التابعون

(١) توماس بايلي ألدريخ Thomas Bailey Aldrich ١٨٣٦–١٩٠٧

وُلد في بورتسموث، وقال عن نفسه: إنه وإن لم يكن «بوستنيًّا» أصيلًا فهو «بوستني مصفح أو بوستني مطليٌّ.»

مات والده وهو في السادسة عشرة، فحال ذلك دون انتظامه في سلك التعليم العالي، واضطر إلى عمل كتابي في بعض معاهد الأعمال بنيويورك، وأصدر ديوانه الأول وهو دون العشرين، ونضج حين توفر على كتابة القصص الصغيرة، فكانت قصته التالية من ثمرات فنه الناضج وهو في السابعة والثلاثين. وقد كان يراسل صحيفة نيويورك تريبيون من الميدان في الحرب الأهلية، فذاعت شهرته في ميدان الصحافة، ولكنه ثاب إلى مسقط رأسه بوسطون حنينًا إلى ذلك المنشأ الذي كان لا ينساه، وعكف على تحرير مجلتها الأسبوعية المُسَمَّاة «كل سبت» فارتفع شأنها بفضله بين صحافة الأقاليم، وربح من عمله الصحفي وعمله الأدبي قدرًا من المال يَسَّرَ له تحقيق أمنيته من الطواف بالقارة الأوروبية، وقد كتب في بعض فصوله يقول: إن الناس يأخذون الكاتب بأسلوب قصصه وفصوله، فينتظرون منه حديثًا في مجالسه كالأحاديث التي يرويها على قرطاسه، ولكنهم يظلمونه، ولا يحق لهم أن يحاسبوه بهذا المعيار في مجالسه بين صحبه وعشرائه، على أنه لم يكن في الواقع من الكُتَّاب الذين تتفاوت قدرتهم على الكتابة وقدرتهم على الحديث، بل كانت تلازمه في مجالسه هذه اللباقة التي يراها القارئ في القصة التالية التي تدور على خلق شيء من لا شيء، أو خلق قصة بغير حوادث وبغير أبطال، ولهذا استحب صحبته كثير من كبار أدباء عصره، ومنهم مارك توين ولونجفلو ولويل وغيرهم من هذه الزمرة، ولا تخلو قصة له من هذه اللباقة وهذه البراعة «الشخصية الفنية» وإن لم يكن على نصيب كبير من العمق والاستيفاء. ونزعته العامة في فنه وآرائه العامة أقرب إلى المحافظة، مع السماحة في النظر إلى سائر الآراء.

(١-١) مارجوري داو

بقلم: توماس بايلي ألدريخ Thomas Bailey Aldrich

١

من الدكتور ديلون إلى إدوارد دلاني عند الصنوبرات بجوار راي، همبشير الجديدة:

٨ من أغسطس سنة ١٨٧٠

يسعدني يا سيدي أن أؤكد لك أن القلق الذي يخامرك لا يقوم على أساس. إن «فلمنج» سيلازم السرير ثلاثة أسابيع أو أربعة، وعليه أن يحترس أول الأمر في تحريك قدمه، فإن صدعًا من هذا القبيل لمتعبٌ على كل حال، ولحسن الحظ كان الجَرَّاح الذي وُجد في الصيدلية عند نقل «فلمنج» إليها قد أحكم تجبير العظم وأعاده إلى موضعه، فلست أخشى من تخلف أثر دائم لهذه السقطة، إن بنية «فلمنج» تحتمل الصدمة أحسن احتمال، ولكن الحالة النفسية السيئة التي يعانيها تزعجني، وإنه لآخر إنسان بين الناس يطيق أن تُفقد ساقه، وإنك لتعلم خلقه واندفاعه ونشاطه إلى الحركة … وإنه لا يستريح ولا يهدأ إلى أن يهجم إلى غرضه، كالثور الذي يُلَوَّح له بالشال الأحمر. ولا يفارقه مع ذلك لطفه، أما الآن فهذا اللطف قد فارقه والتهب مزاجه. وقد جاءت «السيدة فلمنج» من «نيويورك» حيث تقيم الأسرة للمصيف، كي تمرضه وتشرف على راحته، ولكنه طردها في اليوم التالي، باكية منكسرة، وقد أتينا له بمجموعة كاملة من قصص بلزاك سبعة وعشرين مجلدًا على مقربة من سريره، يقذف بها واتكنز ذلك الرجل الوديع الخدوم، كلما أقبل إليه بطعامه، وقد حملت إليه بالأمس — خالي الذهن — سلة من الليمون، وقد كانت قشرة ليمون كما تعلم هي التي أزلقت قدمه فكسرت ساقه، فما هو إلا أن لمح الليمون حتى ثار ثورة لا أدرك كيف أصفها! وما هذه إلا واحدة من ثورات كثيرة، ولعلها أهونها وأخفها! ويحدث في غير هذه الحالة أن يجلس مطرقًا فيطيل النظر إلى ساقه المكسورة في صمت وحسرة وقنوط، فإذا استولت عليه هذه النوبة — وقد يمر عليه اليوم وهو مأخوذ بها — فلا شيء قط يسري عنه حزنه وانقباضه، فيعاف الطعام، ويعرض عن قراءة الصحف، ولا يشوقه الكتاب إلا أن يكون قذيفة يرمي بها واتكنز؛ فحالته في الواقع مما يستدر الإشفاق.

على أنه لو كان فقيرًا، وكانت أسرته تعوِّل على عمله اليومي، لكان هذا الهياج وهذا القنوط معقولين منه طبيعيين، ولكنهما شنيعان من فتى في الرابعة والعشرين، موفور الثراء، لا يضطلع بهمٍّ من هموم العيش … فإن ظل هكذا مستسلمًا لثورات غضبه فقد يتعرض لالتهاب المفصل الذي كسره. وقد بلغت حيرتي غايتها في علاج أمره، فإني أعرف العقاقير التي تُنيم وتُذهب الألم، ولا أعرف عقارًا يروض مَنْ يتناوله على التعقل وحسن الإدراك، وإن هذه «الوصفة» لفوق طاقتي، فلعلها ليست فوق طاقتك؛ إذ أنت صديقه الحميم وموضع سره، فاكتبْ إليه، اكتب إليه بلا انقطاع، وأدخل إلى قلبه السرور، واحمه أن يصبح فريسة دائمة لآفة السوداء، ولا يبعد أن يكون في نيته بعض الخطط التي عاقتها هذه الصدمة، فإن كان ثمة خطة كهذه فإنك لخليق أن تعلمها، وتعلم كيف تسدي إليه النصح في هذه المحنة، وأحسب أن أباك يرى من الخير ما حدث من تغيير، وإنني يا سيدي مع احترامي وتحياتي … إلخ. إلخ.

٢

من إدوارد دلاني إلى جون فلمنج وست شارع ٣٨ نيويورك:

٩ من أغسطس
عزيزي جاك

وصلت إليَّ هذا الصباح بضعة سطور من ديلون، وسرني أن إصابتك لم تكن من الخطر بحيث توهمت من الخبر، وإنك لست كبعضهم على ما تصبغ به صورتك من سواد، وسيردك ديلون كما كنت خلال أسبوعين أو ثلاثة أسابيع إذا اعتصمت بالصبر واتبعت وصاياه، هل وصلت إليك كلمتي يوم الأربعاء الماضي؟ لقد أزعجني كثيرًا سماعي بالحادث الأليم!

وإنني لا أستطيع أن أتخيلك في سكينتك وقد اشتد وثاقك في الجبائر والضمادات، وإنه لفساد ذوق أن يحدث هذا ونحن نمني نفسينا بشهر ممتع على الشاطئ، ولكن علينا أن نتلقاه بما يستطاع من احتمال، وإنه لمن عثرات الحظ مع هذا أن تسوء حالة أبي فيتعذر عليَّ أن أفارقه على هذه الحالة، وأحسب أنه قد تقدم كثيرًا لأن هواء البحر يوافق تكوينه، ولكنه لا يزال بحاجة إلى ذراعي يعتمد عليها، وإلى إنسان يُعنى به فوق عناية الخدم، فليس في وسعي أن أخفَّ إليك أيها العزيز، إلا أنني في سعة من الوقت للكتابة إليك، وفي ميسوري أن أواليك بمكتب بريد كامل إن كان في ذلك ما يسري عنك ويسليك.

والله يعلم أنني لا أجد هنا ما يستحق أن يُكتب عنه، فليس الأمر هنا كما تعهد في مساكن الشاطئ، فكنت أكتب لك عن أنماط من الشخصيات وألوان من الناس، وأفعم خيالك بطوائف من ربات البحر ذوات الغدائر السود أو المذهبات، رفافات على الظهور والأكتاف، وأريك «أفروديت» نفسها في كسوة الصباح، وفي حلة المساء أو لباس الحمام، إلا أننا بعيدون — جد بعيدين — من هذه المناظر وأشباهها، وكل ما لدينا حجرات في بيت من بيوت الريف على مفترق الطرق، وعلى بعد ميلين من الفندق، نعيش على أتم هدوء وفراغ.

وليتني كنت من كُتَّاب القصص؛ إذن لكان لدينا مجال لكتابة قصة صيفية في هذا المأوى العتيق بأرضه الرملية، ووزره العالي، ونوافذه الضيقة مشرفة على وشائج الصنوبر التي تحيل أغصانها كلما هبت الريح أوتارًا تعزف عليها، ومن حقها أن تكون قصة تعطرها أنفاس الغاب ونسمات الأمواج، من حقها أن تكون قصة من قصص ذلك الروسي، وما اسمه على فكرة؟ تارجنيف، تويرجنيف، تيرجنيف؟ مَنْ يدري كيف يتهجون حروفه؟!

وأثوب إلى نفسي فأقول: ترى هل يستطيع أحد وإن كان ليزا أو ألكسندرا باولوفا أن يشجي قلب رجل تَنْكَؤه وخزات ساقه هنيهة بعد أخرى؟! هل تستطيع فتاة من فتياتنا على أحسن نماذجهن من الخيلاء والرشاقة أن تسليك فيما أنت فيه من شجن وأسى؟! لو أمكن هذا لبادرت إلى الفندق واصطدت واحدة منهن أو عثرت عليها هنا أو هناك!

مَثِّل لنفسك بيتًا كبيرًا مواجهًا لكوخنا على مفترق الطريق، واعلم أنه ليس بالبيت لأنه أحق أن يُسَمَّى القصر أو الإيوان، قد شُيِّدَ على ما أظن في حقبة من حقب الاستعمار، فاتسعت رحابه، وارتفعت سقوفه، وأحاطت به الأفاريز الفساح من جهات ثلاث: بناء فخور معتد بذاته يضرب بأنفه في السماء، وينتحي جانبًا من الطريق، وتحف به أشجار الدردار والبلوط والصفصاف … ويحدث أحيانًا في الصباح وأكثر من ذلك في المساء، عند انحسار الشمس عن ذلك الجانب من القصر، أن تخرج إلى الإفريز امرأة فتية، بيدها نسيج تعمل فيه أو كتاب، وهنالك أرجوحة من أغصان الأناناس نبصرها من هنا، وإن الأرجوحة لجد لائقة بالفتاة في الثامنة عشرة، وبالغدائر الذهبية والعيون السود والثياب الهفهافة الزمردية، من طراز الحسان المصورات على خزف درسدن، كأنهن حسان عصر لويس الرابع عشر، وكل هذه الملاحة تذهب إلى الأرجوحة، وتترنح جيئةً وذهابًا، كأنها ريحانة الأصيل ترف على الغدير … وتطل النافذة على ذلك الإفريز، وأطل أنا كذلك!

وبعد، فكفى هذا الهراء الذي لا يجمل بشاب من زمرة رجال القانون يصاحب أباه الشيخ المريض في إجازة الصيف، أرسل إليَّ سطرًا أيها العزيز جاك، وقُلْ لي كيف أنت … صِفْ لي ما تعانيه، وأسهب في هدوء، وحذار أن تسب أو تثور، فأستعدي عليك القانون!

٣

من جون فلمنج إلى إدوارد دلاني:

١١ من أغسطس

كان خطابك يا عزيزي «نيد» نجدة سماوية، وتصور حِلْس فراش مثلي لم يعرف «يوم مرض» قط منذ وُلد! إن ساقي اليسرى لتزن ثلاثة أطنان، وإنها لملفوفة بالكتان والتوابل كأنها الموميا، ولا قِبَل لي بالحركة، فما تحركت منذ خمسة آلاف سنة، من زمان الموميات على أيام فرعون!

إنني أرقد من الصباح إلى المساء على كرسي طويل أحملق في الشارع الساخن، وكل أحد ما عداي خارج من داره يروح عن نفسه، ويخيل إليَّ أن البيوت التي تلقاني بوجهها الحجري الداكن من جانب الشارع الآخر توابيت أضرحة مرصوصة أمامي، ويسفو التراب على الألوح التي نُقشت عليها أسماء المنتقلين إلى رحمة الله، وتنسج العناكب الساخرة خيوطها على ثقوب الأقفال، وكل ما تراه صمت وتراب وخراب. وأقطع الحديث الآن لأحيي واتكنز بالجزء الثاني من «قيصر بيروتو»؛ أخطأته، وإخال أنني أستطيع أن أصيبه بنسخة من سان بيف أو القاموس العام لو وجدته، فهذه الكتيبات من قلم بلزاك لا تناسب كفي، ولكنني مستهدفه مهما يكن من الأمر.

ويخطر لي أن واتكنز يداعب مخزن الشيخ بما فيه من ودائع الخمور … إن نوتة الشتاء تحتل المنظر أمامي، وإن خوفو الفتى في الدور الأعلى مشتمل بقماطه، وإن واتكنز لينتقل إلى حجرتي بسحنته الشاحبة المنافقة، مسحوبة كمنفاخ «الأكرديون»! وإنني لأعرف أنه يبتسم طول الطريق على السلالم مسرورًا بانكسار ساقي. ألم يكن كوكب نحسي في أوجه ساعة هرولت إلى المدينة لأحضر العشاء في مطعم دلمنيكو؟ إنني لم آت المدينة لهذا، وما كان لي مأرب إلا أن أشتري فرس لفنستون الكميت، وهأنذا مقيد دون الوثوب على السرج شهرين، وسأرسل إليك الفرس بعنوان الصنوبرات، أليس هذا هو اسم المكان؟!

إن الشيخ ديلون يخال بي مسًّا من الجنون، وهو الذي يجنني بليمونه، وتصور مصابًا بعقله يعالج بالليمون!

هذيان! وما بي إلا القلق — قلق الشيطان — في هذه القيود والقماقم! وما كان هذا مما تعودت يومًا من الأيام، وما ظنك بإنسان لم يعرف صداعًا ولا وجعًا في سن مدى حياته، يلفى نفسه مغروسًا في حجرة بالمدينة أسابيع، وهو يستقبل لفحات الهواء الحار؟! أتظنك تراه مبتسمًا متنعمًا سعيدًا كما يرام؟! خرافة لا تعقل، وما أنا بمطيق أن ألوذ بالسكِينة والاطمئنان!

إن خطابك أول شيء فيه عزاء وجدته منذ نَكْبتي قبل عشرة أيام، لقد استنهضني إلى السرور نحو نصف ساعة، أرسل إليَّ رقعة كلما استطعت، وكل شيء يغني إن كنت تحبني، وزدني من أخبار الفتاة في الأرجوحة، فقد كان كل أولئك ظريفًا منك حقًّا: كان ظريفًا تشبيهك لخزف درسدن وريحانة الغدير، ولعل التشبيه مختلط بعض الاختلاط إلا أنه طريف، ولا أظن لديك أثاث «فنان عاطفي» في الدور الثاني، وذلك يدل على أن المرء قد يألف حجرة الاستقبال في دار صاحبه سنوات، ولا يدري ما تحت سقفه الأعلى، وإخال أن علوك مشحون بالأوراق القضائية الجافة، وأسانيد الرهون والإقرارات، وتتلقف ثمة رزمة من المخطوطات … فماذا ترى؟ ترى ثمة قصائد وأغاني وموشحات، وإنك حقًّا لصاحب ملكة فنية قادرة على الوصف يا إدوارد دلاني … و«أتهمك» أنت بتأليف تلك القصص الغرامية التي تنشرها المجلات بغير إمضاء …!

سأستوحش كالدب إلى أن أتلقى منك خبرًا آخر، فأخبرني عن صويحبتك المجهولة على عرض الطريق؛ ما اسمها؟ مَنْ هي؟ مَنْ أبوها؟ أين أمها، مَنْ عشيقها؟ إنك لا تستطيع أن تتخيل كم أجد في هذا وأشباهه من تزجية فراغ، وكلما زادت تفاهته زاد حسنه! وإن اعتقالي قد أوهن ذهني فأحسست أن ملكاتك الكتابية ذات بال، وأنني لأنمو إلى طفولتي الثانية، ولن يمر بي أسبوع أو أسبوعان حتى أُشْغل بخواتم المطاط ولعب المرجان … ولتكونن كأس من الفضة عليها نقش مناسب تحفة لطيفة من عنايتك، واكتب مع هذا قبل كل شيء.

٤

١٢ من أغسطس

سوف يتسلى الباشا المريض، باسم الله، إنه يأمر بهذا، فإذا أسرف القصاص في الثرثرة المملة، فغِرارة وحبل ونوبيان ورمية إلى البحر تجعله طعامًا للأسماك، لكن الحق يا جاك أن مهمتي عسيرة، وليس لدي هنا شيء إلا حكاية تلك الفتاة على عرض الطريق، إنها تترنح في الأرجوحة هذه اللحظة، وإنه ليعوضني عن كثير من خسائر الحياة أن أراها حينًا بعد حين قد لبست حذاءها الذي يلائم قدميها ملاءمة القفاز للكفين، ثم تنطلق لشأنها، مَنْ هي؟ وما اسمها؟ إن اسمها داو، وهي البنت الوحيدة للمستر ريشارد، وداو الضابط السابق والمصرفي الآن، أمها ميتة، لها أخ بجامعة هارفارد، وأخ أكبر منها قُتل بمعركة «فير أوكس» منذ تسع سنين، وأن الداوين هؤلاء قوم أغنياء، وهذه هي الدار التي يقضي فيها الأب وبنته ثمانية شهور من الاثنى عشر، وأما بقية السنة فتُقضى في بلتيمور وواشنطون … وشتاء نيوإنجلاند كثير على الشيخ الكبير! وتُسَمَّى الفتاة مارجوري، مارجوري داو؛ اسم يرن في الأذن غريبًا لأول وهلة، أليس كذلك؟! لكنك بعد أن تكرره بين شدقيك ست مرات أو نحوها تألفه وتحبه، ففيه رقة لذيذة، فيه شيء من الأناقة ونفحة بنفسجية، ولا بد أن تكون فتاة ظريفة كي تُدعى مارجوري داو!

لقد كان مضيفنا في الصنوبرات شاهد القفص أمام محكمتي الليلة الماضية، ومنه سمعت هذه الشهادة، إنه كان وكيلًا على حديقة الخضر التي يملكها مستر داو، وله علم بشئون الأسرة كافة خلال هذه السنين الثلاثين، وغنيٌّ عن القول أنني سأتعرف إلى جيراني خلال بضعة أيام، فلعله يقارب المستحيل قليلًا ألَّا ألتقي بمستر داو والآنسة داو في بعض منازهي ورياضاتي، والفتاة تتخذ لها ممرًّا مختارًا إلى الشاطئ، وسأعترضها يومًا وألمس لها قبعتي، فتحييني الأميرة تلك اللحظة برأسها الجميل تحية دهشة لا تخلو من ترفع! وستصدمني في الواقع، وكل هذا من أجلك يا عزيزي الباشا. فما أعجب ما تحدث الأمور! قبل عشر دقائق دعيت إلى الردهة، ولا تجهل أنت الردهات في منازل الريف على الشاطئ، فإنها على نوع ما بحرية برية، إن صح هذا التعبير، وفيها الصدف موضع المدفأة، وأغصان «التنوب» موضع المدخنة، وثمة وجدت أبي ومستر داو يتبادلان إيماءة التحية والمجاملة على النهج القديم، لقد جاء يقدم احترامه إلى جيرانه، وهو رجل طوال نحيف يناهز الخامسة والخمسين بوجه أزهر، وشارب مبيض كالثلج، وعوارض على الخدين، ويشبه مستر دومبي، أو يشبه مستر دومبي لو أن هذا قضى سنوات في الجيش البريطاني، لقد كان مستر داو ضابطًا برتبة العقيد في الحرب الأخيرة، يقود الكتيبة التي كان فيها ابنه برتبة ملازم. يا له من فتى شجاع في شيخوخته! كأنما نُحتت فقاره من صخرة همبشير الجديدة، وقد أنهى إلينا قبل مبارحته أمرًا كالأمر العسكري بالحضور في الساعة المعينة لتناول الشاي، وسيحضر الدعوة معنا طائفة من أصدقاء الآنسة داو نحو الساعة الرابعة ليلعبوا الكروكي على الساحة، ويشربوا الشاي «البارد» على الإفريز، أترى أن نشرفهم بحضورنا؟ إن أبي يعتذر بالمرض، وابن أبي ينحني بما في وسعه من حركات التحية والعرف ويتقبل الدعوة!

وفي خطابي التالي فرصة للإفاضة في الحديث؛ إذ أكون قد لاقيت الجميلة الصغيرة وجهًا لوجه، إن قلبي يحدثني سلفًا يا جاك، وأزعم أن هذه الداو طير نادر يا صاح، ادخر نشاطك يا بني حتى يأتيك خطابي التالي، واكتب لي بإسهاب عن ساقك أيها العزيز.

٥

من إدوارد دلاني إلى جون فلمنج:

١٣ من أغسطس

لقد كانت الصحبة على أتم ما يكون من الكآبة؛ ملازم من البحرية وقسيس من الكنيسة الرسولية في ستيل واتر، وجلس مجتمع من ناهانت، ويلوح الملازم كأنه قد ابتلع زوجًا من أزراره وأحس بعسر الهضم بعد ابتلاعها، وقسيس الكنيسة فتى متأمل مفكر من زمرة المتوقرين، وجلس المجتمع أهزل من موجة الجزر الضعيف! أما النساء فأحسن كثيرًا من ذاك: الآنستان كنجزبري من فلادلفيا نازلتان بفندق الشاطئ، وهما فتاتان جذابتان، ولكن ما القول في الآنسة داو يا ترى؟

لقد انفض الرهط على الأثر عقيب تناول الشاي، وبقيتُ لأدخِّن سيجارًا مع العقيد على الإفريز، وكان نظري للآنسة كأنما أنظر إلى صورة متحركة، وهي تحوم حول الجندي العتيق وتؤدي له مئات من التوافه الجميلة! جاءت بالسيجار وأشعلته بأصابعها اللطاف، بأسلوب غاية في الأناقة والرقة الساحرة، وكانت تذهب وتعود في نور الشفق الصيفي، كأنها في ثيابها البيض وشعرها الذهبي طيف تولد من لفائف الدخان، ولو أنها تبخرت هواء كما يقال عن تمثال غلاطية في المسرحية، لكان في هذا ما يُحزن، ولم يكن فيه ما يُستغرب.

ومن اليسير أن نلحظ من النظر إليهما أن أباها الشيخ يعبدها، وأنها هي تعبد أباها الشيخ، ويخيل إليَّ أن الصلة بين أب متقدم في السن وفتاة تزدهر في مطلع الأنوثة أجمل ما يكون من الصلات، لأنها تنطوي على عاطفة خفية لا تُحس في صلة الأم بالبنت أو صلة الابن بالأم … لكننا نغوص الآن في العميق!

بقيت مع الداوين إلى منتصف الحادية عشرة، وشهدت القمر يطلع على الأمواج، وإذا بالمحيط الذي يمتد في ظلامه الهادئ حيال الأفق كأنما تحول بسحر ساحر إلى ميدان متألق من الثلوج المتكسرة، تتخلله خلجان فضية باهرة، وعلى البعد جزائر شول تتبلج كأنها التلال الثلجية مقبلة علينا، مناظر القطب في منتصف الطريق! يا له من جمال يفوق وصف الواصفين!

فيمَ ترانا نتكلم؟ نتكلم عن الجو … وأنت ماذا لديك؟ لقد كان الجو على غير المرام في الأيام الأخيرة، وكذلك كان الجو عندكم، وهأنذا منزلق من حديث إلى حديث بغير كلفة، وقد أخبرت أصحابنا بحادثتك، وأخبرتهم كيف أنها نكثت غَزْلَنا للصيف كله، وماذا كان من ذلك الغَزْل المأمول، وعزفت على المفصل نشيدًا أحاديًّا يروق ويشوق، ثم وصفتك أو على الأصح لم أصفك، بل تكلمت عن ظرفك، وعن صبرك وطول أناتك، وعن شكرك الأخاذ للدكتور ديلون كلما ألطفك بهداياه من الفواكه والثمار، وتكلمت عن حنانك مع أختك «فاني» التي لم تسمح لها بالبقاء معك في المدينة لتمريضك، وكيف أعدتها — ببطولة — إلى نيوبورت، وآثرت المقام مع ماري الطاهية وواتكنز خادمك الأمين. ذلك الواتكنز الذي تعطف عليه وتواليه! ولو أنك كنت معنا إذ تكلمنا عنك يا جاك لما عُرف عَمَّنْ نتكلم، ولعلني كنت أفلح في المحاماة عن الجناة لو لم يتجه بي الاختيار إلى فرع آخر من فروع القانون.

وسألتْ الآنسة مارجوري ألوانًا من الأسئلة «الرئيسية» عنك وعن أحوالك، ولم أفهم تلك الساعة كما فهمت بعدُ أنها كانت معنية بالحديث، فلما عدت إلى حجرتي تذكرت كيف كانت تقبل مهتمة متطلعة بجيدها الناصع في ضوء القمر مصغية لما أقول، ويبدو لي أنني قد جعلتها تميل إليك!

إن الآنسة داو بنت تعجبك كثيرًا، ولا أكتمك القول: جمال بغير تكلف، وخلق رفيع حنون إذا كانت الأرواح تُقرأ من صفحات الوجوه … وكذلك يبدو على العقيد الشيخ أنه إنسان نبيل.

وإنني لمغتبط أن أجد الداوين بهذا اللطف والدماثة، فإن الصنوبرات مكان موحش، وذخيرتي جد قليلة، وقد كان يوشك أن أمِلَّ المقام هنا بغير صحبة غير صحبة السيد الوالد الجليل، وصحيح أنني كنت خليقًا أن أتخذ من الشيخ المريض الأعزل … ولكنني لا أهوى المدفعية كما تعلم … أنا؟ حاشاي!

٦

من جون فلمنج إلى إدوارد دلاني:

١٧ من أغسطس

كثير على رجل لا يهوى المدفعية مثلك أن يحتفظ بهذه النار التي يصميني بها من الداخل، لكن تقدم … إن التهكم الساخر درع نحاسية صغيرة قد تتصدع وتتشظى وتقتل المدفعي الذي يحتمي بها!

ولك أن تنحي عليَّ كما تشتهي، وليس لي أن أشكو؛ إذ لا أعلم ماذا كنت صانعًا لولا رسائلك، إنها تداويني، ولم يحدث منذ الأحد الماضي أنني قذفت واتكنز بكتاب واحد: من جهة لأنني تقدمت في اللطافة والمسامحة بفضل تعليماتك، ومن جهة أخرى لأن واتكنز قد استولى على ذخيرتي ذات ليلة، وأعادها إلى المكتبة، وإنه ليتناسى على عجل تلك العادة التي تعودها؛ إذ يقفز جانبًا كلما رفعت يدي إلى أذني، أو حركت ذراعي اليمنى أقل حركة! غير أنه لا يزال يوحي إلى الناظر علاقته بمخزن القوارير … ولك أن تحطم واتكنز أو تمزقه، إلا أنك لن تفقد من حول شظاياه رائحة الشراب!

ند …! إن الآنسة داو تلك — لا بد — شخصية ساحرة، وأود لو أنني أعجب بها، وقد أحسست بشيء يجذبني إليها؛ إذ قرأت كلامك عن الأرجوحة في رسالتك السابقة، ولست مستطيعًا أن أعلل ذلك أي تعليل، وجاءت أحاديثك عنها بعد ذلك فزادت عندي ذلك الإحساس، وتوهمت أنك تكلمني عن امرأة رأيتها في حياة سابقة، وأؤكد لك أنك لو بعثت إليَّ بصورتها الشمسية لميزتها بلمحة واحدة، فعاداتها في الكلام والحركة، وهيئتها وهي مقبلة بجيدها، وشمائلها على الإجمال — كما تنم عليها أحاديثك — كل أولئك من المألوفات لدي، أسألتْ كثيرًا كما تقول؟ أتتشوفُ إلى أخباري؟ إن هذا لعجيب!

وإنك لتضحك في كمك أيها المتهكم الساخر الخبيث، تضحك في كمك؛ إذ تسمع أنني أطوي الليل يقظان وقد أصبح نور مصباحي كوميض النجم البعيد، مفكرًا في الصنوبرات والإيوان على عرض الطريق! ما أبرد النسيم هنالك فيما أتخيل، وما أشوقني إلى نفحة الملح في الهواء!

أصور لنفسي العقيد الشيخ يدخن سيجاره في الإفريز، وأبعث بك وبالآنسة داو معك في جولات على الشاطئ، وأدعك أحيانًا تدلف معها في القمراء تحت الشجر، فإنكما الآن لصديقان حميمان ولا شك تتلاقيان كل يوم! وهل أجهل أساليبك ووحائدك؟!

ثم أرتد إلى غاشية من غواشي القلق فأود أن أبطش بأحد من الخلق، وأن أسألك: أشعرت بأحد قط يحوم حول الحمى؟! أيكثر ذلك الملازم البحري أو ذلك القسيس من زيارة الدار؟ لا أسأل هذا لأنني أذوب شوقًا إلى خبرٍ عنهما، وإنما الخبر عنها على ما أرى مِمَّا ينتظم في هذا السياق.

وأعجب لك أنك لم تتعلق بهوى الآنسة يا ند، وأما أنا فقد نضجت عندي الرغبة في غرامها، وقد أشرت آنفًا إلى الصور الشمسية، فهلا استطعت أن تحتال على اختلاس بطاقة من مجموعتها؟ لا شك أنها تحتفظ بمجموعة صور، وإنني لواعدك أن أعيد الصورة إليك قبل أن تفطن لغيابها.

هل وصلت الفرس سليمة آمنة؟ لتكونن في الموسم المقبل علمًا من أعلام سنترال بارك!

آه يا ساقي …! لقد نسيت ساقي …! إنها الآن أحسن ولا تزال تتحسن.

٧

من إدوارد دلاني إلى جون فلمنج:

٢٠ من أغسطس

أنت على صواب في تخميناتك، فإني وجيراني لعلى أحسن صلات المودة، والعقيد وأبي يدخنان سجارَيْهما عندنا أو في الإفريز المقابل لنا، وأنا أقضي ساعة أو ساعتين كل يوم في صحبة الفتاة، وتزيدني الأيام تقديرًا لجمالها ووداعتها وذكائها!

وتسألني ما بالي لم أتعلق بغرامها؟! وسأصارحك يا جاك دون مواربة، فقد فكرت فيما سألتني عنه، وإنها لشابة وغنية ومهذبة، ولها من الشمائل العقلية والشخصية ما لست أذكر له نظيرًا في جميع مَنْ عرفت من الفتيات، إلا أنها تعوزها تلك الخصلة التي لا بد منها عندي لاستثارة ذلك الضرب من الشعور في نفسي، وكل مَنْ أَعْوزَتْها تلك الخصلةُ المجهولة، لن يكون في وسع الجميلة أو الغنية أو الفتية أن تُسْلِمني إلى هواها!

إلا الآنسة داو، فلو أن سفينة جنحت بنا معًا إلى جزيرة خالية ولتكن من جزائر خط الاستواء التي لا تزدان شواطئها بالصور والمناظر؛ لبنيت لها خصًّا من ألفاف الشجر، وقطفت لها الغذاء من الجوز والفاكهة، وشويت لها الثمر الشهي، واستغويت السلحفاة الأريبة فطبخت لها حساء منها … ولكنني لا أعشقها ولا أكاشفها بأناشيد الغزل والهيام، ولو مضى علينا عام ونصف عام، ويشوقني أن أتخذ منها أختًا أحميها، وأبذل لها النصح والمشورة، وأنفق نصف دخلي على أثمان الأنسجة من المخرمات ووبر الجمال، ولكننا الآن لا نزال على بعد من تلك الجزيرة عند خط الاستواء!

ولو لم يكن هذا شعوري لكان هناك عائق آخر دون غرامي بالآنسة داو، فلا مصيبة في رأيي أعظم من مصيبة العاشق الذي يهواها، وسأكشف لك يا فلمنج عن أمر يدهشك إذ تعلمه! وقد أكون على خطأ في مقدماتي، وعلى خطأ في نتائجي، ولك أنت أن تحكم على هذا وذاك.

إنني ليلة عدت إلى حجرتي بعد الانتهاء من لعبة الكروكي عندهم، واستعدت في ذاكرتي ما كان من انتباه الآنسة لحديثي وأنا أتكلم عنك، «وأظنني ذكرت ذلك.» في صباح تلك الليلة لدن ذهابي إلى مكتب البريد، لقيت الآنسة داو في الطريق وصحِبْتُها ذهابًا وجيئة نحو ساعة، فدار الحديث عنك مرة أخرى، وعدت مرة أخرى ألمح ذلك الانتباه على وجهها، وتكرر لقاؤنا عشر مرات، فكت أرى أنني لا أسترعي منها انتباهًا إذا لم يكن حديثنا عنك أو عن أختك أو عن شأن من شئونك، وإنها كانت تشرد بفكرها بعيدًا من حديثي إليها، وتلعب بصفحات الكتاب في يدها على نحو يقنعني بانصرافها عن الإصغاء إليَّ … وجربت في هذه الأحوال غير مرة أن أغير موضوع الحديث وأومئ إلى صديقي فلمنج، فإذا بالعينين الزرقاوين تقبلان عليَّ توًّا، وإذا هي مقبلة على الإصغاء!

فالآن ألا ترى ذلك من أعجب الأمور؟ كلا إنه ليس بالأعجب، فإن وصفك لما سرى إلى نفسك لمجرد الإشارة إلى فتاة غريبة تجلس في أرجوحة لا يقل عجبًا عن ذاك، ولك أن تخمن كيف كان إجفالي حين عبرت في خطابك يوم الجمعة تلك الفقرة، فهل من الممكن أن يفترق اثنان على مدى مئات الأميال ثم يكون لكليهما من الإيحاء المغناطيسي إلى الآخر مثل هذا الأثر؟! لقد قرأت عن أشباه هذه الظواهر النفسية، ولكنني لم أصدقها، وإني لتارك لك حل هذه المشكلة، أما أنا فمن المستحيل عليَّ — وإن توافرت كل الظروف الأخرى — أن أحب فتاة لا تصغي إلى حديثي إلا إذا دار هذا الحديث على صديقي.

ولم ألاحظ أن أحدًا يبدي اهتمامًا خاصًّا بجارتنا المليحة، فملازم البحرية — وهو مقيم في ريفرموث — يأتي مساء بعد مساء، والقسيس يأتي أحيانًا، ولكن زيارات الملازم أكثر، وقد كان هناك بالأمس، ولا يدهشني أن تكون له عين على الفتاة الوارثة، إلا أنه غير خطر، ومن عادة الآنسة أن تصوب سهام سخرية من حين إلى حين، ومن السهل على الملازم كما يظهر أن يتدرع لتلك السهام!

وأقول مرةً أخرى: إنه ليس بالخطر، وإن كنت قد عرفت امرأة تسخر من رجل بضع سنوات ثم تنتهي بالسخرية إلى الزواج! ومن المحقق أن القسيس الكئيب ليس بذي خطر، وإن كنت أعود فأقول أيضًا: إن البعيد قريب، وإن القريب بعيد في هذه الأمور.

أما الصورة الشمسية، ففي حجرة الاستقبال عند المدفئة صورة صغيرة، يلاحظ اختفاؤها بنظرة واحدة لو أخذتها، وسأعمل كل ما هو معقول من أجلك، ولكنني لا أحب أن أمْثُل بين يدي المحقق هنا متهمًا بالسرقة!

استدراك؛ مع هذا زهرات من الخُزَامَى أرسلها إليك، وأنصح لك بالرفق في تناولها، لقد عدنا إلى الحديث عنك أمس على حسب العادة، وقد أوشك هذا أن يملني بعض الإملال.

٨

من إدوارد دلاني إلى جون فلمنج:

٢٢ من أغسطس

شغلني جوابك طول الصباح، ولست أدري ماذا أفهم؟! فهل تعني أنك جاد حين تقول إنك تكاد تعشق الفتاة التي لم تبصرها مرة من قبل؟! أتعني أنك مغرم بظل أو بخيال؟! وإلا فماذا تكون الآنسة داو بالنسبة إليك غير هذا أو ذاك؟!

لست أفهمك أنت ولست أفهمها هي … كلاكما كائن أثيري يحوم في جو ألطف وأشف من هذا الجو الذي تطيقه رئتاي الدارجتان، ومثل هذا اللطف الشفاف قد أعجب به، ولكنني لا أفهمه، وإنني لفي حيرة، فنحن جميعًا أرضيون من الأرض، ولكن أراني بينكما أعيش في عالم الأرواح، وأخشى عليكما أن أصدمكما بكثافتي الخرقاء! إنني الفدم كليبان بين الأطياف.١

وإذا تأملت خطابك لم أجد من الحكمة أن أثابر على هذه المكاتبة … لكن لا يا جاك، فإنه لمن الخطأ أن أستريب بالجانب المعقول منك في هذه القصة، إنك شغلت اهتمامك بالآنسة داو، وتحس أنها إنسانة قد تعجب بها كثيرًا إذا رأيتها، ثم تظن مع هذا أنك على احتمال عشرة إلى خمسة قد تراها دون ما تصورت بكثير، ولا تكترث لها بعد ذلك أقل اكتراث، فانظر إلى المسألة بهذه العين، ولن تراني أخفي عنك أمرًا من الأمور.

ركبنا أصيل أمس أنا ووالدي مع الداوين إلى ريفرموث، وكان المطر الغزير في الصباح قد لطَّف الهواء ووطأ ثائرة التراب، والطريق إلى ريفرموث قرابة ثمانية أميال تتلوى وتحف بها الأعشاب والشجيرات من جانبيها، وما وقعت عيني قط على منظر أبهر من هذه الشجيرات واخضرار ورقها مع احمرار التوت عليها، ونضرة ألوانها نقية مطلولة بعد مطر الصباح، وكان العقيد يسوق المركبة، وإلى جانبه أبي، وكنت والآنسة داو على المقعد الخلفي، واعتزمت ألا أذكر اسمك في الأميال الخمسة الأولى، وسلاني أن أتعقب محاولاتها اللبقة لإغرائي بالحديث المعتاد، ثم صمتت، ثم عادت فجأة تطرب وتمزح، ولم توفق في توجيه هذه اللباقة إليَّ توفيقها حين توجهها إلى العقيد الشيخ، وإن الآنسة داو لحلوة المزاج، ولكنها تستطيع أحيانًا أَلَّا تروق وتُرضِي، وهي كالفتاة التي يُقال عنها في الأغنية: «إنها طيبة طيبة طيبة حين تكون طيبة، وإنها لمزعجة حين لا تكون …»

وأصررت على عزيمتي، ثم لنت بعض الشيء في العودة، وبدأت الحديث عن فرسك، وهي تهم بتجربة سرج جديد عليها، وهذه الفرس خفيفة بالنسبة إلى وزني، وعلى فكرة: إن الآنسة داو جلست للتصوير أمس في ريفرموث، فإذا جاءت الصورة حسنة أخذت منها، ونصل من ثَمَّ إلى المقصود بغير حاجة إلى جريمة، ووددت لو تسنى لي أن أرسل إليك صورتها بحجرة الاستقبال، فإنها جميلة التلوين تريك مثال شعرها وعينيها، مما لا يظهر في الصورة الشمسية!

لا يا جاك، الخزامى ليست مني، ورجل في الثامنة والعشرين لا يودع رسائله إلى رجال آخر هدية من الزهرات، ولكن لا تبالغ في تفسير مدلولها، فهي تهدي الخزامى إلى الملازم، وتهديها إلى القسيس، واتفق يومًا أنها أهدت وردة من صدرها إلى عبدك، فمن سجاياها المرحة أنها توزع الزهر كالربيع.

إذا لاحظت على رسائلي بعض التفكيك والاقتضاب، فاعلم أنني لا أكتبها في جلسة واحدة، وإنما أكتبها الفينة بعد الفينة كلما تهيأ المزاج.

والمزاج الآن لا يريد أن يتهيأ.

٩

من إدوارد دلاني إلى جون فلمنج:

٢٣ من أغسطس

عدت اللحظة بعد أعجب محادثة مع مارجوري، كادت تعترف لي بشغلانها بأمرك، ولكن بأي حياء وأي وقار؟!

إن كلماتها تروغ من قلمي إذ أحاول أن أسطرها على الورق، والحق أن أسلوب القول — لا الكلمات المقولة — هو الذي يسترعي السمع والنظر، وليس في مقدوري تسطير ذلك الأسلوب!

وربما جرى هذا الكلام مجرى القصة كلها من الغرابة، فتبوح الفتاة تلويحًا — لا تصريحًا — لإنسان ثالث بحب الإنسان الذي لم تره قط قبل الآن!

غير أنني فقدت — بفضل معونتك — ملكة الاستغراب، ولا أنظر إلى الأمور إلا كما ينظر الناس إلى ما يشاهدونه في الأحلام! أما وقد رجعت الساعة إلى حجرتي فالمسألة تعاودني كالوهم البعيد! وهذه الظلال الوارفة واليراعات الرفافة ترقص حول أشجار التوت، وهذه مارجوري جالسة في الأرجوحة؛ أوهام في أوهام!

جاوزت الساعة منتصف الليل، ويغالبني النوم فلا أطيق الاسترسال في الكتابة.

صباح الخميس

سنح لوالدي فجأة أن يقضي أيامًا على البحيرات، وسيمضي وقت قبل أن يصل إليك خبر مني، أرى مارجوري تتمشى في الحديقة مع أبيها، وودت لو كلمتها على انفراد، وربما فاتتني الفرصة قبل الرحيل.

١٠

من إدوارد دلاني إلى جون فلمنج:

٢٨ من أغسطس

كنت تنمو إلى طفولتك الثانية، ألم تكن؟

إن ذهنك قد هزل حتى أكبرت من قدر ملكاتي الكتابية! ألم يهزل كما تقول؟!

لقد علوت فوق مرتفع السخرية الذي رفعتني إليه برسالتك التي أنعمت بها في الحادي عشر من الشهر؛ علوت هذا العلو حين لاحظت مبلغ الحزن الذي أوقعك فيه انقطاعي عن الكتابة إليك خمسة أيام.

عدنا هذا الصباح من أبلدور تلك الجزيرة الساحرة، واليوم فيها بأربعة ريالات.

وجدت على مكتبي ثلاث رسائل منك، ولا ريب أنك لا تدع منك بقية من الشك في سروري بالكتابة إليك وتلقي الكتب منك!

ليس على تلك الرسائل تواريخ، وآخرها فيما أحسب يحتوي عبارتين جديرتين بالتوقف لديهما، ولا تؤاخذني يا عزيزي فلمنج إذا قلت لك: إن رأسك يضعف كلما قويت ساقك، وأنت تسألني النصيحة في أمر معلوم، فاسمع مني هذه النصيحة، واعلم أنك لن تقدم على أمر أحمق من الكتابة إلى الآنسة بالشكر على أزهارها، فإنك لتجرح رقتها جرحًا لا غفران بعده ولا مسامحة، وهي لا تعرفك إلا من طريقي، فأنت لديها فكرة أو حلم في منام! حلم يوقظها منه أخف رجة، ومن المحقق أنك إذا أودعت رسالتك أي كلمة إليها فإني مبلغها بلا وناء، ولكنني لا أشير عليك هذه المشورة.

تقول: إنك تقدر الآن على التوكؤ بين جدران حجرتك، وإنك تنوي أن تحضر إلى الصنوبرات ساعة ينبئك ديلون بالقدرة على وعثاء السفر، مرة أخرى أنصحك أَلَّا تفعل. أَلَا ترى أن كل ساعة من ساعات البعد تضاعف شوق مارجوري وتضيف إلى سلطانك عليها؟ إنك ستعصف بكل شيء بهذه العجلة، فانتظر حتى تشفى تمامًا، ولا تحضر على أية حال دون أن تخبرني قبلها، فإنني لأخشى على حسب الظروف عاقبة المفاجأة.

وظاهر لي أن الآنسة سرت بعودتنا، فإنها بسطت إليَّ كلتا يديها في أصرح صراحة، ووقفت بالمركبة بعد الظهر هنيهة عند باب الكوخ، وكانت قد ذهبت إلى ريفرموث من أجل الصورة التي أفسدها المصور لسوء الحظ بقطرة من الحمض تركها على الزجاج، فاضطرت أن تجلس له جلسة أخرى.

تنبئني فراستي أن هاجسًا يشغلها ويقلقها، وتلوح عليها لمحة شاردة ليست من طباعها، ولعلها هاجسة وهم عندي أنا لا عندها.

وأختم هذه الرسالة قبل أن أودعها الكثير مما أردت الإفضاء به إليك، وسأصحب أبي في جولة من تلك الجولات التي صارت اليوم دواءه الوحيد … ودوائي.

١١

من إدوارد دلاني إلى جون فلمنج:

٢٩ من أغسطس

أكتب إليك على عجل لأبلغك ما جرى هنا منذ كتبت إليك خطابي الليلة الماضية. إنني لفي أشد الارتباك! وأمر واحد واضح أمامي، وهو أَلَّا تحلم بالحضور إلى الصنوبرات، فقد أخبرت مارجوري أباها بكل شيء، وقد لقيتها هنيهة منذ ساعة في الحديقة، وغاية ما أستجمعه من عباراتها الملتبسة أن الحاصل هو ما يأتي:
  • أوَّلًا: إن الملازم برادلي — وهو اسم الضابط البحري — كان منذ حين يغازل الآنسة ويخطب ودها، ولكن حظوته عند أبيها أكبر من حظوته عندها؛ إذ كان هذا صديقًا قديمًا لوالد الشاب، وبالأمس لمحتُ الوجوم على وجه مارجوري ساعة وقفتْ عند بابنا، وكان الشيخ قد فاتح مارجوري في خطبة برادلي وزكاها، كما استخلصت من مجمل الحال.
  • وثانيًا: قد صرحت مارجوري بنفورها من الملازم بصراحتها المطبوعة، ثم كاشفت أباها بما في نفسها، ولا أدري ماذا كشفت، ولعله كان كافيًا لإيقاع الشيخ في حيرة منها وإثارة سخطه وغضبه! وأظن أنني مشتبك في المسألة، وأن الشيخ ناقم مني، ولست أعلم لماذا، وما سعيت برسالة بينك وبين مارجوري، ولا كان في مسلكي مأخذ، ولا نسيت الحيطة والحذر … ولست أرى أن أحدًا ما صنع في هذه المسألة شيئًا ما … اللهم إلا الشيخ العقيد دون سواه …

ويحتمل أن تنقطع العلاقة بين البيتين.

وإنك لقائل: إلى الشيطان بالبيتين معًا! فانتظر مني أخبارًا عن كل ما يجرى لدينا، وسنبقى هنا إلى الأسبوع الثاني من شهر سبتمبر، فاقعد حيث أنت قاعد، أو لا تحلم على الأقل بالقدوم إلينا … ها هو ذا العقيد الشيخ قاعد في الإفريز يلوح عليه الشر … ولم ألقَ مارجوري منذ فارقتها في الحديقة!

١٢

من إدوارد دلاني إلى توماس ديلون بميدان ماديسون، نيويورك:

٣٠ من أغسطس

عزيزي الطبيب: إن كان لك أقل سلطان على فلمنج، فأرجو أن تستخدم جهدك في كفه عن الحضور إلى هذا المكان في الوقت الحاضر، وسأشرح لك الظروف التي دعتني إلى هذا الطلب قبل انقضاء زمن طويل، وكلها مما يوجب عليه أن يجتنب هذا المكان!

إن ظهوره هنا يضره وينكبه!

وإنك لتسدي إليه، كما تسدي إليَّ يدًا مشكورة إذا أقنعته بالبقاء في نيويورك أو الذهاب إلى مصطاف داخلي، وغنيٌّ عن القول أنك لا تُعَرِّفه بطلبي هذا ولا تذكر له اسمي، وإنك لتعرفني يا عزيزي الطبيب معرفة تؤكد لك أن رجائي هذا والتماسي منك المعاونة السرية يرجعان إلى أسباب تقرها كل الإقرار يوم تطلع عليها، وسنعود إلى المدينة في الخامس عشر من الشهر القادم، وسيكون عملي الأول أن أسعى إلى مستشفاك وأُطْلعك على ما يقنعك إن كنت قد آثرت في نفسك حب الاستطلاع.

لقد تماثل والدي إلى العافية، فلا يُحسب اليوم في عداد المرضى، ومع التحية والإجلال تقبلوا … إلخ … إلخ.

١٣

من إدوارد دلاني إل جون فلمنج:

٣١ من أغسطس

تسلمت الآن خطابك معلنًا فيه عزيمتك الجنونية التي لا تنثني دون الحضور، وأتوسل إليك أن تتدبر وتفكر، فهذه الخطوة ضارة بمصالحك ومصالحها، وستزود الشيخ بسبب مشروع للسخط عليها! وإنه على لطفه وحنانه عليها لخليق أن ينبعث إلى أقصى المدى عند المعارضة والعناد، ولن يرضيك ولا شك أن تجني عليها سوء المعاملة بفعلك … ذلك ما تُعرِّضها له لا محالة بحضورك إلى الصنوبرات، وإنه ليؤسفني أن أضطر إلى تفصيل هذا كله لك؛ فإنها لفي موقف دقيق، وثق يا جاك، أن أهون خطأ ليفسدن اللعبة كلها. ثق قليلًا بحصافتي وحسن تقديري، وانتظر وانظر ما يكون!

وبعد فإنني أفهم من ديلون أن حالتك لا تسمح برحلة طويلة، وأنه يرى أن هواء الشاطئ أسوأ ما تتعرض له الآن، وأنك تحسن صنعًا بالذهاب إلى الداخل إن كان لا بد من ذهاب، وتقبل نصيحتي وتقبل نصيحة ديلون.

١٤

برقيات

أول سبتمبر
إلى إدوارد دلاني

تسلمت خطابك، لعنة الله على ديلون، لا بد من حضوري إلى المكان.

إلى جون فلمنج

اقعد حيث أنت … إن حضورك لا يجدي إلا أن يربك الموقف، فلا تتحرك قبل أن أعلمك.

إلى إدوارد دلاني

سيكون حضوري سِرًّا، ولا مناص من رؤيتها.

إلى جون فلمنج

لا تفكر في ذلك … فلا جدوى، إن الشيخ قد حبس م في حجرتها، ولن تستطيع محادثتها!

إلى إدوارد دلاني

حبسها في حجرتها! يا لله …! تقرَّر موقفي، وإني مسافر بقطار الثانية عشرة والدقيقة خمس عشرة …!

الوصول

في الثاني من سبتمبر سنة ١٨٧، عندما برح القطار محطة همبتون، شوهد فتى يتوكأ على كتف تابع له يناديه باسم واتكنز، خرج من الرصيف واستقل مركبة وطلب من السائق أن يذهب به إلى الصنوبرات، فلما وصل إلى الكوخ على بضعة أميال من المحطة ترجل بمشقة، وألقى بنظرة عجلى على الطريق وعليه دلائل الاهتمام الشديد بشيء معين يتفقده هناك، وعاد يتوكأ على كتف مَنْ يسميه واتكنز، ويمشي إلى الكوخ المتواضع ويسأل عن السيد إدوارد دلاني، فأجابه الشيخ الذي فتح له الباب: إن السيد دلاني قد ذهب إلى بوستون أمس، وإن جوناس دلاني هو الموجود. ويظهر أن هذا الخبر لم يكن فيه ما يسره، وسأل: ألم يترك السيد إدوارد دلاني رسالة باسم جون فلمنج؟ … فقيل له: نعم، هناك رسالة باسم السيد فلمنج، يتسلمها إن كان هو صاحب العنوان، ثم غاب الشيخ لمحة وعاد برسالة:

من إدوارد دلاني إلى جون فلمنج:

أول سبتمبر

إنني لمضطرب لما صنعت، فإنني يوم أن بدأت هذه الرسائل لم يكن لي من همٍّ غير التسرية عنك في مرضك، وقد طلب إليَّ ديلون أن أحاول تسليتك فحاولت، وأحسبك قد نفذت ببصرك إلى جلية المسألة، ولم يخطر لي قط أنك تعير المسألة كل هذا الاهتمام «وتأخذها جدًّا» كما فعلت!

ماذا عسى أن أقول؟! إنني مجنون، إنني منبوذ، إنني طريد كالكلب المسعور، حاولت أن أخلق قصة تسليك، واجتهدت في الصقل والتحلية فنجحت، ويلي! وبالغت في النجاح!

إن أبي لا يعلم حرفًا من القصة كلها، فلا تزعج الرجل، وقد فررت بنفسي من الصاعقة التي تنقض عليَّ بمحضرك. فيا عزيزي جاك حنانيك، لا عقيد هناك ولا إيوان على عرض الطريق، ولا إفريز ولا أرجوحة، ولا مارجوري! داو …!

(٢) جورج آد George Ade ١٨٦٦–١٩٤٤

أديب اللغة العامية، والأمثال أو العظات في قالب النوادر والحكايات، وله أمثال وعظات كثيرة يُعنى فيها برسم الشخصيات الريفية، وشخصيات الطلبة والطالبات، ويتناول فيها مسائل النقد الاجتماعي بأسلوب الفكاهة والتصوير الهزلي، ومن ثَمَّ يُعنى بوضع المسرحيات المضحكة الملحنة إلى جانب العناية بتصوير حياة الريف وحياة التلمذة، وأشهر هذه المسرحيات «سلطان سولو» و«أرملة الجامعة».

ولد في «إنديانا» وتعلم في مدارسها، وكادت قصصه تكون ترجمة لحياته في سلك الدراسة، وقد اشتغل بالصحافة والكتابة للنقابات ونظم الشعر، وكتب في النقد على طريقته التي تغلب عليها الفكاهة والمداورة بين الجد والتسلية.

(٢-١) إيفي هويتلسي لجورج آد

قامت مسز ولاس فساعدت زوجها على خلع معطفه، ووضعت راحتيها الدافئتين على وجنتيه المسفوعتين من مصافحة الرياح.

وقالت: إن لدي أخبارًا سارة!

– لعلها صفقة رابحة!

– «أوه، كلا، خادم جديدة، وإني لأحسبها جوهرة ليست بالصغيرة ولا بالجميلة، وقد سألتها: هل تريد أن تبيت بضع ليالٍ خارج الدار، فقالت إنها لا تخرج مساء مهما تكن الأسباب … ماذا تظن في ذلك؟»

– شيء لا يكاد يصدق!

– هو كذلك، ولكن انتظر حتى تراها، لقد أتت إلى هنا من مكتب التخديم حوالي الساعة الثانية، وقالت إنها تريد أن تدخل المطهى حال وصولها، وأنت لا تدري كيف كانت حال المطبخ … لقد مسحتْه ونظفتْه حتى عاد أنقى من الدبوس!

– ومن أي بلاد؟

– ليست من بلاد ما، إنما هي محصول وطني؛ إنها من الريف … وخضراء! ولكنها طيبة، وقد اطمأننت إليها ساعة أن وقع نظري عليها.

– حسن، أرجو أن يتحقق ظنك، وإذا كان هذا أمرها، فَلِمَ لا نعطيها ما تشاء من أجر، ونضع لها الستائر في حجرتها، ونشترك لها [في] كل ما في السوق من مجلات القصص.

– حسبك، حسبك، إنني ما إخالها ستقرؤها، إنني كلما ألقيت نظري إلى المطهى وجدتها تكدح، كأنها لا تكل ولا تفتأ تغني مواويل الريف!

– آه … أهي تغني؟ إذن قد تخيب رجاءنا وقتًا ما!

– هون عليك، نحن نستطيع أن نغلق الأبواب.

وكانت مائدة الطعام مُهَيَّأة مغرية بفرط نظافتها، وقد طافت السيدة ولاس بنظرة على الأكواب والآنية الفضية وأومأت برأسها راضية قريرة، ثم لمست الجرس، ودخلت الخادم على الأثر … كانت امرأة طوالًا، قد ودعت سن الصبا الباكرة … وحدثت مفاجأة: فإن مستر ولاس، أخذ يحملق في الخادم الجديدة، وينظر إليها كالمشدوه! وصاح: «يالله!»

واقتربت الفتاة كثيرًا من المائدة، حينما وقع ناظرها عليه، فمال الإناء في يديها، وابتسمت مأخوذة، وألقت الإناء على المائدة في عجل …!

ولم تطل حيرة مستر ولاس؛ إنه عاد في هذه اللحظة بتفكيره إلى الماضي، فقد نشأ في بيئة ديمقراطية صغيرة، ترفرف عليها روح المساواة!

قال: أليست هذه إيفي هويتلسي؟!

فأجابته بمثل صيحته: يا «للسماء» وكانت صيحتها بمثابة التأمين.

– أَلَا تعرفينني؟!

– ألستَ «ولاس»؟!

وإذا بالسيدة ولاس تتراجع على كرسيها وتردد بصرها بين الخادم وبين زوجها، وتحاول عبثًا أن تفهم ما تسمع.

فما هي إلا لحظة حتى رأت مستر ولاس يندفع على المائدة ويصافح الخادم الجديدة، فتمالكت صوتها، واستطاعت أن تهتف: ماذا أرى؟!

أدركتْ مستر ولاس الحيرةُ، وأعجزته الحيلة، فقد كان مترددًا بين المسلك الذي يوحيه إليه العرف في مقام السيد، وبين واجب الرعاية لصديقة قديمة، وقال: هذه إيفي هويتلسي من برينرد، وكنت أزاملها في المدرسة! وكانت تزور منزلنا أحيانًا، وإني لم أرها منذ زمن.

ثم التفت إلى إيفي وقال: إنني لم أعلم من قبل أنك في شيكاجو.

قالت إيفي — وهي ما زالت حائرة، وعلى بعد خطوات من المائدة: أجل يا إد ولاس. إنني لا أحتمل الساعة هفة ريشة، ولم أكن أظن أنك أنت المقصود حينما سمعت اسم ولاس أول الأمر، وإن كنت أعرف أنك ههنا، ولكن عرفت ذلك حينما وقع نظري عليك أول لحظة.

قال ولاس وقد تريث قليلًا: كنت أظن أنكِ ما زلت في برينرد.

– لقد تركتها في شهر نوفمبر منذ عام، وحضرت لزيارة أسرة مورث، ولعلك تعرف أن مورث يشتغل الآن بوظيفة في شركة السيارات، وهو يزاول عمله على أحسن حال، ولم أشأ أن أكون حملًا عليه، فاتخذت طريقي وجعلت حملي على كاهلي، ولم أجد فائدة في عودتي إلى برينرد لأشتغل بريالين في الأسبوع!

لقد وجدت عملًا طيبًا لدى مستر ساندرز موظف السكة الحديدية في أقصى الشمال، لكني تركته لأنهم يريدون مني أن أقوم بتقديم الشراب، وإني لأوثر أن أقدم ضفدعة ولا أقدم زجاجة من الجعة. إن الشراب كان السبب في الخراب الذي حَلَّ بجسي … لقد ضاع سدًى، وارتحل مع فرقة البهلوانات حيثما ارتحلوا منذ سنين …

قال مستر ولاس متسائلًا: إذن تشتتت الأسرة؟

– لقد ذهبوا مع الرياح الأربع منذ ماتت أمك، ولا بد أنك تعلم أن لورا تزوجت من أوهنت توماس، وتعيش في حي ميرفي القديم، وأنهم يفعلون ما في وسعهم للبقاء في صحبة هنفورث مع كسله وإهماله …!

– أهكذا؟ حسن!

أتراه لقاء صديقين غائبين، أهو عشاء هادئ في بيت أسرة؟! إن الحساء لينتظر …

وأدركتْهما السيدة ولاس قائلة: حسبنا هذا الآن يا إيفي!

فصاحت إيفي: «آه …» وتسربت إلى المطبخ.

قال مستر ولاس: معنى هذا أننا كنا أطفالًا نمرح معًا، وكنا نعمل الفطائر من الطين معًا في بركة واحدة، ونجلس جنبًا إلى جنب في مدرسة برينرد، وهي من أسرة هويتلسي وكل مَنْ في برينرد يعرف هذه الأسرة، إنها أسرة كبيرة، ولكنهم أفقر من جرذان الكنيسة، وإن فيهم لدماثة وطيبة.

– إيفي … إيفي! وهي تقول: إد، إد! ما هذا؟!

– اسمعي يا عزيزتي، ليست هناك ألقاب في برينرد، وكيف لا تدعوني بإد، وما سمعت أحدًا يناديني بغير هذا النداء!

– عليها أن تناديك هنا بغيره، قُلْ لها ذلك.

– الآن. لا تسأليني أن أتكلف في خطاب أحد من أسرة هويتلسي، فإنهم يعرفونني منذ زمن بعيد، وطالما رأتني إيفي في المدرسة في موقف السخرية، ولما زارت منزلنا كأنها فرد من أفراد الأسرة حين كانت والدتي تشكو وتحتاج إلى مَنْ يُعنى بها، وإذا لم تخني الذاكرة، لقد كنت أصحبها إلى معاهد الغناء والحفلات، وإنني لا أستطيع أن أتعالى عليها، إنني لا أستطيع ذلك بحالٍ من الأحوال! وأكره أن تعود إلى برينرد وتقول إنها قابلتني هنا في شيكاجو، وإنني بلغ مني السخف أن أنسى أيامنا فيما مضى، وأنتِ يا عزيزتي لا تعرفين تلك القرى!

– كلا لم يكن لي هذه الحظوة!

– أجل إنها لحظوة من بعض الوجوه، ولكنها تقترن بعقوباتها أيضًا، فليست مجالًا صالحًا لتعليم مَنْ يريد أن يتخرج فيها ظريفًا من ظرفاء المجتمع!

– ليس من الظرف المصطنع أن تُنبِّه إلى الخطأ خادمة تناديك باسمك الأول إد، أوه، كيف هذا؟! إنني ما اجترأت قط أن أدعوك بهذا الاسم.

– لأنكِ لم تقيمي قط في برينرد.

– وأنت تقول إنك كنت تصحبها إلى معاهد الغناء؟!

– أجل يا سيدتي منذ عشرين سنة في برينرد، أيدهشك ذلك؟ إنك قد عرفت حينما تزوجت بي أنني من أبناء الريف ومن الذين شقوا طريقهم، وجاءوا إلى المدينة في ثياب مجهزة، وإني لأعلم أن ماضيَّ لا يرشحني لأن أكون من النخبة المختارة أو من أعضاء دار الندوة، وإنه لحدث عظيم لو زججت بنفسي في ميدان السياسة!

– إنني لا أنكر أن يكون لك ماضٍ، وإنما أقول لنفسي: ترى ما أظرف الموقف إذا أقمنا هنا سهرة عشاء وجاءتك تدعوك باسم إد …!

فضرب مستر ولاس على المائدة، وانطلق ضاحكًا.

قالت السيدة ولاس: أظنك لا تكترث بهذا؟!

قال: إن إيفي لا تخل بواجب المقام هنا، ونحن في برينرد قد نخالف التقاليد، ولكننا قد نتعلمها … هذا [في] حينها!

ولمست السيدة ولاس الجرس فأقبلت إيفي.

وإنها لتقدم الصحفة التالية إذ بمستر ولاس يتعمد تشجيعها بابتسامة وديَّة، وهي تسأله: هل ترد إليك صحف برينرد؟

– أجل، كل أسبوع.

– لقد كانت هنالك أمراض كثيرة، هذا الشتاء، وكتبت إليَّ لورا أن عمك جو كان معتلًّا.

– أظن أنه قد تماثل وعاد إلى عمله.

– خير! خير!

وقفلت عائدة إلى المطبخ.

ثم رجعت تغير الآنية لإحضار الحلوى وقالت: إن مورث كان يبحث عنك البارحة، وقال إنه لم يرك منذ أمد، إن لك هنا منزلًا جميلًا!

وما كاد العشاء ينتهي حتى كانت مسز ولاس قد عقدت عزمها على أن إيفي لا بد أن ترحل، وشعر مستر ولاس بما وراء ذلك الحديث العنيف الذي وجهته إليه زوجه، وقال في نفسه: لا بد لها أن ترحل ولكن بشيء من اللطف والكياسة.

كانت إيفي قد انتهت من تنظيف الآنية، ودخل عليها المطهى مستر ولاس يبادلها الحديث، وزوجه جالسة في الحجرة المقابلة تستمع إلى صدى حديثهما الطويل وهما يتناولان ما مضى من تاريخ الأسرة في برينرد، ويتذاكران الحوادث التي ربما اتصلت بفطائر الطين على شاطئ البركة، والحفلات التي كانا يشتركان فيها بالمدرسة!

لقد كانت السيدة ولاس سليلة تومبي من بلتيمور، وما كان أحد من أسرة تومبي له أقارب بفرجينيا ليطيق أن يتنزل إلى منافسة خادم مطبخ أو يحلم بحدوث شيء من هذا القبيل، فَلِمَ يا ترى تقلق مما يدور بين إد وإيفي من الحديث؟!

إنما شعرت السيدة ولاس بكبريائها تنهار، فقد كانا في الليلة الماضية يتناولان العشاء مع سراة المدينة من آل جاج، ومستر ولاس ملحوظ الجانب في ملابسه المسائية يلمع بهاء وأناقة بين السبعة الذين جلسوا معه على المائدة، وكانت مزهوة به لا تفكر في أنها بعد أربع وعشرين ساعة ترى خادمًا تخرج من المطبخ وتناديه باسم إد!

واستمر الصوت الخافت يتتابع في حجرة المطبخ، وودت السيدة ولاس أن تسير على أطراف قدميها؛ لتستَرِق السمع أو تندفع إلى المطبخ وتخرج مس هويتلسي بإشارة موجزة وتعيدها إلى مركزها الوضيع، ولكنها فكرت في أن مستر ولاس ربما أساء فهم مثل هذه الحركة، وربما غمرها بسخريته واتهمها بالغيرة، فاحتملت على مضض!

وكان مستر ولاس يقف بالباب وفي فمه سيجارة لم يشعلها، إذ كانت إيفي قد منعته أن يدخن في المطبخ، فاستند إلى الباب يفكر في كلام يقوله، ثم قال لها أخيرًا: لماذا لا تذهبين يا إيفي إلى لورا وتمكثين لديها شهرًا أو نحو ذلك؟ إنها لتسر بهذا!

– أعرف ذلك يا إد، ولكني لست روكفلر لأقضي شهرًا بغير عمل، وأجري من هنا لهناك لزيارة أقاربي، إني لأود ذلك ولكن …

– أوه، إني سأحضر لكِ تذكرة إلى برينرد غدًا، وسوف لا تتكلفين شيئًا هناك.

– كلا إنها ليست شيكاجو … هذه هي الحقيقة … إن ريالًا واحدًا يوصلني إلى هناك، ولكن ماذا تفعل زوجتك؟! لقد أخبرتني أنها لاقت تعبًا شديدًا لانفرادها!

– أجل يا إيفي، الحق أنك صديقة قديمة لي، ولا أقبل أن أراك خادمًا مأجورة في منزلي!

– كلا، أظنني الآن خادمًا؛ لقد كنت فتاة مأجورة عند والدتك، أما الآن فإنني خادم، ولا يهمني الاسم الذي تدعوني به ما دمت أقوم بنفس العمل.

– أنت تفهمين ما أعني، أليس كذلك؟ في أي وقت تريدين أن تحضري إلى منزلي تحضرين إليه كصديقة زائرة لا كخادم!

– دَعْ هذه الحماقة يا إد ولاس، إنني أخدمك كما أخدم غيرك، وأخدمك أكثر من سواك!

– ولكني لا أريد أن أرى زوجتي تلقي أوامرها لصديقة قديمة مثلك، لعلك تفهمين ما أعني!

– لا أدري، إني مستعدة للرحيل إذا قلت لي ذلك.

– ها، ها، ها، سأحضر لك التذكرة وتذهبين إلى برينرد غدًا، أتعدينني بذلك الآن؟

قالت وهي مستغربة ما تسمع: إن كان هذا رأيك فإني ذاهبة.

– وإذا عدتِ فإنني سأجد لكِ ما شئتِ من الأماكن لتشتغلي حيث تشائين.

فلما كانت الليلة التالية خرجت إيفي في مركبة وهي تعتذر عن هذه الرفاهية، وقالت وهي تنظر إلى فناء الدار: إنهم سوف لا يصدقونني يا إد ولاس عندما أذهب إلى برينرد.

– بلغيهم تحياتي، وأفهميهم أنني على العهد دائمًا.

– سأفعل ذلك، أستودعكم الله.

– في سلامة الله.

وكانت السيدة ولاس تنظر من النافذة، وقد رأت مس إيفي تتوارى في المركبة.

وقالت: الحمد لله!

قال مستر ولاس — وقد كان فصلًا مرحًا بالنسبة إليه: لقد دعوتها لزيارتنا عندما تعود.

– أَوَ تأتينا زائرة؟!

– بكل تأكيد، لقد أخبرتها أنك تسرين برؤيتها في أي وقت.

– يا لها من فكرة! هل دعوتها حقًّا؟!

– بطبيعة الحال، وإني لعلى يقين بأنها ستفعل.

– وماذا أفعل أنا؟!

– أظنك تستطيعين أن تتدبري الأمر، وإن كنتِ لم تعيشي أبدًا في برينرد.

وعادت السيدة ولاس أدراجها، وهي مزهوة بزوجها، وقالت: سأحاول ذلك!

(٣) ويلا كاثر Willa Cather ١٨٧٦–١٩٤٧

كاتبة شاعرة ناقدة، أسلوبها من أجمل الأساليب، وتعريفاتها التي تفرق بها بين الكتابة الصحفية والكتابة الأدبية من أدق التعريفات.

فالكتابة الصحفية في رأيها كتابة كشف وتفصيل على وجه الصفحات والسطور، بخلاف كتابة الأدب التي توحي بالمضامين، وتبقي لخيال القارئ منادح للشعور لا تستوعبها المحسوسات.

وهذا مثال موجز لتفرقتها بين أغراض الكتابة وأساليبها: وُلدت في ونشستر بفرجينيا، وانتقل بها أبواها إلى الحدود الغربية، وهي في التاسعة، ونمت وهي تختبر الحياة بين أقوام من أمم الشمال والجرمان والكنديين الفرنسيين، وكانت هي من أسرة منحدرة من أصول إنجليزية أيرلندية ألزاسية، فتهيَّأت لها خبرة وافية لدراسة الأمم والشخصيات قلما تتهيَّأ لناشئ صغير في وطن محدود، وقد تعلمت من الحياة حتى دروس الكتب، لأنها نشأت في أمكنة لا تتوافر فيها مدارس الأطفال، فتلقَّنت من الأسرة وجيرانها مبادئ الكتابة واللغة، إلى أن بلغت سن التعليم الجامعي فانتظمت في جامعة نبراسكا، وتخرجت فيها وهي دون العشرين.

عملت في الصحافة والتعليم، وشغفت بالموسيقى والسياحة، وقرأت كثيرًا من الأدب السلفي ومن الأدب الأمريكي، وأعجبت بالشاعر الكبير ويتمان وبالروائي هنري جيمس، ولها كتاب عن الرواد اقتبست عنوانه من عنوان قصيدة لويتمان، ولخصت فيه سر إعجابها بهؤلاء الرواد الفاتحين للبراري والمجاهل، فقالت: إنهم هم القوم الذين جعلوا نشدان الثروة «نصرًا أخلاقيًّا» لأنهم يحققون «النجاح المادي» بخلق العمار بأيديهم وتذليل المصاعب بعزيمتهم، ورياضة الطباع على الصبر والثبات. وقصتها التالية عن «مسألة بول» نقد اجتماعي لحياة المدينة التي تستغوي الناشئة مِمَّنْ فقدوا حنان الأمهات، وهي خير تطبيق لمذهب العلاج النفساني الذي يداوي من العلة بكشف أسبابها ودواعي الوقوع فيها، من غير تنبيه الذهن إلى قصد التعليم والإرشاد، أو تبديل الوقائع للوصول بهذا التبديل إلى موقع العظة والاعتبار.

ولعل القصة نفسها من مشاهداتها بين المدرسة وأندية الموسيقى … وقد عاشت للأدب والفن ولم تتزوج، واختارها معهد الأدب الأمريكي عضوًا له وهي في الثانية والخمسين.

(٣-١) مسألة بول

كان بعد الظهر، هذا هو الموعد الذي يتقدم فيه بول إلى مجلس مدرسة بتسبرج الأعلى للمحاسبة على أخطائه المتعددة، وكان قد صدر الأمر بوقفه منذ أسبوع، وجاء أبوه إلى مكتب المدرسة يعترف بحيرته في أمر ولده، ودخل بول حجرة المجلس مترفقًا يبتسم، وكانت ملابسه قد صغرت عنه قليلًا، ولون المخمل الذي في قلابة المعطف قد نصل وتغير، ولكنه على هذا كان يبدو في مظهر المتأنق، ويضع فصًّا من جوهر عين الهر في قلادته المرقطة، وقرنفلة حمراء في عروته، مما لاح كأنه شيء لا يناسب حالة القلق التي تعتري طالبًا تحت شبهة الاتهام والعقاب!

وكان بول أطول من سنه، نحيفًا شديد النحافة، مرتفع الكتفين ضيق الصدر، تلمع عيناه لمعة عصبية، ويديرهما عامدًا على نحو ينمُّ على العدوان والاجتراء من فتًى مثله، ولهما بؤبؤان واسعان كأعين المدمنين لبعض المخدرات، لولا تلك السطعة البلورية التي لا تكون للمدمنين!

ولما سأله الرئيس: ماذا ساقه إلى ذلك الموقف؟ أجاب في أدب جم: إنه يريد العودة إلى المدرسة، وكان هذا كذبًا منه تعوده، واعتقد أنه لازم لاجتناب الصدام!

وسُئِل معلموه أن يشرحوا شكاياتهم منه، فبسطوها في مضض واستياء ينبئان عن مسألة من غير المسائل المألوفة، وعددوا من التهم الاختلال والقحة، وأحس كل منهم صعوبة تصوير المشكلة معه بالكلم الواضح المحدود، فإنما كانت المشكلة ضربًا من التحدي العصبي أو ضربًا من الازدراء الذي يشعرون أنه يكنُّه لهم أجمعين، ولا يلوح عليه أنه يحاول إخفاءه أقل محاولة … فاتفق مرة أنه كان يلخص عبارة على السبورة، فاقتربت منه مدرسته الإنجليزية لتأخذ بيده في كتابتها، فارتد بول إلى الوراء متبرمًا، وثنى يديه وراء ظهره بعنف وشدة، وأحست المرأة المذهولة أنه لم يكن خليقًا أن يؤذيها أشد من هذا الإيذاء لو أنه ضربها، وكانت الإساءة مصطبغة بالصبغة الشخصية التي لا تنسى! وهكذا كان يغضب معلميه بأمثال هذه الإساءات، رجالًا ونساء، ويشعرهم جميعًا بنفوره واشمئزازه، فكان في حصة من الحصص يجلس ويظلل عينيه بيديه، وفي حصة أخرى ينظر إلى النافذة خلال الإلقاء، وفي غيرهما يعلق على الدرس تعليقًا مقتضبًا يشف عن السخرية!

وأحس أساتذته في ذلك الأصيل أن إساءاته جميعًا قد تلخصت في ارتفاع كتفيه، وتصدير القرنفلة الحمراء في عروته، فانهالوا عليه بغير شفقة، وفي طليعتهم المدرسة الإنجليزية، وكان هو يستمع إليهم مبتسمًا وقد انفرجت شفتاه الصفراوان عن ثناياه البيض، وكان من عادته أن ترتجف شفتاه ويرتفع حاجباه إشارة من إشارات الاستخفاف غاية في الإساءة والإيذاء، وإن غيره من الصبية الذين هم أسن منه لينكسرون وينفجرون بالبكاء في مثل موقفه، ولكنه هو لم تفارقه ابتسامته المتكلفة لحظة، ولم يكن يَظهر عليه من دلائل الامتعاض إلا ارتجافة أصابعه، وهو يعبث بأزرار المعطف، أو ارتجاف أصابعه التي يحمل بها قبعته!

كان يبتسم على الدوام، ويجيل لمحاته على الدوام، باديًا عليه أنه يحس أن الناس يراقبونه، ويجتهد في استكناه شيء من وراء نظراتهم، وكان هذا المظهر المتعمد بعيدًا غاية البعد من مرح الصبا، فكان من يراه يعزوه إلى القحة والتكلف!

وفي أثناء المحاكمة روت إحدى المعلمات عبارة وقحة وجهها إليها، فسأله الرئيس: أتظن أن هذه العبارة مما يحسن توجيهه إلى سيدة؟! فما زاد بول على أن هزَّ كتفيه وعقد حاجبيه، ثم قال: لا أعلم، فإنني لم أقصد المجاملة، كما أنني لم أقصد سوء الأدب، وأحسبه أسلوبًا من الأساليب التي تعودتها غير عامد!

وسأله الرئيس: ألا ترى أنه أسلوب من الحسن تركه واجتنابه؟

فابتسم بول وقال: أظن!

ولما قيل له إنه يستطيع أن ينصرف، انحنى في أناقة ومضى. فكان ذلك الانحناء الأنيق منه كأنه تكرار لفصل القرنفلة الحمراء.

وكان معلموه في قنوط، وكأنما عبر معلم الرسم عن شعورهم جميعًا حين قال: إنه يحسب في طبيعة الصبي شيئًا غير مفهوم، ولا يخال أن هذه الابتسامة من محض القحة وسوء الأدب، فإنها محفوفة بعارض من الغموض، وليس الصبي قويًّا سليمًا، فلا بد من سر هناك!

وخلص معلم الرسم إلى ملاحظة عن أسنان بول البيضاء ولمعان عينيه المغتصب، وقال: إنه رآه يومًا نائمًا في المرسم، فلفت نظره امتقاع لون وجهه، وزرقة العروق مع الثنايا المحيطة بعينيه، مما يستغرب في مثل سنه، وأن شفتيه تختلجان حتى خلال الرقاد!

وشعر المعلمون أن المجلس يخامره الأسف والأسى، وأنهم غير راضين عن أنفسهم لشعورهم بالنقمة من صبي كهذا، وانطلاقهم في التهم وتسابقهم في المطاردة، وخطرت لأحدهم صورة قطة كان قد رآها في الطريق يناوشها المطاردون ويسدون عليها الفجاج …

أما بول فإنه راح يهبط التل عدوًا، ويصفر بنشيد الجند في رواية فاوست، ناظرًا خلفه من حين إلى حين نظرة مجفلة، عسى أن يلمح بعض أساتذته وهو يراه في خفته وقلة اكتراثه، وكان الوقت قد تأخر أصيلًا، وبول صاحب النوبة في الاستقبال بقاعة كارنيجي، فاعتزم ألا يذهب إلى منزله للعشاء.

لم يكن الباب قد فُتح حين وصل إلى جانب القاعة، وكان الجو قارسًا خارجها، فاعتزم الصعود إلى رواق الصور الذي يخلو من الزوار في ذلك الموعد، وذهب إلى حيث كانت في الرواق نخبة من دراسات رافلي المرحة لشوارع باريس وصور شفافة زرقاء أو صورتان من صور البندقية تعجبانه، وسره أن يرى القاعة خالية إلا من الحارس الهرم الذي كان يجلس في ركنه وعلى ركبته صحيفة، وقد أقفل إحدى عينيه وظهرت فوق عينه الأخرى بقعة سوداء!

واستولى بول على المكان ذاهبًا آيبًا يصفر في ثقة وطمأنينة، ثم جلس بعد هنيهة أمام صورة من الحجر المكسيكي، وغاب عن نفسه، فلما التفت إلى ساعته يتعرف الوقت كانت قد بلغت السابعة، فأسرع إلى السلم وجعل يلعب وجهه سخرًا أمام تمثال أغسطس قيصر البادي من حجرة النحت، ويرمق تمثال فينوس شزرا حين عبره على طريق الدرج!

كان في حجرة الملابس ستة من الصبيان حين وصل إليها، فأخذ يولج نفسه في كسوته مضطربًا، وكانت إحدى الكُسَى القلائل التي توائم لابسها، ويحسبها بول لائقة عليه، وإن كان معطفها المشدود يكشف عن ضيق صدره الذي كان دقيق الحساسية من نحوه، وكان على الدوام يضطرب حين يلبس متخبطًا على إيقاع الأوتار ونفخات الأبواق التجريبية في قاعة الموسيقى، ولكنه في هذا المساء لم يكن يملك نفسه، فراح يعاكس الصبية ويناوئهم، حتى رموه بالجنون وألقوه على الأرض وجلسوا فوقه.

وهدأته هذه الرمية، فاندفع إلى مقدمة الدار يجلس القادمين المبكرين، وكان مستقبلًا مثاليًّا يجري هنا وهناك مبتسمًا متلطفًا، لا يستكثر تعبًا في عمله، وهو يحمل من هنا رسالة ويحمل إلى هنا برنامجًا، كأنها عنده متعة الحياة، وكل من رأوه في مشقة عمله أحسوا أنه صبي لطيف يذكرهم ويعجب بهم. وينشط كلما ازدحمت الدار، فتتورد وجنتاه وشفتاه، وكأنما هو استقبال فخم، مضيفه الذي يرحب به هو بول!

وإن الموسيقيين ليستوون في مقاعدهم إذا بالمعلمة الإنجليزية قد حضرت بتذكرة للمقاعد التي يحجزها أحد أصحاب المعامل الكبار في الموسم، فارتبكت قليلًا حين وقع نظرها على بول، وأسلمته التذكرة مترفعة، ثم لم تلبث أن استحمقت من نفسها ذلك الترفع، وأجفل بول إذ رآها، فهمَّ أن يبعدها مستغربًا أن تكون هنالك بين هؤلاء الظرفاء والظريفات بملابسها الزرية، ولكن التذكرة ولا شك قد وصلت إليها من قبيل الرحمة والإشفاق! وخطر له ذلك وهو يهيئ لها مكانًا يحق لها أن تشغله كما يحق له حيث كان.

ولما بدأت الموسيقى غاص بول في كرسي خلفي وغاب عن وعيه، كما فعل منذ هنيهة في رواق الصور، ولم يكن ذاك لأن ألحان الموسيقى تعنيه أية عناية، ولكنه استراح عندما سمع أول نفثة من آلاتها، وشاعت في حناياه خلجة منعشة، خلجة كأنها خلجة الجني التي أحسها الصياد العربي في القمقم، وانبعثت فيه دفعة حية، وتراقصت الأضواء أمام عينه، وسطعت القاعة برونق يفوق مدى الخيال، ولما اشتركت الأحاديث — ترجمة لكلمة منولوجست الذي يلقي دوره منفردًا — بنغمة «السبرانو» استسلم بول لنشوته الخاصة التي تحركها فيه مثيلاتها، واتفق أن المغنية كانت امرأة ألمانية ليست على كل حال بالفتية في ريعان الفتوة، ولها أطفال كثيرون، إلا أنها كانت تلبس ثوبًا من الحرير، ويزدان رأسها بإكليل جميل، وتحفُّ بشخصها تلك الهالة التي تُستعصى على البيان، وتشفُّ عن النضج والتمام، وما تشعه عليها النظرات العالمية من أشعة تحجب عن بصره كل عيب مظنون!

إن بول ليشيع في نفسه الهياج والابتئاس عقب كل دور من أدوار الموسيقى، فلا يهدأ حتى يذهب فينام، وكان قلقه في تلك الليلة خاصة أشد من قلقه في سائر الليالي؛ إذ كان يحس أنه عاجز عن تسكين سورته، وأنه لا يطيق أن يترك تلك النشوة اللذيذة التي كانت عنده دون غيرها جديرة أن تحسب من الحياة، وفي أثناء العزفة الأخيرة تسلل من المكان، وبدَّل ملابسه على عجل، وانفتل إلى الباب الجانبي حيث تقف مركبة المغنية، ثم راح يتمشى جيئة وذهابًا مسرع الخطا، مترقبًا أن يراها وهي خارجة!

•••

وكان بناء «شنلي» من ثمة يتراءى في شكله القائم ضخمًا رصينًا خلال الرذاذ، تسطع الأضواء من نوافذه في طباقه الاثني عشر، كأنها لعبة الورق تحت شجرة عيد الميلاد، وفي هذا البناء يقيم كل ممثل وممثلة، وكل مغنٍّ ومغنية من ذوي الصيت حيثما حضروا إلى المدينة، كما يقيم فيه ذوو المصانع الكبار أيام الشتاء، وطالما وقف بول هنالك يتتبع الداخلين والخارجين ويتمنى لو يتاح له أن يعيش هناك ويودع المعلمين وشواغلهم المملة حيث يعملون!

ثم خرجت المغنية أخيرًا يصحبها المدير الذي ساعدها وهي تركب، وأقفل باب المركبة يحييها مودعًا تحية ملؤها الودُّ والعطف جعلت بول يسائل نفسه: عساها كانت عشيقة له من قبل!

واقتفى المركبة إلى الفندق مهرولًا كي يقترب من المدخل ولا يكون بعيدًا منه حين تهبط المغنية من المركبة، ونزلت المغنية ثم اختفت وراء الباب الزجاجي الدوار حيث فتحه لها زنجي في معطف طويل على رأسه قبعة عالية، وخُيِّل إلى بول أنه هو أيضًا قد دخل معها ورافقها على السلم إلى الحجرة الدافئة الوثيرة والعيشة الوادعة الرخية، وأرسل خياله يتصور الصحاف اللامعة والقناني الخضر المثلجة التي يؤتى بها إلى حجرة المائدة، كما يراها في ملاحق صحف الآحاد. وانهمرت دفعة من الريح فجأة بسيل من المطر الغزير، فارتاع بول إذ تنبه إلى موقفه هناك على الحصباء، مبتل الحذاء لاصقًا به معطفه المبلل الهزيل! ورأى النور أمام الملعب قد انطفأ والمطر يرسل بينه وبين النوافذ البرتقالية اللامعة ستارًا من الماء. وها هو ذا ينظر إلى ما يشتهيه ماثلًا أمامه كأنه زفة ليلة عيد الميلاد السحرية وهو واقف حيث يصك المطر وجهه يتساءل في قرارة خاطره: أتراه مقدورًا له أن يقف ثمة أبدًا يرتعد ويتطلع فوقه في جوف الليل البهيم؟!

ثم استدار فمشى على رغمه إلى ناحية الممر الذي تعبره المركبات، ولا بد مما ليس منه بد في خاتمة المطاف: أبوه في ملابس النوم على رأس السلم، وأعذاره ليست بأعذار، وتلفيقات مخترعة لا تزال تتوارد على ذهنه، وحجرته العليا بورقها المصفر الكريه على الجدران، والمنضدة الصرارة الوضرة، ومن فوقها صورة جورج واشنطون وصورة جون كلفن والكلمة المحفورة، «أطعم خرافي» بلونها الأحمر كما كتبتها أمه فيما يعلم، وليس في ذاكرته منها أثر.

وبعد نصف ساعة نزل بول من إحدى مركبات شارع «نيجلي» ومشى متمهلًا إلى أحد الأزقة المتفرعة على الطريق العام، وكان هذا الطريق من الطرق المحتشمة، تقوم مساكنه على نسق واحد حيث يعيش أصحاب الأعمال من الطبقة الوسطى بين ذويهم وأطفالهم، الذين يذهبون إلى مدارس الأحد، ويستظهرون الأجوبة الدينية المختصرة، ويحتفلون بدروس الحساب، ويلوحون كمساكنهم أشباهًا في كل شيء وفقًا للمكان الرتيب الذي يعيشون فيه!

ولم يكد بول يذهب قط إلى شارع كورديليا حتى أحسَّ للمنظر قشعريرة من النفرة والكراهية؛ إذ كان بيته مجاورًا لبيت القسيس، فاقترب منه تلك الليلة خاصة يملؤه شعور متبلد بالهزيمة وإحساس قانط بالرجعة الدائمة إلى جو الدمامة والبذاذة الذي يطبق عليه كلما قارب بيته، وما انحرف إلى شارع كورديليا حتى أحسَّ المطر فوق رأسه، وشاع في حناياه ذلك الهمود الذي يغشاه على أثر كل ملهاة قاصفة من ملاهيه تلك، كأنه الهبوط البدني الذي يعقب كل إسراف! سرر متواضعة، وأغذية شائعة، ومسكن ينضح بروائح المطبخ، ونفرة من كل ما لا طعم له ولا لون له ولا مزية فيه من أنماط المعيشة المتكررة كل يوم على وتيرة واحدة، واستولى عليه شوق جامح إلى كلِّ وثير مصقول وإلى الأنوار الناعمة والرياحين النضرة المطلولة!

وكلما اقترب ناحية البيت تجسمت فيه تلك النفرة من كل ما تقع عليه العين هنالك؛ من حجرة نومه الشوهاء، وحجرة الحمام الباردة، وإجانتها الكالحة القصديرية — طشت الغسيل — ومرآتها المشدوخة والفوهات المثرثرة. وأبوه هنالك على رأس السلم يطل شعر ساقيه من قميص النوم وقدماه في مداسه المعهود من وبر السجاد!

لقد تأخر تلك الليلة عن موعده فوق ما تعود، فلا مناص من الأسئلة والتأنيبات المألوفة، فتريث عند الباب، وبدا له أنه غير مستطيع تلك الليلة أن يتعرض للموشح المنتظر، وأن يتقلب على السرير الحقير، غير مستطيع أن يدخل، وسيخبر أباه أنه لم يجد أجرة السيارة، وأنه وجد المطر غزيرًا، فذهب مع صديق له إلى منزله وبات لديه.

إلا أنه كان مبتلًا متبردًا فدار حول المنزل إلى خلفه، وعالج الدخول من إحدى النوافذ فانفتحت، وتسلق في حذر ثم هبط من جدار قبو الطعام إلى البلاط، وهنالك وقف يمسك أنفاسه مذعورًا من وقع حركاته، فلم يسمع صوتًا فوقه ولم يسمع صريرًا على السلم ووجد على مقربة منه صندوق صابون فحمله إلى شريط النور الذي كان ينفذ إلى المكان من باب الفرن وجلس عليه، وكان من طبعه الفزع من الجرذان، فلم يحاول أن ينام في موضعه، بل جلس متوجسًا ينظر إلى الظلام ولا يزال على وجل أن يكون قد أيقظ أباه!

في أمثال هذه المآزق، بعد التجارب التي تلف عليها الليالي والأيام، حول أوقات التقويم الموحشة، إذ تصاب حواسه بالكلل، يظل رأسه صحوًا على الدوام؛ ماذا لو كان أبوه قد سمعه وهو يتسلق إلى النافذة وأطلق النار عليه يحسبه من لصوص الليل؟ بل ماذا لو كان أبوه أقبل نازلًا وفي يده المسدس فصاح يبغي النجاة، وأجفل أبوه رعبًا إذ يرى أنه أوشك أن يقتله؟ بل ماذا لو جاء يوم بعد ذلك فذكر أبوه تلك الليلة، وود لو أنه لم يكن سمع الصيحة التي كفت يده عن إطلاق النار …؟ وعلى هذا الخاطر بقي بول يكبحه في نفسه حتى الصباح.

كان يوم الأحد التالي جميلًا تسري في هوائه نفحة من بقايا الخريف الصيفي تدفئ جو نوفمبر القارس، وكان على بول أن يذهب إلى الكنيسة يوم الراحة كما هي العادة، وكان من دأب سكان شارع كورديليا أيام الأحد المصحية أن يجلسوا بعد الظهر أمام المنازل على مقاعدهم المنقولة، ويتكلم كل منهم إلى جاره على المقعد القريب أو ينادي يعضهم بعضًا من شاكلته إلى شاكلته في ألفة الجيران والأحباب. فيقعد الرجال على الحشايا المزركشة التي توضع على الدرج الهابط إلى الممشاة، على حين يقعد النساء في صدارات الأحد على الكراسي الهزازة فوق الطنف، مظهرات غاية الرضا والغبطة بمجالسهن، ويلعب الأطفال في الشوارع وهم كثار يخيل إلى الناظر إليهم أنه أمام روضة من رياض الأطفال، وترى الرجال الذين على الدرج قد حلوا عرى قمصانهم، ولَوَوْا أكمامهم، وانفرجت سوقهم، وامتدت أكراشهم أمامهم، وراحوا يتحدثون عن الأسعار أو يروون النوادر المستطرفة عن لباقة رؤسائهم أو أصحاب أعمالهم، ويلتفتون لحظة بعد لحظة إلى جمهرة الأطفال اللاغطين، وقد تعالت أصواتهم الخنفاء، ناظرين إليهم نظرات الحنان متفرسين أشباههم تتوارثها ذريتهم، مستعيدين في الذاكرة تبليغات الأساتذة عن درجاتهم المدرسية وتقدمهم في الفصول، مع ما يحكونه لهم من أساطير ملوك الحديد.

وجلس بول بعد الظهر يوم الأحد الأخير هذا على أسفل الدرج يحملق في الطريق، وأخواته على كراسيهنَّ يتحدثن إلى بنات القسيس في الدار المجاورة عما صنعن من القمص خلال الأسبوع، وعما أكله بعضهن في عشاء الكنيسة الأخير. ويصنع البنات شراب الليمون إذا سخن الجو وبدت على أبيهن أمارات الرضا والانشراح، فيحضرنه على الدوام في قارورة حمراء تزينها الأزهار على منديل مطرز الحواشي، وكان البنات يحسبنه لهوًا ظريفًا أن يمزح الجيران معهن حول ما في لون القارورة من المعاني والإشارات!

وفي ذلك اليوم كان والد بول على أعلى الدرج مشغولًا بالحديث مع فتًى يحمل طفلًا فوق ركبتيه، وينقله من ركبة إلى ركبة لحظة بعد أخرى، واتفق أنه كان الفتى الذي تعوَّد المعلمون أن يتخذوه مثلًا يحتذي به بول، محمر الطلعة مضغوط الفم ضعيف النظر يضع على عينيه نظارة يدور سلكها الذهبي على أذنيه، وكان كاتبًا لتاجر كبير من تجار الصُّلب، معدودًا في الشارع من الشبان ذوي المستقبل! ومن أقاصيصهم عنه أنه منذ خمس سنوات — وهو الآن لا يزيد على السادسة والعشرين — كان من شبان الهوى بعض الشيء، فأشفق من عواقب المجون، وبادر إلى الزواج عملًا بنصيحة رئيسه، كبحًا لنزواته، فاختار أول فتاة رضيته، وكانت مدرسة نحيلة تكبره سنًّا، وتضع مثله النظارة على عينيها، فولدت له حتى الآن أربعة أطفال كلهم قصار النظر على مثالها!

وفي ذلك اليوم كان الفتى يقص أخبار رئيسه الذي كان يومئذٍ يسبح على شواطئ البحر المتوسط ويتلقى المعلومات يومًا يومًا منه عن سير العمل، فيقول كيف أنه يرتب أوقاته على اليخت كأنه في البيت، وكيف يشغل بإملائه كاتبين على الآلة الكاتبة. أما والد بول فكانت قصة حديثه عن مشروعات الشركة التي يعمل فيها لتسيير سكة الكهربا بشوارع مدينة القاهرة، فجعل بول يصرف أسنانه ويتوقع أن ينقلب المجلس قبل أن يفضي إليه، بيد أنه كان يحب أن يصغي إلى تلك الأساطير عن ملوك الحديد، يعيدونها من أحد إلى أحد، وإلى أخبار القصور في البندقية وسفن اليخوت على شواطئ البحر المتوسط، وموائد اللعب في مونت كارلو، ويقع هذا الحديث موقع الارتياح في مخيلته، ويشوقه ما يقال عن موظفي الصندوق والفتيان الذين وصلوا من صناعة الصيرفة إلى الشهرة، وإن لم يكن من همه أن يعمل صيرفيًّا على صندوق.

وبعد العشاء راح مع أخواته يجفف الصحاف، ويسأل أباه مضطربًا: أيسمح له أن يذهب إلى جورج ليستعين به على بعض مسائل الهندسة، وسأله باضطراب فوق اضطرابه ذاك: أيعطيه أجرة السيارة؟ واضطر إلى إعادة السؤال الأخير لأن أباه كان يكره أن يسمع سؤالًا يتعلق بالفلوس كثرت أو قلت. فقال أبوه: أليس في وسعه أن يذهب إلى تلميذ قريب من الدار؟ ثم نهاه أن يؤخر عمل المدرسة إلى يوم الأحد، إلا أنه أعطاه الأجرة المطلوبة.

ولم يكن أبوه فقيرًا ولكنه كان يطمع أن يصبح شيئًا في العالم، ولم يأذن لبول أن يعمل في قاعة الموسيقى إلا لأنه كان من مذهبه أن يحصل الولد على بعض الكسب كائنًا ما كان!

صعد بول قفزًا على السلالم، فمسح من يديه وضر الصحاف وغسلَهما بالصابون الذي يكرهه لرائحته الرديئة، ورشَّ على أصابعه قطرات من ماء البنفسج الذي يخفيه بقارورته في درجه، وغادر المنزل وكتاب الهندسة تحت إبطه، وما كاد يفارق شارع كورديليا ويركب السيارة إلى المدينة حتى نفض عنه فتور يومين كاملين، وثاب كرة أخرى إلى الحياة.

وكان رئيس فرقة الشبان التي تمثِّل في أحد المسارح بالمدينة من معارف بول، وقد دُعي إلى الإنشاد ليالي الآحاد كلما تيسر له الحضور، وقد مضى أكثر من سنة على بول وهو يقضي كل وقت ممكن حول حجرة ملابس شارلي إدوارد، وكان له بعض الحظوة في صحبته، لا لأن الممثل الشاب لم تكن له طاقة باستخدام وصيف يساعده في اللبس، بل لأنه أنس من بول نوعًا من «الصلاح» الذي يشبه ما يسمى في عُرف الكنائس بالهداية!

وإنما كان بول يعيش حقًّا في المسرح وقاعة كارنيجي، أما ما عدا ذلك فللنوم والنسيان، ذلك كان «سر» بول الذي كان له في نفسه ما لسر الغرام الخفي، وما هو إلا أن يستنشي نكهة العشب والطلاء والمساحيق المتناثرة، حتى يحسَّ إحساس السجين إذ يتنسم نسمات الحرية ويشعر من نفسه كأنه قادر على الكلم البارع والعمل العجاب، ولا تكاد الفرقة الموسيقية تستهل العزف حتى تصدر منه السخائف والمضحكات، وتلتهب حواسه ولكنه التهاب لذيذ!

ولعله لاقتران الحياة الطبيعية بالقبح على الدوام في نظر بول كان «العنصر الصناعي» ضروريًّا عنده للجمال، أو لعله لامتلاء حياته في غير هذه البيئة بمدارس الآحاد، والأذكار الدينية، وصغائر النفقة، ونصائح النجاح في المعيشة، كانت هذه البيئة جذابة له بالحلل الأنيقة التي يلبسها الرجال والنساء، وبتلك التفاحات أو الثريات التي تلمع على الدوام تحت أشعة الضياء!

ومن العسير أن نبالغ في تصوير شعوره بالأفق السحري الحق كلما عبر باب المسرح، فلا شك أن أحدًا من الرفقة لم يكن يتنبه لهذا الشعور في طواياه، وبخاصة شارل إدوارد، فقد كان هذا أشبه بالأقاصيص القديمة التي كانت تحفُّ باسم لندن الخفية، وما احتوته من أولئك اليهود الخرافيين ذوي اليسار الذين يلوذون تحت الأرض بالسراديب ذات النخيل والأعشاب، والنوافير والقناديل، والحور الحسان في الحلل والطيالس، مقصورات تحت الأرض لا يبرزن إلى النور، وكذلك كان بول يجد هيكله المسحور، وبساطه الطيار، وفص الأماني والأحلام، بين تلك الشخوص والدواخن، ويعاين فيها ما يحلم به في شواطئ البحر المتوسط السابحة في الأضواء.

ولقد حسب كثير من معلميه أن خياله قد اختل بقراءة الأساطير وغرائب الأقاصيص، ولكنه في الواقع لم يكن يقرأ إلا قليلًا أو أقل من القليل، ولم تكن الكتب الميسرة له في البيت مما يغريه أو يفسد عقل الفتى إذا اطلع عليه، أما الروايات التي كان بعض أصحابه يستميله إليها فقد كانت بغيته من أمثالها تتحقق بالإصغاء إلى الموسيقى: أي موسيقى من الفِرق العازفة إلى أرغن الطريق. وكل ما كان يحتاج إليه شرارة تنقدح ثم يستولي خياله على حسِّه ويتكفل لنفسه بالصور والنوادر من خلقه وتوليده، كذلك لم يكن بول مفتونًا بالمسرح على النحو المفهوم من هذه العبارة؛ إذ لم يكن من أمانيه أن يشتغل بالتمثيل، ولا أن يشتغل بالموسيقى، ولم تنبعث فيه رغبة قط في صنيع من هذا القبيل، وإنما كان همه كلُّه أن يرى وأن يُحاط بذلك الجوِّ، ويسبحَ على أمواجه، ويذهبَ مرحلةً في أثر مرحلةٍ بعيدًا بعيدًا من كل شيء!

وكلما قضى ليلة بين هذه المناظر عاد إلى المدرسة أشدَّ نفورًا وكراهة مما كان؛ ذلك البلاط العاري، وتلك الجدران الجرداء، وأولئك القوم الذين لم يلبسوا قط حلة السهرة، ولم يضعوا قط زهرات البنفسج في عروة رداء، وأولئك النسوة في مآزرهن الكابية وأصواتهن الناشزة، وجدهن الصغير حول قواعد الآجرومية والإعراب! وكان لا يطيق أن يتخيل التلاميذُ الآخرون أنه يهتم جدًّا بهذه الخلائق، ولا بد له أن يوقع في روعهم أنه مستخف بهم، وإن مقامه بينهم إنما هو محض سخرية ومزاح، وقد كانت عنده صور مهداة إليه من جميع أعضاء الفِرق المسرحيين، يريها لزملائه ويحدثهم عن ألفته لأصحابها أعجب الأحاديث التي لا تُصدق، ويحكي لهم ما يروقه عن صداقته للمغنيات اللائي يأتين إلى قاعة كارنيجي، وموائد العشاء معهن، وباقات الزهر التي يرسلها إليهن، فإذا فقدت هذه الحكايات فعلها في نفوس زملائه، ولم يكترث لها سامعوه منهم، ودَّعهم وانصرف، وهو يزعم لهم أنه ذاهب إلى سياحة بين نابلي وكاليفورنيا ومصر، ثم يعود يوم الاثنين التالي مبتسمًا، شاعرًا بموقفه، معتذرًا بمرض أخته الذي ألجأه إلى تأخير السفر وإرجاء السياحة إلى الربيع.

وظلت الأمور تزداد سوءًا مع بول في مدرسته وبين زملائه ومعلميه، تستفزه الرغبة في إشعار معلميه أنه يحتقرهم وأن له مكانة ومكانًا بين سواهم، فيقول إنه لا يستطيع أن يفرغ وقته لهذه النظريات والقضايا، ويضيف إلى ذلك وهو يزوي حاجبيه ويمزج كلامه بتلك اللهجة المرتفعة التي تحيرهم أنه مشغول بمساعدة القوم في الفِرقة الموسيقية، وأنهم أصدقاء له قدماء!

ثم انتهت المسألة بذهاب الرئيس إلى والد بول، وإخراج بول من المدرسة ليؤدي عملًا من الأعمال، وقيل لمدير قاعة كارنيجي أن يبحث عن حاجب مستقبل غيره، وقيل لبواب المسرح ألا يدخله إذا جاء، ووعد شارل إدوارد على أسف منه ألا يقابله بعد ذلك، وقد كانت قصة بول تسلية وفكاهة لأعضاء الفِرقة حين سمعوا بها، ولا سيما النساء، فإنهن جميعًا نساء عاملات جادات يعملن ليعُلْنَ أزواجًا كسالى أو إخوة عاطلين! وقد ضحكن كثيرًا — وإن يكن ضحكًا تخالطه المرارة — لأنهن دفعن الصبي على غير علم منهن إلى اختراع تلك النوادر، ووافقن إدارة المدرسة ووالد بول على أنه مثل رديء.

•••

كان قطار الشرق يخترق عاصفة ثلجية من عواصف يناير حين أخذت أشعة الفجر الراكد تتسرب إلى الأنظار، وصفَّر القطار على مسافة ميل من نيويورك، فانتفض بول على مقعده حيث كان متحويًا في نومةٍ قلقةٍ، ومسح بكفه زجاج النافذة وأطلَّ يستطلع ما وراءه.

كان الثلج يتساقط لفة لفة على الأرض المبيضة مما تراكم عليها وعلى الحواجز، إلا أطرافًا من الحشائش الميتة تطلع رءوسها من فوق تلك الثلوج المتراكمة، ولاحت الأضواء من المنازل المبعثرة، وراحت طائفة من العمال على الطريق تلوح بمصابيحها.

ولم ينم بول غير قليل، فأحسَّ في نفسه الكدر والتعب، وكان قد عبر مسافة الليل في مركبة صباحية؛ لأنه خشي إذا هو سافر بمركبة البلمان أن يقع عليه نظر رجل من رجال الأعمال في بتسبرج رآه بمكتب دني وكارسون، فلما أيقظته الصفارة أسرع بيده يلمس جيب صداره ويدور ببصره، وهو يبتسم ابتسامة مترددة … وكان الإيطاليون الصغار الملطخون بالطين لا يزالون مستغرقين في النوم، والنسوة الحشفات في الممشى يفغرن أفواههن، وسكت حتى الأطفال الصاخبون الذين لا ينقطعون عن البكاء، فحاول بول أن يغالب قلقه ما استطاع.

فلما وصل إلى محطة جرسي تناول طعام الإفطار على عجل وامتعاض، وهو لا يكف عن النظر إلى ما حوله، ثم نزل بعد محطة الشارع الثالث والعشرين فدعا بسائق، وركب معه إلى دكان من دكاكين اللوازمات للرجال، لم يكد يفتح بابه في أول النهار، فقضى ثمة أكثر من ساعتين مدققًا مبالغًا في تدقيقه، ولبس كسوته الخارجية الجديدة في المقصورة، وطوى معطفه وسائر ملابسه في المركبة مع قمصانه الجدد، ثم ركب إلى دكان للقبعات والأحذية، وكانت وجهته التالية إلى «تيفاني» حيث انتقى بعض الفرش المفضضة ودبوسًا للقاع لم ينتظر ريثما تنقش على فرشته علامتها، بل ذهب إلى دكان الحقائب فوضع مشترياته في أكياس متفرقة من أكياس الأسفار.

كانت الساعة قد جاوزت الواحدة بقليل، فركب إلى «والدورف» وولج باب المكتب بعد محاسبة الحوذي، وكتب أمام اسمه أنه قادم من واشنطون، وزعم أن والديه مسافران في الخارج، وأنه قدم لانتظار وصولهما على الباخرة، وحكى قصته هذه بغير ريبة، فقوبلت بغير مشقة؛ لأنه عرض عليهما أن يدفع الأجر عنهما سلفًا، واستأجر حجرة للنوم وأخرى للجلوس مع الحمام!

ولم يكن بول قد رسم هذه الخطة للسفر إلى نيويورك مرة واحدة، بل مائة مرة، وكان قد راجع تفصيلاتها مع شارلي إدوارد، وعنده في دفتره بالدار صفحات وافية بوصف فنادق نيويورك مقطوعة من صحف الآحاد.

ولما قادوه إلى حجرة الجلوس التي اختارها في الطبقة الثامنة، وجد كل شيء على ما يرام، لا يعوزه من الصورة التي رسمها في ذهنه إلا الأزهار والرياحين، فدق الجرس للغلام وأرسله في طلب باقة منها، وظلَّ يحوم قلقًا حتى رجع إليه الغلام، فجعل يخلع ملابسه الجديدة ويجسها بأصابعه في ارتياح، فلما جاءته الباقة أسرع فوضعها في الماء، وغطس في حمام ساخن، ثم خرج من حجرة الحمام البيضاء متسربلًا بملابسه الحريرية القشيبة، يلعب بأهداب ثوبه الأحمر، وكان الثلج يتساقط دراكًا خارج النوافذ يحجب النظر حتى لا يكاد يُرى ما هنالك، ولكن الهواء في الداخل ناعم عطر، فوضع البنفسج والنسرين على الكرسي الصغير بجانب السرير، وألقى بنفسه وهو يتنهد مستريحًا، ويجذب عليه الملاءة الرومانية … وكان متعبًا بعد الحركة المتلاحقة، والتوتر اللاعج، والمسافة الطويلة التي عبرها خلال الأربع والعشرين ساعة الأخيرة، حتى خلص إلى نفسه آخر الأمر يفكر كيف كان ما كان، وسكن إلى أصداء الريح وإلى الهواء الدافئ وريَّا الأزهار المعطرة الندية، فاسترسل في المراجعة والاستعادة بين اليقظة والتهويم.

لقد كان الأمر مدهشًا لفرط بساطته، فإنه لما أقصوه عن المسرح وقاعة الموسيقى، وحرموه قوام حياته، تقرر كل شيء في عزيمته، فلم يكن ما بقي إلا مسألة فرصة تنتهز في أوانها، وإنما أذهلته جرأته؛ لأنه كان يدرك أنه طريد الخوف والجزع، لكثرة ما كان يلفقه من الأكاذيب التي كان خوفه من افتضاحها يلاحقه ويطبق عليه، ويشدُّ عضلات بدنه، فلا تزال تضيق به ثم تضيق، ولا يذكر حتى الساعة زمنًا لم يكن فيه خائفًا من شيء من الأشياء، وكذلك كان منذ طفولته يترقب ذلك الشيء المخيف وراءه أو أمامه أو على جانبيه، فلم يكن له مهرب من الركن المظلم الذي لا يجسر على مواجهته واستطلاعه، ولكنه لا يفتأ يتوهم أن أحدًا يواجهه منه ويستطلعه … وطالما فعل ما ليس بالمستحسن أن تقع عليه عيناه وهو أعلم بما فعل! أما الآن فقد استولى عليه شعور عجيب بالخلاص، كأنما هو قد ألقى القفاز وتحدى ذلك الشيء المخيف وراء ركن الظلام!

على أنه لم يمضِ غير يوم واحد منذ كان يتلفت إليه وهو يتعقبه ويطارده، كان أمس عند الأصيل إذ أرسلوه بوديعة دنى وكارسون على حسب العادة، وأمروه هذه المرة أن يدع الدفتر للموازنة، وكان هنالك أكثر من ألفي ريال محولة، ونحو ألف ريال من ورق العملة، أخذها جميعًا وحوَّلها إلى داخل جيبه، واستخرج في المصرف قسيمة إيداع جديدة، وبلغ من هدوء أعصابه أنه عاد إلى المكتب فأتم عمله والتمس الترخيص له في الغياب يوم الغد — وكان يوم سبت — منتحلًا لذلك عذرًا مقبولًا، وقد علم أن الدفتر لن يعاد قبل يوم الاثنين أو الثلاثاء، وإن أباه يومئذٍ يكون غائبًا عن البلدة بقية الأسبوع، ولم يداخله شعور التردد طرفة عين منذ وضع ورق العملة في جيبه إلى أن استقل القطار إلى نيويورك!

وما أسهل ما حدث هذا كله، فالآن لا أيقاظ ولا أشباح تنتظره عند أعلى السلم، وظل يراقب نتف الثلج من وراء النفاذة إلى أن استغرق في السبات العميق.

كانت الساعة الرابعة بعد الظهر عندما أفاق من نومه، فوثب في قفزة واحدة. لقد ضاع يوم من أيامه القلائل الثمينة، فقضى نحو ساعة يلبس ويتأنق ويتطلع إل المرآة، وتم كل شيء على الوجه المطلوب، فهو الآن ذلك الفتى الذي طالما تمنى أن يكونه منذ سنوات!

واستقل مركبة بعد نزوله، فاتجه بها إلى الشارع الخامس نحو المتنزَّه، كان تساقط الثلج قد خف قليلًا، وانطلق السابلة والمركبات يذهبون ويجيئون هنا وهناك في شفق الشتاء، وظهر الغلمان بملابسهم الصوفية يجرفون الثلج من درج الأبواب، ولاحت دكك الشارع بألوانها معارضة للبياض من جانب الشارع، وبدت في الزوايا حدائق الرياحين مزدهرة وراء نوافذ الزجاج التي كان الثلج يتساقط عليها ويذوب فوقها: بنفسج وورد وقرنفل وليلاق، تتألق على نحو أبهج جدًّا وأفتن من معهودها، إذ كانت على غير العادة تتألق بين الثلوج، وكان المتنزه نفسه منظرًا عجبًا من مناظر الشتاء!

ولما قفل راجعًا كانت فترة الشفق قد انتهت وتغيرت نغمة الشوارع والطرقات، وعاد الثلج يتساقط دراكًا وفاضت الأنوار من الفنادق التي ارتفعت طباقها تتحدى الرياح الغاضبة من قِبل المحيط الأطلسي، وتلاحقت أرتال من السيارات تقاطعها عرضًا أرتال أخرى من مفارق شتى في الطريق، وكان على باب فندقه نحو عشرين مركبة مما اضطر حوذيه إلى التريث حيث يشاهد الصبية خدم الفنادق في أكسيتهم الملونة يعدون مقبلين مدبرين على البسط الممتدة من الباب إلى الطريق، وفي كلِّ مكان من فوق ومن الداخل وعلى الجانبين ضجيج وزحام يكتظ بألوف من الخلائق الآدمية، كلهم متلهف كلهفته على المتعة والسرور، ويدور بعينيه فلا يرى ثمة إلا دلائل الصولة والحول والطول، تثبت ثبوت اليقين سلطان الثراء القادر على كل شيء!

وصرف الصبي أسنانه، وضيق ما بين منكبيه وانتابته نوبة إدراك وتصديق لما تمناه، فهذا محور الروايات، ومدار الأساطير، ومادة العصب الذي يختلج بكل شعور يدور من حوله دوران الثلج المتساقط في الهواء، وكأنما هو هنالك وقود من الحطب في إعصار!

ولما هبط بول من السلم لتناول العشاء قابلته أنغام الموسيقى من فتحة المصعد تحييه، فتقدم إلى الرواق المزدحم، وجلس على أحد المقاعد عند الحائط يستعيد أنفاسه، وخطر له لحظة أن هذه الأنوار، وهذه الأصوات، وهذه الروائح المعطرة، وهذه الألوان المتعددة، فوق طاقته ووراء قدرته على الاحتمال، إلا أنها لحظة، لحظة ليس إلا؛ فإنما كان هؤلاء جمهوره المختار، كما قال لنفسه، وتمشى بين الأروقة متمهلًا خلال حجرات الكتابة والتدخين والاستقبال، كأنه يستكشف الغرف والحجرات في قصر مسحور مشيد ومسكون من أجله دون سواه!

ثم بلغ حجرة المائدة فجلس إلى مائدة بجوار النافذة، وفاضت عليه أحلامه تذهله بلألائها من قِبل هاتيك الأزاهير النضرة، وتلك المفارش الناصعة، وتلك القوارير الملونة، وتلك الحلل الفرحة، وتلك السدادات الخافتة وهي تتفتح، وتلك الأنغام المترددة من جانب الفِرقة وهي تعزف لحن الدانوب الأزرق، فلما أضيف إليها شعاع قدحه المتدفق بشراب الشمبانيا المورد، باردًا فوارًا، يعلوه رغو الحباب، غلا به العجب أن يكون في الدنيا أناس يدينون بالأمانة والربح الحلال!

هذا كل ما يقتتل عليه الناس. هذا كل ما يدور عليه القتال. لقد كاد يرتاب في ماضيه ويتساءل: أكان قد عرف قط مكانًا يسمى شارع كورديليا؟ مكانًا يتلاحق فيه الأبذاذ من أحلاس الشغل وراء سيارة الصباح الأولى؟ ما كان هؤلاء كما تخيلهم بول تلك الساعة إلا كالمسامير في الآلة الكبرى، يقززون الناظر بنثار الشعر على معاطفهم من أمشاط صغارهم، ورائحة المطبخ في ثيابهم … شارع كورديليا؟! آخ، ذلك شيء في زمان غير هذا الزمان ومكان غير هذا المكان، وهل أتى عليه حين من الدهر قط لم يعش فيه حيث هو عائش تلك الساعة ولم يسهر فيه غير سهرته تلك الليلة بعد الليلة؟ وهل يعود على مدى الذاكرة إلى بيئة غير تلك البيئة حيث يلمس ما هو لامسه الآن بين إبهامه وبنصره من ذلك القدح الدهاق!

ولم يدر بخلده قط أنه متهيب أو منفرد، ولم تساوره رغبة خاصة أن يعرف أحدًا من هؤلاء الناس، كل ما كان يحيك بصدره أن يستمتع بالنظر والتأمل وأن يشهد ذلك الموكب بعينيه، وحسبه المنظر المعروض أمامه، فهو غاية ما يصبو إليه!

وما دار بخلده كذلك أنه متهيب أو منفرد في مقصورته بدار الأوبرا ذلك المساء، بل خلص تمامًا من هواجسه ومن نوازع التهجم بالإساءة كي يُرى مخالفًا لما حوله، بل كان يحس أن ما حوله الآن يفسره ويشرحه ويوائمه وما من أحد يرتاب في حلة الأرجوان، فإنما عليه أن يلبسها غير متفخم، وهذا يكفيه! عليه أن يرمق كسوته الأنيقة ليكون على ثقة أنه في سمته هذا لن يتعرض للاستخفاف من أحد أو للنظر إليه من علٍ.

وشق عليه تلك الليلة أن يفارق ردهة الجلوس الجميلة إلى حجرة نومه، فلبث برهة يرقب العاصفة الهائجة من نافذة البرج، فلما ذهب إلى الفراش أدار النور عليه، لِما طُبع عليه من الخوف من جهة، ولكيلا يخالجه الشك طرفة عين إذا استيقظ أنه سيرى هنالك ورق الجدار الأصفر وصورة واشنطون وكلفن فوق سريره.

وأصبح يوم الأحد والمدينة غارقة في الثلوج، فتناول بول طعام الإفطار متأخرًا، وصادفه بعد الظهر فتًى طالب حديث من سان فرانسيسكو، قادم إلى البلدة، قال له إنه أفلت في سبيل جولة أحدية، وعرض عليه أن يطلعه على أسرار الليل في المدينة، فذهبا معًا إلى العشاء، ولم يعودا إلى الفندق إلا الساعة السابعة من الصباح، وكانا قد ابتدآ الصحبة في حماسة الشمبانيا، ثم افترقا افتراقًا فاترًا عند المصعد، فأسرع الفتى الطالب الحديث يدرك قطاره إذ قصد بول إلى حجرة نومه، فلما استيقظ حوالي الساعة الثانية بعد الظهر أحسَّ الظمأ والدوار، ودق الجرس للخادم يأتيه بماء مثلج وقهوة مع صحف بتسبرج.

ولم يشتبه فيه أحد من جانب إدارة الفندق، فإنه مما يرعى عليه قد أحسن لباس كسوته في لياقة وكرامة؛ ولم يلاحظ عليه ما يلفت إليه الرقباء بصفة خاصة، وانحصر نهمه في سمعه وبصره، فلم يكن في إفراطه ما يسيء إلى أحد، وأسر ما كان يسره هنالك منظر الشفق الأشهب من نافذة حجرته، ومتعته الهادئة بالأزهار والملابس والإيوان الواسع وسيجارته، وشعوره بالاعتزاز والوجاهة، ولم يذكر أنه شعر قط بمثل هذا الوئام والسلام مع نفسه فيما مضى من حياته، مجرد الخلاص من اضطراره إلى الأكاذيب الحقيرة كل يوم، ويومًا بعد يوم أعاد إليه الثقة بكرامته … وما كان يكذب من قبل بمشيئته واختياره، حتى في المدرسة لمحض اللذة، إلا أن يكون ذلك لفتًا للأنظار والإعجاب ليؤكد لزملائه أنه شيء آخر غير سائر الصبية من شارع كورديليا، فهو الآن أوفر رجولة وأوفر إخلاصًا وصدقًا، حين لا يشعر في قرارة ضميره بالحاجة إلى نفخة الأبهة والادعاء، أو إلى «لبس الدور» كما كان أصحابه الممثلون يقولون. وتوالت أيامه الذهبية دون أن تشوبها شائبة من ندم أو أسف، بل كان يجتهد اجتهاده أن يستوفي كل يوم من أيامه إلى الثمالة!

وفي اليوم الثاني لوصوله إلى نيويورك وجد الحكاية كلها مستغلة مفصلة بكل إسهاب؛ في صحافة بتسبرج، مما يدل على أن الحوادث المحلية المثيرة كاسدة في تلك الأيام، وقد أعلن مكتب دني وكارسون أن والد الفتى سدد الغرم، وليس لدى المكتب نية المقاضاة، وحودث قسيس كمبرلاند فأعرب عن أمله في استرجاع الفتى الذي فقد أمه، وعزز هذا الأمل تصريح من ناظر مدرسة الأحد، وقد ترددت إشاعة فحواها أن الفتى شوهد في أحد الفنادق بمدينة نيويورك، فسافر أبوه شرقًا ليبحث عنه ويعيده إلى داره.

كان بول على أهبة اللبس للعشاء، فجلس على كرسي يُعْييه الوهن في ركبتيه، ويسند رأسه إلى يديه، وخطر له أنه لشر من السجن أن يعود إلى شارع كورديليا، وتوصد عليه تلك البيئة أبدًا بغير أمل في مفارقتها، وتمثلت له المعيشة الرتيبة سنوات متتابعات، لا تتخللها سلوة ولا نجاة، وتمثلت له مدرسة الأحد، واجتماعات الشبيبة، والورق الأصفر على الجدران، وفوط الغسيل المبللة بعد مسح الأطباق، فهجمت كلها على مخيلته واضحة حيث تسقم وتقزز بفرط وضوحها وحياتها، وعاوده الشعور القديم بسكوت الموسيقى والهبوط النفساني الذي يستولي عليه كلما اقتربت نهاية التمثيل، فتفصد جبينه عرقًا ووثب واقفًا، والتفت إلى المرآة، ثم ركن إلى تلك العقيدة الصبيانية في المعجزات التي كان يركن إليها كلما قصد إلى المدرسة خاوي الذهن من دروسه، فارتدى ملابسه، واندفع يصفر إلى الرواق متجهًا إلى المصعد، ولم يكد يدخل حجرة العشاء ويندمج في نغمات الموسيقى حتى انتعشت ذاكرته بتلك القدرة المرنة فيه على التفرغ للخطة الحاضرة، والصعود معها إلى حيث تصعد، والعكوف عليها دون ما عداها … واستعادت تلك الأضواء، وذلك اللألاء والبريق، وتلك المناظر والحواشي التي إلى جانبها، كل سلطانها الأول، وتخيل في نفسه أنه صيد طريد، وأنه سيختم كل شيء أوفق ختام، وشك أكثر من ذي قبل في وجود شارع كورديليا، فأسرف للمرة الأولى في معاقرة خمرته … أليس هو واحدًا من هؤلاء القوم؟! وجعل يرافق الموسيقى بنقرات عصبية، ويقول لنفسه مرة بعد مرة: إن الغنيمة تساوي ثمنها فلا أسف ولا ندامة!

ولقد سنحت له سانحة، وهو كالنعسان من الخمار، يستجيب لعزف القيثار ونشوة الشراب، أنها كان يمكن أن تدبر أحكم من هذا التدبير، وأنه كان أخلق به أن يركب إحدى البواخر إلى حيث ينجو من مخالبهم، لولا أنه لم يكد يسترسل مع هذه السانحة حتى تخيل العدوة الأخرى من الدنيا بعيدة بعيدة ليس لها قرار، وعلم أنه لم يكن مستطيعًا أن يصبر حتى ينتقل إليها، فقد كانت لهفته سريعًا عاجلة، فلو أنه اختار مرة أخرى ما يعمل لما اختار غير ما عمل، وأجال عينيه في حجرة المائدة إذ كان يغشاها تلك اللحظة دخان ذهبي رقيق، فعاد يقول لنفسه: آه، إن الغنيمة قد استحقت ثمنها بغير كلام!

وأفاق صباح اليوم التالي على نبض أليم في رأسه وقدمه؛ إذ كان قد ألقى نفسه على الفراش بملابسه دون أن يخلع حذاءه، فأحسَّ ثقلًا رصاصيًّا في أوصاله وأعضائه ويبسًا في لسانه وحلقه، وملكته نوبة من نوبات الصحو الذهني من دأبها ألا تنتابه إلا حين يعيا بجسده المتهالك وأعصابه المنحلة، فاضطجع هناك وأغمض عينيه، واستسلم لمد الحوادث يغمره ويحتويه.

إن أباه في نيويورك …

لعله الآن ينتقل من هذا المنعطف إلى ذلك المفترق …

وتعاقبت أمامه ذكريات فصول الصيف المتوالية على المقاعد القاتمة أمام الدور، فكأنما أغرقته هذه الذكريات فأثقلته بطوفان من المياه السود، ولم يبق معه من المال مائة دولار، بعد أن عرف الآن — فوق معرفته بذلك في كل زمان — أن المال هو كل شيء، وأنه السور الفاصل بين كل ما يشتهي وكل ما يكره، ودارت البكرة إلى نهايتها، وكان قد فكر في ذلك منذ ليلته الأولى الفاخرة بنيويورك ودبر بعض التدبير لإطالة الخيط ما وسعه أن يطول.

وها هي تلك البقية ملقاة على المنضدة أخرجها بالأمس بعد أن صعد على غير هدى من حجرة المائدة، فكان مرأى المعدن اللامع يؤذي عينيه، وينأى ببصره عنه ويخشى أن يلتفت إليه!

ونهض يتمشى بجهد أليم، ينتابه من لحظة إلى أخرى غثيان بغيض، إنه الوجوم الآنف مضاعفًا يتزايد ويتجدد، وكأنما الدنيا كلها قد أصبحت شارع كورديليا، إلا أنه على نحو ما لم يكن متخوفًا من أمر معلوم، وكان على طمأنينة لأنه قد نظر إلى الركن المظلم أخيرًا وعرف …

لقد كان فيما رآه الكفاية من السوء، ولكنه ليس من السوء بحيث كان يتوقع في مخاوفه الكثيرة، لقد وضح أمامه الساعة كل أمر، وملأه الشعور بأنه قد استخرج منها أحسن ما يمكنه، وعاش تلك العيشة التي تمناها، وقضى نصف ساعة يفتح حماليقه على المسدس أمامه، ويثوب إلى نفسه فيقول: كلا، ليس هذا هو الوسيلة، ثم نزل واستقل مركبة إلى العدوة، فانتقل إلى الجانب الآخر الذي يلي السكة الحديد.

واستقل مركبة أخرى وأمر الحوذي أن يساير خط بنسلفانيا إلى ظاهر المدينة، حيث تراكمت الثلوج على السكة الحديد وأطبقت على الحقول في الخلاء، ولم تكن الحشائش الميتة والأعشاب الجافة تطلع من تحتها إلا على بقعة هنا أو بقعة هناك، وقد اشتد سوادها بإزاء ذلك البياض.

فلما أفضى إلى الخلاء صرف الحوذي، ومشى يتعثر على مدارج الطريق، مشتت الذهن بين أمور مبعثرة لا ارتباط لبعضها ببعض، وخيل إليه أنه يحتفظ في دماغه بصورة واقعية لكل ما وقعت عليه عيناه منذ الصباح: فتذكر كل لمحة من ملامح الحوذيين، وتذكر العجوز الهتماء التي اشترى منها الزهر الأحمر المعلق في عروته، وتذكر العامل الذي أخذ منه التذكرة، وجميع زملائه في معبر العدوة … وكلَّت قواه الذهنية عن مواجهة الواقع المشهود أمام عينيه، فاشتغلت بمتابعة هذه الذكريات القريبة وترتيبها وتصنيفها، وكأنما اختلط جزء من أجزاء الدمامة والقبح في تركيبة هذه الدنيا بكل ما رحبت، مزيدًا عليها صداع رأسه ومرارة لسانه والتهابه! وانحنى فتناول قبضة من الثلج ووضعها في فمه، ولكنه خيل إليه أنه ملتهب كلسانه.

وبلغ إلى هضبة تسير السكة تحتها بنحو عشرين قدمًا؛ فتوقف وقعد …

وكانت القرنفلة في عروته قد ذبلت فمالت من البرد ولاحظ هذا كما لاحظ انطفاء لونها ونصول صبغتها، وقام بخاطره أن الأزاهير التي عاينها جميعًا في الليلة الأولى قد أصابها ما أصاب هذه القرنفلة منذ حين، فما حياتها جميعًا غير نفس واحد على الرغم من جرأتها بالسخرية والتحدي على الشتاء وراء الزجاج، وإنها لفي النهاية لعبة خاسرة تنتهي إليها هذه الثورة على العرف المتواتر الذي يطرد عليه مسير هذه الدنيا، ومد يده إلى زهرة من تلك الأزهار بعناية ورفق؛ وحفر في الثلج حفرة صغيرة ودفنها فيها، ثم استرسل يتأمل هنيهة في تلك الحالة الهزيلة، غير شاعر ببرد الهواء.

ثم أيقظه من ذهوله صوت قطار يقترب، فوثب قائمًا على قدميه لا يذكر شيئًا غير ما انعقدت عزيمته عليه، يخشى أن يفوت الوقت فلا ينجزه في أوانه، ووقف يرقب القطار المقترب، وقد اصطكت أسنانه وانفرجت شفتاه عن ابتسامة رهيبة، والتفت مرة أو مرتين إلى جانبيه كأنه يوجس هنالك من رقيب، فلما حانت اللحظة المحتومة قفز … فلما سقط ومضت في ذهنه حماقة العجلة التي أقدم عليها بوضوح لا يرحم، وانبسطت أمامه مساحة ما تركه وما فاته أن يتمه فسيحة رحيبة … ولمعت بين ثنايا رأسه أوضح من كل وضوح زرقة البحر المتوسط وصفرة رمال الجزائر على شاطئه!

أحسَّ شيئًا يصدم صدره … أحسَّ بدنه مقذوفًا في الهواء يعلو ويعلو، وتتراخى في الوقت نفسه أوصاله وجوارحه، وتحطمت الآلة التي تصنع لذهنه الصور! فارتجعت الصور المضطربة إلى سواد … وآب بول مع الظلام إلى قرار كل شيء!

(٤) إدنا فيربر Edna Ferber ١٨٨٧

قصصية مسرحية، ولدت في مشيجان، وألفت رواياتها الأولى وهي في نحو الثالثة والعشرين، ثم عدلت إلى كتابة القصص الصغيرة، فاتخذت لها بطلتها من شخصية المرأة «ربة الأعمال» باسم أما مكسني Mcchesney.
وألَّفت قصصًا أخرى جمعتها بعنوان «الأم أدري» وأصدرت خلال ذلك روايات مطولة أدارت أكثر موضوعاتها وموضوعات قصصها الصغيرة على الفوارق الخلقية والاجتماعية بين الأجيال المتعاقبة من النساء عامة، ومن الرجال في بعض الأحوال … وربما ألفت الرواية لبيان هذه الفوارق في أربعة أجيال متعاقبة! وقصتها التالية تلمس موضوع الأجيال من بعض نواحيه، وقد حولتها بمعاونة جورج كوفمان Kaufman إلى مسرحية ملحنة (سنة ١٩٢٤) وكان كتابها الذي ترجمت فيه حياتها بعنوان، «ذخيرة خاصة» وأصدرته بعد أن جاوزت الخمسين، تطبيقًا لدراسة الأجيال على نفسها من بعض الوجوه.

(٤-١) الشيخ مينيك لإدنا فيربر Old Man Minick By Edna Ferber

كانت زوجته تبالغ في تدليله، وتفرط في مبالغتها، كذلك كانت ولا نكران! إليك مثلًا مسألة الوسائد: لقد كان الشيخ مينيك ينام ورأسه مرتفع، أو هكذا كان يخال، كان يحب أن يرى الوسادتين إلى جانبه على فراشه الكبير العتيق المصنوع من خشب الكريز، ثم يغوص فيهما ويغط غطيطه بين الزفير والشهيق، مسترخي الأسارير مستريح الجوارح للرقاد، فإذا ما جاء الصباح كانت إحدى الوسادتين ترى دائمًا على الأرض؛ إذ كان يلقيها هنالك، فلا تفتأ صباح كل يوم راقدة على الأرض، وقد صعرت وجنتيها البارزتين كأنها تؤنبه إلى جانب الفراش.

وكانت مدام مينيك تعرف ذلك — بطبيعة الحال — بعد أن رافقت سرير الكريز زهاء أربعين سنة، ولكنها لم تنفس عليه قط هذه الوسادة، بل كانت تلتقطها كل صباح وهي في طريقها إلى النافذة تغلقها، وتعيد ترتيب الفراش بالوسادتين كما فعلت بالأمس.

ويأتي دور النافذة، فإن مدام مينيك تحب أن تكون مفتوحة على مصاريعها، ولكن الشيخ مينيك على ادعائه أنه رجل عصري، وأنه من رجال الساعة على حد تعبيره، كان يخشى هواء الليل، ويتوجس منه، ويقول إن هذا الهواء يخفي في طياته أدواء لا يتقى خطرها من البرد والرطوبة والعفونة والحمى، وسائر هذه الأمراض.

ولكن مدام مينيك كانت تراجعه، مؤكدة له أن هواء الليل كغيره من الأهوية، ولم تكن مدام مينيك امرأة حيزبونًا لا تفقه الأمور، فهي عصرية من قبيل زوجها، فإذا ذهبا إلى الفراش كانت النافذة مفتوحة، ولا يزالان يتبادلان أطراف الحديث في شتى الأمور بهدوء ودعة، كما هو مألوف بين زوجين عاشا معًا في سلام نيِّفًا وأربعين عامًا لا تشوبها شائبة، إلا ما يأتي من حين لآخر من شجار يسير كأنه توابل الطعام!

– لا تنسي أن تذكريني أن أدعو جيرسون غدًا ليصلح القفل الذي في الدور الأول، إن الصحف مستفيضة بأخبار اللصوص. فتجيبه: سأفعل إذا تذكرت ذلك.

وهي لا تنسى أبدًا!

– جورج ونتي لم يحضرا إلينا منذ أسبوع!

– آه! يا لهؤلاء الشباب. هل ذهبت إلى كورتز ودفعت إليه خمسين سنتًا لكيِّ بدلتك؟

– أو! يا لله! لقد نسيت مرة ثانية، وسيكون أول ما أنا صانع صباح الغد.

ويشمان رائحة فيقولان: تلك رائحة منبعثة من الأفنية، إنها لشيكاجو!

– لا بد أن الرياح تهبُّ غربًا.

ثم يدنو الرقاد وئيد الخطى ولكنهما يصابرانه شيئًا فشيئًا حتى يلقي أكنافه عليهما، فيناما غير مستغرقين.

وكثيرًا ما يستيقظ مينيك ويقوم من تحت أغطيته إلى النافذة المفتوحة يغلقها، فلا يبقى منها مفتوحًا غير قيراطين، وكانت مدام مينيك تسمعه أحيانًا، إلا أنها كانت عجوزًا عاقلة تروض الأمور بحكمة وروية، وكانت أعقل من أن تدع راحتها وسلامتها عرضة للكدر من جراء نافذة تغلق أو تفتح، ولطالما تبسمت في شيء من الحرد تحت أطباق الظلام! وما من علامة تدلُّ على يقظتها إذ تفكر قائلة: إن النافذة المغلقة لن تقتلني على كل حال.

وربما حدث من قبيل الجزاء — ولكي تقنع نفسها أنها ليست لعبة في يد أحد — أن تتمهل حتى يغفو مرة ثانية وتنسل شيئًا فشيئًا نحو النافذة ترفعها قيراطًا أو قيراطين.

يقول في الصباح — وهو لا يحسن المداراة: كيف فتحت هذه النافذة؟!

– النافذة؟! إنها كما هي منذ المساء، ثم تنحني فتلتقط الوسادة وتعيدها إلى موضعها.

وقلما كانا يطرقان حديث الموت، فلا يُسمع له ذكر بين هذا الزوج القرير العين، الدائب على العمل، الموفور العافية، الذي يناهز السبعين، وبين تلك الزوجة الممتلئة التي ناهزت السادسة والستين.

إلا أنه كان مفهومًا، كما هي العادة بين الزوج والزوجة، ودون أن يصرحا به بينهما، أن الشيخ مينيك هو السابق الأول، لا لأن أحدًا منهما يريد أن يسبق أو يلحق، بل يتفق أحيانًا أن يهيئا العدة لقضاء الشتاء في كاليفورنيا والبقاء هناك أبدًا إذا راقهما المقام، ولم يستشعرا الشوق إلى جورج دنتي، ودخان شيكاجو، وضجة شيكاجو، وروائح شيكاجو وما فيها من زحام وأقذار، ولكن مقدار التأمين الذي يدفعه الشيخ مينيك كل عام يدلُّ دلالة واضحة على أنه يريد أن تعيش زوجته من بعده في أمن وراحة … والدنيا مع ذلك ملأى بالنساء الأرامل، وكلٌّ يرى ذلك، ولكن كم من الأرامل الذكور؟! إنهم قليل عددهم، إن النساء الأرامل تعد بالألوف، يعشن وحيدات أو يقمن في الفنادق، أو عند بناتهن المتزوجات وأزواج بناتهن، أو أبنائهن المتزوجين أو زوجات أبنائهن، ولكن الحيرة كل الحيرة في حياة الرجال الأرامل الذين في مثل حالتهن، أما السبب في ذلك فلا من يعرفه، ولم تتم رحلاتهما إلى كاليفورنيا في عامهما، ثم جاء العام الذي تلاه غامضًا، محيرًّا للشيخ، فأول ما يذكر عنه أنه كان العام الذي هبط فيه سعر الأوراق المالية وقصم ظهر أصحابها. وقد ظهر أن أسهم التأمين لم تكن في واقع الأمر إلا زيفًا لا قيمة له، لقد انصرف الشيخ مينيك وانقطع عن أعمال الحياة المجهدة قبل ذلك بعام واحد؛ ليعيش عيشة هادئة مطمئنة من ثمار عمله في الحياة العامة نصف قرن كامل، وها هو ذا الأمر يتكشف فإذا هذه الثمار قد اعتراها العطب، وتبين له أنها لم تكن تحمل في كيانها ما يضمن لها البقاء!

وذهبت مدام مينيك ذات يوم نحو المدينة لتقابل الطبيب ماثيو وتعرض عليه ما حل بها من الألم المبرح، وعادت إلى المنزل وقد بدا على وجهها التغضُّن وأخذت تهذي وترتعد وتتجنب نظرات الشيخ مينيك.

وحلت الشهور التالية تحمل معها مجموعة من الآلام: أشعة إكس، أمل، يأس، مخدر، مسكن، ثم موت …

فلما انقضى كل شيء وقف الشيخ مينيك في ذهول يقول: ولكنني كنت أحسب أني سابقها!

بيع المنزل الذي كان يقيم به في شارع إليس قريبًا من الحي التاسع والثلاثين بما قدر له من ثمن، فقد كان جورج يقول — وهو يعرف ما لا يعرفه غيره عن حقيقة أثمان العقار في شيكاجو: يجب أن تقبلوا أي ثمن يدفع لكم فإن الأثمان آخذة في الهبوط، وسترون صدق ما أقول، سوف لا يحصل أحد على المال عدة سنين، وإن شئتم فانظروا أثمان البيوت التي تليكم.

وكان الشيخ مينيك يقول: إن جورج على حق، كان يقول: إن الناس على حق، ولم يكن من السهل أن تتبين فيه وفي وجهه المتغضن ذلك الشيخ الكيِّس الذي كانت تدﻟﻠﻪ مدام مينيك وتدخل على قلبه السرور والابتهاج، كان يقول: أنت تعرف ما لا يعرفه غيرك يا جورج، أنت أدرى يا جورج، ولطالما كان يقف في وجهه قبل موت مدام مينيك، ويقول له: اسمع يا بني، أنت لا تعرف كل شيء.

ولقد كان كل ما بقي من المال لدى الشيخ بعد ما دفع من أجر للطبيب وللمستشفى والممرضات والدواء، وما هنالك من التكاليف التي لا تحصى، مقدار خمسمائة ريال في العام.

قال جورج ونتي: سوف تقيم معنا يا أبتاه.

وقالت ألما بنته المتزوجة: هذا خير ما تصنع، وإن كنت تعلم أنني وفريد يسرنا كثيرًا أن تقيم لدينا.

– ستيل، آخر الدنيا! كلا كلا!

قال ذلك محتجًا وقد علقت كل وشيجة في جسمه بما ألف من مقام، ثم عاد يقول: ستيل؟! وفي السبعين؟!

ثم دار بعينين بائستين نحو جورج وزوجته نتي فقالا له مؤكدين: ستكون معنا يا أبتاه.

وانثنى يشكرهما، واستقر الأمر على ذلك، فعادت ألما إلى منزلها بين زوجها وأطفالها.

وهكذا أقام مع جورج ونتي في مسكنهما ذي الحجرات الخمس في شارع «ساوث بارك» الذي يمتد من واشنطون بارك حيث لا توجد وسادة يلقيها على الأرض.

لم ترفض نتي أن تعطيه الوسادة الزائدة، فقد أخبرها أنه يضع تحت رأسه وسادتين، وقد أعطته وسادتين في الأسبوع الأول، ولكنها كانت تجد إحداهما تحت السرير.

قالت: كنت أظنك تنام على الوسادتين يا أبتي؟

– نعم هو ذاك.

– ولكني أجد وسادة على الأرض كل صباح، أنت تلقي واحدة على الأرض دائمًا، الحقيقة أنك تنام على وسادة واحدة!

– كلا، بل وسادتين!

فلما جاء الأسبوع التالي لم يكن لديه غير وسادة واحدة، تبرم بالأمر، وراح يتقلب على فراشه القريب من المطبخ، إلا أنه تعود ذلك على مرِّ الزمن، تعود ذلك وإن لم يسترح إليه كل الراحة … ولكن ما الجدوى؟!

لم يكن فراشه بجوار المطبخ حقيرًا كما تتوهم؛ لقد كان في الحقيقة فراشًا مكنونًا أنيقًا، وكان في المسكن حجرة الجلوس، وحجرة للنوم، وأخرى للطعام، ومطبخ، وحجرة للخدم …

أما الحجرة المجاورة للمطبخ فهي المعدَّة للخدم، ولا خدم عند نتي وجورج؛ إذ كانت أعمال جورج قد أصيبت بالخسائر التي أصابت غيره، وربما قالا له حينًا بعد حين: وددنا لو كانت لنا حجرة أمامية لك يا أبتاه! ولو أننا تحولنا إلى حجرتك، غير أنها لا تتسع لاثنين. كانا يقولان ذلك ويعنيانه، أو يظنان أنهما يعنيانه. ويقول الشيخ مينيك: وأي عيب في هذه الحجرة؟! إنها حسنة، إنها ملائمة لأي ساكن، وكان في هذه الحجرة سرير ضيق، أبيض الطلاء، ومزينة ومنضدة، ولكن نتي وضعت لها الأغطية والستائر من الكريتون، ووضعت مصباحًا صغيرًا للقراءة على المنضدة، ورتبت أدواته عليها، وجعلت صورة مدام مينيك على المزينة، وقد بدت بفمها المطبق أصغر من سنها، أو لم تكن هي صورتها الأخيرة فزينها جورج ونتي بإطار، وجعلاها هدية المفاجأة للشيخ، وطالما كانا يُلحَّان على السيدة أن تتخذ لها صورة شمسية.

لم يهتم الشيخ مينيك كثيرًا بهذه الصورة، وإن لم يصرح لهما بقلة اهتمامه، وما كانت به من حاجة إلى صورة لقرينته؛ فلديه عشرات من الصور … بل متحف كامل فيه ألوف وألوف يستعرضها وهو على وسادته الواحدة، ويستعرضها في الظلام: باسمة، عابسة، غاضبة، راضية، فهو في غير حاجة إلى صورة توضع في إطار.

لقد كانت نتي فتاة جميلة طيبة، وكان ينظر إليها كأنها بنت ناشئة وإن كانت جاوزت الثلاثين، وقد تزوج جورج ونتي متأخرين، وكان هذا هو العام الثالث لزواجهما. أما ابنته ألما فقد تزوجت صغيرة، وظل جورج أعزب في المنزل القديم بشارع إليس، حتى بلغ السادسة والثلاثين، وكانت كل بنات صديقات أمه يحاولن أن يتصلن به ولكن على غير جدوى.

وكان كبار السن ينصحونه بالزواج، ولا يزالون يحسون به منفردًا في هذا البيت الواسع؛ لأنه كان يصفر وهو يلبس، ويغني وهو في الحمام، ويرفع عقيرته بالغناء وهو هابط على السلم، وينادي أمه سائلًا: أين القمصان المغسولة؟ وكان جرس التليفون يستدعيه وأمه تهيئ له صحافًا من الطعام المختار، وربما قالت له الخادم: ماذا صنعت يا جورج؟! لقد ملأت بالوضر بلاط مطبخي النظيف، ثم تمسحه مفتونة بالنظر إليه، على حين هو يقهقه ويَزدرِدُ الطعام من قِدْرٍ أو حلة طبيخ!

أما نتي فكان في أمرها بعض الغرابة، كان جورج يشتغل بأعمال الأوراق المالية، وهي تعمل معه في مكتب واحد، وإنها لفتاة بضة غضة، ساجية العينين، تفتح الشهية، كما كان الشيخ مينيك يقول، ولها خلف رأسها ضفيرة معقوصة من الشعر الفاحم الجثل، كساؤها ملبس مجهز بسيط، وفهمها للأوراق المالي فهم رجال أعمال، وإن كانت غلبت عليها الأنوثة في سائر أحوالها، وقد حظيت عند الشيخ مينيك، على خلاف امرأته، فإنها لم تكن تحبها كحبه إياها.

وتعودت نتي أن تدعوه بوب، وتغازله عابثة كمغازلة البنات للآباء، وربما طاب له أن يقرص ذراعها البضة ويجمش خدها الناعم، فتضحك منه، وتربت على كتفه، وتنبسط تلك الكتف ويتحرك رأسه حركة فيها محاكاة للكلاب!

ويصيح الجالسون في الحجرة: انظر يا جورج، إن أباك سيغلبك على فتاتك، حذار، إنك ستفقدها!

وتبسم نتي عن ثناياها، ويضحك الشيخ مينيك، ويغمز بعينيه مستريحًا راضيًا عن نفسه، وتقول نتي: إننا متفاهمون يا بوب، أليس كذلك؟

كانت نتي في السنين الأولى من زواجهما تمكث في المنزل مبتهجة بمسكنها الصغير، تتبادل مع العائلات الزيارة، وتلعب البريدج، ويبدو عليها حب الراحة والاستجمام، والولع بصغائر الترف.

وكانت هي وجورج متحابين متآلفين. أما قبل زواجها فقد كانت تسكن في بيت مستأجر في شارع ميشجان، وهي الآن تقطب عند ذكره، ولم تحاول مرة أن تخفي حبها لحجراتها الخمس التي تجمِّلها النظافة والسكون والأناقة: كانت حجرة الجلوس مفروشة بالمخمل، مظللة المصابيح بالحرير، موزعة فيها هنا وهناك مناضد عليها الكتب والمجلات وعلب السجاير والحلوى، طراز حديث، ومائدة حديثة في حجرة الطعام، وحجرة نوم من خشب الجوز الأحمر القاتم الناعم الملمس، وكانت تحبها، وإنها لامرأة منظمة تضع كل شيء في مكانه، وما تكاد تدنو الساعة الحادية عشرة حتى يكون هذا المسكن الصغير يلتمع نظافة وبهاء، فلا بقعة ولا لوثة، وقد نضدت الوسائد ومسحت كسر الخبز، ووضعت الخضراوات في الماء البارد.

وينادي صوت من جانب التليفون: هالو، هالو. بيس، أو منذ بضع ساعات … لا شيء على الإطلاق … إذا أراد جورج … سأناديه وأسأله في ذلك … إننا لم نر أي فيلم من الأفلام منذ أسابيع … سأطلبك بعد نصف ساعة … كلا، أنا لم أعزم على شيء … نعم، نتناول الطعام في المدينة … نتقابل الساعة السابعة!

وهكذا قُضي على هذا الشيخ الحائر أن يندمج في تلك الحياة الرتيبة المنظمة، فلم تعد نتي تناديه بوب، ولم يعد يحلم قط بأن يقرص ذراعها البضة أو يجمش وجناتها، فقد بدأت تدعوه الأب، وأحيانًا بأبي جورج، ويسمعها تقول في التليفون: «أنا لا أستطيع، أنت تعلم أن والد جورج يعيش معنا.»

كانت نتي وجورج يتلطفان في معاملته غاية التلطف، وكانا يستبقيانه للجلوس معهما: لا تبرح مكانك معنا! لماذا تعجل بالذهاب إلى حجرتك؟!

ولقد تذكر أن نتي في العام الماضي كانت تقول شيئًا عن عودتها إلى العمل، فإنها لم تجد ما تشغل به نفسها في المنزل، ولقد ضاقت بالاجتماعات بعد الظهر وإضاعة الوقت في الخياطة والأكل، ولا شيء سوى ذلك، والقيل والقال ولعب البريدج، وانظر بجانب ذلك إلى ما تستفيده من الأجر. إلا أن العودة إلى الأعمال كانت فكرة نابية لا تطاق، يستنكرها الشيخان الكبيران، وجورج أشد منهما استنكارًا لها، كأنها من العار! وربما قال الشيخان: يا لشباب هذه الأيام، فيم يفكرون! أو يقول الشيخ: لقد كان لك في مثل سنها أطفال!

لم يرزق جورج ونتي أطفالًا، وكانت نتي في أول الأمر تقول: إنني جد سعيدة، أريد فرصة للراحة والاستجمام، لقد ظللت أعمل منذ كنت في السابعة عشرة من عمري، وأريد أن أستريح أولًا.

ثم مضت سنة وثانية وثالثة … ثم جاء الأب مينيك … كان لدى مدام مينيك في بيتهما القديم بشارع إليس مخازن ملأى بالأطعمة والمآكل، وإن كانت غير مبعثرة، فإنها كثيرة، يشبعان منها شأن المسنين، وكان الشيخ مينيك على الأخص يحب أن يمضغ شيئًا، فيأخذ من على الرف حفنة من الزبيب، ومن الإناء حفنة من البندق، ويلوك في فمه قطعة من الحلوى، وقد يلتهم إناء من الحساء الساخن! وقد يكون ذلك في نهاية الطعام أو عند الظهر، ويملأ جوفه من هنا ومن هناك، وتقول له مدام مينيك: ما هذا يا جو؟ إنك لا تأكل! ولقد يكون متخم الجوف وهي تقول له ذلك، لأنها كانت تحب أن تراه يأكل أكلًا لمَّا … وإنها لعلى خطأ بطبيعة الحال.

أما الأمر عند نتي فجد مختلف فالطعام عندها كافٍ، ولكن بمقدار، وعندها أنَّ كثيرًا من الأطعمة يعدل في غذائها المقادير الكبيرة من شرائح اللحم. كانت تعرف كثيرًا من «أسعار» الحرارة، والفيتامينات، والمسائل الغامضة التي من هذا القبيل، وتتحدث عنها فتقول إن هذا الطعام فيه كثير من سعر الحرارة، وفي هذا الطعام كثير من الفيتامين، ولكن الشيخ مينيك لم يكن يقتنع بهذه الأغذية التي يقال إنها تكمن في طعامه، فقد كان يفكر في السبانخ كسبانخ؛ والشرائح كشرائح، وكان الاثنان يتناولان الطعام معًا؛ لأن جورج في المدينة بطبيعة الحال، وكان طعام نتي طعام أنثى: قليل من شراب التفاح، فنجان من الشاي، قطعة من الخبز المقدد المتبقي من طعام الإفطار، هذا طعامها في غالب الأحيان، على حين يلعق الشيخ مينيك قدحًا مملوءًا بالحساء الساخن، أو بيضة مشوية، وكثيرًا ما كانت تغلظ عليه أن يتناول قطعة من اللحم البارد المتبقي من الليلة الماضية، أو بقايا الخضر أو المكرونة. ويُرى حول إنائه الكبير أسطول من الآنية الصغيرة، فيها المتجمد من المرق والتوابل، يغوص فيها وينقض في غير راحة وإن كان يستلذ طعمها! وقد ينظر إليها بشيء من الغيظ حين ينتهي من تناول طعامه.

– ماذا تريد يا أبي؟ هل أستطيع أن أقدم إليك مزيدًا من الطعام؟

– كلا يا نتي، كلا إنني مستريح.

وتنتهي من تناول طعامها وتجلس في انتظاره.

كانت هذه العيشة المنظمة «العلمية» لا تضايقه، فلما أقبل الشتاء بدا عليه كأنه قد استرد قوته ونشاطه؛ فتى شيخ أنيق محمر الوجه كالتفاحة النضيرة، فيها بعض الغضون نعم، ولكنها ما زالت مترعة بعصارة الحياة.

ويجدر بالذكر أنه كانت في خده نونة تبرق على غير انتظار حينما يبتسم، فتكسو ملامحه بشيء من الشيطنة الصبيانية تجتذب الناظر إليه، ولا سيما النساء، ولقد كان أكثر ما يناله من تدليل السيدة مينيك شغفًا منها بتلك اللمحة الصبيانية!

كان الربيع عنده ينبوع ثروة حية، ولكن هذه الشهور الستة التي قضاها مع جورج ونتي قد اشتد وقعها عليه، فلا تدليل ولا من يجعله شغله الشاغل؛ كان يجد اللطف والمودة، ولكنه كان يشتاق إلى العاطفة والحب، ثم لا تنس أنه هرم ثرثارة لا يكف عن الكلام.

ولقد كانت في منزله القديم بشارع إليس زيارات متبادلة بين الرجال والنساء ممن هم في سنه وسن السيدة مينيك، وكانت له في هذه الاجتماعات خطب ومساجلات يسمعونها، من موافقين ومخالفين، لكنهم يلقونها باحترام على الدوام، سواء أكان يتكلم عن قيمة العقار الحقيقية، أم عن الفساد الاجتماعي، أم عن تحريم الخمور، أم عن شئون المصارف وتسعير العملة الأوروبية، وكثيرًا ما يرفع عقيرته قائلًا: أقول لكم إنه لا بد من شيء يُعمل قبل أن تثوب هذه البلاد إلى قرار يطمأن عليه في شئونها المالية، كيف لا …؟! هاكم روسيا مثلًا.

أو يرفع عقيرته قائلًا: يا لشباب هذه الأيام! إنهم لا يفهمون ما هو الاحترام، أقول لكم لا بد من تغيير، وسيكون هذا التغيير … وإنما يأتي به الجيل القديم! ماذا يعرف هؤلاء الشباب عن مصاعب الحياة؟! ماذا يعرفون عن العمل؟ العمل الصحيح! أكثرهم لم يستوف عمل يوم قط، وكل ما يفكرون فيه رقص وعدو، وجولان ومعاقرة … انظر إلى زيهم … انظر إلى …

ويؤمنون على كلامه قائلين: هذا هو الواقع … لقد كنت أقول ذلك أمس.

ثم لقد كانت له مشاركة في الأعمال المالية منذ سنة أو سنتين، ولم يعتزل العمل إلا استجابة لرجاء السيدة مينيك والأولاد حينما أقنعوه بالكف عن الجهد والتماس أسباب الراحة والتسلية … والآن، وقد استعاد صحته واستردَّ نشاطه شيئًا فشيئًا، بدأ يخرج في نزهات صباحية، ومن ثم أخذ يُعنى بملبسه وحسن هندامه … وقد اعتاد أن يحلق لحيته بنفسه، وظل مثابرًا على هذه العادة، وكان يحتل حجرة الاستحمام بكل ما فيها ساعات طويلة من النهار، مما كان يثير ثائرة نتي، فتكاد تجن، وإن كانت لا تقول شيئًا. كان ينغمس في الماء ويريقه، وينفخ ويتلبط، ولا يزال له ضجيج مسموع، ويتناثر منه رشاش المياه هنا وهناك، ويبلل السقف والجدران، فتناديه نتي من وراء الباب المغلق: أأنت متعب يا أبتاه؟

ويجيبها والمياه تتساقط من حوله: كلا يا بنية.

– لم أكن أعرف …! لقد لبثت كثيرًا!

إنه لشيخ نظيف، وإن كان صداره أو سترته أو رباط عنقه لا يسلم من بقعة هنا، ولوثة هناك، وكانت مدام مينيك تزيلها وهو يرتدي ملابسه أو يخلعها، وتمسحها متذمرة متبرمة لإهماله العناية بملبسه، وإنه لراضٍ عن تبكيتها الخفي، مستريح إلى ما فيه من أمارات الاهتمام والعناية.

أما نتي فلم تكن لتزيل تلك البقع بنفسها على الإطلاق، وإن كانت تقول له في بعض الأحيان: اترك هذه البدلة يا أبي إذا سمحت لأرسلها مع جورج إلى «التنظيف»، وسيحضر الرجل غدًا؛ فينظر إلى ملابسه عاجلًا ويزيل بأظافره بقعة هنا وبقعة هناك.

فإذا انتهى من ملبسه وهندامه انصرف إلى الشارع الحادي والخمسين، فإذا جلس في القطار اتخذ في مجلسه هيئة الجد والانتظار، كأنه يسعى لمصلحة هامة، فيطل من النافذة آنة بعد أخرى، وينظر إلى ساعته حينًا بعد حين، فيخيل إليك، وأنت تنظر إليه، أن هذا الرجل الوسيم الذي تلوح عليه دلائل العناية بشأنه، رجل من رجال الأعمال في طريقه إلى عمله بالمدينة.

أقام في شيكاجو خمسين سنة، فهو يذكر شارع الدواوين منذ كان حيًّا تعمره الأكواخ وتظلله الأدواح، كذلك كان من مألوفاته كل ما يحيط به من زحام وضوضاء، أما الآن فربما بدا له أن طريق المدينة شاقٌّ خطر بين زئير القطارات المتتالية وأصداء الأبواق العالية، وقرقعة المركبات … مارستان يزعجه ويخيفه من أمر شيكاجو تلك!

ويقفز إلى الشارع كالأرنب المذعور، ناسيًا حركة السيارات، غير آبه بما ينصب عليه من سباب ركابها: «ويلك …! فتح …! حاسب يا …» ويأتي الشرطي إليه أحيانًا يعرض معونته، فيرفض بإباء، ويخاطب ذلك الشرطي — وإنه لرجل طوال جاد براء من صخب الشرطة على الجملة — فيقول: إنني كنت أعبر هذه الطريق قبل أن تولد يا صاح! فدعني من مساعدتك! إنني لست هنا بالفدم المقبل من الريف.

وإنه ليزور دار العملة فيغتم ويحزن؛ لأن الأسهم لم تزل في هبوط بعد هبوط.

إن خمسمائته السنوية لمصونة، ولكن البقية ضائعة أبدًا فيما يحسب، ويتجه نحو مكتب جورج وفيه نخبة أنيقة من الشباب، بين فتيان وفتيات، في تلك الحجرة الواسعة التي تفيض عليها الأضواء، وقد علقت على جانب من كل مكتب لوحة معدنية عليها اسم صاحبه: «مستر أدين، مستر سترلي، مستر جيمس، مس روش، مستر مينيك».

ويبتدره جورج: «هلم يا أبي، ما الذي أتى بك إلى هنا؟!»

– لا شيء، لا شيء. كانت لديَّ بعض الأعمال الخاصة بالأوراق المالية، فخطر لي أن أمر بكم. كيف تسير الأعمال؟

– سيئة!

ويقول الشيخ مينيك موافقًا: «أظنها كذلك، أظنها كذلك.» ولقد ود جورج لو أنه لم يحضر إليه، فلا قِبل له بهذه الزيارات، ولا سيما حين يدلف الشيخ مينيك إلى المكتب الذي نقش عليه اسم سترلي أو أدين أو جيمس، فيومئ إليه أولئك الشباب بنظراتهم، ثم يكبون على أوراقهم وملفاتهم. ويقف الشيخ مينيك ويزن قامته من فرعه إلى قدمه، وينفث نفثة في الهواء، ويبدو ممتقع اللون قليلًا، متضائل الجسم تحت الأشعة المسلطة على الزجاج، ولعل منظره هذا من وحي المناقضة بينه وبين ذلك الشباب الوضيء.

وتراه ينظر إلى أحدهم ويقول: هأنتذا هنا اليوم يا مستر سترلي، كيف حالك؟

وينصرف عنه مستر سترلي، ولا ينظر إليه وهو يقول: إنني على ما يرام … ليس عندي ما أشكوه.

– حسن، حسن!

– هل من شيء أستطيع أن أؤديه لك؟

– كلا، لا شيء على الإطلاق، أنا حضرت لأرى ابني لحظة.

ويتمالك الفتى لهجته قليلًا والشيخ مينيك يترنح إلى جواره، ثم يلقي عليه نظرة عابسة قائلًا: أجل، إن ابنك مكتبه هنالك، أظن هذا.

وكان لجورج ونتي مناجاة ليلية حول هذه الزيارات، وتقول نتي في لطف: إن زيارة الأصدقاء والأقارب ممنوعة في المصرف، فهي على خلاف أصولهم وأنظمتهم، ولقد كانت كذلك حين كنت أعمل بها، ولم أزر جورج غير مرة واحدة منذ زواجنا.

– أجل، أجل إنه نظام الشغل منذ كان؛ زحام وانهماك، ولا متسع في الوقت لغير ذاك، واشتد الشتاء هذا العام وأربى على كل شتاء مضى بثلجه وقارس برده، فاعتكف بين جدران المنزل بضعة أيام … إن امرأة في مثل سنه كان في وسعها أن تشغل نفسها بعمل نافع من الأعمال البيتية، وهي سعيدة راضية: ستارة تخيطها وتنسجها، أو حجرة تنظفها، أو طعام تطهوه وتقوم بتحضيره، أو فستان قديم تحيله جديدًا، أو تستطيع أن تشغل نفسها في استقبال أترابها … ولكن شيخًا مثل مينيك لا يجد في المنزل أعمالًا تشغله ليحتمل البقاء فيه، إنه لا يقدر على أي عمل من هذه الأعمال الصغيرة … دق مسمار في الحائط مثلًا، أو رسم صورة، أو عمل كائنًا ما كان من هذه الهنات … وإن نتي لتستطيع أن تدق مسمارًا خيرًا منه، وقد تأخذه من يده وتقول: لا يعنيك هذا يا أبتي.

وتدقه بنفسها: اجلس أنت واسترح، أليس هذا وقت قيلولتك؟

وتنتفخ أوداجه قليلًا وهو يقول: النوم …! لقد استيقظت الآن من رقادي …! لا أريد أن أقضي حياتي نائمًا.

كان لجورج ونتي بعض الأصدقاء يترددون عليهما في المساء، فيلعبان البردج أو البوكر، ويتبادلان معهم الأحاديث … ويدعوه جورج: هلم يا أبي، أنتم تعرفون والدي؟ ألا تعرفونه؟ ويجلس في تردد، ثم يحاول أن يتكلم ويفيض كما كان يفعل في منزله القديم بشارع إليس: أريد أن أقول إن هذه الأمة ستصل إلى … ولكنهم يستطردون في أحاديثهم ولا يأبهون لكلامه … وربما قاطعوه وأعرضوا عنه في شيء من الأدب، وهكذا كان يجلس في الحجرة كمًّا مهملًا … وربما كانت الأحاديث تدور حوله وهو ضائع بينهم كل الضياع، ويلتفت إليه نتي وجورج من آن لآخر، ويرفعان صوتهما — ولم يكن أصم، وبذلك كان يفخر: إنهم يتحدثون عن هذا الأمر يا أبي … إنهم يقولون …

فإذا بدرت من أحدهم نكتة، وانفجر القوم يقهقهون، ابتسم وهو لا يدري ما يقال، ويقلب نظره بين وجوههم واحدًا بعد واحد، وهو لا يدري ما يدور حوله، ثم أخذ من بعد يكثر الجلوس في حجرة نومه ليدخن، أو يقرأ صحيفة من صحف المساء، وقد توثقت الصلات بينه وبين الجارية الغاسلة في هذا الشتاء، وهي تأتي لغسل الملابس داخل الحمام مرة كل أسبوع، ولكنها تغشى المطبخ لتناول الطعام: جارية سوداء تلبس صدارًا من الجلد، ذات صوت خشن، وعين نفاذة، وقلب طيب … وهو ينتظر قدومها دائمًا على الدرج.

– أو … كيف حال السيد مينيك اليوم؟ عجبًا لك أيها السيد، إنني لم أر رجلًا في سنك وفي مثل رشاقتك ولطفك! فيبسط كتفيه ويهز رأسه عند سماع هذا الثناء الذي يندر أن يطرق أذنيه، وتستلقي كناري برأسها إلى الوراء، وهي تقهقه بصوتها الأجش، ثم تجيء نتي تقول: إن كناري تتناول عشاءها، ألا تقبل وتجلس في حجرة الاستقبال؟ سوف نتناول عشاءنا بعد نصف ساعة.

فيتبعها طائعًا. إن نتي قد أصبحت تنظر إليه كأنه طفل متعب ظريف؛ طفل لا يكبر أبدًا، وإذا كانت تفكر في هذا الرأس الأشيب، فإنما تفكر فيه لتعطف على شيخوخته، وإنها لا تدري أنه قد نفذ إلى أغوارها، وأنه قضى بحكمه عليها في غير رحمة، فما كان لها أن تستشف ما ينطوي عليه هذا الرأس من الرأي الحصيف.

إنه يعرف النساء …! إنه كان زوجًا لامرأة، وكان أبًا لأطفال، وهو ينظر إلى هذه المرأة — كنته — تروح وتجيء بين حجراتها الخمس، وتفكر ما تفكر عن الأبناء، ويسمعها حينما تشرح آراءها في الطفولة والأطفال، وأنهم لا يصلحون إلا على هذه الحال، وتلك الحال، ولا غنًى في تربيتهم عن المال، أجل، إنه وزوجه كان لهما ثلاثة أطفال: بول الثاني وقد توفي في الثالثة عشرة من عمره، وكانت ضربة قاسية، ولم يفكر يومًا ما كيف يربي الثلاثة الآخرين، وما كان ليرسم قبل مولدهم خططًا عن تربيتهم كيف تكون، والنفقة عليهم من أين تأتي …؟ ولكن هذه الخطط ترتسم بعد مولدهم على نحو من الأنحاء.

إن أمر الأولاد يُدبَّر بأي طريق، وهذه الكرة الحمراء من اللحم والدم تهتدي إلى طريقها في الحياة بغير تدبير، وهذا جورج حينما ولد منذ تسع وثلاثين سنة لم يكن أبوه وأمه على حالة يحسد عليها إنسان.

كان يجلس في مكانه صامتًا وقد أهملته نتي، إلا أنه ما فتئ يتفحص خبايا نفسها، ويعرف ما في كلامها من التمويه: امرأة غضة الإهاب، وسط بين الطول والقِصر، عريضة الردفين … أنثى مُهَيَّأة للحمل والولادة، وها هي ذي تعمل موظفة في مصرف … أكان في التوراة ذِكْر لامرأة تعمل في المصارف …؟! هذه امرأة خلقت لإنجاب الأطفال.

كان هذا تفكيره، بينما كانت هي تظنه شيخًا هرمًا لا يُلْقى إليه بالٌ، فلما جاء شهر مارس دعت نتي خياطة تقضي بمنزلها أسبوعًا، كما كانت تفعل مرتين أو ثلاثًا كل عام. لها ملامح صقرية، في نحو التاسعة والأربعين، وجهها كالقارورة الزرقاء، وعيناها ضاريتان: تخيط الثياب في حجرة الطعام، فيسمع في البيت طنين آلة الخياطة والمقصات، ولغط الأحاديث وحفيف الحرير … فاتصلت الصحبة بينها وبين الشيخ مينيك، فأصبحا صديقين، وكثيرًا ما كانت تستعين به على لف الخيط أو سحبه، وتطارحه الأحاديث، حينما تخرج نتي فيما بين الثانية والرابعة بين الوجبات، ويهز رأسه ويقول: لا بد أن أتقاضى أجرًا دائمًا على هذه المساعدة.

– أظنك لست في حاجة إلى الأجر يا سيد مينيك، إنك في يسر ودعة، على ما أرى.

– أجل، إنني لا أستقل خمسمائة في العام، ولا أشكو بحمد الله.

– الشكوى! إنني لا أشكو، لو كان الأمر أمر شكوى لتغيرت الحال، فأنا أواصل العمل طوال يومي لأكسب ما يقيم أودي، وإذا دخل الليل فلا يدخل عليَّ أحد.

– أنت أرمل؟

– إنني أشتغل وأشتغل منذ كنت في العشرين من عمري، هذا كل ما لدي، ثم الوحدة … لا إخالك تعرف ما الوحدة.

– أنا لا أعرف؟! وتسقط لفافة الخيط من يده …

ثم تلقى عليه نظرة من تلك العين الضارية، وتقول: ربما كنت تعرف …

– لا أظن المعيشة هنا بين الابن وزوجه مما يروقك ويلائمك مع ما لديك من مال؟ أما أنا فعلى الدوام أدبر مسكني الصغير حتى أستطيع أن أقول إن لي بيتًا آوى إليه: حجرتان فحسب، وليس عندي ما يسليني، إلا أنه بيت على كل حال … أقضي ليالي في مزاولة الطبخ، وليس عندي ما أشغل به نفسي، ولكني أجد ما يشغلني؛ إن الطبخ هو الشيء الذي أحب أن أزاوله، الطعام الوفير هو ما يحتاج إليه الناس ليقيموا أوَدَهم ويحتفظوا بقوتهم.

ولقد كانت أكله نتي ضئيلة في هذا اليوم!

ظلت الخياطة لديهم أسبوعًا، وكانت تغتاب نتي فيقاطعها معترضًا، ولكن في غير جد، فتسائله: هل تقدم إليك ما تشتهي من البيض واللبن؟ هل تزودك بكأس من النبيذ المشعشع بالماء الساخن؟ هل تواليك بالحساء والأطعمة الدسمة على اختلافها واللحوم والعصائد؟ هذا ما يحتاج إليه الناس حينما يتخطون سن الشباب.

ولم تكن تقول إنه شيخ على الإطلاق، بل إنه أكثر إشراقًا من الصبية، وتكاد تصرح بأنه أجمل من ابنه!

كان يتقبل هذا الكلام بنهم الجوعان، وفي اليوم الثالث من إقامتها بدأت تلقي عليه نظرات ذات مغزى وهي جالسة على مائدة الطعام، فلما جاء اليوم الرابع بدأت تضغط قدمه تحت المائدة، وفي اليوم الخامس، ونتي غائبة، قامت وهي تتظاهر بأنها تبحث عن قطعة من القماش ووضعت يدها على كتفه ثم عادت تضغطها قليلًا، ونظر إليها مرتاعًا. لقد كانت تلك النظرات التي تلقيها عليه من فوق المائدة تتخطى رأسه وتمر في سبيلها، والقدم التي تحت المائدة قد تمسه على غير عمد، ولكن هذا أمر صريح لا مغالطة فيه، فوقف وقد اعترته رجفة، وإذا تلك الملامح الصقرية أمامه وجهًا لوجه!

قالت: أنت في حاجة إلى من يحبك، أنت في حاجة إلى من يعمل لأجلك ويحبك.

واقترب منه وجه الصقر قليلًا، ولكن كان يلمح بينها وبينه وجه السيدة مينيك، غضًّا، بضًّا، صابرًا، مازحًا … فأشاح بوجهه في حدة، وألقى يدها الدافئة بعيدًا عنه … وكانت قد أخذت بيده، وصاح بها: أيتها المرأة إيزابل!٢

سمع الباب الخارجي يغلق، ودخلت نتي، فانصرفت المرأة مسرعة إلى أعمالها، أما مينيك فارتجف وبادر إلى حجرة نومه.

قالت نتي، وهي تضع اللفافة التي معها على المائدة: أجل، هل تناولت ما في إنائك من قطع الكباب؟ لماذا لم تأكلي؟

– أشعر بأنني لست على ما يرام، وإن هذا الغذاء لا يلائمني.

– إنها وجبة بسيطة، وليس فيها ما يتعب.

فلما جاء اليوم التالي لم تحضر لإنجاز ما تبقى من عملها، وأبلغتهم بالتليفون بأنها مريضة …!

فقالت نتي: إنها قحة، وأنجزت بقية الخياطة بيدها على مضض.

أما الأب مينيك فإنه لم يقل شيئًا، ولكن عيناه كانتا تبرقان، ويتهانف من آن لآخر، مما ضايق نتي وإن لم تنبس بكلمة، وهمس وكأنه يخاطب نفسه وهو يقهقه: تريد أن تتزوجني تلك المرأة السليطة!

•••

ولما كان آخر إبريل اكتشف الشيخ مينيك متنزه واشنطون وناديه، ومنذ ذلك اليوم تغير مجرى حياته: انتهز غرة الربيع وشمسه المشرقة ليتنزه خارج البيت كما اقترحت عليه نتي، وكانت تقول له: «لماذا لا تذهب إلى المتنزه يا أبتاه؟ إن الجو دافئ، والشمس مشرقة تفيدك.»

ولبس أثقل قميص لديه وارتدى سترة جورج الحمراء، وفي الصدر منها علامة س. تشير إلى براعته الرياضية أيام كان في جامعة شيكاجو، وفوق كل ذلك معطفه الثقيل، وفي يديه القفاز، وهو يتوكأ على عصاه المتوجة بالرأس السلوقي، ثم خرج بعد أن تزمل على هذا المنوال سائرًا سادرًا إلى المتنزه، فإذا هو يصيب هنالك حياة جديدة، حياة جديدة في حياة قديمة، فقد كان المتنزه حافلًا بالشيوخ يحمل بعضهم العصا المتوجة بالرأس السلوقي، ويرتدون ستر غيرهم وقمصانهم تحت المعاطف، ويلبسون ملابس القطب الشمالي وإن كان الجو صحوًا، وقد بدت أيديهم وعظام خدودهم مصقولة ضامرة على الرغم من غضونة أخاديدها، وظهرت فوق أيديهم وعلى جباههم رقطات رمادية، وارتخت على كعوبهم جوارب رمادية أو سمراء.

منذ هذا الصباح من شهر إبريل إلى الشتاء كان المتنزه يرى وجه الشيخ مينيك كل يوم، بل كل ساعة من ساعات النهار، عدا وقت الطعام وساعة القيلولة القصيرة، أما ما عدا ذلك فقد كان وقته كله مقضيًّا هناك.

ففي هذا المتنزه يجتمع الشيخ مينيك بأمثاله من الشيوخ، ويجعلونه منتدًى للمناقشات البريئة التي ينفسون بها عن أنفسهم.

ولم يمض وقت طويل حتى عرف أن المتنزه يجمع فريقين من الشيوخ: الشيوخ الذين يعيشون مع أبنائهم المتزوجين وزوجاتهم، أو بناتهم المتزوجات وأزواجهن، والشيوخ الذين يعيشون في النزل المعد لكبار السن، وهو على مقربة من المتنزه، ويراه الناظر إليه من خلال الأشجار.

أما الفريق الأول فهجيراهم من الحديث «أي ديدنهم في تكرار الكلام» ما يلي: «إن ابني وابنتي يأبيان عليَّ أن أقيم في مسكن عام، كلا يا سيدي، إنهما يأبيان إلا أن أكون إلى جوارهما وفي مسكنهما. هؤلاء أبنائي وتلك خصالهم»!

أما الفريق الثاني فهجيراهم من الحديث غير ذلك؛ يقول أحدهم: «أنا لا أقبل أن أعيش مع أحد من أبنائي أو بناتي! الاستقلال خير من كل شيء، هذه طريقي وذلك مسلكي، لا أريد أن أرى أحدًا يرشدني إلى ما أفعل وما لا أفعل، ويعاملني كأنني طفل صغير، لست ملكًا لأحد، أدفع نقودي وأعيش عيشتي!»

ولشدُّ ما يأخذك العجب حين ترى الفريق الأول، وعلى ملابسهم بعض البقع وقد تنسلت أطواقهم وراحوا يؤدون لكَنَّاتهم بعض الرسالات: رغيف خبز، أو بكرة خيط، أو يقودون الأطفال الكبار إلى بركة البط، وهم يمشون كالأطفال، وهؤلاء الأطفال بينهم لا تدري أيهم يقود، وأيهم يُقاد؟!

أما الفريق الآخر فتبدو أحذيتهم نظيفة، وتنظر إلى ملابسهم القطنية فلا تجد عليها بقعة من الأوساخ، فضلًا عن ملابسهم الصوفية. ليس وراءهم تلك الواجبات الصغيرة التي يكلفها الفريق الأول. فراغ عظيم وأحاديث عظيمة، لم تكن مقصورة على المسائل الدولية فحسب، بل كانت عالمية أو كونية في بعض الأحايين: الحرب! السلم! نزع السلاح! الصين! فقاقيع تتصاعد في الهواء، ثم تنفجر، ولا يبقى غير الزبد والرغاء، وكان في هؤلاء الغذاء الصالح للشيخ مينيك الذي صبر أمدًا طويلًا على غذاء الأطفال!

كان هذا الفريق يجتمع ما بين الرابعة والخامسة، في مكان يسمونه: تحت ظلال شجرة الصفصاف. ويكون اجتماعهم في شبه منتدى، يشتمل على فريق من الاشتراكيين وثوار الحجرات والمقاصير … نسق متصل من الأحاديث، يظلون منصرفين إلى هذا عامًا بعد عام …!

وقد تعلم الشيخ مينيك أمثال هذه الكلمات الطنانة: السادة، الديمقراطية، كدح الكثيرين لمنفعة القليلين، الطبقة، الحاكم، حرية القول، الشعب … إلخ.

كان أصحاب العناد منهم يثبتون على لجاجتهم، أما الضعاف فيحومون حول الحواشي ويلوذون آنة بعد أخرى بكنف حفيد واسع العينين. ولم تكن هذه الأحاديث تصطبغ بالصبغة العامة، ولا تحتدم جدًّا وحماسة إلا حوالي الحادية عشرة من الصباح؛ إذ يتكون هؤلاء الشيوخ جماعات صغيرة من شخصين أو ثلاثة أو أربعة، على المقاعد الخشبية تحت الشمس، وتبدر منهم أحيانًا كلمات بذيئة، غير حافلين بالسيدات الشيب اللاتي يستمتعن مثلهم بأشعة الشمس، ويرقبون الفتيات اللاتي يطفن بمقاعدهم ويُعجبون بقاماتهن وكعوبهن الصقيلات!

كان اليوم الذي يقضونه بتلك الضاحية القريبة، من أسعد أوقاتهم، يتهانفون بينهم، ويعلقون بما يطيب لهم من التعليقات الخبيثة؛ رءوس بِيض، وشيوخ متهدمون إلا أنه قد تخلفت في عقولهم نزوات الذكران! وكأنهم أطفال شياطين يلفون بينهم في الخلاء!

وسرعان ما حصل الشيخ مينيك على مكان الصدارة في الأحاديث التي كانت تدور هناك، وإنه ليحب الكلام دائمًا، وكانت هذه السنة الأخيرة عنده بمثابة سجن لا يطاق.

فكر بادئ الأمر مترددًا فيمن هم على شاكلته، ولشد ما كانت تستثيره محادثات أولئك الشيوخ الذين يجلسون على مقاعدهم في انتظار موعد الطعام يراقبون كل ما يمر على أعينهم: هذا قارب لطيف، فيلا في قارب!

ويسكتون لحظة ثم يضجون بالضحك!

وبعد خمس دقائق: انظر هؤلاء الجالسين على الحشائش، ما خبطهم؟! ألا يحسون حرارة الجو؟! ها هم أولاء ينهضون.

وتمر فِرقة من الفرسان بالطريق المقابل للبركة. تسمع لها أصوات تفسد زهو الربيع، بينهم نساء يرتدين الثياب القرمزية أو الخضراء النضرة تستوقف النظر.

– فرسان!

– أجل!

– جوٌّ يلائم الركوب.

وهنا رجل يصطاد السمك قريبًا منهم: جوٌّ بديع يلائم الصيد!

– أجل.

– كم الساعة؟

وينتزع أحدهم ساعة ذهبية كبيرة من جيبه: إحدى عشرة ودقيقة.

ويسحب الشيخ مينيك ساعة ثقيلة: عندي إحدى عشرة!

– عندك تقديم على ما أظن.

وكان الشيخ مينيك يشمئز من هذه الأحاديث، ويتململ ويقول في نفسه: ليست هذه أحاديث! هذا موت شفوي! وإن كان لا يُظهر امتعاضه؛ فاتصل بالفريق الآخر الذين كانوا يتباحثون في تحضير الأرواح، فأصغى إليهم، ثم أبدى رأيًا قوبل بالاحترام، ثم هوجم بعد ذلك بغير شفقة، ورفع عقيرته بالكلام فاكتسب النقاش.

قال أحدهم: أظنك تسكن النزل، أليس كذلك؟

فأجاب الشيخ مينيك فخورًا: كلا، إنني أعيش مع ابني وزوجه، إنهما لا يرضيان بغير ذلك.

– أو … أنا أحب أن أكون مستقلًّا.

– ألا تجد بعض الوحشة؟!

– تقول وحشة، أيها السيد؟ قلت لي اسمك مينيك، وأنا اسمي هيوز، إنني لم أشعر بالوحدة طوال حياتي إلا ستة أشهر عشتها مع ابنتي وزوجها وأطفالها الخمسة، هذا ما أسميه وحدة ووحشة!

وكان جورج ونتي يقولان له: لقد استفدت يا أبت من نزهتك في الهواء الطلق. وحقًّا قد بدا في عينيه بريق، وانتصبت قامته، وأشرقت بشرته، وكان ذلك هو اليوم الذي تناول فيه موضوع الهجرة فصيحًا مفيضًا في الحديث.

وطفق مثابرًا على المجلات والصحف، ورسالة من هنا ورسالة من هناك، ليحتفظ بمكانته، ويتابع أحدث الموضوعات … وأقبل يلتهم الكتب والنشرات التي تتناول شئون المال والشركات، مما يجلبه جورج إلى المنزل، فأصبح لديهم في المتنزه مرجعًا في مشاكل المصارف والأسهم والأوراق المالية. ويقضي الأسابيع هو ورجل من رجال المصالح المتقاعدين يدعى موري في مناقشة مسألة واحدة لا يختمانها …!

واستراح جورج ونتي إلى هذه النزهات، وظنَّا أنه يقضي هناك ساعات مهمومة من أصدقائه الشيوخ، لا يبحثون فيها شيئًا ذا بال. كان في تلك الأيام يلتهم وجباته من الطعام، ولا همَّ له إلا أن يملأ جوفه ويعب ملأه من الشراب!

انتهى الصيف وانصرم، وأقبل الخريف يحمل همًّا جديدًا للشيخ مينيك، أين يذهب إذا حلَّ فصل الشتاء؟ أليس مصيره إلى ذلك المسكن ذي الحجرات الخمس يأوي إليه طوال النهار؟ حيث الفراش الصغير وحيث العدم! لقد دارت بخاطره أغنية كان الأطفال يرددونها قديمًا ويتغنون بها في المدرسة، أغنية تافهة لا طعم لها:

«أين تذهب العصافير؟ إنني أعرف، إنني أعرف!»

لكنه لم يعرف، واستولى عليه رعب وفزع، وأقبل شهر أكتوبر وأدبر، واستحال في أوائل نوفمبر الذهاب إلى المتنزه حتى عند الظهيرة، وحتى إذا ارتدى المعطف والصدار، واسودَّ في نظره لون الجليد الأبيض، وجعل يترقب مطالع السماء يرصد الأمطار والثلوج.

وكان هناك دكان لبيع التبغ، ونادٍ للبليار على زاوية الطريق، فكان يذهب إليه مع طائفة من زملاء المنتدى، يقفون وراء اللاعبين ويرقبونهم وهم يلعبون، إلا أنه كان شاغلًا مملًّا، وكان سكان النُّزل لا يحضرون إليه، فعندهم في نُزلهم حجراته المعدة للألعاب.

وانصرف من تلك المغارة الغائمة بالدخان مهيض القلب واجم الجبين … لقد حاول أن يواجه الشتاء فلم يستطع، وكان يرتعد فرقًا لما يلقاه.

ثم بلغ المسكن، فذهب إلى الباب الخلفي كدأبه كل يوم، وكان حذاؤه مبتلًّا موحلًا، وإن البسط في المنزل لنظيفة من الطراز الحديث، وإنه ليجد الباب الخارجي مفتوحًا فيذكر أن اليوم هو يوم كناري تحت السلم، ويخلع حذاءه في المطبخ ويدخل حجرة الطعام، ويستمع إلى أصوات، فإذا نتي مع زوارٍ من صديقاتها، لعلهن في دعوة شاي … ويعود أدراجه إلى حجرته، فيستوقفه ذكرُ اسمِه على لسان نتي ويسمعها تقول: لولا أن والد جورج معنا لكان لي أولاد … ولكن كيف ووالد جورج يقيم معنا؟! ليس لدينا متسع، ولا نستطيع أن نستأجر مكانًا أوسع مع ما هو معروف من ارتفاع إيجار المساكن، إن مسكننا بهذه الحال لا يصلح لأن يربى فيه طفل، وقد تفاهمنا على ذلك أنا وجورج … ما ظنكن، ما دام والد جورج معنا فلا نستطيع. لا أعني أننا نستعمل حجرة الخدم لهذا أو لذاك من الشئون إذا رزقنا طفلًا، ولكن يجب أن يكون لديَّ أحد يساعدني حينذاك، وفي هذه الحال يجب أن تكون لدينا حجرة زائدة.

وظل هنالك في حجرة الطعام ساكنًا لا يتحرك، وكان يحسُّ قشعريرة تدبُّ في أوصاله وكأنما قد تخدر، إلا أن ذهنه كان في نصب واصب: الأمر واضح كل الوضوح، ويكاد صوابه يطير! وعلى الرغم من هذا النصب الواصب كان يتضح أمامه شبح الموت، فقد كان الموت أول ما خطر له في تلك اللحظة، وما أهونه إذن، إلا أنه لم يكن يحب أن يموت، عجبًا! إنه لم يكن يحب أن يموت … كان يهوى الحياة: المتنزه، الأشجار، المنتدى، الحديث، وكل ما هنالك … إن نتي فتاة طيبة، ولكن على الشيخ أن يخلي مكانه للشباب، إن لهم الحق في أن يولدوا … ربما كان هذا عذرًا آخر؛ لقد انقضت أربع سنوات منذ تزوجت، لماذا لا يكون ذلك منذ ثلاث سنين؟! حق في الحياة … حق في الحياة.

تسلل إلى المطبخ، ولبس حذاءه، وخرج في الظلام، عصر يوم من أيام نوفمبر القاتمة، ثم عاد ولم تمض ساعة، ودخل هذه المرة من الباب الأمامي ودق الجرس … لم يكن معه مفتاح، ولم يحدث أن كان معه مفتاح على الإطلاق، كأنه طفل من الأطفال لا يأتمنونه على مفتاح، وكانت صديقات نتي خارجات في تلك اللحظة فانتشر أريج العطر ونكهة الشاي والطلاء، فاستنشقها بارتياح … قلق … كيف حالك يا مستر مينيك؟ كيف حالك؟ كيف تقضي هذه الأيام؟

وابتسم بسرور وهو يخلع معطفه الثقيل والقميص الأحمر المكتوب عليه علامة س. وقال: كيف أقضيها؟ أقضيها على نية الانتقال!

قالت نتي وقد نظرت إليه مرتاعة: على نية الانتقال يا أبتي؟!

– إن الشيوخ يجب أن يفسحوا في المجال للشباب، هذا قانون الحياة، أجل يا سيدتي … الأطفال الجدد، الجدد!

قالت نتي — وقد احمر وجهها خجلًا: ماذا حدث يا أبتي؟!

– لقد وقعت على اتفاق للإقامة في النُّزُل اليوم، وسأنتقل إليه في الأسبوع القادم.

والتفتت إليه السيدات وقد تبسمن، ودنا منها الشيخ مينيك، وربت على ذراعها البضة، وقرص خدها، وهزه قليلًا.

قالت نتي مبهورة: لا أدري ماذا تعني؟!

قال الشيخ مينيك: أجل إنك تعرفين.

وكان في طيات تعبيره مسحة من الصرامة وإن شيبت لهجته بنغمة المزاح.

ولما دخل النُّزل، كان فريق من القوم يجلسون أمام الموقد في حجرة الاستقبال، وقد بدت عليهم أمارات الصحة والنشاط، فحيوه بلطف على عادتهم معه حينما كان يقبل عليهم بالمتنزه: استمع يا مينيك، إن موري هنا يقول إن الصين يجب أن تضم إلى حلف الدول الأربع، ويقول … وسلك الشيخ مينيك حلقه وقال: هاكم الصين بأجمعها فخذوها بأراضيها الشاسعة وتجاربها ومنابعها الصافية العذراء …!

ووقفت أمامه خادم تفاحية الوجنة ترتدي حُلَّة سوداء وميدعة يضاء وقالت له: إن مدير النُّزل ينبئك أن حجرتك على استعداد، أتحب أن تراها الآن؟

– انتظري دقيقة واحدة يا بنيتي.

ونحاها جانبًا باعتداد الرجل الذي يدفع خمسمائة ريال لاستقلاله وحريته، وهمت الفتاة بالمسير، فناداها: استمعي يا فتاتي الصغيرة، استمعي أيتها الفتاة الصغيرة!

ولما التفتت إليه، قال: أبلغي مدير المسكن أن يحضر لي وسادتين لفراشي، وسادتين، أتفهمين؟

– أجل يا سيدي، وسادتين لقد فهمت!

(٥) ستيفن فنسنت بنيت ١٨٩٨–١٩٤٣

من سلالة إسبانيَّة، ومن أسرة أدباء وشعراء، وله أخ وأخت شاعران أديبان، وأجداده الأولون جنود عسكريون.

ولد في بيت لحم «بنسلفانيا»، وتخرَّج في جامعة ييل، ثم حضر بعض الدروس في السربون، ونشر أول ديوان له: «قصائد في المناجاة الأحادية» أو المنلوجات وهو في السابعة عشرة، وكان مثلًا من الأمثلة النادرة على النجاح «الرسمي» والنجاح الشعبي معًا، فأحرز جائزة بوليتزر، وأحرز الجائزة القومية للشعر، وعُين وكيلًا لمعهد الفنون القومي، وراجت كتبه بين طبقات القراء على ندرة رواج الملاحم والمقطوعات الغنائية في العصر الحديث.

شاعر في نظمه، وفي اختيار الموضوعات لقصصه، وأكثرها من المأثورات الشعبية التي يلتقي فيها الواقع بالخيال وتتقارب فيها آيات البطولة وخوارق الطبيعة، ومذهبه فيها أن خلق الأساطير غير مقصور على خيال الأقدمين، فإن الأحياء يحفظون من المرويات المأثورة عن أبطال التاريخ القريب تحفًا من هذه النوادر التي يزخرفونها بحلية الإعجاب وروائع الخيال، فلا يقفون بها دون شأو الأقدمين فيما يروونه عن الأبطال من أنصاف الأناسي والأرباب.

وهو مولع بنوادر التاريخ الأمريكي وتراجم أبطاله: طريقته في سردها، شعرًا أو قصة، أن يحليها بالطُّرَف الشائقة، وأن تكون هذه الطُّرَف لبًّا من لبابها، ولا تكون كما قال: «كالزبيب في الفطيرة.» يحليها ولا يدخل في خبيزها، وله ملحمة شعرية بعنوان: «رفات جون براون» تعدُّ نموذجًا لهذه الطريقة، يروي فيها قصة الحرب الأهلية ويصور فيها أشخاص لنكولن ودافيزولي وجاكسون، ويبدؤها من النزاع على تجارة الرقيق، ويختمها بحوادث سنة ١٨٦٥، وقصته النثرية التالية نموذج آخر لهذه الطريقة في القصة القصيرة التي يرويها عن المأثورات الشعبية، ويقارب فيها على أسلوب «الشعبيات» بين آيات البطولة وخوارق الطبيعة كما تقدم، فالبطل فيها خطيب أمريكا الأشهر دانيال وبستر، يغلب كيد الشيطان ببلاغته، ويسلط بيانه القاهر على عقول المحلفين المختارين من أشرار الجحيم، فيسحرهم وينسيهم شرورهم، ويبعد ما بينهم وبين الشيطان، فيبطلون دعواه، وينقضون وثائقه وينصرون عليه غريمه الخائن٣ في يوم القضاء … وقد وضعت هذه القصة في القالب التمثيلي، ثم في قالب المسرحية الغنائية.

ومن الألفة بين فنه وبين الأذواق الشعبية أنه كان ينظم القصائد التمثيلية للإذاعة، فيستزيده المستمعون، وكانت كتاباته التاريخية تطبع وتتداول بين الجنود وجمهرة القراء. وهو من الشعراء القلائل الذين استطاعوا التوفيق بين أذواق الخاصة وجمهرة القراء، وساعده على ذلك أنه كان كما قال: «يكتب عن الماضي ويتحاشى أن يفسده، بأن يعاش من جديد.» وإنما يكتبه ليصل بينه وبين المستقبل بحلقة من الواقع تلتقي بطرفين مختلفين.

(٥-١) الشيطان ودانيال وبستر

بقلم: ستيفن فنسنت بنيت

إنها قصة يروونها في أقاليم الحدود حيث تلتقي ماساشوستس بفرمونت وهمبشير الجديدة.

نعم، إن دانيال وبستر ميِّت، أو هم، على الأقل، قد دفنوه، ولكنهم كلما سمعوا الرعد على مقربة من مرشفيلد قالوا إنكم لتسمعون صوته القاصف في أجواز الفضاء، ويقولون إنك إذا ذهبت إلى قبره وناديت: «دانيال وبستر، دانيال وبستر» أخذت الأرض ترتجف، والأشجار تترنح، وسمعت بعد قليل صوتًا أجش يسأل: أيها الجار، كيف حال الاتحاد؟ وخير لك إذن أن تجيب قائلًا: «إن الاتحاد قائم كما قام … أساس من الصخر وغشاء من النحاس، واحد متحد غير منقسم …» وإلا فإنه ليستطيع أن يشق الأرض ويخرج منها … أو هكذا على الأقل كنت أسمع منهم في صباي.

وأعلم أنه كان يومًا ما أكبر إنسان في البلاد، ولم يتولَّ الرياسة مرة، ولكنه كان أكبر إنسان، وكان في البلاد ألوف يؤمنون به بعد إيمانهم بالله القدير، ويروون أقاصيصه، ويتحدثون بأخبار عنه على نمط تلك الأخبار التي نسمعها عن آباء التوراة وشيوخها الأبدال، وإنهم ليؤمنون أنه إذا قام خطيبًا برزت النجوم والأزياج من السماء، وأنه خطب مرة «ضد» نهر من الأنهار فغاض في أسفل الأرض، وأنه كان إذا خرج يتمشى في الغاب بصنارته قفز السمك إلى جيوبه، لأنه يعلم أنه لا منجى له منه، وأنه إذا دافع عن قضية، ففي وسعه أن يهز أوتار الأبرار ويسيطر على الأصداء في جوف الرغام …

هكذا كان الرجل، وكذلك كانت ضيعته في مرشفيلد على قياسه، تلائمه وتوائمه، فكان الدجاج الذي يربيه كله لحم أبيض إلى الرجلين، وكانت أنعامه ترعى كما يرعى الأبناء، وكان الكبش الكبير الذي سماه جالوت ذا روق كقوس النصر، في قدرته أن يعشِّر نعاجه من وراء باب حديد.

على أن دانيال لم يكن من أولئك السادة الكسالى أصحاب الضياع، بل كان يعرف كل شيء عن الأرض وينهض ليتفقد شغل الحقل على ضوء الشموع! رجل له فم كفم الكلب الضليع، وأنف أشم كالطود، وعينان كجذوة النار … ذلك هو دانيال وبستر في ريعانه، ولم تدون أكبر قضاياه التي تولاها على صفحات الكتب، لأنه كان يساجل فيها الشيطان دقة بدقة … وهذه هي كما سمعناها مرات بعد مرات:

كان هنالك رجل يسمى جابيز ستون يقيم في «كروس كورنرز» بهمبشير الجديدة، ولم يكن رجلًا رديئًا — على فكرة — ولكنه كان سيِّئ الطالع، يزرع القمح فيبتلى بآفته، ويزرع البطاطس فيبتلى بآفتها، وأرضه من أجود الأرض ولكنها لا تسعده أو تغنيه، وله زوجة كريمة وأطفال، ولكنه كلما رزق طفلًا قلَّ رزقه، وإذا أثمرت الحجارة في حقل جاره فالصخور في حقله تتقد، وإذا كان له حصان متوعك باعه بحصان مختلج وأدى عليه فرقًا للبائع، وتلك شنشنة معهودة في بعض عباد الله. بَيْدَ أن جابيز ستون ضجر يومًا من هذا النصيب الموكوس كله، وحدث ذلك اليوم أنه كان يحرس أرضه فاصطدم المحراث بحجر وأقسم ما كان ذلك الحجر في الأرض بالأمس، وإنه لينظر إلى المحراث إذا بالحصان يسعل ذلك السعال الذي ينم على المرض، ويستدعي إليه البيطار، وعنده في البيت طفلان مصابان بالحصبة، وزوجة تشكو، وعلى إصبعه هو دُمَّل … لقد كان هذا كالحصاة التي تقصم الظهر عند جابيز، فقال وهو قانط يدير بصره فيما حوله: لقد عانيت ما يكفي المرء أن يلقاه ليبيع للشيطان روحه، وإني لبائعها إن شاء بفلسين!

ثم تنبه فعجب لنفسه كيف عنَّ له خاطر كهذا، ولكنه — وهو من صميم همبشير — لا قِبل له بالرجوع في كلام، وحان المساء فلم يرَ على غاية مد البصر علامة على أنه قد سُمِع وهو يناجي نفسه تلك المناجاة، فشعر بالفرح لأنه كان رجلًا صاحب دين وتقوى، إلا أن الخبر يسمع عاجلًا أو آجلًا كما قيل في الكتاب، فلما كان الغد على موعد العشاء شوهد زائر غريب، رقيق الكلام، في الملابس السود، يسوق مركبة ذات عجلتين، ويسأل عن جابيز ستون.

وزعم جابيز لأهله أنه محامٍ أتى إليه في أمر وصية، بيد أنه قد عرف من هو، ولم يعجبه مرآه ولا ابتسامته بين أسنانه، وكانت أسنانًا بيضاء كثيرة، ويقال إنها كانت مصفوفة تملأ كل فكيه، ولكني لا أراهن على صدق ما قالوا.

ولم يعجبه الرجل الغريب كذلك بعد أن رأى الكلب ينظر إليه فيعوي ويهرب إلى الدار وذنبه بين رجليه، غير أنه قال كلمته فلم يسعه أن ينقضها وذهبا معًا خلف المخزن فعقدا الصفقة بينهما؛ وكان على جابيز أن يجرح يده ليكتب توقيعه بدمه، فأعاره الزائر الغريب دبوسًا من الفضة، ثم اندمل الجرح نقيًّا، ولكنه خلف في موضعه ندبة بيضاء.

وعلى غير العادة جرت الأمور رخاء بعد هذا مع جابيز ستون، فسمنت أبقاره ونشطت خيله، وحسده الجيران على وفرة غلاته، وسلمت مئونته وحدها مما يصيب مُؤن الآخرين، وسرعان ما أصبح من أغنى ذوي اليسار في الإقليم، فاقترحوا عليه أن يرشح نفسه للنيابة عنهم ففعل، وتشاور الناس في انتخابه عنهم شيخًا للولايات، وشاعت السعادة في بيته، فكان أهله جميعًا أسعد من القطط الصغار في دار اللبان، إلا جابيز ستون نفسه، فلم يكن بالسعيد.

ولقد رضي عن حاله خلال السنوات القلائل الأولى … فإن توفيق الحظ شيء يذهل المرء عن كل ما عداه!

نعم إن الندبة الصغيرة كانت تنكأ قليلًا بين حين وحين، وكان الزائر الغريب في المركبة ذات العجلتين يعاوده في موعده، لا يتأخر عنه طرفة عين، إلا أنه في السنة السادسة حضر الغريب فذهب السلام من ضمير جابيز ستون إلى غير رجعة مع محضره المريب.

أقبل الزائر الغريب من جانب الضيعة السفلى يضرب حذاءه بقضيب في يده، وكان حذاء أسود جميلًا، ولكنه لم يرق جابيز ستون وبخاصة موضع الإبهام، وبعد أن قضى سحابة النهار جعل يقول للسيد ستون: حسن، حسن يا سيد ستون، إنك لمجدود، وإن هذه الضيعة التي أراها لك لهي ثروة قيمة.

قال ستون: على كل حال إنها تعجب بعض الناس ولا تعجب أناسًا آخرين. وإن ستون كما لا يخفى لهمبشيري صميم!

– كلا، كلا. لا حاجة بك إلى بخس عملك.

كذلك كان جواب الزائر الغريب، وهو يكشف بابتسامته عن أسنانه، ثم استطرد قائلًا: على أننا نعلم ما حصل، فإنه قد حصل كله وفقًا لما تعاقدنا عليه، فإذا حان الموعد في السنة المقبلة لم يكن لديك ما تندم عليه.

قال ستون: أتتكلم أيها السيد عن ذلك الاتفاق؟!

والتفت حوله كمن يستغيث بالأرض والسماء.

ثم قال: إنني أوشك أن أجد فيه موضعًا أو موضعين مما يريب!

وصاح الزائر الغريب صيحة ليست بالمستحبة على كل حال: مما يريب؟!

قال ستون: أجل، فإننا في هذه الولايات المتحدة، وأنا رجل متدين.

ثم تنحنح وقال مجترئًا: أجل يا سيدي، إنني لأوشك أن أرتاب كثيرًا في اعتماد هذا الرهن أمام القضاء.

فأجاب الزائر الغريب: هناك قضاء وقضاء …

وسمع لأسنانه هدير وهو يقول: على أننا قد نلقي نظرة على الأوراق.

ثم أخرج من محفظة جيبه الحافلة بالورق وثيقة قرأ عليها اسم «شروين سليتر، ستيفنز ستون» وتلا منها مفتتحها: «أنا جابيز ستون، أتعهد لمدة سبع سنوات …» ثم استطرد قائلًا: إنها مطابقة للأصول القانونية تمامًا فيما أحسب!

بيد أن جابيز ستون لم يكن يصغي إليه، وكان يلمح شيئًا بارزًا من المحفظة السوداء: شيئًا يلوح كشكل الفراش وليس به، ويهمس حين أنعم ستون فيه النظر همسًا كالصفير إلا أنه إنساني في نغمته: جاري ستون جاري ستون، أغثني بالله وأنجدني.

وإن جابيز ليهم أن يتحرك إذا الزائر الغريب ينفض من جيبه منديلًا كبيرًا، ويلف به ذلك المخلوق، ويقبل على المنديل يربطه من أطرافه.

– آسف لهذه المقاطعة، لقد كنت أقول …

ولكن جابيز ستون كان يرتجف من فرعه إلى قدمه كالجواد المجفل، ثم تمالك نفسه وقال: ذاك هو ستيفنز البخيل وأنت تقبضه في منديلك …!

فاضطرب الزائر الغريب قليلًا وجاراه قائلًا: نعم هو ستيفنز، وقد كان علي أن أودعه صندوق المجموعات …

قال ذلك متهانفًا! ثم استمر يقول: ولكن المجموعة فيها ودائع من صنف آخر، ولا أحب أن أزحمها، لا بأس، لا بأس، هذه عوارض قد تحصل من حين إلى حين.

– لا أدري ماذا تعني بهذه العوارض، ولكن هذا هو صوت ستيفنز البخيل، وليس هو بميت، لقد كان في خفة الفأر ورشاقته منذ قليل.

– أحي هو؟ إذن فاسمع …

وسُمِع في تلك اللحظة ناقوس يدق، وأصغى إليه جابيز ستون وجبينه يتفصد بالعرق، لأنه علم أن دقات تنعي ستيفنز البخيل.

قال الزائر متنهدًا: هذه الحسابات القديمة لا بد لها من تسوية، وإني لأبغض ختامها، ولكن الشغل شغل، ولا حيلة فيه!

وكان المنديل في يده لا يزال، وغثيت نفس جابيز وهو ينظر إلى المنديل يضطرب ويصطرع، وسأله بصوت مبحوح: أتراهم كلهم بهذه الضآلة؟!

– الضآلة، آه! إنني أدرك ما تعني. كلا، بل هم يختلفون.

وحدج الزائر الغريب بعينيه وتكشفت أسنانه وقال: لا تقلق يا مستر ستون، فإنك أنت طراز ممتاز، ولن آمن عليك خارج الصندوق، وخذ مثلًا إنسانًا كدانيال وبستر. إننا نبني له بداهة صندوقًا خاصًّا، ولا نحتوي مع هذا جناحيه، إنه ولا شك لغنيمة نفيسة، وليتنا نفضي إليه في طريقنا، أما أنت يا مستر جابيز، فكما كنت تقول …

وقبل أن يتم جملته صاح به جابيز: أبعد هذا المنديل.

وأخذ يلحُّ ويتوسل، فكان أقصى ما وصل إليه تأجيل ثلاث سنوات مع بعض القيود والشروط.

•••

وأنت أيها القارئ لا تستطيع أن تعلم كيف تمر السنوات الأربع سراعًا إلا إذا وقعت في ورطة كتلك الورطة، وأبرمت اتفاقًا، ففي الأشهر الأخيرة من هذه السنوات كان جابيز ستون قد اشتهر بين أرجاء الولايات كلها، ورشحه الكثيرون لمسند الحاكم عليها، وما كان ذلك إلا كالرماد والتراب بين فكيه، لأنه كان يفكر كلما طلع عليه الصباح يومًا قائلًا لنفسه: هذا يوم قد مضى واقتربنا إلى الموعد، وكان يقول لنفسه كلما آواه الفراش ليلة: هذه ليلة تنقضي! وتحضره رؤية المنديل الأسود وروح ستيفنز البخيل تضطرب فيه، حتى برِم بهذه الهواجس آخر الأمر وعيل بها صبره، فامتطى حصانه في الأيام الأخيرة من السنة الأخيرة، وركضه إلى جانب دانيال وبستر، لأن دانيال قد ولد في همبشير الجديدة على مدى أميال قليلة من «كروس كورنرز» وعرف عنه أنه كبير العطف على جيرته الأقدمين.

ووصل إلى مرشفيلد في الصباح الباكر، ولكن دانيال كان قد نهض من فراشه، وراح يناقش عمال الزراعة ويصارع الكبش «جليات» ويروض جوادًا جديدًا ويستعد بخطاب للرد على جون كلهون، فلما سمع أن قادمًا من همبشير الجديدة يريد أن يلقاه أخلى نفسه من كل شيء على عادته في هذه الأحوال، ودعا جابيز إلى مائدة إفطار لا يقوم بها خمسة من الرجال الأشداء، واستعاد تاريخ حياة كل رجل وامرأة في «كروس كورنرز» ثم سأل: ماذا يستطيع أن يعمل لخدمته؟

قال جابيز ستون: إنها قضية رهن.

– حسن، إنني منذ عهد بعيد لم أدافع في قضية رهن؛ ولست الآن على العموم أشتغل بالقضايا في غير المحكمة العليا، غير أنني أساعدك في قضيتك بما أستطيع.

قال جابيز ستون: إذن يعمر قلبي الرجاء لأول مرة بعد عشر سنين، وقص عليه قصته بإسهاب وتفصيل.

وجعل دانيال يمشي جيئة وذُهُوبًا وهو يستمع إليه، وقد عقد يديه وراء ظهره، وطفق مرة بعد مرة يطيل النظر إلى الأرض كأنما يثقب أديمها بمثقب، فلما فرغ جابيز من قصته أشرق وجه دانيال بابتسامة كالصبح ومال إليه قائلًا: لقد أسلمت مقادك حقًّا للشيطان أيها الجار ولكنني أقبل قضيتك.

فلم يكد جابيز يصدق أذنيه، وصاح مبتهجًا: تقبلها؟!

قال دانيال وبستر: نعم، إن عندي نحو خمس وسبعين مسألة أتولاها، وعندي مسألة التفاهم على مساومة ميسوري، ولكنني سأقبل قضيتك، فإن لم يكن رجلان من همبشير الجديدة كفؤًا للشيطان فخير لنا أن نترك البلاد للهنود الحمر وننصرف منها.

ثم صافح ستون وهز يده سائلًا: أأنت على عجل؟

قال ستون: الواقع أنني عملت حساب الوقت.

قال دانيال: وستعود أسرع مما أتيت، وأمر أتباعه بشد حصانه المسمى بالدستور، وحصانه المسمى بالبرج إلى المركبة، وكلاهما رمادي، وقائمة من قوائمه الأربع بيضاء … أما السرعة فتلك سرعة البرق المدهون.

ولست أريد أن أصف كيف عمَّ السرور والابتهاج كل فرد من أفراد أسرة ستون حين رأوا أنهم مستضيفون دانيال وبستر العظيم في دارهم، وكان الهواء قد أطار قبعة ستون في الطريق، فلم يكترث لذلك، وأذن لأهله جميعًا بعد العشاء أن يذهبوا ليناموا لأنه سيعمل مع السيد وبستر في شغل خاص، فدعتهما السيدة ستون إلى الجلوس في ردهة الاستقبال، ولكن السيد وبستر قال إنه يفضل الجلوس في المطبخ لأنه يعرف ردهات الاستقبال، وكذلك جلسا في المطبخ منتظرين وصول الزائر الغريب وبينهما إبريق على المائدة، وفي الموقد نار لامعة، وكان موعد مجيئه عندما تؤذن الساعة بمنتصف الليل.

وما من أحد يتمنى صحبةً هي أمتع من الجلوس إلى دانيال وبستر وإبريق، إلا أن ستون كان يزداد غمًّا كلما نبضت الساعة نبضة من نبضاتها، وكانت عيناه تحومان يمنة ويسرة، ولا تشتهي نفسه قطرة يذوقها من ذلك الإبريق الذي عني بملئه وتحضيره، فلما دقت الساعة النصف بعد الحادية عشرة مدَّ يده يعتصم بذراع مستر وبستر وجعل يناديه: سيد وبستر، سيد وبستر! وجعل صوته يرتعش ويتكلف الجرأة اليائسة، ثم قال: بحق الإله … شد حصانيك وانج من هذا المكان بأسرع ما تستطيع.

قال السيد وبستر: إنك قد أتيت بي أيها الجار من مكان بعيد كي تقول لي إنك لا تستريح إلى صحبتي!

قال ذلك ساكن الجأش مقبلًا على الإبريق!

وعاد جابيز يقول بصوت كأنه الأنين: يا لي من تعس! لقد أقحمتك في حبائل الشيطان، وهأنذا أعرف حماقتي وجهلي، فليذهب بي الشيطان إن شاء حيث يشاء، فإني أهل لما يُصنع بي، وفي وسعي أن أحتمله، أما أنت أيها السيد فإنك ملاذ همبشير الجديدة وحارس الاتحاد، لا يصح أن يصل إليك … كلا، كلا، لا يصح أن يمدَّ يده إليك!

ونظر دانيال وبستر إلى الرجل الوجل، قد احتواه شعاع النار، واستولت عليه الرجفة ووضع يده على كتفه وهو يقول له: إني لشاكر لك أيها الجار لطف شعورك، ولكن ألا ترى أن هنا إبريقًا لم أفرغ منه؟ إنني ما تركت عملًا قط بدأته دون أن أفرغ منه أيها الصديق!

في تلك اللحظة سُمِعت دقة عنيفة على الباب، فقال دانيال وبستر ببرود: آه، ادخل.

فدخل الزائر الغريب، ولاح له شعاع النار طويلًا بملابسه السود، ولاح تحت إبطه صندوق أسود تتخلله خروق، فلما وقعت عين جابيز على الصندوق بدرت منه صيحة خافتة، وقبع في ركن من الحجرة.

قال الزائر بأدب جم: أحسبني أرى السيد وبستر!

ولكنه مع أدبه هذا كانت عيناه تلتمعان كالثعلب في الغاب!

قال وبستر: نعم، وكيل جابيز ستون، فهل لي أن أسألك عن اسمك؟

قال: لقد عرفت بأسماء كثيرة، ولعل اسم «خربوش» يلائمني هذا المساء، فهو الاسم الذي أُدْعَى به في هذا الإقليم.

ثم جلس إلى المائدة وصب لنفسه قدحًا من الشراب. وقد كان الشراب باردًا في الإبريق ولكنه تدفق منه إلى القدح كالدخان!

واستأنف الزائر الغريب قائلًا — وهو يبتسم ويكشف عن أنيابه: والآن أرجو — وأنت مواطن تحترم القانون — أن تمكنني من حقي.

وبهذا ابتدأت المساجلة، ولم تزل تحتدم وتعنف كلمة بعد كلمة.

لقد تعلل جابيز ستون ببعض الرجاء في أول الأمر، ثم لم يلبث أن رأى دانيال يتراجع في نقطة بعد نقطة حتى انزوى إلى ركنه، ولم ترتفع عيناه لحظة عن الصندوق الأسود؛ إذ لم يكن ثمة أيسر شك في مضمون الوثيقة وصحة التوقيع، وهو أخطر ما في الموضوع!

وطفق وبستر يتلوى وينقبض ويقرع المائدة بيده ولا يزيد على ذلك، وعرض على الزائر الغريب أن يصطلحا على المساومة، فلم يقبل عرضًا من عروضه، وكان من حججه أن البضاعة زادت في الثمن، وأن شيوخ الولايات يساوون ثمنًا أكبر من الثمن المتفق عليه، فتشبث الزائر الغريب بالنص الحرفي ولم يتزحزح عنه قيد شعرة.

لقد كان دانيال وبستر فقيهًا ضليعًا ولكننا نعلم من هو فقيه الفقهاء، كما وصفته الكتب، فبدا — لأول مرة — أن دانيال وبستر لقي ندَّه في الميدان!

وتثاءب الزائر أخيرًا وهو يقول: إن جهودك الحارة لمصلحة موكلك تشرفك يا سيد وبستر، ولكنك إذا كنت قد استنفدت الحجج التي عندك ولم يبق في جعبتك حجة تضيفها، فاسمح لي أن أقول إنني مستعجل!

فاضطرب جابيز ستون، واكفهر وجه دانيال وبستر كأنه الغمامة المرعدة، وصاح بالزائر الغريب: مستعجل أو غير مستعجل، إنك لن تظفر بالرجل، إن السيد ستون رعية أمريكية، وما من أحد من هذه الرعية يساق كرهًا إلى طاعة أمير أجنبي، وقد حاربنا إنجلترا في هذا السبيل اثنتي عشرة سنة، وسنحارب جهنم كلها مرة أخرى في هذا السبيل: وصاح الزائر الغريب: أجنبي! ومن قال إنني أجنبي؟!

قال وبستر: حسن، إذن فإنني ما سمعت قط أن الشيط … إنك تنتمي إلى الوطنية الأمريكية!

فأجابه الزائر الغريب بابتسامة من ابتساماته المخيفة، وهو يقول: ومن أحق مني بالانتماء إليها؟! فقد كنت معكم حين حدث أول عدوان على الهنود، وكنت معكم حين اجتلب أول زنجي من أفريقيا … و… وبعدُ فهل خلت مني كتبكم وحكاياتكم وعقائدكم من أول الهجرة إلى اليوم؟ أليست سيرتي مقروءة في كل بيعة من بيع إنجلترا الجديدة؟ نعم إن الشماليين ينسبونني إلى الجنوب، والجنوبيين ينسبونني إلى الشمال، ولكنني لست بهذا ولا ذاك، وإنما أنا أمريكي مخلص مثلك يا سيد وبستر، ولست أحب أن أفخر عليك، فإنما أقرر الواقع حين أقول إنني أعرق منك في هذه البلاد …!

وانتفخت العروق في جبهة دانيال وبستر وهو يتحدى الزائر الغريب قائلًا: إذن نحتكم إلى الدستور، ومن حق موكلي أن يحتكم إليه.

قال الزائر الغريب: إن القضية قلما تستحق أن تعرض على محكمة من المحاكم الأولية، والحق أننا قد تأخرنا، وهذه الساعة …

قال دانيال وبستر في أنفة وغضب: لتكن ما تكون، إنها محكمة أمريكية على أية حال، ومحلفون أمريكيون، لتكن محكمة الموتى فإنني واثق من النتيجة.

– لقد قلتها أنت!

كذلك كان جواب الزائر الغريب، وهو يومئ بإصبعه نحو الباب، فإذا بالريح تعزف خارج الباب، ويسمع معها وقع أقدام، ثم أقبلت من الباب أشباح مميزة بأشكالها تحت جنح الليل؛ ولكنها تخطو فيسمع لمسيرها وقع غير وقع أقدام الأحياء.

وصرخ جابيز ستون: يا لله! مَنْ هؤلاء القادمون في مثل هذه الساعة؟!

فأدركه الزائر الغريب متهكمًا: هؤلاء هم المحلفون الذين طلبهم السيد دانيال وبستر.

ثم رشف من قدحه الملتهب بضع رشفات، وعاد يقول: معذرة لهم إن قدم منهم أحد أو اثنان، لقد كان خليقًا بهم أن يقدموا منذ حين.

وفي تلك اللحظة تلهبت النار زرقاء اللهب، وانفتح الباب وولج منه اثنا عشر شخصًا واحدًا في إثر واحد.

لئن كان ستون قد أسقمه الذعر من قبل، لقد عمي من الذعر حين بصر بهؤلاء؛ فقد كان منهم والتر بتلر «الموالي» للدولة الإنجليزية الذي أثار الخوف وأضرم الحريق في وادي موهاك أيام الثورة، وكان منهم سيمون جيرني الخائن الذي كان يشهد مصارع البِيض في النار، ويهلل مع الهنود لمرآهم وهم يحترقون، وإنك لترى عينيه الخضراوين كأنه القط المستوحش، وعلى قميصه نقيع الدم، ولكنه ليس بالدم من غزلان الصيد، وكان منهم الملك فيليب٤ متجبرًا متكبرًا كما كان بقيد الحياة، وعلى رأسه أثر الجرح الذي أصماه وأرداه، وكان منهم ديل الحاكم الفظ الذي حطم عظام الناس على دواليب العذاب، وكان منهم مورتون من مسرى مونت الذي أزعج إقليم بليموث بوجهه المحمر — المليح — وبغضائه للصالحين، وكان منهم تيتش القرصان الدموي بلحيته السوداء متجعدة على صدره، وكان منهم الأب الموقر جون سميث بيديه الخانقتين وجلبابه السويسري يتمشى برشاقته التي تمشى بها إلى المشنقة، ولما يزل في عنقه أثر الحبل، وفي إحدى يديه منديله المعطر …

دخلوا واحدًا في إثر واحد إلى الحجرة، ولم تزل على وجوههم قترة الجحيم، وقدمهم الزائر الغريب بأسمائهم وأفعالهم ولم يكذب فيما عزاه إليهم، فقد كان لهم جميعًا أدوارهم في البلاد.

وسأل الزائر الغريب متهكمًا: وقد استووا على مقاعدهم: أيرضيك هؤلاء المحلفون يا سيد وبستر؟

فتكلل جبين وبستر بالعرق، ولكنه قال بصوت واضح: راضٍ كل الرضا، وإن كنتُ لا أرى بينهم القائد أرنولد.

قال الزائر الغريب: إن بنديكت أرنولد مشغول بعمل آخر.

ثم استطرد قائلًا وعيناه تسطعان بالشرر: إنك تطلب قاضيًا فيما أحسب، وأشار بإصبعه إشارة أخرى، فأقبل رجل طوال عليه ثياب المطهرين، وفي عينيه لمعة التعصب العنيد يتمشى إلى كرسي القضاء ويستوي عليه.

قال الزائر الغريب: إن القاضي هاثورن محلف مدرب، تولى رياسة المحكمة التي فصلت في قضايا السحرة بمدينة سالم، وقد ندم غيره بعد ذلك، ولكنه معاذ الله أن يندم كمن ندم.

قال القاضي الصارم: أيندم على تلك الفرائض المبجلة؟ حاشا لله، بل الشنق لهم أجمعين، نعم أجمعين. وغمغم بينه وبين نفسه نغمة قارسة سرت مسرى الثلج المميت في مفاصل جابيز ستون.

ثم بدأت المقاضاة، ولم يكن في طوالعها ما يبشر المدعى عليه بالخير، فلم يحفل جابيز نفسه بشهادة تزكي دعواه، وأرسل بصره مرة إلى سيمون جيرتي فصرخ مجفلًا، وأخذوه إلى زاوية الركن، حيث كان يجلس، فأجلسوه في شبه إغماء.

ولم تتعطل المقاضاة مع هذا، فانتظمت على نظام غيرها من القضايا، وكثيرًا ما وقف وبستر في تجاربه الماضية بين أيدي محلفين قساة، وقضاة غشمة، ولكنها في هذه المرة كانت أصعب تجاربه، ولم يجهلها.

واستووا هنالك على مقاعدهم، تلتمع أعينهم، ويسمع أمامهم من حين إلى حين صوت الزائر الغريب الناعم اللين، يجاب كل اعتراض بالقبول، ولا يجاب الاعتراض من جانب وبستر بغير الرفض والإعراض، وماذا ينتظر من خيرة يختارها السيد خربوش؟!

ثم جاء دور دانيال أخيرًا، وقد حميت قريحته كالحديد في الأتون، فلما تحفز للكلام أزمع النية على أن يسلخ ذلك الزائر الغريب سلخًا، ويعوذ بكل حيلة من حيل القانون لتجريحه وتجريح المحلفين على السواء، ولم يبالِ أن يتهم باحتقار المحكمة، أو بما يصيبه من جراء حملته، ولم يبالِ كذلك ما يصيب جابيز ستون، وإنما جن جنونه ولم يفكر في شيء غير ما ينوي أن يقول، ومن عجب أنه كان كلما فكر فيه شق عليه أن يستجمعه في ذهنه على وتيرة متلاحقة، ثم حان وقت النهوض للكلام فنهض على أهبته للإبراق والإرعاد وصب اللعنات ودحض الشبهات!

وقبل البدء بالكلام جعل يقلب نظره بين وجوه المحلفين ووجه القاضي، كدأبه في هذه المواقف، ولاحظ البريق في أعينهم، فإذا به ضعف ما كان، وإذا بهم جميعًا متكئون إلى الأمام، وكأنهم كلاب الصيد قبل عثورها على الثعلب، وقد تكاثف أمامه ضباب الشر في الحجرة وهو ينتقل بينهم ببصره ويتأملهم واحدًا بعد واحد، فوضح له ما هو مقبل عليه، ومسح بيديه على جبينه كما يصنع الرجل [وقد] نجا وشيكًا من السقوط إلى هاوية في الظلام.

لقد جاءوا، في الحق، من أجله هو، لا من أجل جابيز ستون، وعرف ذلك من بريق أعينهم ومن منظر الزائر الغريب؛ إذ يخفي فمه بيده هنيهة بعد هنيهة، فلو أنه حاربهم بأسلحتهم لوقع في قبضتهم، وكان على يقين من ذلك، وإن لم يكن في وسعه أن يقول لك كيف سرى إليه ذلك اليقين …!

لقد كان غضبه وخوفه هما البريق الذي يسطع في تلك الأعين، وكان عليه أن يجلوهما أو تضيع القضية، فتمهل قليلًا وعيناه السوداوان تتقدان كجذوة الفحم الحمراء، ثم أخذ في الكلام …

بدأ على مهل؛ وإن كانت كل كلمة من كلماته مسموعة واضحة، وكثيرًا ما كان يقال عنه إنه يستنزل معازف الصالحين والملائكة حين يشاء، ولا يكلفه ذلك إلا أن يفتح شفتيه، غير أنه لم يستهل مقاله بالثلب والإدانة وقصره على بيان الأمور التي تصبح بها الأمة هي الأمة، والإنسان هو الإنسان … وكان استهلاله بتلك البسائط السهلة التي يعرفها كل واحد: نضرة الصباح إذ أنت فتى في مقتبل العمر، ولذة الطعام إذ أنت جائع تشتهيه، واليوم الطالع الذي هو خلق جديد إذ أنت طفل صغير، واستولى عليهم ولوى بهم في يديه، وكانت تلك أشياء حسنة مستحبة لكل أحد، ولكنهم بغير الحرية مرضى مهازيل، فلما عرض في كلامه لأولئك الذين استعبدوا، وللأحزان التي تجلبها العبودية، كان لصوته رنين كدق الأجراس.

وراح يترنم بأمريكا، وبمن صنعوا أمريكا، ولم يكن حديث جعجعة من غير طحن، بل كان حديث الواقع كما تراه، وكان يسلم بوقوع الخطأ حيث وقع، ولكنه يبين للسامع كيف نما من الخطأ والصواب ومن جوع الجائعين وعذاب المضطهدين؛ خلق جديد: خلق قد اشترك فيه كل عامل غير مستثنى منهم خونة ولا منكرون …

ثم استطرد من كلامه إلى جابيز ستون فوصفه بصفاته، ومثله لهم على مثاله: رجل من سواد الناس طارده نكد الطالع، فتمنى لو يبدل طالعًا أسعد وأجدى، ولهذا التمني يراد اليوم أن يحل به العذاب الواصب أبد الآبدين ودهر الداهرين، وإن جابيز ستون مع هذا لرجل طيب لا يخلو من جانب خير وصلاح، ولعله كذلك لا يخلو من شدة وإسفاف، ولكنه بعد هذا كله إنسان.

وإنه لمن المحزن أن يكون الإنسان إنسانًا، ولكنه كذلك فخر وكبرياء، وقد أراكم جانب فخره وكبريائه حتى لا خفاء، فإنه لفي الجحيم نفسها لن يكون الإنسان إنسانًا إلا أدركتم ما هو عليه …

ولم يكن دانيال يتشفع لأحد خاصة، وإن رنَّ صوته في أسماعهم رنين الأرغن، وإنما كان يروي قصة الإنسان في مساعيه وعثراته من أوائل خطاه في رحلته الأبدية، وما من شيطان يستشف سريرته في ذلك الجهاد، فما تتاح هذه القسمة بمساعيها وعثراتها إلا لإنسان.

وكادت النار في الموقد تخمد، وكاد نسيم الفجر يهب قبل طلوع الصباح، ولاحت بواكير النور في الحجرة حين فرغ دانيال وبستر من الكلام.

لقد عاد بكلماته قبل الختام إلى أرض همبشير الجديدة، وإلى بقعة الأرض التي يأوي إليها كل فرد منها، ولا يهون عليه أن يفرط فيها، ورسم من كل أولئك صورة موموقة، فاستعاد لكل سامع من أولئك المحلفين ذكريات طال العهد بنسيانها؛ إذ كان من أسرار صوته أن يسلك سبيله إلى القلب، وفي ذلك كل مزاياه وكل قواه.

كان صوته في مسمع هذا كالغابة وخفاياها، وكان صوته في مسمع ذاك كالبحر وأغواره، وكان أحدهم يسمع منه صرخة من أعماق أمته الغابرة، وكان غيره يبصر منه منظرًا مستحبًّا لم يبصره منذ حين إلا أنهم جميعًا يحسون منه ما يحسون!

ولم يدرِ دانيال وبستر في ختام كلامه أكان قد أفلح أم لم يفلح في إنقاذ جابيز ستون، ولكنه كان يدري أنه صنع المعجزة وأطفأ هذا البريق، بريق البغضاء في أعين القاضي والمحلفين، فأصبحوا تلك الساعة أنسيَّ مرة أخرى، وعلم هو أنهم عادوا كما خلقهم الله أناسيَّ من أبناء آدم وحواء!

قال وبستر: إن الدفاع يستريح.

وظل قائمًا هنالك كالطود الأشم: أذناه تتجاوبان بأصداء كلامه ولا تسمعان شيئًا آخر غير تلك الأصداء، إلى أن سمع القاضي هاثورن يقول: المحلفون ينفردون للتشاور في القرار.

ووقف والتر بتلر في مكانه، وعلى وجهه سرور كاب تخالطه الكبرياء، وقال: إن المحلفين قد انتهوا إلى قرار.

ووجه نظرته إلى الزائر الغريب في قرارة عينه، ثم قال: القرار لمصلحة المدعى عليه «جابيز ستون»!

واختفت الابتسامة من وجه الزائر الغريب، ولم يتلعثم والتر بتلر أو يتراجع، بل مضى يقول: «على أنه قرار لعله لا يطابق البينات كل المطابقة، ولكن بلاغة دانيال وبستر جديرة بالتحية والإكبار، حتى من زمرة المنبوذين والمنظَرين.»٥

وارتفع في تلك اللحظة صياح الديك يشق سماء الصباح وانقشع المحلفون والقاضي من الحجرة كما ينقشع الدخان، فلا أثر ولا خبر، والتفت الزائر الغريب إلى دانيال وبستر يبتسم له عن خبث وخداع، ويقول: إن الماجور بتلر قد وصف بالشجاعة من قديم، وما حسبته قط بهذه الشجاعة التي شهدتها الآن، وعلى كلٍّ يا سيد وبستر، تقبل مني تهنئة الشريف للشريف.

قال وبستر: قبل كل شيء ناولني من فضلك هذه الوثيقة، ومدَّ يده فأخذها ومزقها، وأحسها حامية في يده لفرط دهشته، ثم قال: والآن فإني أقبض عليك أنت، وامتدت يده كأنها الشرك القابض على الوحش، فقبضت على ذراع الزائر الغريب، ولم يكن يخفى عليه أن الشيطان تنزف قوته إذا انهزم في نضال على حسب الأصول، ورأى تلك الساعة أن «السيد خربوش» يعرف ذلك أيضًا ولا يخفى عليه.

وأخذ الزائر الغريب يتلوى ويتملص ولا نجاة! وطفق يقول وهو يحاول الابتسام، وقد شحب لونه واصفر وجهه: مهلًا مهلًا يا سيد وبستر، إن هذا الأمر ﻣﻀ … مضحك … وإني لأعدك بسداد أجر الدفاع عن طيب خاطر، إن كان هذا ما تعنيه.

قال وبستر: نعم، وإنك لفاعل.

ثم هزه هزًّا عنيفًا حتى اصطكت أسنانه، وأمره أن يجلس إلى المائدة فيكتب على نفسه عهدًا لا يعودنَّ إلى مضايقة جابيز ستون ولا أحد من أهله وتابعيه، ولا أحد على الإطلاق من همبشير الجديدة إلى يوم الدين.

قال: إننا إذا احتجنا إلى هاوية الجحيم في هذا الإقليم، فنحن صانعوها بأيدينا، ولا حاجة بنا إلى معونة الغرباء.

وصاح الزائر الغريب متأوهًا: آخ، إنهم ما دخلوا المصيدة قط سمانًا، ولكنني … موافق!

ثم قعد على كرسيِّه وكتب الوثيقة، ويد وبستر آخذة بطوقه لا تفلته.

قال الزائر الغريب: والآن، أيمكنني أن أذهب؟

قال ذلك في ذلٍّ ومسكنة، وبعد أن فرغ وبستر من مراجعة الوثيقة والتحقق من مطابقتها للأصول.

وأجابه وبستر بعد أن هزه هزة أخرى: اذهب! واعلم أنني لا أزال مفكرًا فيما ينبغي أن أعمله معك، فإنك قد سددت حساب القضية ولم تسدد بعد حسابك معي، وأحسبُ أنني سأعود بك إلى مرشفيلد، فعندي هناك كبش يناطح الحديد، وسأطلقك في حقله وأرى ما هو صانع بك.

عندئذٍ تقدم الزائر الغريب متوسلًا، لا متضرعًا، وبلغ من مسكنته في توسله وتضرعه أنه ألانَ قلب وبستر، وهو بطبيعته رحيم كريم، فأذن له بالانصراف، وبدا على الزائر الغريب أنه جد شاكر مغتبط بالنجاة، فأراد أن يعرب عن شكره واغتباطه، وقال لِوبستر: إنه سيخبره الساعة بطوالعه في المستقبل، وقبل وبستر منه ذلك، وإن لم يكن ممن يصدقون هذه الطوالع، إلا أن الزائر الغريب يخالفه بداهة في هذه الخصلة!

وتناول الزائر يد وبستر يتفحص خطوطها وعلاماتها، فأنبأه بأمور ذات بال ولكنها كانت جميعًا من أنباء الماضي، فقال له وبستر: ذلك كله صحيح، فحدثنا عن المستقبل إن استطعت، فتهانف الزائر الغريب تهانف الرضا وهزَّ رأسه قائلًا: إن المستقبل يا وبستر على غير ما تقدر، إنه مظلم، وإن لك لمطمعًا كبيرًا يا سيد وبستر.

قال وبستر بعزم وثبات: نعم، لي هذا المطمع الكبير. وكان معلومًا عند الناس جميعًا أنه يرشح نفسه للرئاسة.

قال الزائر الغريب: إنها لتبدو في متناول يدك، غير أنك لا تنالها، وسينالها من هم دونك وتعبرك أنت إلى غيرك.

قال دانيال: وإن يكن فسوف أبقى كما أنا دانيال وبستر، وبعد؟

قال الزائر وهو يهز رأسه: لديك ولدان قويَّان تهيئ لهما طريقًا يشقانه إلى المجد، ولكنهما يقتلان في الحرب ولا يدركان الأمل في العظمة المنشودة.

قال وبستر: يقتلان أو لا يقتلان، إنهما — على كلٍّ — ولداي، وبعد؟

قال الزائر: إنك ألقيت بالخطب الطنانة، وسوف تُلقي غيرها.

فلم يزد وبستر على أن قال مستزيدًا: إيه!

فمضى الزائر يقول: بيد أن الخطاب الأخير الذي سوف تلقيه سيقلب عليك كثيرًا من أنصارك، وسينبذونك بالنعوت ويزعمون — حتى في إنجلترا الجديدة — أنك انقلبت على عقبيك وبعت وطنك، وتعلو أصواتهم عليك إلى أن يدركك الأجل المحتوم.

قال وبستر: إن كان كل ما أقول خطاب صدق، فلا عبرة بما يقوله الناس، ثم حدج الغريب بنظره فتقابلت النظرتان، وسأل وبستر بعد ذلك: أتراني — وقد جاهدت في سبيل الوحدة — أعيش حتى أراها وثيقة قوية أمام دعاة الفُرقة والشقاق؟

فأجابه الزائر الغريب: لن ترى ذلك في حياتك، ولكنها قضية مكسوبة، وستفلح بعد موتك، ويتصدى الألوف للسير بها على نهجك ويتمثلون في جهادهم بكلماتك.

قال وبستر: ولِمَ إذن أيها المسخ الشائه تختال وتحتال فيما تهذر به من طوالع الحال؟

وانفجر مقهقهًا وهو يفوه بهذه الكلمات، وعاد يقول: اغرب من هنا قبل أن أدمغك بسمة لا تُمحى، فإنني بحق الولايات الثلاث عشرة لأذهبن إلى الهاوية نفسها، لأنقذ وحدة الأمة، ثم رفع قدمه ليضرب بها الزائر ضربة تقتل الحصان المتين، لولا أن الزائر الغريب هرول هاربًا وصندوق التحصيل تحت إبطه، فلم يصبه إلا بطرف الحذاء.

ولمح جابيز ستون يتحفز للنهوض مفيقًا من إغمائه الطويل فقال: دعنا نرَ ماذا بقي في الإبريق؛ فإن الكلام طول الليل يجفف الحلوق، وأرجو أن ننعم بفطيرة لذيذة في طعام الصباح أيها الجار.

ومنذ ذلك اليوم يمر الشيطان بمرشفيلد، فيزورُّ عنها متجنبًا، ولم يُشاهد بعدها يومًا في ولاية همشير الجديدة.

ولست أتكلم عن مساشوستس أو فرمونت …!

١  يشير إلى كليبان في رواية العاصفة لشكسبير.
٢  امرأة جريئة عاصية، ورد ذكرها في سِفر الملوك من العهد القديم.
٣  الذي جاء حينه أو جاء أجله.
٤  زعيم تولى قيادة قبائل من الهنود الحمر.
٥  الذين يشبهون إبليس في أنه من المنظرين، بفتح الظاء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١