مسرحية شاترتون أو شقاء الشاعر

تأليف: ألفريد دوفيني
ترجمة: عباس حافظ
عام ١٩١٦
وُلِد شاترتون الشاعر سنة ١٧٥٢ بمدينة بريستول، وتوفي سنة ١٧٧٠ بلندن.١

***

أشخاص الرواية وأسماؤهم

  • شاترتون

  • الأستاذ

  • كيتي بل

  • جون بل

  • لورد بكفورد محافظ المدينة

  • لورد تالبوت

  • لورد لودِرْذال

  • لورد كنسنجتون

  • سائس

  • صُنَّاع

  • راشيل طفلة في السادسة ابنة كيتي بل

  • طفل في الرابعة أخوها

  • ثلاثة لوردات فتيان

أشخاص الرواية وملابسهم

  • شاترتون: شاب في نضارة العمر … شاحِب اللون … مهزول البدن، كثير حركات الوجه … ملتهب الذهن بالخواطر والأفكار، رشيق الطلعة ساذجها، يأخذه الحياء والجبن أمام كيتي بِلْ، ويتملكه الودُّ والرفق أمام الأستاذ، ولكنه متكبِّرٌ مزهوٌّ أمام الآخَرين، متسخِّط على الناس متبرِّم بهم، رزين فيَّاض في لهجته وكلامه.
    ملابسه: سترة وصِدار وسراويل سود، حذاءٌ قصيرُ النعل … ذو شعور سوداء مرسلة فوق جبينه دون نظام أو دهان.
  • كيتي بِلْ: كامرأة شابة في حدود الثانية والعشرين حزينة … جميلة في مظهرها وأدبها، تقِيَّة متدينة حَيِيَّة في كلِّ حركاتها، ترتعش في حضرة زوجها، مُرسلة عواطفها كلها في حبِّ طفلَيْها، تعود شفقتها على شاترتون بعد قليل حُبًّا … تحسُّ ذلك فتأخذها الرعدة، والحذر الذي تحبسه في فؤادها من هذا الحب لا يلبث حتى يصير عظيمًا؛ كلُّ مَن يشهدها يعتقد أن حزنًا منتظرًا وفزعًا فجائيًّا كافيان لقَتْلِها في الحال.
    ملابسها: قبعة من القطيفة السوداء، وشاح طويل من الحرير الرمادي ذو أشرطة سوداء، شعور طويلة مُرسَلة تهفو فوق ظهرها.
  • الأستاذ: شيخ في الخمسين، قويُّ البدن صحيحه، نشيط في لهجته، حادٌّ في قوله … يبدو بحنانِ الوالد أمام الذين يحوطونه … يرقبهم في صمتٍ … تأخذه الدعابة والسخرية والإشفاق لرؤية شرورِ المجتمع ونقائصه … مُتسخِّط على الجمعية البشرية وإنْ كان رفيقًا بكلِّ فردٍ، لا يثور فيه سخطه إلا إذا ثار غضبه … وهو صديقُ الأسرةِ المتنَبِّه لأداء كلِّ الواجبات، العامل على حفظ النظام والسلام في البيت.
    ملابسه: سترة وصِدار وسراويل قصيرة لا تزيد عن الركبتين … سمراء اللون … وقبعة كبيرة مستديرة ذات حافة عريضة … له فروع بيضاء مسترسلة.
  • جون بل: رجل يناهز الخامسة والأربعين أو الخمسين، قوي البدن، محمرُّ الوجه من أثر الشراب والجعة — البيرة — والأكل، يُظهِر في مشيته وحركاته أبهةَ الغني وكبرياءَه … ينظر نظرات السيد المتَّهِم كلَّ مَن حوله … تبدو عليه دلائلُ البُخْل والغَيْرة، ولا يفتأ يُظهِر للناس أنه السيد في كلِّ حركةٍ يُبدِي وكلِّ كلمةٍ يقول.
    ملابسه: بدلة كبيرة بسيطة ذات لون أسود، شعور مفروقة لا دهانَ بها.
  • لورد بِكْفُورد: شيخ غني وجيه … منتفخ الخدين انتفاخةَ العظمة والزهوِّ … يمشي بقَدَمٍ ثابتة بطيئة … يحترم الأغنياءَ، ويحتقر الفقراء.
    ملابسه: سترة فخمة … صِدار من الحرير … عصًا كبيرة ذات تفاحة من الذهب … يلبس «ياقة» المحافظين.
  • لورد تالبوت: شاب طائش وطيِّب القلب في آنٍ واحد … رقيق مِفراح … يميل إلى اللهو، نشيط الحركات رشيقها … عدوُّ كلِّ عملٍ جديٍّ … ناعم البال لأنه يعيش بعيدًا عن كلِّ همٍّ أو حزنٍ أو جدٍّ.
    ملابسه: ثياب صيد حمراء اللون … شعور معقوصة مدهونة … يلبس قبعةً صغيرةً سوداء لامعة.

الفصل الأول

(يُرفَع الستارُ عن طابق رحيب أنيق في دار جون، بل يُفضِي إلى مصنعه، وعلى يسار الجمهور قد وُضِعت موقدةُ دفءٍ يستقر وقودها، وعلى اليمين باب حجرة كيتي بل، وفي أقصى المكان باب زجاجي كبير يلوح منه جزء من المصنع، وهناك سُلَّم عالية تلتف وتدور حتى تنتهي إلى عدة أبواب صغيرة مُظلِمة يبدو من بينها بابُ حجرةِ الشاعر شاترتون … هذا والأستاذ في ناحيةٍ يقرأ، وعلى اليمين قد جلسَتْ السيدةُ كيتي بل وعند قدمَيْها وليدُها يلعب فوق مقعدٍ صغيرٍ، وطفلتها واقفة بجانبها.)

الموقف الأول

(الأستاذ – كيتي بل – راشل)
كيتي بل (تخاطِبُ طفلتَها وقد تقدَّمَتْ ناحية من شقيقها تريه كتابًا في يدها) : يلوح لي أني أسمع صوتَ السيد يتكلَّم … فهَلَّا سكتُّمَا أيها الطفلان … (ثم تلتفت موجِّهةً القولَ إلى الأستاذ) أَلَا تظن أنه قد حدَثَ أمرٌ في المصنع؟ (يرفع الأستاذُ كتفَيْه) رباه! إنَّ أباك قد أخذه الغضبُ. أجل، هذا أنا أسمع صوته يضجُّ صارخًا مغضبًا … آي راشل، لا تلعبي يا طفلتي، لا تلعبي (إذ ذاك يسقط الكتاب من يد الطفلة وتقف منصتة).
راشل : لعله سيهدأ الآن … أليس كذلك يا سيدي؟ (فيشير إليها الأستاذ بالإيجاب … ثم ينثني يسترسل في قراءته.)
كيتي بل (لطفلتها) : ولكن مَن الذي أعطاكِ هذا الكتاب؟ هذه نسخة من الكتاب المقدس … أَلَا قلتُ مَن الذي أعطاه لكِ يا راشل، إني أعتقد أنه ولا ريب الفتى الشاب الذي يسكن هنا منذ ثلاثة أشهر.
راشل : هو ذاك يا أماه!
كيتي بل : رباه! … وكيف يا طفلتي، وأنا حذَّرْتُكِ أن تتقبَّلي من أحدٍ شيئًا؟ … ولا سيما من هذا الفتى المكدود الفقير … ولكن متى رأيتِه يا ابنتي؟ … إني أعرف أنك قد ذهبتِ هذا الصباحَ أنت وشقيقك فعانَقْتُماه في حجرته … فلماذا تذهبان إلى غرفته يا طفلَيَّ؟ هذا أمر غير محمود! … (تعانقهما) إنه لا يبرح يكتب ولا ريب … لأنه منذ ليلة الأمس والمصباح يضيء في حجرته.
راشل : نعم … وكان يبكي!
كيتي بل : يبكي! … كفى ولا تذكري شيئًا من هذا أمام أحدٍ من الناس … وستذهبين إليه فتردِّين عليه كتابه إذا هو ناداكِ … ولكن إياكِ وأن تزعجيه يا ابنتي … ثم لا تقبلي بعدُ منه طريفةً ولا هديةً … أَلَا ترين أنني لم أكلِّمْه مرةً واحدةً وهو قد أقام هنا ثلاثةَ أشهر سويًّا … ثم هذا أنتِ تتقبَّلين منه … كتابًا! كلا يا ابنتي … ليس هذا محمودًا منكِ … اذهبي … اذهبي فاعتنقي الأستاذَ واهبطي بين ذراعَيْه … اذهبي، فهو خيرُ صديقٍ أنعَمَ الله به علينا (يجري الطفلان فيجلسان فوق ركبتَيِ الأستاذ).
الأستاذ : أقبِلَا عليَّ فاجلسَا فوق ركبتيَّ أنتما الاثنان … ثم استمِعَا إليَّ جيدًا … اذهبَا فقولَا لوالدتكما الصغيرة الساذجة إنها تحمل بين جنبَيْها قلبًا طاهرًا مؤمنًا، ولكنها بعدُ أشدُّ طفولةً منكما؛ لأنها لم تفكِّرْ رويدًا فيما أمرتُكما به … إني أتوسَّلُ إليها أن تعلم أن ردَّ الهدية إلى البائس الفقير الذي أهداها يكسر فؤادَه … ويجرح عزته … ويذكِّره بؤسَه ومحنتَه.
كيتي بل (وهي تثبت من مقعدها) : آه … أنه على حقٍّ … نعم … إنه على حقٍّ … هاتي الكتابَ يا راشل … خليقٌ بنا أن نحفظَه يا طفلتي … وأن نحفظَه آخِرَ الحياة … إنَّ أمَّكِ يا راشل قد أساءَتْ وأخطأَتْ … إن صديقنا الأستاذ أبدًا في جانب الحق (يبدو على الأستاذ التأثُّرُ فيقبِّل يدَها).
الأستاذ : أي كيتي بل … أي كيتي بل … أيتها النفس النقية المعذَّبة … لا تقولي هذا عني … ليس في هذه الأرض شيء يُقال له الذكاء الإنساني … أنت ترين أنني إذا كنتُ الآن قد أصبتُ من ناحيةٍ، فقد أخطأتُ من الأخرى … أكان خليقًا بي أن أنبِّهَ الطفلين إلى هَنَاةٍ بَدَتْ من أمهما؟ أي كيتي بل … ليس في الأرض أعطف من فؤادك الحار الفيَّاض … ولا أجمل من آهات نفسك الحنون المتواضِعة (يسمعون صوتًا عاليًا يرتفع في غضب).
كيتي بل (وهي ترتعد) : وا رباه! لقد عاد إلى الغضب … هذا صوت أبيهما يضجُّ من الحنق … (تضع يدها على قلبها) وا قلباه! … لا أستطيع أن أملك أنفاسي … إن هذا الصوتَ يقطع نياطَ فؤادي … ماذا تراهم أحدثوا؟ هذه غضبة ثانية كغضبِ ليلة الأمس (تسقط متراخيةَ القوى في مقعد) لا أستطيع أن أقف … أليس غضبه كالعاصفة الهوجاء القاسية … وكلُّ العواصف الشديدة تؤثِّر على قلبي الخفَّاق الضعيف.
الأستاذ : هذا نزاع حادٌّ قائم بينه وبين عمَّال مصنعه … إنهم يسألونه العفوَ عن رفيقٍ لهم أَنْزَلَ به غضبه … إن هؤلاء المساكين خلقاء بالرثاء والرحمة … أَلَا ادخلي حجرتك أنت والطفلان … لا حاجةَ بكما إلى البقاء … إن هذا الرجل يريد أن يودي بحياتك … وما أشبهه بالطائر الذي يريد أن يهدم وَكْرَه بأظلافه (تخرج ويدها فوق قلبها، وهي معتمِدة بيدها على رأس ابنها، وفي إثرها ابنتها).

الموقف الثاني

(الأستاذ – جون بل – طائفة من العمَّال)
الأستاذ (وهو واقف وحده يرتقب دخولَ جون بل) : هذا هو قادم في حنقه وغضبه … ذلك الرجل الغني المُترَف الناعم الحياة … هذا هو الأناني المُؤثِر ذاتَه على أهل الأرض أجمعين … هذا هو القوي والقانون في جانبه (يدخل جون بل وفي إثره عشرون عاملًا من عمَّاله وهم سكوت، ثم يصطفون عند الباب).
جون بل (يخاطب العمَّال وهو في حنق) : كلا … كلا … كلا … ستشتغلون وأنوفكم راغمة … نعم، ستشتغلون أكثر ممَّا اشتغلتم … وكفى … (يقول أحدهم وهو في وسط رفقائه) وستربح أقلَّ ممَّا ربحتَ … وكفى.
جون بل : لو أني تبيَّنْتُ هذا المتكلِّم إذن لطردته من القرية كلها كما طردتُ رفيقَه من قبلُ.
الأستاذ : مرحى يا جون بل … مرحى … أنت اليومَ مليكٌ يأمر وينهى في رعيته.
جون بل : وهل تراني أحفَلُ بكَ أيها الأستاذ … فلو أني عرفتُ الذي تكلَّمَ من بينكم … هذا الجاحِد الخسيس البذيء الذي يَجْبَه سيدَه في حضرته … انظروا لي كيف ترونني بلغتُ هذه العيشةَ الراغدة الناضرة، هل انتهَتْ إليَّ هذه الثروةُ التي أملكها دفعةً واحدةً … إذا كنتُ سيدَ القرية الفرد وغنِيَّها الأوحدَ … أفَلَمْ يكن ذلك بجِدِّي ودَأَبي … أَلَسْتُ اليومَ لكم قدوةً للعمل والكَدِّ والاقتصاد؟ هل ظهرتُ لكم يومًا مِكسالًا بليدًا أو مُسرِفًا مِتلافًا؟ … إذن فَلْيعمل أحدُكم مثل ما عملتُ فيصبح غنيًّا مثلي … نعم، إن الآلات تنقص من أجوركم ولكنها تزيد في مكاسبي … إني حزين لأمركم ولكن راضٍ عن نفسي مُغتبِط … ولو كانت لكم الآلاتُ إذن لرضيتُ بأن تكون لكم الأرباحُ … ولكني أنا الذي اشتريتُ هذه الآلات بالمال الذي اكتسبتُه بقوةِ ساعدي وعرق جبيني … فاقتدوا إذن بي … خذوا أنفسكم بالكَدِّ والاجتهاد واعملوا فوق كلِّ شيءٍ على الاقتصاد … واحفظوا جيدًا هذا المثل السائر الذي كان يتمثَّل به الآباء: «لتحتفظ بالبنسات تحتفظ بنفسها الشلنات»، أمَّا الآن فلا تكلِّموني عن رفيقكم توبي فقد طردتُه ولن أردَّه … انكفئوا إلى أعمالكم … ولا تكثروا القولَ، فإن الذي يتكلَّمُ منكم سيكون نصيبه الطرد والحرمان … سنحبس عنه في القرية الطعامَ والشرابَ والمبيتَ والمُقامَ (يخرجون).
الأستاذ : لا فُضَّ فوك أيها الصديق … لا فُضَّ فوك … يا الله من هذه البلاغة المتدفِّقة الساحرة … لا أظنُّ أنني سمعتُ طرفًا منها في مجالس البرلمان (يعود جون بل إلى اهتياجه ويمسح وجهَه بمنديله).
جون بل : وأنتَ … أَلَسْتَ تستخدم أستاذيتك لتكونَ ظِلًّا ثقيلًا على الناس؟ أين كنتَ؟ … أنت تتكلم قليلًا … ولكن أَمَا كان أخلق بك ألَّا تتكلَّمَ لا قليلًا ولا كثيرًا … أنت تقذف بالكلمات في الحديث كما تقذف الخناجر والسكاكين.
الأستاذ : ذلك لأنها كلماتُ الحق والحكمة يا سيد بل … فإذا كان السامعون حمقى طائشين أثارَتْ لديهم السخطَ والغضبَ … ولكني لستُ على قولها بالنادم الآسِف … إن تأثيرَ كلمة الحق لا يلبث قليلًا حتى يزول.
جون بل (بتلطُّفٍ) : إني لستُ على رأيك هذا … أنت تعلم أني أحِبُّ أن أُطارِحَكَ الجدلَ والحديثَ في أفانين السياسة وشئونها … ولكنك تريد دائمًا أن تقيس كلَّ الناس بنفسك … وأنت في ذلك على خطأ … إن طائفتكم معشرَ الأساتذةِ ليسَتْ إلا جمعًا شاذًّا عن بقية الناس … وأنت في الأساتذة أشدُّهم شذوذًا وخروجًا … أنت قسمتَ كلَّ ما كان في حوزتك بين ذوي قرابتك وأهل عشيرتك … وأصبحتَ لا تملك إلا رزقًا من العيش خشنًا حقيرًا، ورحتَ تقطع الحياة جلوسًا وخمولًا وتفكيرًا … وإني لَأودُّ لكَ أن تكون راضيًا بذلك مسرورًا … ولكني لا أودُّ منكَ أن تكون في بيتي فتغري خَدَمتي على رءوس الأشهاد بالبَذاء والعصيان.
الأستاذ : يا سبحان الله! وماذا يُضِيرك منهم البَذاء والعصيان … هل يستطيع رُعاء الأغنام أن يمنعَك من جزاز أصوافها وأوبارها … أو يَحُول بينك وبين نَحْرِها وأكلها؟ أفي هؤلاء الناس مَن يستغني عن شراء ألبان غنمك؟ وهل في عشائر القرية كلها عشيرةٌ لا تُرسِل بنيها وغلمانَها وبناتِها لكي يكدُّوا ويذبلوا في عملك ومصنعك … أيُّ بيتٍ في القرية لا تملكه؟ … وأيُّ مسكن لا تطلب فيه الأجر الفاحش المرهق؟ … أَلَيْسَتْ دقائقُ أعمارهم جميعًا تُحتسَب لك وتُعَدُّ في حوزتك؟ … وأيُّ قطرة من عرق جباهم لا تسيل لتنمية ثروتك؟ … إن أرضَ قريةِ نورتون جميعها ببيوتها وعشائرها أصبحَتْ في قبضة يدكِ، كما كانَتِ الكرةُ الأرضية يومًا في أيدي شارلمان العظيم … وقد صِرْتَ أنت السيد المُطلَق في الإقطاعية المترامية الأطراف.
جون بل : هو ذاك … ولكنه حقٌّ وعدل … إن الأرض لي لأنني أنا الذي اشتريتُها … وكذلك البيوت … لأنني أنا الذي ابتنَيْتُها … والسكان … لأنني أنا الذي أجَّرْتُهم إيَّاها وأسكَنْتُهم … وعملهم … لأنني أنا الذي أدفَعُ أجورَهم … أنا على الحقِّ … لأنني مع القانون.
الأستاذ : وقانونك … هل هو مع الله؟
جون بل : لو لم تكن أستاذًا لَكان جديرًا بك أن تُشنَق لقولك هذا.
الأستاذ : إني لَأوثِر أن أُشنَق على أن أقول غير ما قلتُ … لأنني أحمل لك حبًّا حقيقيًّا خالصًا لا شائبةَ فيه.
جون بل : ولو لم تكن كذلك يا أستاذ صديقي منذ عشرين حولًا أو تزيد … وأنقذتَ طفلًا لي من مخالب الموت … إذن لما وددتُ أن أراك أبدَ الدهر.
الأستاذ : وكان ذلك شرًّا عليك … إذن لما استطعت أن أنقذكَ أنت الآخَر من نفسك … هذا أنت قد طمسَتْ على بصيرتك الطماعةُ في المال واستأسَرَ بلُبِّكَ الجشعُ … إني أريد ألَّا تطردَ ذلك العامِلَ المسكين الذي غضبتَ عليه … إني لا ألتمِسُ ذلك منكَ … لأنني لا ألتمِسُ من أحدٍ شيئًا … ولكني أنصح لكَ به وأشير.
جون بل : لقد نفذ السهم … ماذا! ألستُ ربَّ أسرةٍ مثلهم؟ … أَلَا تراني أَدَع امرأتي تعمل في البيت … نعم أفهم، لا يرونها تشتغل، ولكنها مع ذلك تكدُّ في الدار وتتعب … إنني أريد أن يكون بيتي هذا مَغْنًى جميلًا بديعًا ينزل به النبلاء والأشراف وهم راجعون من ندوات البرلمان ومسارح الصيد … وسأنتفع من هذه العلاقات يومًا من الأيام … نعم إن توبي كان عامِلًا دءوبًا مجتهدًا، ولكنه كان نزقًا شقيًّا … إنَّ الرجل العاقِل الحازم يأبَى إلا أن يكون كلُّ شيء حوله نافعًا … يجب أن يكون كلُّ شيء في خدمته … الناس والجماد … إن الأرض خصيبةٌ مُثمِرة، والمال مثلها خصيب مُثمِر … والزمن دائمًا في خدمة المال. إن توبي أبَى إلا أن يكون شرًّا على زوجه وأطفاله … وهذه نكبة له عظيمة … ولكني لستُ عليها مسئولًا.
الأستاذ : لقد كسر إحدى ذراعَيْه في آلةٍ من آلاتِكَ.
جون بل : نعم، ولكنه كسَرَ الآلةَ أيضًا!
الأستاذ : أجل … وأنت ولا ريب تحزن على أداة الصلب والحديد … ولا تأسَفُ على أداةِ الدم واللحم … إنَّ فؤادَكَ قد قُدَّ من الحديد الذي صُنِعَتْ منه آلاتُكَ … وسيصبح المجتمع كله أخشن فؤادًا منك … سيكون إلهه الدينار، ومليكه يهوديًّا مُرابِيًا … ولكن ليسَتْ هذه جريمتَكَ … أنت تعمل كما رأيتَ الناسَ يعملون … والآن إذا لم تُرِدْني أن أتكلَّمَ … فدَعْني إذن اقرأ (يعود إلى قراءته … يتقدَّم جون بل إلى باب حجرة امرأته، فيفتحه بشدةٍ).
جون بل : مسز بل! تعالي هنا.

الموقف الثالث

(الأستاذ – جون بل – كيتي بل)
كيتي بل (تتقدَّمُ كيتي بل مرتجفةً تقود طفلَيْها بيدَيْها وهما يختفيان في ثوبها خوفًا من أبيهما) : ها أنا!
جون بل : هاتي حسابَ الأمس من فضلك … وهذا الشابُّ الذي يسكن في الغرفة العليا … ما اسمه؟ … توماس فقط؟ … أرجو أن يُخلِيَ الحجرةَ في أقرب وقت.
كيتي بل (تذهب إلى المائدة فتعود إليه بدفترٍ كبيرٍ) : إنه كتَبَ توماس فقط في عقد الإيجار … هذه هي حسابات اليوم مع حساب الأيام الماضية.
جون بل (ينكَبُّ على الدفتر يتفحَّصُه) : كاترين! … لستِ دقيقةً في الحساب (يمهل ثم ينظر إليها في وجهها وعليه علائم الشكِّ والإبهامِ) إنه يُقِيم الليل مُسهدًا ساهرًا … توماس هذا! … إنَّ هذا لَغريب … ولشد ما تظهر عليه دلائل الحزن والبؤس! (يعود إلى النظر في الدفتر يدير عينَه في أسطره) لم تدقِّقي في الحساب.
كيتي بل : رباه! … ولِمَ هذا القول؟
جون بل : أَوَلَا تتبيَّنِين ذلك يا مسز بل؟
كيتي بل : أَذلك لأنَّ الأرقامَ غيرُ واضحةٍ؟
جون بل : كلا … مَن الذي يُنكِر عليك حُسْنَ خطك … أَلَا تستطيعين أن تُجِيبي بالحقِّ؟
كيتي بل : ولكن ما الذي تجده في هذا الدفتر … وما الذي يُغضِبكَ منه؟
جون بل : إن الذي يُغضِبني هو الذي لا أجده … إنَّ ضياعَه من قائمة الحساب يُدهِشني كلَّ الدهشة.
كيتي بل (باضطراب) : إني لا أفهم ما تريد؟
جون بل : إنَّ في الحساب نَقْصًا يربو على خمسة جنيهات … وقد تحقَّقْتُ ذلك من النظرة الأولى.
كيتي بل : هل تستطيع أن تشرح لي كيف ذلك؟
جون بل (وهو يمسك إحدى ذراعَيْها) : اذهبي إلى حجرتك … ثم إيَّاك أن تعودي بعد اليوم إلى ذهولك … وما بال الطفلين بليدان لا يشتغلان … إني لا أحِبُّ هذا … إنَّ بيتي قد أصبَحَ مُهمَلًا لا عنايةَ فيه … وما بال راشل تشتمل في ثوبٍ عاري الصدر … أنا لا أحتمل هذا … (تجري راشل فترمي بنفسها بين ذراعَيِ الأستاذ … ويتقدَّمُ جون بل في إثر كيتي بل وقد دخلَتِ الحجرةَ أمامه) أَعِيدي الجمعَ مرةً أخرى … ودقِّقي في عملية الضرب (يدخل الحجرةَ في إثر زوجته).

الموقف الرابع

(الأستاذ – راشل)
راشل : إني خائفة.
الأستاذ : وستظلين كذلك آخِر الدهر يا طفلة … اليوم تخافين أباكِ … وغدًا تخافين زوجكِ … وكذلك ستعيشين حتى آخِر الحياة يا ابنتي (هنا يُرَى شاترتون خارجًا من حجرته وهابطًا السُّلَّم على مهلٍ … ثم يقف يتأمَّلُ الشيخَ والطفلة).
الأستاذ (يسترسل في حديثه مع الطفلة) : إذن فالعبي أيتها العزيزة الحسناء وارتعي … حتى تُصبِحي امرأةً … وتناسِي كلَّ شيءٍ يا طفلة … العبي دائمًا ولا تفكِّري … تعالي فأجلسي فوق ركبتي … هنا … أنت تبكين! … لكِ الله! وتُخفِين رأسَكِ الجميلَ بين ذراعي! … انظري … انظري … هذا هو صديقُكِ يهبط إلينا.

الموقف الخامس

(الأستاذ – راشل – شاترتون)

(تجري راشل نحو شاترتون … فيُعانِقُها ويمدُّ يدَه مُصافِحًا الأستاذ.)

شاترتون : أَلَا عِمْ صباحًا أيها الصديق.
الأستاذ : وا حزناه لك! … إنَّ روحك تريد أن تلتهم بدنك … إنَّ يدَيْكَ ملتهبتان … وجهك شاحب مهزول … كم تظنُّكَ تعيش؟
شاترتون : أقلُّ ما يمكن من الزمن … ومسز بل أليسَتْ هنا؟
الأستاذ : أَوَلَيْسَتْ حياتُك نافعةً لأحدٍ؟
شاترتون : على العكس … بل هي شرٌّ على الناس أجمعين!
الأستاذ : وهل تعتقد ما تقول؟
شاترتون : كاعتقادِكَ أنتَ في مسيحيتك (يضحك ضحكاتٍ مريرةً).
الأستاذ : وكَمْ بلغْتَ اليومَ من العمر؟ … إنَّ لك قلبًا طاهرًا طفلًا كقلب راشل الحسناء … ولكن لك روح الشيوخ البعيدي العهد بالحياة.
شاترتون : غدًا أُتِمُّ الربيعَ الثامن عشر.
الأستاذ : لك الله أيها الطفل المسكين!
شاترتون : أمَّا مسكينٌ فنعم … وأمَّا طفلٌ فلا … إني عشتُ ألفَ عام.
الأستاذ : ولو عشتَها لما استطعتَ أن تدرك نصفَ ما في الناس من شرٍّ وفسادٍ … ولكنَّ العلمَ في جوف البؤس.
شاترتون : إذن فأنا اليومَ أعلمُ العلماء … ولكني كنتُ أظنُّ أن مسز بل كانت هنا … لقد كتبتُ الساعةَ خطابًا كلَّفَني نصيبًا كبيرًا.
الأستاذ : إني أراكَ مُتعَبًا … ولقد حذَّرْتُكَ من إنهاكِ قوتك … إن الناس ينقسمون طائفتين … شهداءَ وجلَّادين … وأنت ولا ريب ستكون شهيدَ الجميع … كوالدة هذه الطفلة.
شاترتون (برعشةٍ شديدةٍ) : إن الشهداء أَبَوْا إلا أن يكونوا شهداءَ، وقد كان خلاصهم في أيديهم.
الأستاذ : وماذا تعني بهذا؟
شاترتون (يُعانِق راشل ثم يقول بصوت عذب رقيق) : أتريد أن نُخِيفَ الطفلةَ … وعلى مَسمعٍ من أُذُنَيْ أمِّها؟
الأستاذ : وأين صوتك العذب الرقيق من ذلك الصوت الخشن الذي يُصمُّ أذنَيْ أمِّها؟! كلا … لن تستطيع أن تستمع حديثنا … أَلَا تسمع؟ … هذا صوت زوجها يناديها.
شاترتون (وهو يرتكِنُ على مسندِ المقعد الذي يجلس فوقه الأستاذ) : أنت تؤنِّبني كثيرًا وتلومني … ولكنْ نبِّئني فقط لماذا لا يتابع الإنسان نفسه إلى أبعد حدودها ما دام سيموت آخِرَ الأمر … إني قد أجمعتُ الرأيَ على ألَّا أُخفِيَ جزءًا من نفسي حتى أموت … وأن أبقى على حقيقتي حتى القبر … وأن أستمِعَ إلى صوت فؤادي إذا فاضَ … وأن أصدع بأمره إذا أمَرَ … وأن أسِيرَ على القانون الذي وضعتُه أنا لنفسي … أخبرني ماذا يُجدِي الإنسان أن يتظاهَرَ بالقسوة وهو في صميمِ فؤاده رفيقٌ رحيمٌ … إنكم لَتشهدون مني ابتسامةَ الوداعة تبدو من خلال عبوستي الكاذبة؛ لأنني لا أستطيع أن أجد حجابًا يُخفِي هذه الابتسامة … إن الناس يفرُّون مني في كلِّ مكان ويطرحونني جانبًا … ولكني لا أثور للدفاع عن نفسي … وما أشدَّ حزني إذ أرى كثيرين منهم يجدون الفرحَ والبهجةَ في انتصارهم عليَّ بحِيَلهم السافلة … وأمازيحهم القاسية … إني لَأشهدهم وهم يصنعون لي الحبائل والأشراك، فلا يخطر لي أن أهمَّ بقطْعِ حُبالةٍ واحدةٍ منها … لأني قد أصبحتُ لا أحفل بحياتي … ولكني مع هذا أثأرُ لنفسي من هذا الاحتقار الذي أراه منهم … لأنه يرفعني في نظري … ويلوح لي أن العنايةَ الإلهية لا تريد أن أُهزَمَ في الحياة كلَّ الهزيمة … وإلا أَفَلَيْسَ لها مقصد من خلقي؟ … أَلَيْسَ لي الحق في معارضتها ومقاومتها حتى تصلح الكون؟ … هل لي أن أُنكِرَ الله؟
الأستاذ : إن التفكيرَ الدائم سيقتلُ فيكَ حُبَّ العمل.
شاترتون : آه … وماذا يهم! إذا كانَتْ ساعةٌ واحدة في التفكير قد تُثمِر أكثرَ من عشرين يومًا في حياة الآخَرين … مَن الذي يستطيع أن يحكُمَ بيني وبينهم؟ أَتريد أن نعمل فقط بجسومنا … أَلَيْسَ عملُ الذهن جديرًا بشيء من الرحمة والتقدير … يا سبحان الله! أتريدون أن أقولَ للإلهام والتفكير … «لا تأتِ … لأنك لستَ بذي فائدة»؟!
الأستاذ : وقد كتَبَ التفكيرُ خاتمتَكَ المخيفة في وجهك … أنا لا ألومكَ يا بُني … ولكني أبكي لكَ.
شاترتون (يجلس) : أيها الأستاذ الطيب القلب … هل تُراكم معاشِرَ المتدِّينين تحسون الشفقةَ والرحمةَ للذين يتعذَّبون من حرارة التفكير؟ إني أراك تحنو عليَّ … وهذا ما يتعزَّى به فؤادي … (إذ ذلك تأتي راشل فتجلس فوقَ ركبةِ شاترتون) والحق أقول … لقد سعدتُ بالحياة هذه الأشهرَ الثلاثةَ التي أقمتُها هنا … لأني اعتزلتُ الناسَ وهجرتُهم، وهذا أنا أجد أطفالًا جميلة تجلس فوق ركبتيَّ.
الأستاذ : يا صديقي … إني أحبُّكَ لرزانتك وجدِّكَ … أحبك لأن العالم بأسره يبغضك … إن الإنسان المفكِّر يعيش عالةً على العاديين الذين يملئون رحابَ الأرض … إن الشعر والكتابة والتفكير قد أصبحَتْ في هذا العصر مرضًا غيرَ جدير بالرحمة والرثاء، أنت لا تعرف مَن هم الذين يكرهونك ويجدُّون عليك … ولكني أعرفهم.
شاترتون (بحرارةٍ) : ولكنْ أَلَسْتُ أستحِقُّ منهم الحبَّ والاحترامَ … أنا الذي أعمل على خدمتهم الليلَ والنهارَ … أنا الذي أنبش كتبَ الأولين لكي أستخرِجَ لهم أزاهيرَ من الشعر الجديد … أنا الذي أغيب في جوف البحار والأنهار بحثًا عن تلك الدُّرَّةِ المتألِّقة … (تتدلَّى راشل عن ركبة شاترتون وتذهب فتجلس فوق مقعدٍ صغيرٍ عند قدمَيِ الأستاذ … وشاترتون يسترسل) آه … لو كنتَ تعلم قيمةَ مجهوداتي … لقد جعلتُ غرفتي معبدًا ووقفتُ حياتي للتأمُّل والتفكير … وأطلقتُ روحي بعيدًا عن هذا العصر الذي نعيش فيه … لأنه عصرٌ ماديٌّ مُخِيف … درجتُ ألتمِسُ شعْرَ العصور الماضية … ثم نظمتُ لهم شعرًا طريفًا ولم أَقُلْ لهم أنه قد خرَجَ من قلمي … وإلا لاستهانوا به وحقَّروه … وتضاحكوا من أمره … ولشد ما أكبروه وصفَّقوا له معتقدين أنه شعرُ شاعِرٍ قديمٍ أسمَيْتُه الشاعرَ رُوُلي من أهل العصر القديم … وهو لا اسمَ له في الحقيقة ولا وجود.
الأستاذ : أجل … وكذلك هم يَأْبَون إلا أن يحبُّوا الموتى … ويُمِيتوا الأحياءَ.
شاترتون : ومع ذلك فقد عرف الناسُ أن الكتابَ بقلمي … ولن يستطيعوا أن يُبِيدوه بل سيدعونه يعيش … ولكنهم لم يُعطوني في مقابله إلا قليلًا من الضوضاء … وهي لا تُغنِي عن الجوع شيئًا … وما أنا بمستطيعٍ أن أحترف بشيءٍ غير الكتابة … لقد حاولتُ كثيرًا أن أنهزِمَ لهم وأقذف الشعرَ والكتابةَ جانبًا … ولكني لم أستطع أن أنجح … لقد أغروني على أن أجد لي عملًا ماديًّا فحاولته … ولكني لم أستطع أن أصبر عليه … فهل يريد الناس أن يعيبوا على الله أن خلَقَني شاعرًا؟ هل تسمِّي هذا مني قوةً مخيفةً أم ضعفًا شائنًا … إني لا أعرف أيهما … إني لا أستطيع أن أقاوِمَ مدَّ روحي الصخاب الفياض الذي يطغى ويطفو على الرغم مني … لقد عالجتُ الأعمالَ الهادئة كالصحافة والحساب وأمثالهما، فلم ألبث حتى طرحتها … إن روحي لا تستطيع أن تطمئن للأرقام والقوائم والجداول والحسابات … وا أسفاه يا صديقي! … وا أسفاه! … إني حزين! … إن بدني مُتعَبٌ منهوك … (ينهض من مجلسه بقليلٍ من الانفعال والاهتياج) ومع ذلك فلو كانت لي أكبر قوة في الأرض لَظلَّ يقوم بيني وبين العمل البدني ذلك العدد اللدود الذي خلق معي … هذه الجِنِّيَّة التي درجت معي منذ المهد … وهي نزعة الشعر والتفكير … إنها تتبعني في كل مكانٍ، إنها تلازمني … إنها تحول بيني وبين كل شيء … إنها تسعد حياتي وتشقيها معًا … إنها تنقذني … ثم هي تُمِيتني!
الأستاذ : وماذا أنت صانع بعد هذا؟
شاترتون : لا أدري! … أكتب! … ولماذا أكتب؟ … لا أدري … لأنه يجب عليَّ أن أكتب (يسقط في مقعده ولا ينتبه بعد ذلك إلى كلام الأستاذ، وإنما يتأمَّل راشل ويناديها إلى جانبه).
الأستاذ : إن العلة عُضال قاسية!
شاترتون (يعود إلى الكلام) : علتي؟!
الأستاذ : كلا … بل علة الإنسانية … إنك لِنُبْلِ فؤادك ترثي للذين يصيحون بك: «كن شيئًا آخَر غير ما أنت عليه!» ولكني أحتقرهم وألعنهم … لأنهم يريدون أن يقولوا: «عُدْ إلى الكوكب الذي منه جئتَ … ليس لك مكان عندنا!» (يستمر شاترتون في مداعبة الطفلة ويهمس لها في أذنيها بينما الأستاذ يتكلم) وأنتِ أين الكتاب المقدس؟ … ثم أين أمك؟ (وهو ينهض من مجلسه) أَلَا تريد أن نخرج سويًّا للرياضة؟
شاترتون (إلى راشل) : ماذا صنعتِ بالكتاب المقدس يا آنسة؟
الأستاذ : أَلَا تسمع صوتَ أبيها وهو يصرخ … اسمع!
جون بل (وهو داخل الحجرة) : كلا … لا أريده في بيتي … فهو لا مرتزَق له … كلا يا سيدتي … كلا.
الأستاذ (يخاطب شاترتون وهو يأخذ قبعته وعصاه مُسرِعًا) : إن عينَيْكَ ملتهبتان ويجب أن تشمَّ الهواء … تعالَ … إن نسائم الصبح تُزيل عنك أثر ليلتك.
شاترتون (وهو ينظر إلى الحجرة يرتقب مطلع كيتي بل) : حقًّا … إن هذه المرأة الشابة منكودة معذَّبة!
الأستاذ : هذا لا يهم أحدًا من الناس … إني لا أريد أن تكون موجودًا هنا عند خروجها من الحجرة … إنَّ هناك أمورًا لا يروقك أن تراها … هيا بنا … هيا بنا!
شاترتون : يا الله! … إنها تبكي … لكَ الحق أيها الأستاذ … إني لا أستطيع أن أشهد منظرًا كهذا … هلمَّ بنا!

الموقف السادس

(تدخل كيتي بل يتبعها زوجها.)

كيتي بل (تخاطب راشل وتأخذها من يدها إلى باب الحجرة لكي تدخل) : اذهبي يا ابنتي فاجلسي مع أخيك ودعينا وحدنا … (إلى زوجها) إني أتوسَّل إليكَ أن لا تُكرِهني على أن أقول لك أين ذهبَتِ الجنيهات التي نقصَتْ من الحساب … ستة جنيهات! … هل هي تُعَدُّ شيئًا مذكورًا في ثروتك؟ أَلَا ترى يا سيدي أنني كنتُ أستطيع أن أُخفِيها عنك بتغيير الحساب … ولكني لا أستطيع أن أركن إلى الكذب … ولو كان في قول الكذب نجاةُ طفليَّ العزيزين من الموت … ولكني فضَّلْتُ أن أتوسَّلَ إليك أن تدعني أعتصم بالصمت؛ لأنني لا أستطيع أن أبوح الآن بالحقِّ أو ألجأ إلى الكذب … وإنْ كان لا ضيرَ عليَّ منه.
جون بل : إنك لم تظهري بهذا المظهر يومًا من الأيام منذ وضَعَ الكاهن يدَكِ في يدي!
كيتي بل : ومن هذا تعلم أن الباعثَ عليه هو الواجب.
جون بل : أو الذنب يا سيدتي.
كيتي بل (بغضبٍ) : أَلَا تصدِّقني؟
جون بل : ربما!
كيتي بل : هلَّا عاملْتَني بالرحمة والحنان … أنت تريد أن تقتلني بهذا الكلام.
جون بل : وَيْ! أنتِ أقوى صحةً مما تظنين.
كيتي بل : وا أسفاه! لا يغرنك هذا … إني أستحلفك بحقِّ طفلَيْنا المسكينين.
جون بل : حيث أرى سرًّا أرى جُرْمًا!
كيتي بل : فإذا لم تجد إلا حسنةً؟ … أَلَا تستشعر الخجل والندم؟
جون بل : وإذا كان حسنةً … فلماذا تُخفَى؟
كيتي بل : لماذا؟ … يا جون بل؟ لأنك تحمل بين جنبَيْك قلبًا صلبًا قاسيًا … إنك لا تفتأ تمنعني أن أعمل كما أشاء … ومع ذلك … إنَّ الذي يعطي الفقير إنما يقرض الله.
جون بل : كان خيرًا لكِ أن تقرضيه بفوائد مقابل شيءٍ من الرهن!
كيتي بل : يغفر الله لك!
جون بل (وهو يتقدَّم إلى الحجرة بخطًى واسعة) : أنتِ أصبحتِ تقرئين كثيرًا في هذه الأيام … أنا لا أحبُّ هذا الجنونَ في المرأة … أتريدين أن تكوني فقيهةً؟
كيتي بل : وا رحمتاه يا صديقي! … هل بلغَتْ بك القسوة إلى السخرية مني … وا حزناه! … لستُ إلا امرأةً ساذجة ضعيفة … إني لا أعرف في العالَم إلا فرائضي الدينية.
جون بل : إنَّ معرفتها فقط دون تأديتها إثمٌ واستهتارٌ.
كيتي بل : هبني بضعة أسابيع أعتصِمُ فيها بالصمت، فإذا مضَتْ فإنَّ أول كلمة تخرج من فمي ستكون الاستغفار عن سكوتي عن الاعتراف إلى ذاك اليوم … وبعد ذلك أقصُّ عليك جميعَ الذي فعلتُ.
جون بل : وأرجو أن لا تكتمي منه شيئًا.
كيتي بل : الله يعلم! … ليس في حياتي لحظة واحدة أخجل من ذكراها.
جون بل : ومع ذلك فأنتِ لم تكتميني شيئًا حتى اليوم.
كيتي بل : قد يعلِّمنا الخوفُ قولَ الكذب في بعض الأحيان.
جون بل : إذن فأنت تعرفين اختراعَ الأكاذيب؟
كيتي بل : لو كنتُ أعرفه لما توسَّلْتُ إليكَ ألَّا تسألني … إنك قاضٍ بعيدٌ عن الرحمة والرفق.
جون بل : الرحمة والرفق! … وأيُّ حاجة لي بهما؟ … ستقدِّمين لي حسابًا عن المبلغ المفقود.
كيتي بل : إذن فأمهلني إلى الغد.
جون بل : ليكن ذلك … لن أتكلَّمَ حتى الغد.
كيتي بل (تقبِّلُ يده) : واهًا لكَ! … أنت طيِّب القلب … فكُنْ كذلك دائمًا.
جون بل : هذا حسن … هذا حسن … ولكن فكِّرِي في الغد (يخرج).
كيتي بل (وحدها) : لماذا وَخَزَني ضميري على الاحتفاظ بالكتاب الذي أهداه إلى راشل عندما لمستُ يدَ زوجي … إن الضمير لا يخطئ! (تفكِّر هنيهةً وهي صامتة) إذن فَلْأردَّ الكتابَ إليه! (تخرج وهي تمشي بخطًى متمهِّلة بينما الستارُ يُسدَل.)

الفصل الثاني

المنظر السابق بعينه.

الموقف الأول

(يدخل شاترتون مُسرِعًا كأنما يريد أن يهرب من إنسانٍ ما.)

شاترتون : ها نحن قد وصلنا!
الأستاذ : أيها الصديق … هل تراك جُنِنْتَ؟
شاترتون : كلا … إني أعرف جيدًا ماذا أفعل.
الأستاذ : ولكن لماذا تجري هكذا مُسرِعًا هاربًا؟
شاترتون (باضطرابٍ) : أتظن أنه رآني؟
الأستاذ : إنه لم يَثْنِ عِنان جواده … ولم يلتفت … وكان سائساه يمشيان في إثر الجواد … ولكن لماذا تريد أن تتجنَّبَ هذا الفتى المتألِّق الجميل؟
شاترتون : هل أنت واثِقٌ من أنه لم يَرَني؟
الأستاذ : إنْ لم يكن القسمُ أمرًا نكرًا … إذن لأقسمتُ لكَ.
شاترتون : الآن أطمئن … إنه من أصدقائي … إنه اللورد تالبوت.
الأستاذ : وماذا يُخِيفك منه … إن الصديق لا يُخِيف.
شاترتون (وهو يمشي بخطًى واسعةٍ، وقد عادت إليه نزعةُ المجون) : لقد كان الشرُّ كله لو رآني … إذن لَأكتشَفَ مكمني … وبدَّدَ سلامي … وعرف اسمي.
الأستاذ : يا للشقاء!
شاترتون : وهل تعرف اسمي الحقيقي حتى تفهم ذلك؟
الأستاذ : إنَّ هناك خطرًا مخيفًا يتهدَّدُك … إنَّ لك مظهرًا مزعجًا موحشًا … وأخشى أن يحسبوك من الأشرار المجرمين.
شاترتون : رباه! … لماذا خرجتُ معك؟ … إنه رآني ولا ريب.
الأستاذ : لقد رأيتُه كثيرًا ينحدر إلى هذا البيت مع رفقته وهم راجعون من الصيد.
شاترتون : هو؟
الأستاذ : نعم هو … مع جمْعٍ من أصدقائه اللوردات الفتيان.
شاترتون : إذن فقد قُدِّرَ عليَّ أن لا أجد مكمنًا في الأرض … الأصدقاء دائمًا الأصدقاء.
الأستاذ : هل تكره الأصدقاءَ؟
شاترتون (بمجونٍ) : لم تمْشِ يومًا أبطئ من مشيك اليوم!
الأستاذ : أتريد أن تُثِيرَ عليَّ رعايتك … يصنع الله لك يا صديقي المسكين … إن الطبيعة لم تَعُدْ تفتِنكَ بمظاهر جلالها وروعتها … إن الطبيعة مائتة في ناظريك.
شاترتون : هل تعتقد أن مسز بل متدينةٌ … يلوح لي أني رأيتُها تحمل الكتابَ المقدس في يدها.
الأستاذ (ببرودٍ) : لم أتحقَّقْ من ذلك … ولكني أعهدها امرأةً تقدِّس فرائضَها وتخاف ربها … ولكني لم أَرَ كتابًا في يدها … (لنفسه من ناحيةٍ) لماذا يميل بالحديث إلى هذه الناحية … في أيِّ شيء تراه يفكِّر؟ … أرجو أن لا يسترسِل في هذا القول. (يعود إلى مخاطبته) ثم هي امرأة هادئة العواطف باردتها، لا تحب إلا طفلَيْها … ولا سيما إذا مرِضَا … إني أعرفها منذ مولدها.
شاترتون : إني لا أشك في أن لقائي باللورد تالبوت سيُحدِث لي مصابًا عظيمًا؟
الأستاذ : وكيف ذلك؟
شاترتون : لا أعلم ولكن سترى … وإذا أحَبَّتْ هذه المرأةُ الشابة يومًا، فخير لها أن تنتحر من أن تطاوع صوتَ فؤادها … أليس كذلك؟
الأستاذ : أَلَا يخطر في ذهنك إلا الحزن والمصاب والألم؟!
شاترتون : إني أحس حولي شرًّا متوقَّعًا محتمًا … ولكني قد اعتدتُ ذلك فلم أَعُدْ أقاوِم أو أغالِب … إنَّ عدوي لا يَدَعُني يومًا واحدًا … إنه يتابعني في كلِّ مكانٍ أعتصِمُ بنَجْوَته.
الأستاذ : أيَّ عدوٍ تعني؟
شاترتون : سَمِّه ما شئتَ … سَمِّه الأقدارَ … أو الحظَّ … أو أيَّ اسم تحبُّ … لأني لا أعرف.
الأستاذ : أنت تريد أن تنحرف عن الدين؟
شاترتون (يذهب إليه فيأخذ يدَه في يدِه) : أنت تخشى أن أُحدِث شرًّا في هذا البيت … لا تَخَفْ! إني وديع كالأطفال … أيها الأستاذ … أَلَمْ تَرَ يومًا إنسانًا موبوءًا أو مجذوبًا؟ … أَلَمْ تَرَ في نفسك إذ ذاك الرغبة في أن تُبعِدَه عن مساكن الأصحاء؟ … إذن فأَبْعِدني! … أطردني! … أو فدَعْني مقصيًّا وحيدًا … بل إني سأبتعد بنفسي مخافةَ أن يُصاب إنسانٌ بعدواي. (أصواتٌ عاليةٌ وطلقاتٌ نارية إعلانًا بابتداء الصيد) صه! انظر كيف يعكِّرون بضوضائهم هذا السكونَ السائدَ الجميلَ!

الموقف الثاني

(شاترتون – الأستاذ – جون بل – كيتي بل)
جون بل (لزوجته) : لقد أسأتِ يا كيتي إذ لم تخبريني إنه شاب كبير القدر (يدخل الخادم يحمل الشاي).
كيتي بل : وهل هو كذلك؟ حقًّا إنني لم أكن أعرف.
جون بل : وذو مكانةٍ ساميةٍ … وقد أنبأني اللورد تالبوت أنه صديقه … وإنه فتًى مشهور لا يريد أن يكون معروفًا.
كيتي بل : وا حزناه! … أَوَلَيْسَ هو إذن بائسًا منكودًا … ولكني لا أستطيع أن أكلِّمَه … إني ذاهبة.
جون بل : كلا … لا تذهبي … أدعيه لتناول الشاي هو والأستاذ معنا … إنَّ ذلك سيسرُّ اللورد تالبوت (يذهب فيجلس على اليمين قريبًا من وابور الشاي).
الأستاذ (يخاطب شاترتون وهو متحفِّز للذهاب إلى حجرته) : كلا … كلا … لا تذهب إنهما يتكلمان عنك.
كيتي بل : يا صديقي … هل تتفضَّل علينا فتسأله أن يتناول طعامَ الأفطار مع زوجي وطفلَيَّ …
الأستاذ : إنكِ قد أخطأتِ صنعًا بدعوته … إنَّ مثله لا يحتمل الدعوات.
كيتي بل : ولكن زوجي هو الذي أراد.
الأستاذ : إن إرادتكِ هي التي يهتمُّ لها فقط … (إلى شاترتون) إنَّ السيدة تدعو ضيفها إلى تناول الشاي على مائدة الأسرة … (ثم يهمس له) ينبغي ألَّا تقبلَ … إنها قد أُكرِهَتْ على دعوتك … بأمرِ زوجها … ولكن ذلك لا يسرُّها.
جون بل (يقرأ في صحيفة الأخبار … وهو يقول لكيتي) : هل دعوته؟
كيتي بل : لقد كلَّمَه الأستاذ.
شاترتون (موجِّهًا الخطاب للأستاذ) : إني مضطرٌّ أن أذهب إلى حجرتي.
الأستاذ (لكيتي) : إنه مضطر إلى الذهاب إلى حجرته.
كيتي بل (تخاطِب زوجها) : إن السيد مضطر إلى الذهاب إلى حجرته.
جون بل : يا للكبر! … ويا للأنفة! … إنه يظن أنه يولينا الشرفَ الأكبر بإبائه (يوليهم ظهره ويعود إلى قراءته).
شاترتون (يخاطب الأستاذ) : لن أستطيع أن أقبلَ دعوتهم … إنهم لم يدعوني إلا إشفاقًا عليَّ (يولي وجهه نحو حجرته … ويتبعه الأستاذ فيمنعه … وإذ ذاك يدخل خادم وهو يقود الطفلين ويُجلِسهما حول المائدة … والأستاذ يجلس في أقصى المسرح هو وشاترتون … وكيتي بل تجلس على اليمين، وجون بل على اليسار وظهره قبالة الحجرة، والطفلان بجانب أمهما).

الموقف الثالث

(يدخل اللورد تالبوت، واللورد لودردال، واللورد كنسنجتون، ولوردات آخَرون وهم في أثواب الصيد.)

لورد تالبوت (وهو نشوان قليلًا) : أين هو؟ … أين هو؟ هذا أنت يا صديقي … هذا أنت يا رفيقَ الطفولة … يا للشيطان! … أي شيء تفعل هنا؟ … أتريد أن تعتزلنا؟ … هل أصبحتَ لا تريدنا؟ … هل بَعُدَ إذن بيننا العهد … وتقطَّعَتْ أسباب الودِّ؟ … أَلأنك قد أصبحتَ اليوم مشهورًا رُحتَ تحتقرنا وتزدرينا؟ … إني لم أستطِعِ الصبرَ على التعليم في المدرسة اللهم إلا في فن الملاكمة … وقد أتقنتُها كلَّ الإتقان … ولكن ذلك لا يمنع أن أكون صديقك … هذا هو صديقي القديم يا سادة.
شاترتون (وهو يريد أن يقاطِعه) : مولاي …
لورد تالبوت : هاكم صديقي القديم شاترتون …
شاترتون (وهو يشدُّ على يدِ تالبوت بجدٍّ ووقارٍ) : جورج! جورج! يا لك من طائش دائمًا!
لورد تالبوت : لا يؤلمك هذا … هذا هو الشاعر رب القصائد الممتعة التي أحدثَتِ الضجةَ الكبرى يا سادة … وقد كنتُ معه في المدرسة … ونحن طفلان … يمين الله ما شككتُ يومًا في هذا النبوغ المتوقِّد … أقدِّم إليكَ يا عزيزي لورد لودردال، ولورد لنسنجتون، وهما يحفظان قصيدتك هارولد عن ظهر القلب … آه لو أنكَ جلستَ الليلة إلى العشاء معنا، إذن لَسررنَ السرورَ كله … إنهما ليضجان كلَّ يوم بأبيات قصيدتك … إنك لا تحب صيدَ الثعالبة وإلا لَاصطحبناكَ معنا … ولكنَّا نعرج على هذه الدار لتناول العشاء بعد متعبة الصيد … وكذلك سنُقِيم الليلةَ هنا للعشاء … ويا للفرح! … وسنلهو الليلةَ جميعًا ونبتهج … ولكن هذا أنت في أثواب الحداد! … آه يا للشيطان!
شاترتون (بحزنٍ) : نعم لوفاة أبي!
لورد تالبوت : آه … ولكنه كان شيخًا أشيب تقدَّمَتْ به السنُّ، ماذا تريد منه بعد ذلك … وهذا أنت قد ورثتَه.
شاترتون (بحرارةِ حزنٍ شديدٍ) : نعم، جميع الذي بقي بعده!
لورد تالبوت : يمين الرحمن إنك لتنفق مالَكَ عن جودٍ وسخاءٍ كما كنتَ في المدرسة … وهذا يُكسِبك الفخرَ والشرفَ … ومع ذلك أنت تبدو اليومَ جهمًا مُخِيف الطلعة، ولكني في الحقيقة مثلك اليومَ لأني أعاني مرضَ الكبد … أي مسز بل! أنت تقية متدينة … وَيْ! إنكِ لم تمدِّي إليَّ يدَكِ للسلام اليومَ … ولو لم تكوني كذلك لوصَّيْتُكِ بصديقي كلَّ الخير.
جون بل : أجيبي اللورد كيتي … إن مولاي يعرف إنها ضعيفةٌ حَيِيَّة … (إلى كيتي بل همسًا) أَظْهِري أمامَه الاحترامَ والعنايةَ بصديقه.
كيتي بل : إن مولاي اللورد خليقٌ بأن لا يشك في العناية التي يُبدِيها زوجي للذين يسكنون منازله.
جون بل : إنها يا مولاي من الجبن والضعف حتى إنها لم تُخاطِبْه ولا مرة واحدة … هل تعتقد ذلك؟ ولا مرة واحدة منذ ثلاثة أشهر سويًّا أقامَها عندنا.
لورد تالبوت : آه يا سيد جون بل … هذا حياء يجب أن تدرَأَه عن زوجتك … هذا ليس بالأمر المحمود … وأنت يا شاترتون … يا للشيطان! … انتهِ عن هذا الحياء أنت الآخَر … هذا ليس بالأمر المحمود.
الأستاذ (دون أن ينهض من مجلسه) : أيها الشاب الثرثار! ما كان أجدر بك أنت الآخَر أن تنتهي عن ثرثرتك! … إنك لم تَفُهْ بكلمةٍ طيبةٍ مذ تكلَّمْتَ.
لورد تالبوت : ما هذا؟ … ما هذا الحيوان المتأبد؟
جون بل : مغفرة يا ميلورد … إنه أستاذ (ضحكات عالية من اللوردات).
لورد تالبوت : لا غرو … لا غرو … مرحبًا بالأستاذ! (يذهب إليه فيحملق في وجهه، ثم يلتفت إليهم فيقول) إنه حيوان تافه لا يستحق الصيدَ يا سادة (ضحكات عالية من اللوردات).
شاترتون (يتقدَّمُ مُسرِعًا إلى لورد تالبوت ويخاطبه في صوتٍ منخفضٍ) : هذا مجون منكَ يا جورج! … إني لا أحب المجون! … إني أريد أن أكلِّمَك عند رجعتك من الصيد.
لورد تالبوت (يعود إلى الجِدِّ) : آه ولكني حسبتُكَ تبتهج بهذا … هل آلمَكَ ما رأيتَ؟ … لقد اصطحبنا اليومَ كئوسًا قليلةً من الشراب … ولكن ماذا تراني فعلتُ؟ لقد كنتُ أريد أن أُضحِك الجميعَ … أنت جئتَ هنا من أجل هذه المرأة الحسناء … آه … أليس كذلك … لقد لحظتُ ذلك بنفسي …
شاترتون : بحق الأرض والسموات … لا تَزِدْ كلمةً يا ميلورد.
لورد تالبوت : إن مزاحي اليوم قاسٍ معيب … مسز بل! لا تُعطِهِ ولا قدحًا من الشاي اليوم … فإن ذلك يسوءني إنْ أردتِ الحقَّ.
كيتي بل (لنفسها) : يا إلهي! كيف يكلِّمني بهذه القحةِ الشائنةِ … (يتقدَّم لورد لودريال فيشدُّ على يد شاترتون) يمين الله إني لَمبتهِجٌ بمعرفتك … إن أشعارَكَ تروقني.
شاترتون : تروقك يا ميلورد؟
لودردال : بلا ريب … وقد أبهَجَني حقًّا أنكَ تقيم هنا … لقد كنت في المدرسة أزكى من تالبوت، وستَدَعُني بلا شكٍّ أكسب الرهان.
لورد كنسنجتون : نعم … لأنه قد أفرط في تبذير المال للزواج ولم يفلح … ولن ينال كاترين الحسناء … كاترين أم كيتي؟ … آه …
شاترتون : نعم … كيتي يا ميلورد … هذا تصغير كاترين اسمها.
كيتي بل (في ناحيةٍ) : رباه! … وهؤلاء أيضًا يشيرون إليَّ … وأمامه!
لورد كنسنجتون : إني أعتقد أنها كانت ستميل إليه … ولكنكَ جئتَ فسلبْتَه مكانه … ومع ذلك فإن جورج فتًى طيِّبٌ ولن يُزاحِمَك … أنت تلوح حزينًا متألِّمًا؟
شاترتون : ولا سيما في هذه اللحظة …
لورد تالبوت : كفى كفى يا سادة … لا تُبعِدوا في القول! (يدخل سائسان معًا.)
سائس : إن جياد مولاي على استعداد.
تالبوت (وهو يضرب بيده فوق كتف جون بل) : يا سيد جون بل الكريم، إن نبيذ فرنسا وخمرة إسبانيا لا يوجدان إلا في بيت امرأتك الصغيرة التقية … نحن نريد أن نعاقِرَ شرابَكَ ونحسو من خمرتك في صميم بيتك … وخُذْ عليَّ ميثاقَ الشرف أني سأهديك فراءَ عشرة من الثعالبة لكي تجعل منها معاطف لزوجتك … فهلمُّوا بنا ندخل البيتَ يا سادة … وسنلهو الليلة ونبتهج.
جون بل : يا سيد شاترتون إني حقًّا سعيد بمعرفتك … (يصافحه ويضرب بيده فوق كتفه مُلاطِفًا) إنَّ داري كلها في خدمتك … (إلى كيتي وهي تتقدَّم تريد دخول البيت) وأنتِ يا كاترين تحدَّثي قليلًا مع السيد … يجب أن نُسكِنَه حجرةً أجمل مظهرًا وأغلى أجرةً.
كيتي بل : إنَّ طفليَّ في انتظاري.
جون بل : البثي هنا … كوني مؤدَّبةً … إني أريد ذلك.
شاترتون : لنخرج من هنا … ما أشد حزني أن أرى المكمن الأخير الذي جئتُ إليه قد عُرِف! … وصفاء العيش الذي كنتُ أريده قد بُدِّدَ! … وعزلتي التي كنتُ أريدها قد هُوجِمت! … يا للعذاب! … ويا للشقاء! … ويا للبؤس! … لنخرج من هنا … لنبتعد.
جون بل : إنَّ لي حاجةً إليك أيها الأستاذ … أريد أن تأتي معي … لنترك زوجتي مع السيد … إني أريد أن أكلِّمَك في بعض شأني … وأريد أن أُصلِحَ بينك وبين مولاي الميلورد.
الأستاذ : كلا … إني لا أريد أن أبرح هذا المكان (يدخل الجميع ويبقى الأستاذ جالسًا في بُرهة المسرح، وكيتي وشاترتون واقفان مُطرِقَيِ الرأس مضطربَيْن).

الموقف الرابع

الأستاذ (يخاطب كيتي بل ويأخذ يدَ شاترتون اليسرى، ويضع يدَه هو فوق قلب الفتى) : إن القلوب الضعيفة … القلوب الساذجة النقية البريئة لا تستطيع أن تكتمَ الكراهيةَ الشديدة التي تثور لديها عند رؤية الناس … أي بُني! أي طفلي الصغير المسكين … إن العزلة ستكون خطرًا شديدًا عليك … إن العيش في ظلال الوحدة لا يحتمل أن تهبَّ عليه ريحٌ غريبةٌ … إن الحياة يا بني عاصفةٌ هوجاءُ؛ فَلْينبغي للمرء أن يعتاد هبوبَها وزفيفَها … أَلَيْسَ غريبًا يا مسز بل أن يكون في هذا العمر الناضر ويأبَى إلا أن يكمن عن العالم ويختبئ … إني سأتركُكِ الآن لكي تنصحي له وتَثْنِيه عن عزلته.
كيتي بل (باضطرابٍ) : كلا … كلا … يا صديقي ابْقَ هنا … إن زوجي سيغضب إذا لم يجدك هنا … ولماذا امتنع السيدُ عن مرافَقةِ صحابته وأصدقاء طفولته … لقد أدهَشَني رفضه الدخول معهم.
الأستاذ : هل أزعجَتْكِ ضوضاؤهم يا ابنتي؟
كيتي بل : أجل يا أبي … ومقاصدهم … أَلَمْ يكن السيد في حديثهم؟
شاترتون (في ناحيةٍ) : لقد سمعَتْهم ولا ريب … وا رباه! لقد تألَّمَتْ … ليست هي بالمرأة التي يظنون.
كيتي بل (تخاطب الأستاذ بانفعالٍ لا تستطيع أن تمسكه) : إني لم أعِشْ بعد وحيدةً يا صديقي … إني أشعر بذلك ما دمتَ إلى جانبي.
الأستاذ (لكيتي) : لا تذكري ذلك يا بُنَيَّة …
كيتي بل : لقد وجدتُ هذا الكتابَ في يد ابنتي … سَلِ السيدَ إذا كان كتابه.
شاترتون : حقًّا إنه كتابي … ولكني أودُّ الآن أن يعودَ إليَّ.
كيتي بل (لنفسها) : يلوح لي أنه قد تأثَّرَ … وا رباه! … إني لا أجسر أن أردَّه إليه … ولا أن أحفظه!
الأستاذ (في ناحيةٍ لنفسه) : يا الله! ها هي قد تملَّكَها الاضطرابُ (يضع الكتابَ في جيبه بعد أن يتلَفَّتَ يمنةً ويسرةً يراقب اضطرابهما ويقول لشاترتون) أنشدك الله إلا ما سكَتَّ … إنها توشك أن تبكي.
كيتي بل (وهي تعود إلى هدوئها) : إنَّ للسيد أصدقاءَ فَرِحين ونبلاء الإحساس أيضًا … ولا ريب.
الأستاذ : لا تعيبيه بهم يا ابنتي … إنه لم يَدْعُهم إليه.
كيتي بل : إني أعرف أن السيد شاترتون لم يَدْعُهم إلى هذا البيت.
شاترتون : إن رؤيةَ عدوٍّ قاتلٍ لدودٍ لا تسوءني مثل رؤيتي لهم … صدِّقيني يا سيدتي.
كيتي بل : يلوح عليهم أنهم يعرفون السيدَ شاترتون كلَّ المعرفة، وإنْ كنَّا نحن لا نعرفه مثلهم.
الأستاذ (في صوتٍ منخفِضٍ لشاترتون) : يا لهؤلاء الأشقياء! … لقد أدموا فؤادَها.
شاترتون : وفؤادي أنا … يا سيدي!
كيتي بل : إن السيد شاترتون يعرف سلوكَهم كما يعرفون هم مقاصِدَه … ولكن بماذا أوَّلُوا سُكنَاه هنا؟
الأستاذ (وهو ينهض من مجلسه) : يا للسماء … لهذا الجراد المنتشر الخبيث الذي يُغِير على الأرض الناضرة فيسوءها! … ما أشر هذا الجراد الملعون الذي يسمِّيه الناس معشرَ الظرفاء! … انظري أيَّ قلبٍ أساءوا في لحظةٍ واحدةٍ!
شاترتون (وهو يُكرِه الأستاذَ على الجلوس) : بحقِّ السماء! لا تذهب حتى أعلم أيَّ مُنكَرٍ تظنُّني أحدثتُ … إنَّ ذلك يؤلمني أشدَّ الألم.
كيتي بل : إن زوجي قد أمرني أن أقدِّمَ للسيد شاترتون حجرةً خيرًا من حجرته.
شاترتون : ليس هناك خيرٌ من حجرتي … لأنها تناسِب مقاصدي.
كيتي بل : إنَّ ذِكْرَ مقاصد السيد يُثِير الرعبَ أكثر ممَّا يثير الاحترامَ … إني …
شاترتون : ماذا؟
كيتي بل : يُخيَّل لي …
الأستاذ : ماذا تقولين؟
كيتي بل : يُخَيَّل لي … أن هؤلاء الأشراف معذورون لاندهاشهم لرؤية صديقهم الذي هجَرَ القصورَ، وجاء يُخفِي اسمه وحياته بين أسرةٍ حقيرةٍ مثلنا.
الأستاذ (يخاطب شاترتون) : هَوِّنْ عليك أيها الصديق … إنها تريد أن تقول إنك منذ اليوم الذي نزلتَ فيه هذا البيتَ لم يكن لكَ مظهرُ الصديق الغني لهؤلاء الفتيان الأشراف المُترَفين.
شاترتون (بحزنٍ) : ولو سألوني يومذاك عن ثروتي وتاريخي وحياتي لما دخلتُ هذا البيت … ولو سألوني اليومَ عنها إذن لَطُرِدتُ …
الأستاذ : إن سكوتًا يبعث عليه الكِبَرُ والزهوُّ قد يُساء به الظن.
شاترتون (يحاول شاترتون أن يجيب ولكنْ يتمهَّل … ثم يعود فيقول بصرخةٍ عالية) : إن عذابَ الشهداء لا يهم الناس! (ثم يخرج وهو يجري نحو حجرته.)
كيتي بل (باضطرابٍ وخوفٍ) : رباه! لماذا خرج هكذا هاربًا؟ … إن الكلمات الأولى التي خاطبْتُه بها قد أثارَتْ في فؤاده لوعةَ الحزن! … ولكن أتراني أنا المخطئة؟ … لماذا جاء إلى هذا البيت … إني لا أفهم شيئًا … وأريد أن أفهم … إن صفاءَ بيتي قد بُدِّدَ به ومن أجله معًا … يا للرحمن! ماذا تراني فعلتُ؟ … ودَدْتُ أني لم أَرَ هؤلاء الأشرافَ الفاسدين.
الأستاذ (بحزنٍ وقلقٍ) : ولكنْ أيَّ ذنبٍ ارتكَبَه هو؟
كيتي بل : أَوَلَمْ تسمع حديثَهم أيها الصديق … هؤلاء الفتيان الأشراف؟ … وا رباه! … كيف استطاعوا أن يزعجوا هذه الحياةَ التي أبَى الله إلا أن يباركها … نبِّئني يا صديقي وأنت رجل … أنت الذي خلص فؤادك من شرِّ هؤلاء الفَجَرَة المُفسِدين … أنت الشيخ الوقور الجليل … أنت الذي تؤمن بوجود الله والروح … نبِّئني يا صديقي كيف ينبغي إذن أن تعيش المرأة؟ … وأين ينبغي أن تختفي وتعتصم … لقد أردتُ أن أعيشَ في أكناف السكون والحياء والتقوى … وأختفي وراء حجب العزلة الهادئة … فجاءوا اليومَ يهتكون حجابَها ويعكِّرون هدوءَها … لقد ظننتني كإحدى نسائهم … أخواتهم وعماتهم وذوات قرابتهم … ولكنهم هؤلاء جاءوا يتراهنون عليَّ ويتزاحمون … وا حزناه! ماذا يجديني إذن من طفلَيَّ الصغيرين وكنتُ أحسُّهما لي الملاكين الحارسين … ماذا يفيدني من وحشة العزلة وكنتُ أظنُّها تحميني من شرِّ الناس وفسادهم … رباه! أي امرأة تستطيع بعد الآن أن تصونَ شرفها وعفافها إذا كان الشبَّانُ يهاجمونها في كلِّ مكان، ويخادعونها ويتلاعبون بفؤادها كما يتلاعبون بالكرة … (يحتبس صوتُها فتشهق بالبكاء) أواه يا صديقي! … يا صديقي … دَعْهم لا يدخلون بيتي بعد اليوم.
الأستاذ : مَن هم؟
كيتي بل : هم جميعًا … هم … كل الناس.
الأستاذ : وكيف؟
كيتي بل : وهو أيضًا … نعم هو أيضًا (تنفجر عيناها بالدمع).
الأستاذ : ولكن أتريدين بذلك أن تقتليه … ماذا صنع؟
كيتي بل (باضطرابٍ) : يا إلهي! … أنا أقتله؟ … أنا الذي أريد ذلك؟! … يا إله السموات! … إنك لم تفهم بعدُ حديثَ الفؤاد … لقد فتحتُ لكَ قلبي … فما بالك لا تقرأ ما فيه؟! … آه يا صديقي! … إني أريد أن أُسرَّ إليك سرَّ روحي … واهًا لي! … ليت أبي كان حيًّا … (تأخذ يدها في يد الأستاذ) نعم ليتني أستطيع الاعتراف … ما أشد حاجتي إليه!
الأستاذ : إذا كان ضميرك يعذِّبك يا ابنتي، فلماذا تُخفِي عني؟
كيتي بل : إذن فنبِّئني لِمَ هذا الاضطراب الذي أشعر به عند رؤية هذا الشاب … لِمَ هذه الدموع المنحدرة التي تطفو من عينيَّ على الرغم مني لمجرد رؤيته.
الأستاذ : واهًا لك أيتها المرأة! … يا للمرأة الضعيفة المسكينة! … بحق السماء كفكفي دموعَكِ فها هو ذا قد أقبَلَ.
كيتي بل : رباه! … ما أرعب طلعته!
شاترتون (يدخل شاترتون كالمجنون حاسِرَ الرأس … ويذهب في الحجرة ويجيء ويتكلم وهو يمشي دون أن ينظر إليهما، كأنه لا يراهما) : ومع ذلك هم لا يملكون شيئًا من أموالهم وثرواتهم إلا كما أملك أنا هذه الحجرة … إن العالم ليس إلا كلمة فارغة لا معنًى لها … نحن نستطيع أن نفقِدَ العالَمَ أو نكسبه بكلمة واحدة … نحن لا نملك من هذه الأرض حتى ولا مواطِئ أقدامنا … سأردُّ إليكم حجرتَكم إذا شئتُم … أريد كهفًا أظلَمَ منها وأصغَرَ، ومع ذلك أريد أن ينجح الخطابَ الذي كتبتُه … ولكن كفى … كفى … ولا تذكر هذا الآن … (يسقط في مقعدٍ.)
الأستاذ (ينهض ويتقدَّم نحوه فيضع يده فوق رأسه مُلاطِفًا) : هدِّئ روعَك يا صديقي … هدِّئ روعك … إنَّ رأسك تكاد تحترق … لا تَدَعْ حزنَك يثور وينفجر … لا تُرعِب هذه المرأةَ الغريبةَ عنك.
شاترتون (يَثِبُ من مجلسه عند كلمة غريبة عنك، ويقول بتهكُّمٍ مخيف) : ليس على الأرض كلها إنسانٌ واحدٌ غير غريب عني … يجب أن أودِّعَ العالمَ وأرتحل عن أهله … المعذرةَ يا سادة إذا أنا تكلَّمْتُ … والمغفرة والصفح … لا أريد إلا أن تمهلوني بضعةَ أيام أُقِيمها في هذا البيت … حتى أُتِمَّ جمْعَ الصفحات التي قُضِي عليَّ أن أكتبها … إني كالنجار الذي يجمع الألواحَ إلى بعضها فيُخرِج منها لوحًا واحدًا … نعم يا سادة … إني نجَّارُ كتبٍ لا غيرَ … لا حاجةَ بي إلى معملٍ أكبر من معملي الصغير الحقير … إنَّ السيد بل قد رقَّ فؤاده نحوي لصداقة اللورد تالبوت … نعم، إن اللورد تالبوت فتًى محبَّبٌ خليقٌ هنا بالحب والاحترام … ولكن لا صداقةَ بيني وبينه ولا ودَّ … لقد كان ذلك ونحن طفلان صغيران لا نفهم … ولكن الآن مضى عهدُ الحب والولاء … أنا نجَّارُ كتبٍ … نجَّارُ كتبٍ يا سادة لا غير … الوداع يا سيدتي … الوداع يا سيدتي … ها … ها … إني أضعتُ جزءًا كبيرًا من الوقت … إلى العمل … إلى العمل! (يصعد السلم بخطًى واسعةٍ ويدخل غرفةً مُغلِقًا في إثره بابَها.)

الموقف الخامس

(الأستاذ – كيتي بل (في حيرةٍ وذهولٍ))
الأستاذ : هل أرعبك منظره يا ابنتي؟
كيتي بل : كل الرعب!
الأستاذ : وأنا أيضًا.
كيتي بل : وأنت أيضًا؟ … أنت القوي الثابت الجنان الذي لا يرعبه شيءٌ في الأرض … رباه! … إني لا أستطيع أن أدرك من هذا شيئًا … لقد خدعنا هذا الشاب … دخل بيتنا في زيِّ البؤساء … وهو في الحقيقة غنيٌّ كبيرُ الثراء … ثم أَلَمْ يخاطِبْه هؤلاء الأشراف كأنه نظيرهم … إذن ماذا جاء يفعل هنا؟ … وما معنى شكاته وحزنه وتألُّمه … ومع ذلك … إني أتبيَّنُ الصدقَ في لهجته … والبؤسَ والشقاءَ في هيأته!
الأستاذ : خير لهذا الشاب أن يموت!
كيتي بل : يموت! … ولماذا؟
الأستاذ : لأن الموت خير من الجنون.
كيتي بل : إذن فهل تظن … ويلاه! … إن قلبي يخونني … (تسقط في كرسيها.)
الأستاذ : إن أكبر عقول الأرض لا تستطيع أن تحتمِلَ العذابَ الذي يعانيه … أي كيتي بل! ليس في ملائكة السماء أطهر فؤادًا منكِ … أنتِ كمريم العذراء في عفافها ونبلها … ومع ذلك … فقد جلبتِ — وأنتِ لا تدري — شرًّا عظيمًا مُرعِبًا.
كيتي بل : وا قُوَى السماء! … أَيكون هذا؟
الأستاذ : استمعي إليَّ يا ابنتي … أنتِ لا تستطيعين أن تُدرِكي كيف يخرج الشرُّ من الخير، ويحدث الأمر السيئ في الأمر المحمود والجميل … ولكنْ انظري كيف أن نظرةً واحدةً منكِ بعثتها الرحمة … وهي أكبر فضائل السموات … قد ذهبَتْ بعقل هذا الشاب … إن حرارة الشعر والتفكير قد ألهَبَتْ ذهنه وأحرقَتْ روحه … ولكنه مع ذلك لا يزال يحمل قلبَ الأطفال … إنه لا يعرف له عشيرةً ولا أهلًا … ولكنه يبحث — وإنْ كان لا يقول — عن عشيرةٍ تحنو عليه، وأهلٍ يترفَّقون به … وقد أعتاد أن يراكَ على مقربةٍ منه … بل لعله أعتادَ أن يرى فيكِ أمه … ويشرف منك على حنان الأمهات … إنَّ هذا السكونَ الذي يحفُّ بكِ كان خطرًا على هذا العقل المفكِّر كخطرِ النوم بين الأكمام والأزهار … ليس هذا ذنبك إذ كان قد ظنَّ نفسَه سعيدًا في هذه الدار … ولكنه بعدُ يشعر لكِ بحنانٍ صامتٍ عميقٍ … فهل تريدين أن تنزعيه من فؤاده؟
كيتي بل : وا أسفاه! … أتعتقد إذن أنه لم يخدعنا؟
الأستاذ : أَلَا تقرئين في جبينه أسطرَ الحزن والبؤس؟ … إني أتبيَّنُ في وجهه حزنًا عميقًا.
كيتي بل : آه يا إلهي! لقد جرحتُ فؤادَه بما قلتُ له الساعة!
الأستاذ : إني لا أشك في ذلك يا سيدتي.
كيتي بل : أواه … ولكنْ لا تحزن! فليتكَ تعلم ماذا صنعتُ وسأصنع …
الأستاذ : أريد أن أعلم.
كيتي بل : كنتُ أخفيتُ عن زوجي مقدارًا من النقود وأرسلتُ إلى شاترتون دينًا عليه، ثم لم أجسر أن أسأله ردَّها ولم أسترِدها حتى اليوم … وقد اكتشَفَ زوجي ضياعَ المبلغ من سجل حسابه … وقد كنتُ منذ هنيهةٍ عزمتُ على أن أُفاتِحَ شاترتون في أمرها … ولكنْ أي صنيع جميل أسيدتَنيه يا أبتاه إذ حُلْتَ الآنَ بيني وبين نيتي السيئة … نعم … لقد كانت تكون جريمةً منكرةً ولا ريبَ … أليس كذلك؟
الأستاذ : وإذن لَكان يُؤثِر أن يرتكبَ هو الآخرَ جريمةً مخيفةً على أن يردَّ سؤالك … لأنه حَمِيُّ الأنف أبِيُّ الروح … لنعطف عليه يا صديقتي وَلْنُحسِن إليه … إنه يعاني مرضًا نفسانيًّا لا نجاةَ له منه … مرضًا عسيرًا مُعدِيًا … مرضًا هائلًا يتملَّك النفوسَ الشابة المتوقِّدة الحديثة العهد بقسوةِ الحياة … تلك النفوس الطاهرة التي فتَنَها حبُّ الحقِّ والجمالِ والفضيلةِ، ثم لم تَلْقَ في العالم إلا الكذبَ والخداعَ والقبحَ والظلمَ والشرَّ … ولم تشهد إلا مجتمعًا مشوَّهًا مضطربًا فاسدًا … هذا المرض هو كره الحياة … وإيثار الموت … هو العناد الفلسفي … هو الانتحار.
كيتي بل : وا حزناه! … يغفر الرحمن له! … أواه! أحقًّا ما تقول؟ (تُخفِي وجهَها بيدَيْها وتبكي.)
الأستاذ : نعم، أسميه عنادًا لأنه قلَّمَا يمتنع هؤلاء المساكينُ عن نيتهم إذا هدأ حزنهم.
كيتي بل : رباه! … أحقًّا ما تقول؟! … لا تكتمني الحقَّ … أخبرني كلَّ شيء … إني لا أريد أن يموت! ويلاه! … ماذا ترونه صنَعَ أو ارتكَبَ؟ أيموت وهو في نضارة الشباب؟ أتموت هذه النفسُ الملائكية البريئة … أيموت وله بركة الملائكة وسذاجة الأطفال وذكاء العظماء! أتركن هذه النفس الطاهرة إلى جريمة الجرائم ورأس الآثام! كلا … لن يكون ذلك … لن يقتل نفسه … ماذا يفتقد من مطالب الحياة؟ … المال؟ … إني سأجمَعُه له … هذه جواهري لم أتحلَّ بها … خذها إليه … بِعْها من أجله … أيقتل نفسه على مرأًى مني ومن طفلَيَّ؟ … كلا … كلا … بِعْ جواهري كلَّها من أجله … هذا كلُّ ما أستطيع … سأخفي بعد ذلك أمري وسأرتكب من أجله الإثم … سأكذب على زوجي هذا كل شيء!
الأستاذ : أواه يا ابنتي! … ما أنبل الفؤاد الذي تحملين! (يقبِّلُ يدَيْها معًا) لتحفظْكِ الملائكة … ولكن أمسكي عليك جواهركِ، إنه ليموت عشرين مرةً قبل أن يتقبَّلَ مالًا لم يكسبه بنفسه … ولقد حاولتُ أن أردَّه عن هذا النقص الشريف فلم أستطِعْ … ذلك إباءُ الفقر، وتلك عزةُ الفقراء!
كيتي بل : ولكن أَلَمْ يتكلَّم الآنَ عن خطاب كتبه … وينتظر منه تنفيس كربته؟
الأستاذ : نعم … هو ذلك، إن ذاكرتي قد نسيته ولكن فؤادكِ لم يَنْسَه … هذا دليل آخَر من دلائل الرحمة والإشفاق عليه … لنعتمِدْ إذن على هذا الخطاب.
كيتي بل : ولكن ماذا كان يريد بقوله عن لورد تالبوت إنه إنسان مُحَبَّبٌ جدير هنا بالحب والاحترام؟
الأستاذ : لا تحفلي بكلمةٍ تافهةٍ كهذه … إنَّ ذهننا مثل ذهنه مُتعَبًا من قسوةِ العمل والآلام لا تتطرق إليه نزعات الغيرة … ولكن ماذا؟ … أتريدين أن تظني أنه يَعُدُّ لورد تالبوت مزاحِمًا له؟ … ولذلك يغار منه … والآن تصوَّرِي أن هذه العاطفة التي يُبدِيها تتحوَّل فيه حبًّا شديدًا … إذن …
كيتي بل : حسْبُكَ ولا تزِدْ … دَعْني أهرب! (تضع يدَيْها فوق أذنَيْها هربًا من سماع كلماته وتتولى ذاهبةً.)
الأستاذ (يقول في إثرها) : إذا كان هذا، فخيرٌ له أن يموت!

الفصل الثالث

(حجرة شاترتون … حجرة حقيرة صغيرة تبدو عليها مظاهِرُ البؤس، لا موقدة فيها ولا أثاث … لا تحتوي غير سرير حقير لا نظامَ له.)

الموقف الأول

شاترتون (جالسًا فوق كرسي السرير الصغير يكتب فوق ركبته) : إنها لا تحبني ولا ريبَ … وأنا … لا أريد أن أعرف إذا كنتُ أحبها أم لا … إن يديَّ باردتان مقرورتان … ورأسي يلتهب … هذا أنا وحدي أمام عملي … لا يهمني الآن ابتساماتُ الناس ولا حنانهم ولا تحياتهم … إن تلك الرواية المضحكة قد انتهَتْ … إذن فلا تبدي في رواية أخرى بيني وبين نفسي فقط … يجب الآن أن تكون إرادتي قويةً حتى تغالِبَ روحي وتحبسها في جثتي … يجب أمام شاترتون المريض … شاترتون الذي يرتعش من البرد … شاترتون الجائع … أن تضع إرادتي شاترتون آخَر يعمل على تسليةِ الجمهور بأشعاره … يجب أن يصف شاترتون الثاني شاترتون الأولَ … يجب أن يصف الشاعرُ حالَ الشحاذ المتسوِّل، هذا هو الشعر الذي يمكن أن يُقبَل … فإما نسليهم وإما نجوع … إما نلهيهم بالقصائد الجائعة وإما نظلُّ على جوعنا فنموت … لا بد من أن نفتح قلوبَنا فنضعها فوق مائدة المزاد للبيع كالدواليب … فإذا كان بها جروحٌ فخيرٌ لها … أنها تُشترَى إذ ذاك بثمنٍ طيِّبٍ مقبول … (ينهض) انهض يا خلقة الله! … أبدع في رسم صورتك وأنت في هذه الحال … (يضحك ويتمشَّى ثم يعود إلى مجلسه، وإذ ذاك تدقُّ هناك ساعةُ حائطٍ قديمةٌ نصف ساعة دقَّتَيْن متواليتين) لا … لا … إن الساعة تداعبك … إنها تمزح معك … اجلس واشتغل أيها الشقي! أنت تضيع وقتك بالتفكير … ليس لك إلا فكرة واحدة … وهي أنك فقير … هل سمعتَ … أنت فقير! … كلُّ دقيقة تضيع في التفكير تطير منك ولا تعود … إنها دقيقة عقيمة لا نفعَ منها … آه … ابتعِدْ عني … ابتعِدْ عني أيها الكسل … إني أتوسَّلُ إليك … لا تقترب مني فتُجهِز عليَّ … أعطني ظهرك … انطلق عني … فإن اسمي وسكني قد اكتُشِفَا … وإذا طلع عليَّ الغدُ ولم أُتِمَّ هذا الكتاب … فقد ضعتُ … نعم ضعتُ … ولا أملَ في صلاحي … إذن يُقبَض عليَّ … ثم أُحاكَم … فيُحكَم عليَّ … ثم أُقذَف في غيابة السجن … يا للعار! … يا للعار! … (يكتب) وإذن فلن تحبني هذه المرأة الشابة بعد ذلك؟ … ولكن لماذا أعود إلى التفكير في هذا؟
(سكون طويل) إنَّ عندي قليلًا من الزهوِّ يضطرني إلى التفكير فيها … ولكن أَلَمْ يتساءلوا علامَ الزهوُّ والكبرُ من مثلي؟ وبماذا أُزهِي وأتكبَّر؟ وأنا ليس لي مكان بين الناس ولا شأن ولا قدر … ولا مقام … ولكن الذي لا ريب فيه أن إبائي الطبيعي يفيدني … إنه يصرخ في أذنيَّ دائمًا ألَّا أنحنيَ لإنسانٍ أو أتذلَّلَ لمخلوقٍ في الأرض … ولكن لمَن ننحني في هذا العالم ونُذَلُّ … ننحني للنساء … نحن نضع كلَّ شيء أمامهن … يا للمخلوقات الضعيفات … إنهن ليجلسن فوق عروش القلوب … ومع ذلك إن النساء يحببن الذي لا ينحني لإنسانٍ في العالم … وبحقِّ السماء إنهن على حقٍّ … إذن فلن تراني يومًا محنِيَّ الرأس … آه … ليتها كانت تحبني! (يسترسل في حلمٍ طويلٍ … ثم ينتبِهُ بشدةٍ) إذن فَلْتكتب إيها الشقي المنكود! أظهِرْ كلَّ قوتك … ولكن لماذا هي ضعيفة إلى هذا الحد؟ ما بالها لا تستطيع أن تنظر إلى هذه الروح المتمردة التي تثيرها وتهزُّ فؤادها … إني أراها تهرب دائمًا عند وجود روحها … أواه … أيتها الروح … أيتها السيدة المتحكِّمة في الجسم … المسيطرة على البدن … أيتها النفس الأبية الجموح … أترتعدين من هذه الرياح الباردة التي تنفذ إلى حجرتك الحقيرة المتهدمة؟

… أيها الإنسان الأبيُّ المتكبِّر، أتكفي لفحةٌ من الهواء البارد المقرور لهزيمتك؟ (يضع غطاءَ سريرِه فوق كتفه) الهواء البارد المقرور! ها هو ذا ينشر فوق النافذة غشاءً أشهبَ ناصعًا كالكفن الأبيض … لقد كان كذلك فوق نافذة أبي ليلةَ وفاتِهِ (تدقُّ الساعةُ دقة ثلاثة أرباع الساعة) هذه هي الساعة تدقُّ ثانيةً … إن الوقت يستحثني ولم أكتب شيئًا بعدُ … (يقرأ) هارولد … هارولد … أيها المسيح! … آه … ولكن ماذا بحديثي من هارولد المسيح … إني لا أستطيع أن أفهم لماذا كتبتُ هذا … (يمزِّق الورقةَ … ثم تأخذه غشية فيقول) هل أريد أن أكون مؤمنًا؟ … إني أكذب … لو كنتُ مؤمنًا لَجعلت نفسي راهبًا … إن الراهب لا يملك إلا سريرًا من الخشب … ولكنه ليس مثلي … لأنه ينام فوقه على الأقل … ولكل الناس سُرُر مرفوعة يضطجعون فوقها … وأنا لي سرير مثلهم … ولكني أشتغل فوقه … لأظفر بشيءٍ من النقود (يرفع يده إلى رأسه) أين أذهب؟ … أين أذهب؟ … إن الألفاظ تسوق المعاني على الرغم منها … يا إله السماء! … أليس هذا جنونًا؟ … ولكن كفى … كفى … هدِّئ روعك … هدِّئ روعك … لنقرأ ثانيةً … نعم، ولكن هذه القصيدة أليسَتْ بديعةً … لقد كتبت بكلِّ سرعة … كتبت لأعيش من ثمنها … يا للعذاب ويا للويل! … وقصيدة موقعة هايستنج … وقصيدة السكسكون القدماء … وقصيدة الفورمان العصريين … ولكن هل أنا مغتبط بهذه القصائد الجائعة … كلا … إذن فلماذا أتكلم عنها … لأني أحبُّ أن أتكلَّمَ كثيرًا عمَّا أكتب (ينهض ويمشي في الحجرة بخطًى واسعة) … أتظل ياقظًا ولا دفءَ لديك … وكلُّ شيء حولك يرتعد ويرتجف … بينما الفضيلة تصرخ وتستنجد وتختنق بالبكاء … بينما العمل الذهنيُّ البديع يحتقر ويمتهن بينما الأمل قد فقد سفينته … والإيمانُ قوتَه وسلطته … والإحسانُ أبناءَه الفقراء الجائعين … بينما القانون قد أصبَحَ خشنًا ملوَّثًا قاسيًا كالبغي المتبذلة … بينما الأرض تصرخ وتطلب الإنصافَ للشاعر من الذين يحتقرون جوفَها ليظفروا بذهبها وفضتها ثم يقولون له … عُدْ أيها البليد إلى السماء! (يبكي طويلًا بحرقة شديدة) هل قُدِّرَ على هذه العاصفة الشديدة أن تنشر أكفانها على نافذتك … كما نشرتها يومًا على نافذة والدِكَ؟
الأستاذ : ولا ريب سيسمو بروحك إلى أطباق الخيال … ثم يبكيك بعد ذلك … ثم يمنحك سباتًا عميقًا هادئًا لا عذاب فيه … لقد مكثتَ وحدك طويلًا يا شاترتون (يضع الأستاذ الزجاجة فوق المائدة فيأخذها شاترتون خفيةً دون أن يراه الأستاذ).
شاترتون : وإذا كنتُ أريد أن ألبث وحدي طول الحياة، أليس ذلك من حقي (يجلس الأستاذ فوق السرير، ويظلُّ شاترتون واقفًا محملقَ البصر زائغه).
الأستاذ : وكذلك يقول البراهمة والبوذيون.
شاترتون : لو كان الناس وهبوني ساعةً واحدةً من النعمة والراحة لَكنتُ اليومَ مؤمنًا متدينًا … إن الذي تخافه مني يسمِّيه الفلاسفةُ الخروجَ الفلسفي من الحياة.
الأستاذ : هذا حق … ولكنهم يقولون أيضًا إن الأسباب التي تبعث على الخروج من هذه الحياة قد تكون يومًا تافهةً عارضةً غير باقية … ويجب أن تعلم أيها الصديق أن الأقدار تتغيَّر وتتبدَّل … وأن الأقدار دائمًا في عون الحيِّ …
شاترتون : نعم ولكنها لن تستطيع شيئًا ضدَّ الميت … إني أقول لك إنها قد أحدَثَتْ من الشرِّ أكثرَ ممَّا جاءَتْ بالخير … وإن ليس للإنسان إلا أن يهرب من سوئها.
الأستاذ : أنت على حق … ولكن هذا جبن … أليس من الجبن والحقارة أن يذهب الإنسان فيخفي نفسه تحت جنادل من الصخر الأصم … في حفرةٍ مُظلِمة هاوية، خشيةً من سلطة الأقدار ورهبةً من حكمها.
شاترتون : وهل تعرف كثيرين من الجبناء قتلوا أنفسهم؟
الأستاذ : لا أذكر الآن إلا نيرون.
شاترتون : ولكني لا أظنه كان جبانًا … إن الشعوب لا تحب الجبناء … وقد كان نيرون الأمبراطورَ المطلَقَ الذائع الذِّكْر في إيطاليا كلها.
الأستاذ : ما أغرب تعريفك للشهرة يا بُني … إني لا أعارضك في هذا … أنت تُدلِّل جيدًا على صحة عزيمتك … ولكن أَلَا ترى أن خروجك من الحياة سيسرُّ أعداءَكَ وحاسديك … إنهم سيتخذون ذلك وسيلةً طيبةً لتفكهة الجمهور باختراع جملةٍ من الأضاحيك والتهكُّمات عن قصة موتك، وأنت بذلك ستقدِّم لهم ما لم يكونوا يحلمون به أبدَ الدهر … أنت تريد أن تمحو ذِكْرك وتبيد اسمك … وتذلِّل لهم هزيمتك.
شاترتون : أنت تُعلِّق الأهميةَ الكبرى على شيءٍ لا أحفل به … مَن ترى يعرفني؟ … ومَن ذا الذي يحسُّ بوجودي؟
الأستاذ (في ناحيةٍ لنفسه) : إن هذا الخيط الذي تشبثْتُ به لا يزال يهزُّ فؤاده … إذن فَلْنسترسِلْ في إقناعه من هذه الناحية (إلى شاترتون) إنهم يعرفون اسمك أكثر ممَّا تريد أنت أن تخفيه …
شاترتون : أحقًّا ما تقول؟ … إني لَأبتهج الآن بمعرفة ذلك … إذن فسيذكرون اسمي من بعدي.
الأستاذ (لنفسه) : إنه لا يزال يُساق إلى فكرته (إلى شاترتون) ولكن كان يلوح لي في هذا الصباح إنكَ كنتَ تتوقَّع أمرًا من خطابٍ كتبْتَه.
شاترتون : أجل … فقد كتبتُ إلى محافظ المدينة لورد بكفورد … وكان يعرف أبي كلَّ المعرفة … لقد طالما عرَضَ عليَّ أن يظلوني برعايتهم فأبيتُ … لأني لا أحِبُّ أن أكون تحتَ رعاية أحدٍ من الناس … لقد كنتُ أردتُ أن أعتمِدَ فقط على الشعر والتفكير لكي أعيش … أية حماقة كانَتْ وأي جنون! … لقد خذَلَني أمسِ كلَّ شيءٍ حتى الأشعار والتفكير … ولم يَبْقَ لي اليومَ إلا أن أركن إلى رعاية الناس.
الأستاذ : إنهم يقولون إن لورد بكفورد من أرقِّ الناس فؤادًا، وأعطفهم كبدًا، وأذكى أهل لندن أجمعين … حسنًا فعلتَ … ولماذا سكَتَّ حتى اليوم عن التماس رعايته؟
شاترتون : كفاني ما رأيتُ من الناس.
الأستاذ : ماذا يضيرك أيها الصديق … جرِّبِ العاقلَ والأحمقَ، والخشنَ والرحيمَ.
شاترتون : ولكن لماذا كل هذه المحاولات؟ … إنَّ أهلَ التفكير هم دائمًا عُرضةً للمشانق … إنَّ الشقاء ومناكد الحياة وإهمال الجيل هي المدارج التي تصعد بهم إلى حبال المشنقة … فلماذا تريد أن تحولَ بيني وبين خاتمتي … لماذا تريد أن أهين نفسي وأجرح إبائي بطلبِ الحماية من غيري وهي لا تفيد … إني أريد أن أخرج من الحياة فلا تمنعني … لقد قُضِيَ عليَّ بالموت وكفى.
الأستاذ (وهو ينهض عن السرير) : إذن فَلْيغفر الله ما أنا مُقدِم عليه! … أي شاترتون … استمِعْ لكلماتي … إني شيخ تنفست به مراحل الحياة … وأنا من عصبة أهل الدين القوَّامين على الناس … أقول لك باسم الله كلمةً حقَّةً صادقةً، أقولها لإنقاذك لأنه واجبي الذي يقضي على شعوري الشائبة البيضاء … شاترتون … شاترتون! … لكَ أن تفقد حياتك وروحك … ولكن ليس لكَ حقٌّ في أن تُفقِدَ العالَمَ روحين … إن هناك حياةً تعلَّقَتْ بحياتك، وروحًا امتزجَتْ بروحك … ولن تستطيع هذه الروحُ أن تعيش إذا فقدتَ أنت حياتكَ … وإذا أنت ارتحلْتَ عن العالم فهي ولا ريب في إثارك … شاترتون … شاترتون! … لك أن تنكر اليومَ الآخر، ولكنها مؤمنةٌ فلا تنكرها … وسوف تُحاسَب على أحزانكَ وآلامكَ وبأسكَ، ولعلك ظافِرٌ بالرحمة من الله والغفران … ولكن هي لن تظفر بشيءٍ منها لأنها ناعمة العيش راغدة الحياة … أي بُني … إني أسألك الرحمةَ لها وأنا راكعٌ بين يدَيْكَ؛ لأنها في هذا العالَمِ كابنتي!
شاترتون : رباه! … ماذا تريد أن تقول يا صديقي … يا أبي … إذن فهل … انهض أيها الصديق … انهض … أنت تُشعِرني لذعةَ الخجل.
الأستاذ : الرحمة يا بُني! … لأنها ستموت إذا أنت متَّ.
شاترتون : ومَن تعني؟
الأستاذ : لأنها يا بني ضعيفة الجسم والروح.
شاترتون : سَمِّها يا صديقي … هل تريد أن أعتقد …
الأستاذ (ينهض) : أَلَمْ تتبيَّنِ السرَّ من وجهها؟ … لن يعود بك حاجة إلى الانتحار … ينبغي الآن أن تعيش!
شاترتون : إذن …
الأستاذ : أجل … زوجة صديقي القديم … زوجة ربِّ البيت الذي أنت فيه … والدة الطفلين الجميلين اللذَيْن يحبَّانِكَ!
شاترتون : كيتي بل؟!
الأستاذ : إنها تحبك يا بُنَيَّ … فهل تريد إذن أن تقتلها؟
شاترتون (يسقط بين ذراعيَّ الأستاذ) : وا أسفاه! … لن أستطيع أن أعرف الآن هل أعيش أم أموت؟
الأستاذ (بصرخةٍ عاليةٍ) : بل يجب أن تعيش … ونستغفر الله!

الفصل الرابع

(المنظر الأول بعينه … كيتي بل تخرج من حجرتها وتنظر في القاعة.)

كيتي بل : لا أحد … أقبِلَا يا ولديَّ … يجب أن لا تختفِيَا في عمل الخير … اذهبَا سريعًا إليه في حجرته … وأحملَا إليه هذا (تلتفت إلى الأستاذ) أنا جئتُ إليكَ أيها الصديق لأستمع إليك (إلى طفلَيْها) أحملَا إليه كلَّ فاكهتكما … ولكن لا تقولَا له أنني أنا الذي أرسلتكما إليه … أصعدَا بهدوء وسكون … هكذا … نعم … هكذا … (يصعد الطفلان بهدوءٍ وهما يحملان سلةَ الفاكهة … ويدخلان برفقٍ حجرةَ شاترتون … فإذا انتهيَا إلى الدرجة الأخيرة من السُّلَّم تبتدئ كيتي بل الحديثَ) إذن فهل تعتقد أيها الصديق إن اللورد بكفورد محافظ المدينة سيُحسِن إليه … أواه يا صديقي … لقد أجمعتُ الرأيَ على أن أوافِقَكَ في كلِّ ما تنصح لي به.
الأستاذ : نعم، يجب أن يرتحل من هذا البيت ويسكن دارًا أخرى، ويحسن أن تكون بعيدةً عن لندن.
كيتي بل : ليبارك البيت الذي فيه يقيم، وإن لم يكن بيتي … حسبي أنه يعيش!
الأستاذ : إني لم أذكر له شيئًا عن هذا العزمِ … سأمهِّدُ له السبيلَ بعدُ.
كيتي بل (وهي خائفة أن يرفض) : كما تريد … سأكلمه أنا عنه.
الأستاذ : كلا … لن يكون ذلك الآن … لنتمهَّلْ قليلًا … لنتمهَّلْ!
كيتي بل : ولكن أتظن إنه قد يعود إلى نيته؟
الأستاذ : أجل … إن الحزن قد ملأ كلَّ نفسه … إن الكُتَّاب لا يحبُّون إلا كتبَهم … إنهم لا يرتبطون بعهدٍ … إنهم لا يحبون أحدًا … ومع ذلك لنتمهَّلْ … لنتمهَّلْ.
كيتي بل : ولكنْ علامَ التمهُّل إذا كنتَ تظن بقاءَه مخيفًا إلى هذا الحد؟
الأستاذ : أجل … إني أعتقد ذلك … ولا أَحُول عنه.
كيتي بل : إذا كان ذلك محتمًا فلأخبره الآن به.
الأستاذ : كلا … كلا … وإلا خاب كلُّ شيء!
كيتي بل (وقد ظهر عليها دلائلُ الاقتناع) : إذن، فَأْذَنْ لي أيها الصديق أن أحنو عليه وأترفَّقَ به إذا ظلَّ هنا … خليق بنا أن نعمل على تعزيته وإدخال البهجة على فؤاده المحزون الجريح … ها أنا قد بعثتُ طفلَيَّ لتسليته ودعابته … وقد أصرَّا على أن يأخذَا إليه كلَّ فطائرهما ونقلهما وكل الحلوى التي في سلتهما الصغيرة … فهل تعدُّها جريمةً مني أيها الصديق … أو من طفليَّ؟ (يولي الأستاذ وجهه ناحيةً ليكفكف دمعةً انحدرَتْ من عينَيْه) وهم يقولون إنه ينظم أشعارًا جميلةً … فهل قرأتَ شيئًا من ديوانه؟
الأستاذ (بلهجةٍ حارَّةٍ متحمِّسًا) : أجل … إنَّ له ذهنًا عبقريًّا متوقِّدًا!
كيتي بل : وهو في هذه السن الناضرة؟ … أيكون هذا؟ … أواه! … أنت لا تريد أن تجيب … ولكني لا أنسى كلمةً واحدةً ممَّا تقول … أَلَمْ تقل هذا الصباحَ إنَّ ردَّ الهديةِ إلى البائس المكدود الذي أهداها يكسر فؤاده … ويجرح عزته … ويذكِّره بؤسه ومحنته … إذن فأنت لم تردَّ إليه كتابه المقدس ولا ريب؟ … أحقًّا ذلك؟ … أتقسم؟ (يُخرِج الأستاذ الكتابَ ويعطيها إياه برفقٍ وهي تنظر إليه) خذيه يا ابنتي واحفظيه ما شئتِ.
كيتي بل (وهي تجلس عند قدمَيْه كما يفعل الأطفال عندما يريدون من الكبار شيئًا) : أواه يا صديقي! … آه يا أبي! … إنَّ لطبيعة قلبك مظهرًا قاسيًا … ولكن ذلك هو خير أنواع الطبيعة دائمًا … إنك لَأسمى منَّا جميعًا بحزنك وحكمتك … إنك لَترى منَّا صغائرَنا وهفواتِنا التي تسوءك وتحزنك، ومع ذلك تشاركنا فيها وتقاسِمنا … أنت تتألَّمُ لنا … وتحزن لزوابع حياتنا … ثم أنت تواسينا بكلماتك الرقيقة العذبة فتنقشع الزوبعة إثر الزوبعة … فنشكرك ونحمدك … ونكفكف عبراتنا … وترقأ دموعنا ثم نبتسم لأنك كذلك تريدنا.
الأستاذ (يقبِّلها في جبينها) : أي طفلتي … أي فتاتي العزيزة! إني لا أندم على شيءٍ ما دمتُ بجانبِكِ (يسمع أصواتَ القادمين) ها قد أقبلوا! … أرجو ألَّا يكون هؤلاء الأشراف … آه … هذا تالبوت ولا ريب (يسمعان صوتَ بوق الصيد).

الموقف الثاني

(يدخل تالبوت وجون بل.)

لورد تالبوت : نعم … إني سأذهب إليهم … ولكن يا أثقل لهوهم … لقد سئمتُ صداقتهم … كفاني ما عانيتُ منهم … ليجلسوا وحدهم إلى العشاء … يا سيد بل … إني أريد أن أُحادِثَك … إنك لم تنبِّئْني بأحزان صديقي شاترتون.
جون بل (لزوجته) : أرجو أن تدخلي حجرتك! … (تدخل كيتي بل حجرتها وتمشي ببطء) ولكن يا مولاي … إن أحزانه لم أشهدها … أمَّا عن فقره فلسنا ندينه في شيء.
لورد تالبوت : يا الله! … ماذا تراه يصنع الآن؟ … آه لو أنك تعلم أنت … وأنت أيها الأستاذ … إن أشعاره الجميلة لم تكسبه في أول الأمر ولا رغيفًا واحدًا من الخبز … وهذا أمرٌ لا غرابةَ فيه … حسبها أنَّها أشعارٌ … وأنها جميلة وكفى … ثم عمد إليه كاتب دنيء الرزح خامِل الذكر، فنشر في الناس أكذوبة فظيعة … إذ ادَّعَى أن قصيدةَ هارولد وكلَّ قصائده البديعة الحسناء لم تكن من قلمه … ولكني أشهد أنه لَكاذب … لقد رأيته ينظمها رأي العين … وسأُدلِي بشهادتي بين الناس … سأكتبها وأضع اسمَ تالبوت في آخِرها.
الأستاذ : وخيرًا تفعل أيها الشاب.
لورد تالبوت : وليس هذا كل شيء … هل رأيتَ رجلًا يطوف ببيتك يُدعَى سكيرنر؟
جون بل : أجل، إني أعرفه … إنه رجل غني من أصحاب المساكن في المدينة.
لورد تالبوت : هو بعينه.
جون بل : وقد جاء أمس إلى هنا.
تالبوت : إنه يبحث عنه للقبض عليه … نعم، هذا الرجلُ الفتيُّ صاحب الملايين … جاء ليقبض عليه من أجل أجرةٍ حقيرةٍ كانت عليه … ثم إن شاترتون — ما أفظع الذي سأقول! … إني أريد أن أهمس به همسًا حتى لا يحمل الهواءُ هذا العارَ المخجل الذي سيُسجَّل لهذه الإنسانية المتوحشة الدنيئة — ثم إن شاترتون لكي يخرج من بيت هذا الرجل تعهَّدَ بخطه وإمضائه … إنه في يوم كذا … وقد اقترَبَ اليومُ … إن يردَّ هذا الدينَ … وأنه إذا مات في هذه الفترة فلصاحب الدين أن يبيع لمدرسة التشريح — أواه! … إني لا أستطيع أن أقول — جثتَه! لوفاء الدَّيْن … وقد قَبِلَ الرجلُ العهدَ!
الأستاذ : يا للشقاء! ويا للهول!
لورد تالبوت : هوِّنْ عليك … إني سأدفع الدينَ كله من غير علمه … ولكنَّ راحته واطمئنانَ باله … أفهمتَ؟
الأستاذ : وإباؤه … أفهمتَ أنت الآخَر؟
لورد تالبوت : إني أعرفه يا سيدي قبل معرفتك له … وأعرف كيف أدخل بالكلام عليه … يجب أن نُكرِهَه على التفكير في مستقبله … وأريد فوق ذلك أن أُصلِحَ الآن ما كنتُ أفسدتُ!
جون بل : يا للشيطان! … يا للشيطان! … إنها لَحادثة سيئة! … إني توسَّمْتُ فيه النبل يا ميلورد إذ رأيتُكَ تميل إليه … ولكن هذه المسألة قد تُحدِث فضيحةً مخزيةً في مساكني … والصراحة أقول إني أرجو أن تُقنِعَ هذا الشابَ ألَّا يمكثَ في بيتي يا ميلورد أكثرَ من شهرٍ واحدٍ فقط.
لورد تالبوت (يضحك ضحكة مريرة) : حسبك يا سيدي … إن بيتي سيكون له خيرَ عوضٍ عن بيتك إذا شاء.
كيتي بل (تعود في خوفٍ واضطرابٍ) : قبل أن تذهب يا مولاي أودُّ أن أسألك أمرًا بإذنٍ من زوجي …
جون بل (وهو يذهب بخطًى واسعةٍ إلى أقصى المسرح) : لا حاجةَ بك إلى استئذاني … قولي ما تشائين.
كيتي بل : أتعرف يا مولاي السيدَ بكفورد محافِظَ المدينة؟
تالبوت : وي يا سيدتي … بل إني أعتقد أن بيني وبينه آصرة القربى … ولكني قلَّمَا أراه … مرة واحدة في كلِّ عام … لأنه لا يفتأ يقول لي إني مُثقَل بالدين وإني أميل إلى اللهو … إني لَأراه مغفَّلًا أحمق … وإنْ كان الناس كلهم يكبرونه ويُجِلُّون.
كيتي بل : إن يبدي الأستاذ قد أنبأني أنه يفيض ذكاءً وحنانًا وخيرًا.
تالبوت : وإذا أردتِ الحقَّ والجدَّ، فاعلمي أنه أنبل رجلٍ في المملكة بأسرها … وسأذهب الليلةَ إليه إذا كنتِ تريدين منه شيئًا.
كيتي بل : إني أعتقد أنَّ هناك إنسانًا يعلِّق الأملَ الأكبرَ على رحمته (وهنا ينزل شاترتون من حجرته مع الطفلين).
جون بل : ماذا تعنين؟ … هل جننتِ؟
كيتي بل : لا يسرك الذي أعني!
لورد تالبوت : ولكنْ دَعْها تتكلَّم … على الأقل.
الأستاذ : إن الأملَ الوحيد الذي بقي في حشاشة شاترتون قد أصبَحَ معلَّقًا على رعاية هذا الرجل.
لورد تالبوت : هل تلتمسين هذا إذن من أجله؟ … إني سأطير إليه.
جون بل (لزوجته) : وكيف عرفتِ هذه الأمورَ يا امرأة؟!
الأستاذ : أنا الذي أنبأْتُها الخبرَ.
جون بل (لزوجته مغضبًا متوعِّدًا) : إذا علمتُ بعد اليوم …
كيتي بل : لا تغضب يا سيدي ولا تُنذِرْ … لسنا وحدنا.
جون بل : لا تتكلمي بعد الآن عن هذا الشاب (هنا يدنو شاترتون وهو يقود الطفلين بيدَيْه ويسلِّمُهما إلى أمهما متقدِّمًا نحو الموقدة).
كيتي بل : كما تريد يا سيدي.
جون بل : هذا صديقك قد جاء يا مولاي … وسنعرف منه ماذا يجيش في عواطفه.

الموقف الثالث

(يلوح شاترتون هادئ النفس وديعًا كأنما قد فارَقَ حزنه … يضع فوق أحد المقاعد عدة من الصحائف.)

لورد تالبوت : أي شاترتون … إني جئتُ لأؤدِّي إليك صنيعًا … فهل تأذن لي بتأديته؟
شاترتون (يتكلم برفقٍ وعذوبةٍ أشبه بعذوبة حديث الأطفال … ولا يحول نظراته عن كيتي بل طول الوقت) : لقد أصبحتُ اليومَ أُذعِنُ إلى كلِّ ما يريد الناس بي.
لورد تالبوت : أليس بينك وبين ذلك الشقي سكيرنر أمرٌ سيئ؟ … إنه يريد أن يُلقِيَ عليك القبضَ غداة الغد.
شاترتون : إني لا أعرف … ولكنه على الحق.
جون بل (للأستاذ) : إن مولاي الميلورد رفيقٌ به رحيمٌ … ولكن انظر كيف كبره وعزته!
تالبوت : أتقول إنه على الحق؟
شاترتون : إنه على الحق … والقانون في جانبه … كان ينبغي عليَّ أن أردَّ إليه مالَه أمس … وكنتُ أريد أن أبيعَ من أجله كتابًا ولكني لم أستطع أن أُتِمَّه … وقد كتبتُ اسمي على العهد الذي عاهدتُ … وكان ينبغي أن أقوم أمسِ بوفاء الدين … سواء عليَّ استطعتُ التفكيرَ أم لم أستطعه … نعم … لم يكن يصحُّ أن أعتمِدَ على الخواطر كما يعتمد الإنسانُ على سباق الخيل … إنَّ الخواطرَ تجيء يومًا وتختفي أسبوعًا … إني لم أحترم ذهني الخالد فأجرته كما تُؤجر البيوت … إني أنا المخطئ وهو على الحق … وسأحتمل جريرةَ الخطأ الذي ارتكبتُ.
الأستاذ (يخاطب كيتي بل في ناحيةٍ) : إني أقسم إنهما سيحسبانه مجنونًا ذاهِبَ الرشد … إنهما لا يستطيعان أن يفهمَا معنى كلماته.
لورد تالبوت (ضاحكًا) : واهًا لك! … إنك إنما تدافِعُ عنه خوفًا من أن تكون على رأيي فيه … أليس كذلك؟
جون بل : هذه هي الحقيقة … لمجرد المعارضة فقط.
شاترتون : كلا … إني الآن أرى العالَمَ كلَّه على حقٍّ إلا الشعراء! … إن الشعر ليس إلا مرضًا من أمراض العقل … إني لا أقول ذلك عن نفسي … لأني شُفِيت منه.
الأستاذ (لكيتي بل) : إني لا أحب أن يقول هذا القول.
شاترتون : ولن أنظم بيتًا واحدًا يا سادة إلى آخِر الدهر … إني أُقسِم لكم … لن أكتب شطرًا واحدًا مهما كان الأمر.
الأستاذ (دون أن تفارق عينه النظر إليه) : وا رباه! … إنه لا يزال يعاوِد الكلامَ في يأسه.
تالبوت : أحقًّا أنك استصرختَ السيد بكفورد ابن عمي الشيخ؟ إني لَأعجب كيف لم تُؤثِرني بذات نفسك عليه؟
شاترتون (بحرارةٍ) : ذلك لأن اللورد بكفورد في نظري هو الحكومة … والحكومة هي الشعب … والشعب هو إنجلترة … وأنا لا أعتمد إلا على إنجلترة يا ميلورد!
لورد تالبوت : إني على الرغم من هذا سأقول له ما تريد.
جون بل : إنه لا يستحق!
الأستاذ : وا فرحاه لهذه المزاحمة الجميلة على الرعاية! … إن حماية اللورد الشيخ خيرٌ ولا ريبَ من حماية اللورد الشاب (يسمعون وقع عجلاتٍ عن كثب).
كيتي بل : يُخيَّل لي أني أسمع صوتَ مَركَبةٍ.

الموقف الرابع

(الأشخاص أنفسهم – المحافظ)

(يخرج اللوردات الفتيان ومناشفهم في أيديهم وفي أثواب الصيد لكي يروا المحافظ … يدخل ستة من الخَدَم يحملون في أيديهم المشاعلَ ويقفون صفًّا واحدًا … ويُعلِنون حضورَ اللورد.)

كيتي بل : لقد جاء مولاي اللورد بنفسه من أجل شاترتون! … أي راشل … طفلتي … يا للفرح! ويا للسعادة! … عانقاني يا ولديَّ عانقاني! (تجري نحوهما وتقبِّلهما بفرحٍ شديدٍ.)
جون بل : إنَّ للنساء نوباتِ جنونٍ غريبٍ لا يُفهَم!
الأستاذ (لنفسه) : إن الأم تقبِّلُ طفلَيْها قُبلةَ العاشقة وهي لا تشعر (يدخل اللورد بكفورد فيجلس برِفْقٍ وتمهُّلٍ وأبهةٍ في مقعد كبير).
لورد بكفورد (وهو يحيل البصر فيهم) : يا الله! هذا أنا أرى الذين أريدهم مجتمعين في مكانٍ واحدٍ … آه … هذا أنت يا جون بل … أيها الصديق الكريم … لَيُخيَّل لي أن الحياة في دارك بهيجة ناعمة … إني أرى شبابًا مشرقين يؤثرون المرحَ واللهوَ والضوضاءَ على الرزانة والعمل والتفكير … ولكن كذلك الشباب … وتلك عيشة الفتيان!
جون بل : مولاي … إن الميلورد كريمُ الفؤاد إذ شرَّفني بمجيء داري للمرة الثانية.
لورد بكفورد : أجل والله! للمرة الثانية يا صديقي بل … آه وهذان الطفلان الجميلان … نعم، هذه هي المرة الثانية؛ لأني جئتُ في الأولى لتهنئتك على إنشاء مصانعك العظيمة … وهذا أنا أجد هذا البيتَ المزهِرَ البديع … أزهى من قبلُ وأبدع … حسْبُكَ أن امرأتك الشابة تُشرِف عليه وتُدِيره … ما أجمل كل شيء هنا وما أبهج! … وأنت يا تالبوت العزيز ما بالك لا تتكلم؟ … أتراني قطعتُ عليك مرحك أنت وصحبك وعُشرائك؟ أي تالبوت يا ابن العم … أنت تأبَى إلا أن تكون في الحياة إباحيًّا ممراحًا … ولكنه دورُ الشباب يا بُني!
لورد تالبوت : لا تهتم كثيرًا لأمري يا لورد.
لورد لودردال : وهذا ما نقول له كلَّ يوم يا ميلورد.
لورد بكفورد : وأنت هنا أيضًا يا لودردال؟ … وأنت يا كنسنجتون … دائمًا في صحبته؟ … أتراكم تُقِيمون الليلَ كلَّه غناءً ورقصًا ولهوًا وشرابًا؟ ولكن ستكون الخاتمة سيئةً مُحزِنةً يا بني … ومع ذلك فلستُ أؤنِّبكم … إنَّ لكل إنسان أن يصرف ماله وثراءه كما يحب ويشاء … أي جون بل … أليس لديك في مساكنك فتًى يُدعَى شاترتون … وهو الذي جئتُ بنفسي من أجله؟
شاترتون (يتقدَّم من بين الجميع) : أنا يا مولاي الذي كتبتُ إليكَ.
لورد بكفورد : آه … أنت يا عزيزي! … اقترِبْ إذن قليلًا مني حتى أرى وجهَكَ … إني كنتُ أعرف أباكَ … لقد كان رجلًا فاضلًا … وجنديًّا فقيرًا … ولكنه استطاع بعد أن يصبرَ على قسوةِ الحياة ويذلِّل بشجاعةٍ معاسفَ العيش … آه … هذا أنت إذن … توماس … أنت تتلهَّى بنَظْمِ الأشعار يا بني! هذا حسن مرة أو مرتين … ولكن لا يجب أن تسترسل الآن فيه … ليس هناك فردٌ واحدٌ لم يعالج هذا اللهو العذب الجميل … لقد كنتُ مثلك أنظم الشعر يومَ كنتُ في ربيع العمر وطراوة الشباب … ولم ينظم ليتلتون ولا سويفت في التشبيب بالنساء أبدعَ ممَّا نظمتُ أنا وقرضتُ.
شاترتون (بتهكُّم مُرٍّ) : إني لا أشكُّ في ذلك يا لورد!
لورد بكفورد : ولكني لم أكن أعطي بناتَ الشعر إلا أوقاتَ الفراغ؛ لأني عرفتُ ما قال الشاعر بن جونسون، وهو أن أبدعَ شِعْرِ الأرض لا يكفي لإطعام صاحبه … وأنه يجب ألَّا تتَّخِذَ هؤلاء البنات — بنات الشعر — إلا رفيقاتٍ لا زوجاتٍ (يضحك اللوردات وأشدهم لودردال).
لودردال : مرحى يا ميلورد! … هذا هو الحق.
الأستاذ (في ناحيةٍ) : إنه يريد أن يقتله ببطء!
شاترتون : ليس أحكم ممَّا قلتَ يا لورد … إني تحقَّقْتُ ذلك بنفسي هذا اليوم.
لورد بكفورد : إن تاريخ حياتك هو تاريخ آلاف من الشبَّان، إنك لا تستطيع أن تصنع شيئًا إلا هذه الأشعار! ولكني أنشدك الحقَّ أي نفع منها؟ … إني أكلِّمك كوالدٍ … أيَّ نفع تجده منها؟ … إن الإنكليزيَّ الحقَّ يجب أن يكون نافعًا لمملكته … لنتباحث قليلًا … أية فكرة لديك عن واجبنا نحو الوطن؟
شاترتون (جانبًا) : وا حر قلباه لها! … إني سأشرب الزجاجة حتى ثمالتها! … (يخاطب اللورد) إني أعتقد أني أفهمه يا لورد … إن إنجلترة كالسفينة لأن جزيرتنا تشبهها … وهي في بُهْرَة البحار تُشرِف على القارة كلها … وفوق ظهر هذه السفينة العظيمة نعمل نحن الجميع … أما الملك والنبلاء والنوَّاب فيجلسون عند دفتها … وأما نحن الشعب فعلينا أن نرقب حبالها … ونصعد فوق شراعها … ونحرس قلاعها ونقوم على خدمتها … ولن يتأخَّرَ فردٌ واحدٌ منَّا عن الاشتراك في تقدُّم هذه السفينة العظيمة المجيدة.
لورد بكفورد : هذا حسن … هذا حسن … وإن كان لا يزال يُظَنُّ شِعْرًا! … ولكنَّا إذا تابَعْنَاك على رأيك وأخذناك بفكرتك … فلا زلتُ أنا على الحق … أيُّ نفعٍ من الشاعر في تلك السفينة؟
شاترتون : إنه يقرأ في الكواكب يا لورد! … إنه يطالِعُ من خلالها الطريقَ الذي يريده الله!
لورد تالبوت : ماذا تقول في هذا يا لورد … فلا غناءَ للسفينة عن الدليل.
لورد بكفورد : هذا خيال يا عزيزي أو جنون إذا شئتَ … إنك لا تصلح لشيءٍ … لقد أفسَدَكَ هذا السخفُ الذي تنظم … إنَّ لديَّ تعليماتٍ عنك … إذا كنتَ تريد صراحةَ القول.
لورد تالبوت : ميلورد! إنه صديقي وأرجو أن تُحسِن معاملته.
لورد بكفورد : آه أيهمك أمرَه يا جورج؟ إذن فاطمئن … إني سأعمل على إنقاذِه يا بُني … على الرغم من سعيهم في البحث عنه … إن شاترتون لا يعرف أنهم قد اكتشفوا سرقاتِه الشعريةَ، ولكنها كانت ولا ريبَ سرقاتٍ بريئةً، وإني أعفو عنها بكلِّ قلبي … إنَّ قصيدتك التي بعثتَ بها إليَّ بديعةٌ ممتعةٌ … وها أنا قد جئتُ بها لأردَّها إليكَ لتُسَرَّ بها مع هذا الخطاب الذي شرحتُ لك فيه نِيَّتي في إنقاذك، إن راتبك مائة جنيه في العام … فلا تُظهِر المحافظة والإباء يا بُني … لا ترفض العطاءَ … وهل كان أبوك من صلب آدم أو من سلالة الملوك حتى ترفض … وأنت لا تصلح في الحقيقة إلا لما عرضتُه عليك … هذا أول الغيث وعمَّا قليلٍ ينهمر … إنكَ لن تفارق قصري … وسأُشرِف عليك من قُرْبٍ (تتوسَّل كيتي بل إلى شاترتون بنظراتها ألَّا يرفض وقد رأَتْ منه تردُّدَه).
شاترتون (يتردَّدُ لحظةً ثم يقول بعد أن نظر إلى كيتي) : إني أرضى بكلِّ شيء يا لورد.
لودردال : ما أرق فؤاد اللورد!
جون بل : أَلَا تتقبل منَّا كأسًا من الشراب للمرة الأولى يا مولاي؟
كيتي بل (لابنتها) : اذهبي فقبِّلي يدَه يا ابنتي.
الأستاذ (وهو يصافِحُ شاترتون) : أحسنتَ يا بُني … أحسنتَ.
تالبوت : لقد كنتُ واثقًا من ابن عمي اللورد … هلمُّوا بنا يا سادة، فقد انتهى الأمرُ على أحسن حال.
لورد بكفورد : أي جون بل … أيها الصديق الكريم … خُذْني إلى عشاء هؤلاء الشباب الطائشين حتى أراهم وهم صافُّون حول المائدة … إن ذلك يسرُّني.
لورد تالبوت : يمين الله سنذهب جميعًا حتى الأستاذ … انظر يا ميلورد … هذا شاترتون هادئ السرب … متهلِّل الأسارير … هلمُّوا بنا تعالوا إلى العشاء يا سادة … ولا تفكِّروا في شيءٍ.
جون بل : سنصحب جميعًا مولاي الميلورد. (إلى كيتي بل) اذهبي فأَعِدِّي كلَّ شيءٍ (تتقدَّمُ نحو حجرتها).
شاترتون (يخاطب الأستاذ بتلطُّفٍ) : أَلَمْ أفعلْ كما كنتُما تريدان؟ (إلى لورد بكفورد بصوتٍ مرتفعٍ) مولاي! … إني لكَ من الساعة … وسأحرق جميعَ الصفحات الباقية لديَّ.
لورد بكفورد : هذا حسن … هذا حسن … إنه سيصلح منه ما أفسد الشعر والتفكير (يخرجون).
جون بل (يعود فيدنو من امرأته) : وأنتِ فعودي إلى حجرتك … واعلمي أني أراكِ وأسمعكِ (تقف عند باب الحجرة لحظةً وهي تنظر إلى شاترتون نظرةَ خوفٍ وقلقٍ).
كيتي بل (لوحدها) : لماذا يريد أن يبقى وحده يا إلهي؟ (تدخل مع طفلَيْها وهي تحمل أصغرهما فوق صدرها.)

الموقف الخامس

شاترتون (وحده يتمشَّى ذهابًا وجيئةً) : اذهبوا فأمرحوا يا صحابتي … ما أغرب ما تغيَّرَتْ حياتي في لحظةٍ واحدةٍ! … إني لا أكاد أصدِّقُ … إذن فسيكون المستقبلُ رغدًا هادئًا … ولكن ماذا كان يقصد هذا الرجل بذِكْره سرقاتي؟ … أواه! … هكذا يقول الجميع … إنهم لا يصدِّقون أنني شاعر وأن القصيد قصيدي … أي خطأ وأي لؤم! ولكن ماذا يكون عملي الجديد الذي يريدون! أتراني سأكون كاتِبَ حسابٍ؟ … ذلك خير لأنه عمل شريف! سأستطيع أن أعيش دون أن أكتب هذه السخافات التي يسمُّونها شعرًا … وسيعود الأستاذ إلى هدوئه الذي عكَّرْتُه عليه … ثم هي … هي كيتي بل! لن أقتلها إذا صحَّ أنني كنتُ سأقتلها … أيجب أن أصدِّقَ هذا؟ … إني أشكُّ فيه … إنها لا تحمِلُ إلا فؤادَ الوالدات … ولكن هذا خير لأنني لن أراها … إنني سأجتهد في عملي الجديد وأدأب وأُظهِرُ القوةَ والنشاطَ … هذا أهون من أن يقتل الإنسانُ نفسه … ولكن الآن … لماذا أعيش؟ … ولمَن أعيش؟ … لكي تعيش هي وكفى! … إذن فابتعدي عني أيتها الأفكارُ الشريرةُ … أيتها الخواطرُ السوداءُ … لا تعودي إليَّ … لنقرَأْ هذا (يأخذ جريدةً هناك فيقرأ) «إن شاترتون ليس المؤلِّفَ لقصائده، والدليل على هذا أن هذه القصائد البديعة هي في الحقيقة لشاعرٍ قديمٍ يُدعَى رُوُلي … كان قد ترجَمَها عن شاعرٍ من شعراء القرن الحادي عشر … إنَّ هذا الغشَّ قد يكون أدعى للرحمة والغفران؛ لأنه جاء من فتًى غرٍّ مجهولٍ … الإمضاء بال.» بال! … مَن بال هذا؟ … ماذا صنعتُ له؟ … من أي قاذورة خرج هذا الثعبان؟ … ويلاه! … إن اسمي قد شُوِّهَ ومجدي قد أُطفِئ … وشرفي قد ضاع … أواه! … ولكن لا ننسى اللورد … ولا ننسى المحسن العظيم … لنَرَ ماذا يعرض! (يفضُّ الخطابَ ثم يقرأ … ولكن لا يلبث أن يصيح بأعلى صوته وهو في أشد الغضب) وظيفة رئيس الخدم في قصره! ويلاه! … ويلاه! … أيتها الإنسانية الملعونة … أيتها الأرض المحقرة! … عليكِ اللعنة إلى يوم الدين! (يُخرِج زجاجةَ الأفيون) أي نفسي! … لقد بعتُكِ بالأمس … وها أنا أستردُّكِ اليوم! … (يشرب الزجاجة) اليومَ سينال الدائنُ دَيْنَه! الآن أصبحتُ حرًّا متخلِّصًا من الجميع … تحية أيتها الساعة الأولى للراحة في الأرض … وسلامًا أيتها الساعة الأخيرة في الحياة … ومرحبًا بك يا فجرَ اليوم الآخر! … الوداع أيتها العواطف البشرية بكراهاتك ونزعاتك وشكوكك وآلامك وأحزانك وهمومك ومتاعبك … الوداع … الوداع! أيتها الأرض … ما أكبر سعادتي اليوم وبهجتي إذ أقول لكِ وداعًا … وداعًا! … آه! ليت الناس يعرفون ما أشعر به الآن من الراحة والهدوء … إذن لَمَا تَردَّدُوا إلى هذا اليوم في الرحيل عن الأرض (هنا يلبث لحظة طويلة مسترسِلًا في التفكير والتأمُّل، وفي خلالها يتجلَّى وجهه مُشرِقًا مضيئًا بروعة الموت … يشبك يدَيْه ويسترسِل في القول) أيها الموت! يا ملاكَ الخلاص … ما أعذبَ سكونك وهدوءك! … لقد كنتُ من قبلُ أحبك، ولكني لم أكن أستطيعُ أن أدنوَ منك … إذن فانظر أيها الملاك العظيم وتمهَّلْ … حتى نحرمَ الناسَ جميعًا من آثارِ مقامنا في الأرض (يقذف بالصحائف التي معه في نار الموقدة) اذهبي أيتها الخواطر النبيلة التي كتبناها لهؤلاء اللؤماء الأدنياء الجاحدين … اذهبي فتطهَّرِي في لهيب النيران … ثم اصعدي معي بعد ذلك إلى السماء! (هنا يرفع عينَيْه إلى السماء ويأخذ في تمزيق قصائدَه ببطءٍ، في جلالٍ وروعةٍ أشبه بالذي يقوم إلى الصلاة.)

الموقف السادس

(كيتي بل تخرج من حجرتها بهدوءٍ ثم تقف فتراقب شاترتون عن كثب وتتقدَّمُ فتقف بينه وبين الموقدة … ويقف هو إذلالًا عن تمزيقِ الأوراق التي في يده.)

كيتي بل (وحدها) : ماذا تراه يصنع؟ … إني لا أجسر على أن أكلِّمَه … ماذا تراه يحرق؟ … إن هذه النار تخيفني … إن وجهه المشرق على ضوئها مرعب مخيف! (إلى شاترتون) أَلَا تذهب فترافِقُ اللورد إلى العشاء؟
شاترتون (هنا يترك الأوراقَ تسقط من يده وهو يرتعد) : آه … هذا أنتِ … آه يا سيدتي … إني أركع … الشفقة … الشفقة … انسيني يا سيدتي!
كيتي بل : رباه! … ولِمَ هذا؟ … وماذا صنعت؟
شاترتون : إني راحل! … الوداع … هوِّني عليك يا سيدتي، ينبغي ألَّا تنخدِعَ النساء بنا إلى هذا الحدِّ … إن عواطف الشعراء لا تكاد توجد … إنهم غير خلقاء من المرأة بالحبِّ لأنهم حقًّا لا يحبون أحدًا … إنهم أنانيون لا يحبون إلا أشعارهم … إن أذهانهم تأكل قلوبهم … إذن فلا تقرئي دواوينهم بعد الآن ولا تقتربي منهم … وأنا! … لقد كنتُ أسوأَ منهم أجمعين.
كيتي بل : رباه! … ولماذا تقول «قد كنت»؟
شاترتون : لأني لستُ الآن شاعرًا … ولا أريد أن أكونه … أَلَمْ تشهدي أني مزَّقْتُ كلَّ شيء … ولكني لن أصبِرَ بعد الآن خيرًا من هذا … الوداع … اصغي إليَّ … إنَّ لك أسرةً فتَّانةً ناعمةً … أتُحِبِّي طفلَيْكِ؟
كيتي بل : أكثر من حياتي ولا ريب.
شاترتون : إذن فأحِبِّي حياتك لهما.
كيتي بل : وا أسفاه! … إني لم أحبها إلا من أجلهما.
شاترتون : آه … ليس في العالم أبدع من هذا يا كيتي … إنكِ تُشبِهين إلهةَ الرحمة وأنت ومَلاكَاكِ الصغيران فوق ركبتَيْكِ.
كيتي بل : ولكنهما سيتركاننا يومًا من الأيام.
شاترتون : وهذه سبيل الحياة … هذا هو الحبُّ الذي لا يشوب صفوَه خوفٌ ولا تعكِّره أحزانٌ … إنَّ روحهما قطعة من روحكِ … ودماءَهما من دمائك … أَحِبِّيهما يا سيدتي وحدهما وفوق كل الناس … عِدِيني ذلك؟
كيتي بل : يا إلهي! … إن عينَيْكَ مفعمتان بالدموع ثم أنت تبتسم!
شاترتون : أَلَمْ تستطع عينَاكِ الجميلتان أن تبكِيَا يومًا وشفتاكِ لا تفتران عن الابتسام … أي كيتي … لا تُدخِلي على أسرتك الهادئة حزنًا لكِ غريبًا عنها؟
كيتي بل : وا أسفاه! … وهل هذا في يدنا؟
شاترتون : أجل … أجل … إنَّ هناك أفكارًا يستطيع الإنسان أن يغلِقَ فؤاده دونها … سَلِي الأستاذ يشرح لكِ ويفسِّر … ليس لديَّ وقتٌ … ليس لديَّ وقتٌ … دَعِيني أذهب! (يمشي نحو حجرته.)
كيتي بل : يا إلهي لشد ما يتألَّم!
شاترتون : بل … بالعكس … إني شُفِيتُ … ولكن رأسي فقط يلتهب … آه يا للسعادة! … يا للسعادة! … ولكنها تسيئني الآن أكثر من قساوتهم ولؤمهم.
كيتي بل : عن أيِّ سعادةٍ تتكلَّم؟ … أعن سعادتِكَ؟
شاترتون : إن النساء مخدوعاتٌ في سعادتهن … إنهم ينتظرونك هناك … إني واثق … ماذا تصنعين هنا؟
كيتي بل (وقد بَدَا عليها التأثُّر والانفعال) : إني سأبقى … ولو انتظرني أهلُ الأرض أجمعون!
شاترتون : إني سأتبعكِ بعد قليلٍ … اذهبي … الوداع … الوداع!
كيتي بل (وهي تستوقفه) : أنتَ لن تذهب؟
شاترتون : سأذهب … سأذهب.
كيتي بل : أواه! … أنت لا تريد أن تبقى.
شاترتون (في صوتٍ رهيبٍ) : سيدتي … إنَّ هذا البيتَ لكِ … ولكنَّ هذه الساعة لي!
كيتي بل : ماذا تريد أن تفعل في خلالها؟
شاترتون : دَعِيني يا كيتي … إنَّ للرجال أوقاتًا لا يستطيعون فيها أن يتعلَّقوا بأذيالكن … دَعِيني يا كيتي!
كيتي بل : لن أكون سعيدةً يا سيدي إذا أنتَ ذهبتَ.
شاترتون : هل جئتِ لتعذِّبيني … أيُّ شيطانٍ سيئ بعَثَكِ إليَّ الآن؟
كيتي بل : رعب لا يُقدَّر!
شاترتون : وسترتعبين لو بقيتِ!
كيتي بل : يا إلهي! … هل تكتم نياتٍ سيئةً؟
شاترتون : أَلَمْ تدركي ذلك ممَّا قلتُ؟ … لماذا تبقين هنا؟
كيتي بل : ولماذا لا أبقى؟
شاترتون : لأني أحِبُّكِ يا كيتي!
كيتي بل : أواه يا سيدي! … إنك لم تَقُلْ هذا الآنَ إلا لأنكَ تريد أن تموت.
شاترتون : هذا حقٌّ لي … إني أقسم بذلك أمامَكِ الآن … وسأقوله بعدُ أمامَ الله!
كيتي بل : وأنا أقسم لكَ إنه جريمة فلا ترتكبها.
شاترتون : بل يجب أن أفعل … إني محكوم عليَّ بالموت … في هذا العصر الماديِّ الموحش الملعون!
كيتي بل : ولكنْ تمهَّلْ يومًا واحدًا لتفكِّرَ في روحك.
شاترتون : لم يَبْقَ شيءٌ لم أفكِّرْ فيه يا كيتي.
كيتي بل : إذن فساعة واحدة للصلاة!
شاترتون : لا أستطيع الصلاةَ الآن!
كيتي بل : إذن فأتوسَّل إليكَ من أجلي أنا … إنَّ ذلك سيقتلني!
شاترتون : لقد أقنعتُكِ بألَّا تفعلي! … ليس هناك وقت … ليس هناك وقت.
كيتي بل : إذن فلأني أحِبُّكَ! …
شاترتون : لقد رأيتُ ذلك … ومن أجله قد أحسنتُ صنعًا بالموت … من أجل هذا سيغفر اللهُ لي!
كيتي بل : وماذا صنعتَ إذن؟
شاترتون (بصوتٍ رهيبٍ) : ليس هناك وقتٌ يا كيتي … إنَّ ميتًا يكلِّمُكِ الآن!
كيتي بل (وهي تركع رافعةً يدَيْها إلى السماء) : وا قوى السماء! … الرحمة له والغفران!
شاترتون : اذهبي! … الوداع!
كيتي بل (وهي تسقط) : إذن فلن أستطع …
شاترتون : بل الآن تضرَّعي لأجلي في الأرض … ثم في السماء! (يقبِّلُها في جبينها … ويصعد السُّلَّمَ وهو يترنح … ثم يفتح بابَ الحجرة ويسقط داخلها.)
كيتي بل : ويلاه! … ويلاه! … (تجد الزجاجةَ) ما هذا؟ … رباه! … رباه! … الرحمة له والغفران!

الموقف السابع

الأستاذ (يدخل الأستاذ يجري مهرولًا) : لقد افتضحت يا ابنتي! … ماذا تفعلين هنا؟
كيتي بل (وهي طريحة فوق الدرجات الأولى للسُّلَّم) : اصعد يا سيدي … اصعد مُسرِعًا … إنه سيموت … نَجِّه يا صديقي … أنقِذْه … إذا كان هناك وقتٌ للنجاة! (بينما يصعد الأستاذ مدارجَ السلم، تجري كيتي إلى النوافذ والأبواب باحثةً عن إنسانٍ يستطيع النجدةَ … حتى إذا لم تجد أحدًا تتبع الأستاذَ برعبٍ شديدٍ وهي تستمع إلى الأنين الذي يتصاعد من حجرة شاترتون.)
الأستاذ (وهو يصعد بخطًى واسعةٍ يقول لكيتي) : ابقي يا ابنتي … ابقي … لا تتبعيني! (يدخل الحجرةَ ويُغلِقها في إثره … تُسمَع أنَّاتٌ مُحزِنةٌ من شاترتون وتنهُّداتٌ عاليةٌ … فتصعد كيتي بل … وهي مجنونة من الفزع … وتتعثر في كل درجة تصعدها … ثم تحاوِلُ فتْحَ الباب … وهي تشدُّه إليها فيغالِبُ قوتها أولًا ثم ينفتح … يُرَى شاترتون ميتًا … وقد سقَطَ فوقَ ذراع الأستاذ … تصرخ صرخةً عاليةً … ثم تقع في نهاية السلم … وهي تحتضِرُ … وهنا يُسمَع صوتُ جون بل زوجها … وهو يناديها من القاعة المجاورة.)
جون بل : مسز بل! (تحاول كيتي بل أن تنهض بمجاهَدةٍ شديدةٍ … جون بل يناديها مرةً ثانيةً) مسز بل! (تهمُّ بالمشي ثم تجلس على السلم … وقد فتحَتْ كتابَها المقدَّسَ تقرأ آخِر صلواتها … ويجري طفلَاها إليها ويتعلَّقان بثوبها.)
الأستاذ (وهو في أعلى السلم) : أواه! … هل رأَتْه وهو يموت؟ … هل رَأَتْه؟ (يدنو منها) أواه! … ابنتي! … ابنتي!
جون بل (يدخل بشدةٍ فيصعد درجتَيْن من السلم) : ماذا تصنعين هنا؟ … أين هذا الشاب؟ … إني أريد أن يخرج من بيتي.
الأستاذ : قُلْ ما شئتَ الآن … فقد مات!
جون بل : مات؟
الأستاذ : نعم مات وهو في نضارة الشباب … لقد تلقَّيْتُموه أيها الناس بكلِّ شرٍّ وسوءٍ … ثم تندهشون الآنَ وهو مرتحِلٌ!
جون بل (وهو ينظر إلى امرأته وهي طريحة) : ولكن …
الأستاذ : كفى يا سيدي ولا تزِدْ … حسْبُكَ رعب امرأةٍ! (ينظر إلى كيتي فيراها تحتضر) خُذْ طفلَيْها يا سيدي من هذا المكان … أسرِعْ حتى لا يشهدَا هذا الموقفَ الرهيبَ (ينتزع الطفلين من عند قدمَيْ أمِّهما ويسلِّمهما إلى جون بل، ويأخذ الأم بين ذراعَيْه … يأخذ جون بل الطفلَيْن بعيدًا ثم يقف مبهوتًا … تلفظ كيتي بل أنفاسَها بين يدَيِ الأستاذ).
جون بل (بخوفٍ) : ما هذا؟ … ما هذا؟ … كيتي … كيتي … ماذا بِكِ؟ (يُمسِكُ عن القول إذ يرى الأستاذَ يسقط فوق ركبتَيْه راكعًا.)
الأستاذ (وهو راكع) : أي ربي! … تقبَّلْ في أحضانك هذين الشهيدين! (يظلُّ راكعًا وعيناه مرفوعتان إلى السماء، بينما الستار ينسدل في رفقٍ.)
(تمَّتْ)
عباس حافظ
١  المسرحية مكتوبةٌ بخط اليد بالمداد الأسود والأحمر بقلم الريشة؛ حيث كُتِبت الأسطرُ العادية بالمداد الأسود، وكُتِبت العناوين وأسماء الشخصيات المتحاورة والإرشادات المسرحية بالمداد الأحمر. والمخطوطة مكتوبةٌ في كراسة اصْفَرَّ ورقُها بفعل الزمن. علمًا بأن عبارة «وُلِد شاترتون الشاعر سنة ١٧٥٢ بمدينة بريستول، وتوفي سنة ١٧٧٠ بلندن» الموجودة على الغلاف، مكتوبةٌ بالقلم الرصاص.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠