الجزيرة الغرقى

استلفت نظر بعض العلماء أن أسراب الطيور في هجرتها السنوية، من شمالي أوروبا إلى أميركا الجنوبية، كانت تتمهل فوق نقطة معينة من الأوقيانوس الأطلانتيكي؛ فتحوم وتحوم، ثم تستمر في طيرانها نحو الجنوب.

وبحث العلماء واستقروا، فإذا في تلك النقطة المعينة، تحت المياه، جزيرة غرقى، وإذا بالطيور، بحكم غريزة تحدرت إليها من آبائها، تقف فوق المياه وتهم بأن تحط، ولكن الجزيرة التي كانت تأوى إليها الطيور فيما مضى غاصت في مياه الأوقيانوس منذ مئات السنين.

إن مواطنينا أسراب طيور، يريدون أن يهجروا المسكن القديم، ولكنهم يحومون فوق جزر لن يقدروا أن يلجئوا إليها، ولا أن يجعلوا منها معاقل؛ لأنها جزر غرقى.

فالذي يقول لك: إن الإسلام يوحي الجهاد — اليوم — لا يفقه أن تركيا وإيران والأفغانستان هي دول إسلامية — على التحديد الشائع — وأنها تتعامل مع إسرائيل.

وهو نفسه يتناسى أن الدول التي سلمت لليهود ما اصطلح الناس على تسميته «الأرض المقدسة» هي دول مسيحية.

وهو نفسه الذي يذكر أن دروز لبنان سنة ١٩٢٥ كانوا يهرعون بالمئات لنصرة ثورة درزية، يوم أَحْرَقَ سلطان الأطرش داره حين عجزت عن أن تحمي لاجئًا، وهو نفسه الذي لا يريد أن يتعرف إلى الحوادث الأخيرة: وإحداها أن رجال المكتب الثاني اقتحموا دار الأمير حسن الأطرش؛ فنكلوا بابنه ونقلوه إلى «الجيب» مغميًّا عليه، بعد أن أهانوا قريبات السلطان والأمير حسن، هذه الحوادث ما استثارت في لبنان نقمة درزية، فلا تجمعات، ولا تطوعات، حتى ولا تلغرافات.

والذي يريد أن يسير نحو القوة عن طريق «العائلة»، يتناسى أن ليس في بلادنا عائلة واحدة غير منقسمة على نفسها، وأشهى ما عند الواحد منها أن يفنى قريبه، وأن العشيرة كذلك لم تعد موجودة. وأن «القرية» لا تجمع على أمر عظيم، إلا إذا كان هذا الأمر العظيم من منافع العيش كطريق أو إعانة لبلدية؛ فليس في لبنان اليوم ضيعة تثور إذا احتل اليهود جبل عامل مثلًا.

والذين لا يزالون يتطلعون نحو الغرب هم كذلك يحومون على جزيرة غرقى؛ ففي الماضي جسدت الدول الغربية أحلامنا للانعتاق من الاستعمار التركي، ولكن الأجانب خدعونا مرتين: الأولى حين استعمرونا بعد تحررنا من الأتراك، والثانية حين سلموا بعض بلادنا لليهود؛ فكل تطلع اليوم نحو أية دولة أجنبية هو — في أبسط مظاهره — تحويم فوق جزيرة غرقى، بعض الروم الأرثوذكس، في بعض المناطق، ينشدون العون الروسي، متوهمين أن روسيا هي حصن الطائفة الأرثوذكسية.

إن بلادنا في سيرها الحضاري انسلخت عن شيء، ولا تزال تفتش عن شيء. هي اليوم في هوة؛ لأنها في فجوة.

إن أنطون سعادة لم يكتشف شيئًا جديدًا حين بشر بالقومية، كل ما فعل أنه نادى بها عارية عن الأوهام؛ لذلك اصطدمت الحقيقة بالأوهام، والأوهام هي لذة عقلية وخدر لا يريد الضعيف ويصعب عليه، أن يتخلى عنه؛ وإنها لحقيقة علمية أن الإقلاع عن المخدرات يتحدى قوة جبارة في النفس، ويعرض المقلع عنه — في بادئ الأمر — إلى صداع في الرأس شديد.

والمواطنون في بلادنا إن لم يعزموا على التخلص من الأوهام، وينشدوا التعسكر في النظام الجديد؛ فسيستمرون يحومون فوق الجزيرة الغرقى، عصائب طير بعضها يزقزق، وبعضها ينعِب، وهي في تجمعها واستعراض أسرابها وألوانها تحسب القوة في مجرد تجمعها وضجيجها، وعددها، وتتوهم الاقتدار في الظل الذي ترميه على المياه.

وضعفنا اليوم هو في أننا ضجة وأَظِلة على مياه طمرت شيئًا إلى الأبد اختفى؛ لأن الحضارة فيما تبني الأشياء هي تطمر الأشياء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١