رابعًا: العقل والنقل

لما ثبت وجود الصفات الموضوعية للأفعال تحول السؤال من الموضوع إلى المعرفة وأصبح: كيف يمكن إدراك هذه الصفات بالعقل أم بالنقل؟ وكان الاختيار واضحًا. فكل إنكار للصفات الموضوعية يجعل طريق إدراكها النقل لأنه لا يوجد شيء يمكن إدراكه بالعقل. فالموضوع والمعرفة كلاهما يأتيان من الخارج؛ من الإرادة المشخصة للآمر الناهي. وكل إثبات للصفات الموضوعية يجعل طريق إدراكها العقل لأنه قادر على التعامل مع الموضوعات المستقلة. والطريق إلى معرفة صفات الفعل إنما يتحدد فقط في المعاني الثالث للحسن والقبح، أي تعلق المدح والثواب بالفعل إن عاجلًا أو آجلًا ألزم الثواب والعقاب لأن المعنى الأوَّل وهو الملاءمة والمنافرة للغرض يدركه الحس، والمعنى الثاني وهو الكمال والنقص يدركه العقل سواء ورد بهما الشرع أم لا.١

(١) هل يمكن هدم العقل؟

إن اعتبار النقل أساسًا لإدراك الحسن والقبح هو في الحقيقة هدم للعقل؛ لأنه في هذه الحالة لا وظيفة له في الإدراك ولا موضوع له للإدراك. فما دامت الصفات ليست ثابتةً في الأفعال، فبطبيعة الحال يخبر الشرع بها في النقل وتقتصر وظيفة العقل حينئذٍ على فهم النقل ليدرك بدوره حسن الأفعال وقبحها،٢ وهذا في حد ذاته هدم لنظرية العلم التي يقوم عليها علم أصول الدين والتي تجعل العقل إحدى وسائل العلم وأن شرطه النظر، وأن الحجة العقلية تظل ظنية ولا تتحول إلى يقينية إلا بحجةٍ عقلية ولو واحدة.٣ إن تفاوت الناس في استخدام العقول لا يعني طعنًا فيها، بل يعني وجود فروقٍ فردية بينها. وتظل بداهة العقل واحدة في جميع البشر، ولكن تختلف درجات تغليفها الاجتماعي. الاستعداد الطبيعي واحد ولكن فروق النشأة والتربية ونظم الحكم ومقدار المجتمع في التخلف والتقدم كل ذلك يُحدِث تفاوتًا في استخدام العقول. وهذا لا يعني أن الله هو الذي جعل العقول متفاوتة وإلا كان ظلمًا وجورًا.٤ إن حقائق العقل بالرغم من كونها عادات الناس إلا أنها تظل حقائق للعقل، ووجودها في مجرى العادات لا ينفي كونها حقائقَ عقلية.٥ ولماذا التشكيك في الحقائق البشرية والقيم العامة؟ ولماذا لا يكون القبح في قتل الناس وأخذ أموالهم وأذاهم وقتل المرء لنفسه وإباحة حرمات الناس؟ لماذا تصور الله وكأنه يقف لهذه الحقائق بالمرصاد، يهدمها ويقلبها ويغيرها وكأن الشريعة عبث وتناقض لا تهدف إلى رعاية مصالح الناس والدفاع عن الحرمات والأخذ بحقوق المظلومين؟ ولماذا يتصور الله وكأنه ضد الحياة وعقل الإنسان؟ ولماذا تصور الشرائع لا معقولة؟ المقتول في سبيل الله يضحي بنفسه في سبيل قيمةٍ أعظم، حياة الجماعة وبقاء الأمة، حرصًا على الحياة. والختان قوةٌ جنسية. والركوع رياضة بدنية. ولماذا ندرس في مدارسنا إذن حكمة الصيام والصلاة والصوم؟ والإحرام رفض لمظاهر المدنية في اللباس وعود إلى الإنسان الطبيعي. فالإنسان بدن وروح وليس حلةً وثيابًا وزينةً.٦ إن القضاء على إدراك العقل هو قضاء على الحكمة من الشريعة وقضاء على التعليل وهو أساس الشرع في الجمع بين المتماثلات والفرق بين المختلفات. إن هدم العقل هدم للشريعة؛ فالشريعة تقوم على العقل. ويؤدي هدم العقل والشريعة إلى الوقوع في التماثل بين الإنسان والله. فإذا قال الله اعبدوني واسجدوا لي فإن الإنسان لا يقول ذلك عن نفسه، وبالتالي يؤدي هدم العقل والشريعة إلى تمثيل الله بالإنسان، في حين أن إثبات العقل وحكمة الشريعة يؤدي إلى تنزيه الله.٧ الكفر قبح لأنه إنكار للمبادئ ولحقائق العقول وليس لأن الله حرمه. وإباحة الكفر تقية حفاظ على الحياة وليس هدمًا للحقائق.٨ وكيف تستوي الحقائق بالنسبة إلى الله؟ وكيف لا تكون أفعاله مرجحة بالنسبة إلى الإنسان لصالحه؟ إن كلامه مُعلَّل بالهدى والصلاح؛ ولذلك أرسل الأنبياء. وإن أسوأ أنواع الأفعال الحرة هي حرية استواء الطرفين التي يستحيل فيها الفعل من الأساس. وإن هدم العقل في إدراك الحسن والقبح هو عود إلى الإرادة والعلم والمسبق وبها ينتفي الفعل الحر أساسًا وليس العقل وحده. وإن جعل العقل تابعًا للإرادة الإلهية، أي للرضا والسخط هو جعله عقلًا تابعًا لشيءٍ آخرَ سواه، وبالتالي يفقد قدرته على الإدراك ويتحول إلى عقل مبرِّر تابعًا لإرادة الآمر والناهي. بل ويظل العقل حائرًا تبعًا لتقلبات الإرادة وتغيراتها؛ وبالتالي يفقد ثباته واتزانه. وهل غاية الأمر والنهي الإدراك أم التنفيذ؟ هل غايتهما نظرية أم عملية؟ إن الأمر والنهي لا يمكنهما أن يعطيا حسنًا أو قبحًا بل يعطيان فقط توجيهاتٍ عملية للسلوك. وإذا ما تم السلوك تنفيذًا للأوامر والنواهي بلا عقل مدرك للحسن والقبح، فإن ذلك يحيل الإنسان إلى مجرد آلة للتنفيذ أو متفرج يُفعَل به ما يشاء وهو طيِّع مطيع. لا يعترض لأنه لا يفهم، ويكون جوهر الإيمان في هذه الحالة الطاعة العمياء وليس العقل المستنير. وهل يتحدد الحسن والقبح بالثواب والعقاب المترتبَين على طاعة الأوامر واجتناب النواهي؟ إن الجزاء والعقاب بعديان لاحقان بالفعل بعد أن يتم. وما فائدة أن يعرف الإنسان الحسن والقبح في الأفعال بعد أن تتم وينال الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية؟ ولماذا هذا الصراع بين الله والعقل وتحديد أيهما حاكم وأيهما محكوم عليه؟ ولا يقال إن العقل قد حكم أن الله هو الحاكم؛ فالعقل لا يهدم نفسه، ولا يرضى بسلطان سواه. وهذا نوع من لوي الحقائق وقولها إلى المنتصف والتشدق بالدفاع على العقل والرضا بحكمه، فلو كان العقل هو الحكم فهو الحكم بأنه هو الحاكم ولا حاكم سواه.٩ إن خلق الله للعقل مُسلَّم ومعترف به، ولكن ذلك لا يعني أنه لا وظيفة له ولا حكم، وأن العقل بمجرد خلقه لا يدين بالولاء إلا لنفسه، ولا يظل أسير خلقه حتى تُمحى وظيفته؛ لذلك يشكر المنعم، ويصبح شكر المنعم واجبًا وكأن الله قد خلق العقل ليعيره به أو ليقضي على استقلاله؛ فيصبح نقصه دليلًا على كمال الله وتبعيته دليلًا على استقلال الله، وكأن خلق العقل كان مجرد ذريعة للقضاء على حكمه.١٠ إن ضبط الوقائع بقانونٍ عقلي خير من ضبطها بإرادةٍ مشخصة، فقانون العقل ثابت في حين أن الإرادة متغيرة. صحيح أن الإرادة ضد الهوى والانفعال ولكنها أيضًا رضا وسخط وهي أمور متغيرة ومتقلبة. وإن كانت ثابتة فحكمها حكم العقل ويكون العقل بها أولى. لا شك أننا لو شئنا المزايدة في الإيمان والدفاع عن الله وهدم العقل وتدمير الإنسان لقلنا إن الله حاكم على العقل وهو المحكوم. الله هو الخالق له، وهو المالك لكل شيء، وهو الحاكم على كل شيء. وأين مكان الخطر؟ وأي موقف نوجد فيه نحن؟ هل الله في خطر أم أن العقل في خطر؟ هل ندافع عن حاكمية الله أم حاكمية العقل؟ هل نحن المدافعون عن الله أم نحن بشر ندافع عن حقوق البشر؟ قد لا يملك الإنسان أمام المزايدة إلا الصمت خوفًا من قهر العامة وثقل التاريخ وسطوة الحكام. ومع ذلك فالدفاع عن حكم العقل هي مهمة الجيل دفاعًا عن حقوق الناس وأعمالًا لعقولهم.١١ وهل هي قضية سلطة من الحاكم؟ وهل صورة الحاكم باستمرار هي صورة الحاكم المطلق الذي يفعل ما يشاء، ما حسَّنه حسن وما قبَّحه قبيح؟ وإن لم يفعل فهل ذلك يكون أحد مظاهر نقصه وطعن في كماله ونيل من سلطانه؟١٢ وهل هذه هي صورة الله أم صورة الدكتاتور؟ صورة الله أم صورة الطاغية؟ وما أسهل أن يأتي الحاكم بعد ذلك ويأخذ مكان الله في قلوب العامة فيُحسِّن ويقبِّح، ويصبح العقل خاضعًا له وتابعًا لإرادته، ويصبح الحسن تابعًا لرضاه والقبح تابعًا لسخطه. ولا معقب على إرادته ولا مراجعة عليها من أحد. يفعل ما يشاء، يسالم من يشاء ويحارب من يشاء، يصالح من يشاء ويعادي من يشاء، وليس في العالم سواه، وليس في الوجود إلاه.

(١-١) هل يمكن إنكار العقل قبل النبوة؟

وقد بلغ هدم العقل إلى حد إنكار وظيفته كليةً قبل النبوة وكأن الإنسانية كانت قبلها أحط من الحيوان لم تعرف إلى العقل سبيلًا. وصحيح أن الإنسانية قد تطورت وبلغت استقلالها واكتمل وعيها بانتهاء النبوة، ومع ذلك فطليعة الإنسانية الممثلة في فلاسفتها ومُفكِّريها وحكمائها قادرون على التوصل إلى الحقائق البشرية العامة. فقد امتنع قابيل عن قتل أخيه هابيل حتى لا يبوء بإثمه، لأن تحريم قتل النفس حقيقةٌ إنسانيةٌ عامة. قد يُقال لقد عرفت الإنسانية النبوة من آدم، فآدم إنسان ونبي؛ وبالتالي لا توجد فترةٌ زمنية استقل فيها العقل بنفسه. العقل والوحي متزامنان. ولا توجد إنسانية قبل آدم كان العقل فيها بمفرده. وبالتالي يكون الحديث فقط قبل بعثة محمد وقبل ختام النبوة وقبل ظهور الإسلام أي في المراحل السابقة على الوحي التي لم يكن العقل قد اكتمل فيها بعد. فإثارة السؤال الآن والعقل قد اكتمل، والإنسانية قد استقلَّت لا معنى له، سؤالٌ نظريٌّ خالص، وافتراضٌ صرف، ورجوع إلى الوراء، وإسقاط من الحاضر في الماضي، من مرحلة كمال العقل إلى مرحلة نقصانه كعقلٍ جمعيٍّ عام، وتوهم فترة قد انقضت ولم تعد موجودة بالفعل. والإنسانية لا ترجع إلى الوراء، ولا يمكن إسقاط الحاضر على الماضي أو التفكير بشعورٍ مستقل في مرحلةٍ سابقة عليه. ولا يكون القصد من ذلك إلا ضياع استقلال الوعي الحالي والإيهام بأننا في مرحلةٍ سابقة؛ فيطغى الماضي على الحاضر، ويضيع التقدم، ويسقط التاريخ من الحساب، ويضيع نضال الإنسانية في سبيل تقدمها واكتمالها هباءً.

فالعقل قادر قبل البعثة على أن يدرك الفائدة في الحال وفي المآل، وأن يدرك أن الأفعال تحاسَب وتجازى، تُثاب وتعاقب، وقد كانت قوانين الجزاء معروفة في تاريخ البشرية قبل ورود الشرع، وأن التكليف لا يبدأ إلا بوجود الشرع، وكأن الإنسان عاجز عن التمييز بين الخير والشر، وبين الصواب والخطأ اعتمادًا على العقل وحده قبل ورود الشرع.١٣ إن الحقائق الأخلاقية مثل الحسن والقبح مثل الحقائق الرياضية يقدر العقل على الوصول إليها دون تعليم أو شرع أو نبوة أو اكتساب؛ فهي أقرب إلى الحقائق الفطرية. إن إنكار الحسن والقبح العقليَّين إنكار لاستقلال القوانين الخلقية وهدم لموضوعية القيم.١٤ ولا يمكن أن يثبت الحسن والقبح بالشرع لأن الشرع لا يثبت إلا بالعقل، وبالتالي يقع الفكر في الدور.١٥ فالعقل أساس الشرع، والقدح في العقل قدح في الشرع بإجماع علماء الأصول وجمهور الأمة. ولو كان الحسن والقبح من الله لحسن منه الكذب وذلك إبطال للنبوات. ولا يمكن أن تكفي المعجزة في إثبات صدق النبي لإمكانية صدورها على يد كاذب، هذا إذا كانت المعجزة، وهي الدليل الخاص، دليلًا على صدق النبوة أصلًا.١٦ وكيف يجوز في الشرع الزيادة والنقصان وكأنه لا أساس له من عقل أو واقع؟ إن مرحلة التجريب قد انتهت أثناء الوحي عن طريق النسخ. واستقر الشرع واستتبَّ وتأسس في العقل وفي الطبيعة. وكيف يبلغ التغيير والتبديل درجة قلب الحق باطلًا والباطل حقًّا، وقلب الحلال حرامًا والحرام حلالًا بمجرد تغيير إرادة الشارع؟ ذلك بالضبط ما يحدث في مجتمعاتنا الحالية عندما تُسَنُّ القوانين وتبدل بإرادة الشارع دون أن تؤسس في العقل أو في الطبيعة ودون ابتغاء مصلحة أو اتقاء مفسدة. فإذا ما اكتمل الشرع بعد أن يتحقق في الواقع أصبح تعبيرًا عن العقل والطبيعة، وثابتًا بثباتهما.١٧ قد يكون العقاب وحده هو الذي يرد به الشرع أي جزاء الفعل القبيح، أمَّا الثواب على الفعل الحسن فلا يحتاج إلى ورود الشرع، ويمكن معرفته بالعقل قبل ورود الشرع؛ فالعقل لا يقر بالعقل على الفعل القبيح وكأن العقاب كالثواب ينشأ من طبيعة الفعل. الثواب على الحسن بالطبيعة والعقاب على القبح بالشرع.١٨
ولماذا يكون إثبات الشرع وحاجة الإنسان إلى النبوة على حساب العقل وابتداءً من حدوده؟ إن اختلاف قوى الإنسان، الذاكرة والتخيل والتفكُّر بين الشدة والضعف لا تعني حاجته إلى من يقوِّيها، فإنها من سمات الإنسان. وقد تكون على هذا النحو أحد مظاهر قوته وأعمال حريته. كما أن تفاوت الناس في إدراك النافع والضار أو الحسن والقبيح ليس ذريعة لفرض الوصايا عليه وإعلان قصور العقول، بل يمكن تجاوزها بتعاون البشر والخبرات المشتركة وتبادل المعارف والعلوم، والنصيحة المشتركة والتنبيه والتذكير، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو أحد مظاهر ممارسات الحرية. ولماذا الشعور بالدونية أمام قوةٍ أخرى أسمى وأعظم عقلًا وإرادةً مع أن الإنسان سيد الكون وأعظم من الجبال والمحيطات والأنهار؛ لأنه قادر على تسخيرها لصالحه، ولديه عقلٌ قادر به على معرفة أسرار الكون وإدراك قوانين الطبيعة، وهو الوحيد الكائن الحر الذي قبل تأدية الأمانة وتحقيق الرسالة؟١٩ لماذا الإعلان عن قصور العقل وبيان حدوده والأكرم للإنسان بيان قواه وإمكانياته اللامحدودة؟ لماذا الإعلان عن أن الإنسان في حاجة إلى هادٍ يهديه، ومرشد يرشده؟ لِمَ هذا الإحساس بالتقصير والقصور وأن الإنسان في حاجة إلى وصي وهو النبي؟ ولماذا تثبت النبوة على أنقاض العقل؟ إن إرجاع الحسن والقبح إلى الذات العاقل ثم إيقاعه في نسبية الأهواء والانفعالات وتفاوت الأمزجة والطبائع واختلاف الظروف والمواقف كل ذلك يفضي إلى إلغاء العقل والإغراق في الإشراق أو يؤدي في النهاية إلى هدم العقل لإفساح المجال للنبوة وكأن النبوة مكملة للعقل إن لم تكن مضادةً له. وذلك في الحقيقة تدمير للعقل من أجل إفساح المجال للنبوة؛ فالغاية البداية بالعقل لهدمه، وإثبات الحسن والقبح لإثبات النبوة، العقل مجرد وسيلة وليس غاية، بداية وليس نهاية، مقدمة وليس نتيجة، وهو أقرب إلى النفاق منه إلى العلم، وتضحية بالعدل أيضًا من أجل التوحيد بطريقةٍ أذكى من الجبر الذي لا يعترف بشيء أصلًا لا في التوحيد فينكر الحرية ولا في العدل فينكر الحسن والقبح العقليَّين.٢٠ والعجيب أن يتم ذلك في كبرى الحركات الإصلاحية التي قالت بالحسن والقبح العقليَّين إلى منتصف الطريق، أشعرية في التوحيد اعتزالية في العدل، خطوة إلى الأمام وخطوة إلى الخلف، دعوةٌ عملية على دعوةٍ نظرية غير مطابقة؛ لذلك كبا الإصلاح.٢١
إن وجود موضوعات قد تتجاوز حدود العقل، ولا يتناولها العقل، لا يطعن في العقل وقدرته على إدراك الحسن والقبح في الأفعال. فهما في الأفعال وليسا في المعتقدات، في السلوك وليسا في النظريات، في الحسِّيات وليسا في المجرَّدات، في هذه الدنيا وليس في العالم الآخر. ولماذا تكون العبادات مثل النظريات والعقائد والأخرويات خارجة عن حدود العقل؟ إذ لا يوجد في العبادات شيء لا يعرف وجه الفائدة فيه مثل أعداد الركعات ومناسك الحج. العبادات الإسلامية كلها مفهومة ومعروفة دلالاتها والحكمة منها حتى دروس الدين الأولية مثل النظافة والرياضة والإحساس بالفقراء ووحدة الأمة … الخ. الشرع قائم على العقل. وليس الشرع هو مظاهره الخارجية، بل هو قوانينه وأهدافه من مقاصد إلى آخر ما هو معروف في علم أصول الفقه في مقاصد الشريعة وإلا استحال الاستدلال. ولماذا إرجاع الإسلام إلى المراحل السابقة للوحي وقياس العبادات على بعض الاحتفالات في الديانة الموسوية وضروب التوسل والزهادة في الديانة العيسوية «لإثبات أنه» لا يمكن للعقل البشري أن يستقلَّ بمعرفة وجه الفائدة فيه؟ قد تكون المراحل السابقة لتطور الشرع في التاريخ أقل عقلانية من الشرع في آخر مراحله بعد اكتماله. ولماذا تكون الجهود الإنسانية الخالصة في الإبداع والخلق مفسدة سواء قبل الوحي أو بعده؟ فالوثنية لها مآثرها كما أن لها نقائصها. فلماذا تفسد الوثنية العقول وتنحرف بها عن مسالك السعادة وقد كان فيها كبار المصلحين وقادة الفكر الإنساني؟ وهل الدهري الذي لا يؤمن بالشرائع أو الذي لم تصله الشرائع لا يعلم الحسن والقبح وأنه لا يقدر على اجتناب الرذائل وممارسة الفضائل؟ هل كان البشر كالحيوانات والبهائم قبل الشرع؟ إن كامل العقل قادر على معرفة الحسن والقبح في الأفعال قبل ورود الشرع، فالوعي الفردي مستقل عن الوعي الاجتماعي، وإلا فكيف يظهر الأنبياء دعاةً ومصلحين في أقوامهم؟٢٢ ولماذا يتم إنكار الحقائق العقلية العامة وبداهاتها باسم الله وإمكانية تدميره لها والقضاء عليها؟ ولماذا تنكر ضرورات العقل وهو أساس نظرية العلم، وكأن الله واقف لها بالمرصاد يرى في شمول الحقائق وعمومها تهديدًا له؟٢٣ لماذا إنكار الحقائق مثل عدم جواز تكليف ما لا يُطاق، استحقاق الذم والمدح، والثواب والعقاب على الطاعة والمعصية؟ ولماذا لا يكون القبح محظورًا على الإطلاق في العقل مثل كفر النعمة؟ أليس الكذب والظلم والكفر قبحًا؟ وماذا يستفيد الله من قولنا إنه هو المنعم وهو المقبِّح للكفر والظلم وإن العقل لا يقبِّح شيئًا وإنه هو الحاكم بأحكام العقل؟ وما أسهل أن يأتي الحاكم فيما بعدُ ويزحزح الله أو يأخذ مكانه ويجعل نفسه هو المحسن والمقبح للأفعال. ولا يؤدي القول بالحسن والقبح العقليين إلى الشرك؛ الشرك بين العقل والله، فالله لا يجعل أحد مخلوقاته، وهو العقل، شريكًا له. إن الله نفسه قد عرف بالعقل، وهدم العقل هدم لأساس معرفتنا بالله. وكيف لا يحسن العقل شيئًا ولا يقبح شيئًا؟ وكيف تنفي الحقائق وكأن الله قد أدى إلى هدم الحقائق وأوقع البشرية في اللاإرادية والشك وإبطال الحقائق، وهو ما نفاه علم أصول الدين من قبلُ في نظرية العلم، وهل الله سوفسطائي؟٢٤ وهل يستعلي الله ويثبت قوته بتدمير أحد مخلوقاته — وهو جزء منها وهو العقل — وذلك بأن يصبح الله حاكمًا على العقل وينفي حكم العقل على نفسه وعلى الأشياء وعلى الأفعال؟ لماذا هدم الحقائق الإنسانية العامة والتشكيك في القيم وإبعاد الظروف الاجتماعية وكأن الله لا يعترف بحق ولا يسلم بقيمة، يفعل الظلم، وتقوم شرائعه على التناقض والعبث؟ إن إنكار العقل هو هدم للمصالح وجلب للمفاسد وقضاء على التعليل وهو أساس التشريع، وبالتالي جعل المتكلم الأشعري الله عاملًا ضد نفسه، وهادمًا شريعته بيده، وقاضيًا على العقل بحكمته.٢٥

(١-٢) هل يمكن تحديد العقل قبل السمع؟

ويمكن إعطاء العقل دورًا محدودًا قبل السمع كأحد الحلول المتوسطة بين هدم العقل كليةً قبل السمع وبين جعل العقل مستقلًّا بذاته مدركًا قبل السمع ودون ما حاجة إليه.٢٦ فقد يكون العقل قادرًا على إدراك المعارف العقلية وحدها دون الشرعية. فقد تكون المدركات العقلية مثل حسن العلم والإيمان وقبح الجهل والكفر سواء بديهية أو نظرية، وقد تكون سمعية مثل حسن الإثبات بالطاعات وقبح ارتكاب المنهيات.٢٧ وإذا كانت القبائح العقلية تعرف ضرورةً أو استدلالًا، فإن القبائح الشرعية قد لا تعرف ضرورة على الإطلاق، بل تعرف استدلالًا لأنه لا مدخل فيها للضرورة إلا إذا ارتدَّت إلى الأصول. أمَّا القبائح العقلية مثل الظلم والكذب فهي ضرورية. قد تعلم القبائح الشرعية على الجملة وعلى التفصيل بالاستدلال. تعرف القبائح العقلية ضرورة والشرعية استدلالًا.٢٨ والحقيقة أن الفصل بين الأفعال العقلية والأفعال الشرعية فصل لا مبرر له؛ الأفعال وحدة حية في الشعور وقائمة على العقل وهادفة إلى غاية. ويمكن معرفة جنس الأفعال الشرعية عقلًا إمَّا من الناحية البدنية أو الشعورية أو الاجتماعية. ولا يهم أن يكون ذلك عن ضرورة أو استدلال، فكلاهما طريقان للمعرفة. وإذا كانت العلوم الشرعية جزءًا من العلوم النظرية الاستدلالية، فكيف يحدث أن بعض الموضوعات تعلم بالعقل والأخرى بالشرع؟ ولو جاوزت بعض الموضوعات العقل لانهدم العقل وانهدمت العلوم النظرية. وكيف تعلم العلوم النظرية بالعقل والأمور العملية بالشرع في حين أن الموضوعات العقائدية أصعب فهمًا من الموضوعات العملية؟ وإذا كانت غاية الوحي هي تعقيل السلوك وتنظير حياة الإنسان، فكيف يتم ذلك في الأمور النظرية دون الأمور العملية؟ وهل العقائد أكثر استعدادًا للتنظير من الشرائع؟

ويمكن للعقل أن يصل إلى حقائق الشرع دون الاعتماد في ذلك على النقل، وإلا فلا مكان لإثبات وجود الصانع وصفاته عقلًا بشرط المطابقة مع النقل وإلا كانت كتأملات الفلاسفة التي يعتمد فيها على العقل الخالص دون شرط المطابقة. والمطابقة هنا خارجيةٌ صرفة مع شيءٍ آخر غير العقل، وكأن العقل لا يتطابق مع ذاته في نظرية الاتساق مع الواقع وهو المعنى الشائع للمطابقة.

وقد يأتي حلٌّ متوسط بأن تحصل المعارف بالعقل ولكنها لا تجب إلا بالشرع.٢٩ ومناط التحقيق هو المعرفة لا الوجوب. وسؤال الوجوب تالٍ على المعرفة. فإمَّا تجب عقلًا أو تجب شرعًا. والقول بأن الله هو الذي حسَّن وقبح في عقول بني آدم هو مسك للعصا من المنتصف، لا يرضي العقل ولا الشرع.٣٠ إذ لا حاجة لله لأن يحسن ويقبح من خلال العقول؛ فهو قادر على التحسين والتقبيح من خلال الأوامر والنواهي مباشرةً ما دام على الإنسان وجوب الطاعة واجتناب المعصية. وهو أيضًا هدم للعقل وكأن العقل غير قادر على أن يحسن ويقبح بنفسه، وكأن العقل مجرد انفعال دون فعل، مستقبِل دون أن يكون مرسلًا، مفعول دون أن يكون فاعلًا، وكأنه مجرد ذريعة للغير، مظهر للعقل وليس حقيقة. ومع ذلك لا يرضى عن ذلك دعاة هدم العقل، وينسب القول إلى دعاة إثبات العقول وكأن الوسط يكون باستمرار أقرب إلى أحد الطرفين. وما القول فيمن لم يشعر بذلك بعقله فيقبح ما يحسنه العقل ويحسن ما يقبحه العقل ما دام الأمر ليس منه وليس من حكم العقل؟ أين تكون إرادة الله؟ ألا يعتبر ذلك طعنًا في إرادة الله وتشكيكًا في مرادها؟ وما القول في ضعاف العقول؟ وكيف تعمل إرادة الله في العقول؟ وكيف تعمل إرادة الله في العقول الضعيفة؟ ولماذا لم تقوَ عليها فتصححها إذا ما اعتذر الإنسان بضعف العقل؟ وقد تكون الحكمة هي طريق الوجوب التي تجمع بين العقل والله. ولما كانت الحكمة تعبيرًا عن العقل يكون العقل طريق الجمع بين نفسه وبين الله، ويكون هو المقياس وهو أحد الطرفين في نفس الوقت ينال الثلثين والله الثلث.٣١
وقد تأتي حلولٌ وسطٌ أخرى عن طريق إيجاد وظيفةٍ أخرى للشرع غير وظيفة العقل، فلا تتنازع الاختصاصات، ويبقى تقسيم العمل بينهما. وعلى هذا النحو قد تكون مهمة الشرع الإخبار لا الإثبات، والإعلام لا التقنين.٣٢ وقد يقتصر دور الله على فعل الأسماء لا الأشياء. فالله له اللفظ، والإنسان له الشيء، والمعنى مناصفةً بينهما. ولكن تظل الأشياء لُبَّ الألفاظ وجوهرها.٣٣

(٢) إثبات العقل

ولا يحتاج العقل إلى إثبات؛ فهو بديهية لا ينكرها أحد حتى ألدُّ أعداء العقل. معرفة الحسن والقبح إذن معرفةٌ بديهيةٌ عقلية وليست مجرد ظن أو اعتقاد، مثل المعارف الرياضية، فالاثنان أكثر من الواحد قضية صحيحة مثل أن الظلم قبيح. وسواء كانت معرفة الحسن والقبح بديهية أو نظرية، ضرورية أو استدلالية، فطرية أو مكتسبة، فكلاهما معرفةٌ عقليةٌ بديهية أو تستند إلى بديهية يجتمع عليهما كل العقلاء اضطرارًا. وكلاهما معنًى، ولا فرق بين غياب المعنى ووجود اللامعنى أو وجود معنًى غير معقول؛ إذ إن إثبات معنًى بلا موقف وقوع في التجريد ونسيان للإنسان.٣٤
والحجج لإثبات الحسن والقبح العقليين كثيرة من طبيعة العقل والمعقول وباتفاق العقلاء على حقائقَ عامةٍ واحدة لا تختلف من فرد إلى فرد أو من زمان إلى زمان أو من مكان إلى مكان. الحسن معياري لا يتغير من فردٍ عاقل إلى فردٍ آخر عاقل. واعتقاد المجبرة حسن القبح لا ينفي قبحه لأنه خطأ في المعرفة. واختلاف القبيح بالنسبة إلى العادات لا يعني عدم وجود القبح المعياري؛ فالمعيار أساس الحكم.٣٥ والحسن الخلقي غير الحسن الجمالي في الفن أو في الطبيعة؛ الحسن الخلقي معياريٌّ موضوعي والحسن الجمالي ذوقيٌّ نسبيٌّ ذاتي. وفرق بين القبح الخلقي والقبح الجمالي. القبح الخلقي موضوعي، قبح معياري يعلم باضطرارٍ عقلاني، في حين أن القبح الجمالي ذاتي يختلف باختلاف حال الفرد وباختلاف أذواق الأفراد سواء كان ذلك في مجال الفن أم في مجال الطبيعة. ولا قبح في الطبيعة إلا من حيث وجود الإنسان فيها؛ فالأكوان والاعتمادات والتآليف ليس فيها قبح، وإنما تقبح لكونها عبثًا أو ظلمًا أو مفسدةً.٣٦ إن اختلاف الناس على بداهات العقول لا يقدح في هذه البداهات نفسها، بل يعني عدم إحكام في استخدام العقول أو أن البداهة المتنازع عليها ليست من أوليات العقول، بل ما زالت أهواء أو مصالح أو آراء أو انفعالات أو منازع.٣٧ إن هدم العقل بحججٍ جدلية لا يقضي على بداهته؛ فالحجة الجدلية القائمة على القسمة العقلية لا تثبت شيئًا لعيوب في المنهج الجدلي ذاته، مثل احتمال كون القسمة غير جامعة ولا مانعة أو عدم التوازي بين القسمة العقلية وجوانب الشيء أو استعمال الخصم للمنهج نفسه، كما أن نفي المعارض العقلي لا يعني إثبات الشيء.٣٨
وبالإضافة إلى الحجج الجدلية السابقة دفاعًا عن العقل وردًّا على الاتهامات له، هناك حجتان إيجابيتان رئيسيتان؛ الأولى وجود حقائق عامة يجتمع عليها كل العقلاء وأمور يتفق عليها كل الناس، ليس فقط بحكم العادة وميل الطباع إلى اللذات ونفورها من الآلام، بل كحقائقَ بديهيةٍ عامة تكشف عن وجودٍ موضوعي للقيم ولأحكام السلوك العامة. لا خلاف بين العقلاء وإن جاز فإنه إنما يرجع إلى قلة العدد أو إلى قبيل الهوى، ولكن الحقائق متفق عليها على عكس السوفسطائيين ومنكري الحقائق. يختار الإنسان الحسن ويترك القبيح لذاتهما بصرف النظر عما ينتج عن ذلك من جلب المنافع ودفع المضار. يعرف ذلك العقلاء والصبيان دون ما حاجة إلى شرع. ويستطيع الخاصة الوصول إلى ذلك إن لم تستطع العامة الوصول إليه. فاتفاق العقلاء على حقائقَ بديهيةٍ يوجب الملاءمة والمنافرة والكمال والنقص، ويدل على بداهة هذه الحقائق وإلا أصبح السلوك الأخلاقي نفعيًّا أو ذاتيًّا صرفًا وهدم الأساس الموضوعي له.٣٩ والثانية أنه إذا ما تساوى الصدق والكذب كطريقين للوصول إلى هدف، فإن الإنسان إلى الصدق أقرب دون أي فرض من نفع أو كسب أو دفع ضرر؛ نظرًا لحسن الصدق وقبح الكذب. وبالرغم من أن هذه الحالة قد تكون افتراضية خالصة، إذ لا يتساوى الحسن والقبح تمامًا، إلا أن الحسن يكون باستمرار أقرب إلى الباعث الأقوى. بل إنه في حالة غلبة القبح فإنه يمكن للحسن أن يغلب بإرادةٍ أقوى والعود إلى الذات والقدرة على تجاوز الظرف المادي وممارسة الحرية في الموقف من أجل تغييره والإفلات من حصاره وضغطه. وعلى هذا النحو ينقلب الحسن إلى القبح بالعود إلى ممارسة الحرية الأولى التي منها انبثق الحسن والقبح أول مرة. إن إمكانية التمييز بين الحق والباطل، وبين الصدق والكذب يثبت موضوعية القيم واستقلال المعاني وشمولها وإمكان الحكم والاختيار.٤٠ وعند استواء الطرفين ينزع الشعور إلى صفةٍ موضوعية في الشيء يدركها العقل إدراكًا حدسيًّا. لا يعني استواء الطرفين إذن ضياع الصفات الموضوعية في شيء، بل اختيار الإنسان الحر بين الخير والشر.
والعقل قادر على احتواء كل ما يعرض للإنسان من مواقف وسدِّ حاجاته؛ فهو ذاتٌ عاقلٌ قادر على التمييز بين الأشياء. لديه قواه مثل التذكر والتخيل والتفكر، يعتمد عليها في سعادته. قد تشتد فيلتذُّ الإنسان بالذاكرة أو بالخيال أو بالفكر، وقد تضعف هذه القوى فتؤثر في قدرة الإنسان على الإدراك فيختلف الناس في تمتعهم بها وفي إدراكهم للأشياء. إن إثبات أن حقائق العقل مطلقة وعامة وشاملة لا ينال من الله شيئًا؛ فالله هو الإطلاق والشمول، وهو القانون وهو العقل. بل إن هذه الحقائق العقلية العامة الشاملة لأحد مظاهر الوجود الإلهي في الحياة الإنسانية وأحد الأدلة عليه. بل يمكن القول إن صفات الله العامة المطلقة الشاملة هي نفسها هذه الحقائق الإنسانية العامة؛ وبالتالي فإن إنكار الحسن والقبح العقليين إنكار لصفات الله.٤١
إن الإعلاء من سلطان العقل ليس أثرًا خارجيًّا، بل من طبيعة العقل وحكمة الشرع، وإلا كان كل شيءٍ حسن فينا وافدًا من الخارج، وكل شيءٍ سيئ فينا نابع من الداخل. وشتان بين مصادر المعتزلة في العقل ومصادر الدهرية والمنانية والبراهمة. وإن كان هناك اتفاق في العقل فالطبيعة البشرية واحدة والروح الإنسانية واحدة.٤٢

(٢-١) إثبات العقل قبل السمع

والعقل قادر قبل السمع على الحكم، وقادر على أن يكشف الواجبات العقلية مثل تعلق الأفعال بالمدح والذم والثواب والعقاب، أي قانون الاستحقاق وشكر المنعم. كما يمكن للعقل إدراك صفات الأفعال إدراكًا مستقلًّا عن أي ثواب أو عقاب خارج الأفعال ذاتها وإدراك النتائج المترتبة عليها وأثرها في توجيه الواقع وإعادة بنائه. وقد كانت الأخرويات آخر مكتسبات الفكر الديني كما كان أولها التوحيد كما هو واضح في تطور الوحي وتاريخ النبوة.٤٣ وقد يصل الأمر إلى حد جعل التقصير في المعرفة يستوجب العقوبة وكأن هناك تكليفًا عقليًّا قبل التكليف الشرعي. وإذا كانت صورة العقوبة وشكلها بمعنى التخليد بالنار لا تعرف إلا بالسمع إلا أن الجزاء على الأفعال يُعرف بالعقل مثل وجوب الشكر. وقد يكون الجزاء في مرحلة ما قبل السمع نتائج الفعل في الطبيعة وأثره في العالم، أي الجزاء الدنيوي قبل أن يُضاف إليه الجزاء الأخروي. وإذا كان شكل المعارف النظرية بعد السمع هو معرفة الله ذاته وصفاته وأفعاله أو الشرائع العملية وطرقها مثل الصلاة والصوم والحج، فإن المعارف الخلقية والاجتماعية القائمة على المصلحة والمفسدة يمكن إدراكها بالعقل قبل السمع، ما يجب وما لا يجب، الحسن والقبح، وهما أساس الشرائع البدائية. قد تختلف وتتطور طبقًا لرقي الوعي الإنساني حتى تتحد بالأحكام الشرعية وتصبح أساسًا عقليًّا وطبيعيًّا للحلال والحرام، للواجب والمحظور. ومهما تغيرت الأحكام والأشكال والتصورات والقوانين فستظل مقولتا الحسن والقبح قائمتَين كمقولتَين فطريتَين عقليتَين طبيعيتَين. وإن أمكن عذر الإنسان في عدم معرفة الله المعرفة النظرية المفطورة فإنه لا يُعذَر إذا ما جهل الله على الإطلاق في أشكاله البدائية الأولى. إن لم يكن العقل قادرًا على إدراك المعارف النظرية أو التشريعات العملية، فإنه قادر على إدراك الحقائق الأخلاقية والاجتماعية؛ لذلك لا يهم إذا كان العقل لا يدرك الذات المجرد أو عدد الركعات والسعي بين الصفا والمروة وتحميل العاقلة الدية دون القاتل فهي تشريعات تتدخل فيها العادات والأعراف والتقاليد. أمَّا الحكمة منها فيمكن إدراكها بالعقل قبل السمع وإن تفاوتت الأشكال والرسوم قبل السمع وبعده.٤٤
لم يكن العقل قبل ورود الشرع صفحةً بيضاء، بل كان قوةً قادرة على التمييز بين الأشياء. وكان غرض الوحي منذ بدايته إلى نهايته كمال العقل. العقل قادر على معرفة الأشياء بلا شرع. والمعرفة ليست غيبًا. الشرع مقرِّر ومُثبِت لحكم العقل وليس بادئًا أو نافيًا له. أمَّا أحكام العقل الصادرة عن عاطفة تطهر مثل تحريم إيلام الحيوان، فليست صادرة عن طبيعة العقل بل عن مزايدة في الموقف الإنساني الوجداني، ووقوع في الإنسانية الفارغة ووضع الإنسان على مستوى الطبيعة وليس سيدًا لها. لقد تنازع الناس في أمورٍ معقولة قبل ورود الشرع، وانتهوا إلى أحكامٍ عقلية. وإلا فكيف كان يحكم القاضي قبل الشرع بين المتخاصمين؟ وفيمَ كانت القوانين القديمة؟ ألم يدخل كثير من القوانين القديمة في الشرائع الإلهية إمَّا تمثيلًا لعدالتها أو إقرارًا للأعراف السائدة؟٤٥ إن الجدل الذي قام حول القيم قبل ورود الشرع يثبت موضوعيتها. هناك حقائقُ عقليةٌ عامة يدركها العقل دون ما حاجة الشرع، مثل استحالة الشرك وكل صفات النقص في الكمال. وإذا كانت المعرفة النظرية الخالصة لا يقدر عليها إلا العقلاء، فإن الصور الفنية إحدى وسائل التعبير عن الأحوال النفسية والظروف الاجتماعية التي تفرض أشكالها من تأليه وتجسيم وتشبيه إذا كان التنزيه أعلى مراحل التجريد والعقلانية في المعارف النظرية الخالصة.٤٦ ولكن المعارف النظرية الخالصة ليست شرطًا للمعارف الخلقية العملية؛ تحتاج الأولى إلى عقلٍ خالص، بينما تقوم الثانية على صدق النية وحسن الطوية.٤٧ وإذا كان العقل قادرًا على أن يصل إلى كل المعارف والحقائق حتى قبل أن يبلغه السمع، فعليه الحجة ومطالَب بالبرهان سواء بلغتْه الرسالة أم لم تبلغه. إن ما يعلمه العقل اضطرارًا لا يفتقر إلى سمع، كالعلم بقبح الظلم وقبح الكفر بالنعمة، ووجوب الإنصاف والشكر. ما دل عليه مدلول من جهة العقل لا يفتقر إلى سمع؛ وإلا لافتقر السمع إلى سمع إلى ما لا نهاية، وبالتالي لن يثبت شيء بالعقل. السمع دليلٌ خارجي في حين أن العقل دليلٌ داخلي.٤٨ المكلف هو العامل، سواء بلغته دعوة الرسل أم لم تبلغه. فالإنسان مطالب بالمعارف العقلية حتى لو عاصر النبوة، ولكن لم تبلغه الدعوة. فهو معذور بجهله بالرسل والشرائع، أمَّا الذي جهل التوحيد والعدل فإنه كافر معاقَب وكأن أحكام الإيمان والكفر تصدر على أصولٍ نظريةٍ خالصة وليس على الأفعال المترتبة عليها، الفردية والاجتماعية، وكأن الجزاء الأخروي هو الشكل الوحيد للنتائج المترتبة على الفعل دون أثرها في الدنيا ونتائجها المباشرة في سلوك الناس.٤٩ وقد يصل الأمر إلى حد التبليغ فقط دون البرهان وكأن الإعلان عن النبي كافٍ لتصديقه.٥٠ وكيف يكون الخبر بديلًا عن العقل؟ قد يصدق الخبر ويكذب. كما أنه يعتمد على الفهم والتأويل وتصديق الراوي للخبر مصدر المعرفة، وينتج عنه التكليف بالشرائع بالضرورة، سواء حمل هذا الخبر تشريعًا أم لم يحمل.٥١ والشرع له أسسه الموضوعية بصرف النظر عن الشارع والمبلغ. فعندما تحول الجماعة الشرع إلى دافع تفرز الجماعة من بينها المنظِّر والقائد، ويكون التنظير والقيادة جماعية. فإن كان التكليف عقلًا وشرعًا، فإنه في هذه الحالة لا يستقل العقل ويصبح أيضًا مفعولًا به وليس فاعلًا. فإذا كان الله هو الذي خلق وهو الذي ركَّب وهو الذي هيأ وأعطى الوسائل وهو الذي ساعد، فماذا يبقى للعقل؟٥٢ والعجيب أن الصوفية والأشاعرة والفقهاء وكل أعداء العقل يثبتون العقل قبل البعثة ويجعلونه متزامنًا مع الخلق، ومع ذلك ينكرون عليه استقلاله في معرفة الحسن والقبح كما ينكرون على الإنسان خلق الأفعال.٥٣
والعقل هو الذي يميز الإنسان عن الحيوان. ومن لم يُعرف بالعقل أصبح كالحيوان خادمًا للإنسان العاقل لا حرج عليه ولا تثريب، ولا ثواب ولا عقاب في الآخرة! العقل إنسانيٌّ خالص، ملكةٌ إنسانية وقوةٌ بشرية لا تُعطى إلى الحيوان إلا إسقاطًا من الإنسان ووهمًا؛ لذلك فإن الأفعال الحرة وحدها هي التي توصف بالحسن والقبح لا الأفعال الاضطرارية أو أفعال الصبيان والمجانين أو أفعال الحيوان والنبات والجماد. الفعل لا يكون فعلًا عاقلًا إلا إذا كان فعلًا حرًّا. ولو كان الحيوان حرًّا فإنه لا يكون مكلفًا لأنه غير عاقل، فشرط التكليف الحرية والعقل.٥٤ والعقل هو العقل الكامل القادر على العلم. وعلمه نوعان: علمٌ اضطراريٌّ ناشئ من طبيعة العقل وعلمٌ كسبيٌّ ناشئ من الحواس والتجربة والمشاهدة. وقد يدخل الخاطر في تحديد كمال العقل، وهو عمل العقل المولد للأفكار، العقل المعبر عن الشعور الخلاق. قد يكون كمال العقل هو الاضطرار إلى علوم الدين؛ لأنها لا تفهم إلا بالعقل. وسلامة العقل دليل البلوغ. لا يهم بعد ذلك تحديد العمر العقلي كما هو الحال عند الفقهاء، سلامة العقل عند الاحتلام أي البلوغ العضوي؛ لذلك لا يصح إسلام الصبي أو كفره لأنه في مرحلة ما قبل البلوغ. كما أن تحديد العقل تحديدًا كميًّا بعدد السنين تحديدٌ خارجيٌّ خالص. كمال العقل صفةٌ كيفية لا تحدد إلا كيفًا. يكمل العقل باستقلال الشعور ووعيه. وقد يختلف العمر الزمني من فرد إلى فرد، ومن حال إلى حال، ومن جماعة إلى جماعة، ومن عصر إلى عصر. فهو عامل فردي أكثر منه تحديدًا موضوعيًّا بالرغم من وجود عواملَ موضوعيةٍ تؤهل للوعي وإن لم تحتم ظهوره مثل التعليم والحوار وممارسة الرأي والمشورة والعمل الجماعي. يكفي للآخرين التحقُّق من صدقه بالمراجعة والتحقيق، ويمكنهم المعارضة والإثبات؛ منهج العقل إذن منهجٌ عام يمكنه ضم الفكر البشري.٥٥ العقل هو كل شيء؛ الحس والمشاهدة والإدراك والإحساس الداخلي ومشاهدة الوجدان ومجرى العادات واستقراء الحوادث.٥٦ إذا عمل العقل في الطبيعة وحلل ظواهرها فإنه لا بد وأن ينتهي إلى ما جاء به السمع.٥٧
لذلك كانت الأفعال قبل الشرع على الإباحة طبقًا للقاعدة الشرعية في أن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص بتحريمها.٥٨ وكان الناس قبل الشرائع على حكم العقل أي على البراءة الأصلية ومحبة الأشياء الطبيعية. الأفعال قبل اكتمال الوحي على الإباحة إن لم يرد فيها شرع، ولكن بعد اكتمال الوحي تكون الأفعال طبقًا لأحكام العقل وقوانين الطبيعة. قبل الوحي كان يمكن للعقل أن تسوده الأهواء والانفعالات وللطبيعة أن تسودها قوةٌ خارجية عنها، ولكن أحكام العقل وقوانين الطبيعة ثابتة منذ اكتمال الوحي. ليس وجوب العقل مساومة على الشرع في أنه لا يجب شيء من قبل العقل في مقابل أنه لا يجب شيء قبل ورود الشرع، وكأن الله يدخل في مساومة مع الإنسان، لا يوجب العقل على الأوَّل شيء ولا يوجب الشرع على الثاني شيء قبل وروده.٥٩ وهنا يبرز سؤال: ماذا كانت ديانات الأنبياء قبل نبواتهم؟ هل كان كل نبي على دين النبي الذي قبله قبل أن تأتيه النبوة الجديدة؟ هل كان على دين إبراهيم؛ الحنيفية السمحة التي أكملها الإسلام؟ هل كان على دين العقل؟ أم هل كان على البراءة الأصلية على الفطرة والطبيعة؟ والحقيقة أن هذا سؤال ليس مجرَّدًا، بل ينطبق على كل حالة على حدة. كان أنبياء بني إسرائيل على دين الأنبياء السابقين. ولا تنشأ إلا مشكلة آدم على أي دين كان قبل أن يبلغه الله الرسالة؟ فإذا كان آدم منذ وجوده في الأرض قد تلقَّى الوحي تكون النبوة معاصرة لوجود الإنسان. أمَّا خاتم الأنبياء فقد كان على دين أبي الأنبياء إبراهيم، وهو دين العقل والطبيعة والفطرة.٦٠

(٢-٢) إثبات العقل بعد السمع

والحقائق العقلية هي أساس الحقائق الشرعية، وإن إبطال الأولى يرفع الثانية. وموضوعية القيم سابقة على حكم الشرع. وما حكم الشرع إلا تأييد لها وتقوية للبواعث الإنسانية وتحويل لها إلى دوافع للسلوك ومقاصد وأهداف. العقل ضروري لفهم النقل، وإلا نزل النقل على خواء وهبط الوحي إلى فراغ. معرفة صحة السمع متوقفة على العقل. وما تفتقر صحة السمع إليه لا يجوز أن يحتاج فيه إلى سمع لأنه يؤدي إلى الدور؛ وبالتالي إلى إبطال الاثنين. وإن إثبات العلوم الضرورية سمعًا تناقض لأن العقل مكتف بذاته ولا يمكن إثباته إلا بالعقل. فلا يمكن معرفة صحة الكتاب والسنة إلا مع العلم بأن الله حكيم لا يفعل القبيح، وذلك لا يُعرَف إلا عقلًا. يمكن معرفة الله إذن بالعقل دون السمع. وهناك الدواعي مع النظر والخواطر؛ لذلك كان النظر أول الواجبات.٦١ أمَّا المعجزة فهي تصديق لا تصور، والنظر في صدق النبي متوقِّف على العقل؛ إذ إن العقل شرط صحة السمع، وذلك يوجب كون العقل مستقلًّا بذاته دون سمع، وليس في حاجة إلى كرم لطف أو بيان مصلحة. لو لم يكن الواجب عقلًا لزم إفحام الأنبياء الذين يعتمدون على البرهان والعقل. فصدق النبوة ليس بالمعجزة الخارجية بل بالبراهين الداخلية، كما أن جلب المصالح ودرء المفاسد وهو أساس الشريعة من استنباط العقل.٦٢ بل إن قانون الاستحقاق ذاته الذي تترتب عليه أمور المعاد من وضع العقل.٦٣
إن معرفة النقل قائمة على معرفة العقل ووجوب النظر. وإن إيجاد الأدلة والبراهين لا يعني الاعتماد على العقل، بل هو بحث عن أساسٍ عقلي للنص. وفي الغالب ما يكون أساسًا خطابيًّا انفعاليًّا تصويريًّا في حاجة إلى نقدٍ عقلي للنص حتى يتحول إلى برهانٍ محكم. ومثال ذلك دليل الحدوث ودليل التمانع ومعظم الأدلة التي صاغها الأشاعرة. يمكن معرفة القانون العام من الوحي ومن العقل على السواء. ولكن نظرًا لأن معرفة الوحي قد تتغير بفعل النسخ؛ فتظل المعرفة العقلية قائمة وثابتة، فهي الضابط والمحك والمقياس. وإذا ما ورد دليل الشرع في ظاهره مخالفًا لدليل العقل فإنه يتم تأويله؛ فالعقل أساس السمع، ولا يجوز وقوع تناقض بينهما.٦٤ إذا تعارض النقل والعقل فإنه يمكن حل هذا التعارض بالتأويل، إمَّا تأويل النصوص بعضها بالبعض أو تأويلها جميعًا بحيث تتفق مع العقل على ما هو معروف في علم أصول الفقه في باب «التعارض والتراجيح».٦٥ وإذا ثبت شيء بالسمع فإنه يجوز من جهة العقل؛ فالعقل أساس النقل. وتظل الحجة النقلية ظنية ما لم تؤيدها حجةٌ عقلية ولو واحدة طبقًا لنظرية العلم الأولى.٦٦ أمَّا عندما يكون النقل أساس العقل فإن تطابقهما يتم لحساب النقل أو يأتي اليقين من النقل ويفترض تطابق العقل معه، في حين أن النقل لا يعطي اليقين بمفرده. إذا كان النقل أساس العقل فأين بداهات العقول وأولياتها؟ وماذا عن نظرية العلم التي ظهرت فيها أوليات العقل كإحدى ركائزها؟ وكيف يمكن الاستدلال والمحاجة دون أوليات العقول؟٦٧
وعلى هذا النحو، وطبقًا لبناء العقل، يمكن تحديد الصلة بين العقل والسمع في الأفعال. فالواجب بالشرع هو الحسن بالعقل، والمحرم بالشرع هو القبيح بالعقل. ولا يمكن أن يكون الواجب بالشرع قبيحًا بالعقل أو أن يكون المحرم بالشرع حسنًا بالعقل. أمَّا المباح فإنه يلتقي فيه العقل والشرع معًا. وقياسًا على ذلك أيضًا يمكن إدخال المندوب والمكروه في البناء النظري. ونظرًا لأنه لا توجد إلا مقولتا الحسن والقبح المطلقتَين، فإنه يمكن ضم الحرية إلى العقل، وبالتالي يتوحد شقا أصل العدل. وفي هذه الحالة يكون المندوب بالشرع حسنًا بالعقل اختيارًا، ويكون المكروه بالشرع قبيحًا بالعقل اختيارًا. لا يوجد واجب بالسمع يكون قبيحًا في العقل ولا محظور في السمع يكون حسنًا في العقل. ولا يكون مندوب في السمع قبيحًا في العقل ولا مكروه في السمع حسنًا في العقل. ولا يوجد مباح في السمع يكون قبيحًا في العقل لأنه في حالة استواء الطرفَين في الحسن والقبح يكون الفعل إلى الحسن أقرب. وفي حالة استواء الطرفَين في الضرورة والاختيار يكون الفعل أقرب إلى الطبيعة والبراءة الأصلية.٦٨
وقد أُسيء فهم هذا العمل العقلي في النص، واتهم بأنه تأويل، أي إخراج النص من معناه الحقيقي إلى معنًى مجازي بلا دليل، في حين أن هذا العمل العقلي في النص عملٌ طبيعي لإيجاد المعنى وتحويل النص إلى اتساقٍ عقلي ثم توجيهه إلى إحدى وظائفه وهو التأثير على النفوس بعد تحويل المعاني إلى بواعث. وهو ضروري أيضًا لإيجاد نسق لأحكام الشرع وتأسيس النقل على العقل حتى يكون الإنسان صاحب موقفٍ عقلاني في العالم وفي نفس الوقت تكون أفعاله تحقيقًا طبيعيًّا وعقلانيًّا لأحكام الشرع. والتأويل كعمل للعقل لا يكون تقليدًا للقدماء واعتمادًا على الروايات، بل بناء على العقل الخالص. ولا يخرج عن السنة، بل يوصل مراحلها ويجعلها مستمرةً متصلة بلا انقطاع. وليس جرأة على الله، بل اعتزاز بخلقه، فالله ليس إرهابًا للعقل وإيحاءً له بالقصور وعدم الفهم والعجز حتى يستسلم، وهو مناط الاجتهاد، والاجتهاد أصل الشريعة. وهو ليس تحكيمًا للهوى بل يقوم على قواعدَ عقليةٍ محكمة كما هو الحال في قواعد الاجتهاد في علم الأصول.٦٩

(٢-٣) ما هو دور السمع؟

إن القول بالمعارف العقلية ليس إنكارًا للنبوة، أو إقلالًا من شأن السمع، أو خروجًا على الرسول، أو تحكيمًا للهوى مكان الوحي، أو قولًا بالقياس في مقابل النص أو بالرأي في مقابل الأمر؛ فالعقل هو الموضوعية والنزاهة في مقابل الهوى والتحيُّز.٧٠ ومِنْ ثَمَّ يكون من الخطأ تسمية القائلين بالمعارف العقلية منكري النبوات. فإمكانيات العقل البشري في الإدراك ومعرفة الحقائق لا تنفي وجود السمع كواقعٍ تاريخي وكإمكانيةٍ نظرية.٧١ السمع تأييد للعقل وتقوية ليقينه وزيادة للثقة به. الشرع تأكيد للعقل وتقوية له وإعطاؤه مزيدًا من اليقين؛ ومن هنا تأتي نظرية اللطف وقسمة الناس إلى خاصة وعامة. فإن لم يحتج الخاصة إلى السمع نظرًا في المعرفة أو عملًا في الممارسة الحرية، فقد تحتاجه العامة في إدراكها للحقائق وكتقوية لعزائمها. للسمع إذن وظيفةٌ معرفيةٌ نظرية في إعطاء افتراضاتٍ سابقة للبرهنة عليها مع يقينٍ مسبق بصحة الافتراض وتوجيه العقل لصحة البرهان. قد يكون مقياسًا إذا ما اختلف العقلاء، وحَكمًا بين الخصوم. قد يكون تأكيدًا وتثبيتًا لحكم العقل منعًا للشك وتأسيسًا لليقين في مقابل الخطأ الإنساني والتردد والتقلب بين وجهات النظر. قد يعطي الوصف الكامل ووجهة نظر شاملةً متكاملة في مقابل التجزئة الإنسانية والتيه في المتناهيات في الصغر وفقدان النظرة الكلية. قد يساعد السمع على تقصير مدة البحث بالتوجُّه مباشرةً نحو الافتراض الأقرب إلى التحقيق بدلًا من تبدُّل الافتراضات مراتٍ عدة، وقد لا يقع الناظر على الافتراض الصحيح. قد تكون مهمة السمع عمليةً صرفة؛ توجيه الإنسان إلى العمل وتقصير مدة البحث النظري عن الأسس العامة حتى يخصص باقي الوقت للتفصيل وباقي العمر للتحقيق. ودور السمع تشريعي وإن لم يكن معرفيًّا، عملي وإن لم يكن نظريًّا.٧٢

وكما أن السمع محكوم من العقل من أعلى، فإنه أيضًا محكوم من الواقع من أسفل. وكما أن النقل مؤسس في العقل فإنه أيضًا مؤسس في الواقع؛ ومِنْ ثَمَّ تكون صلة التأسيس بين أطرافٍ ثلاثة: النقل والعقل والواقع. كان الوضع التقليدي للمسألة هو العقل والسمع، موضوع ذو شقين. وكان السؤال أيهما الأساس وأيهما المؤسس؟ هل السمع أساس العقل أم هل العقل أساس السمع، وكأن العلاقة هي علاقة أدنى بأعلى وأعلى بأدنى، علاقة تابع بمتبوع أو متبوع بتابع، علاقة مرءوس برئيس أو رئيس بمرءوس، علاقة فرع بأصل أو أصل بفرع، وهي العلاقة الشائعة في علم أصول الدين، بل وفي التراث كله، سواء في الحكمة علاقة الطبيعيات بالإلهيات وعلاقة الإلهيات بالطبيعيات أو في التصوف، علاقة المخلوق بالخالق أو علاقة الخالق بالمخلوق أو في علم أصول الفقه، علاقة الفرع بالأصل وعلاقة الأصل بالفرع كما هو الحال في القياس الفقهي.

والحقيقة أن العلاقة بين السمع والعقل هي علاقة اتحادٍ كامل أو حتى لا علاقة بالمرة لغياب طرفَين متمايزَين منفصلَين؛ فالعقل هو السمع، والسمع هو العقل. تحليل العقل يؤدي إلى اكتشاف أوليات السمع، وفهم السمع يؤدي إلى اكتشاف المبادئ الأولية للعقل والحقائق الثابتة في الحياة الإنسانية. العلاقة هي علاقة الحدس بالبرهان، وكلاهما من عمل العقل، علاقة الافتراض بالقانون وكلاهما من عمل العقل، علاقة النظر بالعمل وكلاهما من عمل الإنسان.٧٣
والحقيقة أيضًا أن هناك طرفًا ناقصًا في هذه العلاقة الثنائية في معادلة العقل والنقل، وهو الواقع محك التفسير والذي إليه يحتكم الطرفان السابقان. فالواقع هو عنصر التوحيد بين النقل والعقل. لا يفسر النقل إلا باللجوء إلى الواقع، فقد خرج النقل منه بدليل تطور الوحي وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ. وفي علم أصول الدين تسبق نظرية الوجود نظرية الذات والصفات والأفعال، أي أن العالم سابق على الله في البحث والتأصيل. وفي علوم الحكمة تسبق الطبيعيات الإلهيات. وفي علم أصول الفقه تقوم الشريعة على تحقيق المقاصد، جلب المنافع ودفع المضار. وفي علوم التصوف يتجلى الحق في الخلق والله في العالم؛ ومِنْ ثَمَّ يحضر الواقع في بطن النص وقلبه، ووظيفة العقل إيجاد الوحدة بينهما، الوحدة بين المضمون والشكل، فالواقع هو المادة والنص هو الصورة.٧٤
١  يطلق الحسن والقبح على ثلاثة معانٍ؛ بمعنى صفة الكمال والنقص كالعلم والجهل، وبمعنى ملاءمة الغرض وعدمها كالعدل والظلم، والحسن والقبح بهذين المعنيين لا نزاع في أنهما عقليان يدركهما العقل ويستقلُّ بإدراكهما ورد الشرع أم لا، والثالث عند الأشاعرة حكم للعقل قبل ورود الشرع، فما ورد به الأمر فهو حسن وما ورد النهي عنه فهو قبيح من غير أن يكون للفعل جهةٌ محسنة في ذاته ولا بحسب جهاته واعتباراته، حتى لو أمر بما نهى عنه صار حسنًا وبالعكس. وعند المعتزلة للفعل جهة محسنة أو مقبحة في حكم الله يدركها العقل إمَّا بالضرورة كحسن الصدق النافع وقبح الكذب الضار، أو بالنظر إلى حسن الكذب النافع أو قبح الصدق الضار. والفرق بين المذهبين أن الأمر والنهي من موجبات الحسن والقبح، أي إن الفعل أمر به فحسن ونهي عنه فقبيح، وعندهم الحسن والقبح من موجبات الأمر والنهي. والأمر والنهي كاشفان حسنًا وقبحًا سابقين حاصلين في الفعل، إمَّا لذاته وإمَّا لجهةٍ لازمة لذاته (التحقيق، ص١٤٢-١٤٣). الحسن والقبح عند الأشاعرة شرعيان وعند المعتزلة عقليان (حاشية الكلنبوي، ص٢١١)؛ شرعي عند الأشاعرة، عقلي عند المعتزلة (المحصل، ص١٤٧). وهذا المعنى الثالث هو محل النزاع، فهو عند الأشاعرة شرعي؛ ذلك لأن الأفعال كلها مستوية في أنفسها وإنما صارت حسنة أو قبيحة بواسطة أمر الشارع ونهيه، حتى قال إمام الحرمَين: ليس الحسن زائدًا على ورود الشرع، موقوفًا إدراكه عليه بل هو نفس ورود الشرع بالثناء على فاعله. وكذا القبيح عند الحنفية والمعتزلة عقلي فإن للعقل جهةً محسنة ومقبحة وقد تدرك بالضرورة وقد تدرك بالنظر (الدر، ص٤٩).
٢  عند الأشاعرة الحسن والقبح شرعيان (التحقيق، ص١٤٢). ليس في ذواتها جهةٌ محسنة أو مقبحة يدركها العقل بدون الشرع، بخلاف المعتزلة. الأمر والنهي هما موجبات الحسن والقبح. الحسن ما حسنه الشرع على نفس حكم العقل في الحسن والقبح بمعنى مدار الثواب والعقاب يأباه ويقتضى أن الحسن ما دل على وجود الثواب فيه ولا ثواب في فعل الله ولا في المباح (حاشية الكلنبوي، ص١٣، ص٢١٥). الفعل لا يدل على حسن شيء ولا قيمة في حكم التكليف وإنما يتلقى التحسين، والتقبيح من موارد الشرع وموجب السمع (الإرشاد، ص٢٥٨). وإطلاق الأصحاب وما الحسن والقبيح إلا ما حسنه الشرع أو قبحه فتوسع في العبارة أو لا سبيل إلى جحد أن ما وافق الغرض من جهة العقول وإن لم يرد به الشرع المنقول يصحُّ تسميته حسنًا كما يُسَمَّى ما ورد الشرع بتسميته حسنًا كذلك، وكذلك استحسان ما وافق الأغراض من الجواهر والأعراض وغير ذلك. وليس المراد بإطلاقهم أن الحسن ما حسنه الشرع أنه لا يكون حسنًا إلا ما أذن فيه أو أخبر بمدح فاعله، وكذا في جانب القبيح أيضًا (الغاية، ص٢٣٤-٢٣٥). أئمتنا تجوَّزوا في إطلاق لفظ فقالوا لا يدرك الحسن والقبح إلا بالشرع وهذا يوهم الحسن والقبح زائدًا على الشرع مع المصير إلى توقف إدراكه وليس يوهم الأمر كذلك، فليس الحسن صفةً زائدة على الشرع مدركة به، وإنما هو عبارة عن ورود الشرع نفسه بالثناء على فاعله وكذلك القول في القبيح. فإذا وصفنا فعلًا من الأفعال بالوجوب أو الخطر فلسنا نعني بما نبينه تقدير صفة للفعل الواجب يتميز بها عما ليس بواجب، وإنما المراد بالواجب فعله الذي ورد الشرع بالأمر به إيجابًا، والمراد بالمحظور الفعل الذي ورد الشرع بالنهي عنه حظرًا وتحريمًا (الإرشاد، ص٢٥٨-٢٥٩). والحسن منها برضاء الله والقبيح منها ليس برضائه (النسفية، ص١٠٣). لا قبيح بالنسبة إلى ذات الله فإنه مالك الأمور على الإطلاق يفعل ما يشاء ويختار لا لعلة ولا غاية لفعله، وأمَّا بالنسبة إلينا فالقبيح ما نهى عنه الشرع، والحسن ما ليس كذلك (الطوالع، ص١٩٥).
٣  انظر الفصل الثالث، نظرية العلم، ثامنًا: مناهج الأدلة: (١) نقد الدليل النقلي.
٤  (الفصل، ج٣، ص٩٣-٩٤). الحاكم بالحسن والقبح على ما حكم بكونه حسنًا أو قبيحًا أمَّا العقل أو الشرع لا محالة. فإن كان الحاكم هو العقل فلا محالة أن ما حكم العقل به من التحسين والتقبيح لو خلا ودواعي نفسه من مبدأ نشوئه إلى حين وفاته من غير الْتفات إلى الشرائع والعادات والأمور والاصطلاحيات والموافقات للأغراض والمنافرات لم يجد إلى الحكم الجزم بذلك سبيلًا. وإن لم يكن في الحكم بهذه الأمور به من النظر إلى ما قدرناه فهي لا محالة مختلفة بالنسبة والإضافة (الغاية، ص٢٣٦-٢٣٧؛ حاشية المرجاني، ص٢٠٩-٢١٠؛ حاشية السيالكوتي، ص١٧٧).
٥  فأي عقل يخاطر هذه المخاطرة، ويقتحم هذا الاقتحام، وإن رجعوا إلى عادات الناس في شكر المنعم والثناء على المحسن والتعبد للمالك والعباد للملوك أنها من مستحسنات العقول (النهاية، ص٣٨١-٣٨٢).
٦  وقال بعضهم: الظلم قبيح. ونسأل ما معنى الظلم؟ فلا يجدون إلا أن يقول: إنه قتل الناس وأخذ أموالهم وأذاهم وقتل نفسه أو التشويه بها أو إباحة حرمة للناس … وكل هذا فليس شيء منه قبيحًا لعينه. وقد أباح الله أخذ أموال قوم بخراسان من أجل ابن عمهم قتل في الأندلس رجلًا خطأً … ووجدناه أباح دم من زنى وهو محصن ولم يطأ امرأة قط إلا زوجة له عجوز شعرها أسود وطئها مرة ثم ماتت، ولم يجد من أن ينكح ولا من أن يتسرى وهو شاب محتاج إلى النساء وحرم دم شيخ زنى وله مائة جارية كالنجوم حسنًا إلا أنه لم يكن له قط زوجة! وأمَّا قتل المرء نفسه فقد حسَّن الله تعريض المرء نفسه للقتل في سبيل الله … ولو أمرنا بمثل ذلك لكان حسنًا … وأمَّا التشويه بالنفس فإن الختان والإحرام والركوع والسجود لولا أمر الله بذلك وتحسينه إياه لكان لا معنى له ولكان على أصولهم تشويهًا بها … فهذا من الله حسن ومن عباده قبيح لأن الله قبحه ولا مزيد لو حسنه لحسنه … فهل هناك قبيح إلا ما قبَّحه الله أو حسن إلا ما حسنه الله (الفصل، ج٣، ص٨١-٨٢). قبح بعض هذا النوع إذا قبحه الله وحسن بعضه إذا حسنه الله (الفصل، ج٣، ص٧٨). القبيح ما نهى عنه شرعًا والحسن بخلافه ولا حكم للعقل في حسن الأشياء وقبحها. وليس ذلك عائدًا إلى أمرٍ حقيقي في العقل يكشف عنه الشرع، بل هو المثبت له والمبين ولو عكس القضية لحسن ما قبحه لم يكن ممتنعًا وانقلب الأمر (المواقف، ص٣٢٣). في بيان أن العقل لا مجال له في أن يحكم في أفعال الله بالتحسين والتقبيح. يقدم الرازي حججًا ثلاثًا: (أ) الفعل الصادر عن الله إمَّا أن يكون وجوده وعدمه بالنسبة إليه سواء أو لا يكون، فإن كان الأوَّل بطل الحسن والقبح، وإن كان الثاني لزم كونه ناقصًا. (ب) وقت الحدوث إن كان مساويًا لسائر الأوقات بطل الحسن والقبح. (ج) علم من الكفار أنهم يكفرون فكان أمرهم بالإيمان محالًا فلا حسن ولا قبح (معالم، ص٨٥–٨٨).
٧  وقالوا تكليف ما لا يُطاق ثم التعذيب عليه قبيح في العقول جملة لا يحسن بوجه من الوجوه فلا يحسن من الباري أصلًا. ويُقال لهم: أليس قول القائل فيما بيننا أبعدوني واسجدوا لي قبحًا لا ويحسن بوجه من الوجوه ولا على حال من الأحوال، فلا بد من نعم، فيقال لهم وكذلك إنما يقبح مِنَّا تكليف ما لا يطاق والتعذيب عليه لأننا لا نستحق هذه الصفة (الفصل، ج٣، ص٨٣).
٨  وقال بعضهم الكفر قبيح على كل حال. وما قبح الكفر إلا لأن الله قبحه ونهى عنه، ولولا ذلك ما قبح. وقد أباح الله كلمة الكفر عند التقية وأباح بها الدم في غير التقية … لا كفر إلا ما سماه الله كفرًا ولا إيمان إلا ما سماه الله إيمانًا، وأن الكفر لا يقبح إلا بعد أن قبحه الله ولا يحسن الإيمان إلا بعد أن حسَّنه الله، فبطل كل ما قالوه في الجور والكفر والظلم وصحَّ أنه لا ظلم إلا ما نهى الله عنه ولا جور إلا ما كان كذلك ولا عدل إلا ما أمر الله به أو أباحه، أي شيء كان ولا ظلم في شيء من فعل الباري (الفصل، ج٣، ص٨٢-٨٣).
٩  يقول ابن حزم: «والقول الصحيح هو أن العقل الصحيح يعرف بصحته ضرورة أن الله حاكم على كل ما دونه وأنه غير محكوم عليه، وأن كل ما سواه مخلوق له، سواء كان جوهرًا حاملًا أو عرضًا محمولًا لا خالق سواه» (الفصل، ج٣، ص٧٧-٧٨). إن الله تعالى لا يجوز الحكم على أفعاله بما يحكم على أفعالنا لأننا مأمورون منهيون وهو آمرنا لا مأمور ولا منهي. فكل ما فعل فهو عدل وحكمة وحق وكل ما فعلناه إن وافق أمره كان عدلًا وحقًّا وإن خالف أمره كان جورًا وظلمًا (الفصل، ج٣، ص٩٤-٩٥). ليس للعقل حكم في حسن الأشياء وقبحها، وكون الفعل سببًا للثواب والعقاب فالحسن ما حسَّنه الشرع والقبح ما قبَّحه الشرع، وليس للفعل صفةٌ حقيقية أو اعتبارية ولو عكس لكان الأمر بالعكس (العضدية، ج٢، ص١٨١–٢١٧).
١٠  الله لا شرط عليه ولا علة موجبة عليه أن يفعل شيئًا ولا ألَّا يفعله وأنه لو أهمل الناس لكان حقًّا وحسنًا ولو خلقهم كما خلق سائر الحيوان الذي لم يلزمه شريعة ولا خطر عليه شيء. وأنه تعالى لو واتر الرسل والنذارة أبدًا لكان حقًّا وحسنًا لما فعله بالملائكة الذين هم حملة وحيه ورسله أبدًا، وأنه لو خلق الخلق كفَّارًا كلهم لكان ذلك منه حقًّا وحسنًا أو لو خلقهم مؤمنين كلهم لكان حقًّا وحسنًا كما أن الذي فعله من كل ذلك حق وحسن وأنه لا يقبح شيئًا إلا من مأمورٍ منهي قد تقدمت الأوامر وجوده وسبقت الحدود المرتبة للأشياء كونه. وأمَّا من سبق كل ذلك فله أن يفعل ما يشاء ويترك ما يشاء ولا مُعقِّب لحكمه (الفصل، ج١، ص٦١). وأمَّا أهل السنة فيقولون إنه فعال لما يريد، ليس من شأن فعله أنه يوصف بحسن وقبح، فكم من الناقصين يعدمهم قبل استكمالهم وكثير من المتحركين يحركهم إلى غير غايات حركاتهم! ولا يسأل في أفعاله لم وكيف؟ (شرح المحصل، ص١٤٩). فإن قالوا: إن العقول والذكاء وقبول العلم وذكاء الخاطر ودقة الفهم غير موهوبة من الله بل هي فعل الطبيعة، قلنا لهم: ومن خلق الطبيعة التي فعلت العقول؟ فإن قالوا الله؛ فهو موجِب الحياة. وإن قالوا لم تخلق الطبيعة؛ لحقوا بالدهرية (الفصل، ج٣، ص٩٣-٩٤).
١١  وقد بَيَّنَّا غلوَّ من ادعى في العقل ما ليس فيه، وبَيَّنَّا أن العقل لا يحكم به على الله الذي خلق العقل ورتبه على ما هو به (الفصل، ج٣، ص٧٩). وقد علم المسلمون أن الله عدل لا يجور ولا يظلم، ومن وصفه بالظلم والجور، فهو كافر، ولكن ليس هذا على ما ظنه الجهال من أن عقولهم حاكمة على الله في أنه لا يحسن منه إلا ما حسنت عقولهم، وأنه يقبح منه ما قبَّحت عقولهم (الفصل، ج٣، ص٧٢).
١٢  والدليل على أن كل ما فعله فله فعله، أنه المالك القاهر الذي ليس بمملوك ولا فوقه قبيح ولا آمر ولا زاجر ولا خاطر ولا من رسم له الرسوم وحدَّ له الحدود. فإذا كان هذا هكذا لم يقبح منه شيء أو كان الشيء إنما يقبح مِنَّا لأنَّا تجاوزنا ما حُدَّ ورسم لنا وآتينا ما لم نملك إتيانه. فلما لم يكن الباري مملوكًا ولا كان تحت آمر له لم يقبح منه شيء. فإن قال: فإنما يقبح الكذب لأنه قبحه. قيل له: أجل ولو حسَّنه لكان حسنًا ولو أمر به لم يكن عليه اعتراض. فإن قالوا: فجوَّزوا عليه أن يكذب كما جوزتم أن يأمر بالكذب؛ قيل لهم: ليس كل ما جاز أن يأمر به جاز أن يوصف به، ألا ترون أنه أمرنا أن نصلي ونخضع ونتحرك ولا يجوز عليه أن يصلي ويخضع ويتحرك؛ لأن ذلك مستحيل عليه. وكذلك لا يجوز عليه الكذب ليس لقبحه ولكن لأنه يستحيل عليه الكذب ولا يجوز أن يوصف بالقدرة على أن يكذب كما لا يجوز وصفه بالقدرة أن يتحرك ويجهل. ولو جاز لزاعم أن يزعم أنه يوصف الباري بالقدرة على أن يكذب ولا يوصف بالقدرة على أن يجهل ولا يأتي بين ذلك بفرقان لجاز لقالب أن يقلب القصة فيزعم أن الباري يوصف بالقدرة على أن يجهل ولا يوصف بالقدرة على أن يكذب، فلما لم يخبر ذلك بطل ما قالوه (اللمع، ص١١٧-١١٨). التحسين هو الحكم بالحسن والتقبيح هو الحكم بالقبح، ولا قبيح بالنسبة إلى الله. أمَّا بالنسبة إلى أفعاله نفسها، فقد اتفق العقلاء على أن الفعل الصادر منه لا يتصف بالقبح لكونه نقصًا والنقص على الله محال. وأمَّا بالنسبة إلى أفعال العباد فلأنه مالك الأمور على الإطلاق يفعل ما يشاء ويختار لا علة لصنعه ولا غاية لفعله. وأمَّا بالنسبة إلينا فالقبيح ما نهى عنه شرعًا وهو منحصر في الحرام إن أريد بالنهي نهي التحريم، وإن أريد بالنهي نهي التنزيه فالقبيح هو الحرام والمكروه، والحسن ما ليس كذلك أي ما ليس بمنهيٍّ شرعًا؛ ففعل الله والواجب والمندوب والمباح وفعل غير المكلف حسن، وكذا المكروه إن أريد بالنهي نهي التحريم (المطالع، ص١٩٥-١٩٦).
١٣  ولو أن أمرءًا اعتقد أن الخمر حرام قبل أن ينزل عليه تحريمها لكان كافرًا، ولكان ذلك منه كفرًا إن كان عالمًا بإباحة الرسول، ثم صار الكفر إيمانًا وصار الآن من اعتقد تحليلها كافرًا وصار اعتقاد تحليلها كفرًا (الفصل، ج٣، ص٨٢-٨٣). إذا ثبت أن الحكم بالحسن والقبح هو الشرع ثبت أن لا حكم للأفعال قبل الشرع (المواقف، ص٣٢٧). ندعي أنه لو لم يرد الشرع لما كان يجب على العباد معرفة الله وشكر نعمته خلافًا للمعتزلة، حيث قالوا إن العقل بمجرده موجب (الاقتصاد، ص٩٧). قال أئمة بخارى: لا يجب إيمان ولا يحرم كفر قبل البعثة، الواجب هو ما يوجبه الله على عباده ولا يجب عليه شيء باتفاق أهل السنة والجماعة (شرح الفقه، ص٩٥-٩٦)؛ في أنه لا يجب عليه شيء من قبيل العقل ولا يجب على العباد شيء قبل ورود الشرع (النهاية، ص٣٧٠–٣٩٦). قبل الخطاب والإرسال لا يكون شيء واجبًا ولا حرامًا على أحد (الأصول، ص٢٤-٢٥).
١٤  عند أهل الحق لو قدر إنسان قد خُلق تام الفطرة كامل العقل دفعةً واحدة من غير أن يتخلق بأخلاق قوم ولا تأدَّب بآداب الأبوين ولا تزيَّا بزي الشرع ولا تعلَّم من معلم، ثم عُرض عليه أمران، أحدهما أن الاثنين أكثر من الواحد، والثاني أن الكذب قبيح بمعنى أنه يستحق من الله لومًا عليه، لم يشكَّ أنه لا يتوقف في الأوَّل ويتوقف في الثاني، ومن حكم أن الأمر سيان بالنسبة إلى عقله خرج عن قضايا العقول وعاند عناد الفضول؛ فإن القولَين في حكم التكليف على وتيرةٍ واحدة، ولم يمكنه أن يرجع أحدهما على الثاني بمجرد عقله (النهاية، ص٣٧١-٣٧٢).
١٥  لو لم يثبت الحسن والقبح إلا بالشرع لم يثبتا أصلًا؛ لأن العلم يحسن ما أمر به الشارع أو أخبر عن حسنه، ويقبح ما نهى عنه أو أخبر عن قبحه، يتوقف على أن الكذب قبيح لا يصدر عنه، وأن الأمر بالقبيح والنهي عن الحسن سفه وعبث لا يليق، وذلك إمَّا بالعقل والتقدير أنه معزول لا حكم له، وإمَّا بالشرع فيدور (التحقيق، ص١٤٥).
١٦  لو حسن من الله كل شيء لحسن منه الكذب؛ وذلك إبطال للشرائع، ولم يمكن التمييز بين النبي وغيره (التحقيق، ص١٤٥). لا واجب لأحد قبل ورود الشرع ولو استدلَّ مستدلٌّ قبل ورود الشرع على حدوث العالم وتوحيد صانع وصفاته وعرف ذلك ما كان يستحق به ثوابًا، ولو أنعم الله عليه بعد معرفته به نعمًا كثيرًا كان ذلك تفضُّلًا منه عليه. ولو كفر إنسان قبل ورود الشرع ما كان مستحقًّا عقابًا، وإن عذَّبه عليه كان ذلك عدلًا منه كابتدائه بإيلام من لا ذنب له من الأطفال والبهائم (الأصول، ص٢٠٢-٢٠٣).
١٧  قال أصحابنا: كل ما ورد به الشرع من صلاة وزكاة وصوم وحج وغير ذلك فقد كان جائزًا ورود الشرع بالزيادة فيه وبالنقصان منه؛ ولذلك لو أباح الشرع ما حرمه وحرم ما أباحه كان جائزًا، وإنما خصَّ الله الشريعة بما استقرت عليه لأنه أراد ذلك ولا مدخل في تقدير شيء من العقل. وعند القدرية ما أوجبه الشرع لم يكن جائزًا سقوطه، وما سقط لم يكن جائزًا ولا الزيادة فيه ولا النقصان منه (الأصول، ص١٤٩).
١٨  يعطي الأشاعرة عدة أدلةٍ نقلية على أن الحسن والقبح شرعيان منها: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا. فلو كان حسن الفعل مدركًا بالعقل لزم تعذيب تارك الواجب ومرتكب الحرام وَردَ الشرع أم لا بناءً على ما هو عند المعتزلة من وجوب تعذيب العاصي إذا مات غير تائب. واللازم باطل (التحقيق، ص١٤٣). المقصود أن المعرفة قد وجبت بالشرع لا بالعقل وليس المقصود تقييد التكليف بالشرع، وهذا مذهب الأشاعرة؛ فمعرفة الله وجبت بالشرع وكذلك سائر الأحكام؛ إذ لا حكم قبل الشرع لا أصليًّا ولا فرعيًّا. وقد قيل شعرًا:
فكل ما كلف شرعًا وجبا
عليه أن يعرف ما قد وجب
(الجوهرة ص٢٦–٢٩)
١٩  هذا هو معنى الآية الكريمة: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ (٣٣: ٧٢).
٢٠  لو حسن من الله كل شيء لحسن منه الكذب، وفي ذلك إبطال للشرائع وبعثة الرسل بالكلية؛ لأنه قد يكون في تصديقه للنبي كاذبًا فلا يمكن تمييز النبي عن المتنبي وأنه باطل إجماعًا، ولحسن منه خلق المعجزة على يد الكاذب وعاد المحذور (المواقف، ص٣٢٧).
٢١  انظر بحثنا «كبوة الإصلاح» الندوة العلمية لكلية الآداب، جامعة الرباط، ١٩٨٣م. وهذه دعوة محمد عبده إذ يقول: «لهذا كله كان العقل الإنساني محتاجًا في قيادة القوى الإدراكية والبدنية إلى ما هو خير له في الحياتين، وإلى معين يستعين به في تحديد أحكام الأعمال وتعيين الوجه في الاعتقاد بصفات الألوهية ومعرفة ما ينبغي أن يعرف من أحوال الآخرة. وبالجملة في وسائل السعادة في الدنيا والآخرة … وذلك المعين هو النبي … النبوة تحدد ما ينبغي أن يلحظ في جانب الوجود من الصفات وما يحتاج إليه البشر كافة من ذلك … فوجوب المعرفة على هذا الوجه المخصوص وحسن المعرفة وخطر الجهالة أو الجحود بشيء مما أوجبه الشرع في ذلك وقبحه مما لا يعرف إلا من طريق الشرع معرفة تطمئن بها النفس ولو استقل عقلٌ بشري بذلك لم يكن على الطريق المطلوب من الجزم واليقين والاقتناع الذي هو عماد الطمأنينة. فإن زيد على ذلك العرفان على ما بيَّنه الشرع يستحق المثوبة المعينة فيه وهذا يستحق العقوبة التي نصَّ عليها وكانت طريقة معرفة الوجوب شرعيةً محضة … غير أن ذلك لا ينافي أن معرفة الله على هذه الصفة حسنة في نفسها وإنما جاء الشرع مبينًا للواقع، فهو ليس مُحدَث الحسن ونصوصه تؤيد ذلك … تبين النبوة الحسن والقبح بمعرفته بل طريقة معرفته شرعية وهو لا ينافي أن يكون المأمور به حسنًا من ذاته بمعنى أنه مما يؤدي إلى منفعةٍ دنيوية أو أخروية … وقد يكون من الأعمال ما لا يمكن درك حسنه ومن المسيئات ما لا يعرف وجه قبحه وهذا النوع لا حسن له إلا الأمر ولا قبح له إلا النهي» (الرسالة، ص٧٩–٨٢).
٢٢  التعديل والتجوير، ص١٠٩–١١٤.
٢٣  عرفونا ما هذا القبيح في العقل على الإطلاق؟ (الفصل، ج٣، ص٧٨).
٢٤  الفصل، ج٣، ص٨٠–٨٣.
٢٥  الإجماع على تعليل الأحكام بالمصالح والمفاسد وفي منعه سد باب القياس وتعطل أكثر الوقائع من الأحكام (المواقف، ص٣٢٧). فإن قال: إنما يقبح الكذب لأنه قبحه. قيل: أجل، ولو حسنه لكان حسنًا، لو أمر به لم يكن عليه اعتراض. فإن قال: أجازوا له أن يكذب كما أجزتم له أن يأمر بالكذب. قيل: ليس كل ما جاز أن يأمر به جاز أن يوصف به، وكذلك لا يجوز عليه الكذب ليس لقبحه ولكن لأنه يستحيل عليه الكذب (اللمع، ص١١٧-١١٨).
٢٦  المذاهب ثلاثة: مذهب الأشاعرة الذي يرى أن الأحكام كلها تجب بالشرع ولكن بشرط العقل، ومذهب الماتريدية الذي يرى وجوب المعرفة بالنقل دون سائر الأحكام، ومذهب المعتزلة الذي يرى أن الأحكام كلها بالعقل (التحفة، ص٢٨-٢٩).
٢٧  هذا هو رأي بعض المعتزلة (الغاية، ص٢٣٣-٢٣٤؛ المحيط، ص٢٣٥–٢٣٨، ص٢٤٠–٢٤٢). ولكنه هو الرأي المعروف عن الماتريدية؛ إذ تجب المعرفة عندها بالعقل، بمعنى أنه لو لم يرد بها الشارع لأدركها العقل استقلالًا لوضوحه لا بناء على التحسين العقلي كما قالت المعتزلة (التحفة، ص٢٨-٢٩).
٢٨  هذا هو رأي فقهاء الحنفية؛ فالعقائد يجب أن تؤخذ من الشرع الذي هو الأصل، وإن كانت مما يستقلُّ فيه العقل، وإلا فعلم إثبات الصانع وعلم قدرته لا يتوقف من حيث ذاته على الكتاب والسنة ولكنه يتوقف عليهما من حيث الاعتداد بهما لأن هذه المباحث إذا لم تعتبر مطابقتها للكتاب والسنة كانت بمنزلة العلم الإلهي للفلاسفة. فحينئذٍ لا عبرة بها (شرح الفقه، ص١٠).
٢٩  فرَّق الأشعري بين حصول المعرفة بالعقل وبين وجوبها به، فقال: المعارف كلها تحصل بالعقل وتجب بالسمع ودليله لنفي الوجوب التكليفي بالعقل لا لنفي حصول العقلي عند العلم بالعقل (النهاية، ص٣٧١). قال أصحابنا (الأشاعرة): إن العقول تدل على حدوث العالم وتوحيد صانعه وقدمه وصفاته الأزلية، وعلى جواز إرساله الرسل إلى عباده وعلى جواز تكليفه عباده ما شاء، ومنها دلالته على جواز حدوث كل ما يصحُّ حدوثه وعلى استحالة كل ما يستحيل كونه. فأمَّا وجوب الأفعال وخطرها وتحريمها على العباد فلا يعرف إلا من طريق الشرع. فإن أوجب الله على عباده شيئًا بخطابه إياهم بلا واسطة أو بإرسال رسول إليهم وجب، وكذلك إن نهاهم عن شيء بلا واسطة أو على لسان رسول حرم عليهم (الأصول، ص٢٤). قال أهل السنة: الواجبات كلها بالسمع والمعارف كلها بالعقل. فالعقل لا يحسن ولا يقبح ولا يقتضي ولا يوجب، والسمع لا يعرف أي لا يوجد المعرفة بل يوجبها … إلا أن العقل لا ينتهي إلى معرفة ذلك الأخص ولم يرد به سمع فيتوقف (الملل، ج١، ص١٥١-١٥٢). عند الأشعري الواجبات كلها سمعية والعقل ليس يوجب شيئًا ولا يقتضي تحسينًا وتقبيحًا؛ فمعرفة الله بالعقل تحصل وبالسمع تجب: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا، وكذلك شكر المنعم وإثابة المطيع وعقاب العاصي (الملل، ج١، ص١٥٤-١٥٥).
٣٠  وقد ذكر بعضهم أن الله قبح في عقول بني آدم أكل ما يطيبهم وأكل أموال غيرهم ولم يقبح ذلك في عقول الحيوان. فأقرَّ هذا الجاهل بأن الله هو المقبح والمحسن، فإن كان ذلك كذلك فلا قبيح إلا ما قبَّح اللهُ ولا محسن إلا ما حسَّن، وهذا قولنا. ولم يقبح الله قط خلقه لما خلق وإنما قبح مِنَّا كون ذلك الذي خلق من المعاصي فينا (الفصل، ج٣، ص٩٤-٩٥).
٣١  ليس ذلك مجرد العادة بل هو العقل الصريح القاضي على كل مختلفين في مسألة بالنفي والإثبات. وما حسن في العقل حسن في الحكمة الإلهية، وما حسن في الحكمة وجب وجوب الحكمة لا وجوب التكليف. فلا يجب على الله شيء تكليفًا ولكن يجب له من حيث الحكمة تقريرًا أو تدبيرًا (النهاية، ص٣٧٤). قولهم ما يحسن من العقل يحسن من حيث الحكمة فيجب على الله حكمًا لا تكليفًا (النهاية، ٣٨١).
٣٢  عند الخوارج والكرامية والمعتزلة الأفعال على صفةٍ نفسية من الحسن والقبح، وإذا ورد الشرع بها كان مخبرًا عنها لا مثبتًا لها (النهاية، ص٣٧١). وعند الماتريدية وعامة مشايخ سمرقند العقل إذن إدراك الحسن والقبح يوجب بنفسه على الله وعلى العباد مقتضاه (شرح الفقه، ص٩٥-٩٦).
٣٣  أجمعت المعتزلة إلا عبَّادًا، أن الله جعل الإيمان حسنًا والكفر قبيحًا. ومعنى ذلك أنه جعل التسمية للإيمان والحكم بأنه حسن، والتسمية للكفر والحكم بأنه قبيح، وأن الله خلق الكافر لا كافرًا وكذلك المؤمن لا مؤمنًا (مقالات، ج١، ص١٧٣).
٣٤  قال جُلُّ المعتزلة بالحسن والقبح العقليين. للفعل جهة لحسنه أو مقبحه، ثم إنها قد تدرك بالضرورة كحسن الصدق النافع وقبح الكذب الضار، وقد تدرك بالنظر كحسن الصدق الضار وقبح الكذب النافع (المواقف، ص٣٢٤). وقد صار الخوارج والكرامية مع المعتزلة إلى أن العقل يستدل به على حسن الأفعال وقبحها على معنى أنه يجب على الله الثواب والثناء على فعل الحسن، ويجب عليه الملام والعقاب على فعل القبيح (النهاية، ص٣٧١). يثبت المعتزلة كلامهم على التحسين والتقبيح العقليين. الحسن عندهم ما حسنة العقل والقبيح ما قبحه العقل. فإذا أدرك أن هذا الفعل حسن بحيث يُندَم على تركه ويُمدَح على فعله حكم بوجوبه، وهكذا (التحفة، ص٢٨-٢٩). وأيضًا: (النهاية، ص٣٧٨-٣٧٩؛ الغاية، ص٢٣٦-٢٣٧؛ التعديل والتجوير، ص٥٧، ص٦٣–٦٩، ص٧٤، ص١٨–٢١؛ المحيط، ص٢٣٤–٢٣٦؛ الإرشاد، ص٢٥٩-٢٦٠).
٣٥  التعديل والتجوير، ص٢٢–٣٦.
٣٦  التعديل والتجوير، ص١٩–٢١، ص٥٥، ص٦٣.
٣٧  يقدم الجويني حججًا ستًّا ضد المعتزلة أولها إبطال الضرورة (الإرشاد، ص٢٦٠؛ الغاية، ص٢٣٨-٢٣٩). الخوارج والكرامية مع المعتزلة، من الحسن والقبح ما يدرك ضرورة كالصدق والمفيد والكذب الذي لا يفيد فائدة. ومنها ما يدرك نظرًا بأن يعتبر الحسن والقبح من الضروريات ثم يرد إليها ما يشاركها في مقتضياتها (النهاية، ص٣٧١).
٣٨  يوجِّه الجويني حجةً جدلية إلى الحسن والقبح العقليين عند المعتزلة مؤدَّاها أن القبح إمَّا يرجع إلى نفسه أو إلى صفة أو لا إلى نفسه ولا إلى صفة. ولا يرجع إلى نفسه ولا إلى صفة لأن القتل قد يكون حسنًا وقد يكون قبيحًا؛ فلم يبق إلا قبحه لورود الشرع به (الإرشاد، ص٢٦٦-٢٦٧).
٣٩  استدل المعتزلة بأن الناس طرًّا يجزمون بقبح الظلم والكذب الضار وقتل الأنبياء بغير حق، ويجزمون بحسن العدل والصدق النافع والإيمان وعصمة الأنبياء. وليس هذا من الشرع؛ إذ يقول به غير المتدين أصلًا. والناس مُجمِعون عليه جميعًا (التحقيق، ص١٤٤؛ التمهيد، ص١١٠؛ الشرح، ص٣٠٥، ص٣٠٩؛ النهاية، ص٣٧٣-٣٧٤؛ ص٣٧٨-٣٧٩). الناس طرًّا يجزمون بقبح الظلم والكذب الضار والتثليث وقتل الأنبياء بغير حق وليس ذلك بالشرع؛ إذ يقول به غير المتشرع ومن لا يتدين بدين أصلًا ولا العرف؛ إذ العرف يختلف بالأمم وهذا لا يختلف (المواقف، ص٣٢٦-٣٢٧؛ اللطف، ص٢٨٠-٢٨١). كل هذا من الأوَّليَّات العقلية لم يختلف فيه عامي ولا فيلسوف. فللأعمال الاختيارية حسن وقبح في نفسها أو باعتبار أثرها في الخاصة أو في العامة. والحسُّ أو العقل قادر على تمييز ما حسن منها وما قبح بالمعاني السابقة بدون توقُّف على سمع. والشاهد على ذلك ما نراه في بعض أصناف الحيوان وما نشاهد في أفاعيل الصبيان قبل تعقُّل ما معنى الشرع وما وصل إلينا من تاريخ الإنسان، وما عرف في جاهلية. فمن زعم أن لا حسن ولا قبح في الأعمال على الإطلاق فقد سلب نفسه العقل بل عدَّها أشد حمقًا من النمل! (الرسالة، ص٧١-٧٢). إن الواجب وصفاته الكمالية تعرف بالعقل. فإذا وصل مستدل ببرهانه إلى إثبات الواجب وصفاته غير السمعية ولم تبلغه بذلك رسالة كما حصل لبعض أقوام من البشر ثم انتقل من النظر في ذلك وفي أطوار نفسه إلى أن مبدأ العقل في الإنسان يبقى بعد موته كما وقع لقومٍ آخرين ثم انتقل من هذا مخطئًا ومصيبًا إلى أن بقاء النفس البشرية بعد الموت يستدعي سعادة لها فيه أو شقاءً، ثم قال إن سعادتنا إنما تكون بمعرفة الله وبالفضائل وإنها إنما تسقط في الشقاء بالجهل بالله وبارتكاب الرذائل، وبُني على ذلك أن من الأعمال ما هو نافع للنفس بعد الموت بتحصيل السعادة، ومنها ما هو ضار لها بعده بإيقاعها في الشقاء فأي مانع عقلي أو شرعي يحظر عليه أن يقول بعد ذلك بحكم عقله إن معرفة الله واجبة، وإن جميع الفضائل وما يتبعها من الأعمال مفروضة، وإن الرذائل وما يكون عنها محظورة، وأن يضع لذلك ما يشاء من القوانين ليدعو بقية البشر إلى الاعتقاد بمثل ما يعتقد، وإلى أن يأخذوا من الأعمال بمثل ما أخذ به من حيث لم يوجد شرع يعارضه. أمَّا أن يكون ذلك حالًا لعامة الناس يعلمون بعقولهم أن معرفة الله واجبة وأن الفضائل مناط السعادة في الحياة الأخرى ومدار الشقاء فيها، فمما لا يستطيع عاقل أن يقول به. والمشهود من حال الأمم كافة يضلل القائل به في رأيه (الرسالة، ص٧٢–٧٥).
٤٠  إن من عنَّ له تحصيل غرض من الأغراض واستوى فيه الصدق والكذب فإنه يؤثر الصدق قطعًا (المواقف، ص٣٢٦-٣٢٧). وربما قال أبو علي وأبو هاشم إن وجه الحسن والقبح إذا اجتمعا في الفعل فالقبح أولى (التعديل والتجوير، ص٧٠). رفض الجويني حجة استواء الصدق والكذب والميل إلى الصدق بأن ذلك عادة وليس طبيعة (النهاية، ص٣٧٨-٣٧٩؛ الغاية، ص٢٣٦-٢٣٧). وهي إحدى الحجج التي يوجهها ضد المعتزلة (الإرشاد، ص٢٦٣–٢٦٥؛ الغاية، ص٢٤).
٤١  قال قائلون من زعمائهم منهم الحارث بن علي الوراق البغدادي وعبد الله بن حمود الكعبي البلخي وغيرهما إن كل شيء حسن بوجه ما قلَّما يمتنع وقوع مثله من الله؛ لأنه حينئذٍ يكون حسنًا، إذ ليس قبيحًا البتة على كل حال. وما كان قبيحًا على كل حال فلا يحسن البتة، فهذا منفيٌّ عن الله أبدًا. ومن القبيح على كل حال أن تفعل بغيرك ما لا تريد أن يُفعَل بك وتكليف ما لا يُطاق ثم التعذيب عليه (الفصل، ج٣، ص٧٨). قال جمهور المعتزلة: وجدنا من فعل الجور في الشاهد كان جائرًا، ومن فعل الظلم كان ظالمًا، ومن أعان فاعلًا على فعله ثم عاقبه عليه كان جائرًا عابثًا. قالوا: العدل من صفات الله والظلم والجور منفيان عنه (الفصل، ج٣، ص٧٢).
٤٢  اتهام المعتزلة بإجرائهم الحكم على الباري بمثل ما يحكم به بعضنا على بعض بأنه سبق لذلك أصل عند الدهرية والمنانية والبراهمة. فقالت الدهرية لما وجدنا فيما بيننا لا يفعل إلا لاجتلاب منفعة أو لدفع مضرة ووجدنا من فعله ما لا فائدة فيه فهو عابث هذا الذي لا يعقل غيره. ولما وجدنا في العالم خيرًا وشرًّا وعبثًا وأقذارًا ودودًا وذبابًا مفسدين انتفى بذلك أن يكون له فاعلٌ حكيم. وزادت طائفة: علمنا بذلك أن للعامل فاعلًا سفيهًا غير الباري وهو النفس وأن الباري الحكيم خلاها تفعل ذلك ليريها فساد ما تخيلته، فإذا استبان ذلك لها أفسده الباري الحكيم حينئذٍ وأبطله ولم تعد النفس إلى فعل شيء بعدها. وقالت المنانية بمثل ما قالت به الدهرية، وزادت ومن خلق خلقًا ثم خلق من يضل ذلك الخلق فهو ظالمٌ عابث، ومن خلق خلقًا ثم سلط بعضهم على بعض وأعزى بين طائع خلقه فهو ظالمٌ عابث؛ فعلمنا أن خالق الشر وفاعله غير خالق الخير (الفصل، ج٣، ص٧٣). وزادت البراهمة على التناسخية أننا لا نحتاج إلى شريعة وشارع أصلًا؛ فإن ما يأمر به النبي لا يخلو إمَّا أن يكون معقولًا أو لا يكون معقولًا. فإن كان معقولًا فقد استُغني بالعقل عن النبي، وإن لم يكن معقولًا لم يكن مقبولًا (النهاية، ص٣٧٨). خالفت في ذلك الثنوية والتناسخية والبراهمة فصاروا إلى أن العقل يستدل به على حسن الأفعال على معنى أنه يجب على الله الثواب والثناء على الفعل الحسن ويجب عليه الملام والعقاب على الفعل القبيح. والأفعال على صفةٍ نفسية من الحسن والقبح. وإذا ورد الشرع بها كان مخبرًا عنها لا مثبتًا لها. ثم من الحسن والقبح ما يدرك عندهم ضرورة كالصدق المفيد والكذب الذي لا يفيد فائدة، ومنها ما يدرك نظرًا بأن يعتبر الحسن والقبح في الضروريات، ثم يرد إليها ما يشاركها في مقتضياتها (النهاية، ص٣٧١). وقالت البراهمة والقدرية إنه لم يكن جائزًا تخلية العباد من التكليف. ولو فعل ذلك لكان قد أغراهم بالمعاصي (الأصول، ص١٤٩). وقد حجرت القدرية عليه في قولها إنه ليس له خلق أعمال العباد وهم في ذلك شر من المجوس الذين زعموا أنه ليس له خلق الشرور من الأعمال وأضافوا إليه اختراع الخيرات كلها، وهي مسألة التعديل والتجوير، وقولهم إنه ليس له منع اللطف دلالة التكليف من غير تعويض للمنفعة وليس له إسقاط التكليف عن العقلاء في الدنيا (الأصول، ص٨٢).
٤٣  (النهاية، ص٣٨١–٣٨٧). الدليل على أن القبح والحسن يدركان عقلًا أن منكري الشرائع وجاحدي النبوات يعلمون قبح الظلم والكفران وحسن الشكر. ولو كان الأمر يتوقف على السمع في ذلك لما أحاط من أنكره بالحسن والقبح (الإرشاد، ص٢٦٢-٢٦٣). ذهبت المعتزلة إلى أن التحسين والتقبيح من مدارك العقول على الجملة ولا يتوقف إدراكهما على السمع، وللحسن بكونه حسنًا صفة وكذلك القول في القبيح عندهم (الإرشاد، ص٢٥٨). الواجب في كل الديانات على المكلف أن يعرف بأدلته، فإن كان من أهل الحمل نظر في جملة الأدلة، وإن كان من أهل العلماء نظر فيها وفي تفصيلاتها … (النظر والمعارف، ص٥٣٣).
٤٤  اتفقت المعتزلة على أن أصول المعرفة وشكر النعمة واجب قبل ورود السمع، والحسن والقبيح يجب معرفتهما بالعقل واعتناق الحسن واجتناب القبيح كذلك (الملل، ج٣، ص٦٨). عند المعتزلة والبراهمة العقول طريقة إلى معرفة الواجب والمحظور. وقال أكثرهم: القبيح في العقل هو الضرر الذي ليس فيه نفع ولا هو مستحق. ومنهم من قال معرفة وجوب شكر المنعم وقبح الضرب ليس فيه نفع ولا هو مستحق في ضرورة العقل وبداهته. واختلفوا في وجه تعليق الإيجاب والحظر على العقول (الأصول، ص٢٦، ص١٤٩-١٥٠). وعند النظام: المفكر قبل ورود السمع إذا كان عاقلًا متمكنًا من النظر يجب عليه تحصيل معرفة الباري بالنظر والاستدلال (الملل، ج٣، ص٨٨). وعند أبي الهذيل: المفكر قبل ورود السمع يجب عليه أن يعرف الله بالدليل من غير خاطر، وإن قعد في المعرفة استوجب العقوبة أبدًا (الملل، ج٣، ص٧٧-٧٨). وعند بشر بن المعتمر: المفكر قبل ورود السمع يعلم الباري بالنظر والاستدلال (الملل، ج٣، ص٩٨). ويقول في الوعيد إن استحقاق العقاب والخلود في النار بالكفر يعرف قبل ورود السمع وسائر أصحابه يقولون: التخليد لا يعرف إلا بالسمع (الملل، ج٣، ص٩٠). وقال الجعفران؛ جعفر بن حرب وجعفر بن المبشر، في تحسين العقل وتقبيحه إن العقل يوجب معرفة الله بجميع أحكامه وصفاته قبل ورود الشرع، وعليه أن يعلم أنه قصر ولم يعرفه ولم يشكر عاقبة عقوبة دائمة فأثبتا التخليد واجبًا بالعقل (الملل، ج٣، ص١٠٥). وقال ثمامة بن الأشرس في تحسين العقل وتقبيحه وإيجاب المعرفة قبل ورود السمع مثل أصحابه، وزاد عليهم أن من الكفار من لا يعلم خالقه وهو مقدور، وأن المعارف كلها ضرورية وأن من لم يضطر إلى معرفة الله فهو مسخر للعباد كالحيوان (الملل، ج٣، ص١٠٧). وعند الجاحظ: الخلق كلهم من العقلاء عالمون بأن الله خالقهم وعالمون-عارفون بأنهم محتاجون إلى النبي. وهم محجوجون بمعرفتهم. ثم هم صنفان: صنفٌ عالم بالتوحيد وصنفٌ جاهل به، فالجاهل معذور والعالم محجوج (الملل، ج٣، ص١١٢). واتفق الجباءان على أن المعرفة وشكر المنعم ومعرفة الحسن والقبح واجباتٌ عقلية. وأثبتا شريعة عقلية وردَّا الشريعة النبوية إلى مقدرات الأحكام وموقنات الطاعات التي لا يتطرق إليها عقل ولا يهتدي إليها فكر. وبمقتضى العقل والحكمة يجب على الحكيم ثواب المطيع وعقاب العاصي إلا أن التأقيت والتخليد فيه يعرف بالسمع (الملل، ج٣، ص١٢٤-١٢٥).
٤٥  دخلت كثير من شرائع بابل وآشور وقوانين حمورابي في العهد القديم، كما دخلت كثير من الشرائع اليونانية والرومانية في العهد الجديد. وقد أثبت القرآن كثيرًا من عبادات العرب قبل الإسلام بعد تهذيبها حتى تتفق مع التوحيد مثل مناسك الحج.
٤٦  إننا قاطعون بأن العارف بذات الله وبصفاته يقبح منه أن يشرك به وينسب إليه الزوجة والولد وما لا يليق به من صفات النقص، أي يستحق الذم والعقاب في حكم الله وإن لم يرد شرع (التحقيق، ص١٤٥). قالت الكرامية أيضًا إن من لم تبلغه دعوة الرسل لزمه أن يعتقد موجبات العقول وأن يعتقد أن الله أرسل رسلًا إلى خلقه. وقد سبقهم أكثر القدرية إلى القول بوجوب اعتقاد وجود الرسل قبل ورود الخبر عنهم بوجودهم (الفِرَق، ص٢٢٢). واتفقت الكرامية على أن العقل يحسن ويقبح قبل الشرع، وتجب معرفة الله بالعقل كما قالت المعتزلة، إلا أنهم لم يثبتوا رعاية الصلاح والأصلح واللطف عقلًا كما قالت المعتزلة (الملل، ج٢، ص٢١).
٤٧  من قال من المعتزلة إن المعارك ضرورية كالجاحظ وثمامة والصالحي فقد قال بأنه لا تكليف إلا على من عرف الله، ومن لا يعرفه لم يكن مكلفًا وإنما كان مخلوقًا للسخرة والاعتبار. وهذا القول يوجب على صاحبه أن يكون العوام من عبدة الأصنام والزنادقة والدهريين ناجين من عذاب الآخرة (الأصول، ص١٥٥-١٥٦).
٤٨  أجمعت المعتزلة جميعًا أن الناس محجوجون بعقولهم؛ من بلغه خبر الرسول ومن لم يبلغه (مقالات، ج١، ص٢٧٢). في أن المكلف ليعلم بعقله ما كلف من دون سمع (الأصلح، ص١٥٢). قال أهل العدل: المعارف كلها معقولة بالعقل واجبة بالنظر، والعقل وشكر النعم واجب قبل ورود السمع (الملل، ج١، ص٦٤).
٤٩  من ذهب إلى أن الواجب من المعارف العقلية مكتسب اختلفوا فيمن لم تبلغه الدعوة؛ قالت المعتزلة إن من كمل عقله واعتقد الحق في العدل والتوحيد فهو مقدور في جهله بالرسل والشرائع، ومن زاغ عن اعتقاد الحق فهو كافر مستحق الوعيد (الأصول، ص٢٦٣). في بيان حكم من لم تبلغه دعوة الإسلام: الكلام في المسألة مبني على الخلاف في وجوب المعارف العقلية. من قال إنها ضرورية قال فيمن لم تبلغه دعوة الإسلام إن كان قد عرف توحيد ربه وصفاته وعدله وحكمته بالضرورة فحكمه حكم المسلمين، وهو معذور في جهله بالنبوة وأحكام الشريعة. وإن لم يعرف التوحيد وعدل الصانع بالضرورة فلا تكليف عليه وليس له في الآخرة ثواب ولا عذاب (الأصول، ص٢٦٢-٢٦٣). وإن كان من وراء السد أو في طرف من أطراف الأرض ناس لم تبلغهم دعوة الإسلام نظر فيهم: (أ) إن كانوا معتقدين لما دل عليه العقل من حدوث العالم وتوحيد صانعه وصفاته فهم كالمسلمين، ويجب على من طرأ عليهم من المسلمين أن يدعوهم إلى أحكام شريعة الإسلام. (ب) إن امتنعوا عن قبولها ولم يكونوا على شرع من شرائع أهل الكتاب صاروا حينئذٍ كالوثنية لا تقبل عنهم الجزية. (ج) إن كانوا أهل كتاب من اليهود والنصارى أو الصابئين، ولم تكن دعوة الإسلام بالغة إليهم، وامتنعوا عن قبولها بعد أن بلغتهم، صاروا من أهل الجزية كاليهود والنصارى، ولا يجوز قتل أحد منهم قبل دعوته إلى الإسلام وإقامة الحجة عليه. فإن قتل المسلم واحدًا منهم قبل ذلك اختلفوا في ديته. قال أبو حنيفة: لا دية عليه. وقال الشافعي بوجوب الدية. واختلف أصحابه في مقدارها، فمنهم من قال كدية المسلم ومنهم من قال كدية أهل دينه، فإن لم يكن على شيء من الأديان فكدية المجوسي (الأصول، ص٣٢٧-٣٢٨). ويبين ذلك امتداد علم أصول الدين في علوم الفقه، وظهور العقيدة في الشريعة، من لم تبلغه دعوة الرسول فلم يؤمن حتى مات، مخلد في النار عند المعتزلة، وناجٍ عند الأشاعرة لعدم وجوب الإيمان عليه قبل البعثة (التحقيق، ص١٤٦). ومن لم تبلغه الدعوة غير مكلف بمجرد العقل (شرح الفقه، ص٤٥).
٥٠  قالوا فيمن كان وراء السد أو في قطر من الأرض ولم تبلغه دعوة الإسلام يُنظر فيه: (أ) إن اعتقد الحق من العدل والتوحيد وجهل شرائع الأحكام والرسل فحكمه حكم المسلمين، وهو معذور فيما جهله من الأحكام؛ لأنه لم يقم به الحجة عليه. (ب) ومن اعتقد منهم الإلحاد والكفر والتعطيل فهو كافر بالاعتقاد ويُنظر فيه. (١) إن كانت قد انتهت إليه دعوة بعض الأنبياء فلم يؤمن بها كان مستحقًّا للوعد على التأييد. (٢) إن لم تبلغه دعوة شريعة بحال لم يكن مكلفًا ولم يكن له في الآخرة ثواب ولا عقاب، إن عذبه الله في الآخرة كان ذلك عدلًا منه ولم يكن عقابًا له كما أن إيلام الأطفال والبهائم في الدنيا عدل من الله وليس بعقاب لهم على شيء، وإن أنعم الله في الآخرة فهو فضل منه وليس بثواب له على الطاعة، كما أن إدخاله ذراري المسلمين في الجنة فضل منه وليس بثواب على الطاعة. (ج) إن كان الذي لم تبلغه دعوة الإسلام غير معتقد كفرًا ولا توحيدًا فليس بمؤمن ولا كافر، إن شاء الله عذبه في الآخرة عدلًا وإن شاء الله أنعم عليه فضلًا، وليس لأحد لقي أحدًا لم تبلغه الدعوة قبله حتى يقوم الحجة عليه، فإن قتله فقد قال أهل العراق لا دية عليه، وأوجب عليه الشافعي دية مع الكفار. فإن كان على شريعة أهل الذمة فديته دية ذمي، وإن لم يكن على شرع ما فقد قيل (فيه دية مسلم) إنه مسلم وقيل فيه بأقل الديات وهو دية المجوس في قول الشافعي وأصحابه (الأصل، ص٢٦٣-٢٦٤). وعند الأطرافية الخوارج: من لم يعرف أحكام الشريعة من أطراف العالم فهو غير مقدور (الاعتقادات، ص٤٨). عذروا أصحاب الأطراف في ترك ما لم يعرفوه من الشريعة؛ إذ أتوا بما يعرف لزومه من طريق العقل وأثبتوا واجبات عقلية كالقدرية (الملل، ج١، ص٤٧). وعند الكرامية: إذا أُظهرت دعوة النبي فمن سمعها منه أو بلغه خبره لزمه تصديقه والإقرار به من غير توقف على معرفة دليل، وأخذوا هذا القول من إباضية الخوارج الذين قالوا إن قول النبي «أنا نبي» نفسه حجة لا يحتاج معها إلى برهان (الفِرَق، ص٢٢٢).
٥١  قال بعض الإباضية: من ورد عليه الخبر بأن الخمر قد حُرِّمت وأن القبلة قد حُوِّلت، فعليه أن يعلم أن الذي أخبره مؤمن أو كافر، عليه أن يعلم ذلك بالخبر وليس عليه أن يعلم أن ذلك عليه بالخبر (مقالات، ج١، ص١٧٣؛ الفِرَق، ص١٠٦-١٠٧). قالت إحدى فِرَق الإباضية إنه لا حجة لله على الخلق في التوحيد إلا بالخبر أو ما يقوم مقام الخبر من إشارة وإيماء (الفِرَق، ص١٠٦). وقال بعضهم لا يجوز على الله أن يخلي عباده من التكليف لوحدانيته ومعرفته، وأجازه بعضهم أن يخليهم من ذلك، وقال بعضهم فيمن دخل في دين المسلمين: وجبت عليهم الشرائع والأحكام، وقف على ذلك أم لم يقف، سمعه أم لم يسمعه (مقالات، ج١، ص١٧٢-١٧٣). وقال سائر الأئمة: لا يأثم بترك ما لم يقف عليه منها إلا أنه تثبتت عليه الحجة فيه (الفِرَق، ص١٠٦). قال ضرار في المفكر قبل ورود السمع إنه لا يجب عليه شيء يعقله حتى يأتيه الرسول فيأمره وينهاه، ولا يجب على الله شيء بحكم العقل (الملل، ج١، ص١٣٤). وحكى عن الخوارج أنهم لا يرون على الناس فرضًا ما لم تأتهم الرسل، وأن الفرائض تلزم الرسل، واعتلوا بقول الله: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٧: ١٥)، (مقالات، ج١، ص١٩١).
٥٢  قال الجبائي وابنه: لا يجب على الله شيء لعباده في الدنيا إذ لم يكلفهم عقلًا وشرعًا، فأمَّا إذا كلفهم فعل الواجب في عقولهم واجتناب القبائح وخلق فيهم الشهوة للقبيح والنفور من الحسن وركب فيهم الأخلاق الذميمة، فإنه يجب عليه عند هذا التكليف إكمال العقل ونصب الأدلة والقدرة والاستطاعة وتهدئة الأدلة بحيث يكون مزيجًا لعللهم فيما أمرهم ويجب عليه أن يفعل بهم أدعى الأمور إلى فعل ما كلفهم به وأزجر الأشياء لهم عن فعل القبيح الذي نهاهم عنه (الملل، ج١، ص١٢٤-١٢٥).
٥٣  عن أبي حنيفة أنه قال: لا عذر لأحد في الجهل بخالقه لما يرى عن خلق السماوات والأرض وخلق نفسه. لو لم يبعث الله رسولًا لوجب على الخلق معرفته بعقولهم (شرح الفقه، ص٩٥-٩٦). وعند الصوفية أخرج الله ذرية آدم من صلبه على صور الذر فجعلهم عقلًا فخاطبهم (الفقه الأكبر، ص١٨٥). وفي الحديث القدسي الذي يروجه الصوفية: «أول ما خلق الله خلق العقل.»
٥٤  ذكر بعضهم أن الله قبَّح في عقول بني آدم أكل ما يُعطِبهم وأكل أموال غيرهم ولم يقبح ذلك في عقول الحيوان (الفصل، ج٣، ص٩٤-٩٥). المراد فعل ذي العلم الكامل؛ فيخرج فعل البهائم لعدم العلم، وفعل الصبيان والمجانين؛ لعدم كمال علمهم (حاشية الكلنبوي، ص٢١٦). وكان التكليف خاصًّا بنوع الإنسان. وأمَّا غيره من الحيوانات فهو وإن كان أيضًا مختارًا في أفعاله الاختيارية إلا أنه لا يتوجه عليه التكليف؛ لأنه لم يخلق فيه عقلًا يميز به بين الضار والنافع ويقدر به على فهم خطاب الأمر والنهي (القول، ص٤١).
٥٥  هناك آراءُ عديدة في البلوغ منها: (أ) عند أبي الهذيل: البلوغ كمال العقل، والعقل منه اضطرار ومنه اكتساب. (ب) عند الجبائي: البلوغ تكامل العقل، والعقل هو العلم من العقال أي ما يمنع، ومنه اضطرار ومنه اكتساب. (ج) عند بعض البغداديين: لا يكون العقل كاملًا إلا مع الخاطر والتنبيه. (د) عند ثمامة بن الأشرس التميمي: لا يكون الإنسان بالغًا إلا بأن يضطر إلى علوم الدين. (ﻫ) أكثر المتكلمين متقون على أن البلوغ كمال العقل وعند كثير من المتفقهة الحلم مع سلامة العقل، ويحدث ذلك عند ١٥ سنة أو ١٧ سنة ولا يكون الإنسان بالغًا لو أتت عليه ٣٠ سنة وأكثر منها سلامة العقل حتى يحتلم.
٥٦  هذا ما يظهر باستمرار عند ابن حزم في قوله. وقد أثبتنا بالضرورة والعقل والحس … (الفصل، ج١، ص١٣، ص٦٣). انظر أيضًا: الفصل الثالث، نظرية العلم. وقد عرف المعتزلة بأنهم أرباب الكلام وأصحاب الجدل والتمييز والنظر والاستنباط والحجج على من خالفهم وأنواع الكلام والمفرِّقون بين علم السمع وعلم العقل والمنصفون في مناظرة الخصوم (التنبيه، ص٣٥-٣٦).
٥٧  (شرح الفقه، ص١٠؛ الأصول، ص٢٤). من لم تبلغه الدعوة ولم يكن مخاطَبًا بالإسلام وحصلت عنده عقائد التوحيد هل يصح ويُثاب عليه في الآخرة؟ عند بعض العلماء يصح كإسلام الصبي وعند الآخر لا يصح (التحقيق، ص١٤٦).
٥٨  عند قوم من الفقهاء أن أفعال العقلاء قبل الشرع على الحظر لا يباح شيء منها إلا بدلالة شرعية (الأصول، ص٢٠٣). وعند أهل الظاهر أن أفعال العقلاء قبل الشرع على الإباحة فلا يحرم شيء منها إلا بشرع ويلزمهم أن يكون اعتقاد الحظر مباحًا وما جاز اعتقاد حظره فهو محظور (الأصول، ص٢٠٣).
٥٩  في التحسين والتقبيح وبيان أنه لا يجب على الله شيء من قبيل العقل ولا يجب على العباد شيء قبل ورود الشرع (النهاية، ص٣٧٠).
٦٠  عند الأشاعرة كل نبي كان قبل نبوته مؤمنًا بربه عارفًا بتوحيده إمَّا على حكم الدلائل العقلية وإمَّا على شريعة نبي قبله. وقالوا في نبينا إنه كان قبل نزول الوحي عليه على ملة إبراهيم. وقالت الكرامية إنه كان على شريعة عيسى. وهذا عن طريق العقل جائز وإن لم يرد به الخبر (الأصول، ص٢٦٦-٢٦٧).
٦١  لو رفضنا الحسن والقبح من الأفعال الإنسانية ورددناها إلى الأحوال الشرعية بطلت المعاني العقلية التي نستنبطها من الأصول الشرعية حتى لا يمكن أن يُقاس فعل على فعل وقول على قول. ولا يمكن أن يُقال لمَ؟ ولأنه إذ لا تعليل للذوات ولا صفات للأفعال التي هي عليها حتى يربط بها حكم مختلف فيه ويُقاس عليها أمر متنازَع فيه وذلك رفع للشرائع بالكلية من حيث إثباتها ورد الأحكام الدينية من حيث قبولها (النهاية، ص٣٧٤-٣٧٥). وإن الحسن لو لم يعقل قبل ورود الشرع لما فهم أيضًا بعد وروده (الإرشاد، ص٢٦٥؛ الأصلح، ص١٥١–١٥٣).
٦٢  لو لم يكن أول واجب على المكلف واجبًا عقليًّا أي يدرك العقل حسنه بذاته فيكون فاعله مستحقًّا للثواب في حكم الله لزم إفحام الأنبياء (التحقيق، ص١٤٥). فإن لم يكن مدركًا لوجوب مقتضى العقول أدى ذلك إلى إفحام الرسول؛ فإنه إذا جاء بالمعجزة وقال انظروا فيها فللمخاطب أن يقول: إن لم يكن النظر واجبًا فلا أقدم عليه وإن كان واجبًا فيستحيل أن يكون مدركه العقل، والعقل لا يوجب، ويستحيل أن يكون مدركه الشرع، والشرع لا يثبت إلا بالنظر في المعجزة وإلا يجب النظر قبل ثبوت الشرع فيؤدي إلى أن تظهر صحة النبوة أصلًا (الاقتصاد، ص٩٨-٩٩). طريقان إلزاميان أي النتائج المتناقضة لمسلمات الخصم: (أ) لو حسن من الله كل شيء لحسن منه الكذب وذلك إبطال للشرائع وبعثة الرسل بالكلية لأنه قد يكون في تصديقه للنبي كاذبًا فلا يمكن التمييز بين النبي والمتنبئ وأنه باطل إجماعًا، ولحسن منه خلق المعجزة على يد الكاذب وعاد المحذور. (ب) الإجماع على تعليل الأحكام بالمصالح والمفاسد وفي منعه سد باب القياس وتعطل أكثر الوقائع في الأحكام (المواقف، ص٣٢٦-٣٢٧)، انظر أيضًا الفصل التاسع عن النبوة.
٦٣  وأمَّا استحسان العقلاء إنقاذ الغرقى واستقباحهم للعدوان، فلطلب ثناء يتوقع منهم على ذلك الفعل وذم على الفعل الثاني (النهاية، ص٣٧٩).
٦٤  إن دليل العقل إذا منع من شيء فالواجب في السمع إذا ورد ظاهرًا يقتضي ذلك أن تتأوَّله؛ لأن الناصب لأدلة السمع هو الذي نصب أدلة العقل فلا يجوز فيهما التناقض (اللطف، ص٢٨٠-٢٨١).
٦٥  مثال: ورد السمع بأن العوض على العاقلة في قتل الخطأ الواقع على وجهٍ مخصوص وهو يبدو معارضًا لنظرية العوض الشاملة عند المعتزلة (اللطف، ص٤١).
٦٦  اللطف، ص٥٤١. انظر أيضًا الباب الثالث: نظرية العلم.
٦٧  تظهر باستمرار عند ابن حزم العبارات الآتية: فهذه أوائل العقل التي لا يختلف عليها ذو عقل … ولا بد أن يعلم ذلك ضرورة بأول العقل؛ لأنه من علم بضرورة العقل يصح أنها ضرورة أوقعها الله في النفس ولا سبيل إلى الاستدلال البتة إلا من هذه المقامات (الفصل، ج١، ص٦-٧).
٦٨  بالرغم من عقلانية المعتزلة إلا أن القاضي عبد الجبار يحاول هزَّ هذا النسق العقلي بأمثلةٍ فقهيةٍ مختارة فيقول إن جملة ما يؤثر السمع في الكشف عن حال الأفعال على أضرب، منه: (أ) ما يجب بالسمع وكان مثله في العقل قبيحًا وهو قلب للنسق. ويضرب المثل بالصلاة مع أن الصلاة ليست مثلًا على القبح. (ب) مُرغَّب فيه كان مثله في العقل قبيحًا وهو قلب للنسق أيضًا؛ لأن الواجب والمندوب حسنان. ويضرب المثل بنوافل الصلوات مع أن النوافل ليست قبيحة. (ج) واجب كان في العقل مثله حسنًا وهو ما يتفق مع النسق. ويضرب المثل بالزكاة والكفارات. (د) قبيح كان مثله في العقل مباحًا وهو قلب للنسق؛ فالقبيح عقلًا يكون محظورًا شرعًا. ويضرب المثل بالزنا والأكل أيام الصوم وهي أفعال قبيحة؛ نظرًا لأنها لا تحقق حكمة الأفعال أو التروك منها. (ﻫ) قبيح كان في العقل مثله مرغَّبًا فيه، ويضرب المثل بإطعام المساكين في أيام الصيام مع أنه ليس قبيحًا. (ز) مباح كان مثله محظورًا وهو ضد النسق؛ لأن المباح شرعًا يكون في العقل حسنًا، ويضرب المثل بذبح البهائم وهو غير قبيح في العقل، فالإنسان سيد الكون وكل مخلوقات الكون طوع لفعله (الأصلح، ص١٥٩-١٦٠؛ استحقاق الذم، ص٢٣٦–٢٦٤). انظر أيضًا رسالتنا: Les Méthodes d’Exégèse, 3 ième partie pp. 356–373.
٦٩  هذا هو اتهام الأشاعرة للمعتزلة مثل: «فتأويلك القرآن على غير تأويل وقولك برأيك الفقير» (الإبانة، ص٧٦، ص١١–١٣، ص٣٩؛ اللمع، ص٦٥؛ شرح الفقه، ص٢٨–٣٠، ٣٦–٣٩، ص٤٨، ص٨٧، ص١١١).
٧٠  فمن اعترض على الرسول الحق أولى أن يصير خارجيًّا؛ أوَليس ذلك قولًا بتحسين العقل وتقبيحه، وحكمًا بالهوى في مقابلة النص، واستكبارًا على الأمر بقياس العقل؟ (الملل، ج١، ص٢٤). وقد اتهم البغدادي المعتزلة بإبطال فائدة مجيء الرسل وإن لم يُصرِّحوا به خوفًا من الشناعة عند الإشاعة (الأصول، ص١٤٩-١٥٠).
٧١  وأمَّا منكرو النبوات فقد منعوا أن يكون إدراكها إلا بالعقول دون الشرع المنقول (الغاية، ص٢٣٣-٢٣٤). ويتوجَّه الاتهام أيضًا إلى الفلاسفة في جعل العقل أساس النقل.
٧٢  الأصلح، ص١٥٣؛ الإرشاد، ص٢٧١، ص٣٨٧-٣٨٨. قال المعتزلة: بل الحاكم بهما العقل والفعل حسن أو قبيح في نفسه كاشف ومبين وليس له أن يعكس القضية (المواقف، ص٣٢٣). قالوا للعقل جهةٌ محسنة أو مقبحة، ثم إنها قد تُدرَك بالضرورة كحسن الصدق النافع وقبح الكذب الضار، وقد تُدرَك بالنظر كحسن الصدق الضار وقبح الكذب النافع مثلًا، وقد لا تدرك بالعقل، ولكن إذا ورد به الشرع علم أن ثمة جهةً محسنة كما في صوم آخر يوم من رمضان، أو مقبحة كصوم أول يوم من شوال (المواقف، ص٣٢٤). الأمر والنهي عندهم كاشفان عن حسن وقبح سابقَين حاصلَين للفعل لذاته أو بجهاته. ووافقهم الماتريدية بخلاف الأشاعرة (حاشية الكلنبوي، ص١٣). وأمَّا عند الماتريدية القائلين بالجهة الحسنة والمقيمة في الأفعال قبل ورود الشرع فالعقل أيضًا ليس بحاكم عندهم من جهة أن العلم بالحسن والقبح ليس فعلًا للعقل صادرًا عنه بالمباشرة أو التوليد كما هو الحال عند المعتزلة، بل هو آلة للعلم يخلقه الله بواسطة، إمَّا الشرع فقط عند الأشاعرة أو بالنظر الصحيح بدون الشرع عند الماتريدية؛ ولذا وافقوا الأشاعرة في أنه لا يجب عليه شيء مع موافقتهم للمعتزلة في إثبات الحسن والقبح العقليين (حاشية الكلنبوي، ص١٨٤-١٨٥، ص١٨٧). ولا يعني ذلك ألا يكون الله موجبًا لشيء ولا محسِّنًا ولا مقبِّحًا، بل إن الله أمكننا ذلك بنصب الأدلة وتأكيدًا للمعرفة بالوحي (التعديل والتجوير، ص٦٥). ويقولون جاء الشرع مقويًا ومؤكدًا للعقل فلا ينفون الشرع أصلًا وإلا كفروا قطعًا (التحفة، ص٢٨-٢٩). معنى الحاكم عند المعتزلة أي علم العقل وليس القضاء والقدر، ووافقهم الماتريدية في ذلك، أي إرشاد العقل إلى الحسن والقبح في أفعال العباد. فالعقل حاكم بمعنى دليل العقل ومرشده كالرسول (حاشية الكلنبوي، ص١٨٣-١٨٤).
٧٣  هذا ما أكد عليه الفقهاء من الحديث باستمرار عن «اتفاق صحيح المنقول لصريح المعقول»، كما هو الحال عند ابن تيمية؛ فالنقل الصحيح لا يعارض العقل الصريح؛ ومِنْ ثَمَّ فإن صحة السمع ليست صحة بصدق الله ووجوده بل صحةٌ تاريخية أي نقل القرآن والحديث بمناهج النقل الكتابي والشفاهي حتى تصبح صحة السمع علمية وليست غيبية، إنسانية وليست إلهية. انظر رسالتنا:
Les Méthodes d’Exégèse, 1ère Partie 27–161.
٧٤  فإن قيل ما أجزتموه عقلًا هل اتفق وقوعه شرعًا؟ قلنا: قال شيخنا ذلك واقع شرعًا (الإرشاد، ص٢٢٧-٢٢٨). وأيضًا رسالتنا:
Les Méthodes d’éxègèse 2me Partie, ch. 3. La structure a Priori du donné révélé, pp. 309–321.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢