أولًا: مقدمة من التوحيد إلى العدل

إذا كانت نظرية الذات والصفات هي لُبُّ التوحيد، فإن نظرية الأفعال هي لُب العدل. وتشمل نظرية الأفعال موضوعين: الأوَّل: خلق الأفعال أو حرية الاختيار، وهو الموضوع الشائع باسم الجبر والاختيار، وهو الموضوع الغالب. والثاني: العقل والنقل أو الحسن والقبح العقليان، وهو الأقل وكأنه أحد الموضوعات الجزئية الفرعية. وأحيانًا ينضم الموضوعان معًا في موضوعٍ واحد دون بناءٍ نظري له، وتعطى مسائل متفرقة في العدل يختفي فيها الحسن والقبح.١ ولكن الشائع هو أنه في باب حرية الأفعال وارتباطها بالإرادة يظهر باب التعديل والتجوير أو الحسن والقبح العقليان مرتبطًا بالقدرة. وبالتالي ينقسم العدل إلى موضوعَين: حرية الأفعال، والحسن والقبيح.٢

(١) التذبذب بين التوحيد والعدل

يدخل موضوع خلق الأفعال عند القدماء في نظرية الذات والصفات والأفعال، أي في التوحيد (الأشاعرة)، في حين أنها حاولت الانفصال في أصلٍ ثانٍ هو العدل (المعتزلة) حفاظًا على استقلال الموضوع وإثباتًا لحرية الأفعال. وظل الموضوع عند القدماء متأرجحًا بين التوحيد مرة وبين العدل مرةً أخرى، مرة لإثبات حق الله ومرة لإثبات حق الإنسان، وكأن أفعال الإنسان وحريته واستقلاله يتنازعهما حقان، كلاهما شرعي؛ حق الله باعتباره خالقًا وحق الإنسان باعتباره مسئولًا. والدفاع عن حق الله دون حق الإنسان ليس موقفًا إنسانيًّا شرعيًّا بل يكشف عن اغتراب الإنسان وعجزه عن الدفاع عن حقوقه ومزايدته على حق غيره، في حين أن الدفاع عن حق الإنسان دون حق الله أقرب إلى موقف الإنسان الشرعي دون مزايدة في الدفاع عن حق غيره، خاصةً وأن حق الإنسان أولى بالدفاع؛ لأنه الحق المهضوم، في حين أن حق الله قائم بلا منازع، والله أقدر على الدفاع عن حقه. فإذا كان الاغتراب الإنساني النظري قد ظهر في الذات والصفات فإن الاغتراب العملي يظهر في خلق الأفعال وفي الحسن والقبح العقليين وإن كان بصورة أقل؛ نظرًا لبروز الإنسان من كنف الله وظهور العدل من بطن التوحيد. فبالرغم من أن خلق الأفعال داخلة عند القدماء في نظرية الذات والصفات والأفعال (الأشاعرة) إلا أنها أدخل في العدل، أي في أفعال الإنسان (المعتزلة) لتعلُّقها بحرية الأفعال وبالحسن والقبح العقليين.٣ ومِنْ ثَمَّ كان الإنسان أظهر في الأفعال منه في الذات والصفات. وهنا يبدو التذبذب بين النظر إلى الأفعال كاستمرار لنظرية الذات والصفات، أي كحديث عن الله أم كحديثٍ صريح عن حرية الأفعال والحسن والقبح والصلاح والأصلح، أي كحديث عن الإنسان. والحقيقة أن هناك اختفاءً تدريجيًّا لله، وظهورًا تدريجيًّا للإنسان من الذات إلى الصفات إلى الأفعال. فأوصاف الذات أقرب إلى الله، والصفات ما بين الإنسان والله، والأسماء أقرب إلى الإنسان كتعبير نهائي عن عواطف التعظيم والإجلال، وكأن القضية أصبحت اثنين اثنين: اثنين لله؛ الذات والصفات، واثنين للإنسان؛ خلق الأفعال، والحسن والقبح العقليين. وهما الأصلان الأولان من أصول المعتزلة، التوحيد والعدل. يشمل التوحيد الذات والصفات، والعدل خلق الأفعال والحسن والقبح العقليين.
وقد بدأ التوحيد أوَّلًا ممثلًا في نظرية الذات والصفات والأفعال متضمنًا العدل قبل أن يتحول العدل إلى أصلٍ مستقل على يد المعتزلة. ففي العقائد المتقدمة لا يظهر أحيانًا موضوع خلق الأفعال، سواء أفعال الشعور الداخلية أو الخارجية، أو أفعال الشعور في الطبيعة. وتختفي كليةً مسائل الحسن والقبح وكأن أصل العدل كان متضمَّنًا في أصل التوحيد في الوعي الحضاري الأوَّل فلم يكن له الأهمية نفسها التي كانت لقضايا التشبيه والتنزيه.٤ وأحيانًا يدخل خلق الأفعال وأصل العدل كله في باب أفعال الله، ولكن في موضوع الحسن والقبح الذي يبتلع خلق الأفعال.٥ وفي العقائد المتقدمة يظهر الرضا بالقضاء والقدر مع الإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل والبعث، كما تظهر موضوعات الكسب والإيمان متداخلة مع الأفعال.٦ كما تظهر متناثرة في إحصاء عقائد أهل السنة ورفض المعتزلة لاتهامهم بإثبات قدرة العبد على خلق الشر كالمجوس، وأن الله يشاء ما لا يكون ويكون ما لا يشاء، وأنهم قادرون على الأعمال.٧ وتظهر أفعال الشعور الداخلية في الإرادة،٨ وأفعال الشعور الخارجية في أعمال العباد والاستطاعة. وتضم إليها مسائل العدل والتجوير.٩ وفي النهاية تذكر الروايات في القدر.١٠ وأحيانًا يُسَمَّى الموضوع كله القدر.١١ وتدخل مسألة خلق الأفعال تحت موضوع القدر؛ لأنه كان من أوائل الموضوعات التي أُثيرت في ذهن الجماعة إثباتًا أو نفيًا. وسواء ظهر نفي القدر أوَّلًا، ثم إثباته كرد فعل على الأوَّل أو ظهر إثبات القدر أوَّلًا ثم جاء نفيه كرد فعل، فالحقيقة أن الإثبات والنفي كلٌّ على حدة يشكل رد فعل على الآخر بصرف النظر عن أولوية الظهور في الزمان.١٢ وفي خلق الأفعال قد يثبت الخلق العام للطبيعة وللأفعال معًا ويتم نقل قِدَم العالم من نظرية الوجود إلى نظرية الأفعال.١٣
أحيانًا لا يظهر خلق الأفعال كموضوعٍ مستقل سواء داخل العدل أو خارجه، بل يتحول إلى جزء من التوحيد في نظرية الأفعال ويصبح التوحيد شاملًا لموضوعاتٍ ثلاثة، الذات والصفات والأفعال، بعد أن كان شاملًا لموضوعَين اثنين فقط: الذات والصفات. وقد حدث هذا الاحتواء؛ احتواء التوحيد لخلق الأفعال في علم الكلام المتأخر بعد القضاء على التيار النظري وسيادة التيار التقليدي؛ فانزوى موضوع خلق الأفعال حتى احتواه التوحيد في النهاية. وأصبح المبدأ والأساس هو أن الله خالق لأفعال العباد وأن الفرع الدخيل هو أن الإنسان خالق أفعاله وأنه يناهض الخلق الأوَّل ويعارضه ويرغب في الحصول على ما ليس من حقه بعد أن كان الموقف في علم الكلام المبكر أن خلق الإنسان لأفعاله هو المبدأ والأساس ثم منازعة المؤله للإنسان في أخص خصائصه، وسلبه إياه على يد السلطة السياسية القائمة ولصالحها. ومِنْ ثَمَّ غابت حرية الإنسان تحت وطأة إلهيات السلطة.١٤ وأحيانًا أخرى لا يظهر الموضوع بتاتًا ولا يذكر عنه شيء؛ لأنه فقد أهميته؛ فقد ضاع إحساس العصر المتأخر بالفعل الحر، فغاب الموضوع في مصنفات أهله. ويسقط موضوع خلق الأفعال بتاتًا في العقائد المتأخرة، ويخلو المكان للإلهيات. ففي العقائد المتأخرة يضم التوحيد كل شيء، وتصبح أفعال العباد جزءًا من التوحيد بما أن الله خالق كل شيء، ومريد لجميع الكائنات.١٥ يختفي باب العدل من العقائد المتأخرة تحت وطأة التوحيد والنبوة أي الإلهيات والسمعيات، ويعمُّ رفض الأسباب العادية وإثبات القضاء والقدر نظرًا لإثبات سبق القدرة والإرادة والعلم؛ حيث لا يفتقر الله إلى أحد سواه، ويكون كل ما عداه مفتقرًا إليه في شرح العقائد المتأخرة لقول «لا إله إلا الله».١٦ وفي بعض الموسوعات المتأخرة تظهر بعض موضوعات العدل بعد التوحيد، مركزة كلها في معنى القضاء والقدر، وهي العقيدة التي استمرت في وجدان الأمة حتى جيلنا هذا.١٧
وفي العقائد المتأخرة يُضمر العدل أمام التوحيد، والنبوة أمام الإلهيات والسمعيات، ولا يظهر إلا في نظرية الجواز. ولا يظهر في الأفعال، ويسقط موضوع الحسن والقبح.١٨ ثم يظهر موضوع التنزه عن الغرض ضمن أفعال العقائد كلها تحت شعار التوحيد، ويظهر استغناؤه ونفي الغرض في أفعاله ونفي الوجوب عليه، وهي موضوعات الحسن والقبح، ثم افتقار الغير إليه في وجوب الوحدانية من أوصاف الذات والعلم والقدرة والحياة والإرادة من صفات الذات من أجل إثبات عموم الإرادة وشمول القدرة على الإنسان والطبيعة معًا. وقد تدخل مسائل العدل دون أن يذكر الاصطلاح في نظرية الجواز مع الرؤية ومع الحسن والقبح العقليَّين أوَّلًا، ثم مع كون الحادثات كلها مرادة لله ثانيًا، كما كان الحال أوَّلًا. ثم يظهر بابٌ آخر يحتوي على أركان أربعة تتناول موضوع خلق الأفعال.١٩ فكأن الحسن والقبح العقليين يبدآن العدل وينهيانه. وعندها تصبح العقائد كلها داخلة في نظرية الوجوب والاستحالة، أربعون عقيدة، عشرون للواجب وعشرون للاستحالة تظهر مسائل العدل في العقيدة الواحدة والأربعين.٢٠
وفي بعض العقائد المتأخرة تُضم مسائل العدل كلها في عقيدة واحدة من خمسين عقيدة، وهي عقيدة، فيما يجوز على الله.٢١ والحقيقة أن وضع موضوع خلق الأفعال أي حرية الأفعال وعقله وبالتالي مسئوليته في أحكام الجواز يكشف عن ضياعها كلية وإخراجهما عن الوجوب؛ فالحرية والعقل محتملان وليسا ضروريَين، وهما في الحقيقة يدخلان في الوجوب. فحرية الإنسان وعقله واجبان، أو في الاستحالة أي استحالة إلغاء الحرية والقضاء على العقل. وبالتالي تنقسم أحكام العقل إلى اثنين فقط، هما الوجوب والاستحالة وإخراج موضوعات الجواز، سواء الرؤية أو الأفعال بقسمَيها، الحرية والعقل. أمَّا إذا كان الممكن في النهاية ليس حكمًا عقليًّا بل عملية إيجاد، وتحقيق للمشروع الإنساني، أي عملية تحرر، عملية وجودية، صيرورة عملية، قد يكون الإنسان حرًّا وقد لا يكون، قد يكون عاقلًا وقد لا يكون، فإن وضع خلق الأفعال في الجواز يكون ممكنًا بهذا المعنى كوصف لأفعال الإنسان وحريته وليس كدفاع عن الله وحقه المطلق في العلم والإرادة والقدرة.

(٢) موضوعات خلق الأفعال

خلق الأفعال إذن أحد مسائل العدل، ولكنه لا يبدو مستقلًّا متميزًا عن باقي المسائل في العدل والتي تضم موضوع الحسن والقبح العقليين. بل إن بعض المسائل تظل متداخلة بين الموضوعَين، يصعب معها استقرارها في أيٍّ منها مثل مسائل التوفيق والخذلان والهداية والضلال والعون والتيسير والعصمة والطبع والختم، والاستثناء في الإيمان، والآجال، والأرزاق، والأسعار التي هي حلقة الاتصال بين الموضوعين، بين حرية الإنسان ومصلحته. يشمل العدل إذن خلق الأفعال وما يتعلق بها من جبر وكسب واختيار واستطاعة وتولد، ثم الإيمان وما يتعلق به من هداية وتوفيق وعون ولطف أو طبع أو ختم أو خذلان، ثم الآجال والأرزاق والأسعار، ثم الحسن والقبح والأصلح ثم التكليف وما يتعلق به من أمر ونهي، ثم بعض الأبحاث الطبيعية الناتجة عن فعل الإنسان في الطبيعة، وأخيرًا الوعد والوعيد وعذاب الأطفال والبهائم والعوض. وكلها تدخل في موضوعات منفصلة بالرغم من اجتماعها معًا في خلق الأفعال، والتعديل والتجوير، والوعد والوعيد، والإيمان والعمل. وقد يدخل فيها موضوع النبوة كما هو الحال في العقائد المتأخرة عندما ألحقت النبوات بالسمعيات. بل قد تظهر أفعال الشعور الداخلية ومسائل الكسب والاستطاعة ضمن التوحيد في مساق الإرادة.٢٢ ثم تظهر من جديد مع ثلاث مسائل كفروع لعلم التوحيد وهي الخلق والإرادة والشفاعة والرؤية.٢٣ وفي هذه المسألة تظهر أساسًا أفعال الشعور الداخلية وكأن أصل العدل قد انبثق من أصل التوحيد، وأنه ما زال في مراحله الأولى حيث يتداخل العدل مع التوحيد محاولًا التحرر منه، ويتداخل التوحيد في العدل محاولًا إعادة له. وكما تداخلت أوصاف الذات وصفاتها وأسماؤها تتداخل أيضًا الذات، أوصافًا، وصفاتٍ، وأسماءً مع الأفعال. ويظهر العدل كأحد أوصاف الذات مرة سلبًا في إحالة الحجر عليه ومرة إيجابًا في أنه صانع الحوادث كلها ضد الدهرية والثانوية والمجوس والفلكية والطبائعية والمعتزلة.٢٤ وقد تظهر مسائل خلق الأفعال مباشرة بعد حدث العالم لإثبات شمول القدرة أو الإرادة حتى قبل أن تظهر مسائل الذات والصفات.٢٥ وبعد مسائل الذات والصفات كلها تظهر مسائل الحسن والقبح مستقلين أوَّلًا في فرعَين، الحسن والقبح، ثم إبطال الغرض والعلة والقول بالصلاح والأصلح ثانيًا.٢٦ كما تظهر بعد مسائل أفعال الشعور الداخلية مثل التوفيق والخذلان، والشرح والختم والطبع والأصل والرزق مختلطة ببعض الأسماء مثل الشكر. ولأول مرة تظهر مسألة العدل مستقلة بعد الذات والصفات والأسماء، وتشمل خلق الأفعال وموضوعاتٍ أخرى مثل الهداية والضلال والآجال والأرزاق وهي أدخل في موضوعات الصلاح والأصلح. بل إن موضوع خلق الأفعال لا يأخذ إلا الثلث ويأخذ موضوع الصلاح والأصلح الثلثين.٢٧ وتظهر مسائل أفعال الشعور الداخلية في صفة الإرادة وأنها تعم سائر المحدثات ومتعلقة بجميع الكائنات. ثم تظهر الأفعال الخارجية في نظرية الكسب في بابٍ خاص وهو القدر ثم في بابٍ خاصٍّ آخر من الاستطاعة لإثبات الفعل وإنكار التوليد، أي إنكار تقدم الاستطاعة على الفعل وبقائها بعد الفعل، ثم ظهور مسألة الحسن والقبح في باب العدل والتجوير.٢٨ ويظهر باب خلق الأعمال مُضافًا إليه بابٌ آخر في الاستطاعة وحكمها منفصلَين عن باب التعديل والتجوير.٢٩ وعندما تعرض العقائد في مسائل متفرقة دون بناءٍ نظري يظهر العدل أوَّلًا في خلق الأفعال ثم في الحسن والقبح.٣٠ وقد لا يذكر مبحث الأفعال وتذكر بدله مباحث الجبر والقدر، ثم تبدأ المسائل الأولى في خلق الأفعال والمسائل الثانية في الحسن والقبح.٣١
وفي العقائد المتأخرة يأتي العدل بعد التوحيد دون فصل بينهما كما كان الحال في بداية علم أصول الدين. وتظهر مسائل خلق الأفعال والاستطاعة والتوليد ثم الآجال والأرزاق والأصلح.٣٢ وفي بعض العقائد المتأخرة يختفي مبحث العدل كليةً وينتهي بالرضا بالقضاء والقدر.٣٣ ويظهر العدل كملحق للتوحيد كما كان في البداية.٣٤ يختفي العدل كليةً وتنحصر العقائد في الإلهيات والسمعيات أي في التوحيد والنبوة.٣٥ وفي بعض الحركات الإصلاحية الحديثة يتحول التوحيد من النظر إلى العمل وبالتالي تختفي مسائل خلق الأفعال لأنها تكون مناط التوحيد.٣٦ ولكن تظل مسألة الإيمان بالقضاء والقدر موضع الدفاع،٣٧ وكأن حل مسألة التوحيد كامن في العدل، وهو اللقاء الصحيح العضوي بين الأصلَين. ويظل الإشكال في أفعال الشعور الداخلية، هل هي أدخل في خلق الأفعال أم في الحسن والقبح العقليَّين، أم أنه يصعب التفرقة بينهما لأنها تدخل في أصلٍ واحد وهو العدل أوَّلًا لأنها حلقة اتصال بين خلق الأفعال والحسن والقبح العقليين؟٣٨ ففي العقائد المتقدمة يصعب الفصل بين حرية الأفعال والتعديل والتجوير، ومع ذلك يدخل التوفيق والضلال والهدى في خلق الأفعال أكثر من دخوله في العدل.٣٩ وفي العقائد المتأخرة يظهر مستوى الإرادة لأفعال الشعور الداخلية، ثم ينفي الحسن والقبح والواجبات العقلية ويصبح التوحيد هو الموضوع الأساسي في العدل.٤٠ وقد تظهر كثيرٌ من مسائل العدل في إثبات الخلق ورفض استقلال الطبيعة، وكذلك في مساق ذكر صفتَي القدرة والإرادة وشمولهما، ولا يظهر في الجواز إلا الصلاح والأصلح.٤١ ويظل التذبذب قائمًا بين وضعها في خلق الأفعال وبالتالي تكون أقرب إلى حرية الإنسان وبين الحسن والقبح العقليين، فهي إذن أقرب إلى تنزيه الله عن فعل البشر. يدخل الموضوع عند الأشاعرة في الجبر والقدرة والاستطاعة، أي في التوحيد، ويدخل عند المعتزلة في الحسن والقبح، أي في العدل، نظرًا لإنكار الأشاعرة الحسن والقبح العقليين، وبالتالي العدل كله كأصل مستقل. والحقيقة أن أفعال الشعور الداخلية أقرب إلى الحسن والقبح وتنزيه الله عن القبائح وباقي مسائل العدل مثل الصلاح واللطف. فمسألة التوفيق والخذلان والهداية والضلال والعون والتيسير والعصمة والطبع والختم كلها أفعال شعور داخلية، تجتمع فيها حرية الأفعال والحسن والقبح والصلاح واللطف. ولما كان الصلاح واللطف تعبيرًا عن إرادة الله في الواجبات الإلهية، فإنها تكون أقرب إلى حرية الأفعال التي موضوعها تقابل الإرادتَين الإلهية والإنسانية وفي الوقت نفسه رعاية الصلاح والإصلاح وإدراك الإنسان وإرادته الحرة. أمَّا مسألة الاستثناء في الإيمان ومسائل الآجال والأرزاق والأسعار، فإنها أيضًا بين خلق الأفعال وبين الحسن والقبح العقليين ورعاية الأصلح. وقد تدخل أفعال الشعور الداخلية في موضوع النظر والعمل، أي الأسماء والأحكام نظرًا لأنه يتعرض للجانب النظري في العمل وهو الإيمان. ولكن الإيمان هنا ليس في علاقته بالعمل، بل في علاقته كفعل للإيمان وبخلق الأفعال بين الإرادة الإلهية والإرادة الإنسانية. ولما كان موضوع النظر والعمل من السمعيات، فإن البعض قد آثر اعتبار أفعال الشعور الداخلية أمورًا زائدةً لا تدخل ضمن العقليات، أي التوحيد والعدل، وأقرب إلى السمعيات وعلى أكثر تقدير نقطة انتقال من العقليات إلى السمعيات، حيث تندر فيها العقليات إلى أقل درجة وتكثر فيها السمعيات إلى أقصى درجة.٤٢

(٣) بناء الموضوع

الموضوع هو خلق الأفعال. وهي التسمية القديمة التي تتسق مع نظرية الأفعال دفاعًا عن إرادة الله المطلقة ضد إرادة الإنسان وحرية اختياره كوليدٍ جديد يوأد في المهد (الأشاعرة). ولكن التسمية قد تعني أيضًا خلق الأفعال من جانب الإنسان (المعتزلة) تأكيدًا على حرية الإرادة. وقد استعمل المحدَثون مِنَّا من مؤلفي الكتب المقررة تسمية الجبر والاختيار إمَّا تحت أثر الغرب أو خضوعًا للفكر الشائع. وهي تسمية تُظهر الصراع بين وجهتَي النظر واعتبار أن الكسب هو الحل الوسط بين الحلَّين المتعارضَين ويجعلونه أقرب إلى الاختيار منه إلى الجبر لو كان المؤلف عاقلًا أو إلى الجبر منه إلى الاختيار لو كان المؤلف تقليديًّا ناقلًا.

والتعبير القديم «خلق الأفعال» تعبيرٌ محايد، لا يوحي بنقل القدماء ولا بتحديث المعاصرين، ولكن الخلاف في التفسير حول خلق من؟ يجعله البعض من جانب المؤلَّه مثل كل شيء، ويجعله البعض الآخر من جانب الإنسان. وفي هذه الحالة يكون الإنسان صاحب أفعاله. أمَّا تعبير «الجبر والاختيار» فهو مقابلةٌ حديثة تضم لفظًا قديمًا هو الجبر ولفظًا حديثًا هو الاختيار. ولكن الاختيار لا يعبر عن خلق الأفعال خاصةً إذا تم بالطبع. كما أنه يوحي بفعل خارجي محض كأن الفعل يتم عن طريق مقارنة عقلية بين الدوافع وحسابات رياضية بينها ثم اختيار أحدها وكأن الحياة لا تختار بنفسها حسب الدافع الأقوى. ولما كانت «الحرية» لفظًا معاصرًا يعبر عن وجدان الأمة كما يعبر عن مضمون المشكلة القديمة، خلق الأفعال، أصبح الإنسان خالقًا للأفعال يعني أن الإنسان حر. لم يصبح الموضوع «مشكلة الحرية» لأن الحرية ليست مشكلة بل هي أمرٌ واقع وتجربة يشهد بها الوجدان وصريح العقل؛ حينئذٍ يصبح موضوع خلق الأفعال إثباتًا للإنسان الحر. وعنوان خلق الأفعال مثير للذهن مثل حرية الأفعال. فالخلق يوحي بالإبداع والجدة والمسئولية، مثل الحرية تمامًا، بل إنه أكثر ميتافيزيقية نظرًا لارتباط الحرية بأبعادها السياسية والاجتماعية. وهو لفظ أكثر أصالةً مرتبط بالتراث وليس شائعًا في ثقافتنا المعاصرة الناقلة عن الغرب. واستعمال لفظ الخلق بمعنى الحرية استرداد للمفهوم من الله إلى الإنسان واستعادة للحقوق الضائعة. كان يمكن إطلاق تعبير «الإنسان الفاعل» بعد «الإنسان الكامل» وقبل «الإنسان العاقل» إبقاءً على وحدة التعبير وتجانسه، خاصةً وأن الفعل لفظٌ قديم. ولكن خوفًا من إمكان اللبس بين «الإنسان الفاعل» الذي يمارس حريته بطبعه «والإنسان العامل» الذي يحقق النظر في العمل وهو أحد موضوعات السمعيات،٤٣ بقي «خلق الأفعال» أنسب التسميات لأنه بالرغم من قِدَمه إلا أنه ليس به عيوب القديم.٤٤ أمَّا «الإنسان الحر» فهو تعبيرٌ خطابي خارج عن منطق البرهان.
ويمكن تحديد بناء الموضوع تاريخيًّا أو نظريًّا أو وصفيًّا. فمن الناحية التاريخية بدأت النظريات حول الأفعال أوَّلًا بالجبر ثم حدث رد الفعل ثانيًا بإثبات الاختيار وأن الإنسان خالق أفعاله. وأخيرًا جاءت نظرية الكسب كمحاولة للتوفيق بين الجبر والاختيار.٤٥ هذا هو الجدل التاريخي السائد في معظم موضوعات علم الكلام من الفعل إلى رد الفعل ثم إلى المركَّب من الفعل وردَّ الفعل. حدث هذا في التوحيد، في التشبيه ثم التنزيه ثم إثبات الصفات بلا كيف. ولكن من الناحية النظرية الخالصة بدءًا من النظريات غير المؤسسة إلى النظرية المؤسسة يبدأ الجبر باعتباره أقل النظريات الثلاث تأسيسًا ثم يتلوه الكسب باعتباره أيضًا أقل النظريات الثلاث تأسيسًا، ثم يأتي في النهاية خلق الأفعال باعتباره أكثر النظريات تأسيسًا. ويرتب القدماء المذاهب طبقًا لرأيهم الخاص ابتداءً من الكسب ثم الجبر ثم خلق الأفعال بما يدلُّ على أن الجبر أقرب إلى الكسب وأن خلق الأفعال أبعد منه.٤٦ ولكن من الناحية الوصفية الصرفة تبدأ نظرية الجبر التي يسهل رفضها بتحليل تجارب الإنسان الحية للفعل. تتلوها نظرية الكسب التي تظل في إطار الجبر وتنشأ بدافعها الأوَّل وهو الدفاع عن حق الله والاعتراف بحق الإنسان، ولكن من أجل الدفاع عن حق الله. وأخيرًا يأتي خلق الأفعال باعتباره أقرب النظريات إلى التجارب البشرية، بداهتها وصراحتها وطبقًا لمقتضيات العقل والمسئولية. وهذا الوصف يجعل طرفَي النقيض أوَّلًا وثالثًا، والتوسط ثانيًا، وهو معارض للجدل التاريخي الذي يبدأ بالجبر ثم بخلق الأفعال ثم بالكسب. ثم تظهر هذه النظريات الثلاث في أفعال الشعور الداخلية ثم الهداية والضلال، والتوفيق والخذلان، والإيمان والكفر، ثم في أفعال الشعور العامة كالحركة والسكون والقيام والقعود، أي في الحركات والسكنات الإرادية التي تشارك فيها الأعضاء وهي أفعال الجوارح التي عناها القدماء في تحليلهم للأفعال والتي منها خرجت النظريات الثلاث، ثم في أفعال الشعور الخارجية في الطبيعة التي تظهر فيها قضية التوليد واعتباره نتيجةً ثانية للأفعال في الخارج وليس إلى الداخل، استمرارًا للأفعال في الطبيعة سواء في الحركة أو السكون أو الاعتماد والأكوان أو التأليف والتحليل أو في آثار الأفعال المعنوية كالسنن والتقاليد وأثرها في الأجيال التالية وهو ما لم يفصل فيه القدماء لتركيزهم على أفعال الشعور في الطبيعة وحدها. وهذا الترتيب يبدأ من الداخل إلى الخارج، واصفًا أفعال الشعور من العمق إلى السطح، ومن الباطن إلى الظاهر؛ ومِنْ ثَمَّ يكون بناء الموضوع رباعيًّا: أفعال الشعور الداخلية، أفعال الشعور الخارجية، أفعال الشعور في الطبيعة، أفعال الوعي الفردي والاجتماعي.
١  البحر، ص٣٥–٤١؛ ص٥١–٦٧.
٢  وقد اخترنا نحن التمييز بين الموضوعين في الفصلين السابع «خلق الأفعال»، والثامن «العقل الغائي».
٣  الطوالع، الباب الثالث، في أفعاله، ص١٨٩–١٩٨، وأيضًا: «المقاصد».
٤  لا يظهر موضوع خلق الأفعال في «التمهيد» للباقلاني.
٥  الاقتصاد، ص٨٣–١٠٣.
٦  الفقه، ص١٨٤-١٨٥.
٧  الإبانة، ص٧، ص٩.
٨  الإبانة، ص٤٤–٤٩.
٩  الإبانة، ص٤٩.
١٠  الإبانة، ص٦٢–٦٥.
١١  القاعدة الثانية، القدر والعدل، وهي تشمل مسائل القضاء والقدر في إرادة الخير والشر المقدور والمعلوم إثباتًا عند جماعة ونفيًا عند جماعة (الملل، ج١، ص١١).
١٢  الاختلاف في الأصول حديث في أواخر أيام الصحابة، بدعة معبد الجهني وغيلان الدمشقي ويونس الأسواري في القول بالقدر، وإنكار إضافة الخير والشر إلى القدر. ونسج على منواله واصل بن عطاء الغزال … أبو الهذيل أبدع في الكلام والإرادة وأفعال العباد والقول بالقدر والآجال والأرزاق. النظَّام انفرد بين السلف ببدع في الرفض والقدر (الملل، ج١، ص٣٩–٤٢).
١٣  في أفعال واجب الوجود (الغاية، ص٢٠١–٢٨٢). في أنه لا خالق إلا الله (ص٢٠٣–٢٢٣).
١٤  هذا هو الحال في لمع الأدلة؛ نهاية الأقوام؛ الاقتصاد؛ أساس التقديس، المحصل؛ المواقف؛ طوالع الأنوار.
١٥  يذكر البغدادي خمسة عشر أصلًا ليس الفعل الحر واحدًا منهم (الفِرَق، ص٣٢٣). وهذا هو أيضًا المحال في العقائد السنوسية والعقائد العضدية.
١٦  الجامع، ص٢٧.
١٧  الدر، ص١٤٨–١٥٠.
١٨  السنوسية، ص٣–٧.
١٩  النظامية، ص٢٥–٢٧، ص٣٠–٤٧؛ العقيدة، ص١١.
٢٠  الكفاية، ص٦٥–٦٨؛ العقيدة، ص١١؛ الباجوري، ص١٠.
٢١  الكفاية، ص٦٥–٦٩.
٢٢  الإنصاف، ص٤٤–٤٧.
٢٣  الإنصاف، ص١٤٣–١٦٨.
٢٤  الأصول، ص٨٢-٨٣.
٢٥  النهاية، ص٥٤–٨٩.
٢٦  النهاية، ص٣٧٠–٣٩٦، ص٣٩٧–٤١٦.
٢٧  الأصول، ص١٣٠–١٥٢.
٢٨  اللمع، ص٣٣–١٢٢.
٢٩  الإرشاد، ص١٨٨–٢٥٦.
٣٠  المسائل، ص٣٧٣–٣٧٨.
٣١  المعالم، ص٧٢–٩٠؛ الطوالع، ص١٨٩–١٩٨؛ المواقف، ص٣٣١–٣٣٤؛ التحقيق، ص١٠٦–١٥٢؛ الرسالة، ص٥٩–٨٤.
٣٢  النسفية، ص٩٦–١١٢.
٣٣  العقيدة، ص٣.
٣٤  الحصون، ص٢٩–٣٢.
٣٥  المسائل، ص١٤٠–١٥٠.
٣٦  التوحيد إفراد الخالق بالعبادة ذاتًا وصفات وأفعالًا. قال ابن القيم في مدارج السالكين «التوحيد نوعان» نوع في العلم والاعتقاد ونوع في الإرادة والقصد. ويُسَمَّى الأوَّل التوحيد العلمي، والثاني التوحيد القصدي الإرادي، لتعلق الأوَّل بالإخبار والمعرفة والثاني بالقصد والإرادة (الكتاب، ص٢).
٣٧  الكتاب، ص١٢، ص١١٠–١١٣، ص١٣٧–١٥٦.
٣٨  وتبدو وكأنها جزء من الصلاح والأصلح عند البغدادي في أصول الدين (الأصول، ص١٣٠–١٥٢).
٣٩  الفصل، ج١، ص١٨–١٧٢، ص٧٢–١٣٧.
٤٠  العضدية، ج٢، ص١٨١–٢١٧.
٤١  الخريدة، ص٢٣–٤٤؛ الجوهرة، ص١١–١٥؛ الوسيلة، ص٣٥–٤٤.
٤٢  في البحث في أمور صرح بها القرآن وانعقد عليها الإجماع وهم يُؤوِّلونها؛ الطبع والختم والأكنة والتوفيق والهداية والأجل والرزق والأسعار (المواقف، ص٣١٩-٣٢٠).
٤٣  انظر الفصل الحادي عشر: النظر والعمل.
٤٤  «التراث والتجديد»، موقفنا من التراث القديم، رابعًا: طرق التجديد، (١) منطق التجديد اللغوي، (أ) قصور اللغة التقليدية، ص١٢٧–١٣٥. «وهو لفظ المعتزلة في قولهم بأن العبد خالق أفعاله. وقد كانت الأوائل منهم يتحاشون عن إطلاق لفظ الخالق على العبد ويكتفون بلفظ الموجِد المخترِع ونحو ذلك. ومن رأي الجبائي وأتباعه أنه يعني الكل واحد وهو المخرج من العدم إلى الوجود، وتجاسروا على إطلاق لفظ الخالق» (شرح التفتازاني، ص١٩٦).
٤٥  يمثل الفعل الأوَّل جهم بن صفوان، ورد الفعل الثاني المعتزلة. يشارك المعتزلة جهم في نفي الصفات، وكلهم يختلفون عنه في خلق الأفعال، وكأن نفي الصفات لا يؤدي بالضرورة إلى إثبات الأفعال وأن إثبات الصفات لا يؤدي بالضرورة إلى الجبر أو الكسب بدليل أن جهم يقول بنفي الصفات وبالجبر في الأفعال.
٤٦  أفعال العباد وبيان المذاهب فيها. في هذه المسألة ثلاثة مذاهب: (أ) مذهب أهل السنة وهو أنه ليس للعبد في أفعاله الاختيارية إلا الكسب، فليس مجبورًا كما تقول الجبرية وليس خالقًا لها كما تقول المعتزلة. (ب) مذهب الجبرية وهو أن العبد ليس له كسب بل هو مجبور أي مقهور كالريشة المطلقة في الهواء تُقلِّبها الرياح كيف شاءت. (ج) مذهب المعتزلة وهو أن العبد خالق لأفعاله الاختيارية بقدرة خلقها الله فيه، ولقولهم بقدرة خلقها الله فيه لم يكفروا على الأصح. فالجبرية أفرطوا، والمعتزلة فرَّطوا وتوسَّط أهل السنة، وخير الأمور أوسطها (التحفة، ص٨).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢