الدراسة التطبيقية

(١) حقائق في حياة عباس حافظ

عندما فكَّرتُ في كتابة سيرة حياة عباس حافظ، انتابتني الحيرة الشديدة، بسبب قلة المعلومات المكتوبة عنه في الورق المنشور، الذي لم يتعدَّ الأسطرَ القليلة كما أوضحتُ سابقًا، وأخذت أبحث عن ورق آخَر لعلي أجد فيه ضالتي المنشودة؛ وأخيرًا حصلت على كنز من الورق الأصفر البالي محفوظًا في ملف باسم عباس حافظ، لم تمسسه يد منذ أن حُفِظ بدار المحفوظات العمومية بالقلعة عام ١٩٥٩.١ وعندما لمست يدي أوراق هذا الملف، شعرت بقشعريرة غريبة، وبإحساس كبير بالمسئولية تجاه صاحبها، وكأنه يوصيني خيرًا بأوراقه التي كادت أن تدفن معه! وبتصفح هذه الأوراق، تذكرت قصيدة «ورق» لصديقي الشاعر الدكتور محمد أبو الفضل بدران، الذي يقول في بعض سطورها:
وَرَقٌ … … … ورقْ
كلُّ الحياةِ ورقْ
فشهادةُ الميلادِ حبرٌ من ورقْ
والنعيُ سطرٌ في الورقْ
والعلمُ أطنانُ الورقْ
والجهلُ مَنْ عادي الورقْ
ويُعرَّفُ الإنسان إنْ حمَلَ الورقْ
والإرثُ مخطوطُ الورقْ
والموت يبدأُ بالورقْ
ونموتُ إنْ سقطَ الورقْ
كلُّ الحياةِ ورقْ
ماذا لو احترقَ الورقْ
ورقٌ … … … ورقْ

وإذا نظرنا إلى ورق ملف عباس حافظ علي حافظ، فسنجده يخبرنا بأنه وُلِد يوم ٢٤ / ١٢ / ١٨٩٣ بشارع الخليج المرخم بالموسكي، وحصل على الابتدائية عام ١٩٠٨، وعلى الثانوية عام ١٩١٣. وبعد ثلاثة أعوام التحق بوظيفة سكرتير مالي بوزارة الحربية لمدة شهرين على سبيل التجربة، فأبلى بلاءً حسنًا في أعمال الترجمة، فاستحق التثبيت في وظيفته، بناءً على الإشادة الرسمية من قبل رئيسه في العمل، الذي أوضح فيها أن عباس حافظ لديه استعداد كبير للقيام بأعمال الترجمة، وأن كفاءته يندر وجودها في أقرانه، بالإضافة إلى ما اتصف به من دماثة الأخلاق وإطاعة الأوامر، التي يعجب بها كل من يعمل معه.

fig1
صورة مستخرج شهادة ميلاد عباس حافظ عام ١٨٩٣.
fig2
صورة شهادة الابتدائية الخاصة بعباس حافظ عام ١٩٠٨.
fig3
صورة شهادة الثانوية الخاصة بعباس حافظ عام ١٩١٣.

وما بين عامَيْ ١٩١٧ و١٩٢٢ نجده يتنقل بين العديد من الوظائف داخل وزارة الحربية، فتارةً نجده سكرتيرًا ماليًّا بمصر، وتارةً أخرى نجده كاتم أسرار الحربية بالسودان. وفي الملف وثيقة مؤرَّخة في ديسمبر ١٩٢٣، عبارة عن إشادة من أحمد رفعت — قائمقام أركان حرب الطوبجية — إلى الجنرال الإنجليزي في مصر، يشيد فيها بمساعدة عباس حافظ له في ترجمة كتابين من كتب تعليمات الطوبجية، ولولا هذه المساعدة ما كانت الترجمة تمت بصورتها الحالية. ويختتم أحمد رفعت إشادته هذه بقوله: «وقد حررت هذه الشهادة لما شاهدته من حضرته من اجتهاده واستعداده الفائق لترجمة القوانين العسكرية.»

ورغم هذه الإشادة التي تدل على أن عباس حافظ ساعد في الترجمة، إلا أن الحقيقة — التي ستظهر فيما بعد — ستثبت أن عباس حافظ هو المترجم الحقيقي لهذين الكتابين وغيرهما من الكتب! وربما تكررت هذه المأساة في حياة عباس حافظ الوظيفية، مما جعله يشعر باليأس وفقدان الأمل في نيل التقدير المستحق له. فقد لاحظنا — في ملفه — تقارير سرية كتب بياناتها الأساسية عباس حافظ بنفسه، ووجدناه يكتب في خانة النياشين والميداليات والمشابك، تعليقات يائسة تدل على إحباط نفسي كبير! فمثلًا في تقرير عام ١٩٢٤، علق على هذه الخانة قائلًا: «لا أملك منها شيئًا.» وفي العام التالي قال: «أين أنا منها؟» وفي العام الثالث، قال: «لا تصلح لي ولا أصلح لها.» وفي العام الرابع، قال: «لستُ منها ولا قلامة ظفر!»

وبناءً على ذلك، وجدنا عباس حافظ يرسل خطابًا إلى الجنرال الإنجليزي في مصر — وهو أعلى رئيس له في العمل — يقرُّ فيه بملل العيش في مصر، والضجر الذي انتابه بسبب ضآلة الراتب الذي لا يكفل له ولأولاده أدنى مراتب العيش الكريم، كما أنه فقد ابنًا له في عمر الطفولة، مما جعله يصرف بعض أوقاته في الكتابة الأدبية والصحفية؛ ولهذه الأسباب طلب من الجنرال الموافقة على مبادلة عمله الوظيفي في مصر، بعمل زميل له في الخرطوم.

وتمت المبادلة بالفعل، ولكن ضغوط الحياة لازمت عباس حافظ، مما اضطره للتغيب عن عمله عدة أيام بدون إذن، مما استوجب وقوع العقاب الإداري عليه؛ فكتب عباس في ديسمبر ١٩٢٤ مظلمة إلى اللواء محمد رفقي باشا، أبان فيها أمورًا مهمة، واعترف فيها بأنه المترجم الحقيقي ﻟ «مجموعة القوانين الحديثة وكتب التعليم كقانون البياد الحديث والقانون المالي وقوانين الطوبجية وغيرها مما لا حاجة إلى ذكره!» ويرفض في نهاية مظلمته ذكر الأسباب الحقيقية لتغيبه، ويلتمس مقابلة الوزير شخصيًّا لإخباره بهذه الأسباب.

والوثائق المحفوظة في ملف عباس حافظ تصمت نهائيًّا تجاه هذه المظلمة، وربما تم حفظها أو بالأصح قبرها، حتى لا تكشف أسرارًا ربما تسيء إلى شخصيات كبيرة في الوزارة. والدليل على ذلك أن عباس حافظ اعترف — ولأول مرة — أنه المترجم الحقيقي لمجموعة من الكتب التي لم تُنسب ترجمتها إليه! وهذا الاعتراف — رغم خطورته — لا يمثل كل شيء؛ فهناك أمور أخرى أخطر من ذلك، يود عباس حافظ إخبارها شخصيًّا إلى الوزير، تتعلق بأسباب تغيبه عن العمل، ولو كانت هذه الأسباب عادية أو طبيعية لَكان ذكرها للواء محمد رفقي باشا. ومن هنا نستشعر بأن أسباب تغيُّبِ عباس حافظ عن العمل، أسبابٌ تتعلَّق بأمور خطيرة وتمس شخصيات لها اعتبارها في الوزارة! ولولا خطورتها وأهميتها ما كان يتجرأ بمطالبة مقابلة الوزير شخصيًّا!

وهكذا يستشعر القارئ روح الشجاعة لدى عباس حافظ، ولكن للشجاعة ثمنًا لا بد أن يُدفَع! ففي فبراير ١٩٢٥ كان الدور على عباس حافظ كي يترقى في وظيفته إلى الدرجة الأعلى، وبسبب شجاعته وجرأته كافأه رجال الوزارة بحرمانه من الترقية، فكتب إلى الوزير مظلمة جديدة، يستغيث فيها بكلمات تُدمي القلوب وتزلزل المشاعر، ومما جاء فيها قوله: «… أنا شاب كفؤ في عملي بشهادة نفسي أولًا وبشهادة رؤسائي وبشهادة موظفي الوزارة على بكرة أبيهم. وقد كنت مثال النشاط في العمل والدأب على إظهار الكفاءة على أمل الترقي … يا الله! أهكذا يأبى النحس إلا أن يلازمني. يا للداهية! أهكذا سأموت حيًّا. أهكذا سأدفن في هذه الوزارة، أهكذا سأبقى حتى يشيب الغراب … فيا ضيعة الشباب! ويا خيبة الآمال! ويا خسارة الفكر والعقل والهمة والكفاءة والنشاط …»

وذُيِّلت هذه المظلمة بحاشية من المسئول، أفادت بعدم قبولها أو النظر فيها؛ لأن الترقيات لا تتم إلا بناء على التقارير السرية السنوية. ومن العجب العجاب أن التقرير السري السنوي لعباس حافظ، جاء فيه تحت بند استعداده لوظيفته الآتي: «استعداده العلمي والأدبي يؤهله لأرقى من وظيفته بكثيرٍ!» كما جاء في تقرير عام ١٩٢٨ تحت بند درجة اجتهاده: «مستخدم دءوب على العمل، غيور فيه، ذو كفاية له، عليم بعمله كل العلم، تعينه في ذلك كثير معرفته الاستثنائية للغة الإنجليزية.» وجاء تحت بند مقدرته على القيام بواجبات وظيفته: «على أتم المقدرة، ومما رأيته من عباس أفندي حافظ أقول إنه ينبغي أن يسير شوطًا بعيدًا في هذا السبيل.» وأخيرًا جاء تحت بند استعداده الاستثنائي: «أعدُّه مترجمًا استثنائيًّا، وهو في وسعه أن يترجم الوثائق بسرعة وبأسلوب لا يدع مجالًا للشك في معانيها الأصلية!»

وعلى الرغم من كفاءة عباس حافظ — كما أثبتت تقاريره السرية — إلا أنه لم يرقَ إلى الدرجة الأعلى، إلا بعد مرور ثلاثة عشر عامًا! وهذه الترقية جاءت عندما قرر الجنرال نقله إلى مصلحة التجارة والصناعة. والغريب أن رئيس عباس حافظ في العمل، كتب خطابًا إلى الجنرال بخصوص هذا النقل، قال فيه: «ستخسر الوزارة مستخدمًا حسنًا للغاية إذا نقل عباس أفندي من هنا؛ فإن خدماته نحتاج إليها بصفة خاصة في هذه الإدارة؛ لأنه قائم بالترجمة الفنية.»

وربما نستنتج من هذا القول، أن المسئولين في الوزارة لا يميلون إلى نقل عباس حافظ إلى أية جهة أخرى، حتى يستغلوه في الترجمة نيابة عن الآخرين! أو ربما خوفًا من خروجه عن سيطرتهم، فيُشهر بهم في مكانه الجديد! وهذا يفسر لنا لماذا يصرُّ المسئولون على الإشادة به، وفي الوقت نفسه يصرون على عدم ترقيته! لأن الترقية ربما ستمنحه منصبًا أعلى، يحصنه من الانصياع لرغباتهم في الترجمة نيابة عنهم أو عن غيرهم!

وتبتسم الحياة أيامًا قليلة لعباس حافظ، في ظل وزارة الوفد، التي أكرمته لكفاءته من جهة، ولمبدئه السياسي الوفدي من جهة أخرى، حيث أصدر وزير الداخلية مصطفى النحاس باشا قرارًا بترقيته بصفة استثنائية عام ١٩٣٠. ولكن ما لبث أن تغير الحال، حيث جاءت وزارة إسماعيل صدقي باشا، وكشرت عن أنيابها له، فنقلته إلى أسوان وهو في أشد الحاجة لوجوده في القاهرة لمعالجة زوجته المريضة بالقلب، بل وبدأ رجال الوزارة يرصدون مقالاته الصحفية، ويتعقبون نشاطه الأدبي لإيجاد ذريعة للإيقاع به، وللأسف نجحوا في ذلك!

ففي يوم ٩ / ٩ / ١٩٣٠ نشرت جريدة صوت مصر مقالة لعباس حافظ بعنوان حمدي سيف النصر. فقام وكيل عموم الأمن العام برفع مذكرة إلى الوزير، أبان فيها أن المقالة تمدح حمدي سيف النصر، وتطعن في كرامة وسمعة اللواء عبد العظيم علي باشا، فضلًا عما في المقالة من أمور سياسية تعرض لها الكاتب، مما يتنافى مع واجب وظيفته؛ فقرر رئيس الوزراء إسماعيل صدقي فصل عباس حافظ من وظيفته، مستندًا في هذا الفصل على مادة قانونية «تحظر على جميع موظفي الحكومة إبداء ملحوظات شخصية بواسطة الجرائد».

وإذا نظرنا إلى المقالة المنشورة، فسنجدها مقارنة بين شخصيتين، الأولى أشاد بها عباس حافظ إشادة كبيرة مع إحصاء لجهودها وخدماتها للأمة، وقد ذكر اسمها علانية وهو الضابط حمدي سيف النصر. أما الشخصية الأخرى فكانت على نقيض الشخصية الأولى تمامًا، حيث أحصى عباس خستها ودناءتها واستغلالها لمنصبها في منافعها الشخصية، مع عدم ذكر اسمها مطلقًا، وكل ما ذكره عباس هو رتبتها العسكرية؛ أي إن الطعن والتشهير كان بالإيحاء والتلميح وليس بالقول والتصريح.٢
ولم تكتفِ وزارة صدقي باشا بفصل عباس حافظ، بل أنهكته بالتحقيقات والاضطهادات والغرامات … إلخ، طوال أربع سنوات، عاش فيها عباس وأولاده الستة — بنين وبنات٣ — في ضيق شديد، ولم يجد ملاذًا لسبل العيش إلا في عمله بالصحافة، خصوصًا جريدة «كوكب الشرق»، حيث كان محررها الأول في هذه الفترة. وفي أواخر عام ١٩٣٤، ابتسم القدر مرة أخرى له، عندما تولت وزارة محمد توفيق نسيم الحكم، فأعادته إلى العمل مرة أخرى في إدارة المطبوعات بوزارة الداخلية، بناء على قرار مجلس الوزراء القاضي بعودة الموظفين المفصولين من وظائفهم لأسباب سياسية. وبعد عام رُقي إلى الدرجة الأعلى، وتمَّ ندبه عام ١٩٣٦ للعمل في سكرتارية الهيئة الرسمية للمفاوضة، التابعة لرئاسة مجلس الوزراء.
وعاش عباس حافظ في أمان وظيفي لمدة عامين فقط! حيث تغيرت الوزارة، وبالتالي تغير الموقف تجاهه، فقامت الوزارة الجديدة — وزارة محمد محمود باشا — في فبراير ١٩٣٨، بفصله من عمله — مع مجموعة أخرى٤ — دون سابق إنذار، وذلك لأسباب سياسية. ويعيش عباس وأسرته في ضنك العيش أربع سنوات أخرى، حتى تغيَّرَتِ الوزارة عام ١٩٤٢، فأعاده رئيس الوزراء — ووزير الداخلية — مصطفى النحاس باشا، إلى العمل مع ترقيته؛ فقام عباس حافظ بكتابة شكوى إليه، يلتمس فيها إنصافه وظيفيًّا. ولأهمية هذه الوثيقة — من وجهة نظرنا — لما بها من شرح وافٍ لحياة عباس الوظيفية، ولما بها من معلومات رسمية مهمة، نذكرها هنا بصورتها الكاملة:

القاهرة في ٢٥ / ٥ / ١٩٤٢
حضرة صاحب المقام الرفيع وزير الداخلية

ألتمس النظر في شكواي هذه بعين العطف الذي طالما غمرتموني به وشددتم أزري بفيضه في أيام المحن وشدائد الجهاد:
  • (١)

    يبلغ مجموع مدة خدمتي الحكومية المحسوبة في المعاش نحو ٢٨ سنة قضيت منها في الدرجة الثامنة ١٤ سنة وفي السابعة ٣ سنوات وفي السادسة ٥ سنوات وفي الخامسة ٦ سنوات. وأُعِدْتُ إلى الخدمة في شهر مارس الماضي ثم رُقِّيتُ في دوري إلى الدرجة الرابعة من أول أبريل، وكان ينبغي الاحتفاظ بأقدميتي في الدرجة الخامسة فيجعل تاريخ ترقيتي الأخيرة من أبريل سنة ١٩٤٠. ولكني فقدت سنتين مع هذه الترقية العادية التي جاءت بعد فصلي وإحالتي إلى المعاش بلا ذنب جنيته غير عقيدتي السياسية، وإن كانت فضيلة تقرها أبسط مظاهر الحريات وحقوق الإنسان.

  • (٢)

    ومع ترقيتي الأخيرة لم يتجاوز راتبي ثلاثين جنيهًا ونصف جنيه، أي دون أقل مربوط الدرجة بنحو خمسة جنيهات. ويبلغ صافي المرتب حوالي ٢٢ جنيهًا، بعد الاستقطاعات المقررة واستبعاد نحو ٦ جنيهات نظير الاستبدال النقدي لجزء من المعاش في الأربع سنوات التي قضيتها مبعدًا عن وظيفتي بسبب الحزبية الطاغية.

  • (٣)

    وقد كنت من القلائل الذين حُورِبوا أكثر من مرة في رزقي ورزق أولادي بسبب عقيدتي الوطنية؛ ففُصِلت من وظيفتي في سنة ١٩٣٠ وشردت تشريدًا في العهد الصدقي، وقُدِّمت إلى القضاء عدة مرات وقاسيت المحن مختلفات، ثم فُصِلت في أعقاب الحكومة الوفدية في فبراير ١٩٣٨. وبلغ مجموع المدة التي قضيتها طريدًا من وظيفتي في هاتين المرتين نحو عشر سنوات، وهي فترة لا يستهان بها في أدوار عمر الإنسان، ودليل على شناعة الحزبية التي نكبتني في مادة حياتي وأصابت أسرتي وأولادي الأبرياء بأشد البلاء.

  • (٤)

    ولم يكن عملي في الحكومة عاديًّا منذ دخلت خدمتها، فإن الأربعة عشر عامًا التي قضيتها في وزارة الدفاع بالدرجة الثامنة — وهي الدرجة الدنيا في السلم الحكومي — كانت فترة إنتاج غزير لا يمكن أن ينتجه مستخدم في هذه الدرجة الصغيرة، فقد اشتغلت فيها بترجمة القوانين وتعريب كتب التعليم والفنون العسكرية، وهو عمل كان يؤديه وكيل إدارة قبل أن أتولاه، ولا تزال الكتب الفنية التي نقلتها إلى العربية في ذلك العهد مراجع في الجيش إلى الآن. وقد نُقِلت منها في سنة ١٩٢٨ إلى مصلحة التجارة والصناعة قبل تحويلها إلى وزارة بعد ترقيتي إلى درجة «ب» — المعادلة للسابعة الآن — فقمت بتحرير مجلة التجارة، وترجمت رسالة خبير الأرز، ورسالة خبير القطن، وأديت فيها عملًا فنيًّا لا يتفق مع درجتي الصغيرة في ذلك الحين. وفي سنة ١٩٣٠ نُقِلت إلى وزارة الداخلية في إدارة المطبوعات حيث قمت بعمل يتصل بالصحافة، ولم أكن يومئذٍ تجاوزت الدرجة السادسة، ولكن فُصِلت لعقيدتي السياسية في تلك السنة، وعانيت الشظف وصنوف البلاء خمسة أعوام متوالية حتى أعدت إلى الخدمة في سنة ١٩٣٥، ولكني لم أكد أستقر وأنقه من صدمة الفصل خمسة أعوام أو تزيد حتى فصلت مرة أخرى فجأة وبلا سابق تمهيد أو أقل نذير. وفي السنتين الأخيرتين كان معاشي قد وصل إلى نحو خمسة جنيهات وهي لا تكفي لمستخدم صغير، فضلًا عن رجل متزوج ووالد بنات وبنين.

  • (٥)

    ثمانية وعشرون عامًا في خدمة الحكومة، والعمل الممتاز والتفاني في المصلحة العامة، وإيثار خير الوطن على المنفعة الشخصية، ولم تتجاوز ماهيتي بعد كل ذلك، ورغم الأهوال والنكبات التي امتحنت بها، ثلاثين جنيهًا مع مكانتي الملحوظة في النهضة الثقافية، ومساهمتي من ثلاثين سنة في تغذية الأدب والحرية الفكرية في البلاد. وهي معاملة من الدولة قاسية بلا شك، ولا ترضاها حكومة الشعب لكاتب مفكر ووطني مخلص خاض أشد المحن وصنوف البلاء.

  • (٦)

    لهذا رأيت أن ألجأ إلى رفعة الرئيس الجليل ملتمسًا تسوية حالتي من بداية خدمتي إلى الآن لوضعي في الدرجة الثالثة بأقصى مربوطها حتى لا تقتل روح التضحية إذا هي لم تجد حسن التقدير.

وكتب النحاس باشا حاشية أسفل الشكوى، قال فيها: «حضرة الأستاذ الكبير معروف بصدق بلائه في الأدب وله مكانة عظيمة في عالم القلم، وهو من المعروفين بالوطنية الصادقة، فتُكتب مذكرة للعرض بإجابة طلبه.» وبالفعل ينصف النحاس الباشا عباس حافظ ويصدر قرارًا بترقيته إلى الدرجة الثالثة.

ويهنأ عباس حافظ عامين متتاليين من الاضطهاد والقمع، ولكنه لم يهنأ من متطلبات الحياة، فقد مرت السنون وكبرت بناته، وجاءت مرحلة زواجهن وما يصاحبها من مستلزمات مالية؛ فنجد الكاتب الكبير والوطني المخلص يتقدم بطلب تلو الآخر لاستبدال معاشه، من أجل زواج بناته، ووصل الأمر به إلى أن المتبقي من راتبه بعد هذا الاستبدال، لا يصلح للعيش بصورة كريمة. ولكن ماذا يفعل الأب أمام قسوة الحياة؟! لم يكن أمامه إلا أن يطلب بصفة استثنائية من وزير الداخلية فؤاد سراج الدين، استبدال خمسة جنيهات من معاشه لاستكمال مستلزمات زواج ابنته، ووافق الوزير على طلبه في أبريل ١٩٤٤.

وعندما أتمَّ عباس رسالته تجاه ابنته، وبدأ يفكِّر في كيفية العيش بالقدر الضئيل المتبقي من راتبه، حدث تغيير وزاري، فتلقى عباس قرارًا من رئيس الوزراء أحمد ماهر باشا في أكتوبر ١٩٤٤، يقضي بفصله من عمله لأسباب سياسية! وتزداد الهموم على عباس حافظ وتتراكم الديون عليه، فينبش بأظافره أرض الحياة ويصمد أمام ضربات القدر، ويدفع الثمن الباهظ نتيجة مواقفه السياسية طوال ست سنوات، تعاقبت خلالها وزارات كثيرة، منها: وزارة النقراشي باشا، ووزارة إسماعيل صدقي باشا، ووزارة إبراهيم عبد الهادي باشا، ووزارة حسين سري باشا، ووزارة النحاس باشا؛ ووزارة النحاس باشا الأخيرة استمرت في الحكم أسبوعين فقط، وربما لو طال عمرها لكانت أعادت عباس حافظ إلى عمله. ولكن شاءت الأقدار أن تأتي وزارة علي ماهر باشا إلى الحكم في عام ١٩٥٠، وهي الوزارة التي فصلت عباس حافظ، وهي أيضًا الوزارة التي أصدرت قرارًا بإعادة المفصولين السياسيين، وبالتالي عودة عباس حافظ إلى وظيفته.

وبعد استلام عباس وظيفته، قرَّرَ أن يضع حدًّا لتلاعب رجال الوزارات به، وذلك بأن يُحيل نفسه بنفسه إلى المعاش في أغسطس ١٩٥٠، دون انتظار الموعد الرسمي لذلك في ديسمبر ١٩٥٣، كما قال أيضًا في مذكرته ﺑ «التوصية لدى القصر بالإنعام علي بالبيكوية من الدرجة الأولى. وليس من شك في أن هذا هو أكبر صنيع تسدونه إلى رجل وطني وفيٍّ أينما خدم الدولة والشعب.»

وبالفعل تمت إحالته إلى المعاش في أكتوبر ١٩٥٠، دون أي ذكر لمنحه البيكوية بصورة رسمية.٥ وربما عزَّ على الحكومة إحالته إلى المعاش دون أن تضع له العراقيل حيث حذفت من سنوات خدمته، فترات فصله السياسي، رغم مخالفة هذا الأمر للقوانين المعمول بها، فأقام عباس دعوى قضائية ضد وزير الداخلية ووزارة المالية ورئاسة مجلس الوزراء، استمرت ثلاث سنوات، حتى جاء الحكم أخيرًا في صالحه.
وارتضى عباس حافظ بمعاشه، وتفرغ للكتابة والأدب عدة سنوات، من أجل توفير لقمة العيش له ولأولاده. وكفى بنا للاستدلال على حياته البائسة بعد المعاش، أن نذكر عدة أسطر من رسالته إلى الدكتور طه حسين عام ١٩٥٥، قال فيها: «أحسبني أطول بالترجمة عهدًا من أي مترجم في مصر. فقد بدأت عام ١٩١٢ … أي منذ قرابة ٤٣ عامًا … ورغم هذا العمر الطويل في الترجمة لا أزال رجلًا فقيرًا لن يجد أهله عند موته ثمن أكفانه، على كثرة ما كسبت، وطول ما اشتغلت. ولكن لي ذرية ضعافًا احتملت جلدًا تكاليفهم ولا أزال أرعاهم.»٦ وظل الأديب الكبير عباس حافظ يعمل جاهدًا، حتى أسلم روحه لبارئها يوم ٢٤ / ٦ / ١٩٥٩، عن عمر يناهز الخامسة والستين، وكان آخر عمل له هو رئاسة تحرير وكالة رويتر.٧

(٢) عباس حافظ أديبًا

كان الأدب المتنفس الوحيد لعباس حافظ، أمام الاضطهاد الوظيفي الذي لازمه طوال حياته، وهذا يفسر غزارة إنتاجه الأدبي — نوعًا ما — خصوصًا في مجال الترجمة. وملفه الوظيفي لا يحمل سوى عناوين قليلة لما قام به من ترجمات بحكم وظيفته رغم أهميتها في إظهار حقيقة نسبتها إلى مترجمها الحقيقي، كما بيَّنا. ولعل تنكيل الوزارات المختلفة بعباس حافظ، وفصله من عمله لسنوات كثيرة، أفسح المجال لقريحته الأدبية، لتنتج إنتاجًا وفيرًا يدر عليه بعض المال، كي يستطيع التواصل في الحياة، وبذلك تتحقق مقولة «رُب ضارة نافعة». وإن كان مجال الترجمة الأدبية، هو المجال الأبرز في إنتاج عباس حافظ الأدبي، إلا أن له مجالات أدبية أخرى، تتنوع بين التأليف والنقد وكتابة المقالات الصحفية.

(٢-١) إنتاجه الأدبي

تشير الأسطر القليلة التي كُتبت عن عباس حافظ أن إنتاجه الأدبي تمثل في تأليف وترجمة عشرة كتب، وثماني عشرة مسرحية، بالإضافة إلى مقالاته في جريدة البلاغ. وللأسف لم تذكر هذه الأسطر عناوين هذه الكتب أو المسرحيات، واكتفت بذكر أمثلة منها، لا تتعدى أصابع اليد الواحدة! لذلك اجتهدت في إحصاء أغلب العناوين التي تغطي مجالات عباس حافظ الأدبية، تبعًا لما بين يدي من معلومات. وإذا بدأنا بالكتب فسنجدها تتوزع بين التأليف والترجمة في أكثر من مجال.

fig4
فمثلًا في مجال التأليف التاريخي والسياسي والاجتماعي، وجدنا له الكتب الآتية: «نهضة مصر»، المطبعة التوفيقية بشارع درب الجماميز، عام ١٩٢٢؛ و«بطل النهضة المصرية الكبرى سعد زغلول باشا»، نشره عبد العال أحمد حمدان الكتبي عام ١٩٣٦؛ و«مصطفى النحاس أو الزعامة والزعيم»، مطبعة مصر ١٩٣٧؛٨ و«الشيوعية في الإسلام»؛ و«علم النفس الاجتماعي: بحث في نشأة الاجتماع وتطوره»، المكتبة التجارية الكبرى عام ١٩٤٨.
أما الكتب المترجمة والمعربة، فمنها: «كنوز الملك سليمان» للسير ريدر هجارد عام ١٩١١؛ و«ألوان من الحب»، سلسلة كتب للجميع، مطابع جريدة المصري، ١٩٥٠؛ ورواية «الشهداء»، كتاب مسامرات الشعب، مطبعة الشعب؛ وقصة «أسطورة الحيوانات الثائرة» لجورج أرويل، دار المعارف ١٩٥١؛ و«المعبود الذي هوى: دراسات في الشيوعية»، دار النيل للطباعة ١٩٥١؛٩ و«مذكرات بكوك» لتشارلز دكنز، ١٩٥٨؛ و«المملوك المفقود».
أما المسرحيات المترجمة المنشورة، فمنها: «سيرانو دي برجراك» لأدمون روستان، سلسلة روائع المسرح العالمي، عدد ٣، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، القاهرة، يوليو ١٩٥٩؛ و«ضجة فارغة» لشكسبير، مسرحيات شكسبير، المجلد التاسع، الإدارة الثقافية بجامعة الدول العربية، دار المعارف، عام ١٩٦٨؛ و«العبرة بالخواتيم» لشكسبير، مسرحيات شكسبير، المجلد الثالث عشر، الإدارة الثقافية بجامعة الدول العربية، دار المعارف، عام ١٩٨٣.١٠
أما المسرحيات المترجمة غير المنشورة، والمحفوظ بعضها — بالمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية — في صورة مخطوطة، فهي: «شاترتون أو شقاء الشاعر» لألفريد دوفيني ١٩١٦،١١ «الزوج الموسوس» ١٩١٦،١٢ «تيمون» لشكسبير ١٩٢١،١٣ «زواج بالحيلة» لموليير،١٤ «الاستعمار».١٥ وهذه المسرحيات المخطوطة، هي النصوص المنشورة في هذا الكتاب.

أما المسرحيات — المترجمة أو المؤلفة — التي تعتبر مجهولة؛ لأنها لم تُنشر ولم نستطع الحصول عليها، ولكننا حصلنا على إعلاناتها ومقالاتها عندما مُثلت — وسنفصل الحديث عنها فيما بعد — فهي: «العذراء المفتونة» لهنري باتاي ١٩١٦، و«قسوة الشرائع» ١٩١٧، و«الشمس المشرقة» ١٩١٨، و«قابيل» ١٩٢١، و«زعيم الشعب» لبول بورجيه ١٩٢١، و«نبي الوطنية» لبون لوازون ١٩٢٥.

هذا بالإضافة إلى الكتب التي ذكرها الزركلي ولم نطلع عليها، وهي: «العقل الباطن وعلاقته بالأمراض النفسية» لسادلر، «سلمى»، «الفردوس المسموم»، «دموع وضحكات».

أما المجال الصحفي، فكان عباس حافظ من أعلامه، وكانت مقالاته تنشر في الصفحات الأولى تحت اسم «الكاتب الكبير عباس حافظ». وتنوع نشاطه الصحفي بين نشر المقالات والقصص المترجمة في المجلات، وبين نشر المقالات الأدبية والسياسية في الصحف؛ فعلى سبيل المثال، نجده ينشر بعض الترجمات في مجلة البيان للشيخ عبد الرحمن البرقوقي عام ١٩١٢،١٦ ويقوم بتحرير مجلة التجارة عام ١٩٢٨، وينشر في مجلة الهلال — يناير ١٩٤٦ — قصة قصيرة من تأليفه بعنوان «أعاصير العاطفة»، ويترجم رسائل بيتهوفن تحت عنوان «الحبيب المجهول» وينشرها في مجلة الهلال أيضًا — يناير ١٩٣٧ — ويترجم ملخص قصة «الصقر» لكارل ماسون، وينشرها في مجلة الهلال كذلك في مارس ١٩٤٧. كما وجدنا له أيضًا قصة قصيرة مؤلفة باسم «عرفت الحب».

وإذا تطرقنا إلى مقالاته الصحفية، فسنحتاج إلى دراسة أخرى لتتبعها! حيث كان عباس حافظ — في أغلب فترات فصله الوظيفي — مقيمًا في دور هذه الصحف، بل وكان عنوان إقامته الدائم في هذه الفترات، هو عنوان إحدى الصحف أو المجلات! وهذا من واقع وثائق ملفه الوظيفي. فعلى سبيل المثال: كان عنوانه عام ١٩٢٤ هو عنوان «جريدة الحال» لصاحبها خليل بك عاصم، وفي العام التالي كان عنوانه «مجلة اللطائف المصورة»، وفي عام ١٩٣٤ كان عنوانه «جريدة كوكب الشرق»، حيث كان محررها الأول. هذا بالإضافة إلى مقالاته في صحف المنبر، صوت مصر، البلاغ، المصري … إلخ.

(٢-٢) نشاطه المسرحي

أحصينا فيما سبق — تبعًا لما بين أدينا — مسرحيات عباس حافظ المترجمة، ولاحظنا أن المنشور منها لا يتعدى الثلاث! رغم أنه ترجم أربع عشرة مسرحية، وهو العدد المتاح لنا، والذي يشير إلى وجود عدد آخر لم نستطع الحصول عليه. وإذا كانت المسرحيات المترجمة متاحة الآن، سواء كانت منشورة أو مخطوطة، إلا أن غير المتاح هو المسرحيات المترجمة والمؤلفة المجهولة! ولحُسن الحظ أن أخبار هذه المسرحيات — عندما مُثلت — ما زالت محفوظة بين أوراق الدوريات المختلفة، والتي تمتد من عام ١٩١٦ إلى عام ١٩٣٠! ومن الواجب علينا، طالما أخرجنا حياة عباس حافظ من بين أوراق ملفه، أن نخرج أيضًا معلومات مسرحياته المجهولة من بين أوراق الدوريات!

وتُعتبر مسرحية «شاترتون أو شقاء الشاعر» أولى مسرحيات عباس حافظ المترجمة والممثلة أيضًا، وذلك على الرغم مما يشوبها من غموض في ظروف تمثيلها على خشبة المسرح! ففي مايو ١٩١٦، نشرت جريدة المقطم إعلانًا تحت عنوان الأدب والطرب، جاء فيه: «في مساء يوم الخميس ١٨ مايو الجاري يمثل جوق الممثلة المصرية السيدة منيرة المهدية لأول مرة رواية السارق في تياترو برنتانيا، ثم يقوم ممثلان نابغان بتمثيل «شقاء الشاعر»، وهي مأساة بليغة مبكية تصور حياة شاعر خالد قضى ضحية الإهمال، معربة بقلم الكاتب الكبير عباس حافظ. وتطرب السيدة منيرة المهدية الحضور بقصيدة استقبال وقصيدة سلي النجوم. وتختم الحفلة بفصل مجوني من أمين عطا الله.»١٧
وعلى الرغم من ذكر اسم المسرحية «شقاء الشاعر»، واسم معربها عباس حافظ بصورة صريحة لا لبس فيها، إلا أننا نشك في تمثيل المسرحية من قبل فرقة منيرة المهدية، وبالصورة الموصوفة في الإعلان، وذلك لعدة أسباب، منها:
  • (١)

    أن منيرة المهدية لا تمثل أية مسرحية لا يكون الغناء أساسها التمثيلي، وأن يكون بطلها شخصية نسائية، حتى تضمن منيرة دور البطولة التمثيلية والغنائية فيها. والمعروف أن مسرحية «شقاء الشاعر» بطلها شاعر، وخالية من الغناء!

  • (٢)

    الإعلان المنشور يفيد بأن الفرقة ستمثل أولًا المسرحية الأساسية «السارق»، ثم بعد ذلك تمثل الفرقة — في العرض ذاته — مسرحية «شقاء الشاعر»! وعلى ذلك نقول: هل يُعقل تمثيل مسرحيتين كبيرتين في ليلة عرض واحدة؟! هذا بالإضافة إلى الفصل المضحك وغناء منيرة المهدية عدة قصائد!

  • (٣)

    يفيد الإعلان المنشور أن ممثلين فقط سيقومان بتمثيل مسرحية «شقاء الشاعر»، علمًا بأن شخصيات المسرحية — كما هو ثابت من النص المنشور في هذا الكتاب — أكثر من عشر شخصيات!

لهذه الأسباب نشك في تمثيل المسرحية بالصورة التي جاءت في الإعلان السابق. ومما يؤكد هذا الشك قيام جريدة الوطن بنشر كلمة قصيرة بقلم أدهم دلاور — بعد أقل من أسبوع على نشر الإعلان السابق — أبان فيها أنه مدعو — من قبل عباس حافظ — لحضور بروفات مسرحية «شقاء الشاعر شاترتون»، التي عربها عباس حافظ عن الكاتب الفرنسي الفريد دوفيني، وأن نجيب الريحاني سيقوم بدور البطولة فيها!١٨ دون أن يذكر أية إشارة أو تصحيح للإعلان السابق! علمًا بأن مذكرات الريحاني ومعظم الكتابات التي كُتبت عنه لم يأتِ بها أي ذكر لهذه المسرحية، مما يجعلنا نشك في قيام الريحاني بتمثيل هذه المسرحية، بناءً على الكلمة المنشورة! ومما يؤكد هذه الشكوك برمتها، عدم وجود أية مقالات نقدية — حسب اطلاعنا — تفيد بأن منيرة المهدية أو نجيب الريحاني قاما بتمثيل مسرحية «شاترتون»!
fig5
إعلان مسرحية شاترتون (هذا الإعلان أهداه لي الزميل د. سامي عبد الحليم، فله مني جزيل الشكر والتقدير).

وعلى الرغم من شكنا في تمثيل هذه المسرحية، رغم ما نشر عنها عام ١٩١٦، إلا أننا وجدنا دليلًا قاطعًا على تمثيلها، ولكن للأسف بدون تاريخ واضح! وهذا الدليل عبارة عن إعلان صغير كان يوزع على المارة وفي المقاهي والشوارع وعلى أبواب المسارح، يفيد بأن جمعية رقي الآداب والتمثيل ستمثل مسرحية «شاترتون» تأليف الفريد دوفيني ومن تعريب عباس حافظ. وإذا علمنا أن هذه الجمعية تمثل نشاطها التمثيلي في عام ١٩١٦، سيكون هذا العام هو الاحتمال الأكبر لتمثيل مسرحية «شاترتون».

ومسرحية «شاترتون أو شقاء الشاعر»، تدور أحداثها حول شاعر شاب يدعي شاترتون، انعزل عن الأصدقاء والناس لأنهم لم يقدروا موهبته الشعرية، فعاش يائسًا بائسًا في غرفة بمنزل جون بل، بعد أن أخفى عنه اسمه وعمله. وبمرور الأيام تنشأ علاقة عاطفية طاهرة بين شاترتون وبين كيتي بل زوجة صاحب البيت. وهذه العلاقة لاحظها الأستاذ، وهو رجل متدين وأحد سكان المنزل، وكان دائمًا يحذر شاترتون من الاستمرار في هذه العلاقة، باعتباره من الشعراء مرهفي الحس. وبمرور الوقت، وأمام الحاجة إلى المال، قام شاترتون بتأليف عدة قصائد، قام بنشرها في الصحف، على اعتبار أنها من نظم شاعر قديم. فقامت ضجة نقدية كبيرة حول ظهور هذه القصائد، وقام النقاد باكتشاف الحقيقة، فانهالوا بالتجريح على شاترتون، رغم أنهم مدحوا هذه القصائد، عندما اعتقدوا أنها من نظم الشاعر القديم. وفي يوم يأتي بعض الأصدقاء إلى المنزل لزيارة جون بل، فيتعرف أحدهم على شاترتون، ويقص على الموجودين قصته. هنا لم يجد شاترتون ملاذًا غير حب كيتي بل وعطف الأستاذ، ولكنه كان يعلم أن حبه لكيتي هو حب من طرف واحد، وعندما شعر بأنها تبادله الحب، انتحر كي يحافظ على أسرتها، وكي ينهي حياته البائسة. ولكن كيتي بل حزنت عليه حزنًا شديدًا حتى ماتت!

أما المسرحية الثانية، التي عربها عباس حافظ من الفرنسية، فكانت «العذراء المفتونة» تأليف هنري باتاي، ومثلتها فرقة الشيخ سلامة حجازي على مسرح الحمراء بالإسكندرية في ديسمبر ١٩١٦.١٩ وفرقة سلامة حجازي مثلت له أيضًا مسرحيته المعربة الثالثة «قسوة الشرائع» بدار الأوبرا في مارس وأبريل ١٩١٧.٢٠ أما مسرحيته الرابعة فكانت «الشمس المشرقة»، وهي مسرحية يابانية — ربما عربها من ترجمة إنجليزية أو فرنسية — وهذه المسرحية مثلتها فرقة عبد الرحمن رشدي بدار الأوبرا في مايو ١٩١٨.٢١ وقدمتها الفرقة مرة أخرى على مسرح كازينو دي باري في سبتمبر، وكانت من تمثيل: عبد الرحمن رشدي وعمر وصفي وروز اليوسف، وغناء محمد عبد الوهاب. وفي مايو ١٩٣٠ مثلت نقابة موظفي الحكومة المصرية هذه المسرحية بدار الأوبرا، وقام بتمثيلها بعض الموظفين الهواة.٢٢

ومسرحية «الشمس المشرقة»، تدور أحداثها حول شاب ضحى بحياته فداءً لزعيم أمته. ذلك الزعيم الذي اتُّهم بقتل امرأة كانت تسعى للحصول منه على معلومات مهمة، وكانت تخدعه باسم الحب. وهذا الزعيم هام في حب هذه المرأة، ولكنه عندما اكتشف خيانتها للوطن قام بقتلها، مفضلًا حب الوطن على حبه الشخصي، فتم القبض عليه وتقديمه للمحاكمة. وأثناء المحاكمة تقدم شاب مخلص لوطنه ولزعيمه ووقف أمام القضاة مدعيًا أنه القاتل الحقيقي، وبذلك أنقذ زعيمه. وذهب الشاب ضحية الواجب، فأشرقت الشمس على الوطن من جديد.

fig6
إعلان مسرحية الشمس المشرقة (هذا الإعلان أهداه لي الزميل د. سامي عبد الحليم، فله مني جزيل الشكر والتقدير).
وكانت مسرحية «قابيل»، المسرحية الخامسة في ترتيب مسرحيات عباس حافظ المُمثلة، ولكنها في الوقت نفسه تُعتبر أول مسرحية مؤلفة له! ولكن بكل أسف هي مسرحية مفقودة، لم نحصل على نصها حتى الآن! وقد عرضتها فرقة إخوان عكاشة على مسرح حديقة الأزبكية في يونيو ١٩٢١، وقام بتمثيلها عبد الله عكاشة، عبد العزيز خليل، بشارة واكيم، وآخرون، ثم أعادت الفرقة تمثيلها في مايو ١٩٢٣.٢٣

ومسرحية «قابيل» تدور أحداثها حول زواج مصطفى بك ابن عثمان باشا، من الفتاة إحسان ابنة عز الدين باشا. ولكن هذا الزواج لم يدم طويلًا حيث طلق مصطفى زوجته بعد أن أنجبت له ابنًا هو مختار بك. وبعد الطلاق قام مصطفى بالزواج من أخرى ورُزق منها بولد هو جلال بك وبابنة هي سنية. وبمرور الوقت نشأت عداوة بين الأخوين، وصلت إلى حد الشروع في القتل، عندما اعتدى مختار على أخيه جلال فأصابه إصابة قاتلة، وبدأت النيابة التحقيق دون أن تعثر على الجاني. ولكن الأب اكتشف أن الجاني هو ابنه مختار، فصمم على تقديمه للعدالة، ولكن المحقق يأتي في هذه اللحظة ويقول إن المجني عليه أعطى أوصافًا مختلفة عن أوصاف مختار، كي يبعد الشبهة عنه لأن الأمل في إنقاذه من إصابته ضئيل. وعندما يسمع الجاني هذا، يقرر الانتحار تكفيرًا عن جريمته. وفي اللحظة التي ينتحر فيها الشقيق الجاني، يتم شفاء الشقيق المجني عليه.

بعد أيام قليلة من تمثيل مسرحية «قابيل»، وجدنا فرقة عمر بك سري تعرض مسرحية «زعيم الشعب» من تأليف بول بورجيه ومن تعريب عباس حافظ، لتكون مسرحيته الممثلة السادسة، وقام ببطولتها عمر سري وأحمد علام، وتم عرضها في أواخر يونيو ١٩٢١.٢٤ والغريب أننا وجدنا ملخصًا منشورًا لهذه المسرحية في إحدى الصحف، يتشابه إلى حد ما مع بعض الخطوط الرئيسية لمسرحية «قابيل»، رغم إقرار الصحف بأن مسرحية «قابيل»، مسرحية مؤلفة!
وملخص المسرحية المنشور، يصفها بأنها «رواية جليلة يلتقي فيها والد عظيم وابن مجرم نَزِق، يحاول أن يُغري أباه باستخدام نفوذه لكتم جرمه، فيصمم الأب على تسليم ابنه للعدالة حفظًا لسمعته ومنصبه. ولكنه يعود بحكم الأبوة فيصفح عنه على شريطة أن يرحل مجاهدًا للتكفير عن ذنبه، ثم يقدم الأب العظيم استقالته من منصبه الذي لا يستطيع إشغاله وعلى ضميره وقر كهذا.»٢٥
أما مسرحيته السابعة والأخيرة فكانت «نبي الوطنية» لبون لوازون، عرضتها فرقة جورج أبيض على مسرح برنتانيا في يناير ١٩٢٥، وقام ببطولتها جورج أبيض، دولت أبيض، حسين رياض، بشارة واكيم، منسي فهمي، عباس فارس، عبد الفتاح القصري، أحمد نجيب، يوسف حسني، جميلة سالم.٢٦ وموضوع هذه المسرحية يتشابه أيضًا مع موضوع مسرحيتي «قابيل» و«زعيم الشعب»! وكأن عباس حافظ لا يؤلف ولا يُعرب ولا يترجم إلا المسرحيات الملتهبة بحب الوطن والتضحية في سبيله بكل عزيز، والتمسك بالمبدأ مهما كان الثمن المدفوع!

فمسرحية «نبي الوطنية» تدور أحداثها حول النائب الوطني بودوان، الذي رفض منذ زمن منصب الوزير، من أجل الدفاع عن مبادئ حزبه، وفضل أن يكون حرًّا طليقًا من قيود الوزارة. وتنتشر في البلدة فضيحة رشوة كبيرة يُتهم فيها بعض كبار القوم، فيقبل بودوان منصب الوزير من أجل تطهير البلدة، ويبدأ عمله بقضية الرشوة، فيتضح له أن ابنه من أكبر المتورطين فيها. ويحاول بعض المسئولين الضغط عليه كي لا يفضح ابنه، الذي أصبح نائبًا في البرلمان، وإشفاقًا على أمه وعلى نفسه باعتباره أبًا قبل كل شيء. ولكن بودوان ينسى عاطفة الأبوة، وينسى تضرعات زوجته ويعلن على الملأ أن المجرم في حق وطنه هو ابنه وفلذة كبده، وكان في استطاعته أن يكتم السر، ولكن الإيمان بالوطن عنده كان المقام الأول، وكل ما في العالم من اعتبارات يجب أن يُطرح ويُمتهن!

ومن حُسن الحظ، أن هذه المسرحية شاهدها أحد نقاد ذاك الزمان — ممن نثق في رأيهم وكتاباتهم — وهو محمد عبد المجيد حلمي، الذي كتب كلمة عن أسلوب عباس حافظ في الترجمة، تعكس لنا قيمة ترجماته، ونظرة النقاد لها في زمنها. حيث قال الناقد: «ترجم هذه الرواية الحية، الأديب عباس حافظ، وأنت تعرف كتابته، ولغته، فليس في مصر أديب لم يقرأ له، وليس في مصر متأدب لم يتذوق حلاوة تلك اللغة الموسيقية البديعة، فإذا نجحت الرواية — وقد نجحت — فلا أقل من أن تقول إن لعباس حافظ فضلًا كبيرًا في نجاحها. فقد سارت الرواية متسقة على نمط واحد من الإبداع، وفي قوة متناسبة بين إحكام الموضوع، وإحكام الوضع المسرحي، وإحكام الترجمة، وإحكام التمثيل! ولقد يعيب بعضهم هذه اللغة الفخمة التي ترجم بها عباس حافظ، وهم معذورون، فقد ألفوا اللغة الدارجة على المسرح، وتعودوا العامية، وما فوقها، وما دونها. وإذن فقد كان لا بد من إدخال هذه اللغة الفخمة الرائعة في المسرح ولو بين حين وحين.»٢٧

(٢-٣) عباس حافظ ناقدًا مسرحيًّا

لم يكن مجال الترجمة المجال الوحيد في نشاط عباس حافظ المسرحي، بل هناك نشاط آخر هو النقد المسرحي الذي مارسه — ربما — قبل الترجمة المسرحية. وأولى محاولاته النقدية بدأت في مارس ١٩١٦، عندما نشر مجموعة من المقالات النقدية بجريدة المنبر، تحت عنوان «الروح العامة في آداب المسرح المصري». في هذه المقالات ظهر عباس حافظ بمظهر الناقد المتمرس، لا الناقد المبتدئ، بل وظهر بمظهر الرائد في مجال نقد لغة المسرح ونصوصها، وبالأخص لغة ترجمة المسرحيات الممثلة.

ففي هذه المقالات، شن عباس حافظ هجومًا شرسًا على عرض مسرحية «أجاممنون أو الرجاء بعد اليأس» التي عرضتها فرقة الشيخ سلامة حجازي. وتمثل هجومه في امتعاضه من لغة ترجمة الشيخ نجيب الحداد لهذه المسرحية، حيث إنها لغة أصبحت غير مناسبة للعصر وتطوراته، وإن كانت مناسبة للغة العروض المسرحية في القرن التاسع عشر. كما بيَّن في نقده أن الجمهور أصبح تواقًا لسماع لغة المثقفين المتعلمين، بعد أن مجَّ سماع لغة التجار العاميين من أهل المسرح، الذين لا همَّ لهم سوى استلاب نقود الجمهور، بغض النظر عن إكسابهم قيمة المسرح المتمثلة في لغته الراقية. كما بيَّن أيضًا أن صراعًا بدأ ينشب بين القديم والجديد، وتفضيله لانتصار الجديد وأصحابه ممن يترجمون بلغة عصرية فصيحة، صالحة لمتطلبات العصر.٢٨ وربما هذا النقد النظري، كان دافعًا قويًّا لعباس حافظ كي يخوض مجال الترجمة المسرحية الملائمة لروح العصر، لتكون ترجماته — فيما بعد — تطبيقًا لما نظَّر له في هذه المقالات.

وفي مارس ١٩١٦ أيضًا، كتب عباس حافظ في جريدة المنبر مجموعة مقالات نقدية، تحت عنوان «قلب المرأة للكاتب الكبير عباس حافظ»، هاجم فيها كتابات محمد لطفي جمعة، وبالأخص مسرحيته قلب المرأة. ويُعاب على أسلوب عباس حافظ النقدي في هذه المقالات، تدني مستوى مفرداته وأوصافه المشينة، التي وصلت إلى حد وصف لطفي جمعة بأنه «من الحشرات الأدبية التي تمتص أفكار المنتجين»!

وفي هذه المقالات نبش عباس حافظ تاريخ لطفي جمعة الأدبي، متهمًا إياه بسرقة ترجمة كتاب «كلمات نابليون»، الذي ترجمه إبراهيم رمزي، وأعاد لطفي — فيما بعد — نشره باسم «حكم نابليون». كما اتهمه أيضًا بانتحال مقالة منشورة في مجلة أدبية لكاتب مصري مفكر، كانت تدور حول آراء نقد كتاب «سر تطور الأمم» لجوستاف لوبون وترجمة فتحي زغلول. وبعد هذا التشكيك في قدرات لطفي جمعة الأدبية، واتهامه بالسرقة العلمية، فجر عباس حافظ مفاجأته بأن مسرحية قلب المرأة ليست من بنات أفكار لطفي جمعة، بل هي منتحلة من مسرحيتين أجنبيتين، وراح يعطي الدليل وراء الآخر!٢٩
والغريب أن مسرحية قلب المرأة ما هي إلا جزء من ترجمة لطفي جمعة الذاتية، تحكي عن فترة من حياته قضاها في أوروبا أثناء الدراسة.٣٠ ولعل عباس حافظ فطن إلى ذلك فيما بعد، فأرسل رسالة إلى لطفي جمعة بعد أكثر من عام، يعتذر فيها عما بدر منه في الماضي.٣١ وتوالت بعد ذلك مقالات عباس حافظ النقدية المتعلقة بالمسرح، مثل مقالته النقدية عن مسرحية حسناء العرب لفيليب مخلوف، الذي امتدح أسلوبها العربي الرصين.٣٢

ومن الواضح أن روح النقد المسرحي عند عباس حافظ، لم تكن مقصورة على كتاباته الصحفية، بل كانت ملتصقة بعمله الوظيفي. ففي عام ١٩٣٥ كان عباس حافظ يعمل رقيبًا على النصوص المسرحية في قلم المطبوعات بوزارة الداخلية، وكان يكتب التقارير المتنوعة الخاصة بتصريح أو بمنع النصوص المسرحية من التمثيل على خشبة المسرح. والرقابة المسرحية — كما هو معروف — كانت قاصرة على رصد الموانع الرقابية المتعلقة بالأمور الدينية والأمن العام. ولكن عباس حافظ انتهج أسلوبًا جديدًا في الرقابة المسرحية، لم يكن معهودًا من قبل، ويُعتبر رائدًا في انتهاجه.

ففي يناير ١٩٣٥ تقدَّمَ إلى قلم المطبوعات — نائب مدير معهد التمثيل الشرقي — الكاتب سيد الجمل٣٣ بمسرحيته المؤلفة «نيران»،٣٤ من أجل التصريح بتمثيلها، وقام بقراءتها عباس حافظ — بوصفه رقيبًا — وكتب تقريرًا نقديًّا برفضها، لما بها من ركاكة وضعف بالغ في كل موضع بها، وليس لها أي مغزى، ومفتقدة للعقدة والحبكة المسرحية … إلخ. ويختتم الرقيب الناقد تقريره بقوله: «فإن كان المراد من رقابة الروايات الاطمئنان المجرد إلى خلوها من أية فكرة خطرة على الأمن أو على النظام الاجتماعي فهذه من ذلك كله خالية. ولا مانع من ردها إلى المؤلف ليعالج إصلاحها إن استطاع. وإن كان غرض الرقابة سلامة ما يُقدم إلى الجمهور والمخافة على ذوقه من الإفساد وحمايته من أن تكون تجارب المؤلفين المبتذلين على حسابه؛ فلست أرى وجهًا لإقرار هذه الرواية بحال.»٣٥

وهذا التقرير يعتبر وثيقة مهمة بالنسبة لنظم الرقابة المسرحية، لما احتوى عليه من روح نقدية، وبنود رقابية تقدمية. فلأول مرة نجد الرقيب — بروح نقدية — يبحث عن المغزى والمضمون … إلخ، قبل أن يبحث عن الموانع الرقابية. هذا فضلًا عن بحثه في المصطلحات المسرحية، مثل العقدة والحبكة والتصوير … إلخ. وأهم ما يميز هذا الرقيب الناقد، تفهمه الواعي لدور الرقابة. فهو لا يطبق نصوص القانون بصورة عمياء — كما يفعل معظم الرقباء — بل نجده يطبق روح القانون. وتبلغ الجرأة برقيبنا الناقد أن يوجه أنظار المسئولين على رقابة الروايات، إلى أن الهدف من الرقابة ليس المحافظة على الأمن العام والمجتمع — كما هو معروف ومتبع من قبل جميع الرقباء — بقدر المحافظة على سلامة الذوق الفني عند الجمهور فيما يتلقاه من فنون مسرحية. وأمام إيمانه بهذه الحقيقة يرفض الترخيص بتمثيل المسرحية، ويصدق على هذا الرفض رئيسه في العمل!

وبهذا الحماس النقدي، وجدنا عباس حافظ يكتب تقريرًا برفض مسرحية الزعيم٣٦ لأحمد يوسف٣٧ عام ١٩٣٦؛ لأنه يصور زعيم الأكثرية بصورة غير لائقة، ويلصق به علاقات مشينة مع إحدى الراقصات، كما يصور حياته بصورة لاهية. كما أن المؤلف خلع عليه لقب «الرئيس الجليل»، وهو لقب بعض الزعماء بالفعل. ويختتم الرقيب عباس حافظ تقريره بقوله: «هذا كلام فارغ، وموضوعات لا يليق عرضها على الجمهور في المسارح … ولا يمكن السماح برواية كهذه مطلقًا.» وربما كان الرقيب الناقد محقًّا في رأيه هذا؛ لأنه في ذلك الوقت كان الأقدر على معرفة الزعامة وقدرها عند الناس؛ لأنه ألف في هذه الفترة كتابين عن زعيمين جليلين هما سعد زغلول ومصطفى النحاس، كما مر بنا. وربما كانت آراء عباس حافظ، من الآراء التي تستلفت نظر رؤسائه في العمل، بدليل أن مديره الأعلى صدق على رفض المسرحية.
fig7
صورة تقرير عباس حافظ لمسرحية الزعيم تأليف أحمد يوسف عام ١٩٣٦.

ومن الجدير بالذكر، أن عباس حافظ لم يكتفِ بنقد المسرح التطبيقي — المُمثل — باعتباره ناقدًا صحفيًّا، أو بالنقد الرقابي باعتباره رقيبًا مسرحيًّا، بل أيضًا وجدنا له أعمالًا نقدية نظرية ذات منهج علمي في الترجمة؛ فعندما طُبِعت مسرحية «سيرانو دي برجراك» لأدمون روستان وترجمة عباس حافظ، وجدنا المترجم لم يلتزم الترجمة فحسب، بل تعدَّاها إلى وضعِ بعض الحواشي التي تدل على سعة اطِّلاعه وثقافته المتنوِّعة وعلمه الغزير؛ فعلى سبيل المثال، يأتي في ثنايا حوار المسرحية ذِكْر الرسَّامَيْن دي شامبان وجاك كالو، دون أي تعريف لهما، فيقوم المترجم عباس حافظ بكتابة هامش، عرَّفَ فيه هذين العَلَمَيْن للقارئ، مع ذِكْرٍ لأهم أعمالهما الفنية؛ كذلك وجدناه يشرح في هوامشه معنى رياح المسترال، وشخصية سكاراموش، واسم ميرميدون … إلخ.

وكفى بنا أن نذكر هنا رأْيَ عبد الرحمن صدقي في ترجمة عباس حافظ لهذه المسرحية، عندما قال: «إني اليومَ على يقينٍ من أن هذا الشعر الذي يحرص أهلُه هذا الحرصَ على نصِّه الفاخر في أصله الفرنسي، قد لقي في ترجمته هذه إلى اللسان العربي صورته المطابقة … ويحملنا على هذا اليقين ما يُعرَف به الناقِلُ الفاضِلُ من التمكُّن في صناعته، والتجلية في حلبته، والانطباع على قوة البيان، والبصر بمذاهب الكلام، وفنون الأدب. والحق أن هذه المسرحية في حلَّتِها العربية من أنفس ما يُهدَى إلى القرَّاء، شبابهم وشيوخهم على السواء، ولا نخصُّ عشَّاقَ المسرح منهم، بل قرَّاء الأدبَ كلهم، في الوطن العربي كله.»٣٨
وفي ترجمة عباس حافظ لمسرحية شكسبير «ضجة فارغة» أو much ado about nothing، نجده يلتزم منهجَه في الترجمة من حيث وَضْع الهوامش التفسيرية والتعليقات الأدبية والنقدية، ثم نجده يُطوِّر هذا المنهجَ إلى كتابة نقدٍ متنوِّع في عدة عناوين منها: كلمة الناقل، وأسلوب شكسبير في قصصه الماجنة، وحياة شكسبير، ومصادر القصة: من أين استقى الشاعر موضوعه؟٣٩ وبالأسلوب نفسه ترجَمَ عباس حافظ مسرحيةَ شكسبير «العبرة بالخواتيم»، وقدَّمَ لها بمقدمة نقدية، جاءت في عدة عناوين منها: موضوع القصة ومن أين اقتبَسَها شكسبير، وبراعة شكسبير في صياغة القصة والزيادة عليها … إلخ.٤٠

خاتمة

هذه هي سيرة الكاتب والأديب المترجِم عباس حافظ؛ ذلك الرجل المضطهَد وظيفيًّا لانتمائه السياسي الوطني، والذي قاوَمَ أعداءه بالصبر والتحمُّل، والذي أدَّى رسالتَه في الحياة على أتمِّ وجه، والذي نذَرَ قلمه من أجل مبادئه السياسية، والذي يُعتبَر من الوطنيين المخلصين لقضايا وطنه؛ وهو أيضًا الكاتبُ التاريخي الذي كتب عن الزعماء الوطنيين أمثال سعد زغلول ومصطفى النحاس، وهو الكاتب السياسي الذي كتب عن الشيوعية، وهو الكاتب الاجتماعي الذي كتب عن نشأة الاجتماع وتطوُّره، وهو الكاتب المسرحي الذي تنوَّعَ إنتاجُه بين التأليف والترجمة والتعريب والنقد، وهو الصحفي المنتشرة كتاباتُه في أغلب الصحف والمجلات طوال نصف قرن؛ وأخيرًا، هو أحد روَّاد الترجمة في عصرنا الحديث، ممَّن ترجَمُوا الكتبَ المتنوعة منذ عام ١٩١١، وحتى وفاته عام ١٩٥٩.

١  يحتفظ قلم الوزارات بدار المحفوظات العمومية بالقلعة، بملف باسم «عباس حافظ علي حافظ»، وهو الملف المعتمد عليه في محور «حقائق في حياة عباس حافظ».
٢  يُنظَر في ذلك: جريدة صوت مصر، حمدي سيف النصر: بقلم الكاتب الكبير الأستاذ عباس حافظ، عدد ١٥، ٩ / ٩ / ١٩٣٠، ص١.
٣  أبانت بعض الوثائق المحفوظة بالملف، أن عدد أولاده ستة، مات أحدهم طفلًا عام ١٩٢٤. وفي وثيقة أخرى وجدناه يعول عام ١٩٤٣ فريدة ٢٠ سنة، ومنيرة ١٦ سنة، وسناء ٧ سنوات. ووثيقة أخرى عام ١٩٤٤ تفيد بأن له ابنة متزوجة، وابنًا متزوجًا اسمه أنور.
٤  وهذه المجموعة تضم: عبد العزيز النحاس بك مدير الدقهلية، حسن حسني أبو زيد المفتش بإدارة التفتيش بالوزارة، أحمد فريد رفاعي مدير مصلحة الصحافة والنشر والثقافة، د. رياض شمس الموظف بإدارة المطبوعات، محمد كامل البنا الموظف بإدارة المطبوعات، الشيخ محمد أبو زيد الواعظ العام بالوزارة، الملازم ثان سيف الدين فؤاد سري ملاحظ البوليس بمديرية الغربية.
٥  لم نجد في وثائق الملف الخاص بعباس حافظ أية إشارة تفيد منحه رتبة البيكوية عام ١٩٥٠ أو بعده، وبالرغم من ذلك وجدناه ينشر كتابًا يذكر اسمه فيه هكذا: عباس حافظ بك. يُنظَر في ذلك: المعبود الذي هوى: دراسات في الشيوعية، نقلها إلى العربية عباس حافظ بك، دار النيل للطباعة، ١٩٥١. والمعروف عُرفيًّا وتاريخيًّا — في هذه الفترة — صعوبة الكذب في نيل الألقاب والرتب، أي استحالة كتابة اسم عباس حافظ بك، دون أن يكون قد نال هذه البيكوية بالفعل. وربما وثيقة البيكوية محفوظة في مكان آخر، غير ملفه الوظيفي.
٦  نبيل فرج، طه حسين ومعاصروه، السابق، ص٣٠٤.
٧  نشرت جريدة الأهرام في ٢٤ / ٦ / ١٩٥٩، نعيًا جاء فيه: «محررو وموظفو وكالة رويتر ينعون بمزيد الأسى والحزن الأستاذ عباس حافظ رئيس التحرير، ويتضرعون إلى الله أن يتغمد الفقيد برحمته ويلهم الأسرة الصبر والسلوان.»
٨  أعاد جمال بدوي نشر هذا الكتاب عام ٢٠٠١، وصدر عن مكتبة الوفد. ولم يكتب جمال بدوي في تقديمه لهذا الكتاب سطرًا واحدًا عن عباس حافظ!
٩  وهذا الكتاب عبارة عن ترجمة لآراء كل من: آرثر كوستلر، وإينازيو سيلوني، وأندريه جيد، وريتشارد رايت، ولويس فيشر، وستيفن سبندر.
١٠  ويبين يوسف أسعد داغر، بأنه وجد فصلًا من مسرحية وليم تل لفريدريك شيلر، منشورًا في مجلة الحديث بحلب مجلد٩، من ترجمة عباس حافظ! ينظر في ذلك: يوسف أسعد داغر، معجم المسرحيات العربية والمعربة، وزارة الثقافة والفنون، الدار الوطنية للتوزيع والإعلان، العراق، ١٩٧٨.
١١  يُعتبر عباس حافظ أول من ترجم هذه المسرحية في مصر عام ١٩١٦، حيث ترجمها بعد ذلك ونشرها حسن نديم عام ١٩٦١. وللمزيد انظر: الفريد ديفيني، شاترتون، ترجمة حسن نديم، مراجعة عبد الحميد الدواخلي، تقديم الدكتور محمد مندور، سلسلة روائع المسرح العالمي، عدد ١٠، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، فبراير ١٩٦١.
١٢  هذه المسرحية من مقتنياتي الخاصة، وهي عبارة عن مخطوطة مكتوبة بالمداد الأحمر والأسود في كراسة صغيرة الحجم تبلغ صفحاتها ٧٣. مكتوب على غلافها الآتي: «فارصة الزوج الموسوس، ذات فصل واحد، بقلم موليير، تعريب عباس أفندي حافظ، خاصة جوق عبد الله عكاشة وإخوته، يوليو ١٩١٦.» وبالبحث لم نجد أي دليل — تبعًا لما بين أيدينا من معلومات — أنها مُثِّلت في هذا التاريخ أو بعده، سواء من قبل فرقة عكاشة أو من قبل أية فرقة أخرى.
١٣  مسرحية «تيمون»، عبارة عن مخطوطة مسرحية مكتوبة بخط اليد، ومحفوظة في المركز القومي للمسرح والموسيقى. ومكتوب على غلافها الآتي: «تيمون، تعريب الأستاذ عباس حافظ». وعلى الصفحة الأولى من الفصل الأول موجود خاتم الرقابة وعبارة الرقيب «قد اطلعت على هذه الرواية ولم أر فيها ما يمنع تمثيلها»، ثم التوقيع والتاريخ وهو ٣٠ / ٧ / ١٩٢١. وبالبحث لم نجد أي دليل — تبعًا لما بين أيدينا من معلومات — أنها مُثلت في هذا التاريخ أو بعده من قبل أية فرقة مسرحية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن عباس حافظ هو أول من ترجم هذه المسرحية عام ١٩٢١، قبل أن يترجمها الدكتور عبد الواحد لؤلؤة باسم «تيمون الأثيني» عام ١٩٧٧، حيث كُتب على غلافها الخلفي: «وتيمون الأثيني المنشور في هذا العدد حقًّا لم تسبق ترجمتها إلى العربية.» وللمزيد، انظر: وليم شكسبير، تيمون الأثيني، تحقيق وتقديم: ﻫ. ج. أوليفر، ترجمة: د. عبد الواحد لؤلؤة، مراجعة: د. محمد إسماعيل الموافي، سلسلة من المسرح العالمي، عدد ٩٥، وزارة الإعلام، الكويت، أغسطس ١٩٧٧.
١٤  مسرحية «زواج بالحيلة»، عبارة عن مخطوطة مسرحية مكتوبة بخط اليد، ومحفوظة في المركز القومي للمسرح والموسيقى بدون تاريخ. ومكتوب على غلافها الآتي: «زواج بالحيلة، لموليير، تعريب عباس حافظ».
١٥  مسرحية «الاستعمار» المحفوظة بالمركز القومي للمسرح والموسيقى، عبارة عن نص مُعرب مكتوب بالآلة الكاتبة دون تاريخ، ومكتوب على غلافه الآتي: «الاستعمار، تمثيلية ذات أربعة فصول، تعريب الأستاذ عباس حافظ». وهذا النص كان سيمثل بواسطة الفرقة المصرية في دار الأوبرا في موسم عام ١٩٥٢، وللأسف لا نملك الدليل القاطع على تمثيله في هذا التاريخ. ولكننا وجدنا إشارة عنه في برنامج تمثيل مسرحية «غروب الأندلس» لعزيز أباظة، عندما مُثلت بدار الأوبرا عام ١٩٥٢. فقد جاء في البرنامج، تحت عنوان «بعض ما تقدمه الفرقة هذا الموسم»: ««غروب الأندلس» للشاعر الكبير عزيز أباظة، «صفقة مع الشيطان» لجيروم ك. جيروم ترجمة الأستاذين سليمان نجيب وصلاح ذهني، «قصة التحرير» للكاتب السيد بدير، «نيرون» لبترو كوستا ترجمة المرحوم يوسف شلحت، «أم رتيبة» للقصصي البكباشي أركان حرب يوسف السباعي، «جناية» لشارل ميريه، ترجمة محمود شوقي، «الملك يعربد» لفيكتور هوجو ترجمة المرحوم إلياس فياض، «قناع السعادة» لجورج كليمانصو و«عشاق الخيال» لأدمون رستان و«فاجعة فلورنسيه» لأوسكار وايلد، ترجمة فتوح نشاطي، «العاصية» لبير فرونديه، ترجمة المرحوم فؤاد سليم، «الاستعمار» ترجمة عباس حافظ، «أغنياء وفقراء» تأليف إبراهيم المصري.»
١٦  يقول عباس حافظ في خطابه إلى الدكتور طه حسين عام ١٩٥٥: «وأحسبني أطول بالترجمة عهدًا من أي مترجم في مصر؛ فقد بدأت عام ١٩١٢ في مجلة الشيخ البرقوقي أي منذ قرابة ٤٣ عامًا.» نبيل فرج، السابق، ص٣٠٤.
١٧  جريدة المقطم ٩ / ٥ / ١٩١٦.
١٨  ينظر في ذلك: جريدة الوطن ١٥ / ٥ / ١٩١٦.
١٩  ينظر في ذلك: جريدة مصر ١٤ / ١٠ / ١٩١٦، وجريدة البصير ١٤ / ١٢ / ١٩١٦.
٢٠  ينظر في ذلك: جريدة المنبر ١٨ / ٣ / ١٩١٧، وجريدة الأفكار ٢٦ / ٣ / ١٩١٧.
٢١  ينظر في ذلك: جريدة الأفكار ١ / ٤ / ١٩١٨.
٢٢  ينظر في ذلك: جريدة كوكب الشرق ١ / ٥ / ١٩٣٠.
٢٣  ينظر في ذلك: جريدة الأخبار ٢٨ / ٥ / ١٩٢١، ١٩ / ٦ / ١٩٢١، وجريدة الأهرام ١ / ٥ / ١٩٢٣.
٢٤  ينظر في ذلك: جريدة أبو الهول ٢٨ / ٦ / ١٩٢١.
٢٥  السابق.
٢٦  ينظر في ذلك: جريدة كوكب الشرق ١ / ١ / ١٩٢٥، ٣ / ١ / ١٩٢٥، ٦ / ١ / ١٩٢٥، وجريدة السياسة ٩ / ١ / ١٩٢٥.
٢٧  جريدة كوكب الشرق ٦ / ١ / ١٩٢٥.
٢٨  يرجع في ذلك إلى: جريدة المنبر ١٤ / ٣ / ١٩١٦، ١٥ / ٣ / ١٩١٦، ١٦ / ٣ / ١٩١٦، ١٨ / ٣ / ١٩١٦، ٢٠ / ٣ / ١٩١٦. وللمزيد عن هذا الأمر يُنظَر: د. سيد علي إسماعيل، مسيرة المسرح في مصر، السابق، ص١٢٩–١٣١.
٢٩  يرجع في ذلك إلى: جريدة المنبر ٢٩ / ٣ / ١٩١٦، ٣١ / ٣ / ١٩١٦. وللمزيد على هذا الأمر يُنظَر: د. سيد علي إسماعيل، مخطوطات مسرحيات محمد لطفي جمعة، الأعمال الكاملة، المجلس الأعلى للثقافة، ٢٠٠١، ص١٩–٢١.
٣٠  حول ذلك يُنظَر: د. سيد علي إسماعيل، مخطوطات مسرحيات محمد لطفي جمعة، الجزء الأول: المسرحيات المؤلَّفة، مطبعة أبو هلال بالمنيا، ١٩٩٧، ص١٧–٢٥؛ د. سيد علي إسماعيل، مخطوطات مسرحيات محمد لطفي جمعة، الأعمال الكاملة، السابق، ص١٥–٢٣.
٣١  يقول نص الرسالة المؤرخة في ٢٣ / ٨ / ١٩١٧: «صديقي الأستاذ لطفي ستعجب العجب كله إذ تقرأ كتابي هذا وستندهش كيف اجترأت، ولكن أكنت تريد أن أعيش وأنا أحمل كرهك وغضبك عليَّ إلى الأبد؟ نعم أنا أخطأت، وما كان خطأي حقدًا، وما كان لؤمًا، ولكننى اندفعت مع النزق وإن كنت أخلص الناس قلبًا وأطهرهم روحًا. ولكن ألا تظن أنه قد يأتي الشر في بعض الأحيان من أيد طاهرة لم تلوث من قبل بالشر؟ إذن فلندفن ذكرى الماضي في مقبرة النسيان ونجدد عقد حب يبقى مع الحياة، ومثلي — لو علمت — أحرص الناس على الود. كنت أحاول منذ نحو عام أن أعود إليك فأراجعك وتقليني من غضبك، وكنت كلما التقيت بك جاهدت النفس على تحيتك، ولكنني كنت أخشى أن يكون غضبك لا يزال على حدته فترفض التحية. والآن وقد عرض لديَّ عمل يختص بك وهو قضية مدنية في المختلط سألني صاحبها أن أدله على محام كفؤ لها فشئت إلا أن أسميك لكي تكون تلك وسيلة للهجوم عليك بالصلح، ولكي أعود إليك صديقًا مفرطًا في الحب كما أفرطت يومًا في الشر، فهل تراك رافضًا؟ وهل تأبى إلا أن تحتفظ بضغنك فتدعني وذنبي نضطجع في قطعة من الناحية السوداء في فؤادك؟ ما أظنك مستطيعًا ذلك بعد أن جئتك أحمل العلم الأبيض. إذا كان ما ظننت فأنا الآن في انتظار كلمتك، وأنا الآن على مقربة من مكتبك، فإن شئت أن تعلم فحوى هذه القضية جئتك بها في التو والساعة. فقل كلمتك. والسلام عليك، من أخيك عباس حافظ.» رابح لطفي جمعة (جمع وتعليق)، حوار المفكرين: رسائل أعلام العصر إلى محمد لطفي جمعة، عالم الكتب، القاهرة، ط١، ٢٠٠٠، ص٤١٠.
٣٢  يُنظَر في ذلك: جريدة الأفكار ٥ / ٥ / ١٩١٦.
٣٣  يحتفظ المركز القومي للمسرح والموسيقى ببعض مؤلفات سيد الجمل المسرحية، منها: «وحوش الإنسانية» عام ١٩٢٩، «اليتيمة أو بيت الشقاء» عام ١٩٣١، «الصواعق» عام ١٩٣٦.
٣٤  هذه المسرحية محفوظة في ملف تحت رقم (١١ / ٥ / ١٣٢٠) بإدارة المطبوعات الخاصة بإدارة عموم الأمن العام بوزارة الداخلية. والنص محفوظ الآن بالمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية.
٣٥  السابق؛ وللمزيد عن هذه المسرحية وموقف الرقابة منها، انظر كتابنا: د. سيد علي إسماعيل، الرقابة والمسرح المرفوض، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٧، ص١٠٩–١١٦.
٣٦  مخطوطة هذه المسرحية كانت محفوظة في ملف تحت رقم (١١ / ٥ / ١٥٤٠) بإدارة عموم الأمن العام بوزارة الداخلية، بما تشتمل عليه من وثائق. وهي الآن محفوظة بالمركز القومي للمسرح والموسيقى. وللمزيد عن هذه المسرحية وموقف الرقابة منها، انظر كتابنا: د. سيد علي إسماعيل، الرقابة والمسرح المرفوض، السابق، ص١١٧–١٢٤.
٣٧  أحمد يوسف، هو سكرتير رابطة هواة فن التفريغ بالإسكندرية في عام ١٩٣٦. وتحتفظ إدارة التراث بالمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية ببعض أعماله المسرحية، مثل ترجمته لمسرحية «الأستاذ كلينوف» عام ١٩٤١، وتعريبه لمسرحية «لكلٍّ حقيقة» لبيراندللو عام ١٩٥٠.
٣٨  عبد الرحمن صدقي، أدمون روستان، «سيرانو دي برجراك»، ترجمة عباس حافظ، سلسلة روائع المسرح العالمي، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، ١٩٥٩، المقدمة، ص٤٢.
٣٩  يُنظَر ذلك في: شكسبير، مسرحية «ضجة فارغة»، ترجمة عباس حافظ، مسرحيات شكسبير، المجلد التاسع، الإدارة الثقافية بجامعة الدول العربية، دار المعارف ١٩٦٨، ص٢١٥–٢٣٢.
٤٠  يُنظَر ذلك في: شكسبير، مسرحية «العبرة بالخواتيم»، ترجمة عباس حافظ، مسرحيات شكسبير، المجلد الثالث عشر، الإدارة الثقافية بجامعة الدول العربية، دار المعارف ١٩٨٣، ص١٦١–١٦٧.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠