الشرط الإنساني ومشكلة الشر

هل يمكن الحديث عن شرٍّ سياسي بالنسبة إلى حنة آرنت؟
الغاية من هذه الورقة النظر في جملة المفارقات التي يطرحها مفهوم الشر١ في بعدَيْه الأخلاقي والسياسي في فكر حنة آرنت (مع استحضار البعد الميتافيزيقي والطبيعي، على الرغم من أن المستوى الميتافيزيقي الصِّرف يعالج بشكلٍ خاص في فلسفة الدين، ويطرح أسئلة من قبيل «العدل الإلهي»، و«القدرة الإلهية»، و«العناية الإلهية» …) مع الإشارة إلى التناقض المتعلق بمجالَي الحرية والضرورة. وعلى هذا الأساس استعملنا مصطلح التفاهة٢ الذي بلورته آرنت في كتابها «إيخمان في القدس» الذي كان في أصله عبارة عن تقرير عن تفاهة الشر.٣ إلى جانب مصطلح الشر السياسي الذي يمكن استخلاصه من مجمل تحليلاتها في «أسس التوتاليتارية»٤ و«حياة الروح/الذهن»،٥ وفي كتاباتها الأخرى. وبناء عليه أمكننا أن نتساءل: ما الذي يدعو إلى طرح سؤال الشر في العالم المعاصر؟ كيف تحدد آرنت تفاهة الشر؟ كيف عالجت آرنت مشكلة الشر السياسي؟ وما علاقة الشر السياسي بالأنظمة التوتاليتارية؟

جل التأملات الفلسفية لأوضاع البشر في العالم المعاصر، تنحو منحًى تشاؤميًّا إن لم نقل عدميًّا، وذلك بفضل التشخيص التراجيدي والمأساوي للموجود، وهو الأمر الذي يفرض علينا تفحُّص المبررات وجملة الحجج التي يسوقها الفكر المعاصر للاستدلال على تنامي العبثية والعدمية؛ ذلك أن كتاب «الشرط الإنساني» ينظر في نسيان الماهية السياسية للإنسان (آرنت)، بدل نسيان الوجود بمعناه الهيدجيري؛ أي الانتقال من مجال الميتافيزيقا إلى مجال السياسة. إلا أن هذه الخاصية لا تَسِمُ الفكر الفلسفي المعاصر بالذات، بل نجد لها جذورًا في تاريخية الفكر البشري اعتقادًا أن الشر منذ نشأته الأولى (بداية الخلق) عاصر العدمية في كل أبعادها. وهو الأمر الذي يتقاسمه الدين مع الفلسفة، أو إن شئنا القول العقل في تاريخيته.

صحيح أن حنة آرنت قد لعبت دورًا كبيرًا في تأطير وتأسيس رؤيةٍ جديدة لمسألة الشر السياسي، إن لم نقل لمسألة التوتاليتارية والتحكم الكلياني المطلق في الشرط السياسي للإنسان الحديث، وهو الأمر الذي يستوجب منا الوقوف على بعض أفكار الفيلسوفة المشاغبة في القرن العشرين، التي وقفت في تحليلها لظاهرة الشمولية على كل الجوانب الأيديولوجية والسياسية التي أوصلت الإنسان الحديث إلى وضعيته التراجيدية. ذلك أن رفض آرنت للفكر الشمولي الذي وقف أمام التعددية٦ (أي تعددية العالم وتنوعه) هو السبب في إعادة التفكير في وضع/حال الإنسان الحديث.٧

(١) أولًا: آرنت ومسألة الشر

ستعمل الفيلسوفة حنة آرنت على التأصيل لمشكلة الشر انطلاقًا من منظور الفكر السياسي وليس من الفلسفة السياسية أو الأخلاقية فقط، الذي شكَّل محور اهتمامها طوال حياتها؛ ذلك أن معظم مؤلفاتها تتمحور بالأساس حول مشكلة التوتاليتارية والتحكم السياسي المطلق (النظام الشمولي) الذي تعاظم في العالم المعاصر، وفي، أو كما تسميه «حال/وضع الإنسان الحديث الشرط الإنساني La condition de l’homme mode الذي تلخصه في مفهومَيْ: حياة-الفعل Vita Activa٨ (ليست حياة الفعل بل الحياة النشيطة) وحياة التأمل.
اهتمت آرنت بمشكلة الشر نتيجة ما تعرض له اليهود من اضطهاد وقمع وإبادة في أوروبا (النمسا وهنغاريا وألمانيا أيام النازية)، وفي جنوب روسيا … وهو القمع الذي نالت منه نصيبها٩ كما هو الأمر بالنسبة لمختلف المثقفين والفلاسفة والساسة اليهود، حيث عاشت اغترابًا سياسيًّا من جهة، وهوياتيًّا من جهة أخرى، وهو الأمر الذي دفعها إلى بناء أطروحتها الأساس التي شكلت عصب فكرها السياسي والفلسفي: «أصول التوتاليتاريا».١٠
يرتبط الشر السياسي أول الأمر بأزمة العالم الحديث التي تجسدها الأنظمة التوتاليتارية، أي التصحر الذي اجتاح الوضع البشري في القرن العشرين كقرن الحروب والثورات بامتياز، أي قرن العنف؛ لأن هذا الأخير هو وليد الثورات والحروب. هكذا يتحول تفسير الشر من التبرير الأخلاقي والميتافيزيقي والطبيعي، إلى التبرير السياسي، فإذا كانت الأديان قادرة على إقناع الناس بأن الشر محايث وملازم للبشرية كشرٍّ متوارث عن الخطيئة الأولى، وإذا كانت الفلسفة مع ليبنتز قادرة على اعتبار الشر ملازمًا لأفضل العوالم الممكنة، وإذا كانت الفلسفة الأخلاقية الكانطية قادرة على تبرير الشر بإرجاعه إلى أصل الطبيعة البشرية كشرٍّ متجذِّر في الوجود البشري، وكمَيْل مخالفة للقانون الأخلاقي١١ فإن آرنت لا تجد حرجًا في تفسير الشر تفسيرًا سياسيًّا، باعتباره عملًا تافهًا/عاديًّا Banale تتحمل مسئوليته الأنظمة الكليانية من جهة، والفرد نتيجة عوز الفكر من جهة أخرى؛ لأن فعل الشر الذي يجسده إيخمان Eichmann١٢ — نموذجًا — هو مجرد فعلٍ تافه وعادي جدًّا، وهو الأمر الذي سنحاول مقاربته ها هنا بالوقوف على مفهومَي: الشر السياسي، أو تفاهة الشر.

(٢) ثانيًا: الشر كفعلٍ تافه

صاغت آرنت مفهوم التفاهة la banalité أول الأمر في كتابها إيخمان في القدس، وطورته بشكل خاص في كتابها الأخير حياة الروح la vie de l’esprit.١٣ حيث تعترف أن محاكمة إيخمان قادتها من التغطية الصحفية لحدثٍ عادي جدًّا لا يستدعي كل الضجة التي أُثيرت حوله — ناهيك عن الأهداف السياسية للمحاكمة حيث تسعى اللوبيات الصهيونية إلى التمويل من ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية — إلى التحليل الفلسفي لمسألة الشر، وتعاظمه في عالم اليوم.١٤ نقول تحليلًا فلسفيًّا (يدمج المقاربة السياسية مع المقاربة الأخلاقية الكانطية). وترى في مقدمة «حياة الروح» أنه من الضرورة العودة إلى مسألة الشر لصياغة فكرةٍ فلسفية واضحة حول هذا الموضوع، ولتطوير بعض الأفكار التي لم يكن الغرض منها في تقرير إيخمان صياغة مذهب أو نظرية في الشر، مما يعني أنه في الكتاب الأخير la vie de l’esprit صار من الضروري وضع هذه النظرية. من خلال رصدها لثلاثة مفاهيم فلسفية متصلة بهذه المشكلة وهي: الفكر، والإرادة والحكم؛ فالشر لم يكن ناتجًا عن البلادة (الغباء la stupidité) وإنما هو تعبير عن غياب الفكر – عوز في الفكر un manque de pensée،١٥ وتقصد بالغباء أو البلادة عدم القدرة على الفهم (أو غياب القدرة على الفهم)،١٦ وهو الفهم الذي لا يتحقق في حال غياب/عوز الفكر الذي يَسِم الشرط السياسي للإنسان الحديث. فسمة العصر الحديث كما ترى آرنت هي الأزمة التي امتدت مع المدِّ الشمولي-التوتاليتاري الذي تعتبره في كتابها: ما هي السياسة؟١٧ أفولًا لمعنى السياسة، أي الأزمة التي اختلط فيها العنف بالفعل السياسي، وتلاشت فيه الحدود بين المجال العام١٨ والمجال الخاص، مما أدى إلى نتائج كارثية على مجال التربية وتكوين الناشئة، وكذا على تصورنا لفعل الحرية والسلطة، وكل المفاهيم التي تؤطر وعينا السياسي؛ فالعنف صار أمرًا عاديًّا جدًّا في المجتمع إن لم نقل مع ب. بورديو P. Bourdieu إنه محايث لنمط العيش والوجود الإنساني في القرن العشرين، بل غَدَا مقبولًا إلى حدٍّ لا يُطاق. وهو الأمر الذي تعمقت في فحصه في أزمة الثقافة la crise de la culture (وتحديدًا في الفصل الثالث)،١٩ الذي تُحدِّد فيه معنى السلطة l’autorité، معتبرة أن هذه الأزمة ليست قدرًا وجوديًّا محتومًا، وإنما هي نتيجة لنسيان الاختلاف الأنطولوجي بين الوجود والموجود، إلا أنها على عكس هايديجر Heidegger تحاول أن تبرر البُعد السياسي المأزوم للعصر الحديث بانعدام (غياب) التفكير أو العوز في الفكر الذي يسم هذا العصر، وهو ما يمكن تجاوزه بالتفكير في «ما فعله الإنسان» أي في نشاطه وفعله Vita Activa. فإذا تميز القرن الأخير بالعنف نتيجة التحكم الكلياني في المجتمع بفعل صعود الأنظمة التوتاليتارية واستيلاء الأيديولوجيات الأحادية على العقول فإن ذلك سيعمِّق من أزمة الفكر.
لم تسائل آرنت تاريخ الغرب كتاريخ لنسيان الوجود كما فعل هايديجر ولا باعتباره تاريخ قلب الأفلاطونية، بل باعتباره تاريخًا تبلور فيه نسيان الماهية السياسية للإنسان؛ لأن صعود الأنظمة التوتاليتارية شكَّل بالنسبة لها ظاهرة جديدة غير مسبوقة في تاريخ الإنسانية حيث تقول: «إن هذه الأزمة التي اتضحت معالمها منذ بداية القرن، إنما هي أزمة ذات أصل وطبيعةٍ سياسية. فتصاعد الحركات السياسية الرامية إلى الحلول محل نظام الأحزاب، وتطور شكل توتاليتاري جديد لممارسة الحكم، إنما يقف خلفه انهيار، تختلف درجة عموميته ومأساويته لكل السلطات التقليدية.»٢٠
تنطلق آرنت في مقدمة كتابها «حياة الروح» من سؤال في غاية الأهمية لمقاربة نقدها للشر الجذري، ويتعلق الأمر بما إذا كانت مشكلة الشر والخير أو ملكة تمييز ما هو خير مما هو سيئ متصلة (أو ذات علاقة) بملكة تفكيرنا.٢١ بغية بيان أن ملكة الحكم لا تنفصل بتاتًا عن ملكة التفكير، وهو الأمر الذي يتعارض وتحليل كانط في «نقد ملكة الحكم» وفي «نقد العقل العملي»، حيث الإرادة سابقة لكل تفكير، مما قاده إلى اعتبار الخطيئة تعبيرًا عن غياب العقل؛ لأنه لم يتشكل بعدُ، أي إن الفعل هنا خارج أية مسئولية؛ لأن هذه الأخيرة لا تحضر إلا بحضور ملكة التفكير. وبذلك يظل الحكم كيفما كان نوعه مرتبطًا أساسًا بالنفعية المبتغاة منه وخاصة في الأحكام الذاتية، وهذا ما نجد فيه تناقضًا حول طبيعة الحكم (وتحديدًا الحكم الجمالي: فكيف يتحقق مبدأ النفعية في الأحكام الذاتية ويغيب في الأحكام الموضوعية؟) إذا كان الحكم الكانطي (وأساسًا الذاتي) مرتبطًا بالمنفعة فإن التفكير لا تحكمه أية غائية؛ لأن التفكير بحسب آرنت يتحول إلى شيء في ذاته؛ لذلك تقصد بغياب الفكر، أو غياب التفكير نشاط الفكر في ذاته،٢٢ أي إن القصد الأول والنهائي ليس هو نسيان الطريقة – الشكل، ولا نوعًا من الغباء/البلادة وإنما غياب القدرة على الفهم،٢٣ ولا نوعًا من الاستلاب الأخلاقي، بل هذا النشاط الذاتي للفكر بما هو فكر، أي القدرة على الفحص التي هي وحدها قادرة على أن تجنِّبنا الشر.٢٤

(٣) ثالثًا: الأنظمة التوتاليتارية وسؤال الشر

عملتْ آرنت في ثلاثيتها الشهيرة على مقاربة مسألة الشر من وجهة نظر الفكر السياسي. فعادة ما تنسب النازية الشر لليهود وتبرر تصفيتهم بنزوعهم الأصيل المتجذر في طبيعتهم البشرية نحو الشر، وهذا ما ترفضه آرنت حيث تقول: «أما تمثيل اليهودي باعتباره تجسيدًا للشر فيعزى بعامة إلى بقايا أعمال عدائية وذكريات خرافية تعود إلى القرون الوسطى، والواقع أن لهذا التمثيل صلةً وثيقة مع الدور الأحدث والغامض الذي راح يؤديه اليهود في المجتمع الأوروبي، منذ تحررهم … والواقع أن الجماعات اليهودية القاطنة في أوروبا، عمدت، بعد الحرب العالمية الأولى، إلى التمثل بالشعوب الوطنية، كما فعل اليهود الفرنسيون في بدء الجمهورية الثالثة.»٢٥

يعود هذا الاتهام إلى الدور الذي بدأ يلعبه اليهود في العالم (وأوروبا تحديدًا) بعد الحرب العالمية الأولى، بحيث طرحوا أول الأمر مسألة الهوية والحاجة إلى الانتماء إلى بلد ووطنٍ معيَّن، ففي روسيا بعد انتصار الثورة البلشفية كان النقاش محتدًّا لسنوات حول ما يُعرف بالمسألة اليهودية. وهو ما شجع العديد من المفكرين اليهود على التفكير بجدية في مسألة الهوية وإعادة طرحها من جديد، وهو التفكير الذي أسس لمسألة الهوية اليوم.

تقف آرنت بدقة في هذا المؤلف حول التوتاليتارية على الجذور والأصول التي نجدها في طبيعة العلاقة بين الحركات الأيديولوجية والسياسية التي ولدتها ثورات القرن العشرين وما أدت إليه من تعميم كلي للعنف، حيث صار العالم منظورًا إليه، وكأنه حلبة صراع مفتوحة للأبد على كل المآسي التي تسببت فيها الحروب الشاملة.٢٦ فولادة النازية جاءت من صلب الحركات الجماهيرية الفاقدة لوعيها التاريخي والتي آمنت بأن ممارسة العنف أمرٌ عادي جدًّا حيث تقول: «لقد كان النازيون على قناعة بأن الشر يمارس في عصرنا قوة جذبٍ مرضية …»٢٧ «ونقطة تقاسمهم إياها الدعاية الشيوعية في روسيا وفي الخارج.»٢٨ فلا يمكن أن نتصور هنا الحركات التوتاليتارية دون جيوش مجنَّدة تنفذ كل ما يأمر به القادة باسم الحزب أو الطبقة، وتلك هي حالة إيخمان: رجل فقد وعيه وكل إحساسه بالآخر، ولا يستطيع أن يفكِّر حتى في كيف يتألم الغير، حيث تقول: «إن افتتان الدهماء بالشر والجريمة افتتانًا أكيدًا ليس بالأمر الجديد؛ إذ لطالما تبث أن الرعاع يرحبون «بأعمال العنف قائلين بإعجاب: لئن كان ذلك جميلًا، فإنه بالغ القوة بالتأكيد».»٢٩ أي إن أنصار التوتاليتارية النازية والشيوعية لا يدركون حتى ما يمكن أن يلحق بهم، فقبول العنف لا يكون تجاه العدو المفترض أو الضحية، بل يكون أيضًا حتى تجاه الآخرين من نفس الطينة، فالأهم في سيرورة التوتاليتارية تقول آرنت: «هو اللامبالاة الصادقة التي تلازم المنضوين تحت لوائها: لئن كان ممكنًا أن يقدر المرء عدم اهتزازات قناعات النازي أو البلشفي حين تُرتكب الجرائم في حق أناس لا ينتمون إلى الحركة موضوع التآمر المزعوم، أو يكونون أعداءً لها، فإنه لمن المذهل ألا يرفَّ له جفن حين يشرع الغول في افتراس أبنائه، وحين يصير هو نفسه ضحية الاضطهاد، وحتى في حال أُدين ظلمًا، أو طُرد من الحزب وسِيق إلى الأشغال الشاقة أو إلى معسكر اعتقال. إنما العكس يصح فيه؛ إذ يحدث، إزاء ذهول العالم المتمدن، أن يكون مستعدًّا لإعانة متهميه ولأن يلفظ بنفسه حكم إعدامه، شرط ألا يُمسَّ مركز عضويته في الحركة.»٣٠ فقد تصرف أنصار التوتاليتارية من عامة الشعب (الرعاع أو الحشود بلغة آرنت) عميانًا، يهرعون إلى العنف بكل أشكاله للانتقام من أوضاع لم يصنعوها بأنفسهم، حيث صار الانتقام أمرًا لا مفر منه، غذَّته نزعة رفض الغير، التي أدمجت الأنصار في الجماعة، هذه الأخيرة وَلَّدت لدى أفرادها سيكولوجية خاصة تغذيها الحملات الدعائية الموجَّهة للمجتمع ككل، وهو الأمر الذي تنبأ به غوستاف لوبون G. le bon في سيكولوجية الجماهير وفرويد Freud، حيث نقرأ في سيكولوجية الجماهير: «على أية أفكار أساسية سوف تنهض المجتمعات المقبلة التي ستخلف مجتمعاتنا؟ إننا لا نزال نجهل ذلك حتى الآن. ولكننا نستطيع أن نتنبأ منذ الآن بأنه ينبغي عليها أن تحسب الحساب فيما يخص بِنْيتها وتنظيمها لقوةٍ جديدة تمثل آخر سيادة تظهر في العصر الحديث: إنها قوة الجماهير وجبروتها … إننا نجد أن نضال الجماهير هو القوة الوحيدة التي لا يستطيع أن يهددها أي شيء. وهي القوة الوحيدة التي تتزايد هيبتها وجاذبيتها باستمرار. إن العصر الذي ندخل فيه الآن هو بالفعل عصر الجماهير.»٣١ لقد كتب لوبون (١٨٤١–١٩٣١) هذا في سنة ١٨٩٥، وعاصر طبعًا ما كان يتحدث عنه خلال الحرب العالمية الأولى ثم الثورة الروسية والأزمة الاقتصادية.٣٢ إلا أنه إذا كان لوبون ينهل من سيكولوجيا الجماهير، ومن علم النفس الاجتماعي، فإن آرنت تحاول الوقوف على وجهة نظر الفكر السياسي إلى ظواهر التوتاليتاريا موظِّفة بذلك تحليلات لوبون وفرويد.

(٤) رابعًا: غياب الفكر (أو عوز التفكير) والأمل في محو الشر

تجعل حنة التفكير هو الأساس الذي بموجبه يمكن مواجهة ومقاومة الشر، فالفعل الذي قام به إيخمان يحتاج إلى تفكيرٍ جديد لا يقوم على أحكام القيمة ولا على المعاداة للنازية؛ لأن إيخمان هو مجرد شخص وقد أنجز عملًا تافهًا تعود مسئوليته للنظام النازي. وبدون التفكير لا يمكننا القضاء على الشر. هكذا؛ فالتفكير الذي تدعو إليه آرنت هو تفكير في مجال الحرية والإرادة من زاوية سياسية، وليست أخلاقية كانطية محضة. وتقصد بالبعد السياسي النزوع نحو الانتقام والعنف، الذي يُوجد داخل كل واحد منا، والذي تغذيه الأنظمة البيروقراطية والكليانية التي تدفع البشر إلى التصرف دون رحمة ودون شفقة، وهم يحسون أنهم يرتكبون مجرد أفعالٍ بسيطة، ولكنها في الحقيقة إجرامية إلى حدٍّ بعيد إنه «الشر التافه والعادي»، ولكنه مخيف بشكلٍ كبير. فالأنظمة التوتاليتارية من وجهة نظر آرنت وتحديدًا النظام النازي والستالينية الروسية بشكلٍ أخف، تُذكي الاتجاه نحو تكريس النظرية السلوكية في الفعل البشري، بحيث يتصرف أُجَراء البيروقراطية الإدارية والعسكرية والاقتصادية والسياسية كفئران تجارب. ولقد أدت الحرب النازية على اليهود إلى إبادة ما يناهز المليونيَن من يهود أوروبا، وفي الآن ذاته عذَّبت الستالينية المعارضين السياسيين الموالين لصديق ستالين نفسه، هذا وقد كانت محاكمات موسكو ١٩٣٦ التي تستشهد بها آرنت مثالًا ساطعًا عن الفظاعات التوتاليتارية، حيث تم إطلاق النار على المعارضين وتم إرسال عشرات الآلاف من بحارة بيتراسبورغ إلى معسكرات الاعتقال في سيبيريا، نفس الفعل قامت به السلطات النازية في ألمانيا على أيدي موظفي الجيش والساسة النازيين. فهل نجد حلًّا لكل هذه الفظاعات؟ ترى آرنت أن الشر يُمارس في الفضاء العام وتحت أعين أشخاص مهيجين ومُعَدين سلفًا تحت التأثير الأيديولوجي الصارخ الذي ترعاه المؤسسات الإعلامية الرسمية. وها هنا تصرخ آرنت في وجه هذه «المأساة الأنطولوجية» التي حلت بعالم اليوم الذي فقد صوابه، وتقول في وجه الملايين الذين اقتيدوا إلى معسكرات الاعتقال والإبادة: كيف لا تستطيعون أن تنتفضوا وأن تثوروا في وجه هذا النظام الهمجي؟ كيف تقبلون، أنتم الملايين، أن يقودكم في القطارات ما لا يتجاوز مائة جندي؟٣٣ هل بلغت الفظاعة بهذا الإنسان أن يكون خاضعًا بشكلٍ كلي لقوانين تتعارض مع إرادته وحريته؟ هنا تقف آرنت على الفهم الكانطي للقانون الأخلاقي، وتعتبر أن هذا القانون لن يجدي في شيء ولا يمكنه أن يحل مسألة الشر المتجذر في السلوك السياسي البشري، وتفتح هنا الآفاق للتفكير في حجم هذه الفظاعة الشرسة التي أدت إلى مجازر في حق البشرية. وأكيد أن شرط الإنسان الحديث يدعو إلى التأمل في كل أبعاده، فهل ثمة تبريرٍ أخلاقي لفعل إيخمان أو بعبارة آرنت: كيف تبنَّى إيخمان الموقف الكانطي؟
بموجب السلطة التوتاليتارية يتحول الواجب إلى واجب القائد والزعيم (الفوهرر)، ويغدو مبدأ الطاعة متمركزًا على الذات القائدة سياسيًّا، وهكذا يتحول مبدأ الطاعة المفترضة للواجب الأخلاقي الكانطي إلى طاعة الواجبات التي يفرضها ويمليها الزعيم. هنا يتماهى الفرد — كما هو الحال مع إيخمان — مع القائد الذي يقود كل الأفراد الآخرين، وهي الحالة التي يتحول فيها إيخمان إلى رجلٍ عادي ولكنه يفعل الشر إلى أقصى حد.٣٤ ولكن فعل الشر هنا ليس نابعًا من الفرد — من وجهة نظر آرنت — ذاته وإنما من السلطة السياسية والأيديولوجية التي حولت الفرد إلى قطيع يطيع أوامر الزعيم. وهو الأمر الذي وقف عليه فرويد قبل آرنت وغوستاف لوبون فيما يسمونه بسيكولوجية الجماهير، وهي حالة نفسية لم يعد معها الفرد قادرًا على التصرف كفرد وكذات وإنما حالة فوران وانفعال تطبع معظم تصرفاته ومواقفه في تلك الأثناء. صحيح أن الأيديولوجيات الكبرى قد فتحت القرن الواحد والعشرين على إمكانات لتخليص الفرد من القيود التسلطية التي فرضت عليه طوال قرون، ولكن لطالما تحولت هذه الأيديولوجيات إلى عذابٍ أليم بالنسبة لتلك الجماهير التي أسكرتها وسحرتها بعباراتها التحررية. فستالين نفسه الذي يخطب في الناس أيام البلشفية الأولى، وهو في طريقه إلى جبال القوقاز لتجنيد الشباب للنضال ضد القيصر، سرعان ما سيتحول إلى مستبدٍّ أكثر من القيصر نفسه، وهو يشرف على مذابح موسكو ١٩٣٦، وعلى الأخص ذبح زملائه في النضال السياسي. ونقرأ في أسس التوتاليتارية: «إن انجذاب الشعب نحو الشر والجريمة ليس شيئًا جديدًا. الناس لم يتوانوا عن الترحيب بأعمال العنف، مدركين أن هذه الأعمال قد تكون سيئة لكنها أعمال خلَّاقة. لكن الأخطر في نجاح التوتاليتارية هو عدم الاكتراث الحقيقي الذي يبديه المنضوون تحت لوائها. من المنطقي ألَّا يهتز النازي أو البلشفي في قناعاته عندما يشهد أعمال عنف ضد أشخاص لا ينتمون إلى الحركة أو يعادونها، لكن الغريب في الأمر ألَّا يرفَّ له جفن حتى عندما يبدأ الوحش بالتهام أبنائه، أو حتى عندما يصبح هو نفسه ضحية للاضطهاد، أي إذا ما تمت محاكمته من دون حق، أو جرى طرده من الحزب، أو حُكم عليه بالأشغال الشاقة أو أُرسل إلى مخيمات الاعتقال» … هكذا يصبح إيخمان، رجلًا عاديًّا غير مسئول عن فعله لأنه ليس هو منبع الشر، وإنما مجرد أداة تنفيذ لأوامر الزعيم، وهذا ما تسميه آرنت بتفاهة الشر في مقابل الشر الجذري. وبموجب هذا ينبغي الانتباه إلى التحول العميق الذي حدث في فهم بِنية الشر، بحيث لم يعد الشر — كما هو الحال عند كانط — القيام بأفعال لا تنسجم والقانون الأخلاقي، وإنما أصبح الشر نابعًا من طاعة الأوامر القانونية، وهو الأمر الذي لم ينتبه إليه العديد من المتتبعين لمحاكمة إيخمان. وبمعنًى آخر هل يمكن أن نعتبر أن إيخمان يعي جيدًا أنه يفعل الشر؟ أو أنه يقوم بفعل الشر بمحض إرادته؟ إيخمان في نظر آرنت هو مجرد موظف ينفذ القرارات التي يمليها القانون؛ فأي مسئولية أخلاقية يتحملها إيخمان ها هنا؟ وهكذا فليس ثمة من شر — بحسب آرنت — في الطبيعة البشرية؛ لأن هذه الفكرة لاهوتية في الأساس (وعلى الأخص المسيحي الذي ينسب فعل الشر إلى غواية الشيطان)، ولكن ثمة شر تافه يجول في العالم كجرثومة قد تنتعش في كل مكان تجد فيه ظروفًا ملائمة للسلطة التوتاليتارية؛ ولهذا تقول آرنت: «أعتقد صراحة أن الشر لم يكن راديكاليًّا أبدًا، وإنما فقط شر إلى أقصى حد.»٣٥

يستوجب قلب المعادلة من الشر الجذري إلى الشر التافه تغيير النية التي تحدَّث عنها كانط كأساسٍ ذاتي لفعل الخير أو الشر، إلى النية كأساسٍ ذاتي للتفكير؛ لأن غياب التفكير وغياب الفكر الذي لا تؤمن به التوتاليتارية (يمكن أن نسميه مع التفكيكية الاختلاف والإقرار بالتعدد وبالحوار التشاركي)، هو سبب الشر؛ ولهذا يتوجب أن نغيِّر طريقة تفكيرنا نحو الخير دومًا.

فالشر في نظر آرنت لا يعود سببه إلى الفاعل الذي تحوَّل إلى مجرد وسيلة — آلة ميكانيكية — لتنفيذ سياسة عنصرية تقوم على الرفض وعلى معارضة الآخر ولا تعترف باقتسام الأرض مع من يستوطنها، إنه حالة غياب للاعتراف بالغير وغياب الإيمان بالتشارك مع الآخر. هذه السياسة التسلطية التي تقوم على القوة والعنف، لا يمكنها أن تؤسس لسلام ولفعلٍ حرٍّ مبني على تفكير عقلاني لدوام الخير الأصلح للناس؛ لذا فالعنف لا ينجم عنه إلا عنفٌ مضاد، وكان من المفروض ألَّا يحاكم إيخمان باعتباره مجرمًا قام بفعل لا أخلاقي، وإنما يتوجب الاعتراف أنه ليس مذنبًا بقدر ذنب النظام السياسي النازي الذي يمثله، وهكذا كان يكفي أن يعترف أنه ارتكب جرمًا في حق الإنسانية وأنه يتوجب أن يُحاكَم بقانونٍ آخر غير القانون الذي صار هو نفسه منبع الشر.

(٥) خامسًا: الصفح بما هو حلٌّ لمشكلة الشر

تصر آرنت على أهمية الفعل وعلى القدرة التي تميز الإنسان بما هو كائنٌ فاعل ومبدع وسياسي في الآن ذاته، فعلى الرغم من التصحر الذي يميز العصر الحديث بعد أن غزته الأنظمة التوتاليتارية، فإن للسياسة معنًى: معنى السياسة هو الحرية،٣٦ ومهما حاول الفكر الفلسفي القديم والحديث على حد سواء أن يضع حدًّا فاصلًا بين «الحياة التأملية» أو «حياة الفكر»، وبين «حياة الفعل» أو «الحياة النشيطة»، فإن ماهية الإنسان الحديث هو الفعل السياسي، ونحن لا نستطيع أن نحيا إلا بموجب هذه الماهية؛ لأن أزمة العالم الحديث — إلى جانب مسئولية التقنية والعقل الأداتي — تتمثل في انتشار العنف واستعمال القوة في كل مكان، إلى الحد الذي أصبح معه هذا العالم مجرد صحراء تزحف رمالها يومًا عن يوم، ولكن رغم ذلك (تقول آرنت) فلا تزال وسط الصحراء واحات تقاوم، وستظل تقاوم شبح التصحر. لا يمكن للَّوحة القاتمة التي ترسمها آرنت أن تكون عائقًا أمام البحث وراء المعاني التي تحددها هنا وهناك، فثمة بين نصوص آرنت العديدة شذرات أمل من أجل الرقي بالوضع البشري نحو الأفضل، فرغم أن العصر الحديث هو عصر العنف (ونحن نحوم في مجال يحيط به العنف من كل الجوانب) الذي عممته الثورات من جهة، والأنظمة الكليانية٣٧ من جهة أخرى، فإن من سمات الإنسان الحديث أنه يوجد بمعية الآخرين داخل العالم، وهو الأمر الذي جعلها تقترح لمواجهة الشر إمكانية الصفح، «إذ تتيح ملكة الصفح محو أفعال الماضي الذي تُعلق أخطاؤه»٣٨ والحوار والإيمان بالتعدد والمغايرة، فالصفح وحده قادر على معرفة الذات والتقرب إلى الغير، وهي القيم التي لم تعد مقبولة في عالم التوتاليتارية، حيث الانتقام والجشع والانطواء على الذات هي ما يميز إنسان المجتمع التوتاليتاري؛ لذلك تقول: «يُعتبر الصفح بحقٍّ نقيضَ الانتقام، الذي يتحدَّد فعله كردِّ فعلٍ ضد عثرة أصلية من هنا، وبعيدًا عن التمكن من وضع حدٍّ للآثار المترتبة على الخطأ الأول، يقوم بربط الناس بالسيرورة وترك رد الفعل المتسلسل، المتَّسِمة أعماله بالضخامة، يواصل سيره بكامل الحرية … إن الصفح، بعبارة أخرى، هو رد الفعل الوحيد الذي لا يقتصر على إعادة إنتاج الفعل، ولكنه يمارس فعله بطريقةٍ جديدة ولا متوقعة، وغير مشروطة بالفعل الذي أنتجها، وهي التي تحرر بالتالي الصافح والمُفصَح عنه …»٣٩ وتضيف: «لولا صفح الآخرين عنا، الذي به نتخلص من تبعات أعمالنا، لبدتْ قدرتنا على الفعل كما لو كانت حبيسة فعلٍ واحد يلتصق بنا إلى الأبد، ولبقينا ضحايا عواقبه وآثاره، تمامًا مثل ساحرٍ مبتدئ عاجز، في غياب الوصفة السحرية، عن إيقاف صنيعه أو التحكم فيه. ولولا التزامنا بالوعود، لكنا عاجزين عن الحفاظ على هوياتنا، ولكُتب علينا أن نتوه بلا قوة ولا هدف، كلٌّ يهيم في ظلمات قلبه الوحيد، ويفرق في التباسات وتناقضات هذا القلب، ظلمات لا يبددها إلا النور الذي ينشره حضور الآخرين في المجال العمومي، بتأكيدهم هوية الإنسان الذي يَعِد، والإنسان الذي يفي بوعده.»٤٠ وها هنا تجد آرنت مدخلًا آخر لمحاولة تجنب الشر: إنه الصفح كمقابل للانتقام، فإذا كانت النزعة الانتقامية بكل نتائجها السلبية تدخل في صلب الهوية، فإن الحل الأنسب لتحقيق انسجام بين الضحية والجلاد هو الصفح، كمبدأ يحقق التسامح كأعلى قيمة إنسانية، بدل أن تكون مجرد مبدأ أخلاقي متعالٍ كما هو الحال عند كانط.
نعود من جديد إلى الشرط الإنساني، الذي يتماهى فيه الفعل السياسي بما هو جوهر الماهية الإنسانية، مع مختلف الأنشطة الإنسانية الأخرى داخل الفضاء العمومي؛ لأن الأنا المفكِّرة لا تعيش بمعزلٍ عن العالم والآخرين، وداخل هذا الفضاء البينذاتي بتعبير هابرماس Habermas، هو حقل تجارب الوعي الجمعي. فهل يمكن أن يكون الصفح أداة لتجنب الجرائم التي ننسبها للشر؟ تبدو المقاربة الآرنتية لمسألة الصفح مقاربةً مسيحية لا تتجاوز التصور الكانطي في «الدين في حدود مجرد العقل»،٤١ فإذا كان المسيح هو النموذج الأعلى الحامل لكل صفات الإنسان الكامل، فإن صفة الصفح كقيمةٍ إنسانية نبيلة لا نجد تأطيرها الفعلي كمبدأٍ مُحايثٍ للشرط الإنساني إلا في الدين المسيحي كما تقول آرنت، إلا أن طابعه المسيحي هذا لا يلغي إمكانية علمنته؛ حيث تقول: «لقد كان المسيح وراء اكتشاف الدور الذي يلعبه الصفح في مجال الشئون الإنسانية. ولا يجوز التذرع بكون هذا الاكتشاف قد تم في سياق ديني وجرى التعبير عنه بلغةٍ دينية، لكي لا نعامله بالجدية المطلوبة من منظور علماني صرف.»٤٢ يبدو أن الحل الآرنتي هنا هو حل قيمي-أخلاقي يتوخى الاستجابة لنداء الفلاسفة منذ سقراط، فلا حل لتناقضات العيش المشترك والتواجد معًا في الفضاء العام إلا بالتحلي بالقيم النبيلة التي طالما نادت بها الإنسانية. وعلى الرغم مما يمكن أن يُقال عن الصفح كأداة للتسامح والمصالحة، فإنها (أي كأداة وليس كقيمة)، تطرح العديد من المشكلات على المستوى العملي-السياسي: فهل يقبل الضحية بمصافحة الجلاد؟ وهل يقبل من قضى نصف حياته في معسكرات الاعتقال في الصحراء، التي لا معنى فيها للوجود، أن يقبل الصفح، وأن يسامح إيخمان ويتصالح معه؟ وحدهم، أي الضحايا، قادرون على أخذ القرار. نطرح هذا السؤال؛ لأن من أكبر المشكلات المطروحة في الألفية الجديدة هي إشكالية المصالح والتصالح في سبيل مجتمع متضامن ومتعاضد. ولربما تكون صرخة الفاعل السياسي-الحقوقي بجدوى قيمة الصفح شبيهة بصرخة الثيولوجي بالمغفرة.
١  عادة ما نميز في الشر بين أربعة مستويات أساسية:
  • الشر الطبيعي: كل ما يصدر عن البشر من ردود أفعال طبيعية حاملة للشر: القلق، الغضب، الانتقام.
  • الشر الميتافيزيقي: ويتعلق بالوجود عامة (تشكل العالم) من جهة، وبالموجود (كل الظواهر والأشياء والكائنات في العالم) من جهةٍ أخرى.
  • الشر الأخلاقي: ويتعلق بالسلوك البشري، أي كل الأفعال التي لا تتوافق مع القوانين الأخلاقية (الخطيئة، الجريمة …)
  • الشر السياسي: ويُراد به في نظر حنة آرنت Hanna Arendt كل أفعال الشر والسلوكيات السيئة والإجرامية التي تُرتكب في حق البشر بموجب سلطةٍ سياسية أو قوة أو عنفٍ سياسي. وبعبارة أدق بموجب غياب الفكر أو عوز التفكير.
٢  la banalité.
٣  Hannah Arendt, Eichmann à Jérusalem: Rapport sur la banalité du mal, traduction française A. Guérin, Gallimard, 1966; Folio, 1991.
٤  Les Origines du 3 volumes 1951; nouvelles éditions en 1958, 1966, 1973. Traduction française en trois ouvrages séparés: (1) Sur l’antisémitisme, (2) L’Impérialisme, (3) Le Système totalitaire وقد اعتمدنا هنا أساسًا على الترجمة العربية: أسس التوتاليتارية، تعريب: أنطوان أبو زيد، دار الساقي، الطبعة الأولى ١٩٩٣.
٥  استعملنا هنا مصطلح حياة الروح/الذهن بدل حياة الفكر لتمييز عنوان الكتاب عن جزئه الأول المعنوَن بالفكر؛ ففي الكتاب الأصلي باللغة الإنجليزية تُستعمل كلمة الذهن mind في عنوان الكتاب the life of the mind، وتعنون الجزء الأول ﺑ: thinking.
٦  فالتعددية كما تقول آرنت: «هي شرط الفعل الإنساني». H. Arendt: la condition de l’homme moderne, paris, PoKet, 1988, p. 42.
٧  ينبغي الإشارة هنا إلى أن مصطلح الشرط الإنساني أو حال الإنسان الحديث يختلف عن مصطلح الطبيعة الإنسانية كما هو متداول في تاريخ الفلسفة، حيث تقول: «لنتجنب كل سوء فهم: لا يعني الوضع البشري، الطبيعة البشرية، وإنما هو مجموع الأنشطة والملكات البشرية المرتبطة بهذا الوضع.»
H. Arendt: la condition de l’homme moderne, op, cit, p. 44.
٨  ويمكن ترجمتها أيضا ﺑ: حياة النشاط الإنساني، أو الحياة النشيطة …
وهذه الأخيرة تتشكل من ثلاثة عناصر أساسية: الشغل le travail، العمل (بمعناه الإبداعي أي الصناعة: أي كل ما يبدعه الإنسان خارج ما هو طبيعي) l’œuvre، الفعل l’action.
٩  انتقلت إلى فرنسا أولًا، بعد صدور مذكرة توقيف في حقها من طرف النظام النازي، ثم اشتغلت في منظمة صهيونية لترحيل اليهود إلى القدس، ثم إلى أمريكا حيث حصلت على الجنسية واشتغلت أستاذة للعلوم السياسية.
١٠  les Origines de الذي أصدرته سنة ١٩٥١، بأجزائه الثلاثة: (1) Sur l’antisémitisme (2) L’Impérialisme (3) Le Système totalitaire.
١١  فالشر في التعريف الكانطي الدقيق: «هو الأساس الذاتي الأول le premier fondement subjectif لإمكانية النزوع نحو الشر.» أي ذلك الميل المتجذر في الطبيعة الإنسانية. وكل فعل مخالفة للقانون الاخلاقي، إلا أن هذه الخطيئة البشرية ينبغي أن تُفهم على أنها خطيئة من الدرجة الثانية؛ لأن آدم حينما ارتكب الخطيئة الأولى كان متواجدًا في حالة البراءة (أي في العالم الالهي)، في حين أن الإنسان يرتكب الخطيئة؛ لأنه يخالف القوانين الأخلاقية؛ وبالتالي فإن افتراض إمكانية محو الإنسان لأخطائه لا يقوده إلى حالة البراءة، بل سيعود فقط إلى الخطيئة الأولى، مما يعني عمليًّا أن إمكانية التغلُّب على الشر أمر مستحيل بالنظر إلى أنه متجذِّر في طبيعته الأصلية. انظر في هذا: E. Kant: le mal dans la nature humaines, paris 2010. Voir aussi, la religion dans les limites de la simple raison, paris 2004.
١٢  من هو أدولف إيخمان؟
وُلد أدولف إيخمان Adolf Eichmann في ١٩ مارس ١٩٠٦، وعمل ضابطًا في القوت الألمانية الخاصة (قوات العاصفة) كأحد الكبار المسئولين عن إبادة اليهود وحرقهم، باعتباره رئيسًا للبوليس السري المسئول عن الجيستابو، وهو أيضا المسئول عن الإعداد اللوجيستيكي والتقني لتلك الجرائم. ينتمي إيخمان إلى عائلة مهتمة إلى حدٍّ ما بالسياسة، غادر المدرسة دون أن يحصل على أي شهادة تعليمية، وبدأ في تعلُّم الميكانيك وفشل في المهنة الجديدة أيضًا، وفي ١٩٣٢ استُدعي مع أبيه لاجتماع الحزب النازي من طرف صديقٍ قديم لعائلته إرنست كالتنبرونر Ernst Kaltenbrunner الذي جنَّده في أبريل من نفس السنة في القوات الخاصة كعضو، وتدرَّج بعد ذلك حتى بلغ أعلى سلطة، ففي مارس (ربيع) ١٩٣٣، حيث استولى هتلر على السلطة، طلب انخراطه المطلق في القوات الخاصة، وفي نونبر من نفس السنة عُيِّن في الفريق الإداري لمعسكر الاعتقال بداشو الذي بدأ في استقبال المعتقلين السياسيين منذ مارس ١٩٣٣.
تدرَّج فيما بعدُ في الأجهزة الأمنية وتكلف بصياغة الحل الثالث القاضي بإبادة اليهود في أفران الغاز، وفي معسكرات الاعتقال التي يصفها معظم الناجين منها بأنها صحراء ممتدة لا تليق لأي نشاط حيواني ناهيك عن النشاط الإنساني.
لا ترى آرنت أن إيخمان يمكن نعته بالرجل الشرير أو بالأحمق أو الشيطان، بل على العكس من ذلك هو رجلٌ عادي جدًّا، تصرف كما يتصرف أي مواطن لا يمتلك الفكر أو القدرة على القرار، فهو ضحية من ضحايا النظام التوتاليتاري، ورغم ذلك فهو مسئول عما قام به، ليس لأنه لا إنساني أو شرير بطبعه، وإنما لأن بإمكانه أن يتخذ قرارًا شجاعًا ضد النظام النازي.
في سنة ١٩٦٠ تم إلقاء القبض على إيخمان Eichmann في بوينوس أيرس من طرف المخابرات الإسرائيلية؛ ليُرحَّل إلى القدس حيث ستتم محاكمته هناك (للمحاكمة التي بدأت في أبريل من سنة ١٩٦١ في أورشليم). انظر تفاصيل ذلك في؛ H. Arendt, Eichman à Jérusalem, op, cit. p. 63.
١٣  الذي ظهر في صيغته النهائية سنة ١٩٧٨، وترجمته الفرنسية في ١٩٨١.
١٤  ونحن نعلم جيدًا أن اللوبيات اليهودية شنَّت حربًا شعواء على آرنت سنة ١٩٧٢ — أي ثلاث سنوات قبل رحيلها — باتهامها بكونها نازية كأستاذها هايديجر.
١٥  “le mal n’était pas de la stupidité mais un manque de pensée”, la vie de l’esprit, p. 21.
١٦  “la stupidité on sens d’incapacité à comprendre”, p. 22.
١٧  Hannah Arendt: qu’est-ce que la politique, paris 1972 p. 186.
١٨  نستعمل كلمة الفضاء أو المجال العام وهو ما تدل عليه كلمة sphère في حين أن بعض الترجمات الفرنسية تستعمل le domaine publique أي الميدان العام.
١٩  Hannah Arendt: qu’est-ce que l’autorité? paris 1972, p. 121.
حيث تميز بين السلطة ﺑ المعنى السياسي le pouvoire والسلطة التي تتعلق بمجالٍ محدَّد هو مجال الفرد وتدبير شئونه الضيقة l’autorité local.
٢٠  H. Arendt, la crise de la culutre, paris 1972, p. 122.
٢١  le problème et du bien et du mal, la faculté de distinguer ce ce qui mal, seraient-il en rapport avec notre faculté de penser?, la vie de l’esprit, paris 1972, p. 22.
٢٢  l’activité de penser en elle-même, la vie de l’esprit, p. 22.
٢٣  ibid, p. 21.
٢٤  ibid, p. 22.
٢٥  حنة آرنت: «أسس التوتاليتارية» ص٩٧-٩٨.
٢٦  تقدم آرنت في كتابها qu’est-ce que la politique تحليلًا للحرب العالمية، ولما وصل إليه الإنسان من تقنيات حديثة علمية تستعمل في الحروب، كالقنابل النووية التي تُسْتَعمل في الحرب العالمية الثانية والتي دمرت في ثوانٍ جزءًا من سطح الكوكب، وتتساءل حول الجدوى من ذلك، وعن المصير الذي ينتظر البشرية مستقبلًا. ص١٢٤-١٢٥. وتستعمل في الآن ذاته هذا المفهوم la guerre totale الحرب الشاملة.
٢٧  أسس التوتاليتارية، مرجع سابق ص٣٢-٣٣.
٢٨  نفسه، ص٣٣.
٢٩  نفسه ص٣٣.
٣٠  مرجع نفسه، ص٣٣.
٣١  غوستاف لوبون: «سيكولوجية الجماهير»، ترجمة هاشم صالح، دار الساقي، الطبعة الثانية ١٩٩٧، ص٤٤.
٣٢  المرجع نفسه: ص٢٩.
٣٣  Eichmann à jérusalem, paris 1991, p. 57.
٣٤  Eichmann à jérusalem, paris 1991, p. 251.
٣٥  Ce que je pense vraiment c’est que le mal n’est jamais radical, il est seulement extrême. Eichmann à Jérusalem. Paris 1991, P. 251.
٣٦  “le sens de la politique est la liberté”, qu’est-ce que la politique, p. 64.
٣٧  ibid, p. 175.
٣٨  حنة آرنت: «استحالة الرجوع إلى الوراء والصفح كأفقٍ مفتوح»، ضمن: «المصالحة والتسامح: وسياسات الذاكرة»، جاك دريدا وآخرون، ترجمة حسن العمراني، دار توبقال، الطبعة الأولى، ٢٠٠٥. ص٥٤.
٣٩  حنة آرنت: «استحالة الرجوع إلى الوراء والصفح كأفقٍ مفتوح»، ضمن: المصالحة والتسامح: وسياسات الذاكرة»، جاك دريدا وآخرون، ترجمة حسن العمراني، دار توبقال، الطبعة الأولى، ٢٠٠٥، ص ٥٨-٥٩.
٤٠  المرجع نفسه: ص٥٤-٥٥.
٤١  ذلك أن كانط في هذا الكتاب يذهب إلى تمجيد المسيحية، واعتبار المسيح نموذج الإنسان الكامل، ويدعو إلى مملكة الرب على الأرض كخلاص من معضلة الشر المتجذر في الطبيعة الإنسانية.
٤٢  المرجع نفسه: ص٥٦.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١