قبل النشر

سأل روزا عن أسهل طريقةٍ للانتحار. باغَتَها سؤالُه لكنها ردَّتْ:

«مارلين مونرو.»

يعملان في مستشفًى، هي طبيبة وهو موظف استقبال. تعرف أن صديقها المراهق عاشقٌ لملكة الإغراء التي اتخذت حبوبَ المنوِّم جسرًا للعبور إلى العالَم الآخَر.

بعد سنة من التردُّد قرَّر التنفيذ. سحق حبوبَ المنوِّم جيدًا ليتفادى خطأَ فيرونيكا التي علَّمَها باولو كويلو درسَ الحياة من خلال الموت.

وهو يهمُّ بشرب المحلول تذكَّرَ فيرجينيا وولف. تساءَلَ: لماذا لم تتَّخِذ حبوبَ المنوِّم طريقًا إلى الضفة الأخرى وفضَّلَتْ أن تُثقِل جيوبَ معطفها بالحجارة وتغرق في النهر؟! ثارت في ذهنه أسئلةٌ كثيرة لا يعرف إجاباتها، فقال في نفسه: من العار أن أموت جاهلًا ومجهولًا.

•••

أجَّلَ الفكرةَ حتى يعرف معنى الموت والحياة والروح والجسد، وغيرها من المسائل الغامضة. وضَعَ المحلول على أحد الرفوف الكثيرة الخاوية، واشترى كُتبًا ملأ بها تلك الرفوف، وفي أول كتابٍ قرأ:

«يموت مبكرًا مَن لا يملك أسئلة. ومَن يختار «الموت المعقول»، بتعبير نيتشه، لا يفكِّر في أسهل الطرق لتحقيقه، وإلا لَمَا اختار اليابانيون أبشَعَها وأشَدَّها إيلامًا.»

•••

يمدُّ يدَه لأحد الرفوف فتقع في كل مرة على كتاب جديد يؤكِّد أن الموت «خبط عشواء» يمكن تفاديه بقراءةٍ تجعل الحياةَ موسيقى لا تُفهَم لغتها بقدر ما يُهِم الاستمتاع بها. ومن قراءاته الكثيرة خلَصَ إلى عبارةٍ وضَعَها على سطح مكتبه:

«يمكن لسؤال واحد أن يُبقِي الموتَ بعيدًا عنك، حين لا تنشغل بالبحث عن الإجابة، بل بالبحث عن السؤال.»

•••

أنهى الكاتب قصته وسمَّاها «السؤال الكبير». نقر على زر «إرسال»، ثم شرب جرعةً من كوب شاي بارد. تمطَّى على كرسيه وهو يمرِّر يده بين شعره الذي غَزَاه الشيبُ، مفكِّرًا في سنواته المطرزة بالأسئلة. فكَّرَ في سيلفيا بلاث، وآن سِكستون، وإنجريد جونكر، وأروى صالح، وبقية صديقاته وأصدقائه في قائمة الخالدين.

رفع بصره إلى رفوف المكتبة الخالية إلا من مسحوقٍ مُرٍّ احتفظ به ليذكِّره بمذاق الحياة. فتَحَ كمبيوتره المحمول، اختار مجلد الروايات العالمية، وأعاد قراءة «كيف أصبحتُ ذكيًّا» لصديقه مارتن باج.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠