نحن نخاف التاريخ يا سمو الأمير

يوم جاء جلالة الملك سعود — وكان إذ ذاك لا يزال ولي العهد — إلى بيروت تفجرت أنهار المديح وطوفانات التملق التقليدية.

فكان المقال التالي والرسالة التي تليه.

***

منذ أيام والعمال يرفعون أقواس النصر لاستقبالك، والخدم يعدون القصر لإقامتك. ومتسولون بعضهم في مرتفعات السلطان، وبعضهم في شرفات الفصاحة، يُعمِلون الفكر في سبيل تصيد لفتة من سموك — لفتة تترجم إلى درهم من مال، أو درهم من جاه.

إنهم لا يمثلون أمتنا، هؤلاء المتهافتون، ولئن انبرى أحد أبناء هذه الأمة لمخاطبتك؛ فلأنك ما أنت بالغريب البعيد عنا، إنك من حراء اللغة التي تكتب بالقلم اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ.

أنت من أمة كانت لها عزتها، وما هانت سيادتها، يوم قالت الدنيا في رسولها:

وراودته الجبال الشُّم من ذهب
عن نفسه، فأراها أيما شمم

وأنت يا سعود، مواطن دولة عربية، هي إحدى دول العالم العربي الذي نشيد، والذي من أجله شئنا جبهة عربية نتجند في متاريسها.

وإن شَرَدَ من هذه الرسالة قول ما هو من مألوف من عبارات الترحيب؛ فعذرنا أننا من أبناء الحياة، الذين جعلوا أقصر المسافات تلك التي لا تفصل قلوبهم عن شفاههم، وأن هذا الكلام الذي يصاغ من أجلك، يُخط وأطياف الشهداء ماثلة توحي، وصراخات المتشردين تدوي، وعيون أحرارنا من الأسرى والمبتعدين تحملق بكم وبنا، وأعداء لأمتكم وأمتنا — مغتصبو أرضنا — رابضون بينكم وبيننا — أعداء كواسر جاعت موائدهم، وشبعت معاقلهم؛ فهم متحفزون للوثوب عليكم وعلينا.

كل هؤلاء، وكل هذا، يجعل من واجبكم الإصغاء، كما يجعل من واجبنا إرسال النداء.

نحن لا نذكر الكارثة لنستدر دمعة، نحن لا نؤمن بالتحسر، ولا بالعتاب. فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ فنحن نذكِّر لننتفع لا لنتحرق، نذكر أن العدو ما كان سيفه عند أعناقكم وأعناقنا، لو لم ينهزم أكثرنا يوم جبن البعض عن بطولة الفعال، وخرس آخرون عن بطولة المقال، وها هي الحياة، وما بخلت عليكم، تسخو من جديد؛ إذ تفسح أمامنا مرة ثانية — وقد تكون الأخيرة — فرصة البطولات.

لقد تركت يا ولي العهد الدولة، دولة تشيعك فيها أقواس النصر، ونزلت دولة تستقبلك فيها أقواس النصر، على من انتصرنا؟ على ماذا انتصرنا؟ سَلْ جلالة أبيك كيف يكون النصر ينبئك أنه إيمان تسلح، وأن أعداءكم وأعداءنا، يا طويل العمر، آمنوا وتسلحوا؛ فكثرت مصفحاتهم وقلت سياراتهم، لقد انتصروا حين آمنوا بذلك النوع من العطاء، الذي لا يشجع الاستعطاء؛ فألبوا الجند لا المتسولين، واصغوا إلى الصادقين لا المتملقين، وفهموا السيادة قوة حق فاعلة قادرة، لا أغنية تبدأ بطرب وتنتهي بنواح.

نرحب بك، يا سمو الأمير، لا كضيف جاءنا في زيارة ملوكية، بل كمواطن كبير الشأن في دنيا عربية، فجَّرت ينابيع قوة عالمية، وطاقة بشرية، تسنم عرشها أبوك حين آمن، وتسلح فانتصر — دنيا ما غُلبت يومًا على أمرها، كما غُلبت يوم كفرنا نحن بالحق فلم نُعد له، وآمن اليهود بالباطل فتسلحوا له.

هي أيام قليلة ستقضيها في بيروت ودمشق، يا سعود. نحن نخاف التاريخ — ذلك الشيخ القاسي، الذي لا يستعرض الحقائق إلا عارية؛ ليكن لك في كل لحظة عمل. كل ما تفعله في سبيل لبنان هو في سبيل السعودية، وغدًا ستستعرض في الشام قوى مسلحة، هي تصون الرياض، حين تدافع عن دمشق؛ فإن الذين استباحوا القدس الشريف يشوقهم أن يستبيحوا مكة المكرمة.

إن العلم والحق والحقيقة خطباؤنا وشعراؤنا، حين نصارحك أن ما تبذله لمصلحة أمتنا هو في مصلحة أمتك؛ فأخطاركم أخطارنا، وقد يكون في مكاننا من الخارطة ما يجعلنا أفعلَ في تلقي الضربة، وإرسالها، عن العالم العربي، ومن العالم العربي.

معذرة يا ضيفنا الكبير، فالتاريخ يحمل ساعة لا يسمع دقاتها المسرعة، إلا من أرهف التاريخ سمعه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤