محمد

أرسل سلامك في الأنام محمدُ
عظمت مآثمهم، وعزَّ المرشدُ
عادوا كأنك لم تكن نورَ الهدى
للعالمين، ولم يَحِنْ لك موعد
وغَدَوْا وروح الجاهلية روحهم
في كل أرضٍ يزدهي ويُعربِدُ
الجاهلية بعض جهل زمانهم
والكُفر بعض خلاقة المتوطد
جحدوا جلال الناصري، وإنه
من أنعُم الله التي لا تُجحد
وتوغَّلوا في الغَيِّ، حتى أرجفوا
فيما وعدت به، وفيما تقصد

•••

نصبوا من العقل الضرير منائرًا
جعلوه ربًّا يُستثاب ويُعبد
فهُمُ لأنفسهم هياكلُ ردة
هوجاء، تُصدرُ للشقاء وتُورد
فاللاتُ ما حسبوا، وعُزَّى ما بغوا
الله أكبر، أين فأسك تحصد

•••

الله من ليلٍ تفرَّد حسهُ
وقف الزمان به ورد الفرقد
دنت السماء كأن سر وجودها
في الأرض همَّتْ تجتليه وترصد
وتنادت الأضواء لم يُحلم بها
أصفى وهام، فلا يُشام الإثمد
وتساءلت عما بها الأشياء وانـ
ـتبهت وأمرعَ حسُّها المتجمد
وسرى الحبُور، فليس غيرُ حشاشة
ترجو وتغرق في البهاء وتحمد
غُلِبت نواميسُ الطبيعة، واغتدت
طوع المهيب بها تقوم وتقعد
ماذا؟ أمن عجب؟ وهذا ليله
هذا المخاض به، وهذا المولد
والطفل كَفٌّ في التراب تسومه
خسفًا، وعين في الجواء تُصَعدُ
والكون يهتف بالوليد، ويزدهي
ويطيب أعراقًا به، ويمجِّد

•••

يا مرسلًا، ما أنت غير محبة
وعبارة لمحبة لا تنفد
هذا الكتاب وكل قولٍ قوله
فيه، وهذاك البيان المفرد
من كان يحفظه، ويتلو آية
لولاك أو يشدو به ويجوِّد
أنا إن غلوت تشاوفًا بك فاتئد
ما أنت دياني، ولا أنا ملحد
أدركتَ جوهر وحدة فتنزَّهَتْ
وصفت، وأشرق سرها المتوقد
وبثثتها في الناس منحة خالق
تهديهِمِ وتعزهم وتخلد
وعلى اسمها اجتمعت قبائل أمة
عقدت خناصرها عليك وتعقد
كانت، وهل كانت؟ وجئت فأصبحت
سمع الزمان بها يضجُّ ويرعد
وَلَوَ انَّها سمعت نداءك كله
لاستعربت آزاله والسرمد

•••

وحَّدْتَ حتى كل أهل برية
بالله إخوان وبالتقوى يد
وحَّدْتَ، فالإنسان كنه واحد
وأنا، وكوني عيسويًّا، أشهد
وشرعت، حتى ليس بعد شريعة
إلا وأنت معينها والمورد
وأقمتَ دولتهم لها سعة المدى
في الأرض يرحب ما يضيق ويبعد
هي دولة حَبك السماء نظامها
أمن الضعيف بها ولان السيد
شرعٌ لديها الناس لا مستكبر
عاتٍ، ولا متحكمون وأعبد
والحب يستقضي العلائق بينهم
لا صارم صافي الحسام مهنَّد

•••

إنَّا لنذكر، والبلاء مخيَّم
في جيرة الأقصى يصول ويوعد
والحقد تعتور التراب سمومه
فيجفُّ عرق الخصب فيه ويجمد
والأرض نهب الناهبين، تودُّ لو
عدم يُلم بها ويَنساها غد
والموت تعصف بالنفوس أكفه
وتذل آمال الرجال وتخمد
لهفي وما لهفي! وتلك جموعهم
موتى من الأحياء لمَّا يُلحدوا
نثروا على حد السيوف ومن نجوا
نهشوا بأنياب الشقاء وشرَّدوا
يستصرخون الكون، وهو مظالمٌ
ويد مضرَّجة وعقل موصد
سيان في البلوى هناك وفي الأسى
لا اسم المسيح ولا اسم أحمد يُنجد
يا مرسلًا طيرًا أبابيلَ، انتصف
للخير، كاد أجل شأنك يُفقد
أين الحجارة تلك؟ إن سيولها الـ
ـهطلات تعمي من تصيب وتقعد
أرسل، فمن لم يهده النور العلي
أشفاه منهمرًا عليه الجلمد

•••

أرسِلْ سلامك في الأنام محمدُ
عظمت مآثمهم، وعزَّ المرشدُ

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤