الفصل التاسع

البوذية في الغرب

الاحتكاكات الأولى

على الرغم من انتشار البوذية في آسيا، فإنها ظلَّتْ مجهولةً على نحوٍ شبه تامٍّ في الغرب حتى أوقاتٍ حديثة. لم تُسفر البعثات الأولية التي أرسلها الإمبراطور أشوكا إلى الغرب عن نتائج، ولم يترك الزُّوَّارُ الغربيون الذين جاءوا إلى الهند القديمة سوى آثارٍ ضئيلةٍ في التاريخ.

وقد توغَّلت الحملة العسكرية للإسكندر الأكبر في آسيا في القرن الرابع قبل الميلاد إلى نهر السند، في باكستان الحالية. وعبَر الإسكندر نهر السند في عام ٣٢٦ قبل الميلاد، لكنه عاد نحو الغرب ومات في بابل بعد ذلك بفترةٍ ليست بطويلةٍ؛ في عام ٣٢٣ قبل الميلاد. وسرعان ما وجد سلوقس الأول المنصور — خليفة الإسكندر على الجزء الشرقي من إمبراطورية الإسكندر — نفسَه في صراعٍ مع السلالة الماورية (٣٢١–١٨٤ق.م) الموجودة في الهند. وفي النهاية، في عام ٣٠٣ قبل الميلاد، اتفق الطرفان على معاهدة سلام، وزار سفير إغريقي يحمل اسم ميجاستينيس بلاط تشاندراجوبتا موريا، جد أشوكا، في العاصمة الماورية باتاليبوتا (باتنا حاليًّا). وبعد هذه الاحتكاكات الأوليَّة، بدأت حكايات عن رجال الهند المقدسين، المعروفين باسم «فلاسفة الهند العراة» في الانتشار في العالم الهيليني. ورغم ذلك، فقد كانت المعلومات المفصلة المتوافرة عن الدين الهندي ضئيلة، وإلى حدٍّ كبيرٍ كان الحديث يدور عن العجائب المتمثِّلة في الرجال الذين يسيرون وكلٌّ منهم رأسُه تحت إحدى ذراعيه؛ ولذلك، ظلَّت البوذية مجهولة على نحوٍ شبه تامٍّ للعالم الكلاسيكي.

وفي القرن الثالث عشر، عبَر ماركو بولو آسيا الصغرى متجهًا إلى الصين، وجعلتْه هذه الرحلة يتعرَّف على بوذية الماهايانا. وكتب عن بوذا فقال: «لكن من المؤكَّد أن بوذا لو كان عُمِّد مسيحيًّا لأصبح قديسًا عظيمًا إلى جانب الرَّبِّ يسوع المسيح.» وفي الوقت نفسه تقريبًا، أصبحتْ حكاية «بارلام وجوزيفات» واحدةً من أشهر قصص العصور الوسطى، بيد أن قرَّاء العصور الوسطى لم يعرفوا مطلقًا أن هذه القصة تقوم على إحدى حيوات بوذا، وأُلِّفت في الهند قبل ألف سنةٍ تقريبًا. وكلمة جوزيفات هي تحريفٌ لكلمة «بوديساتفا».

ولم تبرز إمكانية وجود تواصُلٍ مستمرٍّ بين الشرق والغرب إلا مع اكتشاف البرتغاليين لطريقٍ بحريٍّ مؤدٍّ إلى الهند في عام ١٤٩٨. ورغم ذلك، لم يكن يولي سكان الإمبراطوريات الآسيوية المزدهرة اهتمامًا كبيرًا بالأوروبيين أو بهذه القارة البعيدة قليلة السكان التي جاءوا منها؛ فالزوَّار الأوائل من هؤلاء الأوروبيين الذين جاءوا إلى آسيا كانوا يحرصون على العثور على الذهب أو تحويل السكان إلى المسيحية أكثرَ من حرصهم على دراسة الأديان «الوثنية». وعلى الرغم من أن اليسوعيين الذين احتكُّوا بالبوذية في الصين واليابان منذ القرن السادس عشر افتُتِنوا بها، فلم يحدث اهتمامٌ جادٌّ بالبوذية، ولم تتوافر المعلومات التفصيلية المتعلِّقة بتعاليمها إلا في منتصف القرن التاسع عشر.

وجاءت معرفة البوذية عبر ثلاث قنوات أساسية، هي: جهود الأكاديميين الغربيين، وأعمال الفلاسفة والمفكرين والكتَّاب والفنانين، ووصول المهاجرين الآسيويين الذين حملوا معهم أنواعًا مختلفةً من البوذية عند قدومهم إلى أمريكا وأوروبا.

الدراسة الأكاديمية

كان إيبوليتو ديزيدري (١٦٨٤–١٧٣٣) المبشِّر اليسوعي الإيطالي الذي سافر إلى لاسا عام ١٧١٦ من أوائل الأوروبيين الذين درسوا النصوص البوذية. درَس النصوص التبتية في جامعة سيرا الرهبانية وناقش العقيدة البوذية والمسيحية مع باحثي التبت. وظهر مزيد من الاهتمام الأكاديمي بالبوذية خلال الفترة الاستعمارية؛ حيث بُعث مسئولون أوروبيون — كثيرٌ منهم كانوا باحثين هواةً أكفَاءً — إلى مناطقَ مختلفةٍ في آسيا؛ فعدد كبير من مخطوطات الماهايانا المكتوبة باللغة السنسكريتية جمعه في نيبال المندوبُ السامي البريطاني بي إتش هودجسون. ومن الموظفين الحكوميين البريطانيين الذين قدَّموا إسهامًا رائعًا في دراسة بوذية التيرافادا تي دبليو ريس (١٨٤٣–١٩٢٢). أصبح ريس دافيدس مهتمًّا بالبوذية أثناء إقامته في سريلانكا، ووصل إلى درجة تأسيس جمعية النصوص البالية في عام ١٨٨١. وما زالت هذه الجمعية إلى يومنا هذا أهمَّ منافذِ طباعة نصوص وترجمات التراث البوذي المكتوب باللغة البالية.

لعب أكاديميون محترفون من بلدانٍ عديدةٍ دورًا مهمًّا في نقل البوذية إلى الغرب؛ ففي عام ١٨٤٤، نشر الفرنسي يوجين بيرنوف كتاب «مقدمة لتاريخ البوذية الهندية»، وأتبعه بعد سبع سنين بترجمة «سوترا اللوتس». وحفَّز الاهتمامَ بالبوذية في ألمانيا كتابُ هيرمان أولدنبيرج الذي حمل عنوان «بوذا: حياته ومعتقده ومجتمعه» والذي نُشر في عام ١٨٨١. وقُربَ نهاية القرن، نشر الأمريكي هنري كلارك وارين كتاب «البوذية مترجمةً» (١٨٩٦)، وهو عبارة عن مجموعة مقتطفاتٍ لنصوصٍ من قانون بالي، وما زال هذا الكتاب يحظى بالشعبية حتى يومنا الحاضر. وفي نفس التوقيت تقريبًا، انعقد البرلمان الأول لأديان العالم في شيكاجو في عام ١٨٩٣، وهو حدث مصمَّم لتجميع مُمثلي أديان العالم المختلفة لاستكشاف الأرضية المشتركة بينها. وكان من بين الممثلين البوذيين أناجاريكا دارمابالا (١٨٦٤–١٩٣٣) وهو سريلانكي ترك انطباعًا كبيرًا في أحاديثه واجتماعاته العامة. وقام بزيارتين أُخريين في السنوات العشر التالية، وأسَّس فرعًا أمريكيًّا لجمعية ماها بودي الحديثة التأسيس، وكانت تلك أولَ جمعيةٍ بوذيةٍ دوليةٍ، وكان مقرُّها كلكتا. وكان الفرع الأمريكي لهذه الجمعية أولَ منظمةٍ بوذيةٍ في الغرب. وبعد فترةٍ قصيرةٍ من بداية القرن الجديد اتَّسع نطاق الاهتمام بالبوذية، منطلقًا من بوذية الجنوب الآسيوي لتشمل دراسته بوذية الماهايانا من خلال المصادر التبتية والصينية. وقدَّم الباحثان البلجيكيان العظيمان لويس دي لا فاليه بوسان و(لاحقًا) إتيان لاموت إسهامًا هائلًا في هذا المجال. ولا بد أيضًا من ذكر دي تي سوزوكي (١٨٧٠–١٩٦٦) البوذي الياباني الذي عزَّز الوعي ببوذية الزن من خلال محاضراته وكُتُبه المؤثرة.

الفلسفة والثقافة والفنون

القناة الثانية التي وَجدت من خلالها البوذية سبيلها إلى الثقافة الغربية كانت من خلال الفلسفة والثقافة والفنون. وكان الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور (١٧٨٨–١٨٦٠) أوَّلَ مفكرٍ غربيٍّ كبيرٍ يهتمُّ بالبوذية. ونظرًا لعدم وجود مصادر موثوقة، لم يكن لدى شوبنهاور سوى معرفةٍ معيبةٍ عن البوذية، ورأى أنها تتفق مع فلسفته المتشائمة نسبيًّا. ومن بين كل أديان العالم بَدَتِ البوذية بالنسبة إليه الدينَ الأكثر عقلانية وتطوُّرًا من الناحية الأخلاقية، وأدَّت الإشارات المتكررة إلى البوذية في كتاباته إلى إثارة اهتمام المفكرين الغربيين بالبوذية في الجزء الأخير من القرن التاسع عشر.

وفي إنجلترا نشر السير إدوين أرنولد (١٨٣٢–١٩٠٤) قصيدته المشهورة «ضوء آسيا» في عام ١٨٧٩. ووَصفت القصيدة حياةَ بوذا وتعاليمَه بطريقةٍ ميلودراميةٍ جعلتْها تلقى رواجًا كبيرًا بين جماهير الطبقة الوسطى في العصر الفيكتوري في البلدان الواقعة على جانبَي الأطلنطي. وكان أرنولد مسيحيًّا يرى الكثير من الأمور المشتركة بين تعاليم المسيح وتعاليم بوذا. وقد زار المكان الذي حظي فيه بوذا بالتنوير في بودا جايا في عام ١٨٨٥، ونظَّم حملةً لجمع تبرعاتٍ من أجل ترميم الموقع بسبب حالته المُزرية. وفي أثناء ذلك كان اهتمام الفيكتوريين بالخوارق قد بلغ ذروته. وفي عام ١٨٧٥، أسَّس الكولونيل هنري أولكوت (١٨٣٢–١٩٠٧) ومدام بلافاتسكي (١٨٣١–١٨٩١) الجمعيةَ الثيوصوفيةَ التي كانت مخصصةً لكشف الحقيقة الباطنية التي يُعتقد أنها تكمن في صميم كلِّ الأديان. وأصبح الاهتمام مسلطًا في الأساس على أديان الشرق، وأصبحتِ البوذية على وجه الخصوص موضوعًا رائجًا يحظى بالدراسة والمناقشة في الصالونات وقاعات الاستقبال.

fig23
شكل ٩-١: الدالاي لاما الرابع عشر، صاحب القداسة تينزين جياتسو.

وكان الروائي الألماني هيرمان هيسَّه يشير في أغلب الأحيان إلى موضوعاتٍ بوذيةٍ في كتاباته، ولا سيما في روايته «سيدهارتا» التي نُشرت عام ١٩٢٢، والتي تُرجمت إلى لغاتٍ كثيرة. وفي السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، حظِيَتْ رواية «متشردو الدارما» ورواية «على الطريق» للكاتب جاك كيرواك بِرَواجٍ بين جيل «بيت» (مجموعة من الكُتاب، والجيل الذي تأثَّر بكتاباتهم في الولايات المتحدة الأمريكية ظهر في عقد خمسينيات القرن العشرين بعد الحرب العالمية الثانية)، وكانت مصدرَ إلهامٍ للثقافات المضادة على مدار العقود اللاحقة. وكتب المفكر والفيلسوف الانتقائي آلان واتس عددًا من الكتب عن الزن جذبَتِ الكثيرَ من القرَّاء، لكن لعل كتاب «الزن وفن صيانة الدراجات البخارية» (١٩٧٤) للكاتب روبرت إم بيرسيج — رغم اهتمامه بالفلسفة الغربية أكثر من اهتمامه بالزن — هو الكتاب الذي ضَمِن، أكثر من أيِّ عمل آخر، أن تُعرف هذه المدرسة من البوذية على نطاقٍ واسعٍ في الغرب ولو بالاسم على أقلِّ تقدير. ولعبَتِ السينما أيضًا دورًا في بَثِّ الأفكار البوذية في الثقافة الغربية. وتحوَّلتْ رواية «سيدهارتا» للكاتب هيسَّه إلى فيلمٍ حقَّق رواجًا كبيرًا في الأوساط الجامعية في سبعينيات القرن العشرين. وفي وقتٍ لاحق، أوضحتْ حبكة فيلم «بوذا الصغير» للمخرج بيرتولوتشي، الذي صُوِّر جزءٌ منه في الهند وجزءٌ آخر في أمريكا، إلى أي مدًى كانت البوذية تسير باتجاه أن تصبح جزءًا من الثقافة الغربية. وتمزج حبكةُ الفيلم قصةَ حياة بوذا مع رحلة بحث لاما تِبتي وُلد من جديدٍ في سياتل لأبوَيْن أمريكيين. ومن ضمن الإسهامات الأخرى الأكثر حداثةً فيلم «كوندون» (١٩٩٧) للمخرج مارتن سكورسيزي وفيلم «سبع سنوات في التبت» (١٩٩٧) للمخرج جون جاك أنو.

هجرة البوذيين

أما القناة الثالثة التي من خلالها قُدمت البوذية إلى الغرب فكانت الهجرة. وأثَّرت هذه الظاهرة على الولايات المتحدة وأوروبا بطُرقٍ مختلفة. توجَّهت الغالبية العظمى من المهاجرين البوذيين إلى الولايات المتحدة، وبدأت تلك الهجرة مبكرًا في ستينيات القرن التاسع عشر مع قدوم العمالة الصينية للعمل في السكك الحديدية وفي مناجم الذهب. استقرَّ المهاجرون القادمون من كلٍّ من الصين واليابان في هاواي قبل ضمِّها رسميًّا إلى الولايات المتحدة في عام ١٨٩٨. وشهدَتِ العقود الحديثة تدفُّقًا للمهاجرين القادمين من شبه الجزيرة الصينية الهندية في أعقاب حرب فيتنام، وربما استقرَّ نصف مليون بوذيٍّ من جنوب شرق آسيا في الولايات المتحدة الأمريكية. وكانت مجتمعات المهاجرين تميل إلى تأسيسِ معابدَ محليةٍ خاصةٍ بهم باعتبارها وسيلةً لحفظ هُوِيَّتِهم الثقافية المميَّزة وليس لأغراض نشر الدين. فقط بعد قدوم الجيل الأول أو الجيل الثاني من هؤلاء المهاجرين ظهر نوع من التفاعُل مع المجتمع المضيف؛ حيث أصبح الأفراد المنتمون إلى خلفياتٍ ثقافيةٍ مختلفةٍ يتقابلون باعتبارهم «بوذيين» وليس باعتبارهم أعضاءً لمجموعةٍ عِرقيةٍ معينة.

وعلى الرغم من أن المملكة المتحدة استقبلتْ أعدادًا كبيرةً من المهاجرين الآسيويين، فإن هؤلاء المهاجرين أتَوْا في الغالب من شبه القارة الهندية، وأغلبهم إما هندوس أو مسلمون. ويوجد نحو ١٩ ألف لاجئٍ من الهند الصينية في بريطانيا، و٢٢ ألف لاجئٍ في ألمانيا، و٩٧ ألف لاجئٍ في فرنسا. وأغلبية البوذيين في أوروبا قوقازيون تحوَّلوا إلى البوذية وليسوا مهاجرين حملوا معهم معتقداتهم. وعلى الرغم من صعوبة معرفة الأعداد الحقيقة للبوذيين في المملكة المتحدة، فإنه يوجد نحو مائة مركزٍ تبتي، ونحو تسعين مركزًا للتيرافادا، ونحو أربعين مركزًا للزن، بالإضافة إلى ما يقرب من مائة جماعةٍ بوذيةٍ إضافيةٍ من ضمنها أصدقاء الجمعية البوذية الغربية. ومعتنقو البوذية في كلٍّ من أوروبا والولايات المتحدة يكونون في الغالب من الطبقات الوسطى البيضاء.

وعلى الرغم من أن كل الأنواع الرئيسية للبوذية ممثَّلة في الغرب حاليًّا، فإنه من الصعب الحصول على إحصائيات تُبيِّن معدل نمو البوذية في الغرب، فضلًا عن الاختلاف الكبير في الأرقام المقتبسة. وفي دراسةٍ رائدةٍ تحمل عنوان «البوذية الأمريكية» قدَّر تشارلز بِرَبيش عدد البوذيين في الولايات المتحدة في عام ١٩٧٩ بمائة ألف، وبعد أقلَّ من عشر سنواتٍ تاليةٍ، في عام ١٩٨٧، صرَّح الكونجرس البوذي الأمريكي، وهو هيئة تأسَّستْ في العام نفسه على يد خمسةٍ وأربعين جماعةً بوذيةً مندمجة، أن عدد البوذيين يتراوح بين ثلاثة ملايين وخمسة ملايين. ولم يُجرَ أي إحصاءٍ لأعداد المجموعات والمنظمات البوذية في الولايات المتحدة حتى الآن، لكن بِرَبيش يقدِّر أنه يوجد حاليًّا نحو ألف مجموعةٍ من هذه المجموعات. ويمكن مشاهدة زيادة شعبية البوذية في أماكنَ أخرى أيضًا في الغرب، على الرغم من أن نُموَّها في أوروبا أقلُّ لفتًا للانتباه منه في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يوجد ما يزيد على مليون بوذيٍّ في أوروبا.

المذاهب البوذية في الغرب

حتى وقتنا الحاضر قُدمت البوذية للغرب في صورٍ شتى، وكان الزن أولَ نوعٍ من أنواع البوذية يلقى رواجًا لدى قطاعٍ عريضٍ من الجماهير، وقد أصبح الزن رائجًا في أمريكا في أعقاب الحرب العالمية الثانية. واحتكَّ كثير من الأمريكيين بالثقافة اليابانية أثناء وجودهم في اليابان خلال أداء الخدمة العسكرية. ولاقى الزن استحسانًا قويًّا في أمريكا؛ نظرًا لأن تأكيده على العفوية والبساطة والتجربة الشخصية المباشرة انسجم مع التوجُّهات الثقافية التي سادتْ أمريكا في أعقاب الحرب العالمية الثانية. كما راقتْ أيضًا روح مناهضة القيم المجتمعية ومناهضة السلطوية اللتين تميزان بوذية الزن لجيل «بيت» في خمسينيات القرن العشرين، وكذلك للحركة «الهيبية» في ستينيات القرن العشرين. وفي أغلب الأحيان كان هؤلاء يتعاطَوْن عقَّار إل سي دي (ثنائي إيثيل أميد حمض الليسرجيك) وغيره من عقاقير الهلوسة في سياق سعيٍ روحانيِّ الدافع يتطلَّع إلى تجرِبة «توسيع أفق العقل» التي اعتقدوا أنها تُمثِّل التنوير.

أما المذاهب اليابانية الأخرى، خلافًا للزن، فتحظى أيضًا بتمثيلٍ جيدٍ في الغرب. وكان أقدم هذه المذاهب وأكثرها رواجًا مذهب جودو شنشو (مذهب الأرض النقية الحقيقية) الذي تأسَّس في هونولولو عام ١٨٩٩. وكثير من المهاجرين اليابانيين الأوائل الذين قَدِموا إلى الولايات المتحدة كانوا أتباعًا لهذا المذهب، وعلى مدار عقودٍ عديدةٍ مَثَّل أعضاؤها الغالبيةَ العظمى من البوذيين الأمريكيين ذوي الأصول اليابانية. وفي وقتٍ لاحقٍ أصبحتْ جمعية سوكا جاكاي الدولية واحدةً من أسرع الجماعات البوذية نموًّا في أمريكا وأوروبا. وفي الأصل كانت سوكا جاكاي («منظمة خلق القيم») الجناح العلماني لمذهب نيتشيرين شوشو، لكنها انفصلتْ عنها في أوائل تسعينيات القرن العشرين. وتسعى سوكا جاكاي الدولية سعيًا حثيثًا إلى إقناع الناس باعتناق مذهبها، وحقَّقتْ معدل نموٍ مشابهًا لما حقَّقتْه المسيحية الإنجيلية التي تُشبِهها إلى حدٍّ ما في معتقد «البشارة» الإيجابي والمتفائل. إن تعاليم المذهب التي تقول إن الأفراد يستطيعون تحقيق كل أهدافهم من خلال الترديد المتكرر لتعويذة «نامو ميوهو رينجي كيو»، وتعني «المجد لسوترا اللوتس التابعة للدارما الحقيقية»، بالإضافة إلى التوجُّه الذهني الإيجابي للمذهب؛ قد أثبتا رواجهما لدى الأشخاص الذين ينجذبون لنوعٍ من البوذية أكثر تفاؤلًا و«ميلًا للدنيوية». ومطربة الروك تينا تيرنر هي عضوة في هذه الطائفة.

وتُقدِّم البوذية التبتية تناقضًا صارخًا مع أناقةِ وبساطةِ بوذيةِ الزن. تُولِّد الطقوس والرموز والمراسم في بوذية التبت إحساسًا قويًّا لما أَطلق عليه رودولف أوتو «الروحانية» أو إدراكًا لفكرة أن الخوارق غامضة وعجيبة. وتستحضر الطقوس التبتية حالة الروحانية من خلال استخدام الإنشاد و«الماندالات» و«المانترات» والرموز الصوفية وأدوات الطقوس والشموع والبخور والأصوات المؤثرة مثل ارتطام الصنج (آلة موسيقية). وتتجلَّى التعاليم تدريجيًّا من خلال سلسلة الانتساب الهرمي. ولطالما اعتُبر التبت في المخيلة الغربية مركزَ الصوفية الشرقية، كما أن فرصة مقابلة معلمين أصليين من «أرض الثلوج» والمشاركة في طقوس ثقافةٍ قديمةٍ تُعد أمرًا جذابًا للأشخاص الذين يجدون أن الحضارة الغربية تتجرَّد من المحتوى الروحاني على نحوٍ متزايد.

أدَّى غزو التبت في عام ١٩٥٠ إلى شتات سكان التبت وفيهم الكثير من اللامات رفيعي المستوى الذين أُعيد توطينهم فيما بعدُ على يد الجماعات البوذية في الغرب الذي تحظى فيه كل المذاهب البوذية الكبرى بالتمثيل في الوقت الحاضر. وبدأ المعلمون التبتيون أصحاب الكاريزما أمثال تشوجيام ترونجبا (١٩٣٩–١٩٨٧) حوارًا مع علم النفس الغربي فيما يتعلق بالبُعد الروحاني للنفس البشرية. إن إمكانية التعاون بين البوذية وعلم النفس الإنساني هائلة، وقد تكون هذه إحدى القنوات الكبرى التي من خلالها ستصبح البوذية عُرفًا سائدًا في الثقافة الغربية. وقد أسَّس ترونجبا مراكز مثل ذلك المركز الموجود في بولدر في كولورادو، وتولَّى ذلك المركزُ مسئوليةَ معهدٍ آخر تابعٍ له موجودٍ في سامي لينج في اسكتلندا أسَّسه أناندا بودي.

وقد جعل الإعلام الغربي أيضًا التبت متصدرًا للعناوينِ الرئيسيةِ من خلال تغطيته للموضوعات السياسية وتلك المتعلقةِ بحقوق الإنسان، وشارك كثيرٌ من الغربيين في مسيراتٍ ومظاهراتٍ مناهضةٍ للاحتلال الصيني. علاوةً على ذلك، فإن الدعم المقدَّم من المشاهير أمثال ريتشارد جير وهاريسون فورد، فضلًا عن الظهور المتكرر لقداسة الدالاي لاما، والتحقيقات التي قامتْ بها الجهات الحكومية والهيئات الحقوقية الدولية؛ كلها أدَّت إلى زيادة شعبية التبت في الغرب.

وتحظى أنواع البوذية الصينية على وجه الخصوص بتمثيلٍ جيدٍ في الولايات المتحدة، ويرجع هذا بشكلٍ كبيرٍ إلى قدوم المهاجرين كما أشرنا في السابق؛ ففي عام ١٩٦٢، جاء المعلم هسوان هوا من هونج كونج، وبعد ذلك بفترةٍ قصيرةٍ أسَّس الجمعية البوذية الأمريكية الصينية في سان فرانسيسكو في عام ١٩٦٨. ولم يَمُرَّ وقت طويل حتى أصبحَتِ الغالبية العظمى من الأعضاء مكوَّنةً من الأمريكيين القوقازيين، وانتقلَتِ المنظمة إلى مقرٍّ أكبرَ في «مدينة العشرة آلاف بوذا» في شمال كاليفورنيا؛ حيث أسست مدرسة وجامعة بالإضافة إلى معاهدَ للتدريب على الرهبنة. يحظى معبد هسي لاي الموجود في لوس أنجلوس، التابع لإحدى المنظمات البوذية التي تتخذ من تايوان مقرًّا لها، بشرف كونه أكبرَ معبدٍ بوذيٍّ في نصف الكرة الأرضية الغربي.

تأسَّس أول معهدٍ للتيرافادا في الولايات المتحدة في واشنطن العاصمة في عام ١٩٦٦، ويوجد الآن ما يزيد على عشرين دَيرًا يسكنها رهبان من سريلانكا وبورما وتايلاند وكمبوديا وأمريكا. وعلى الرغم من وجود بوذية التيرافادا في إنجلترا لِمَا يقرب من مائة عامٍ حتى الآن، فإن أسلوبها المتحفِّظ وتفضيلها للسلوكيات البسيطة بديلًا عن القيادة الملهمة جعل شعبيتها منخفضةً. كانت التيرافادا أولَ أشكال البوذية ظهورًا في الغرب، ونظرًا لأن الأيامَ دُولٌ بطبيعة الحال، فإن التيرافادا تشهد حاليًّا نوعًا من النهضة؛ فلقد زاد الاهتمام باللغة البالية؛ لغة النصوص المقدسة للتيرافادا، في السنوات الأخيرة، وأدَّى توافر النسخ الإلكترونية من قانون بالي إلى تحفيز روح البحث لدى الناس. وانتشرتْ أيضًا مراكز جديدة وحيوية للتيرافادا مثل مركز أمارافاتي البوذي الموجود بالقُرب من هيميل هيمبستيد في إنجلترا. وقد تأسَّس هذا المركز عام ١٩٨٥ تحت قيادة الراهب الأمريكي أجان سوميدو تلميذ الراهب التايلاندي أجان تشاه.

رواج البوذية

لماذا أصبحت البوذية بهذا القدر من الرواج في الغرب؟ الأسباب معقَّدة ومرتبطة بالتاريخ الثقافي بالغرب قدر ارتباطها بمزايا البوذية. وقد راجت «قراءات» غربية مختلفة للبوذية من وقتٍ لآخر، لكن هذا يخبرنا في أغلب الأحيان عن الصيحات المتغيرة في الغرب أكثر مما يخبرنا عن البوذية نفسها. ومن أكثر التفسيرات الغربية للبوذية رواجًا تقديمها باعتبارها فلسفة عقلانية، كما أن التطوُّرات في الغرب خلقتْ مناخًا يصبُّ في صالح البوذية عند رؤيتها من هذا المنظور. علاوةً على ذلك، فإن المؤثرات الثقافية السائدة في الغرب منذ عصر التنوير في القرن الثامن عشر تتمثَّل في العلم والليبرالية العلمانية. وتبدو البوذية «بوصفها» فلسفةً عقلانية متوافقةً مع كلٍّ من العلم والليبرالية العلمانية، على الأقل بدرجة أعلى من الدين الغربي التقليدي؛ فالاكتشافاتُ العلميةُ ونظرياتٌ مثل نظرية التطوُّر مثَّلتا تحدِّيًا أمام كثيرٍ من التعاليم المسيحية التقليدية. كما أن المعركة البائسة الطويلة الأمد التي يخوضها الدين السائد في الغرب في مواجهة «الحقائق» التي انكشفت؛ جعلته يبدو متصلِّبَ الرأيِ وغيرَ عقلانيٍّ ورجعيَّ النظرة. بالإضافة إلى ذلك، فإن غياب مفهوم الإله المجسَّد في صورةٍ بشريةٍ في البوذية يُعد سمة أخرى تجعل البوذية أكثر قبولًا لدى العقل الحديث.

على النقيض من ذلك، يبدو أن بعض المفاهيم البوذية القليلة تتعارض تعارضًا مباشرًا مع العلم، وقد قدَّم المناصرون لفكرة عقلانية البوذية تفسيراتٍ رمزيةً لهذه المفاهيم المتعارضة مع العلم. ويُعد المنظور البوذي للكون أقلَّ محدوديةً من نظرة المسيحية التقليدية له، بل يبدو أنه يتنبَّأ بمكتشفات علم الكونيات الحديث بدلًا من التناقُض معها. بالإضافة إلى ذلك فإن الاكتشافاتِ الحديثةَ في مجال فيزياء الكَمِّ تشير إلى أن العلم يسير ببطءٍ في اتجاه رؤيةٍ للواقع لا تختلف عن تلك الموصوفة في الفلسفة البوذية. وقد كشفت كُتُب مثل كتاب فريتجوف كابرا «طاو الفيزياء» (١٩٧٦) أَوجُهَ تَشابُهٍ مثيرةً بين العوالم المتصوَّرة في الفيزياء النظرية والفكر الشرقي.

حتى معتقد الإيمان بتناسُخ الأرواح — الذي ربما يُعد المفهومَ البوذيَّ الأصعبَ على الغرب قبولُه — قد تلقَّى دعمًا تجريبيًّا في دراساتٍ شبيهةٍ بتلك التي أجراها الطبيب النفسي الأمريكي إيان ستيفنسون، ولا سيما في كتابه «عشرون حالة تشير إلى تناسخ الأرواح» (١٩٧٤). الإيمان بتناسُخ الأرواح منتشر في كثيرٍ من الثقافات، وفي غرب ما بعد المسيحية ستصبح هذه الفكرة مرةً أخرى جزءًا من الثقافة الشعبية. وقد شهد كثير من الناس استرجاع حياتهم السابقة تحت تأثير التنويم المغناطيسي، وزعموا تَذَكُّرَ تجارِبَ من حيواتهم السابقة. وأيًّا كانت حقيقة الأمر، فإن فكرة تناسُخ الأرواح مثيرة وتضيف زاوية جديدة مثيرة للحياة البشرية تلقى استحسان كثيرٍ من الناس.

من نتائج تناسُخ الأرواح إمكانية انتقال روح الأفراد عبر أجناسٍ مختلفة، كما هي الحال عندما يولد البشري في صورة حيوانٍ أو العكس. وهذا يُقدِّم منظورًا جديدًا للعلاقة بين الإنسان وبقية الخلق، وهذا المنظور متوافق إلى حدٍّ كبيرٍ مع علم البيئة المعاصر. ووفقًا للمنظور المسيحي التقليدي فإن الإنسان هو راعي العالم الطبيعي أو الأمين عليه، مسئولٌ أمام الرَّبِّ عن أداء واجبه، لكنه حرٌّ في غير ذلك في بسط سيطرته على النظام الطبيعي. ويرى كثير من علماء البيئة أن هذا المعتقد شجَّع على الإفراط في استغلال الطبيعة وعزَّز توجُّه اللامبالاة بسلامة الأنواع الأخرى. إن التعليم المسيحي القائل بأن الإنسان فقط هو صاحب الروح الخالدة، وبأنه لا مكان في الجنة للحيوانات؛ يبدو «تعصبًا نوعيًّا» وانحرافًا عن التوجُّه الشمولي للفكر المعاصر إلى حدٍّ كبير. وعلى النقيض من المسيحية، لا ترسم البوذية حدودًا ثابتة بين أشكال الحياة المختلفة. وعلى الرغم من أنها تعترف بأن الحياة البشرية لديها قيمة خاصة، فإنها تُقِرُّ بأن كل الكائنات الحية تستحق الاحترام في حد ذاتها، وليس فقط من منطلق الفائدة التي تُمثِّلها للبشر.

وتبدو البوذية متوافقةً أيضًا مع الأيديولوجية الغربية المعاصرة السائدة الأخرى المتمثلة في الليبرالية العلمانية. إن البوذية لا تعرف التعصُّب، حتى إنها تُعلِّم أتباعها عدم التسليم بتعاليمها دون انتقاد، بل يجب أن يختبروها دائمًا في ضوء تجارِبهم الخاصة. وعلى الرغم من أن البوذية تطلب من أتباعها الوثوق في تعاليمَ أساسيةٍ معينةٍ في المراحل الأولية، وتَبَنِّيَ توجُّهٍ يتَّسم بالإيجابية والانفتاح العقلي، فإنها تهتمُّ بتطوير الفهم أكثر من اهتمامها بقَبول الصيغ العقائدية. علاوةً على ذلك، ونظرًا لأن البوذية لا تشترط سوى عددٍ قليلٍ من المتطلبات فيما يتعلق بالاعتراف بالذنب والطقوس وغير ذلك، فقد سهَّل هذا الأمر على أتباعها العيشَ بسهولةٍ باعتبارهم بوذيين في مجتمعٍ تعدُّديٍّ، وقلَّل احتمالية حدوث تعارض صريح مع القيم العلمانية. وربما أسهمتْ هذه السمة من سمات البوذية في انتشارها في الولايات المتحدة الأمريكية التي تنفصل فيها الكنيسة عن الدولة بموجب الدستور.

وتُعتبر البوذية أيضًا ليبرالية وتقدُّمية في مجال الأخلاقيات؛ فتعاليمها الأخلاقية لا يُعبَّر عنها في صورة وصايا تتخذ صيغة الأمر «يجب ألا تفعل كذا!» لكنها تُقدَّم باعتبارها مبادئَ عقلانيةً إذا اتَّبعها المرء فسوف تؤدِّي إلى الخير والسعادة له ولغيره. ويقف التسامح البوذي مع وجهات النظر المختلفة على طرف النقيض من بعض الفترات الأكثر ظلاميةً في تاريخ الدين الغربي الذي كان يستخدم الاضطهاد والتعذيب للقضاء على الهرطقة. وفي أغلب الأحيان يرى الغربيون المعارضون للتوجُّه الأخلاقي المتعصِّب للدين السائد في الغرب أن البوذيةَ بديل ملائم يمكن تحقيق أهدافهم الدينية من خلاله. كما يحظى التأمل أيضًا باستحسانٍ هائل، ويُقدِّم أساليبَ عمليةً للتعامل مع الضغط وغيره من المشكلات النفسية الجسدية.

الحداثة البوذية

إن فكرة إمكانية تقديم البوذية باعتبارها متوافقةً مع الأيديولوجيات المؤثِّرة المعاصرة قد ساعدت بلا شكٍّ على انتشارها في الغرب. ورغم ذلك، فإن هذه القراءة للبوذية التي سُمِّيت اصطلاحًا باسم «الحداثة البوذية» تقمع سماتٍ معينةً للديانة ظلَّتْ حاضرة فيها منذ بداياتها، لكنها أقل توافقًا مع التوجُّهات الغربية المعاصرة. إن الإيمان بالمعجزات وبقدرات «المانترات» والتعاويذ والأسحار يُعد أحد أمثلة هذه السمات. وحتى وقتنا المعاصر، ما زالت الحكومة التبتية في منفاها تستشير عرَّاف الدولة طلبًا لنُصحه حول الأمور المهمة. ويُعد الإيمان بوجود عوالمَ أخرى غيرِ أرضيةٍ يسكنها الآلهة والأرواح، والإيمان بقوة الكارما الخفية، من المبادئ الأخرى المحورية في التعاليم البوذية الموجودة منذ بداياتها المبكرة.

إن النظرة البوذية التقليدية لمكانة المرأة تُمثِّل إشكاليةً أيضًا. وكثيرٌ من المدافعين عن حقوق النساء يَرَوْنَ أن الدين كله أبوي في الأساس وقمعي، لكن عندما يتعلَّق الأمر بالبوذية يصبح الوضع أكثر تعقيدًا؛ فالبوذية وليدة مجتمعٍ آسيويٍّ تقليديٍّ كان يُنظر فيه إلى النساء باعتبارهن خاضعاتٍ للرجال. وبسبب هذه الارتباطات الثقافية في الأساس يمكن وصف البوذية على نحوٍ منصفٍ بأنها «ذكورية التوجُّه»، ويوجد بالتأكيد مَيل في مصادرَ كثيرةٍ إلى اعتبار أن الميلادَ مرةً أخرى في صورة أنثى يُعد سوءَ حظٍّ إلى حدٍّ ما. وقد لا يكون ذلك نتيجةً للتمييز الصريح ضد المرأة بقدر ما هو انعكاس لحقيقة وضْع النساء في بعض الثقافات الآسيوية الذي كنَّ — وما زلن — لا يُحسدن عليه. ورغم ذلك، قد يكون من الخطأ تعميم ذلك على الثقافة الآسيوية في هذا الأمر؛ فمقارنةً بوضع أوروبا في فترة ما قبل الحداثة، كان وضع النساء أفضل بكثيرٍ فيما يتعلَّق بالناحية التشريعية ونواحٍ أخرى في بلدانٍ مثل بورما مقارنةً بالغرب. علاوةً على ذلك، لا تؤمن البوذية بوجود أي عقبات — سوى الطبيعة الاجتماعية — للنساء تَحُول دون تحقيقهن للتقدُّم الروحاني. وبالفعل كانت البوذية أولى الديانات التي تؤسِّس جماعةً دينيةً للراهبات، على الرغم من أن بوذا كان مترددًا في السماح بذلك؛ ربما لأنه شعر أن ذلك المجتمع لم يكن جاهزًا بعدُ لمثل هذا التطوُّر المجدد.

ومن منظورٍ فلسفي، كثير من النصوص البوذية المؤثرة ترى أن النوع، مثل بقية السمات الطبيعية الأخرى، يفتقر إلى واقعيةٍ أصيلة. وهذا يستأصل أساس التمييز ضد النساء فيما يتعلق بالفلسفة البوذية. لكن على الرغم من قَبول البوذية المساواةَ بين الجنسين على المستوى الفلسفي، فقد تحتاج إلى تعديل بعض طقوسها وعاداتها التقليدية لتُلائم الاختلاطَ الحرَّ بين الجنسين المعتادَ في الغرب. وتوجد منظمة تُعرف باسم «ساكياديتا» («بنات بوذا»)، وهي مؤسسة دولية للنساء البوذيات، تهدف إلى توحيد النساء البوذيات المنحدرات من بلدانٍ وتقاليدَ مختلفة.

العِرْق والطبقة

كان تشارلز بِرَبيش أولَ من اقترح تصنيف جماعات البوذية الغربية عندما صاغ مصطلح «بوذيَّتَيْن» في عام ١٩٧٩. وأقر هذا التصنيف بأنه في ذلك الوقت كان البوذيون في الغرب يتألَّفون من مجموعتين رئيسيتين، ألا وهما: «بوذيون عِرقيون» وهم من أصلٍ آسيوي، وبوذيون أوروبيون بِيض اعتنقوا البوذية. وتضمَّنت التصنيفات التالية للبوذية ما يلي: البوذية التقليدية، والبوذية الحداثية، والبوذية العالمية (حسب تصنيف بومان)، وبوذية النخبة، وبوذية الإنجيليين، والبوذية العِرقية (حسب تصنيف ناتييه). ورغم ذلك، فإن السؤال حول أفضل طريقةٍ لوضع الحركات البوذية في سياقٍ يُراعي فعليًّا التنوُّع، والتطوُّرات داخل جماعات «السانجا» عبر العصور، وكذلك عمليات التهميش؛ ما زال مطروحًا.

معظم معتنقي البوذية في الغرب يكونون من الطبقة الوسطى فضلًا عن كونهم بِيضًا ويشكِّلون أغلبيةً عرقية. إنَّ تناوُل قضايا التنوع العِرقي داخل الحركات البوذية الغربية ما زال إلى حدٍّ كبير في مراحله الأولية، ويكون في الغالب في صورة مبادراتٍ وقتيةٍ تهتم في أغلب الأحيان برفع الوعي ودعم الحوار. ومن أوائل الأمثلة كان ذلك العدد الخاص من المجلة البوذية الأمريكية «ترايسيكل» الذي تناول «الدارما والتنوُّع والعِرق» في عام ١٩٩٤. وأصدرت أيضًا مجلة زمالة السلام البوذية الأمريكية التي تحمل اسم «تيرنينج وييل» (تدوير العجلة) عددًا خاصًّا حول هذا الموضوع في عام ١٩٩٩، ومنذ ذلك الحين وهي تُصدر أعدادًا خاصة عن البوذيين من أصلٍ أفريقي، والبوذيين من أصل آسيوي، والبوذية في أمريكا اللاتينية، وأصدرت عددًا عن تكوين تحالفات بين البِيض والملونين لمكافحة العنصرية.

من المؤثرات الأساسية على تطوُّر البوذية في الغرب أفكار الفردية والاستقلالية والاعتماد على الذات. هذه الأفكار ما زالت تؤثِّر تأثيرًا قويًّا على طريقة تَناوُل الغربيين للبوذية. وهذا الأسلوب يتعارض مع الطريقة التي يرى بها أفراد مجتمعات الملونين أنفسَهم. إن ظروف التمييز والظلم قد تقود الأشخاص الملونين إلى تكوين شبكات تضامُنٍ لمواجهة ظروفهم الاجتماعية؛ وبذلك يقل ارتباطهم بفكرة «الفردية» الغربية.

إن نشأة «البوذية المعنية بقضايا المجتمع» قدَّمتْ فرصًا جديدة لمواجهة مشكلات الإثنية و«العِرق»، على الرغم من أنه باستثناء جهود سوكا جاكاي الدولية، فإن العِرق والمشكلات الثقافية لم يلعبا دورًا كبيرًا لدى البوذية المعنية بقضايا المجتمع في الغرب. على النقيض من ذلك، فإن الكنائس المسيحية تمتلك عقودًا من الخبرة في مواجهة قضايا الظلم والتمييز العرقي؛ مما أسفر عن مجموعةٍ كبيرةٍ من الأعمال والتأمُّلات الدينية. ومرةً أخرى، فإن كثيرًا من الموضوعات التي تبنَّتْها البوذية المعنية بالقضايا الاجتماعية مثل حقوق الإنسان، والبيئة، والسلام، اختلفتْ عن الموضوعات التي تبنَّتْها بوذية جماعات الملونين الذين تناولوا العدالة الجنائية، وسلامة المجتمع، والتعليم، والحصول على رعايةٍ صحيةٍ ذات جودةٍ عالية، والتوظيف. علاوةً على ذلك، كثير من حركات اعتناق البوذية تُقدِّم تعاليمها بطريقة تُسلِّم بوجود معرفةٍ وتقديرٍ كبيرين للثقافة الغربية الرفيعة لدى متلقِّيها. وأدَّى هذا إلى رواج هذه الحركات على نحوٍ أساسيٍّ لدى الأشخاص ذوي المستوى التعليمي فوق المتوسط. وبالنسبة إلى معظم الجماعات البوذية الغربية، فإن قابلية تطبيق تعاليمها على قضايا التمكين الاجتماعي، والتمييز المجتمعي، والاختلافات الثقافية، ما زالت غير مستكشفةٍ إلى حدٍّ كبير.

تنويرٌ بوذي؟

ما زالت هناك جوانب أخرى للصراع المحتمَل بين البوذية والفكر الغربي، وكثير من الاختلافات أخفاها مفسرو المنهج الحداثي بدلًا من مواجهتها على نحوٍ مباشر. أما ما يبدو أننا في حاجةٍ إليه فهو «تنويرٌ بوذي»، أي تحديث منهجي للأسس الفكرية للدين على نحوٍ يسمح بظهور مجموعة تعاليمَ واضحةٍ ومتسقةٍ متعلقةٍ بقضايا عصرية. وفي العقد الأخير بدأتْ حركة تضمُّ نطاقًا عريضًا من الأتباع وتدَّعى «البوذية المتفاعلة اجتماعيًّا» محاولةَ مواجهة مسائلَ ذاتِ طبيعةٍ اجتماعيةٍ وسياسيةٍ وأخلاقية. تبحث هذه الحركة القائمة على تعاليم الراهب الفيتنامي تيك نات هان عن طُرقٍ لتطبيق التعاليم القديمة على تحديات الحياة المعاصرة. وهذه ليست بالمهمة السهلة؛ فإلى حدٍّ كبيرٍ تُعد البوذية ظاهرة سابقة للحداثة وخبرتها قليلة في المشكلات التي تُثيرها الحياة في الغرب. وقد ظل أحد مراكز الثقافة البوذية المهمة — التبت — دولةً دينيةً ثيوقراطية تحكمها روح العصور الوسطى حتى منتصف القرن الماضي؛ إذ كانت منعزلةً تقريبًا عن العالم الخارجي. أما البوذية في بقية أنحاء آسيا فقد صُممت إلى حدٍّ كبيرٍ بحيث تناسب احتياجات المجتمعات الزراعية التي يعيش فيها الفلاحون وتحيا فيها القرية والدير في تَكافُل. والمشكلات التي تظهر في هذه المجتمعات لا تُشبه تلك التي يواجهها سكان المجتمعات الحضرية في الغرب الذي لا يوجد فيه إجماع حول المسائل الدينية والأخلاقية، ويتصرَّف فيه الأفراد باعتبارهم وحدةً مستقلةً لا في إطار شبكةِ علاقاتِ قرابةٍ أو نسب. إن نجاح البوذية في القدرة على إعادة تشكيل نفسها من أجْل الغرب سوف يحدد مدى انتشارها باعتبارها قوةً دينيةً سائدةً في المجتمع الغربي.

بوذية جديدة للغرب؟

«لماذا لا تتكون في نهاية المطاف بوذية غربية أو نافايانا أو «مركبة جديدة» … لا تتكوَّن بهذه الصورة على نحوٍ متعمَّد، بل تنمو نموًّا طبيعيًّا من الجذور نفسها التي نَمَتْ منها كل أشكال البوذية الأخرى، ألا وهي سجل تنوير بوذا؟ لا يوجد سبب يحول دون تطوُّرها جنبًا إلى جنبٍ مع أفضلِ ما أنتجه الغرب من علومٍ طبيعيةٍ وعلومٍ نفسيةٍ واجتماعية، بل وحتى الامتزاج بها؛ ومن ثَمَّ التأثير على مجال الفكر الغربي المتغير باستمرار. ولن تكون هذه البوذية هي التيرافادا أو الزن … فما ستكون عليه هذه البوذية بالضبط هو أمر لا نعرفه، ولا يهمنا في الوقت الحاضر. إن الداما في حد ذاتها خالدة، لكن أشكالها يجب أن تتغيَّر باستمرارٍ لخدمة الحاجة البشرية المتغيرة باستمرار.»

الكلمات السابقة تعود إلى كريسماس همفريز (١٩٠١–١٩٨٣)، الرئيس المؤسِّس للجمعية البوذية في إنجلترا. وهذه الكلمات مأخوذة من كتابه «ستون عامًا من البوذية في إنجلترا».

إن المعضلة التي تواجهها البوذية ليست فريدةً من نوعها، وتحمل التطوُّراتُ المعاصرةُ في الأديان الأخرى تَشابهًا معها على نحوٍ مثير. ولن يكون أمرًا فريدًا من نوعه لو حدث أن أدَّت التوترات الموجودة داخل البوذية إلى الانقسام إلى طائفةٍ محافظةٍ وطائفةٍ تقدُّميةٍ على غرار الانقسام إلى الجناح الأرثوذكسي والجناح الليبرالي في اليهودية. وربما يُعيد التاريخ نفسه، ويستحضر وصولُ البوذية إلى الغرب نسخةً معاصرةً من «الانقسام الكبير» الذي حدث في البوذية في القرن الثالث قبل الميلاد وقسَّم البوذيين إلى ليبراليين ومحافظين. ومن المجموعات المكرَّسة لتطوير نوعٍ غربيٍّ مميَّزٍ من البوذية جمعيةُ أصدقاء الرهبانية البوذية الغربية التي تَتَّخذ من لندن مقرًّا لها. ويعيش أعضاء هذه المجموعة في مجتمعات، ويَعكُفون على تطوير مجتمعٍ بديلٍ يدعمه المشاركون فيه ويسير على نحوٍ متفقٍ مع مبادئ البوذية.

ويُعد التطوُّر الحديث في مجال تكنولوجيا المعلومات أحد العوامل الأخرى التي سوف تؤثِّر على انتشار البوذية؛ فظهور «سانجا إلكترونية» — شبكة مجموعاتٍ بوذيةٍ في الولايات المتحدة مرتبطةٍ بأجهزة الكمبيوتر — وتَوافُر معلومات عبر الإنترنت عن البوذية من خلال وسائط إلكترونية مثل «دورية الأخلاقيات البوذية»؛ يعني أن الأفراد حول العالم أصبح لديهم الآن عبر الإنترنت نافذةٌ على مجتمعٍ بوذيٍّ «افتراضيٍّ» على نحوٍ لم يكن موجودًا من قبل. إن وجود شبكة معلوماتٍ عالميةٍ يجب أن يُسهم إلى حدٍّ كبيرٍ في تقليل أشكال سوء الفهم التي شهدها الرجال العميان عند مقابلتهم للفيل الذي أشرنا إليه في الفصل الأول.

ويصف المؤرخ أرنولد توينبي اللقاء بين البوذية والغرب بأنه «واحد من أهم وأعظم اللقاءات في القرن الحادي والعشرين»؛ فالبوذية تجلب إلى الغرب باعتباره ملتقى الثقافات علمَ نفسٍ رفيعَ المستوى وأساليبَ تأمُّلٍ وميتافيزيقا عميقةً وميثاقَ أخلاقٍ يحظى بإعجابٍ عالمي. ويُقدِّم الغرب التجريبية المشككة والعلم البراجماتي والتكنولوجيا والالتزام بالديمقراطية وحرية الفرد. ولو علَّمَنا تاريخُ انتشار البوذية في الثقافات الأخرى درسًا، فإن هذا الدرس يتمثَّل في أنه عند التقاء البوذية مع الثقافات الأخرى سوف يُولَد نوع جديد ومميَّز تمامًا من البوذية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠