نانسي فريزر: الحاجة إلى فضاء عمومي عابر للأوطان

نانسي فريزر فيلسوفة أمريكية معاصرة (١٩٤٧–…) تدرِّسُ الفلسفة والعلوم السياسية في «الكلية الجديدة للأبحاث الاجتماعية»، (وهي نفس المدرسة التي درَّست فيها حنة آرنت). تهتم بموضوعات الفلسفة السياسية التي شغلت الجيل الثالث للنظرية النقدية (مدرسة فرانكفورت)، من أمثال أكسيل هونيث مدير المدرسة، وجوديث بتلر وسيلا بن حبيب، وهابرماس … ويشكل موضوع العدالة والحق والنظرية النسوية وحول الفضاء العمومي، محور كتاباتها العديدة حيث قامت بمراجعات أساسية.

هي ثلاثة مجالات تحكم تفكير نانسي فريزر السياسي والفلسفي:
  • المجال الأول: يتعلق بالمجال السياسي حيث تنظر وتعيد النظر في مفهوم الفضاء العمومي كما نحته هابرماس؛ لتؤسس أطروحتها الأساس حول الحاجة إلى تجاوز التصور الويستفالي الذي حكم هابرماس في نظريته، مقرَّةً بوجود فضاءٍ عمومي كوني يتجاوز الحدود السيادية الكلاسيكية، وهو فضاء تلعب فيه فئات وحركات اجتماعية جديدة أدوارًا هامة. وتشكل كتبها الثلاثة أساس تصورها هذا: «ما هي العدالة الاجتماعية؟ الاعتراف وإعادة التوزيع» (مارس ٢٠١١). وكتاب «دينامية النساء» (٢٠١٣). جدالات نسائية: مطارحات فلسفية. بالاشتراك مع سيليا بن حبيب وجوديث بتلر، ودروسيلا كورنل. (١٩٩٤).
  • المجال الثاني: يتعلق بالمجال الثقافي؛ حيث تعيد النظر في مفهوم الاعتراف مع ظهور الأشكال الجديدة للتفاوتات بين الناس في الرأسمالية المعاصرة: ظهور التعدد الثقافي ونشاط النسوية الجديدة، وتدفق الهجرة ومشاكل الاستبعاد الاجتماعي. وقد ساجلت أكسل هونيث وجوديث بتلر وبول ريكور حول هذا المفهوم؛ لتحاول التوفيق بين الأسس الفلسفية للاعتراف عند هونيث والأسس الثقافية لهذا المفهوم عند تشارلز تايلور. وهو ما بلورته في كتابها: التصور الراديكالي: بين إعادة التوزيع والاعتراف (٢٠٠٣)، وفي: إعادة التوزيع أو الاعتراف؟ مطارحات فلسفية-سياسية مع أكسيل هونيت، (٢٠٠٣).
  • المجال الثالث: ويتعلق بالمجال الاقتصادي حيث تُعيد النظر في مفهوم إعادة التوزيع: ذلك أن تصور العدالة الكلاسيكي ينبني على تصورٍ معين لتوزيع الثروة، وهو التصور الذي يحاول أن يعيد النظر في النظريتين الأساسيتين حول العدالة: التصور الماركسي والتصور الليبرالي السياسي كما نجده لدى جون راولز وهابرماس؛ إيمانًا منها بالحاجة إلى وضعٍ جديد تسميه «وضع ما بعد الاشتراكية»، وهو ما قامت بالتأسيس له في: «انقطاعات العدالة: تأملات نقدية حول الوضع ما بعد-الاشتراكي» (١٩٩٧). وفي: «موازين العدالة: إعادة تصور الفضاء السياسي في عالم معولم» (٢٠٠٨).

(١) نظرية نانسي فريزر في الفضاء العمومي

«لا يلائم «النموذج الليبرالي للفضاء العمومي البرجوازي»، النظرية النقدية المعاصرة. نحن بحاجة إلى تصور ما بعد برجوازي يسمح لنا بتخيل دور الفضاءات العمومية (أو على الأقل البعض منها) الذي يتجاوز الشكل البسيط لرأيٍ ذاتيٍّ مستقلٍّ ومنفصل عن السيرورة الرسمية لاتخاذ القرار.»١

اهتمت نانسي فريزر بمفهوم الفضاء العمومي عند هابرماس بالنظر إلى قيمته السياسية التي تساهم في فهم الملابسات التي تعترض الحركات الاجتماعية التقدمية والنظريات السياسية التي ترتكز عليها؛ فقد مثلت هذه النظرية طوال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين إسهامًا مباشرًا في فهم التغيرات السياسية التي أعقبت ثورة مايو ٦٨، بعد ظهور الحركات الاجتماعية الجديدة من قبيل: الأقليَّات العرقية والإثنية، الحركة النسائية، حركات الحقوق الجنسية، حركات الثقافات واللغات المهمَّشة، حركة العاطلين عن العمل، والحركات المتصلة بمختلف المشاكل التي أفرزتها الرأسمالية عبر تطورها التاريخي.

(١-١) حدود النموذج الليبرالي للفضاء العمومي البرجوازي

وينصبُّ اهتمام فريزر أساسًا على محاولة تجديد أطروحات النظرية النقدية، من خلال مراجعة مواقف الجيل الأول والثاني من أجيال مدرسة فرانكفورت، وفي هذا السياق راجعت نظرية هابرماس في الفضاء العمومي أو فيما تسميه «النموذج الليبرالي للفضاء العمومي البرجوازي»، لبيان صلته بالنظرية النقدية المعاصرة، ولفحص الأسس السياسية والفلسفية التي قام عليها، من أجل صياغة أطروحة جديدة تطلق عليها تسمية «الفضاء العمومي ما بعد البرجوازي» l’espace public post-bourgeoisies.

وتؤكد أن المشكلة الأولى التي يطرحها مفهومُ الفضاء العمومي الهابرماسي تكمن في العلاقة بين الدولة وأجهزتها من جهة؛ والفضاءات التعبيرية العمومية وجمعيات المواطنين من جهة أخرى، ذلك أن النموذج الكلاسيكي للدولة (الاشتراكي والماركسي) يفرض رقابة الاقتصاد للدولة الاشتراكية التي تراقب أيضًا مجموع المواطنين الاشتراكيين. فالتشابك واللَّبس الذي يكتنف العلاقة بين أجهزة الدولة والفضاء العمومي وجمعيات المواطنين يعود إلى الشكل التحكمي والسلطوي للدولة الاشتراكية في مجمل الفضاءات والتنظيمات، وهو شكل لا ديمقراطي ولا تشاركي يستدعي بدوره طرح السؤال حول الديمقراطية الاشتراكية ذاتها كما طبَّقتها الأنظمة الستالينية، ونفس الأمر ينطبق على الديمقراطية البرجوازية التي طوقت الفضاء العمومي السياسي وأطَّرته بأُطُر وتشريعات قانونية وطنية لم تعد تستجيب لحاجيات المواطنين اليوم. ولذلك فإن كلا النمطين: البرجوازي والاشتراكي على حدٍّ سواء لم يعودا صالحَيْن لنمط العيش المشترك اليوم، أي في عالم يحتاج إلى مواطنة كونية تنتفي فيه الحدود الوطنية الويستفالية.

تعتبر فريزر أن نظرية الفضاء العمومي تمتلك «قيمةً مفهومية»، بحيث تساعدنا على فهم بعض المشكلات المعاصرة المتصلة مباشرة بالديمقراطية، وتحدد الفضاء العمومي بكونه «فضاء المجتمعات الحديثة؛ حيث تمر المشاركة السياسية عبر اللغة، إنه فضاء المواطنين الذين يناضلون من أجل مصالحهم المشتركة، فضاء يُمَأْسِس تفاعلًا تداوليًّا».٢ وترفض التعريف الهابرماسي الذي يحدِّد المشاركة في جمهور مثقف يتقن استعمال العقل بشكل نقدي؛ لأن المجتمع المعاصر يختلف جذريًّا عن مجتمع القرن الثامن والتاسع عشر، مؤكدة في الآن ذاته أنه رغم ما يمكن أن يُقال من مؤاخذات على نظرية هابرماس، فإن مفهوم الفضاء العمومي «ضروري للنظرية النقدية للمجتمع وللممارسة السياسية الديمقراطية»؛ لأنه مكان منفصل عن الدولة، وفضاء لإنتاج ونشر الخطاب النقدي تجاه الدولة، لا بد له من أن يتمثل كاقتصادٍ غير رسمي (اقتصاد الدولة) وخالٍ من علاقات السوق، إنه فضاء لعلاقات التخاطب يسمح بالنقاش والتداول. فإذا حوَّلت الرأسمالية الفضاء العمومي إلى مكان للبيع والشراء فإن الفضاء الذي يلائم النظرية النقدية المعاصرة ينبغي أن يتجاوز النموذج البرجوازي بحيث: «لا يمكن لأي محاولة لفهم حدود الديمقراطية الرأسمالية المتأخرة أن تتم دون اللجوء والاستعانة بطريقة أو بأخرى لبذل الجهود من أجل تطوير نماذج بديلة للديمقراطية.»
أبانت أركيولوجيا هابرماس عن عظمة وانحطاط الفضاء العمومي البرجوازي المحدود في التاريخ من جهة، ومن جهة أخرى عن تساؤله عن قانون النموذج المعياري المتعلق بهذه المؤسسة والتي يُطلق عليها اسم «النموذج الليبرالي للفضاء العمومي البرجوازي»، وكان هدفه فيما ترى فريزر مزدوجًا:
  • قصد فَحصِ الشروط التي جعلت هذا النَّمط من الفضاء العمومي ممكنًا.

  • إعادة وضع تلك الشروط في مكانها، وإدراك راهنية المنفعة المعيارية لهذا النموذج الليبرالي.

وتؤكد على الحاجة إلى تجديد هذه النظرية وتجاوزها؛ لأن «الشروط الجديدة لديمقراطية الجماهير ولدولة الرعاية في نهاية القرن العشرين، أسقطت الفضاء العمومي البرجوازي ونموذجه الليبرالي في عداد النسيان. وأن شكلًا جديدًا للفضاء العمومي ضروري لحماية وصيانة الوظيفة النقدية لهذا الفضاء ولمؤسسة الديمقراطية».٣ وتلوم هابرماس في أنه لم يبلور تصورًا بديلًا عن النموذج الليبرالي الذي نظَّر له، وهو ما يتنافى مع روح النظرية النقدية المعاصرة حيث تقول: «غريب أن هابرماس لم يذهب إلى وضع نموذج جديد للفضاء العمومي ما بعد البرجوازي … وأكثر من ذلك لم يستشكل أبدًا بعض الفرضيَّات المتداولة حول النموذج الليبرالي، وعليه فالفضاء العمومي انتهى دون اقتراح معنًى وفهمٍ لفضاءٍ عمومي مغاير للنموذج الليبرالي خدمةً لأهداف وغايات النظرية النقدية المعاصرة.»٤ وما يعنيه ذلك من أن هابرماس لم يستشكل ولم يقترح بديلًا للنموذج البرجوازي، بل إن جهده لا ينسجم وتوجهات المدرسة النقدية ولا يخدمها؛ مما يجعله خارجها.

(١-٢) الحاجة إلى فضاء عمومي عابر للأوطان

تُقرُّ فريزر بالحاجة إلى تجاوز نظرية هابرماس؛ بالنظر إلى كونها مبنية على أُسسٍ وطنية ضيِّقة (الإطار الويستفالي) تجاوزها التاريخ، ولتعارض هذه النظرية مع معطيات الواقع الاجتماعي الجديد الذي كشفت عنه نظريات جديدة في التاريخ، والعرق، والنَّوع، والثقافة … وهكذا تعلن أن هدفها هو الدفاع عن فضاء عمومي بديل للنموذج الليبرالي و«سأبدأ بمقارنة التأويل الهابرماسي للتحولات البنيوية للفضاء العمومي مع تأويلٍ آخر (فهم آخر) يستند إلى الإسطوغرافية الحالية … وفي خلاصة موجزة سأضع بعض سبل التفكير داخل النقاشات النقدية، التي ستفتح المجال أمام فهم آخر وما بعد برجوازي للفضاء العمومي (أي التفكير في فضاء عمومي ما بعد برجوازي).»٥
وفي المقطع المعنون ﺑ «أي تاريخ؟ أي تصور؟» تُصرِّح فريزر بالقول: «لنأخذ أولًا تأويل هابرماس للتحولات البنيوية للفضاء العمومي كتجمع لأشخاص خصوصيين يجتمعون للصراع حول المصلحة العمومية أو المصلحة المشتركة. تمتلك هذه الفكرة قوتها وواقعيتها في بداية أوروبا الحديثة مع تأسيس «الفضاء العمومي البرجوازي» الذي شكل القوة النقيض والمعادية للدولة المطلقة.»٦ وفي المقابل فهي تفتقد أي مصداقية في واقع اليوم؛ لأن الجماهير العريضة غير المرتبطة بالبرجوازية هي التي صارت تلعب اليوم أدوارًا هامة في اللعبة السياسية، وهي التي تحرص على الخدمة العمومية وتطالب بها حينما تفتقدها، هذا ناهيك عن كون الدولة المعاصرة قد قنَّنت العديد من الحاجيات التي كانت مجرد مطالب في التاريخ الحديث. و«هؤلاء العموم مدعوُّون لخدمة الوسيط بين المجتمع والدولة، ورافضون أن تكون الدولة مسئولة أمام المجتمع بواسطة العمومية.»
تقوم نانسي فريزر٧ على امتحان واختبار نظرية هابرماس وفحص بعض أُسسها ونقد بعض العناصر التي ترتكز عليها في ضوء بعض التحليلات الإسطوغرافية التي قدَّمها كلٌّ من جون لاندز Jean Landes وماري ريان Mary Ryan وجيوف إلي Jeoff Eley، وتركِّز على نقطتين أساسيتين:
  • (١)

    مسألة النوع الحاضرة بقوة التي ساهمت في طرحها بعض الحركات العريقة المتنامية في العالم خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين والتي عمادها النساء.

  • (٢)

    مسألة السود الذين ناضلوا في أمريكا وكوَّنوا فضاءً عموميًّا نقيضًا للفضاء الرسمي عبر نضالاتهم وحركاتهم.

تقارن بين التأويل الهابرماسي والتأويل الإسطوغرافي الحالي، حيث تعتبر أن التأويل الأخير ينطلق من أن هابرماس قدَّم الفضاء العمومي البرجوازي باعتباره فضاءً مثاليًّا. حيث تشدد إليزابيت بروكس هيجنبوتان Elizabeth Brooks Higginbothan، وتقِرُّ بوجود فضاءٍ عموميٍّ بديلٍ مُسيَّرٍ من طرف السود في الولايات المتحدة الأمريكية ما بين ١٨٨٠ و١٩٢٠، حيث طرح السود الحق في المشاركة السياسية: التصويت، إلى جانب مجموع الفضاءات ومؤسسات المجتمع المدني. وتصرُّ إليزابيت وريان على أن البرجوازية لم تكن تمثل قط الجمهور أي الشعب.٨ ولقد كانت هذه الفكرة جوهرية لفهم الاعتراضات التي تقيمها فريزر على هابرماس؛ لأن التجربة الأمريكية كانت بالفعل نموذجًا أغفله هابرماس في نظريته عن الفضاء العمومي؛ لذلك فالفضاء العمومي البرجوازي ليس وحده موجودًا وليس البرجوازيون وحدهم من يؤطِّره، بل إن هناك جمهورًا آخر كان موجودًا منذ بداية الفضاء العمومي. فإلى جانب البرجوازيين هناك دومًا: جمهور المواطنين، صغار الفلاحين، النساء والنخبة، جمهور الطبقة العاملة؛ إنه جمهور عريض متعدد ومتنوع، وإن العلاقات بين الجمهور البرجوازي وباقي العموم هي على الدوام علاقات صراعية، وهو الأمر الذي يقر به جوف إيلي Geoff Ely بحيث لا يمكن أن يولد الفضاء العمومي إلا في خِضم الصراع الاجتماعي.٩ مما يعني أن النموذج الهابرماسي وفق التأويلات الجديدة هو مجرد نموذج مثالي، طوباوي.١٠
تحاول فريزر أن تعتمد مقاربة أخرى جديدة وبديلة للتأويل الهابرماسي من جهة، ولنقاده من جهة أخرى، معتبرة أن كلا التأويلين جذري إلى أقصى مدًى. وتؤكد بأن نظرية هابرماس حول الفضاء العمومي تشتغل على مستويين:
  • (١)
    مستوى إمبريقي Empirique (تجريبي) تاريخي، مؤسساتي.
  • (٢)

    مستوى نقد الأيديولوجيا أو المثال المعياري.

وفي سياق بحثها لمرتكزات النظرية التقليدية للفضاء العمومي ترى أن هابرماس بنى نظريته حول ستة افتراضات مؤسساتية كلها وطنية:
  • (١)

    جهاز الدولة الوطنية (الأمة) الذي يمارس السيادة داخل مجال حدودي ووسط قاطنيه.

  • (٢)

    اقتصادٌ وطني منظَّم قانونيًّا وفق التشريعات الوطنية.

  • (٣)

    جسم المواطنين الذين يقطنون داخل حدود وطنية ويقتسمون مصالح عامة.

  • (٤)

    لغةٌ وطنية تؤسس وسيط التواصل داخل الفضاء العمومي.

  • (٥)

    أدبٌ وطني يؤسس وسيط التكوين وإعادة إنتاج توجيه ذاتي (وطني) في سبيل جماعة متخيَّلة (وطنية) أي هوية وطنية.

  • (٦)

    بنيةٌ وطنية للتواصل، وصحافةٌ وطنية، ومن ثم شبكةٌ وطنية للإعلام والتوزيع.

هذه العناصر المؤسساتية هي التي ارتكزت عليها النظرية التقليدية للفضاء العمومي بطريقةٍ أيديولوجية محددة وموجهة نحو سيرورة (وطنية) للتواصل العمومي (عن طريق اللغة الوطنية والإعلام الوطني)، والتي تخدم مصالح عامة مدبَّرة تواصليًّا؛ ذلك أن كيان المواطنين يقوم بقيادة وتنظيم شروط العيش المشترك وبشكلٍ خاص اقتصادٌ وطني. وهو ما لا يسمح بالاعتراف أو البينذاتية على مستوًى كونيٍّ عابرٍ للأمم. بحيث اكتفت النظرية التقليدية الهابرماسية على المستوى الأمبريقي بالنظر فقط في السيرورات التاريخية التي ساهمت في دمقرطة الدولة-الأمة (الوطنية)، وعلى المستوى المعياري فلا تمثل إلا مساهمة في نظرية الديمقراطية الوطنية. وهنا تكمن حدود نظرية هابرماس في الفضاء العمومي، وفي هذين المستويين ترى نانسي فريزر أنه يمكن نقد اختلالات الديمقراطية للدول-الأمم١١ بتجاوز الطرح الهابرماسي، من خلال البحث عن أسس جديدة لنظرية معاصرة؛ لأن نظرية هابرماس تتعلق بمشروعٍ سياسي محدود مرتبط بالدولة الوطنية (أي دمقرطة الدولة الحديثة)، يصعب معه «فهم كيف تؤسس الفضاءات العمومية سلطةً ديمقراطية مضادة لسلطة الدولة»،١٢ لذا فإن نقد هذه النظرية التقليدية يتوجه إلى الأسس الوطنية التي قامت عليها.

كانت المقاربة الهابرماسية مبنية على أسس وطنية أي داخل الإطار الوطني، وهو الأمر الذي نجده لدى الانتقادات المتنوعة التي تعيد التفكير في الفضاء العمومي من وجهة نظر النوع (النساء) والعرق (الأقليات) والطبقة (الفقراء). ولم تتم أشكلة نظرية الفضاء العمومي إلا في العقود الأخيرة بفضل تنامي الظواهر العابرة للأمم، والمرتبطة بالعولمة أو بما بعد الاستعمار أو بالتعددية الثقافية؛ حيث أصبح من الضروري بحث إمكانية وضرورة إعادة تشكيل نظرية الفضاء العمومي على أسسٍ عابرة للأمم (دولية، عالمية).

تنطلق فريزر من بعض عناصر التفكير في هذا السبيل من أجل فضاء عمومي ما بعد برجوازي؛ إذ كتبت تقول: «يتمثل اقتراحي العام في إعادة تسييس نظرية الفضاء العمومي التي تتعرض لخطر فقدان قيمتها السياسية dépolitisée١٣
يطرح الإطار الوطني للفضاء العمومي في النظرية التقليدية العديد من المشكلات التي يمكن تحديدها في مشكلتين أساسيتين:
  • الأولى: الفرق بين الدول الوطنية والسُّلَط الخاصة، بحيث صار من الواجب إعادة بناء السُّلَط العمومية على نحوٍ دولي (عالمي) من أجل الحد من سطوة السلط الخاصة، ولفرض رقابةٍ ديمقراطية دولية عليها.
  • الثانية: تتصل بالفَرْق بين المواطنة داخل الدولة الواحدة والبلدان الأخرى، بحيث يجب مأسسة عناصر المواطنة الدولية/الكونية وإنتاج تضامنٍ واسع وغير مقيد بالفروقات اللغوية والعرقية (الإثنية) والدينية والوطنية، ومن ثم إنتاج وبناء فضاءات عمومية واسعة مبنية على تواصلٍ ديمقراطيٍّ مفتوح.
ومن أجل التأسيس لمقاربةٍ جديدة للفضاء العمومي ينبغي تفادي مقاربتين محدودتين:
  • مقاربة إمبريقية: تأخذ بعين الاعتبار فقط النظرية في علاقتها بالوقائع الموجود التي تتأسس على المعايير.
  • مقاربة مثالية: متعالية على الواقع الاجتماعي.

البديل هو مقاربة نظرية نقدية توظف الخصائص المعيارية وتأخذ بعين الاعتبار الإمكانات السياسية.

(١-٣) في سبيل نظرية خطاب نسوية

تشغل المسألة النسائية في تفكير نانسي فريزر مكانة هامة؛ أولًا: باعتبارها مناضلة يسارية ترعرعت في كنف الحركة الاشتراكية، وثانيًا: باعتبارها صاحب قول في الفلسفة الاجتماعية والنقدية التي ترتكز على قراءة التجارب (التي تنخرط فيها يوميًّا) لاستخلاص الدروس.

تدعو فريزر في الفصل الخامس من كتابها: «دينامية النساء» (٢٠١٢)، الذي عنونته ﺑ «بنيوية أم برغماتية؟ حول نظرية الخطاب (النسوي) والسياسة النسوية» إلى حاجة الحركة النسائية إلى نظرية متكاملة حول الخطاب؛ من أجل إدماج مفاهيم الخطاب، كما نجدها عند جاك لاكان، فوكو، هابرماس، غرامشي، كريستيفا، دريدا، باختين … معلنة أنها تحاشت الحديث في وقتٍ سابق عن هذا الأمر؛ أي حاجة الحركة النسائية إلى خطابات فوق-نظرية؛ لذلك تقول: «سأحاول شرح لماذا تحتاج النسوية إلى نظرية الخطاب، وسأنطلق من سؤالين محوريين: فيم ستخدم نظرية الخطاب الحركة النسائية (وخاصة الموجة الثالثة)؟ فيم ستحتاج ناشطات الحركة النسائية نظرية الخطاب؟ أرى أن هذه النظرية ستساعدنا على فهم أربعة أشياء:
  • (١)

    ستسمح لنا بفهم كيف ستتغير وتتحول مع الزمن الهويات الاجتماعية:

    تعني الهويات الاجتماعية دلالات مركبة وأنظمة من التأويلات، فأن تمتلك هوية اجتماعية، أي تصبح امرأة أو رجلًا مثلا، تعني أن تعيش وتتحدد تحت مجموعة من الأوصاف؛ أوصاف لا تخص الجسد أو الروح فقط، حيث لا يكفيك الإلمام لا بالبيولوجيا ولا بعلم النفس، بل يتوجب عليك الغوص في الممارسات الاجتماعية المحددة تاريخيًّا للنوع؛ لفهم كيف تشكلت الهوية.»

    الهويات الاجتماعية في نظر نانسي معقدة ومركبة جذريًّا: لا توجد هناك امرأة بل امرأة بيضاء، يهودية، من الطبقة المتوسطة، فيلسوفة، سحاقية، اشتراكية، أُمٌّ … ولأن كل الناس يتحركون في سياقات اجتماعية متعددة، تتشكل الهوية الاجتماعية لفرد ما في خضم مجالٍ وسياقات تحركه ووجوده؛ لذلك لا توجد امرأة بنفس المقاييس أو المعايير.

    في بعض السياقات تمثل الأنوثة مكانةً محورية من ضمن مجموعة من الأوصاف التي تؤطرنا وتحيط بنا أو تنسب إلينا؛ ولهذا لا تتشكل الهويات الاجتماعية دفعةً واحدة، بل يتم تعديلها مع مرور الزمن، وتتغير بالموازاة مع الممارسات ومع هويات الفاعلين.

  • (٢)

    ستسمح لنا بفهم كيف تتشكل وتتفكك المجموعات الاجتماعية في ظل شروط اللامساواة: كيف يجتمع ويتنظم الأفراد تحت يافطة الهوية الاجتماعية؟ كيف تنشأ طبقة ما؟ أو نوع اجتماعي ما؟ يتم تشكل جماعة ما في خضم نضالات برهاناتها وخطاباتها المتنوعة.

  • (٣)

    ستؤثث وتضمن التداخل الثقافي للمجموعات السائدة في مجتمعٍ ما.

  • (٤)

    ستوضح لنا منظورات التغيير الاجتماعي والممارسات السياسية للاضطهاد.

    يأتي اهتمام نانسي بنظرية خطابٍ نسويٍّ في سياق إيمانها الكامل بحجم المعاناة التي تزداد مع توسع الرأسمالية في طورها النيوليبرالي؛ حيث لم يعد خطاب الحركة النسوية كما كان مع الموجة الأولى؛ لأن النساء أنواع بحسب تنوع الهويات الاجتماعية، ولا توجد المرأة كما تقول بنفس معايير النساء، بل المرأة بما هي نوعٌ اجتماعي مميز بهويته.

١  N. fraser: qu’est-ce que la justice sociale, Paris, la découverte, 2001. p. 142.
٢  Ibid. p. 111.
٣  N. Fraser, qu’est-ce que la justice sociale? paris 2011, p. 110.
٤  Ibid. p. 110.
٥  Ibid. p. 110-111.
٦  Ibid. p. 111.
٧  في الصفحات من ١١١ إلى ١١٩.
٨  N. Fraser, qu’est-ce que la justice sociale? paris 2011, p. 117.
٩  Ibid. p. 117.
١٠  Ibid. p. 117.
١١  N. Fraser, qu’est-ce que la justice sociale? paris 2011, p. 149.
١٢  Ibid. p. 153.
١٣  Ibid. p. 148.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١