عند عودك إلى مقر ملكك ومسقط رأسك، وإني قد جربتك بهذه الأجرة؛ فلما علمت أنه لا خطر ولا موقع للمال عندك في طلب العلم بذلت مجهودي في تعليمك وإرشادك. واعلم أن لا أجرة ولا رشوة ولا هدية في إقامة الخير. ثم ودعه وانصرف. وفي ذلك كله ما يشعر بأن ابن الهيثم في مبادئه السياسية والأخلاقية ينزع إلى نوع من الأرستقراطية، يجاوز به تقسيم طبقات الناس بحسب ما يصلحون له من الأعمال في الحياة الاجتماعية إلى الاستخفاف بالعامة وازدرائها. وابن الهيثم يريد بالعامة الذين يزدريهم من ليس همهم الحق والخير فهم يؤثرون على طلب الحق والعدل، ومن أجل ذلك لم يبذل علمه للأمير إلا بعد ما وثق من استهانته بالمال في سبيل طلب المعارف النفسية والعمل بالعدل الذي هو محض الخير. ولابن الهيثم كلمات مأثورة ذكرها البيهقي تدل على نزعاته الأخلاقية منها قوله: «ابذل لمعارفك معروفك وللمستعد علمك واحرس عرضك ودينك»؛ ومنها «إذا وجدت كلامًا حسنًا لغيرك فلا تنسبه إلى نفسك واكتف باستفادتك منه، فإن الولد يلحق بأبيه والكلام بصاحبه، وإن نسبت الكلام الحسن الذي لغيرك إلى نفسك نسب غيرك نقصانه ورذائله إليك.»

وإذا كان الذي أسلفنا من البيان لا يعطي صورة كاملة للمذاهب الأخلاقية والسياسية المدونة في كتابي ابن الهيثم اللذين لم يصلا إلينا، فإن الذي أسلفنا يدل على مبلغ الكمال الخلقي في نفس رجل لا يرى في الحياة غير إيثار الحق والعدل، ولا جرم فقد عاش ابن الهيثم ما عاش جاهدًا في طلب الحق والعمل بالعدل، وإحياء ذكره بعد وفاته بمئات السنين تكريم للمثل الإنسانية العليا في العلم والأخلاق.

هوامش

(١) القهرمان فارسي معرب — وقهرمان الملك أمينه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠