ما ينقص اللعبة

يسخر من منظر العائدين وهم يلثمون أرض المطار بعد غياب عن أوطانهم. يقول لِمَن حوله وهم يلعبون لعبةَ الصورة المقطعة: «المطار الوحيد الذي يمكن أن أُقبِّله هو مطار الهجرة لا مطار العودة.» يضع القطعةَ الأخيرة لتكتمل الصورة ثم يبعثرها من جديد، ويستكمل الحديث مع أبنائه: «ستجدون الكثيرَ من التراب هناك. كلها تربة واحدة والقليل منها في قارورة لا يصلح لشيء ولا حتى للذكرى.»

(بعد سنوات)

ما زال يشعر بشيء ناقص مع أن أهله وأسرته كلهم هنا، من تراب قواريرهم زرعوا نباتات وطنهم، ويطبخون أطباقهم الشعبية كلما اشتاقوا إليها. ثمَّة شيءٌ ناقص لا يحنُّ إليه لكنه يشعر بغيابه. حين يتحدَّث مع أبنائه عن ذلك الشيء يظنون أنه يحنُّ للحديث بلغتهم الأم في الشوارع والمقاهي، وأحيانًا يظنون أنه يعاني من ألزهايمر.

عاد إلى البيت ذات مساءٍ فوجده مُظلِمًا لأول مرة منذ قدومهم إلى وطنهم الجديد. استغرَبَ أنْ تكون الكهرباء قد انقطعَتْ.

•••

لحظةَ دخوله، اشتعلَتِ الأضواء وعَلَتْ أصواتُ أفرادِ أسرته وضحكاتُهم وهم يهنِّئونه بعيد ميلاده. شعر بفزع للحظةٍ بسيطة لكنها كانت كافيةً لإكمال القطعة الناقصة من لعبة الوطن: الخوف. وسرعان ما استبدل تلك القطعة بابتسامة عريضة وهو يرى مستقبله حاملًا هدايا الميلاد، ونسيَ أنه مطلوب في بقعةٍ ما ليُنفَّذ فيه حكمٌ لا يسقط بالتقادُم؛ لأنه قبَّلَ أرضًا إمبريالية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠