حياة سيبويه

(١) اسمه ونسبه

يُعنَى الباحث كثيرًا بدراسة نَسَب من يُترجِم له، إذا كان من وراء هذه الدِّراسة نور يضيء جوانب البحث، أو يوضح نتيجة من النَّتائج، أو يفسِّر أثرًا من الآثار، فقد يكون في أسرة من الأسر توارث لنوع خاصٍّ من أنواع المعرفة، أو استعداد للون من ألوان الثَّقافة والفنون، ولكنَّنا نبحث في نسب سيبويه فلا نجد شيئًا يُلقي بصيصًا من الضَّوء على حياة آبائه، بل لا نعرف من هؤلاء الآباء إلى اثنين، هما: أبوه عثمان، وجدُّه قُنْبُر، وقنبر اسم عَرَبِيٌّ قُحٌّ، هو اسم جد الشاعر الحكم بن معمر، وأُرجِّح أنَّ ذلك هو ضبط اسم جَدِّهِ، لا قنبرة كما في كتاب «نزهة الألباء» في الطَّبعة القديمة التي عَثرْت عليها، ويدل على ذلك رثاء الزَّمخشري له كما سنرويه بعدُ، فإنَّ الشِّعر لا يسمحُ بالنُّطق بقنبرة، وليست القاف مفتوحة كما ضُبطت في كتاب «معجم الأدباء»، وسلفستر دي ساسي (ص٤٠)، وقد ترك ابن خَلِّكَان ضبط هذا الاسم مع شدة عنايته بضبط الأسماء، ولعله لم يصحَّ عنده ضبطٌ يذكره، واكتفاءُ المؤرخين بهذين الاسمين من سلسلة نسبه، قد يكون من حقِّنا أن نستنبط منه أنَّ أباه وجدَّه هما اللذان دخلا في الإسلام، وسُمِّيَا بأسماء عربيَّة، ولم يكن لأجداده الفرس من الخطر ما يدفع المؤرِّخين إلى حفظ أسمائهم، وسيبويه وأسرته مَوالٍ لبني حارث بن كعب، أو لآل الرَّبيع بن زياد، أو آلَ ولاؤه لآلِ الرَّبيع بعد بني الحارث.

أمَّا أُمُّه فكانت فارسية كذلك؛ بدليل أنَّها لقَّبت ابنها هذا اللقب الفارسي الصَّريح الذي عُرف به في التَّاريخ، وبدليل هجاء بشار له بأنَّه ابن الفارسيَّة كما سيأتي، وقد سار لقبُه أشهرَ من اسمه وهو عمرو، وكنيته وهي: أبو بشر، أو أبو الحسن، ولا أُريد أن أُطيل في معنى هذا اللقب؛ فيكاد مؤرخو العرب يجمعون على أنَّ معناه: «رائحة التفاح»، ثُمَّ يعلِّلون سبب هذا التلقيب، مدَّعين حينًا أنَّه كان جميلًا ذا وجنتين كالتفاح، وحينًا أنَّه كان جميل الرائحة حتى إنَّ من يقربه كان يشم منه رائحة التفاح، وهذه تعليلات لا قيمة لها ولا داعي إليها؛ لأنَّ الأسماء لا تُعلَّل كما يقولون، ويقول المستشرق Huart في كتابه: La Littérature arabe (الأدب العربي): إنَّ هذه الصِّيغة قد يكون مدلولها التَّصغير في اللغة الفارسية، فيكون معنى اللقب إذًا: التفاحة الصغيرة، والرأي في ذلك للعلماء باللغة الفارسية، وسيبَويْه هو الطَّريقة التي يُنطق بها هذا النَّوع من الأسماء المنتهية ﺑ «ويه»، ﮐ «ابن خالويه» و«نفطويه»، أمَّا نطقُه في لغته الأصلية فسيبويه بفتح الياء كما ضبطه ابن خلِّكان وصاحب «إعجام الأعلام»، وبكسرها كما ضبطه «إيوارت»، وقد تعب المستشرق الفرنسي «دي ساسي» في ضبط هذه الكلمة وبيان معناها في كتابه: An. Gra. Ara. والمرجع أيضًا علماء اللغة الفارسية.

سيبويه إذًا فارسي صريح من ناحية أمه وناحية أبيه، وربما كانت اللغة الفارسية تحيا نوعًا من الحياة في منزله، وعلى لسان أمه وأبيه، ولعله كان على علم قليل أو كثير بهذه اللغة، وهذا ما لا أستطيع إثباته، وإن كنت أستأنس له بهذا الفصل الذي عقده في كتابه للألفاظ المنقولة من الأعجمية، واطراد الإبدال في حروف الكلمة الفارسية عند تعريبها لوجود حروف في الفارسية لا نظير لها في العربية.

كان كثيرٌ من حَمَلة العلم ودارسي اللسان العربي في تلك العصور من الفرس، والمؤرخون يعلِّلون ذلك بعلل كثيرة، كان من جملتها ولا ريب تَطلُّع الشبَّان ذوي المواهب إلى نيل المناصب السامية في دولة كانت تعتمد على سواعد الفرس، ولقد كان هذا الباعث — بدون شكٍّ — واحدًا من بين الأسباب التي حفزت سيبويه إلى دراسة اللغة العربية والتبحُّر فيها، كما يدل على ذلك رحلته إلى بغداد، فإنَّها كانت رحلة يريد من ورائها المجد المادي والأدبي، كما سنرى.

(٢) مولده

لا سبيلَ إلى تحديد سنة ميلاده، فقد أغفلها المؤرخون جميعًا، ولا مَحيصَ لنا من الفرض والتخمين للوصول إلى معرفة تلك السنة على وجه التقريب؛ ذلك أنَّ التاريخ يذكر من أساتذة سيبويه عيسى بن عمر الثقفي الذي يكاد المؤرخون يُجمِعون على أنه تُوفِّي سنة تسع وأربعين ومائة، ويقول ياقوت في كتابه «معجم الأدباء»: «وما يكون قد أخذ عنه إلا وهو يَعقِل، ولا يَعقِل حتى يكون بالغًا، فإذا حَسَبنا لبلوغ سيبويه سنَّ الرشد أربعة عشر عامًا، كان لنا أن نضع ميلاد سيبويه في العام الخامس والثلاثين بعد المائة، ويكون عيسى بن عمر من أوائل الأساتذة الذين أخذ عنهم سيبويه.»

أين وُلِد هذا النَّابغة؟ يجهل التَّاريخ كذلك مكان هذه الولادة، فهو لا يعرف البلد الذي رآه للمرة الأولى، ولا يكاد يذكره إلا وهو طالب للعلم، يغدو إلى مجالسه في مساجد البصرة، وبعض المؤرِّخين يروي أنَّه وُلد بالبيضاء التي يصفها ياقوت في «معجم البلدان» بأنَّها مدينة مشهورة بفارس، وأنَّها أكبر مدينة في كورة إصطخر، وإنَّما سُمِّيَت بالبيضاء لأنَّ لها قلعة تَبين من بُعدٍ ويُرى بياضُها، وكانت معسكرًا للمسلمين يقصدونها في فتح إصطخر، وهي مدينة تقارب إصطخر في الكِبَر، وهي تامة العمارة خصبة جِدًّا، ينتفع أهل شيراز بِميرَتِها، وبينها وبين شيراز ثمانيةُ فراسخ، ويُنسَب إليها كثيرٌ من العلماء المبرَّزين، عَدَّ ياقوت منهم جملة صالحة.

أُرجِّح هذه الرواية، وأَستأنس لهذا التَّرجيح بما سنراه بعدُ من أنَّه رحل بعد إخفاقه في بغداد إلى فارس عائدًا في أغلب الظن إلى مسقط رأسه، فوافاه الأجل بها، أو قبل أن يصل إليها في شيراز.

(٣) نشأته

وإذا كان التَّاريخ يجهل بالتَّحديد منبته، فهو يجهل كذلك نشأته الأولى، ولا يُعرف ما شداه الطفل من العلوم، ولا ما أخذه من ألوان الثقافة، وأغلب الظَّنِّ أنَّه كان كَنابِتَة هذا العصر يقرءون القرآن ويحفظون شعر العرب وشيئًا من السيرة النبوية وتاريخ الغزوات، ثُمَّ يمضي من يريد التخصص في مادة فيما خصص نفسه له.

ويروي كثيرٌ من المؤرخين أنَّ سيبويه لم يطلب النَّحو أوَّل ما طلب، بل كان يطلب الفقه والآثار، أي الحديث وتاريخ الغزوات، قال نصر بن علي: كان سيبويه يستملي على حمَّاد بن سلمة، فقال حمَّاد يومًا: قال : «ليس أحدٌ من أصحابي إلا وقد أخذت عليه، ليس أبا الدرداء.» فقال سيبويه: «ليس أبو الدرداء.» فقال له حمَّاد: «لَحَنت، ليس أبا الدرداء.» فقال سيبويه: «لا جرمَ، لأطلبنَّ علمًا لا تلحنني فيه أبدًا.» وطلب النحو، ليس في هذه القصة شيء من الغرابة، فقد يعِنُّ للمرء وهو يدرس ما يُشعره بالنقص في ثقافته، فيتَّجِهُ لاستكمال هذا النقص، وقد تظهر موهبتُه المكنونة في تلك المادة الجديدة، فينبغ ويمتاز. ومما لا ريب فيه عندي أنَّ سيبويه لم يكتفِ بالنَّحو والفقه والآثار، بل ضَرَب في كلِّ علم من علوم عصره بسهم، قال ابن عائشة: «كُنَّا نجلس مع سيبويه النَّحوي في المسجد، وكان شابًّا نظيفًا جميلًا، قد تَعلَّق من كل علم بسبب، وضرب في كل أدب بسهم، مع حداثة سنِّه وبراعته في النَّحو، فبينا نحن ذات يوم إذ هَبَّت ريح فأطارت الورق، فقال لبعض أهل الحلقة: انظر أيَّ ريح هي؟ وكان على منارة المسجد تمثال فرس، فنظر ثُمَّ عاد، فقال: «ما ثبتت على حال.» فقال سيبويه: «العرب تقول في مثل هذا: قد تَذاءَبت الريح. وتذاءبت أي فَعَلت فِعْل الذئب؛ وذلك أنه يجيء من ها هنا وها هنا، ليخيل، فيتوهَّم الناظر أنه عدة ذئاب».» وإذا صحَّت هذه الرِّواية، وهي ليست بعيدة الصِّحَّة، دلَّتنا على منهج سيبويه التَّعليمي، واعتماده على التَّطبيق العملي فيما يُلقيه من القواعد والنَّظريات، وإن علمه باللغة يدلُّنا عليه كثيرٌ من فصول كتابه، ولا سيَّما أبواب الصَّرف، ففيها من غريب الكلمات ما يدلُّنا على محصول كبير في اللغة.

(٤) أساتذته

أمَّا العلم الذي كَرَّس له مُعظم وقته، ونَبغ فيه وشُهِر به، فهو علم النَّحو، وكتابه فيه أوَّل كتاب وصل إلينا في ذلك العلم، ويحفظ التَّاريخ من أساتذته في تلك المادة سيد أهل الأدب وصاحب العقليَّة الجبارة الخليل بن أحمد، وهو أعظم أساتذته أثرًا فيه، وأكثرهم اتِّصالًا به وأخذًا عنه، وكان سيبويه يُعدُّ أَبرَع تلاميذ الخليل في النحو وأوثق مَن حمل عنه، ومنهم عيسى بن عمر الثقفي، مؤلف كتابَي «الإكمال» و«الجامع» في النحو، وهو الذي أخذ عن أبي عمرو بن العلاء تلميذ يحيى بن يعمر أحد تلامذة أبي الأسود. ومنهم: أبو زيد الأنصاري تلميذ أبي عمرو بن العلاء أيضًا، وقد عاش أبو زيد هذا بعدَ سيبويه بنيف وثلاثين سنة، ورأى المجد الذي أدركه تلميذه بتأليف الكتاب، وقد نقل عنه سيبويه فيمن نقل، فكان الأستاذ يقول كالمُفتخر بذلك: كان سيبويه غلامًا يأتي مجلسي، وله ذؤابتان، فإذا سمعته يقول: حدَّثني من أثق بعربيَّته فإنَّما يعنيني. ومنهم: يونس تلميذ ابن العلاء أيضًا، وقد عاش كذلك بعد سيبويه، ويُروى أنَّه لما مات سيبويه قيل ليونس بن حبيب: إنَّ سيبويه قد ألَّف كتابًا في ألف ورقة من علم الخليل، قال يونس: ومتى سمع سيبويه هذا كله من الخليل؟ جيئوني بكتابه، فلما نظر فيه ورأى كل ما حكى قال: يجب أن يكون هذا الرجل قد صدق عن الخليل في جميع ما حكاه عنه، كما صدق فيما حكاه عني. ويُخيَّل إليَّ أنَّ الصلة لم تكن وثيقة بين سيبويه وأستاذه يونس كما نلمس ذلك في تلك الرواية وفي رواية أخرى نقلها ياقوت. ومن أساتذته في اللغة أبو الخطاب الأخفش الكبير، أستاذ أبي عبيدة معمر بن المثنى، وهو غير أبي الحسن الأخفش تلميذ سيبويه، وإن كان أكبر من أستاذه سنًّا. وروى سيبويه اللغة أيضًا عن أبي عمرو بن العلاء كما ذكر ذلك ياقوت في معجمه (ج١١، ص١٦٠).

(٥) زملاؤه

ويذكر التاريخ من زملائه ثلاثة نبغوا على يد الخليل بن أحمد، هم: النضر بن شميل، وكان أبرع تلاميذ الخليل في اللغة، ومُؤرِّج العجل، وكان أبرعهم في الشعر واللغة، وعلي بن نصر، وكان أبرعهم في الحديث.

(٦) مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة

نشأ سيبويه بالبصرة، وأخذ علم النحو عن أعظم علمائها قدرًا، ومعروف أنَّ البصرة قد سبقت الكوفة في هذا اللون من الدِّراسة وانفردت به، حتى أخذ هذا العلمَ، عن أبي عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر الثقفي، أبو جعفر الرؤاسي، وعنه وعن غيره من علماء البصرة أخذ الكسائي والفراء معاصرا سيبويه، وقد بدأت مدرسة الكوفة في النحو منذ أنشأها الرؤاسي تُناظر مدرسة البصرة، يقول الأستاذ أحمد أمين في كتابه ضحى الإسلام (ج٢، ص٢٩٤): «بدأ الخلاف هادئًا بين الرؤاسي في الكوفة، والخليل في البصرة، ويظهر أنَّ العصبيَّة العلمية بين المدرستين كانت مُؤسَّسة على العصبية السياسية التي ظهرت بين البلدين، فقد كان الكوفيون يميلون في الجملة سياسيًّا إلى دولة بني العباس، بينما كان البصريون مُنصرِفين عنها. وقد ظهر في البصرة محمد بن الحسن العلوي الملقب بالنَّفس الذَّكيَّة، والذي حاربه المنصور، وكان هو المرشح للخلافة قبل أن يأخذها العباسيون.

أهم الفروق بين المدرستين

وربَّما كان أهمُّ الفروق الأساسيَّة بين المدرستين أنَّ مدرسة البصرة رأت أنَّ أهم غرض هو وضع قواعد عامة للغة في الرفع والنصب والجر والجزم ونحوها، تلتزمُها، وتُريد أن تسير عليها في دقة وحزم، وإذا كانت اللغات دائمًا لا تلتزم القواعد العامة دائمًا، بل فيها مسائل لا يمكن أن تُجرَى على القاعدة، وخصوصًا اللغة العربية، التي هي لغات قبائل متعددة تختلف فيما بينها اختلافًا كبيرًا … أراد البصريون تمشِّيًا مع غرضهم أن يُهدروا الشواذ، فإذا ثبتت صحَّتها قالوا: إنَّها تُحفظ، ولا يُقاس عليها. بل جرءوا على أكثر من ذلك، فخطَّئوا بعض العرب في أقوالهم إذا لم تُجْرَ على القواعد، فالبصريُّون إذا رأوا «إن» تنصب الاسم وترفع الخبر غالبًا، ثُمَّ رأوها في بعض المواضع لا تسير هذا السير مع الوثوق بصحة ما ورد نحو: إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ ألزموا النَّاس باتِّباع الأكثر الأغلب، فهم قد فضَّلوا القياس وآمنوا بسلطانه وجروا عليه وأهدروا ما عداه.

أمَّا الكوفيون فلم يروا هذا المسلك، ورأوا أن يحترموا كلَّ ما جاء عن العرب، ويُجيزوا للنَّاس أن يستعملوا استعمالهم، ولو كان الاستعمال لا ينطبق على القواعد العامة، بل يجعلون هذا الشذوذ أساسًا لوضع قاعدة عامة، قال السيوطي في «بغية الوعاة»: إنَّ الكسائي كان يسمع الشاذَّ الذي لا يجوز إلا في الضرورة فيجعله أصلًا ويقيس عليه، فأفسد النحو بذلك.

فإن أضفت إلى ذلك أنَّ الكوفيين كانوا أكثر رواية للشعر، وأن الشعر المصنوع لديهم أكثر من الشعر المصنوع عند البصريين، أَدرَكْت مقدار الخلف بين البصريين والكوفيين في مسلكهم.

ونرى في هاتين النزعتين أنَّ البصريين كانوا أكثر حُريَّة وأقوى عقلًا، وأنَّ طريقتهم أكثر تنظيمًا وأقوى سلطانًا على اللغة، وأن الكوفيين أقل حرية وأشد احترامًا لما ورد عن العرب.

وكان البصريون أكثر اعتدادًا بأنفسهم، وأكثر شعورًا بثقة ما يروون، وأشد ارتيابًا فيما يرويه الكوفيون؛ لذلك كان الكوفي يأخذ عن البصري، ولكن البصري يتحرَّج عن أن يأخذ عن الكوفي.» ا.ﻫ. كلام الأستاذ أحمد أمين.

وسوف نرى أثر هذه النزعة التعليلية القياسية في كتاب سيبويه، وسنرى أن اعتداد سيبويه بالقياس كان من الأسباب التي جعلته يُخفق في رحلته إلى بغداد.

(٧) رحلته إلى بغداد

متى رحل سيبويه إلى بغداد؟ ولِمَ؟ وفي مجلس مَن دارت المناظرة بينه وبين الكِسائي؟ وكيف أُديرت؟ وبمَ انتهت؟ ولِمَ انتهت كذلك؟ وما الرَّأي في المسألة التي كانت موضع النزاع بينهما؟ وما نتيجة إخفاق سيبويه؟

أمَّا أن سيبويه رحل إلى بغداد، ودارت بينه وبين الكسائي مناظرة، فذلك ما لا سبيل إلى الشك فيه، ولكن متى رحل إلى بغداد؟ لم يُحدِّد التاريخ هذه السنة، وكلُّ ما يذكره أنَّ الرحلة كانت في عهد الرشيد، وأنَّها كانت إلى يحيى بن خالد البرمكي، ثُمَّ يذكرون أنَّ الرحلة قد تمَّت ولسيبويه من العمر نَيفٌ وثلاثون سنة، ثُمَّ مات بعد هذه الرحلة بقليل. والبعض يذكر أنَّها تمت ولسيبويه نيف وثلاثون سنة، ولكنه عاش بعدها نحو عشر سنوات، ولا سبيل إلى استخلاص وجه الحق من هذه الأقوال المتضاربة، والذي أُرجِّحه — لأنَّ أكثر المؤرخين عليه — أن سيبويه لم يعمِّر طويلًا بعد هذه الرحلة، فإذا أضفنا إلى ذلك أنه مات — كما سأُرجِّح ذلك فيما بعد — وعمره نيف وأربعون سنة، كانت رحلته إلى بغداد بعد الأربعين من عمره حول سنة ١٧٩ هجرية.

أمَّا الباعث على تلك الرحلة فالطموحُ إلى نيل المجد المادي والأدبي، فقد كان الكوفيون إلى ذلك الحين يستأثرون بهبات الخلفاء والقيام على تربية أولادهم، فطمع سيبويه في أن يفتح باب الخلفاء والأمراء للبصريين، وأن يُشارك الكوفيين حظَّهم، وكان واثقًا بنفسه الثقة كلها، مؤمنًا بتفوُّقه وقدرته على الغلب والظفر، فأراد أن يبرهن للأمراء على أنَّ البصريين يفوقون الكوفيين ويَبُزُّونهم، فعمد إلى رئيسهم مؤمنًا بأنَّ انتصاره عليه انتصار للبصرة على الكوفة، ومن وراء هذا النَّصر يجلس هو على قمة المجد الأدبي، ويظفر بما يرغب من المال والثراء، ورغبته فيهما واضحة، حتى لَيُروى أنه بعد أن أَخفَق في مناظراته قال الكسائي ليحيى — ولهجة الشماتة والانتصار بادية عليه، بعد أن كان قلبُه يرتجف عندما سمع برغبة سيبويه في الحضور إلى بغداد — قال: أصلح الله الوزير، إنه قد وَفد إليك من بلده مُؤمِّلًا، فإن رأيت ألا تردَّه خائبًا. فأمر له بعشرة آلاف درهم، وشهرة البرامكة بالبذل والعطاء هي التي بلا ريب جذبت إليهم سيبويه.

أمَّا المناظرة فكانت في مجلس يحيى بن خالد البرمكي، وعنده ولداه: جعفر والفضل، وأفضل الروايات في وصف هذه المناظرة ما ذكره ياقوت في معجمه نقلًا عن الأخفش والمبرد وثعلب، قالوا: «قدم سيبويه إلى العراق على يحيى بن خالد البرمكي، فسأله عن خَبره، فقال: جئتُ لتجمع بيني وبين الكسائي. فقال: لا تفعل، فإنه شيخ مدينة السلام وقارئها، ومؤدِّب ولد أمير المؤمنين، وكلُّ مَن في المصر له ومعه. فأَبى إلَّا أن يجمع بينهما [ومن ذلك تبدو رغبة سيبويه في التحدِّي والغلب وثقته بنفسه]، فعَرَف الرشيد خبره، فأمره بالجمع بينهما، فوَعَده بيوم، فلمَّا كان ذلك اليوم غَدا سيبويه وحدَه إلى دار الرشيد، فوجد الفرَّاء والأحمر وهشام بن معاوية ومحمد بن سعدان قد سبقوه، فسأله الأحمر عن مائة مسألة، فما أجابه عنها بجواب إلا قال: أخطأت يا بَصْرِي. فوجم سيبويه، وقال: هذا سوء أدب. ووافى الكسائي وقد شقَّ أمرُه عليه، ومعه خلق كثير من العرب، فلمَّا جلس قال له: يا بَصْري [ومن هذه النسبة يظهر أن المناظرة لم تكن مناظرة شخصية، بل كان يُلاحَظ فيها أنَّها مناظرة بين البصرة والكوفة؛ ولذلك أَهمَل ذكر اسم سيبويه في مخاطبته، واستبدل به: يا بَصْري] كيف تقول: «خرجت وإذا زيد قائم»؟ قال: «خرجت وإذا زيد قائم». قال: فيجوز أن تقول: «خرجت فإذا زيد قائمًا»؟ قال: لا. قال الكسائي: فكيف تقول: «قد كنت أظنُّ أنَّ العقرب أشدُّ لسعةً من الزنبور، فإذا هو هي، أو فإذا هو إياها»؟ فقال سيبويه: «فإذا هو هي»، ولا يجوز النصب. فقال الكسائي: لَحَنت. وخطَّأه الجميع، وقال الكسائي: العرب ترفع ذلك كلَّه وتنصبُه. ودفع سيبويه قوله، فقال يحيى بن خالد: قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلدَيكما، فمَن يحكم بينكما، وهذا موضع مُشكِل؟ قال الكسائي: هذه العرب بِبابِك، قد جمعتهم من كلِّ أوب، ووفدت عليك من كلِّ صقع، وهم فُصحاء الناس، وقد قنع بهم أهلُ المِصْرَين، وسمع أهل الكوفة والبصرة منهم، فيُحضَرون ويُسألون. فقال يحيى وجعفر: قد أنصفتَ. وأمر بإحضارهم، فدخلوا، وفيهم أبو فقعس وأبو دثار وأبو ثروان، فسُئلوا عن المسائل التي جرت بينهما، فتابعوا الكسائي.»

هذه هي الرواية المعقولة للطريقة التي دارت بها المناظرة بين الكسائي وسيبويه، وأغلب الظن أن الأعراب الذين استشهد بهم الكسائي قد نطقوا بتلك الجملة كما نطق، وأغلب الظن أن بعض العرب ينطق بالجملة كذلك. وقد قال أصحاب سيبويه: إنَّ الأعراب الذين شهدوا للكسائي من أعراب الحطمية الذين كان الكسائي يقوم بهم ويأخذ عنهم. أمَّا تلك الرواية التي تزعم أنَّ الأعراب اكتفوا بقولهم: الحقُّ ما قال الكسائي، وهو كلام العرب، ولم ينطقوا كما نطق الكسائي، فغير معقولة ولا مقبولة، فقد كان سيبويه يعلم أنَّ العرب الخُلَّص في ذلك الحين يسبق الصواب إلى ألسنتهم.

ولم يكن سيبويه من قلة الذكاء بدرجة أنه لا يطلب من الأعرابي أن يتكلم، ويُرجِّح الأستاذ أحمد أمين أن إصبع السياسة قد لعبت في هذه المسألة، ويروي ابن خلكان ما يُفهم منه أنَّ المسألة كانت مُدبَّرة ضد سيبويه البصري، وكان الأمين تلميذ الكسائي من القائمين في هذا التدبير، وأنَّهم أحضروا أعرابًا مرَّنوا ألسنتهم على أن تَنطق بما ينطق به الكسائي، فيتم الأمر ويُحكَم للكوفة على البصرة، وفي ذلك إذلالٌ لها أيَّما إذلال. والذي أُرجِّحه أنَّ المسألة أبسط مما يُتصوَّر حتى مع فرض أنَّ إصبع السياسة قد لعبت فيها؛ ذلك أنَّ الكسائي يعلم أنَّ البصريين وعلى رأسهم سيبويه لا يعتدُّون بغير القياس، ولا يُقرُّون ما يخالفه وإن ثبت سماعه، ولا يُجيزون القياس عليه، وكان من اليسير على الكسائي أن يأتي بمسألة تخرج عن القياس، ولا يعدم أن يجد قومًا ينطقون كما ينطق، ونحن نعلم أنَّ بعض العرب قد شذَّ عن أشهر ما هو مألوف في اللغة ونظم الكلام.

والآن: ما وجه الصَّواب في هذا الخلاف؟ لا شكَّ أنَّ القياس هو ما قاله سيبويه، وهو المتمشِّي مع المنطق، ﻓ «هو» مبتدأ و«هي» خبر، وهما ضميرا رفع، وأمَّا: «خرجت وإذا زيد قائم» فيجوز في «قائم» الرفع والنصب، وإنما جاز فيها الوجهان، وامتنع في: «فإذا هو هي» لأنَّ قائمًا تُنصب على الحال وهي نكرة، أمَّا إياها فمعرفة لا تصلح أن تكون حالًا، فيتعيَّن أن نأتي بالضمير المعرفة خبرًا.

(٨) حبسة لسانه

يرجع إخفاق سيبويه في هذه المناظرة فضلًا عن التحامل عليه، وأنَّه لم يَستصْحِب معه أنصاره، ولا يؤمن بالقياس على الشاذ، إلى أنَّه لم يكن من الفصاحة بحيث يستطيع التأثير في سامعيه، ويكاد مؤرخو سيبويه يُجمعون على أنَّه كان أَلْكَن، حدَّث أحمد بن معاوية قال: ذُكر سيبويه عند أبي فقال: عمرو بن عثمان، قد رأيته، وكان حَدَث السِّن، كنت أسمع في ذلك العصر أنه أَثْبتُ مَن حمل عن الخليل، وقد سمعته يتكلم ويناظر في النحو، وكانت في لسانه حبسة، ونظرت في كتابه فرأيت علمًا أبلغ من لسانه، أو كانت هذه اللكنة سببًا قويًّا في إخفاقه في المناظرات، فإنَّه لم يُخفق في مناظرته للكسائي فحسب، ولكنَّه أخفق في مناظرة أخرى دارت بينه وبين الأصمعي، وكان الحق فيها معه، ولكنه هُزم بسبب هذه اللكنة في لسانه، حدَّث أبو حاتم السجستاني قال: دخلت على الأصمعي في مرضه الذي مات فيه، فسألته عن خبره، ثُمَّ قلت له: في نفسي شيء أريد أن أسألك عنه. قال: سَلْ. فقلت: حدِّثني بما جَرى بينك وبين سيبويه من المناظرة. فقال: والله لولا أني لا أرجو الحياة من مَرْضتي هذه ما حدَّثتك، إنَّه عُرض عليَّ شيء من الأبيات التي وضعها سيبويه في كتابه، ففسَّرتها على خلاف ما فسَّره، فبلغ ذلك سيبويه، فبلغني أنه قال: لا ناظَرتُه إلا في المسجد الجامع. فصليت يومًا في الجامع، ثُمَّ خرجت فتلقَّاني في المسجد، فقال لي: اجلس يا أبا سعيد، ما الذي أنكرت من بيت كذا وبيت كذا؟ ولِمَ فسَّرت على خلاف ما يجب؟ فقلت له: ما فسَّرت إلا على ما يجب، والذي فسَّرتَه أنت ووضعتَه خطأ، تَسألني وأُجيب. ورفعت صوتي، فسمع العامة فَصاحَتي، ونظروا إلى لَكْنته، فقالوا: لو غلب الأصمعي سيبويه. فسرَّني ذلك، فقال لي: إذا علمتَ أنت يا أصمعي ما نزلَ بك مِنِّي لم أَلْتفِت إلى قول هؤلاء. ونفض يده في وجهي ومضى، ثُمَّ قال الأصمعي: يا بني، فوالله لقد نزل بي منه شيء وددت أَنِّي لم أتكلم في شيء من العلم، فأنت ترى أنَّ لَكْنَته سببُ هزيمته.

ولقد كان لِمُناظرة سيبويه والكسائي أثرُها في نفس كثير من العلماء، كانوا يُؤمنون بصدق سيبويه وخطأ الأعراب الذين أخذ عنهم الكسائي، ومن هؤلاء يحيى بن المبارك اليزيدي الذي قال حينما سمع استشهاد الكسائي بأعراب الحطمية، وهي قرية على فرسخ من بغداد منسوبة إلى السري بن الحطم أحد القواد:

كُنَّا نَقيسُ النحوَ فيما مَضى
على لسانِ العربِ الأول
فجاء أقوامٌ يَقيسونه
على لُغى أَشْياخ قطربُّل

وقد علَّق المرحوم الأستاذ عبد الخالق على ذلك قائلًا: إنَّ الفساد الذي يُنسب إلى الكسائي ربما كان واقعًا، فإنَّ القرى التي يسكنها هؤلاء «الأعراب» كانت مرتعًا للبطَّالين والخمَّارين، وهي خليط من قوم لا يصحُّ الاعتماد عليهم في اللغة، وقد ذكر ياقوت في «معجم البلدان» مثل هذه الصفات، هذا وإن أبا نواس قد شهر قطربُّل القريبة من بغداد بالخمر والخمارين.

ومن هؤلاء الذين ثاروا لهزيمة أستاذهم الأخفش الأوسط، راوي كتاب سيبويه، قال: «لما ناظر سيبويه الكسائي ورجع، وجَّه إليَّ فعرَّفني خبره، ومضى إلى الأهواز، فوَردْت بغداد، فرأيت مسجد الكسائي، فصلَّيت معه خلفه الغداة، فلما انفتل من صلاته وقعد، وبين يديه الفرَّاء والأحمر وابن سعدان، سلَّمت، وسألته عن مائة مسألة، فأجاب بجواباتٍ خطَّأتُه في جميعها، فأراد أصحابُه الوثوب عليَّ، فمنعهم، ولم يقطعني ما رأيتهم عليه عمَّا كنت فيه، فلما فرغت قال لي: بالله، أمَا أنت أبو الحسن سعيد بن مسعدة؟ قلت: نعم. فقام إليَّ، وعانقني، وأجلسني إلى جنبه، ثُمَّ قال: لي أولاد أُحبُّ أن يتأدَّبوا بك، ويتخرَّجوا عليك، وتكون معي غير مفارق لي، فأجبته إلى ذلك، فلما اتصلت الأيام بالاجتماع … قرأ عليَّ كتاب سيبويه سِرًّا، ووهب لي سبعين دينارًا.» وهكذا استطاع الكسائي — ويظهر لي أنَّه كان داهية — أن يلوي الأخفش عن قصده، وليس عليه في ذلك من بأس بعد هزيمة رأس البصريين.

كان سيبويه يُؤمِّل كبارَ الآمال على هذه الرحلة، ويرجو أن ينصر البصرة على الكوفة، وأن ينال المكانة التي يجد نفسه جديرًا بها، فما هو إلا أن وَجد آمالَه تنهار أمام عينيه بانتصار الكسائي عليه انتصارًا يعدُّه سيبويه مختلسًا، فأزمع الرحلة عن بغداد.

إلى أين يتَّجه؟ إلى البصرة! وقد حبط فيما كان يبنيه لها من المجد؟ أم إلى الكوفة، وهو أعظم منافس لأساتذتها، فضلًا عن أنه لا يثق بعلمائها، ويرى أن ما يستنبطون منه قواعدهم النحوية مكذوب مُختلَق؟ أم يبقى في بغداد التي شَهِدت أملَه ينهار؟ لا سبيل إلى شيء مع ذلك، فأَزمَع الرحلة إلى وطنه يُقيم فيه علَّه يجد بردَ الراحة فيستريح. أزمع سيبويه الرحلة، ولكنها رحلة المُنطَوِي على الضغن، رحلة الذي لا ينسى أن له حقًّا في الحياة والمجد، فحِيلَ بينه وبين ما يشتهي.

(٩) وفاته

ويظهر أنَّ الصدمة كانت شديدة عليه فلم يحتملها، ولم يلبث أن مات غمًّا بالذرب؛ وهو فساد المعدة، وأعجله الموت، فلم يصل إلى بلده البيضاء، بل وافاه الأجل في شيراز أو بساوة بالقرب منها سنة ١٨٠ هجرية، ومما يدلُّ على أثر الصدمة في نفس سيبويه أنه كان يتمثَّل عند موته قائلًا:

يُؤمِّل دنيا، لتبقى له
فماتَ المؤمِّل قبلَ الأَمل

روى الأصمعي أن سيبويه مدفون بشيراز، وأنه قرأ على قبره هذه الأبيات، وهي لسليمان بن يزيد العدوي:

ذَهَبَ الأحبَّةُ بعدَ طولِ تَزاوُرٍ
ونَأَى المَزارُ، فأَسْلَموكَ وأَقْشَعُوا
تركوكَ أوحَشَ ما تكونُ بقفرةٍ
لم يُؤنِسوكَ، وكربةً لم يَدْفَعُوا
قُضِيَ القَضاءُ، وصِرْتَ صاحبَ حُفرةٍ
عنكَ الأحبَّةُ أَعْرَضُوا وتَصَدَّعُوا

وذلك هو ما أُرَجِّحه من تلك الروايات التي نجدها في الكتب التي أرَّخت لسيبويه، فابن نافع وحدَه يذكر أنه مات بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة، وهو قولٌ لم يُؤَيِّده فيه أحد، وغير معقول أيضًا؛ لأن سِنَّه حينئذٍ لم تكن قد تجاوزت الخامسة والعشرين بكثير، وهو ما لم يَقُلْه مؤرخ، ويرى ابن خلكان — غير متثبت — أنه وصل إلى البيضاء ومات فيها، ويروي ابن النديم أنه عاد إلى البصرة، ثُمَّ ذهب إلى فارس، وعودته إلى البصرة مشكوك فيها بعد هذا الإخفاق.

وتحديدنا سنة وفاته بمائة وثمانين تحديد ترجيحي كذلك، وحسبي أن أذكر أن بعض الرواة يضعها سنة إحدى وستين ومائة، وابن الجوزي يضعها سنة أربع وتسعين ومائة، والفرق بين التاريخين ثلاث وثلاثون سنة، أمَّا سبب ترجيحنا فإن أكثر الرواة عليه، ويُرجِّحه ابن الأنباري، بدليل أنه مات قبل الكسائي، والكسائي مات سنة ثلاث وثمانين ومائة.

كانت سِنُّ سيبويه عندما تُوفِّيَ تزيد على الأربعين، وعلى حسب ما حددنا تكون سنُّه زهاء خمس وأربعين سنة، وهو المعقول بموازنة التواريخ، فليس بمعقول إذًا أن نقبل قول الأستاذ أحمد أمين الذي يضع تاريخ وفاته في الثمانين بعد المائة، ثُمَّ يقول إنه مات وعمره نيف وثلاثون سنة؛ لأننا قلنا إنه أخذ عن عيسى بن عمر الذي تُوفِّيَ سنة تسع وأربعين ومائة، فيكون سيبويه حينئذٍ في المهد صبيًّا.

(١٠) أخلاقه ومواهبه

كان سيبويه ذكيًّا، متوقِّد الذكاء، ذا عقل منطقي مُتَّزن، يُحسن التفريع والتعليل، وكتابه خير دليل على ذلك، ثُمَّ هو طموح لم يَرضَ بحظِّه في البصرة وأنه أصبح شيخها، بل أَبى إلا أن يكون وحيد دهره، لا عالِمَ فوقَه في العالم الإسلامي، وإلى جانب طموحه كان واثقًا بنفسه تمام الثقة، يُؤمِن بقدرته في النحو قدرة فائقة. عن أبي عثمان المازني قال: حدَّثني الأخفش قال: حضرْت مجلس الخليل، فجاءه سيبويه، فسأله عن مسألة، وفسَّرها له الخليل فلم أفهم ما قالا، فقُمت وجلست له في الطريق، فقلت له: جعلني الله فداءك، سألتَ الخليل عن مسألة فلم أفهم ما ردَّ عليك، ففهِّمنيه. فأخبرني بها فلم تقع لي ولا فهمتها، فقلت له: لا تتوهم أني أسألك إعناتًا، فإني لم أفهمها ولم تقع لي. فقال لي: ويلك، ومتى توهَّمت أنني أَتوهَّم أنك تعنتني؟! ثُمَّ زجرني، وتركني ومضى. وذَهابُه إلى بغداد وطلبُه مناظرة الكسائي تدلُّنا على هذا الخُلُق الثابت في نفسه، ولكنَّه لم يكن مع ثقته بنفسه وطموحه من هؤلاء المتعجرفين الذين تُمَلُّ عِشرتُهم ويُكرَه قربُهم، بل كان محبَّبًا إلى نفس سامعيه ومُجالِسيه، والروايات كثيرة تدلُّ على ظُرفه وكياسته. حدَّث ابن النطاح قال: كنت عند الخليل بن أحمد، فأقبل سيبويه، فقال الخليل: مرحبًا بزائرٍ لا يُملُّ. قال: وكان كثيرَ المُجالسة للخليل، وما سمعت الخليل يقولُها لغيره.

وكان إلى جانب ذلك — على ما يظهر لي — مُفرِط اليأس إذا يئس، فلم يستطع أن يقاوم الصدمة التي مُنيَ بها عندما أَخفقَ في رحلته إلى بغداد، ولعلَّه أراد أن يُحارب اليأس الذي حلَّ به، فقِيل: إنه سأل عن أميرٍ له في النحو أَرَب، وخرج يريد بني طاهر في خراسان، كما يُروى، ولكن الألم الذي حزَّ في نفسه لم يُفارِقْه حتى مات.

هذا وقد تحدَّثنا عن لكنته فيما مضى، وبيَّنَّا أثرها في إخفاقه في المُناظرات.

(١١) أسرته

أتزوَّج سيبويه وكوَّن بيتًا، أم وهب نفسه للعلم وكرَّس حياته له؟ لا يروي التاريخ شيئًا يتعلَّق بذلك، وأغلب الظن أن سيبويه عاش حياته كلها للعلم والتعليم، ونستأنس لذلك بأن الروايات التي تتحدَّث عن وفاته، وتصف لحظاته الأخيرة، لا تتحدث عن زوجة ولا ولد، وكل ما يذكره التاريخ له من الأقارب أخ، يظهر أن الحب والمودة كانت تربطهما معًا بأوثق رباط، ولعل سيبويه لم يكن له أخ سواه، قالوا: ولما اعتلَّ سيبويه وضع رأسه في حِجر أخيه، فبكى أخوه لما رآه لما به، فقطرت من عينه قطرة على وجه سيبويه، ففتح عينه فرآه يبكي، فقال:

أُخيَّينِ كنَّا، فرَّقَ الدهرُ بينَنا
إلى الأَمدِ الأَقْصى، وَمَن يَأْمَن الدَّهْرا

لم يترك سيبويه ذريَّة من بعده، ولكن ترك ذكرًا مُخلَّدًا، واسمًا سوف يبقى ما بقيت اللغة العربية، وما بقي دارس لهذه اللغة، ولقد نال سيبويه في حياته من الشهرة وذيوع الصيت ما لم ينلْه قبلَه إلا أستاذُه العظيم الخليل بن أحمد، بل لقد صار اسمه يُذكَر بجانب أستاذه كلَّما تحدَّث الناس عن أعظم علماء النحو، ولم تقف شهرته عند العلماء، بل لقد كان مشهورًا كذلك بين جمهور الشعب، يتأثرونه ويقلِّدونه، حدَّث التاريخي عن المبرد عن الزواوي أبي زيد قال: قال رجل لسمَّاك بالبصرة: بكم هذه السمكة؟ قال: بدرهمان. فضحك الرجل، فقال السمَّاك: ويلك، أنت أحمق، سمعت سيبويه يقول: ثمنُها درهمان.

(١٢) تلامذته

ترك سيبويه من بعده تلاميذه، وكان من أشهرهم أبو الحسن الأخفش الأوسط، والناشئ، وأبو علي قطرب، وترك كتابه العظيم الذي سنتحدث عنه فيما بعد.

(١٣) من أرَّخ لسيبويه

لم يُدرَس سيبويه إلى اليوم الدراسة التفصيلية التي يستحقُّها إمام ألَّف أول كتاب وصل إلينا في قواعد اللغة، وأقدم ترجمة اهتديت إليها لسيبويه في كتاب أخبار النحويين البصريين للسيرافي المُتوفَّى سنة ثلاثمائة وثمان وستين للهجرة، وهي ترجمة موجزة، تحدَّث فيها عن اسمه وبعض أساتذته وزملائه وتلامذته وكتابه، ولم يُحدِّد بالزمن سِنِي حياته ووفاته، ولا مكان موته، وفي كتاب «الفهرست» لابن النديم المُتوفَّى سنة ٣٨٥ خمس وثمانين وثلاثمائة هجرية ترجمة موجزة كذلك، وتحدَّث فيها عمَّا تقدَّم، وأضاف إليه خبر رحلته إلى بغداد، وحدَّد سنة وفاته.

كُنَّا نطمع من هذين العالِمَين أن يشفيا غليلنا من سيبويه لقرب عهدهما به، ولكن منهجهما في التأليف وخطتهما التي اتَّبعاها في الإيجاز حرمتنا من معارف كثيرة كانا يستطيعان أن يقدماها إلينا.

وفي «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي المُتوفَّى سنة ثلاث وستين وأربعمائة هجرية ترجمة لسيبويه، نهج فيها المؤلف منهجه في ذكر الروايات المختلفة بأسانيدها، وفي هذه الترجمة بعض الطول، وهي تحوي روايات متعارضة من مصادر مختلفة.

وفي القرن السادس للهجرة كتب صاحب «نزهة الألباء» المُتوفَّى سنة ٥٧٧ﻫ، وهو كوفي يتعصَّب للكوفيين، فصلًا يشبه إلى حد كبير فصل الخطيب البغدادي، ولم يُبيِّن وجه الصواب في الخلاف بين سيبويه والكسائي، ولكنه لم يستطع أن يُنكر مواهب سيبويه ولا فضل كتابه، أمَّا صاحب «معجم الأدباء» المُتوفَّى سنة ٦٢٦ﻫ، فقد عقد لسيبويه فصلًا مُطوَّلًا، هو أطول ما كُتب عن سيبويه إلى ذلك الحين، وفيه عيوب التأليف في تلك العصور، فلا ترتيب ولا تبويب، ولكنها روايات تُجمَع، ينتقل فيها من موضوع إلى غيره بلا صلة ولا رباط، وإن كانت له تحقيقات نافعة في كثير من الأحيان، كتحقيق سنِّ سيبويه عند وفاته، كما تناول الحديث عن سيبويه في مواضع شتَّى، وفي هذا الكتاب نقْلٌ لرواية لم يمحِّصها وتركها كما رواها، قال: نقلت من خط أبي سعد السمعاني، مما انتخبه من طبقات أهل فارس وشيراز، تأليف الجاحظ أبي عبد الله محمد بن عبد العزيز الشيرازي القصار، بشير بن سعيد، وقيل: عمرو بن عثمان بن قنبر، يُكْنى أبا بشر سيبويه النحوي، «أخذ» عن الخليل بن أحمد، وهو من الحارث بن كعب، مات وكان على مظالم فارس، وقبره في شيراز، لم يَزد في ترجمته على هذا. وأقول أنا بدوري: إن ياقوت لم يَزِد عن أن نقل هذه الترجمة ولم يمحِّصها، فهل وَلِيَ سيبويه مظالم فارس؟ أستبعد ذلك؛ إذ لم يروِ غيره من المؤرخين نبأ كهذا، والمترجم يُخطئ حتى في اسم سيبويه، مما يجعل هذه الترجمة تافهة قليلة القيمة.

عن هذه الكتب الخمسة أخذ ابن خلكان الذي تُوفِّي سنة ٦٨١ﻫ، وقد عقد له فصلًا موجزًا ليس فيه من جديد سوى ضبط اسم سيبويه في العربية والفارسية. وأخذ السيوطي أيضًا المُتوفَّى سنة ٩١١ﻫ في كتاب «بغية الوعاة»، وأخذ المُحدَثون من أمثال جورجي زيدان، والرافعي، والإسكندري.

والأستاذ أحمد أمين في كتابه «ضحى الإسلام» قد تناول بالحديث نشأة النحو والتأليف فيه، ومدرسة البصرة والكوفة، وتحدَّث حديثًا مجملًا عن كتاب سيبويه، وذكر أن دراسة الكتاب وتحليله يحتاجان إلى فصل مُطوَّل.

وقد عرف المستشرقون سيبويه، وكتب عنه وعن مدرستي البصرة والكوفة وعن تلاميذه وأساتذته المستشرق Huart في كتابه La Littérature arabe (الأدب العربي)، وتحدث عنه وعن كتابه وحقَّق اسمه، وترجم بعض فصول كتابه إلى الفرنسية المستشرق المعروف Silvestre De Sacy في كتابه Anthologie Gramaticale arabe (مختارات من قواعد اللغة العربية)، وذكر الأستاذ جورجي زيدان في كتابه أن المستشرق ديرنبورج طبع سيبويه في مجلدين كبيرين في ١٠٠٠ صفحة كبيرة، عليها تعاليق مفيدة، ومقدمة باللغة الفرنسية عن مسودات هذا الكتاب ومظانها، وما قيل فيها، وقد نقله إلى الألمانية الدكتور ياهن وطُبع في برلين، والآن يجدر بنا أن نَزِن كتاب سيبويه، وأن نَدرُسه ونحلِّلَه، لنعرف قيمته الحقيقية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠