مقارنات

اقتصرنا في الصفحات السابقة على التقديم لهذه الرسالة، وعلى شرح الأوليات الضرورية التي هي بمثابة أساس لما سوف نمضي فيه من مقارنات. على أنني آمل أن أجد من اتساع صدر القراء لهذه الرسالة وتقبلهم إياها ما يشجعني على المضي في وضع غيرها من الرسائل المماثلة لها، وعلى الأخص في الأسس الاعتقادية البحتة التي قامت عليها النصرانية منتحلة من قصة موسى، ومن تاريخ العبرانيين منذ هبوطهم مصر إلى دخولهم أرض الميعاد؛ فإني أعتقد اليوم — وبعد أن استعمقت في قراءة تاريخ موسى — أن النواحي التي تختلف فيها النصرانية عن اليهودية — كما ألقاها موسى على شعب الله حين كان يعلمهم التوراة في التيه — أقل بكثيرٍ من النواحي التي توافق هذه فيها تلك، لا من حيث المراسيم وطرق العبادات والمعاملات، بل من حيث العقيدة الخالصة.

فقد قال موسى مثلًا بأنه ابن الله، وحينًا قال إنه الله، ذلك في حين أن الصبغة الاشتراكية التي اصطبغت بها النصرانية هي بذاتها الصبغة التي اصطبغت بها اليهودية، غير أنك لا تقع على هذا في أسفار التوراة ولا في أسفار العهد القديم، بقدر ما تقع عليه جليًّا واضحًا في التلمود، وفي التفاسير التي فسرها به الربانيون والبطارقة من العبرانيين.

هذا ما أؤمل أن يكون موضوع بحث أضعه في مستقبل الأيام، وعندي أن هذه المقارنات من أخص ما يجب أن يكبَّ عليه الباحثون في هذا العصر؛ تحقيقًا للاتجاه الحديث في العلم والمباحث التاريخية.

فإذا رجعنا إلى الموضوع الذي أردنا أن نضلع به في هذا الموطن، وأردنا أن نمضي في مقارنات نقتطعها من الآثار القديمة، كان لا مندوحة لنا عن الرجوع إلى القصص التي روتها التواريخ المعروفة، أو التي تُنُوقلت باللقاح عن الأمم السابقة، لنثبت أن لهذه القصة أصلًا ميثولوجيًّا عند الأمم القديمة، أخذ يتنقَّل في أرحام الدهور، وتنتحله أمة بعد أخرى، حتى بلغ في القرن السادس بعد الميلاد مبلغه الأقصى، فصب في القالب الذي نقع عليه في القرآن.

على أننا نريد أن ننبه هنا على أن بحثنا هذا ليس له بالدين صلة، وليس له بالعقائد نسب، فهو بحثٌ خالص لوجه الحقيقة، لأهل الدين أن يُؤَوِّلوا منه ما يشاءون، ولأحرار الفكر أن يستنتجوا منه ما يستنتجون، وليس المقام مقام تقرير ولا هو مقام إثبات أو نفي، بل هو مقام رواية للقصص المختلفة التي قصت في الطوفان، ومقارنة بعضها ببعض تلميحًا لا توضيحًا، وسياقًا لا قياسًا، وللحقيقة لا للدعاية؛ لهذا نمضي في هذه المقارنات مستهدين بهذه النزعة، ولنا في نهايتها كلمة لعلها تكون فاصلة صريحة، لا نحتاج بعدها إلى استرسالٍ في شرح، أو إطناب في بيان.

•••

في كل التقاليد الميثولوجية، قديمة وحديثة تقع على قصص في الطوفان، تختلف في التفاصيل والأوضاع، ولكنها تتفق في الجوهر والغاية.

فقد أفنى الطوفان أمة خيالية قيل إنها عمرت أرض الإغريق القديمة في العصر البرونزي، وكانت أمة اتصفت بكثيرٍ من الخشونة والقسوة، فكان السبب في تحطيمها وإفنائها مشابهًا للسبب الذي أفنيت من أجله عاد وثمود. والفرق أن الأولين أهلكوا بالمياه الطاغية، والآخرين أهلكوا بريحٍ صرصرٍ عاتية. وروي أن «زوس» الإله اليوناني المعروف قال «لهرمز»: «سوف أرسل على الأرض مطرًا عظيمًا، لم يصب الأرض مثله منذ أن استقرَّ الكون على صورته هذه، وإن النوع البشري برمته سوف يفنى من جراء ذلك، فإن ظلمهم يتعبني ويمضني.»

وكان الإلهان زوس وهرمز قد تنكرا في صورةٍ بشرية، فأضافهما رجل عجوز يقال له «ديو كاليون» وامرأته «بيرا»، وأحسنا وفادتهما، وقاما على خدمتهما والعناية بأمرهما. فلما أتى الطوفان نجيا جزاء إحسانهما للإلهين الكبيرين. وكانت نجاتهما بأن نصح «زوس» للعجوز بأن يبني فلكًا من خشب البلوط ويخزن فيه من المواد الغذائية قدرًا كافيًا، فلما تم بناء الفلك، دخل الزوجان فيه وأغلقا وراءهما الباب، وهنا فتح «زوس» ينابيع الغور الأبعد وآبار الينابيع السماوية، وأخذت السماء تمطر، وظلت في تهطالها أربعين يومًا وأربعين ليلة كاملة من غير انقطاع، وبذلك فني القبيل البرونزي، ولم يسلم منه حتى الذين لجئوا إلى قمم التلال العالية. واستوى الفلك على جبل «بارناسوس» Parnassus، ولما غيض الماء خرج الزوجان من الفلك وهبطا من فوق الجبال ولجآ إلى كهف اتخذاه سكنًا لهما.١
أما في الميثولوجيا الهندية فتجد عقيدة أن الدنيا لا بد أن يفنيها طوفان مجتاح، ينتابها في نهاية كل دور من الأدوار الكونية.٢ أما هذه الأدوار فأربعة:
  • الأول: دور الكريتا أو العصر الكامل Krita.
  • والثاني: دور الترتيا Treta.
  • والثالث: دور الدوابارا Dwapara.
  • والرابع: دور الكالي أو عصر الشقاوة والفساد Kali.
ولا جرم أن هذه الأدوار تشابه بالتقريب الأدوار المعروفة عند اليونان والأمم الصلتية،٣ وكذلك نجد إشارات في الآداب السنسكريتية تدل على الاعتقاد في أن العالم قد دمر؛ لأن النوع البشري كان قد تكاثر فوق الكرة الأرضية إلى حدٍّ غير مرغوب فيه، فقد ذكر أحد حكماء الهنود أنه عندما بلغ تكاثر الناس حدًّا مروعًا، وناءت الأرض ظلمًا بما حملت، اضطرت إلى أن تنخفض عن مستواها مائه «يوجانا» Yojana، ولما شعرت فوق ذلك بألمٍ شديد يقض أطرافها، بل فقدت حواسها لثقل ذلك الحمل الكبير الذي ارتكز فوقها، لم تجد من وسيلةٍ في وسط كارثتها هذه إلا أن تلجأ إلى حماية «نارايانا» Narayana إله الآلهة وكبيرهم.٤

•••

كذلك تجد في الآداب السنسكريتية أن «مانو» وهو عندهم الإنسان الأول، قد ذكر بأن الإله في صورة سمكة قد أخبره بأن الأرض لا بد من أن تصفَّى وتنقَّى، فأوحى إليه بأن «يبني سفينة عظيمة قوية الدروع ويجهزها بحبلٍ طويل»، فلما ارتفعت المياه، قادت السمكة السفينة بواسطة الحبل في وسط الخضم المتلاطم الأمواج، وما زالت بها حتى رست على قمة «هيمافات» التي لا تزال تسمى «نوبانذا» Naubandha، ومعناها المرفأ أو الميناء، وكان «مانو» مصطحبًا معه سبعة من «الريشي» rishi، وهم فقراء الهند وأهل الباطن عندهم من النساك المتعبدين.٥
ولا جرم أن هذه الأسطورة الهندية تزودنا بما نستطيع به فهم التصور السوميراني القديم في حقيقة «إيا» Ea التي مر بنا ذكرها من قبل في سياق الأسطورة البابلية. فإن الأسطورة الهندية تنصُّ على أن هذه السمكة عندما كانت صغيرة لجأت إلى «مانو»، خشية أن يبتلعها السمك الكبير ويذهب بها، مهيبة أن يحميها وأن يظللها بعناية، فرفعها «مانو» الحكيم من النهر ووضعها في جرة، غير أنها أخذت تكبر في الحجم، فنقلها إلى وعاءٍ كبير ومن ثم إلى نهر «الكنج»،٦ ثم شكت السمكة «لمانو» مع مضي الزمان من أن النهر قد ضاق بها وأنه لا يسعها، فأخرجها منه إلى المحيط الأوسع. وجزاء هذه الخدمات تجلى الإله في صورة سمكة، وأخبر «مانو» بما سوف ينتاب الأرض من طوفانٍ مجتاح مدمر، ثم اقتاد السفينة في وسط الكارثة حتى استقرت على رأس الجبل.
فإذا كان لهذه الأسطورة الهندية أصل بابلي كما هو مرجح، جاز لنا أن نقضي بأن روح نهر الفرات التي كانت تدعى في أساطير بابل «روح الأرض» و«روح المكان» كانت تتصور في هيأة سمكة، وأن نماءها في النهر يعلل فيضانه؛ إذ يضيق بها على سعته. على أن التصور غير قاصر على أهل بابل والهند، ففي كثيرٍ من القصص الميثولوجي تقع على تعليلات لحدوث الفيضانات العظيمة بأن «وحشًا عظيمًا لا بد من أن يكون قد لجأ إلى البحر أو البحيرة أو النهر فعلا ماؤه وفاضت جوانبه.»٧

•••

أما في الأقاصيص الصلتية (الأيرلاندية) فإن الطوفان ينسب إلى المسماة «سيشاير» Cessair حفيدة نوح، لما منعت عن أن تختص بمكان في الفلك فهربت إلى حدود الدنيا الغربية، كما أشار عليها صنمها الذي كانت تعبده.٨
وكان أسطولها مكونًا من ثلاث سفن، غرق منها اثنتان قبل أن تصل شواطئ أيرلاندا. أما الذين نجوا فكانوا فضلًا عن «سيشاير» أباها «بيث» Bith ورجلين آخرين، وفنتان Fintan ولادرو Ladu وخمسين امرأة، وكلهنَّ قضينَ نحبهنَّ على التلال ما عدا «فنتان»، فقدر لها البقاء إلى العصر الذي شهد أهله قدوم «بارثولون» Partholon الجبار من أرض إغريقية.

•••

كذلك تقع عند المصريين على أسطورة في الطوفان سجلتها رواياتهم الميثولوجية. فإن «رع» إله الشمس لما كبر وهرم عندما كان ملكًا مسلطًا فوق الأرض، بدأ الناس يلوكونه بألسنتهم. فدعا الآلهة إلى جمهرةٍ وقال لهم: «لست براغبٍ في أن أقتلهم (أي رعيته)، قبل أن أعرف ما سوف تقولون فيهم.» أما «نو» أبوه وكان إله المياه السرمدية القديمة، فقد أشار بإفناء النوع البشري جملة.

فقال «رع»: «أجيبوا دعوتي والجئوا إلى رءوس التلال؛ إذ كانت قلوبهم مفعمة بالخوف من جراء ما رموا به «رع» من بذيء الكلام.»

فذهبت الإلهة «هاتور-سخث» عين رع في إثرهم وأخذت تقتل النوع البشري فوق التلال التي لجأ أفراده إليها، غير أن «رع» أراد بعد ذلك أن يحمي البقية الباقية من البشر، فأمر بقربان عظيم يقدم للآلهة، مكون من خمير القمح ممزوجًا ببعض الأعشاب ودماء بشرية، وصب هذا الشراب أثناء الليل فوق الأرض. «فلما أصبح الصباح وأتت الآلهة لتباشر مهمتها، وجدت أن الحقول تفيض بهذا الشراب الشهي فشربت وطربت ورقصت قلوبهم فرحًا، وذهب الآلهة بعد أن انتشوا «سكارى»، ولم يعيروا النوع البشري اهتمامًا.»٩

ولا خفاء أن الأسطورة المصرية تشير إلى فيضان النيل السنوي، وإلى «الدماء البشرية» في «خيرة القمح»، وهي عبارة عن دماء إله القمح المقتول، أو إلى من يمثله من أهل الأرض.

•••

أما الطوفان المكسيكي فأحدثه «شمس الماء»، الذي قذف فجأة بكل الرطوبات التي كان قد استمدها من الأرض، وأرسلها في صورة بخار فأفنى بذلك كل الأحياء وكل صور الحياة.

•••

وتعتقد قبائل «النهوا» Nahua المعروفة بأسطورة طوفانية تشابه من وجوهٍ كثيرة الأسطورة البابلية التي رواها «أوت-نابتشيم». وعندهم أن الإله «تتلا كاهوان» Titlachuan قد أوعز إلى رجلٍ يدعى «ناتا» Nata بأن يصنع فلكًا صغيرًا بأن يجوف جذع شجرة؛ لينجو به من طوفان سوف يعم الأرض ويهلك من عليها. وبذلك نجا هو وزوجه «نينا» Nena، وقدما سمكةً قربانًا وهما في الفلك فاستثارا بذلك غضب كبير الآلهة عندما علم بأنهما نجيا من الطوفان، كما غضب «بعل» البابلي عندما علم بأن «أوت-نابشتيم» قد نجا من غضبه وبقي بعد الكارثة الكبرى.

•••

وفي البرازيل أرسل كبير الآلهة «مونان» Monan نارًا عظيمة لتحرق الدنيا وسكانها الأشقياء وتدمرهم تدميرًا، فبادر ساحر من كبار السحرة إلى استنزال أمطار غزيرة ليطفئ النار، وظلت الأمطار في تهطالها حتى أصاب الأرض طوفان عظيم.

•••

ويعتقد هنود كاليفورنيا في أسطورة طوفانية حلت بالعالم لتفني الشعب الأول، وكان ظالمًا قاسيًا فاسدًا، ويعتقد هنود الشمال الغربي بأنهم سلالة أسرة نجت من طوفانٍ عام. وكذلك تقع بين سكان «الدنيا الجديدة» الأصليين على صورٍ مختلفة من الاعتقاد في الطوفان وحلول كارثته بالأرض.

وكذلك يتفق معتقد الأمريكيين الأصليين في أن المخلوق الأول لم يستطع العيش على الأرض مع معتقد البابليين، وهنالك قصة عن «بريسوس» Berossus، سياقها أن الخلق الأول لم يفلح؛ لأن الحيوانات لم تستطع أن تتحمل الضوء فهلكوا وفنوا.١٠ وهنا تقع على الجرثومة الأولى التي فرخت من بعد فكرة «العصور الدنيوية» أو «الأدوار الكونية»، والتي بلغت مبالغها القصوى بين الهنود واليونان والصلتيين (الأيرلانديين)، وظهرت جلية في صورهم الميثولوجية.

•••

فإذا عدنا إلى قصة الطوفان كما رويت في سفر التكوين، رأينا أنها تشكل مادة واسعة للمقارنة بالقصة البابلية؛ حيث تتفق القصتان في أسسهما الجوهرية كما تختلفان كثيرًا في التفاصيل.١١
إن الثقافة البابلية لم يقتصر مدها على الغرب؛ حيث غزت أطراف فلسطين، ومن ثم إلى بلاد اليونان في خلال العصر الفينيقي، بل امتدت أيضًا إلى الشرق من «عيلام» إلى المرتفعات الإيرانية، ومن ثم إلى الهند. ولقد أشار كثيرٌ من ثقات الباحثين إلى المماثلة التامة بين الميثولوجيا السوميرانية والميثولوجيا الهندية.١٢ وفي العصر الذي أخذت تؤلف فيه الأغنيات الآرية التي تَغَنَّى بها غزاة الهند من الآريين، كان الإله «فارونا» Varuna إله السماء — وهو يشابه عند الهنود «إياومترا» عند البابليين — قد أخذت شمس مجده في الأفول، وكانت هنالك مؤثرات ثقافية أخرى تعمل في الخفاء ومن وراء حجاب.
فبينما كانت بعض القبائل الآرية تدفن موتاها في بيوت «فارونا» الحجرية، كانت قبائل أخرى تتصرف في موتاها حسب شريعة «أغني» Agni إله النار، بعد أن اتخذوه إلهًا يعبدونه ويتقربون إليه زلفى. وحوالي نهاية العصر الفيدي١٣ وقعت غزوات جديدة فتح بها جوف الهند، فنقل الغزاة معهم معتقدات جديدة، منها تقمص الأرواح وتناسخها وأدوار الكون الزمانية. وكذلك أخذ نجم الإلهات في الصعود، كما أخذ نجم إلهة «الفيدا» في الأفول، مرتدين إلى منازل ثانوية تحت رئاسة براهما وفشنو وسيفا.
ولا شك في أن هؤلاء الغزاة كانوا قد تأثروا بالمعتقدات البابلية وانتحلوا الكثير منها قبل أن يهبطوا بلاد الهند، فمذاهبهم في أدوار الكون الزمانية مثلًا والتي سموها «اليوغا» Yoga، تذكرنا على الأخص بالفكرات الفراتية١٤ في الزمان والمكان. حتى إن الثقة الثبت مستر «روبرت براون» الصغير قد أظهر أن المذاهب المعروفة في «يوم براهما» في الهند تشابه مشابهة تامة نظامًا فلكيًّا ظل ثابتًا في أرض «بابل»، تلك الأرض التي كانت مغرسًا لنظرية الأدوار الكونية على الأرجح.١٥
على أن الشعوب الأجنبية التي تأثَّرت بأساليب الفكر البابلية. لم تبقَ طوال أزمانها في حالة استعباد عقلي؛ فإن الفكر الإنساني قد تنبَّه بانتحال المذاهب الدينية أكثر مما استعبد وخضع وصد تياره؛ لهذا ترى أن الفكرات المتعلقة بأسرار الحياة والموت قد تطورت تطورات كبيرة، وعلى الأخص في البقاع التي لم تتمكن فيها سلطة الكهنوت البابلي، من حيث المراسم التعبدية والقيود الدينية في شل حركة الفكر. وعلى هذا نجد الحال تمامًا إذا نحن رجعنا إلى التصورات المتباينة المتناقضة التي تنسب عادة إلى بطارقة «الفيدا» وصور الميثولوجيا السوميرانية. فإن «أوت-نابشتيم» نوح البابلي وغلغامش الشبيه بالآلهة في الميثولوجيا البابلية يقابلهما في الميثولوجيا «الفيدية» إله الموتى المسمى «ياما» Yama.
والمعتقد أن ياما كان «الرجل الأول»، وهو مثل «غلغامش» خرج في سياحة طويلة مجتازًا الجبال والوديان والبحار ليستكشف «الفردوس»، وتذكُر التراتيل الفيدية أنه مستكشف «السبيل» أو «الطريق» الموصل إلى أرض «البتريس» Pitris؛ أي الآباء، وهي الجنة التي يجتاز موتى الهنود الذين الذين لم يحرقوا الطريقَ إليها مشيًا على الأقدام. وإنك لتجد أن الإله «ياما» لم يفقد على طول الأزمان صفاته وخصائصه الأصلية؛ فهو في الأشعار الحماسية والملاحم الهندية الكبيرة كما هو في أسفار «الفيدا» سائح سرمدي على طول الزمان.١٦
وكان «ياما» وأخته «يامي» Yami في أساطير الهند الزوج الأول من بني الإنسان، وهما مماثلان من هذه الناحية للتوأمين السماويين في بلاد فارس «ييما» Yima، «وييمه» Yimeh. أما «ييما» فيشابه «مترا» أو «مثرا». أما «فارونا» شقيق «مترا» التوأم فهو في الحقيقة يمثل إله الموت حاملًا بيده الأنشوطة أو «الحبالة».١٧
أما «ياما» الهندي الذي كان يدعى «سيد الآباء» Pitripati، فيأخذ مكان «مترا» في فردوس «الأسلاف» بجانب «فارونا» إله السماء والغور الأبعد، ويجلس تحت شجرة يعزف بقيثارة، ويحتسي شراب «السوما» Soma الذي يحبو الخلود. ولما وصل أعقاب «ياما» إلى الفردوس تقمصوا صورًا نورانية «رقيقة منزهة عن الألوان».١٨ أما في الميثولوجيا الفارسية فالظاهر أن «ييما» كان يحكم على جماعة من الناس هم من أولاده وأحفاده؛ لأن تقاليد هذه الميثولوجيا تنصُّ على أنه عاش عمرًا أطول من عمر آدم.
ومن أجل أن يخصهم بصفة البقاء بعد أن كانوا قد خصوا بصفة الفناء، يحملهم على أن يأكلوا طعامًا محرمًا عليهم، بعد أن يوكل بهم «الديفاس» Daevas أي «الشياطين» Demons، ولكن ماذا كان هذا الطعام المحرم؟ إذا أردنا أن نبحث في طبيعة هذا الطعام، فهل لنا أن نصل بين هذه الأسطورة وأسطورة أخرى تنص على أن «مترا» جعل الناس فانين بأن أعطاهم طعامًا من دهن «الأوركوه» Ur Koh، وهي البقرة البدائية التي تنصُّ الأساطير الآرية التي انتحلتها المذاهب «المثراوية»١٩ على أن من جثتها — بعد قتلها — خلق النوع البشري لأول مرة؟٢٠
وعوقب «ييما»؛ لأنه تطلع إلى الخلود، وحاول أن يكون خالدًا هو والنوع البشري، خاضعًا في ما تطلَّع إليه إلى وحي قوة سفلية، ولم ينتظر حلول العصر السعيد الذي كان سيظهر فيه «آهورا» Ahura. أما الأستاذ «مولتون» فلا يخفى شكه في أن هذه الرواية ربما متَّت بصلةٍ إلى أصل بابلي.
كذلك تجد أن «ييما» كأُوت نابتشيم البابلي، كان ممن فسروا أسرار الخليقة، فقد خصه «آهورا» كبير الآلهة بأن يكون حفيظه وعرافه وحارسه على الخليقة. ولم يمض على خلق الخلق ثلاثمائة سنة حتى غصت الأرض بما حملت من مخلوقاتٍ بشرية وغير بشرية، حتى لم تجد المخلوقات لكثرتها مكانًا تأوي إليه.٢١

بعد ذلك أصاب الأرض سهم ذهبي ارتشق في أحد جوانبها فشقها. وعند ذلك بنى «ييما» ملجأً ليلجأ إليه النوع البشري والحيوانات الداجنة في خلال شتاء سوف يشتدُّ برده وتعصف رياحه. أما الأستاذ مولتون فموقن بأن هذه الصورة الميثولوجية تُغري الباحث كل إغراء بأن يعترف بأن فيها أثرًا واضحًا من أسطورة الطوفان البابلية. وكذلك تقع في الميثولوجيا الجرمانية على «شتاء مهلك»، فقد تساءل «أوديني» في إحدى قصائده المعروفة في إيسلاندا: «أيُّ المخلوقات سوف يعيش عندما يخيم الشتاء القارس الطويل على أهل الأرض؟»

•••

إلى هنا نكتفي بإيراد ما استطعنا الوقوف عليه من مادة للمقارنات بين الروايات التي تناقلتها الشعوب البشرية جيلًا بعد جيل.

أما ما أردنا أن نصل إليه من بحثنا هذا فلا يتعدى استجماع مادة واسعة حول موضوع بعينه. وليس من حقنا أن نصرف القراء عن التفكير فيها برأي نبديه، ندافع عنه وننفي غيره من الآراء الكثيرة التي تحوم حول هذا الموضوع. وهذه خطة سوف نسلكها فيما سننشر من مثل هذه الأبحاث.

أما إهداؤنا هذه الرسالة إلى «أحرار الفكر»؛ فلأنهم أكثر الناس قدرة على النظر في الموضوع نظرةً بعيدةً عن تعصب الدين وإفراط اللاأدرية.

١  راجع كتاب The Muses’ Pageant تأليف الأستاذ الكبير هوتشنسون W. M. L. Hatchinson، ص٥ وما بعدها.
٢  في هذه العقيدة شبه بفكرة النكبات الجيولوجية التي كان يعتقد بها ويؤيدها إلى عصرٍ قريب فئة من كبار علماء أوروبا المعدودين، ومنهم كوفييه المعروف، وقامت هذه الفكرة على أن الحياة كان ينتابها نكبات تذهب بكل أثرٍ لها على الأرض، وأن طوفان نوح آخر هذه النكبات، ثم تأخذ الحياة في التكاثر من بعد ذلك بفعل الخلق المستقل، وذلك ليعللوا تباين الصور الحفرية التي كانوا يرونها منطمرة في الطبقات الجيولوجية.
٣  راجع كتاب الميثولوجيا والأساطير الهندية Indian Myth and Legend، ص١٠٧ وما بعدها.
٤  راجع كتاب «فانا بارفا» Vana Parva، قسم «الماها بهاراتا» Mahabharata Section، ترجمة «روي» Roy، ص٤٢٥.
٥  راجع كتاب الميثولوجيا والأساطير الهندية ص١٤١.
٦  النهر المقدس عند الهنود. ولعل تقديسهم له آتٍ من هذه الخرافة.
٧  راجع «ماكنزي» ص٢٧، ٢٨ Myths of Babylonia.
٨  راجع كتاب لتستر Book of Leinster، وتاريخ أيرلاندا تأليف كيتنج Keating ص١٥٠.
٩  راجع كتاب ديانة المصريين القدماء، تأليف وديمان ص٥٨ وما بعدها A. Wiedmann, Religion of the Ancient Egyptians.
١٠  راجع كتاب «ديانة بابل وأشور» The Relegion of Babylonia and Assyria للأستاذ بنشز Pinches ص٤٢.
١١  راجع كتاب «ديانة بابل» Babylonian Relegion، تأليف كنج King. وكتب الأستاذ «بنشز» العهد القديم في ضوء المدونات التاريخية وأساطير آشور وبابل The Old Testament in the light of Historical Records and Legends of Assyria and Babyonia.
١٢  راجع كتاب Myths of Balylonia and Assyria، تأليف الأستاذ مكنزي Mackenzie.
١٣  نسبة إلى الفيدا Veda من كتب الهند المقدسة.
١٤  نسبة إلى نهر الفرات والأراضي الواقعة حوله.
١٥  راجع كتاب Primitive constellations تأليف «روبرت براون» جزء أول ص٣٣٤ و٣٣٥.
١٦  راجع كتاب الميثولوجيا والأساطير الهندية، الفصل الثالث. وإليك الأمثال:
Him who along the mighty heights departed
Him who searched and spied the path for many
Son of Vivasoat, gother of the people
Yanra, the king wigh sacrifices worship.
Rigveda, X, 14, 103
To yama, Mighty king, be gifts and homage paid
He was the fitst of men that died, the first to brav
Death’s rapid rushing stream, the first to point the road
To heaven, and welcome others to that bright abode.
Sir M. Monier William’s Translation
وقد وضعت هذه الترجمة تحت عنوان «حكمة الهند» Indian Wisdom.
١٧  راجع قسم السابها بارفا Sabha Parva في المهابهاراتا ترجمة روي ص٢٩.
١٨  راجع كتاب الميثولوجيا والأساطير الهندية، ص٣٨–٤٢.
١٩  نسبة إلى مثرا.
٢٠  راجع كتاب الأستاذ مولتون Prof. Moulton.
٢١  عن ترجمة جاكسون:
Then the earth become abounding
Full of flocks and full of cattle
Full of men, of birds, dogs likewise
Full of fires all bright and blazing
Nor did men, flocks, herds of cattle
Longer find them places in it.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١