الفصل الأول

أول رحلة خارج الوطن

منذ الطفولة كان الوطن في عيني هو الحب، صدر أمي الدافئ ورائحة اللبن، يد أبي في الليل البارد تغطيني، صوت جدتي في ليالي الصيف تحكي قصة الغولة وجنية البحر، رائحة الخبيز والجمَّيز والتين الشوكي، والزلعة على رأس ابنة عمي فاطمة ممتلئة حتى الحافة بماء النيل، وأمواج البحر في الإسكندرية، وهدير الطلبة في الشارع يهتفون: يسقط الملك.

وفي شبابي أصبح الوطن هو الثورة، والثورة هي الحب، ولأن الحب كان محرَّمًا فقد أصبحت الثورة محرَّمة أيضًا، تقودني إلى السجن لا إلى الحرية.

وكان حلم حياتي هو الطيران والفرار من السجن، وفي طفولتي كان هناك حلم يتكرر: أن أبي مات وأصبحت أخرج بدون إذن. وفي شبابي حلم آخر مشابه: أن زوجي مات وأصبحت كاملة الأهلية.

كان أبي أكبر حب في حياتي، ومع ذلك كنت أحسد الأطفال اليتامى بغير آباء، وأول ثورة في حياتي كانت ضد أبي، وأراد أن يزوجني رجلًا لا أحبه، وكنت بخيال مراهقة أعيش أحلام اليقظة، وأحب في الخيال بطلًا يمتطي السلاح ويضرب الأعداء ويحرر الوطن … ثم يضمني بين ذراعيه ويُقبِّلني وأفقد الوعي … وأنسى أبي وأمي وإخوتي وجدتي وكل آلامي.

لكنه ضمَّني وقبَّلني فلم أفقد الوعي، ولم أنسَ شيئًا، حتى حكايات جدتي عن الغولة والجان والعفاريت لم أنسَها، واكتشفت أول حقيقة في حياتي: أن الحب الأول وهم، والبطولة خيال، والوطن لم يتحرر.

في منتصف الليل نهضت من السرير بحذر. كان صوت الشخير عاليًا، والفم المفتوح، وفوق الشفة العليا شارب أسود كثيف، تسللت على أطراف أصابعي وفتحت الباب وخرجت. كنت أمشي بخطوات سريعة تشبه الجري، ولم يكن لي إلا هدف واحد؛ أن تلتفَّ من حولي ذراعا أمي، لكني توقفت فجأة، تذكرت أن أمي ماتت، وأنها لم تعانقني في حياتي مرة واحدة، وأبي أيضًا مات دون أن يعانقني أبدًا. لا أنا ولا أي أحد من أخواتي وإخواني.

كنت أغيب عامًا دراسيًّا كاملًا في المدرسة الداخلية ثم أعود فلا يعانقني أحد أو يُقبِّلني. لم تكن القبلات في بيتنا تعني الحب. كان الحب مجرد إحساس عميق مدفون في الأعماق. لا كلمات ولا عناق ولا قبلات. حب صامت فاقد النطق والحركة إلا في الخيال.

وكانت مأساة حياتي؛ فالحقيقة دائمًا أقل من الخيال، وأصبحت حياتي سعيًا متصلًا لتحقيق الخيال والحلم. ماذا كان حلم حياتي؟

كنت أراني فوق جواد أبيض يطير في الجو، وفي يدي سيف أضرب به الأعداء وأحرر الوطن. لقد وُلِدت في بلد يحكمه الأجانب. وتشهق جدتي حين أحكي لها الحلم: هذه ليست أحلام البنات.

– وبماذا تحلم البنات يا جدتي؟

– يحلمن بالعريس وفستان الزفاف.

لكني لم أحلم أبدًا بالعريس أو فستان الزفاف، رغم أن جدتي اشترت لي فستان الزفاف قبل مجيء العريس بعشرة أعوام، وفي كل عيد يشتري أبي لي فستانًا جديدًا، ويشتري لأخي مسدسًا وطائرة صغيرة لها زمبلك يلفه عدة مرات فإذا بالطائرة تتحرك.

وفي الصندوق الأصفر من الكرتون رأيت هديتي؛ فستان حرير أبيض له كرانيش على الصدر ودانتيلا على الأكمام. وصِحْتُ بغضب: أريد طائرة ومسدسًا مثل أخي.

وقالت أمي: ستكونين جميلة في الفستان الجديد.

وهتفت: لا أحب الفساتين.

وصاحت جدتي: هذه البنت كان لا بد أن تكون ذكرًا.

رغم جدتي كنت أتطلع نحو السماء بعينَي طفلة في العاشرة، هل سيأتي يوم أركب فيه طائرة؟ هل يمكن أن أطير في الجو كعصفور بعيدًا عن هذا السجن الذي وُلِدت فيه؟

في الحلم كنت أطير بغير طائرة، يرتفع جسمي في الجو، وأحلِّق فوق أسطح البيوت وقمم الأشجار والبحار، ثم فجأة يهوي جسدي إلى الأرض ويغوص في جوف البحر.

وتقول جدتي: الطيران في الحلم نجاح وسوف تتزوجين من أمير أو ابن ملك.

وأصيح في وجهها: أنا أكره الملك وأكره الزواج.

وتشوِّح بيدها في غضب: مجنونة مثل أمك.

وكانت أمي تكره الملك فاروق، لكن جدتي لم تكره إلا الإنجليز وتغني مع الراديو:

ملك البلاد يا زين يا فاروق يا نور العين.

لا زلت أسمع صوت حذائي الأسود الجديد يدب على أرض المطار كأنه بالأمس. مر عشرون عامًا منذ وقعت عيناي لأول مرة على طائرة فوق الأرض. رأيتها أضخم مما تصورت، وكنت أراها في الجو صغيرة بحجم طائرة أخي ذات الزمبلك.

وقفت في الصف ومن أمامي وخلفي أعداد من النساء والرجال الأجانب، في يديهم حقائب جلدية ثمينة، وعلى سواعدهم معاطف صوفية. رءوسهم مرفوعة، وظهورهم عضلاتها مشدودة، وقامتهم طويلة.

رفعت رأسي وشددت عضلات ظهري، قامتي طويلة مثل قامة الرجال منهم، ونساؤهم أقل مني قامة، بشرتهم بيضاء كالطباشير وعيونهم كالدوائر الصفراء والأفواه كالخطوط بلا شفاه، تتحرك بسرعة وهم يتكلمون كالأوتار المشدودة أو الكرابيج.

في مرآة دورة المياه رأيتني أرتدي بالطو مطرٍ أسود اشتريته من «عمر أفندي» بعد أن حصلت على تأشيرة الخروج من مكتب الجوازات في ميدان التحرير. وفي يدي حقيبة جديدة سوداء لها يد طويلة أعلقها على كتفي، في جرابها الخارجي تطل أطراف جواز السفر الأخضر، والتذكرة الطويلة الحمراء، وبطاقة التطعيم الصفراء المربعة. ومن النافذة الزجاجية العريضة ألمح الطائرات راقدة على أرض المطار كالطيور القانصة الضخمة، حيوانات خرافية من الزواحف.

أزيز الإقلاع والهبوط يدوِّي في أذني ويسري في جسدي كالقشعريرة، مزيج من الرهبة والفرح والإقدام والخوف والحزن الغامض، يذكِّرني بليلة زفافي الأولى، وليلة موت أبي.

عيناي في المرآة تلمعان بضوء شديد السواد، وبشرتي سمراء متوردة بالحماس. لا زلت في ريعان الشباب، وباب الطائرة أمامي مفتوح على العالم الواسع، والشرطي القابع على بوابة المطار استوقفني وسألني عن أوراقي، ناولته الورقة الصفراء عليها ختم النسر، رمز الدولة. لماذا النسر؛ ذلك الطائر المفترس العنيف، والثورة كانت بيضاء بلا عنف كما قالوا! لكني أدركت بعد عشرين عامًا من الرحلات في العالم أن أختام الدولة وشعارات الثورات تُنْسَخ بالمقلوب، فإذا ما كانت الدولة دموية حَفَرَت على خاتمها حمامة سلام، وإذا كان الزعيم قاتلًا حصل على جائزة نوبل.

فحص الشرطي الورقة الصفراء بعينين بوليسيتين، تأكد أن خاتم النسر حقيقي وليس مزيفًا، وأن الدولة توافق على انتقال جسمي خارج حدود الوطن.

ما دَخْلُ الدولة في حركة جسمي؟!

حرَّك الشرطي عينيه من الورقة الصفراء إلى وجهي، ينقل عينيه ببطء من وجهي إلى صورتي الملصقة بالصمغ على قطعة من الكرتون، وجهي لا يشبه الصورة، البريق في عيني لا يراه في الصورة؛ فهو بريق الكراهية المؤقت يشع من عيني الآن وأنا أنظر إليه.

لا يعرف أن بيني وبين رجال البوليس عداء ثلاثة آلاف عام، منذ سيطر الإله آمون وانهارت حضارة إيزيس وظهر إلى الوجود شيء اسمه العبودية.

حملق في وجهي بعينين ضيقتين وهزَّ شاربه الكثيف فوق شفته العليا، ذكَّرني بصوت الشخير ينبعث من تحت الشارب الأسود الضخم، شوارب الرجال أيضًا مثل أختام الدول تُعلن عكس ما تُبطن.

وسمعته يقول: هذه هي موافقة الدولة، ولكن أين موافقة الزوج؟

حملقت في وجهه بدهشة، ربما تقتضي الدكتاتورية أن تملك الدولة جسمي، لكن الزوج! هل هو أيضًا يمتلك حركة جسمي؟!

وما هو الحد الفاصل فوق كياني بين ملكية الدولة وملكية الزوج؟

غامت عيني بسحابة، لكن تذكرت فجأة أنني غير متزوجة، وانقشعت الغمة، ولمعت عيناي بالبريق، وهتفت بصوت رن في صالة المطار كرنين الفضة: أنا كاملة الأهلية، ولا أحد يمتلكني، اللهم إلا الدولة.

وزمجر الشرطي بصوت غليظ كالشخير: أنا أسألكِ عن موافقة الزوج!

وقلت: وأنا أقول لك إنني حسب القانون يمكنني السفر بدون موافقة الزوج؛ لأنني امرأة حرة بغير زوج.

وصاح بغضب: وهل معك ما يثبت أنكِ غير متزوجة؟

وبحركة سريعة أخرجت من حقيبتي ورقة طويلة تشبه شهادة ميلادي، أو شهادة النجاح والتخرج النهائي، رفعت الورقة البيضاء فوق رأسي كالراية أو كطوق النجاة، وبحركة أخرى سريعة وضعتها في يده تحت عينيه.

قرَّب الورقة من عدسته البوليسية وفحصها بدقة، راجع أختامها وتوقيعات المأذون والشهود ثم زمجر: لماذا لم تقولي منذ البداية أنكِ مطلَّقة (نطقها بفتح اللام)؟

وقلت بغضب: أنا لست مطلَّقة (بفتح اللام) ولكن مُطلِّقة (بكسر اللام)!

رغم مرور عشرين عامًا على تلك الرحلة الأولى خارج الوطن. لا زال صوتي يرنُّ في رأسي وأنا أضغط على الشَّدَّة تحت اللام المكسورة، والشرطي جالس أمامي من وراء القفص الحديدي يطل عليَّ بعينين ضيقتين شبه مختنقتين كعينَي حيوان محبوس، ولا زلت أذكر حركة يده حين رفعها إلى فوق وضرب بالختم الأسود كالمطرقة الحديدية على جواز سفري وتركني أمرُّ.

لم أصدِّق أول الأمر أنه تركني أمرُّ، وحرَّكت قدمي ببطء إلى الأمام متصورة أنه سيمنعني. لكنه لم يمنعني، فخطوت الخطوة الثانية بحذر أقل ولم يمنعني، وغمرني الفرح كالدهشة فقفزت خارج حدود الوطن كأنما أُولَد من بطن أمي للمرة الثانية، وصفقت بيدي كالطفلة، وحركت قدمي فوق الأرض كأنما سأحلِّق في الجو، وجهي ناحية السماء وظهري تجاه الوطن، تأهبت للانطلاق والطيران، لكن شرطيًّا آخر استوقفني وفحص أوراقي، ثم تركني أمرُّ مع المسافرين، وعلى سلم الطائرة استدرت خلفي، ظننت أن أحد رجال الشرطة يتبعني، وأنه في اللحظة الأخيرة سيمنعني، وتم إغلاق الأبواب وانسحاب السلَّم.

وتحركت الطائرة وأنا شاخصة إلى أبوابها كأنما ستُفْتَح فجأة ليدخل شرطي يتجه نحوي.

لكن الأبواب ظلت مغلقة، ومن خلال النافذة الزجاجية المستديرة رأيت شرفة المودِّعين، والأيادي المرفوعة تلوِّح في الهواء، ليس من بينها يد واحدة تلوِّح لي، والوجوه كثيرة ليس من بينها وجه واحد أعرفه.

ودار رأسي مع الطائرة وهي تستدير بعيدًا عن مبنى المطار، غامت عيناي تحت ضباب مفاجئ. من خلال الغمامة لاح لي وجه طفلتي، يدها الصغيرة تلوِّح لي وعيناها العسليتان فيهما دموع، اقتربت منها لأقبِّلها، والتفَّت أصابع يدها الخمس حول أصابعي بقوة.

الألم عند نهاية الضلوع، تحت القلب مباشرة، عميق وثقيل كقطعة الرصاص، قطعة مني لا تزال هناك، في تلك الشقة الصغيرة، بشرتها من لون بشرتي، وأصابع يدها تشبه أصابعي، تحبو على يديها وقدميها وتتطلع بعينيها الواسعتين نحو غرفة نومي فلا تجدني. شددت جسمي كأنما سأنهض وأعود، أمومة مفاجئة على شكل حنين جارف يجهض فرحتي بالسفر، أحاول أن أنهض لكني مربوطة في مقعدي بحزام سميك، والوطن يلوِّح لي من بعيد على شكل وجه طفولي مستدير، وعيناه عسليتان مليئتان بالدموع، وأصابع خمس دقيقة ما إن تلامس أصبعي حتى تلتف حوله كالوتد تربطني بالوطن، كالجذر الممدود في الأرض، وأصبح كالشجرة الأم وأنا لم أعش طفولتي بعدُ، أمومتي وطفولتي تعيشان داخل كياني في تناقض متوازن، وحنيني لابنتي كحنين للوطن متناقض، رغبة في الفرار.

أول رحلة خارج الوطن منذ عشرين عامًا تبدو لي وكأنما بالأمس، والرعشة على أطراف أصابعي وأنا أتحسس حزام المقعد، وهدير الطائرة في أذني وهي تهمُّ بالإقلاع، ثم انفصالي المفاجئ عن الأرض، والارتفاع في الجو، وخفقات قلبي تتصاعد وتتصاعد، الطائرة تهتز كأنما ستسقط، والضربات تحت ضلوعي تتوقف، إلى جواري رجل يقرأ في جريدة أجنبية كأنه جالس في بيته، له أنف طويل مقوَّس وبشرة بيضاء محمرة، يرتدي ربطة عنق ضخمة متعددة الألوان، وأصابعه حول الجريدة طويلة بيضاء، أظافرها مشذبة بعناية فائقة.

الرمال الصفراء تتسع وتتسع من خلال النافذة الزجاجية المستديرة والبيوت تبتعد ويصغر حجمها، نهر النيل كالشريط الرفيع الأبيض، الشاطئان شريطان لونهما أسود، ثم الصحراء كبحر من الرمال الممتدة في الأفق.

لأول مرة أرى الوطن من مسافة بعيدة، أصبح الوطن صغيرًا، مجرد خط ملتوٍ كالثعبان الرفيع في مساحة صفراء، كل شيء في حياتي أصبح صغيرًا؛ أفراحي وأحزاني، أمومتي وطفولتي، آمالي وأحلامي، كل شيء أصبح صغيرًا. حتى عبد الناصر بصوته المدوِّي كل يوم، وصفوف رجال الدولة الراجفين أمامه، أصبحوا جميعًا مجرد سطر صغير في ذيل الصفحة في الجريدة الأجنبية تحوطها أصابع الرجل الغريب.

كنت أظن أن وطني هو كل العالم بمثل ما كنت أظن وأنا طفلة أن شارعنا هو كل الوطن. وكلما كنت أكبر كان الشارع يصغر. وحين امتد كياني خارج الوطن انكمش حجم الأرض وملأني إحساس جديد بأنني أكبر مما كنت.

•••

جناح الطائرة من خلال النافذة الزجاجية ثابت الحجم، ثابت الجسد. لا يتحرك، معلَّق في الفضاء فوق أمواج من السحب البيضاء الثابتة. لا شيء في الكون يتحرك: لا السحب ولا الطائرة ولا حتى «الشاي» في الفنجان الموضوع لي على منضدة بيضاء بلاستيك معلقة في ظهر المقعد أمامي.

حملقت في الثبات ساعة وراء ساعة، ثم اكتشفت أن السفر بالقطار كان أكثر متعة؛ فالحركة كنت أراها من نافذة القطار، أعمدة السواري والأشجار تجري إلى الوراء بسرعة لا تلاحقها العين، تملؤني بحركة الحياة وانطلاق نحو الهدف بأقصى سرعة، والدم يجري في عروقي بالسرعة نفسها، وإحساس طاغٍ بالسعادة. منذ طفولتي كان للسفر فرحة كالعيد، أرتدي له ملابس جديدة وحذاءً جديدًا، ولا أنام من الفرح، وأصحو قبل أذان الفجر أو صياح الديوك. السفر كان في سيارة أو قطار، وداخل حدود الوطن: من القاهرة إلى قريتنا كفر طحلة، أو إلى منوف، أو الإسكندرية، أو الجيزة، أو حيث تشاء وزارة المعارف أن تنقل أبي.

وأتسابق أنا وإخوتي للجلوس بجوار النافذة، أخي كان يكبرني بعام واحد، وكنت أسبقه إلى النافذة، لكن أخي الأصغر كان يبكي ويتشبث بالنافذة فأترك له المقعد، أخواتي البنات كُنَّ أصغر مني، تجلس أصغرهن على ركبتَي أمي.

لم أكن أعرف عن الطائرة إلا الأزيز من بعيد أسمعه في السماء، وجسم صغير يلمع في الأفق بحجم اليمامة، له حركة بطيئة في الكون كحركة السحاب.

لم يكن خيالي قادرًا على تصوُّر حجمها الحقيقي أو سرعتها، ولم أتصور أنه يمكن للبشر بأحجامهم العادية أن يكونوا داخلها، يطلُّون علينا من فوق السحاب كالآلهة. ولم يكن لخيالي أن يمتدَّ رأسيًّا، فأتصور أنني سأكون في السماء داخل طائرة أطلُّ على الكون من ارتفاع شاهق.

كان خيالي يمتد بشكل أفقي مع حركة السيارة أو القطار فوق القضبان، وحركة قدمي، وامتداد النيل باستواء الأرض. وحينما أرفع رأسي عموديًّا نحو السماء تنزعج العيون من حولي، خاصةً عينَي جدتي، منذ وُلِدت وهي ترمق بقلق رأسي المرفوع فوق عنقي، أكان من المفروض أن أولد بغير رأس؟ وإذا حرَّكت عنقي إلى أعلى ازداد قلقها وصاحت: لا ترفعي رأسك هكذا! ألا ترين كيف تسير البنات المؤدبات؟

وكانت البنت المؤدبة تسير ورأسها مطرق إلى الأرض، وظلت جدتي تقول: إنني غير مؤدبة حتى ماتت. لكنها كانت جدتي آمنة والدة أمي. أما جدتي مبروكة والدة أبي فكانت تضع الزلعة فوق رأسي وتقول: لا تحني عنقك هكذا، انظري كيف تسير بنات الكفر مرفوعات الرأس. لكنها كانت تظن أن رأس البنت لم يرتفع عموديًّا فوق العنق بهذا الشكل إلا لتحمل فوقه الزلعة.

ومع كل ذلك كنت أحب جدتي مبروكة أكثر من جدتي آمنة، وأفضِّل السفر إلى بيتها الترابي ذي الشرفة الخشبية، أشرب من الزير، وأستحم بماء الزلعة من النيل. لكن أمي كانت تفضِّل السفر إلى بيت أبيها في القاهرة، وأبي كان مثلي يحب قضاء إجازة الصيف في بيت أمه في الكفر، ويدور النقاش بينهما أول كل إجازة صيف. لم يكن نقاشًا حادًّا أبدًا، ولا ينتهي بفوز أحدهما على الآخر، نوع من التعادل بين القوتين الكبيرتين في البيت، وتحزم أمي الحقائب وتسافر إلى أهلها مرة، وإلى أهل أبي مرة، هكذا على التوالي.

قبل السفر بأيام أُخرِج كل ملابسي من الدولاب وأرصُّها في الحقيبة الكبيرة، وتأتي أمي وتُفرغ الحقيبة في الدولاب وهي تصيح: لن تأخذي معكِ كل ملابسك، ثم إن موعد السفر لم يأتِ بعدُ.

وتقف على الكرسي الخشبي العالي، وتشبُّ على أطراف أصابعها لتضع الحقيبة فوق الدولاب، ومن موقعي فوق الأرض وعيناي إلى أعلى أرى ساقيها السمينتين البيضاوين بغير شعر يمتدان تحت ثوبها الحريري إلى فخذين أشد سمنةً وأشد بياضًا، ثم يلتصقان في النهاية في خط واحد عميق داكن اللون.

ويراودني خاطر غريب، هو أنني هبطت إلى العالم من هذا الخط الداكن، ثم يتبع ذلك على الفور خاطر آخر أكثر غرابة، هو أن أبي له علاقة ما بهذا الخط الداكن. وإلى هنا تتوقَّف خواطري تمامًا كأنما وصلت نهاية العالم، وأعود أدراجي إلى مكاني فوق الأرض، ثم أصعد على الكرسي الخشبي العالي وأمد ذراعي فوق الدولاب، لكن يدي لا تصل أبدًا إلى الحقيبة.

كل ليلة ومنذ أن تبدأ الإجازة الصيفية وأنا أحلم بأن يدي امتدَّت وطالت وأمسكت بالحقيبة، وأن ملابسي كلها انتقلت من الدولاب إلى الحقيبة، وأن أمي توقظني في الفجر لأرتدي الملابس الجديدة، وأبي يُحْكِم إغلاق النوافذ والأبواب، والسيارة الأجرة تنتظر أمام الباب، صوت الموتور يرنُّ في أذني عجيبًا، ورائحة البنزين تسري في أنفي نفَّاذة منعشة. وعند محطة القطار يبدو كل شيء مدهشًا، رصيف المحطة العالي، والقضبان الممتدة إلى ما لا نهاية في الخندق العميق، وأصوات الأجراس وصفارات القطار والدخان الكثيف يندفع من الفوهة السوداء، والناس تجري وفي أيديهم الحقائب، وبائع السميط ينادي بصوت حاد مرتفع، وسلم القطار العالي. أُمْسِك المقبض الحديدي وأضع قدمي على السلَّم ويُخيَّل إليَّ أن القطار سيتحرك وقدمي الثانية لا تزال على الأرض، لكن القطار لا يتحرك، وأجري إلى مقعدي وأنظر من النافذة، وتظل المحطة ثابتة والبيوت ثابتة، وأظن أن القطار لن يتحرك أبدًا. وفجأة أحس برأسي يهتز بعنف إلى الوراء ثم إلى الأمام، وتبدأ البيوت في الحركة إلى الوراء، ومن بعدها أعمدة السواري التي تبدأ في الجري إلى الخلف واحدة وراء الأخرى.

وأطل برأسي من النافذة وأنا أشهق بالفرح، الهواء القوي يُطير شعري في الفضاء، وفمي مفتوح عن آخره أبتلع الهواء والدخان، ولا أحس إلا بيد أبي تشدني إلى الخلف وصوته يدوِّي في أذني مختلطًا بصوت عجلات القطار: أَدْخِلي رأسكِ!

تراجعت برأسي بعيدًا عن النافذة، لكني داخل الطائرة ولست داخل قطار، والنافذة صغيرة مستديرة مغلقة بزجاج مزدوج، والسماء زرقاء ثابتة، والسحب بيضاء ثابتة. لا أشجار ولا أعمدة سواري تتحرك، ولا أستطيع أن أطلَّ برأسي من النافذة، وجسدي عاجز عن إدراك الحركة، كأنني داخل علبة حديدية معلَّقة في الكون إلى الأبد، وحزام المقعد يلتف حول جسدي وينتهي إلى قفل معدني، ملمسه فوق صدري كالسماعة الطبية تتدلَّى من الخرطوم المطاطي حول عنقي، ورائحة اليود والدم في معطفي الأبيض، ولهاث المرضى في أذني كالطنين، طابور طويل يمتد حتى الزقاق المترب أمام باب المستشفى تعلوه لافتة نحاسية صدئة نُقِشَت عليها حروف سوداء: «مستشفى الأمراض الصدرية بالجيزة»، وإلى جواري المنضدة الخشبية كالحة، والفانوس الكهربي لرؤية صور الأشعة، ثم نافذة صغيرة مفتوحة على بِرْكَة صغيرة تقذف الهواء محمَّلًا بالغبار ورائحة عفونة كالمجاري.

حملقت في الكون الواسع من خلال الزجاج المزدوج، ونظرت ناحية الأرض، أبحث بعيني عن موقع مستشفى الدرن من الأرض أو موقع الأرض من المستشفى.

من بين السحب البيضاء كزيت القطن رأيت سردابًا طويلًا يهبط إلى الأرض. الأرض سوداء تمامًا، لكن عينيَّ التقطتا نقطة فوق الأرض أكثر سوادًا، وقلت لنفسي: لا بد أنه المستشفى، والأرض أيضًا ليست أرضًا وإنما هو شيء له حركة ماء ولا بد أنه البحر.

من خلفي رجل عجوز يسعل، سعاله من النوع الجاف بسبب الدخان وليس الدرن، أذناي تدربتا على تشخيص المرض من نوع السعال.

كل يوم من الساعة التاسعة صباحًا حتى الثانية بعد الظهر أسمع سعال الطابور الطويل، أضع السماعة المعدنية بين الضلوع البارزة وأسمع صفارة الهواء ثم خشخشة الدم والصديد، أسلط على الصدر الأشعة وأنا أقول للمريض: اكتم نفسك. وبدلًا من أن يكتم نفسه، يسعل في وجهي ويملؤني بالرذاذ، أتراجع إلى الوراء بسرعة وأدس في اليد المعروقة زجاج الدواء قائلة: قرص واحد بعد كل وجبة طعام ثلاث مرات في اليوم.

يردد الصوت الخافت مع اللهاث: بعد كل وجبة طعام؟

وأقول: نعم، بعد كل وجبة طعام، ثلاثة أقراص في اليوم الواحد بعد الوجبات الثلاث!

ويأتي السؤال على شكل شهقات: الوجبات الثلاث!

وأردد: نعم، وجبات الطعام الثلاث!

ذلك اليوم كانت آخر الطابور امرأة في يدها طفل وعلى كتفها طفل، استدارت وهي تزمجر: وهل كنت أمرض بالسل إذا كانت هناك وجبات ثلاث؟!

كل يوم وأنا أحملق من النافذة على البِرْكَة الآسنة أرفع عيني إلى المساحة الصغيرة من السماء بين الجدران وأخاطب الله: مَنْ هو المسئول عن هذه التعاسة فوق الأرض؟ أنت أم رئيس الدولة؟

وتسري في جسدي قشعريرة الخوف. وقد ألقيت المسئولية على رئيس الدولة وليس على الله، وكنت لا أزال أومن بالعدالة الإلهية.

ذلك اليوم دق جرس التليفون فجأة، وانتفضت في مقعدي، تصورت أن مكتب الأمن بالوزارة التقط بجهازٍ ما شكوكي العميقة في عدالة الدولة.

وجاءني صوت يقول بلهجة متعالية: صدر قرار وزاري بسفرك ضمن وفد الأطباء إلى الجزائر.

•••

وفي كل رحلة خارج الوطن كنت أظن أنني لن أعود، لكني في كل مرة كنت أعود؛ حنين لابنتي يشدني إلى الوطن، وحنين إلى الأرض، رائحة الأرض والتراب والهواء، الوجوه والملامح المألوفة، اللغة واللهجة تشتاق إليها أذني، والشوق له ألم حاد في الأذن، وفي القلب تحت الضلوع، وفي حركة الدم في العروق، كاشتياق المدمن لوجع السم.

•••

أحملق من خلال الزجاج على أرض الوطن. لا أرى إلا السماء والسحاب وفي القاع البعيد الساحل الداكن كالخط الأسود يفصل البحر عن الأرض، هل نحلِّق فوق الإسكندرية؟ أحملق في القاع البعيد. لا شيء يتغير تحت عيني. لا زال وجه موظف الأمن أمامي، رأسه أصلع أملس كرأس السلحفاة، عيناه بيضاوان بغير جفون ولا رموش، يرمقني من قمة رأسي إلى أطراف قدمي، كياني ينقلب إلى برغوث مثبت بالصمغ تحت عدسة الميكروسكوب، جهاز يشبه الأشعة يكشف عن أعماقي، أخفيت الكراهية في طيات أمعائي ورسمت على وجهي ملامح قديسة تفيض بالحب والخوف، فلا شيء يهدد الأمن إلا الكراهية أو الحب بغير خوف.

لأول مرة أقف للفحص أمام موظف الأمن لاستخراج ذلك الدفتر الصغير المستطيل المسمى «جواز السفر». لأول مرة في حياتي أستخرج جواز سفر، وحين استقر «الباسبور» في حقيبة يدي سرت في الشارع مرفوعة الرأس في زهو، كأنني بهذا الدفتر صعدت من طبقة إلى طبقة، لكن سرعان ما تبدَّد الزهو حين ابتلعني المبنى الضخم المسمى «مجمع التحرير»، وسقط جسمي في خندق مزدحم بالأجسام تلهث، وتنز بالعرق، وأخذت ألهث أنا الأخرى، وأجري من مكتب إلى مكتب، وفي يدي أوراق ألصقت عليها دمغات صفراء وخضراء، وتوقيعات بالحبر الأحمر والأسود والأزرق. واستقر بي الأمر في النهاية داخل مكتب الأمن، وموظف يشبه الموظف الآخر، رأس أصلع وصوت ناعم، رمقني من رأسي إلى قدمي، وحملق في صورة وجهي ثم سألني: لماذا تسافرين إلى الجزائر؟

قلت: لحضور المؤتمر الطبي العربي.

وتساءل كأنما بدهشة: أنتِ طبيبة؟

وقلت: نعم.

حملق في وجهي وقال: ما رأيك في الثورة؟

وتساءلت: أي ثورة؟

ولكني تداركت السؤال وقلت: نعم.

قال: نعم؟

وبدأت أفكر.

وزمجر الرجل بغضب: فيمَ تفكرين؟

قلت: في الإجابة.

وقال بدهشة: وهل السؤال يحتاج إلى تفكير؟

وبدا لي التفكير لحظتها كالعورة، وانتهت المقابلة بسرعة، وانقضى شهر وأنا أنتظر حصولي على تأشيرة الخروج.

لكن التأشيرة لم تَرِدْ.

وجاء يوم الثلاثاء وكان موعد السفر الأربعاء، أي بعد يوم واحد، وذهبت إلى موظف الأمن وسألت: لماذا تأخرت التأشيرة؟

وردَّ: إنها تتأخر دائمًا.

وقلت: ألا سبيل إلى استعجالها؛ فالمفروض أنني سأسافر غدًا؟

قال: لا سبيل إلى استعجال أي شيء.

وعدت إلى بيتي، جدران الشقة تطبِق على صدري، مددت يدي نحو قرص التليفون، رنين الجرس يدوِّي في أذني. لا أحد في العالم، وأنا وحدي تمامًا، سِرْتُ إلى النافذة لأطلَّ على الناس في الشارع، رائحة كطفح المجاري تملأ الجو، الهواء محمَّل بغبار وصهد، الناس تتحرَّك في الطريق كأشباح ميتة في عالم آخر، عربة بوليس تجري ومن خلفها سيارة تطلق صفارة حادة، إحساس جارف بالغربة يسري في جسدي.

وفجأة توقَّف أتوبيس أحمر، وهبطت منه ابنتي، ترتدي مريلة زرقاء لها كولة بيضاء، وفي يدها حقيبة المدرسة، رفعت رأسها نحو النافذة ورأتني، ابتسمت ولمعت عيناها العسليتان بالفرح، جريت إلى الباب، وانتظرت حتى خرجت من باب المصعد فحملتها بين ذراعي، دفنت رأسها في صدري، رائحة الطفولة في شعرها توقظ أمومتي وتبدِّد الغربة.

أعددت لها الطعام وجلست أرقبها وهي تأكل بشهية، تقلَّص وجودي في الحياة إلى ذلك الصحن تمتد إليه يدها الصغيرة ثم ترتفع إلى فمها، وحركة فكيها الصغيرتين وهي تمضغ الطعام بلذة.

وفي الليل نمت وذراعي حولها، كأنما أحتضن العالم كله، ولا شيء في العالم يمنحني هذه النشوة. لا رجل ولا عمل ولا سفر. وترددت لحظة: هل ركوب الطائرة أكثر متعة؟ وكيف يبدو العالم تحت عيني وأنا فوق السحاب؟ والأرض هل سأراها كروية؟ وهل سأطل على القارات الخمس في آن واحد؟ والتضاريس والجبال والأنهار والبحار هل سأراها بشكلها على الخريطة؟

خيالي تلك الليلة ظل راكدًا، وصورة قائمة واحدة سيطرت على عقلي: أن الطائرة سقطت في البحر وأنا داخلها، وتحولت خيبة الأمل في السفر إلى فرحة النجاة من الموت، ونمت نومًا عميقًا.

وفي الصباح فتحت عيني وقد تبددت تمامًا كل رغبتي في السفر، وذهبت إلى المستشفى كأي يوم، لكن جرس التليفون رن إلى جواري وجاءني الصوت المتعالي ويقول: لقد وصلت تأشيرة الأمن.

ووضعت السماعة إلى مكانها، وأدركت أن تصاريح الأمن لا تحل بالإنسان حين يرغبها، فإذا ما كفَّ تمامًا عن رغبتها حلَّت به فجأة من حيث لا يدري كالقضاء والقدر.

أفقت على صوت ينبعث من سقف الطائرة يقول: إننا نحلِّق فوق ليبيا. جسدي يسترخي في المقعد وخدر لذيذ يسري في كياني، أصبحت خارج حدود الوطن، تحت ضلوعي خفقات تتصاعد بسرعة، والدماء الدافئة تمشي في عروقي، شحنة من الحماس، وحواس جديدة تستيقظ وتتفتح للحياة والحب، أسندت رأسي إلى مسند المقعد وأغمضت عيني ثم فتحتهما، لحن موسيقي في أذني، وعينان زرقاوان تتطلعان نحوي وتبتسمان. كانت تجلس في المقعد المجاور لي وتحضن بين ذراعيها دمية كبيرة من البلاستيك، تهدهدها كأنها طفل حي.

سألتني: عندك أطفال؟

قلت: نعم.

قالت بأسًى: حُرِمْتُ من الأطفال.

وقلت: الحياة فيها أشياء أخرى غير الأطفال.

تساءلت: مثل ماذا؟

قلت: العمل، السفر، الحب …

تساءلت: هل أحببتِ؟

وفاجأني السؤال: لم يسألني أحد من قبل هذا السؤال، لكن سؤالها يبدو لي عاديًّا، وبي رغبة لأفتح قلبي لهذه المرأة؛ فهي لا تعرفني، وسوف نفترق ولن نلتقي بعد اليوم.

وقلت: أتريدين الصدق؟

قالت: نعم.

قلت: توهمت الحب لكنني لم أحب بعدُ.

وضحكت وألقت بشعرها الأصفر الغزير إلى الوراء، رأيت بين أسنان فكها العلوي سِنَّة ذهبية. أظافرها طويلة مدببة مطلية باللون الأحمر. أمسكت خصلة من شعرها بين أصابعها ولعقت بطرف لسانها شفتها العليا وقالت: لا يوجد شيء اسمه الحب.

سألتها: من أي بلد؟

قالت: أنا إيطالية، وأشتغل في بني غازي.

وقلت: وماذا تشتغلين؟

قالت وهي تشعل سيجارة: راقصة، ثم أردفت بصوت خافت: ومومس أيضًا.

انتفض جسدي مبتعدًا عنها بحركة شبه غريزية، لأول مرة في حياتي أرى امرأة مومسًا، قرأت عنهن في الروايات وشهدتهن في أفلام السينما، رمقتها بطرف عين أدرس ملامحها وذراعيها وساقيها، كل شيء فيها عادي لا يثير الانتباه. كنت أظن أن المرأة المومس لا بد وأن تثير الانتباه بشيء غير عادي. تأملت أصابع يدها الخمس بدهشة، كأنما كنت أتوقع أن يكون لها ست أصابع أو سبع، أفقت على هزة عنيفة كأنما تسقط الطائرة في البحر، ومعدتي تسقط معها إلى تحت، أمسكت المقعد بكلتا يدي وهتفت: ماذا يحدث؟

وقالت المرأة الإيطالية: نهبط في بني غازي.

أضاءت رقعة مستطيلة من الضوء فوق رأسي عليها حروف بالإنجليزية: اربطوا حزام المقعد، أَطْفِئوا السجائر. صوت أنثوي يعلن في الميكرفون أن الطائرة تهبط، ولم أسمع بقية الكلمات، الميكرفون يأكل نصف الحروف، والأزيز العالي يبتلع النصف الآخر، وجدران أذني تنطبق وتنغلق تحت ضغط مفاجئ، ولم أعد أسمع إلا صفيرًا حادًّا، ثم انفتحت أذني فجأة بصوت أشبه بالفرقعة الخفيفة وزال الضغط تمامًا، وسمعت صوتًا كهدير الشلال، ثم ارتجَّ جسمي مع ارتطام عجلات الطائرة بالأرض.

ولا بد أن وجهي كان شاحبًا؛ لأن قلبي كان يدق بسرعة، وحلقي جفَّ تمامًا.

على أرض مطار بني غازي رأيتها من خلال الزجاج تسير بين الصفوف، تحمل على ذراعها الأبيض النحيل دميتها البلاستيك كأمٍّ تحمل ابنتها الوحيدة، وبيدها الأخرى أمسكت حقيبة جلدية صفراء.

عاصفة من الرمال هبَّت وطيَّرت شعرها الأصفر، ورأيتها تغطي ركبتيها البيضاوين بطرف ردائها، وهواء بني غازي يعاندها ويرفع عنها الرداء، ووجوه سمراء تتفرسها، وعيون جائعة تلتهمها.

ورأيتها تتوقف ثم تستدير نحو نافذتي، ولوَّحت لي من بعيد بمنديلها الأبيض الصغير، فلوَّحْتُ لها وخوفٌ غامض يسري في كياني.

•••

حين هبطنا في الجزائر كانت الشمس لا تزال في السماء، شمس الأصيل الدافئة تلمع فوق الشجر والجبل العالي الأخضر. لأول مرة في حياتي أرى جبلًا عاليًا أخضر صاعدًا نحو قرص الشمس. في مصر لم أعرف إلا الأرض المستوية، وجبل المقطم لم يكن جبلًا، والخضرة في مصر لم يكن لها اللون الأخضر القوي الداكن.

سمعت من خلفي صوتًا يقول: حمد الله على السلامة، استدرت بسرعة، رأيت الوجه الطويل الأسمر والشارب الدقيق المنمق فوق الشفة العليا، اسمه الدكتور «جميل ياسر» وكان أستاذًا لي بالكلية.

تساءل: أنتِ وحدكِ؟

قلت: نعم.

قال: تعالي معنا، سنأخذ تاكسيًّا إلى الفندق. كانت معه زوجته، امرأة ضخمة سمينة تتأرجح على كعبين رفيعين. السائق الجزائري يتكلم بالفرنسية. الساعة حول معصمي تشير إلى الثامنة والنصف، ولا تزال الشمس في السماء. وقال الدكتور جميل ياسر: ألم تغيِّري ساعتك؟ الساعة الآن الخامسة والنصف.

مددت رحلاتي المتعددة في بلاد العالم خلال العشرين عامًا الماضية، ورغم أنني حركت عقارب الساعة إلى الوراء أو إلى الأمام حسب موقع البلد الذي أسافر إليه، إلا أنني لا زلت أذكر هذه المرة الأولى التي غيَّرت فيها الزمن بيدي.

أحسست رعشة خفيفة فوق أصابعي وأنا أحرك مسمار الساعة، وعيناي تتابعان العقربين وهما يتقهقران إلى الوراء ثلاث ساعات كاملة.

كنت أظن أن حركة عقربَي الساعة مقدسة لا يمكن ليد أن تلمسها أو تغيرها. هذان العقربان كانا يحكمان يقظتي ومنامي، مواعيد عملي ولهوي، يحكمان أيام عمري، يحكمان عليَّ «بالشباب أو بالشيخوخة». هذان العقربان لم أكن أستطيع أن أقدمهما أو أؤخرهما دقيقة واحدة، ولا يستطيع أحد غيري حتى الصائغ الذي صاغهما ودقَّهما بمطرقته وصنع منهما عقربين. هذان العقربان المقدسان استطعت الآن أن أحركهما إلى الوراء ثلاث دورات كاملة.

وتحولت الدهشة إلى فرحة، كأنما اختلست من الآلهة ثلاث ساعات وأضفتها إلى عمري، أو كأنما دُرْتُ حول الكرة الأرضية ثلاث دورات وأنا في مكاني.

وحين سرت على أرض الجزائر والشمس لا تزال في السماء قلت لنفسي: الناس في مصر غربت عنهم الشمس وأنا لا تزال الشمس في عيني! أهي الشمس نفسها أم شمس أخرى؟

ملمس الشمس فوق وجهي في أول زيارة لا يزال في ذاكرتي، واللهجة الجزائرية بَدَتْ لي كاللغة الجديدة، والملامح الجزائرية حادة قوية شامخة كالجبل، والسلام الجمهوري حين سمعته يُعْزَف لأول مرة أدركت أنني فوق أرض الجزائر، أرض المليون شهيد، حرب التحرير والفدائيين، سجون التعذيب وجميلة بوحريد، الجنود الفرنسيون وفظائع الاستعمار، «فرانزفانون» وكتابه «المعذبون فوق الأرض»، «بن بيلا» بوجهه المستدير وقامته الطويلة تقارب قامة عبد الناصر.

افتتح «بن بيلا» المؤتمر الطبي. قاعة ابن خلدون مليئة بالأطباء العرب، والحديث بينهم يدور حول الثورة الجزائرية والعمل الفدائي والتحرر من الاستعمار، لكن سرعان ما انقسموا إلى لجان متخصصة وبدءوا الحديث عن أمراض القلب والمعدة والطحال.

وفي المساء كانت حفلات الموسيقى والغناء والرقص الجزائري، أنغام البيانو والكمان تمتزج بدقات الدف والعود، كلمات فرنسية تمتزج بكلمات عربية، عيون فيها ثورة وغضب، وعيون فيها استكانة وشبع، نساء رشيقات نصف عاريات، ونساء محجبات تحت خمار سميك وعباءة واسعة بيضاء.

في حي القصبة العربي طغت دقات الدف والعود على أنغام البيانو والكمان، وطغت الكلمات العربية على الفرنسية، وبدأت الأزقة الرطبة والبيوت القديمة المتآكلة وعيون النساء من تحت الحجاب الأبيض ووجوه الأطفال الذابلة.

تقدَّمت نحوي امرأة تخفي وجهها وجسمها تحت عباءة بيضاء واسعة، على ذراعها طفل، وذراعها الثانية ممدودة نحوي، باسطة كفها تشحذ: أعطني قرشًا. قالتها بالفرنسية. لأول مرة في حياتي أسمع شخصًا يشحذ بلغة أجنبية. كنت أظن أن الشحاذين لا يعرفون إلا العربية.

قبل منتصف الليل عدت إلى غرفتي بالفندق، ورأيت الورقة الصغيرة، وكلمات بخط دقيق منمق يشبه الشارب الدقيق المنمق، الحرف بجوار الحرف كالشعرة بجوار الشعرة في دقة شديدة أشبه بالحذر: «أدعوك إلى العشاء معي.»

أكاد لا أعرف الاسم، أيكون هو الدكتور جميل ياسر؟ حضرت بعض محاضراته في مدرج علي إبراهيم في كلية قصر العيني، وألقى بحثًا في المؤتمر بالأمس عن طريقة جديدة لاستئصال ورم المخ، متوسط القامة يميل إلى الامتلاء خاصةً عند البطن والفخذين، له نظرة حادة حين ينصت باهتمام، شعره أسود بلون الصبغة الفاحمة السوداء، تجاعيد العمر واضحة حول العينين والفم، أسنانه صغيرة صفراء من كثرة التدخين، وحين يمشي يتكئ بجسمه على ساقه اليمنى كأن بقدمه اليسرى عرجًا خفيفًا. لم يكلمني وأنا طالبة ولم أكلمه، وقابلته بعد التخرج مرات قليلة في اجتماعات عابرة، ولم نتكلم أيضًا. لم أكن أظن أنه يعرفني، وفي قاعات المؤتمر كنت أراه يمشي وإلى جواره زوجته يسبقها بخطوة، في الصباح دق جرس التليفون في غرفتي وقال: أنا جميل.

– جميل من؟

– الدكتور جميل ياسر.

– ولكنك في الورقة كتبت جميل علي.

– اسمي الثلاثي جميل علي ياسر.

– ولماذا لم تكتب جميل ياسر؟

– خشيت أن تقع الورقة في يد أحد غيرك.

– أتعني أن جميل علي هو اسمك التنكري؟

– تقريبًا.

– ولماذا تتنكر؟

– التقاليد تطاردنا أينما سافرنا.

– وهل أنت ضد التقاليد؟

– حين أسافر نعم.

– هل ستأتي معك زوجتك؟

وصمت لحظة ثم قال: لا، إنها تفضِّل البقاء بالفندق.

وأردف: هل أمرُّ عليكِ في السادسة والنصف؟

قلت: لا.

– أترفضين دعوتي؟

– لا، ولكني أرفض دعوة «جميل علي».

– لماذا؟

– لأني لا أعرفه.

وتساءل: ودعوة جميل ياسر؟ هل تقبلينها؟

– لا.

– لماذا؟

– لأني أعرفه.

•••

سافرت إلى الجزائر مرات أخرى بعد هذه الرحلة الأولى عام ١٩٦٣، لكن صورة الجزائر ظلت في ذاكرتي كما رأيتها أول مرة، كوجه إنسان يشدنا لأول وهلة، وتظل الصورة الأولى محفورة في الذاكرة رغم تغير الملامح.

الجبل الأخضر يحتضن البحر الأزرق، الارتفاع الشاهق ينحدَّر بحدَّة وبلا تدرُّج، والصخور حمراء، وعينا الفدائي الجزائري «شهيب» نفاذتان ثاقبتان كعيني الفهد، لونهما أزرق كالسماء. لكنه إذا نظر ناحية الجبل تحولت الزرقة في عينيه إلى خضرة داكنة كالغابة، فإذا ما حرك رأسه ناحية البحر أصبحت الخضرة في المقلتين زرقاء عميقة الأغوار كمياه البحر.

شعرت بالقرب منه وهو صامت. أُحب في الرجل صمته؛ فالصمت أصدق، وملمس يده في يدي مألوف، لكن إذا ما نطق وسمعت تلك اللهجة الجزائرية الفرنسية نصف العربية رأيته رجلًا غريبًا.

وضحك فاردًا ذراعيه عن آخرهما محتضنًا البحر والجبل والسماء والشمس، وحاول أن يحتضنني فابتعدت؛ صوت أمي لا زال في أذني منذ الطفولة: لا تثقي في أي رجل غريب.

الغرباء لم نرهم إلا مسلَّحين بالبنادق وبنادقهم ناحية صدورنا، وعقلي منذ الطفولة ربط بين البنادق والرجال الغرباء وكوني أنثى، كرهت الكلمة منذ الطفولة، وأصبحت أنوثتي عقلانية.

لا زلت أحدق في عينَي «شهيب» رغم مرور عشرين عامًا، رائحة البحر في أنفي والسيارات المحروقة في سفح الجبل، والتراب أحمر بلون الدم، وهو صامت ينظر بعينيه النفاذتين إلى قمة الجبل، وتذكرت الحوار: في عينيك شيء لم أجده في عيون الرجال!

– ماذا؟

– هذا البريق النفاذ الحاد يشق الجبل والبحر.

– الثورة؟

– ربما، ولكنها ثورة مختلفة، عندنا أيضًا ثورة.

– ثورتكم بيضاء وثورتنا حمراء، سال دم مليون شهيد قبل أن نحصل على الاستقلال.

– عندنا شهداء ماتوا في حرب القنال ضد الإنجليز.

تذكرت «المنيسي» زميلي في كلية الطب. كان يجلس إلى جواري عام ١٩٥١ في أول سنة بالمشرحة، اختفى ذات يوم ولم أره أبدًا، ولم يبقَ منه إلا حروف اسمه محفورة على لوحه من الرخام في مدخل الكلية ضمن أسماء الشهداء، وحروف اسمي على ورقة بخط يده في درج مكتبي.

– إذا كانت ثورتنا بيضاء فأين يذهب دم المنيسي؟

– مَنْ هو المنيسي؟

– حبي الأول. كان ثائرًا وكان جذابًا.

– الثورة تجعل الملامح جذابة.

– كل مَنْ أحببت في حياتي كان ثائرًا، وكل امرأة جذبتني كانت ثائرة، وكل طفلة أو طفل جذبني رأيت الثورة في العينين واضحة. وأنا أحب نفسي حين أثور، وأكره نفسي حين أستسلم.

– وأنا أحب المرأة الثائرة حين تستسلم.

– وأنا أحب الرجل المستسلم حين يثور.

•••

هل تؤثر طبيعة الأرض على الملامح؟ في مصر الوادي السهل المنبسط يجعل الملامح هادئة والعيون وادعة شبه مستسلمة؟ وهنا في الجزائر الجبل الصعب الشاهق يجعل الملامح حادة عنيفة شبه صخرية.

في زيارتي الأولى للجزائر جذبتني الملامح الجبلية، خفق قلبي وأنا أصعد الجبل لأول مرة، ورأيت في العينين النفاذتين حريق المعارك المتفحمة في بطن الجبل، ورأيت البحر في عنفوانه، والجبل في شموخه، وأصبحت الثورة هي الحب. لكني كنت لا أزال أسيرة الوهم أن الثورة تُمْنَح والمرأة تُؤْخَذ.

ووقفت مترددة كالمشدودة بين قوتين متعادلتين، تجاوزت حدود الوطن لكني لا زلت حبيسة بغير جدران، وسلاسل تحوطني غير مرئية.

كان «بن بيلا» لا زال في الحكم، وعبد الناصر أيضًا قبل هزيمة ١٩٦٧، وكنت أمدُّ رأسي بين الصفوف لأسمع صوت «بن بيلا» وهو يُلقي خطابه في أول أيام المؤتمر، كلماته العربية تختلط بالفرنسية. يقول بدل مدرسة: «إكول»، وبدل موعد: «راندفو»، خليط عجيب من الكلمات الفرنسية المعربة ترن في أذني كلغة مستحدثة غريبة ومنفِّرة.

وأشار «شهيب» إلى السيارة المحترقة في سفح الجبل: هذه بقايا معركة التحرير. وقد طردنا فرنسا إلى الأبد.

– ونحن أيضًا طردنا الإنجليز من قبلكم!

– هل نتعشى معًا الليلة؟

– لا.

– هل أنتِ متزوجة؟

– لا.

– لماذا تعترضين إذن؟

– هل الزواج هو الذي يمكن أن يمنعني؟

– بالعكس الزواج يحرر المرأة.

– والاستعمار يحرر بلادنا؟

– هل الزواج كالاستعمار؟

– كلاهما وجهان لعملة واحدة.

وفي الزيارة التالية للجزائر رأيت «شهيب» سائرًا في الطريق، استدار ورآني، ملامحه لم تعد جذابة، هل فقد ثورته؟ صافحته وسرت في طريقي مسرعة، الشمس تقترب من المغيب.

شوارع الجزائر بعد الغروب تخلو من النساء، وتصبح غابة من الرجال، يسيرون جماعات على شاطئ البحر، أنوفهم حادة وعيونهم نفاذة ثاقبة، وأنفاسهم كزفير البحر أول الليل يصعد ويهبط.

وقلت لصديقتي الجزائرية فتيحة: لماذا لا تتمشى النساء الجزائريات على البحر؟

وقالت فتيحة: لا زلنا مجتمعًا رجوليًّا.

– ولكن النساء اشتركن في حرب التحرير.

– نعم، لكن بعد تحرير الوطن لم نحرر أنفسنا.

– أيهما يسبق؟ تحرير النفس أم تحرير الوطن؟

– النفس طبعًا؛ فاقد الشيء لا يعطيه.

فتيحة إحدى عضوات الاتحاد النسائي الجزائري. لم تتزوج بعدُ. كانت مشغولة بالثورة ولم تجد الوقت للزواج، وإذا وجدت الوقت لم تجد الزوج، وقالت لي: «الرجل الجزائري إذا تحرَّر تزوَّج فرنسية، وإذا تزوج جزائرية لم يعد متحررًا، وهو يشتهي المرأة الحرة لكنه لا يتزوج إلا الجارية.»

•••

من الجزائر ركبت الطائرة إلى باريس. لم يعد لركوب الطائرة السحر الأول، أحملق من خلال الزجاج المزدوج لأرى مضيق جبل طارق، شريط البحر بين قارة أفريقيا وقارة أوروبا.

كلمة «أوروبا» تملأ رأسي بالخيالات، وأول مرة سمعت الكلمة من أبي. كنت لا أزال طفلة، وسمعته يقول: إن الطالب المتفوق يسافر في بعثة لأوروبا، وتصورت أن أبي تفوَّق على جميع الرجال في العالم ولا أحد يفوقه في شيء، ثم اكتشفت بعد أن كبرت قليلًا أن الملك فاروق أكثر شهرة من أبي، وسألت جدتي: لماذا لم يصبح أبي ملكًا؟ ثم كبرت أكثر، وكلما كنت أكبر كان حجم أبي يتناقص، حتى علمت أن هناك رجالًا سافروا في بعثات إلى أوروبا وهو لم يسافر، ثم عاش أبي ومات في الواحد والستين من عمره دون أن يرى أوروبا ودون أن يركب الطائرة.

أصبحنا نحلِّق فوق إسبانيا، أحملق من خلال الزجاج كأنما سأرى الأندلس والسندس الأخضر وحلبة مصارعة الثيران.

أدقِّق النظر إلى الأرض في القاع السحيق تحت جناح الطائرة، الأرض تبدو حمراء تحت وهج الشمس، البيوت دقيقة بحجم رءوس الدبابيس.

إلى جواري رجل يقرأ في جريدة، التقطت كلمة الصباح بالفرنسية.

تعلمت اللغة الفرنسية في المدرسة الابتدائية والثانوية. لم أتكلم الفرنسية منذ أكثر من عشر سنوات.

ابتسم الرجل وسألني بالفرنسية عن بلدي، وقلت: «إيجبت»، ورنَّ صوتي في أذني غريبًا، وكلمة «إيجيبت» بَدَتْ وكأنها ليست «مصر».

وردَّد الرجل بدهشة: إيجبت! وكأنما «إيجبت» هذه في آخر الدنيا، وبدت ملامح الرجل غريبة، وبشرته حمراء وله أنف طويل مدبب وشفتان رفيعتان مشدودتان، ويداه كبيرتان فوقهما نقط سوداء، واجتاحني إحساس جارف بالغربة، وسمعت الرجل يقول: أول مرة تذهبين إلى باريس؟

وقلت وأنا أبتلع لعابي الجاف: نعم.

وتمنيت لحظتها لو عادت بي الطائرة إلى بيتي، ولاحت لي عينا ابنتي فيهما دموع. فوق النافذة نقط ماء كالمطر، السحاب تغيَّر لونه، أصبح كثيفًا له لون داكن مخيف، من بين شقوق السحب تبدو الأرض أشد بُعدًا، صوت الطائرة يهدر في أذني، الرجل إلى جواري ترك الجريدة وأغمض عينيه، مضيفة الطائرة تضحك مع أحد الركاب، امرأة جالسة في مقعدها تقرأ في مجلة، إلى جوارها طفل يلعب بمكعبات صغيرة ملونة، كل شيء داخل الطائرة يبعث على الطمأنينة.

مرت المضيفات بأباريق الشاي والقهوة، نكهة القهوة في أنفي قوية، حواسي الطبيعية تعود، ويعود معها الإدراك المفاجئ بأنني في الطريق إلى باريس.

باريس! الكلمة ترن في أذني ساحرة، من كل الرجال في أسرتي لم يسافر أحد إلى باريس، قرأت في طفولتي عن رجال مصريين سافروا إلى باريس. لا أتذكَّر منهم الآن إلا سعد زغلول وطه حسين. في خيالي عن باريس نساء شقراوات جميلات يرقصن على ضفاف نهر السين، عيونهن زرقاء وسيقانهن وردية ناعمة وألحان الموسيقى تملأ الكون.

الطائرة تهتز وتتأرجح كأنما ستسقط بين أمواج السحب، الصوت يعلن أننا نهبط في مطار باريس، ورقعة الضوء كشفت عن عبارة: اربطوا الأحزمة، أذناي تنغلقان وتنفتحان، والأزيز يشتد كالصفير الحاد، ثم الارتجاجة العنيفة الأخيرة وتلامس العجلات مع الأرض.

•••

المطار ضخم متعدد الممرات، أحاول تتبُّع العلامات فوق اللافتات لأصل إلى باب الخروج. الأرض نظيفة لامعة تبرق، الناس وجوههم نضرة متوردة، أجسامهم ممشوقة سريعة الحركة، كعوب النساء الرفيعة العالية ترن فوق الأرض بدقات سريعة، كعوب الرجال أيضًا تدب دباتها القوية النشيطة، الأجسام الرشيقة تتدافع أمامي في تناسق وسرعة كموجات نهر رشيق.

الشوارع فسيحة والأشجار خضرتها قوية، البيوت أنيقة شرفاتها تطل منها الزهور. لم أرَ في أي شرفةٍ ملابس منشورة على حبل غسيل.

هبطت الدرجات لأركب «المترو»، الزحام شديد، والخطوات سريعة لكن لا أحد يرتطم بأحد. على المقعد المواجه لي في القطار فتاة وفتى يتعانقان، يستغرقان في قبلة طويلة والقطار مزدحم ولا أحد ينظر إليهما، أحاول أن أبعد عيني عنهما. ثلاثة شباب وفتاة يعلِّقون على أكتافهم آلات موسيقية ويعزفون. أبواب القطار تنفتح وحدها في كل محطة، ويهبط ناس ويصعد ناس، ثم تنغلق الأبواب وحدها. توقَّف القطار في محطة الشانزليزيه فاندفعت بسرعة خارج القطار، صعدت السلالم إلى الشارع، رأيت أمامي قوس النصر الضخم والشارع الفسيح على جانبيه المحلات ذات النوافذ الزجاجية الكبيرة، عيناي تتحركان بلا توقُّف، الوجوه من حولي مشرقة والخطوات مرحة، الملابس أنيقة متعددة الأشكال والألوان، سراويل ضيقة كالقفاز، أثواب قصيرة تكشف عن سيقان ناعمة ملونة، شاب وشابة يسيران متعانقين.

الحرية تتجسد أمامي، حيث لا عيون ولا آذان ولا أنوف تندسُّ أو تتشمم، وَسَرَتْ إليَّ عدوى الحرية، شددت عضلات ظهري ورفعت رأسي وسرت بخطوات منطلقة أحرك ذراعي في الهواء. اشتريت تفاحة حمراء ضخمة ووضعتها بين أسناني، واندفعت مع مجموعة من الشباب نحو مركب للنزهة في نهر السين.

هبطت نحو النهر أجري كما كنت أفعل وأنا طفلة، ثم توقفت لحظة ألتقط أنفاسي، أدركت أنني لم أعد طفلة. وضفاف نهر السين على الجانبين تحوطها الأبنية ذات القباب العجيبة والتماثيل الحجرية منتصبة فوق الجدران كآلهة العصور القديمة قبل ظهور الآلهة السماوية، الأبنية ضخمة ممتدة في الأفق، برج إيفيل عملاق حديدي يبعث في الجسد قشعريرة، هواء بارد يلفح وجهي، قلبي ثقيل وصدري يمتلئ بالرهبة. هذه المدينة أكبر مني، تمتد أكثر مما يمتد بصري، والأسماء فوق الجدران الشاهقة لا أعرفها، عدم المعرفة يسلب المتعة والجمال.

وفي متحف اللوفر كدت أحوطه بذراعي، ملامحه المألوفة ورأسه الضخم، كتفاه العريضتان الصلبتان، أصابعي تتحسس جسده البرونزي اللامع، ويعود إلى أنفي رائحة الصحراء والهرم، السياح الأجانب يرمقونه بعيون زرق مستطلعة، وكلمة «اسفنكس» ترتطم بأذني غريبة، أسمع عندي «أبو الهول»، رقدته في صحراء الجيزة أكثر جمالًا من رقدته هنا في متحف اللوفر، عيناه تلتقطان عيني من بين كل العيون الغريبة، يستشعر الغربة مثلي ويحن إلى العودة، اقتربت منه أكثر، وحوَّطته بذراعي كأنما سأحمله فوق صدري وأعود.

قضيت اليوم أتجوَّل في متحف اللوفر، أمرُّ بين التماثيل واللوحات المتعددة ثم أعود إلى حيث يرقد أبو الهول، بالقرب منه أشعر بالألفة، وأوشك أن أحدثه.

في إحدى القاعات رأيت الناس يتجمعون حولها وهي منتصبة بقوامها الرشيق، «فينوس» إلهة الجمال كما يسمونها، لها ذراع واحدة، أحملق في وجهها لأعرف سر جمالها، ملامحها عادية، إلى جوارها تنتصب الإلهة «أثينا» إلهة الحكمة، عيون الناس منصرفة عنها مع أنها أكثر رشاقة من فينوس وأكثر جمالًا. هل الحكمة في المرأة غير مطلوبة وبالتالي غير جذابة؟

وعند لوحة الجوكندا أو الموناليزا توقفت قليلًا. كانت هي اللوحة الوحيدة التي وُضِعَت داخل إطار زجاجي، وانعكس الضوء على الزجاج، ورأيت صورتي داخل الإطار ولم أرَ الجوكندا، حرَّكت رأسي ناحية اليمين واليسار لأراها دون جدوى، صفوف الناس تقف أمام الجوكندا في خشوع، كلٌّ ينتظر دوره ليراها عن قرب، لكن ما إن يقترب حتى ينعكس الضوء على الزجاج فيرى وجهه ولا يرى وجه الموناليزا، ومع ذلك يستدير تاركًا مكانه لمن وراءه وهو يهتف: عظمة! معجزة!

استدرت مبتعدة عن الجوكندا، كلما ابتعدت أراها أكثر، تشبه العذراء مريم بدون المسيح، رأسها مائل قليلًا في خضوع الأنثى، وابتسامتها فيها حياء القديسة، في أناملها أمومة. ليوناردو دافنشي كان طفلًا محرومًا من الشرعية؛ ولدته أمه بغير أب كما فعلت العذراء مريم، ولم يستطع ليوناردو دافنشي أن يتكلم في المهد ويصبح نبيًّا. لكنه صنع معجزة أخرى؛ أمسك الريشة ورسم أمه كاترينا، وأعطاها اسم الجوكندا، جعل ملامحها مقدسة كأم النبي، الناس يحجُّون إليها من جميع بلاد العالم، ويقفون أمام صورتها في خشوع، أناملها فيها نبض كالحياة، وفي عينيها حركة غريبة تتبعني أينما ذهبت، تنظر إليَّ كما أنظر إليها، وتبتسم لي كما أبتسم لها، مددت يدي كأنما لأمسك يدها، أصابعها تشبه أصابع أمي، مستديرة ومملوءة بالأمومة والفضيلة معًا، خالية من الإثم، في كل حياتي لم أتصور أن أمي عرفت الخطيئة، وأنها أنجبتني بقدرة الله الروحية، حتى بعد أن كبرت وعرفت أن أمي ليست هي العذراء مريم، وبعد أن درست التشريح والطب، ظلت أمي في نظري الأم العذراء لم يمسسها رجل ولا حتى أبي.

مرت ساعة أخرى وأنا لا أزال أحملق في وجه أمي، أدرك بعقلي أنها ماتت ودُفنت في مقابر الغفير قرب جبل المقطم، وأن الوجه الذي أمامي هو وجه الموناليزا، لكن الفاصل بين الماضي والحاضر تلاشى، وشريط حياتي منذ الطفولة يتتابع أمام عيني: الصورة وراء الصورة. كنت وأنا طفلة أحب أبي أكثر من أمي؛ يغيب نصف النهار خارج البيت، ولا يؤنبني مثل أمي حين أخرج بدون إذن، ويدفع لي مصاريف المدرسة، لكن بعد أن كبرت أصبحت أحب أمي أكثر من أبي؛ لا تنام حتى أعود وتُعدَّ لي العشاء وتجلس معي حتى آكل، وفي الليل أحس بها تنهض على أطراف أصابعها وتغطيني.

هل بدأت الفضيلة في العالم بحب الأم قبل معرفة الأب؟ خطوط ليوناردو دافنشي لا تعرف إلا حب الأم، وتحول الحب في الأنامل إلى عبادة، والعبادة تحوَّلت في القلب إلى لذة، لكن الأب المجهول حرَّم حب الأم وجعل العبادة لنفسه.

حملقت في وجوه الناس الواقفة في خشوع أمام الجوكندا، ماذا يبهرهم في خطوط دافنشي؟ وماذا يتحرك في أعماقهم؟ أهي اللذة في أعماق القلب للمحرمات؟ أم هي الكراهية الخفية للمقدسات؟

أستكشف بطرف عيني أعماق الناس. لا أحد ينظر لي، راحوا جميعًا في غيبوبة الفن أو هكذا بدا لي، حتى ذلك القسيس الواقف في خشوع بملابسه المقدسة، يملأ عينيه بسحر الجوكندا وجاذبيتها الآثمة.

•••

سِرْتُ على شاطئ السين أعرض وجهي الساخن للهواء البارد المنعش، الشمس مشرقة والأكشاك الخشبية تعرض اللوحات، والكتب القديمة تذكِّرني بسور الأزبكية. الحياة متألقة تحت الضوء الباهر، الشارع مزدحم بالناس، خطواتهم نشطة مرحة، الفاكهة مرصوصة بعناية فوق الرفوف، والزهور ألوانها متعددة، الناس يجلسون في المقاهي وأمامهم صواني تلمع وفناجين وأكواب تبرق تحت الشمس.

ألمح قباب كنيسة نوتردام، النقوش العتيقة والتماثيل منتصبة تحت الضوء. أمام الباب الضخم رجل يبيع النباتات العطرية الجافة داخل أكياس من القماش. قال بالفرنسية: ثمن الكيس عشرة فرنكات، وتعيش الرائحة لمدة عام. إلى جواره رجل يبيع البالونات الملونة. السياح من مختلف البلاد يملئون المكان، بعضهم افترش الأرض وجلس يأكل ويشرب البيرة من علب مثلجة. شاب وشابة يرقدان على دكة خشبية ويتعانقان تحت الشمس.

البهو الواسع داخل الكنيسة رطب مظلم، أضواء الشموع تُشيع في الجو رهبة سماوية غامضة لها رائحة كالدخان أو الشمع المحترق. الناس يسيرون بخشوع نحو الهيكل، صورة العذراء مريم تحتضن المسيح، الناس يتأملونها كأنما الجوكندا، الصليب يتدلَّى منه الجسد المقدس، امرأة عجوز راكعة على دكة خشبية ترسم على صدرها علامة الصليب، امرأة أخرى راكعة في الطرف الآخر من الدكة، امرأة ثالثة تقترب من الصليب وتلمسه بيدها ثم تمسح وجهها بيديها، يداها معروقتان وحركتها تشبه حركة جدتي مبروكة، والبهو المقدس المعتم له رائحة رطبة تشبه رائحة سيدنا الحسين في طنطا. كنت لا أزال طفلة وارتبطت في ذهني الرطوبة والعتمة بالأمكنة المقدسة والأيادي المعروقة والوجوه المليئة بالتجاعيد والجلاليب السود والعيون الذابلة المتغضنة تعوم في الحزن، والأغلبية نساء فقيرات. لماذا يخاف النساء والفقراء عقاب الآلهة أكثر من غيرهم؟

رفعت رأسي نحو الهيكل، رجل وامرأة راكعان على ركبتيهما أمام الإله المقدس، الرجل خاشع والمرأة خاشعة، لكن خشوع المرأة أشد، رأسها مطرق وعيناها الاثنتان مغلقتان، لكن الرجل يغمض عينًا ويفتح عينًا، ويرمقني وأنا واقفة بطرف عين.

ضوء الشموع يملأ البهو بالأشباح، رائحة غريبة كرائحة الموت، وظلال الأجساد تصنع فوق الأرض هياكل سوداء، رجل عجوز له لحية طويلة بيضاء يتمتم وفي يده الكتاب، عيناه صغيرتان غائرتان من تحت النظارة البيضاء، جفونه مسدلة تنفتح بحركة سريعة منتظمة كحركة جفون عمي الشيخ عبد الحميد. كان الأخ الأصغر غير الشقيق لجدتي مبروكة، من بين ثلاثة عشر أخًا غير شقيق من زوجات أبيها الأربعة، وكان يجلس في صحن الدار وفي حجره القرآن يتمتم بصوت خافت، وجفونه مسدلة تنفتح وتنغلق بحركة سريعة كحركة رأسه، وحبات المسبحة الصفراء بين يديه لا تكفُّ، وطرقعة شباشب زوجاته الثلاث، وأصواتهن الحادة يتشاجرن حتى غروب الشمس، ثم ترقد كل واحدة منهن في غرفتها، ويدخل هو إلى غرفة زوجته الأولى ليلة السبت، ثم يستريح ليلة الأحد، ويدخل إلى غرفة زوجته الثانية ليلة الإثنين. أما زوجته الثالثة وهي الصغرى فتحظى بليلتَي: الثلاثاء والأربعاء، ثم يستريح ليلة الخميس.

وتهمس زوجته الأولى في أذني قائلة: عمك سيذهب إلى جهنم. لا يوزع بالعدل ليالي الأسبوع.

ولم أكن أفهم ماذا تعني. كنت لا أزال طفلة، ولا أعرف إلا أن في الأسبوع سبع ليال، وعمي الشيخ يعطي زوجاته أربع ليالي، ويستريح ليلتين، فأين هي الليلة السابعة؟

وسألته ذات يوم وهو جالس في صحن الدار يقرأ القرآن، وقال لي: ليلة الجمعة أعطيها لله؛ فهي ليلة مباركة.

في غرفتي الصغيرة بشارع سان جرمان تمددت على السرير، أغمضت عيني ثم فتحتهما، خُيِّلَ إليَّ أنني وُلِدت في هذه الغرفة، وفيها أموت، ولم أعرف مكانًا غيرها، حركت رأسي ورأيت حقيبة السفر فوق المنضدة، يتدلى من مقبضها ورقة صغيرة نصفها أحمر ونصفها أبيض كُتب عليها بالفرنسية: باريس، أتذكَّر بدهشة أنني في باريس، وتبدو لي هذه الحقيبة غريبة شبه مستحيلة، الغرفة لا تختلف كثيرًا عن أي غرفة أخرى، دولاب وسرير ونافذة مغلقة، وتعود عيناي تتلمسان الحقيبة بورقتها نصف الحمراء لأتأكد أنني جئت إلى باريس.

ارتديت ملابسي وخرجت إلى الشارع، أملأ صدري بهواء رطب منعش وأشعة الشمس سقطت على وجهي، ومن حولي الضوء الساطع، والوجوه المرحة، ومياه نهر السين تهتز تحت الشمس كملايين الأسماك الفضية، على المقاعد الخشبية شباب وشابات يتعانقون، وفي حديقة اللوكسمبورج أطفال يمرحون ويلعبون. وشعرت بالجوع فجأة، فاشتريت رغيفًا طويلًا دسست فيه شرائح الجبن والمورتاديلا، وجلست على مقعد خشبي تحت الشجر أمضغ الطعام ببطء، وأراقب الشمس وهي تغرب.

مهرجان من الألوان والأضواء والناس سائرون على الأقدام أو جالسون على المقاهي يشربون ويأكلون ويتحدثون، أوراق الشجر تلمع وتهتز، السماء تبرق بالأنوار، مياه نهر السين تتراقص تحت اللمبات الملونة، نسمة الهواء باردة منعشة خالية من التراب، الوجوه نضرة تبدو عليها الراحة، المقاهي والمطاعم أنيقة تسبح في الضوء، أعمدة الأبنية ضخمة تزينها التماثيل، قباب الكنائس والقصور، الحدائق ومساحات الخضرة، الشوارع نظيفة لامعة، الملابس أنيقة متعددة الألوان والأشكال، النساء تمشي ببساطة وحرية وتلقائية. لا أحد ينظر إلى أحد، ولا رجل يعاكس امرأة، الأتوبيس يقف في المحطة والناس تهبط وتصعد في صفوف منتظمة. لا أحد يدفع أحدًا من الخلف. لا يجري أحد وراء الأتوبيس، ولا يصعد أحد فوق ظهر الأتوبيس، أو يركب على السلَّم، وليس هناك رجل يلتصق بامرأة من الخلف، وليس هناك كمساري ينضغط بين أجساد الناس ويدق على صندوقه الخشبي المعلَّق على كتفه مناديًا: تذاكر! تذاكر!

كنت أرقبه قبل أن يصل إليَّ وهو يشق الطريق بين الركاب، فإذا ما أصبح بينه وبيني مسافة ذراع هبطت بسرعة من الأتوبيس، ولم تكن ذراعه تطولني، مرة واحدة هبط ورائي بسرعة، وجعلني أدفع التذكرة، ولم يكن ثمن التذكرة حينئذٍ إلا عشرة مليمات. لكنها كانت تبدو لي وأنا طفلة كأنها عشرة جنيهات.

•••

أمامي فنجان القهوة باللبن، وأنا جالسة على الرصيف في ذلك المقهى المواجه لحديقة اللوكسمبورج، العالم كله يمر أمام عيني كالنهر المتدفق، وجوه من جميع أنحاء العالم وجميع اللغات واللهجات.

أمدد ساقي في ارتخاء وأرتشف القهوة ببطء ولذة، منذ الزيارة الأولى لباريس وأنا أحب الجلوس في المقاهي على الرصيف، وفي الزيارات الأخرى ظل مقعدي الصغير في المقهى هو مكاني المفضل، والحي اللاتيني هو أجمل الأحياء، وغرفتي في ذلك الفندق الصغير الأنيق في بوليفار سان جرمان، والمكتبات والمسارح ودور السينما الصغيرة، حيث أجلس في المقعد الدافئ المريح وأمدد ساقي وأتابع المشاهد لأي مؤلف في العالم: من شكسبير وأبسن المريح وبرنارد شو وتشيكوف إلى موليير وسارتر وجان جينيه.

لا زلت أجلس في المقهى، الساعة الثالثة وأمامي ساعتان حتى أذهب إلى المطار لأغادر باريس، الشمس ناعمة كالقطيفة، دقات الكعوب فوق الأرض مرحة نشطة.

ضحكة تنطلق من حين إلى حين ثم تذوب في الهواء، شاب يجلس إلى جواري يقرأ في كتاب ويرشف البيرة، رجل عجوز داخل معطف صوفي يحملق في الشارع ويمص القهوة من فنجان ملون، امرأتان تسيران متعانقتين تضحكان بصوت عالٍ وتقفزان لحظة في الهواء ثم تواصلان السير، أوراق الشجر تهتز مع الهواء وتلمع تحت أشعة الشمس، ومن خلال سور الحديقة أرى أحواض الزهور متعددة الألوان والأشكال.

الساعة الثالثة والربع ولا أزال أمامي الوقت، طلبت كوبًا كبيرًا من البيرة وشرائح رقيقة من البطاطس المحمرة، رائحة البيرة وملمسها المثلج في جوفي يملؤني بالانتعاش، أترك جسمي يسترخي أكثر في المقعد، وأغمض عيني، أشعة الشمس أحسها دافئة فوق جفني أفتح عيني فجأة باندهاش: أين أنا؟ وأدرك أنني جالسة في المقعد على رصيف المقهى، جالسة وحدي وأمامي كوب ضخم من البيرة، والناس تمر، والرجال يمرون، ولا أحد يقذفني بكلمة أو يرمقني بنظرة.

لم أستمتع بجلسة في مقاهي الوطن؛ فالمقاهي في بلادنا للرجال، يجلسون على المقاعد، ويرمقون النساء السائرات، من الأمام ومن الخلف، من الرأس حتى الصدر، ثم تدور عيونهم لتفحص السيقان من الخلف والردفين.

وفي يوم جلست في المقهى المواجه لوزارة المالية في ميدان لاظوغلي. كانت لي بعض الأوراق في الوزارة وتأخر الموظف المسئول، وقررت انتظاره في المقهى، طلبت كوبًا من الشاي وجلست، لكن عيون الرجال ظلت ترمقني، من داخل المقهى وخارجه، ثم اقترب مني رجل وجلس إلى المنضدة المجاورة لي وهمس ببضع كلمات لم أسمعها، وسألته بدهشة: ماذا تريد؟

لم أكن أعرف حينئذٍ أن مثل هذا السؤال يعد في نظر الرجال قبولًا لفتح الحوار أو على الأقل عدم الرفض، فإذا به ينتقل بسرعة إلى المقعد المجاور لي ويقول بصوت لزج: تشرب إيه يا جميل؟ ولم أستطع التخلص منه إلا حين رفعت صوتي الغاضب عاليًا، وبدأ الرجال الجالسون في المقهى يضحكون ويقهقهون، ووجدتني أترك الكوب دون أن أكمله وخرجت مسرعة من المقهى والعيون تلاحقني ومعها النكات والقفشات النابية.

ولم يكن في إمكاني التنزه على شاطئ النيل دون أن يتبعني رجل يهمس بصوت قبيح كالفحيح، أو يرفع يده ويلمس ذراعي أو صدري حين يكون الطريق خاليًا من المارة.

ولم أعد أجلس في المقاهي أو أتنزه على الشاطئ، وأدركت أن المرأة ليس لها مكان للنزهة في بلادنا إلا إذا سار إلى جوارها زوج أو أخ أو أي رجل آخر.

إن وجود الرجل الآخر إلى جوارها يعني على الفور أنها ليست وحيدة، وأن هناك رجلًا يملكها، وليس للرجال الآخرين أن يعتدوا على امرأة مملوكة لرجل آخر.

أما المرأة الوحيدة فهي غير مملوكة لأحد؛ وبالتالي تصبح في نظر الرجال ملكية عامة وليست ملكية خاصة، والاعتداء عليها غير ممنوع، سواء بالنظر أو اللمس.

اختفت الشمس وراء سحابة رمادية، وهبَّ هواء بارد. لا زال أمامي ساعة، ويمكنني السير حتى محطة المترو، معي حقيبة صغيرة أجرها خلفي على عجلتين. لا أحمل معي ملابس كثيرة في السفر، أغسل ملابسي بيدي، وأعلِّقها في الحمام على الشماعات، وفي الصباح أجدها جافة.

ظهرت الشمس مرة أخرى، وامتلأ الكون بالدفء وتلاشى اللون الرمادي، سرت بحذاء سور حديقة اللوكسمبورج، ولم أهبط إلى محطة المترو. لا زلت راغبة في السير. وقد أسير حتى ميدان «البورت مايو» وآخذ الأتوبيس من هناك للمطار، السير في شوارع باريس له متعة، لكن هل يكفي الوقت؟ ونظرت في ساعتي وجدتها متوقفة.

وسألت فتاة من المارة: «كم الساعة الآن؟» كانت تسير بخطوات مسرعة، وتعلِّق على كتفها حقيبة جلدية تطل منها بعض الكتب والكشاكيل، طويلة نحيلة، ترتدي حذاء كاوتش وبنطلونًا أسود وسترة صوفية بيضاء، توقفت عن السير ونظرت في ساعتها بسرعة ثم قالت: الساعة الرابعة إلا ربعًا. وقلت: أشكرك.

رفعت وجهها نحوي ورأيت الزرقة اللامعة في عينيها، شاهدتها تبتسم وتنظر إليَّ ثم سمعتها تقول قبل أن تمضي في طريقها بسرعة: «فوزت بيل مدام» (أنتِ جميلة يا سيدتي).

قبل أن تدرك أذناي كلماتها كانت هي قد اختفت، واستدرت ورائي، فلم أرَ إلا ظهرها وهي تسير بسرعة ونشاط، ظَهْر مستقيم داخل السترة الصوفية البيضاء وجسم ممشوق وخطوات خفيفة سريعة فوق الأرض.

وظل صدى صوتها في أذني: أنتِ جميلة يا سيدتي. وفي الأتوبيس إلى المطار ظل الصوت، وعادت إليَّ صورتها، الزرقة اللامعة في عينيها وهي تبتسم، ظهرها المستقيم وخطواتها السريعة النشطة، صوتها والحروف كما نطقتها الحرف وراء الحرف «أنتِ جميلة يا سيدتي»، وحركة شفتيها السريعة النشطة كحركة قدميها فوق الأرض.

وفي الطائرة جلست وربطت حزام المقعد، طغى صوت الطائرة على صوتها، فلم أعد أسمعه، لكن بعد الإقلاع فككت الحزام من حولي وسرت في الممر حتى مؤخرة الطائرة، ووقفت أطلُّ على باريس من النافذة الخلفية، الأنوار كعناقيد اللؤلؤ فوق مربعات حمراء، ومن فوق الأنوار زرقة لامعة، ونظرت إلى وجهي في المرآة المعلقة فوق الحوض، كأنما وجه جديد يطل عليَّ، الملامح تشبه ملامحي القديمة لكنها أصبحت كالملامح الجديدة، البشرة تتألق بلون أكثر حمرة، العينان أكثر اتساعًا، و«النني» الأسود أشد بريقًا، وهمست للمرآة: أنتِ جميلة يا سيدتي.

وسمعت صوتي بأذني: أنتِ جميلة يا سيدتي. لأول مرة أقولها لنفسي بصوت عالٍ، كنت أهمس بها بلا صوت حتى لا يسمعني أحد، فلم يكن هناك أحد في الوطن يرى أنني جميلة إلا أنا، ولم أعرف لماذا؟ لكن مقاييس الجمال لم تكن تنطبق عليَّ، وفي أعماقي كانت لي مقاييس أخرى، وبيني وبين نفسي أدرك أن هذه المقاييس تنطبق عليَّ، إدراك فطري نابع من أعماقي وليس له دليل في العالم الخارجي، ومع ذلك فهو إدراك كامل يشبه اليقين، أو هو اليقين ذاته.

إلا أن اليقين يشوبه الشك؛ فلا أحد من حولي يقول لي، ومنذ الطفولة لم أسمع أحدًا يقول لي: أنتِ جميلة. لا أبي ولا أمي، وجدتي آمنة كانت تمصمص شفتيها في حسرة وتقول إنني ورثت بشرة أبي السمراء، وجدتي مبروكة ترمق أسناني الأمامية البارزة وتمط بوزها قائلة: «ورثتِ الضب عن أمك.» وفي المدرسة حين تغضب مني البنات يقلن لي: إنني طويلة ونحيفة مثل عمود السواري.

ولم تكن أمي تعتبر قامتي الطويلة عيبًا. لكنها كانت ترى أختي الأصغر أجمل مني؛ لأنها ورثت بشرتها البيضاء وشعرها الناعم.

لم يكن شعري خشنًا. لكنه ناعم أيضًا، وكانت فيه تموجات طبيعية، لكن خالتي كانت تراه خشنًا، وتأخذني معها إلى الحلاق ليكوي شعري بالمكواة الحديدية بعد أن يحميها على النار، وأشم في أنفي رائحة احتراق الشعر، وأختنق بالشياط والدخان، وأشد رأسي بين يدي الحلاق فتلسع المكواة أذني أو طرف أنفي.

وحين يدب الخلاف بين خالتي وعمتي تتهمني خالتي بأن شعري أكرت وبشرتي سوداء مثل جدود أبي. أما عمتي فكانت تقول إن «الضب» جاءني من جدود أمي.

واشترت لي خالتي علبة بودرة بيضاء أخفي بها بشرتي السمراء، وعمتي كانت تنصحني بألا أفتح فمي وأنا أضحك. أما القامة الطويلة فلم يكن لها من علاج إلا أن أسير بظهرٍ محنيٍّ.

وشددت عضلات ظهري وعنقي حتى ارتطم رأسي بسقف الطائرة المنخفض، وغسلت وجهي بماء الكولونيا لأفتح مسام البشرة وأطهرها من آثار المساحيق.

وفي كل مرة أرفع رأسي نحو المرآة في الطائرة أرى وجهي أجمل، وفي كل رحلة خارج الوطن كنت أندهش.

وجهي دائمًا يبدو أجمل في مرايا الطائرات عنه في المرايا في بيتي أو أي مرايا أخرى في الوطن كنت. ولم أعرف هل كانت ملامحي تتغير بمجرد اختراق الحدود، أم أن نوع المرايا في الطائرات كان أجود؟

•••

بعد باريس حملتني الطائرة إلى لندن، ثم ركبت القطار إلى بانجور في مقاطعة ويلز، ومن هناك ركبت الباخرة إلى دبلن عاصمة أيرلندا.

وأصبحت أنتقل من بلد إلى بلد بسهولة أكثر، وكلما اتجهت نحو الشمال وهنت الشمس وتكاثفت السحب واشتدت برودة الهواء، ثم هطلت الأمطار كالسيل، والسحب بعد المطر تتباعد قليلًا، وتظهر الشمس مرة أخرى. لكنها ليست كالشمس في مصر.

وكنت أظن أن الشمس لا تشرق إلا في مصر، لكن السفر في البلاد جعلني أرى شموسًا مختلفة عن الشمس عندنا؛ فالشمس كنت أراها ساطعة دائمًا في الصيف والشتاء، وفي الربيع والخريف، ضوءُها لا يكاد يتغير طول العام، ضوء ساطع قوي يجعل الأشياء تحت عيني مسطحة أو ذات سطح واحد، كالأرض المستوية بلا ارتفاع وبلا عمق، مساحات أفقية ممدودة كالصحراء الساطعة، وشدة السطوع تجعل الأشياء بيضاء أو سوداء وتختفي الألوان الأخرى والظلال.

لكن الأرض هنا لها ارتفاعات وانخفاضات، استدارات غريبة، منحنيات عميقة، والجبال تُلقي الظلال المتعددة على الأرض والأنهار والتلال الخضراء، والمطر ينهمر من السماء كقطع صغيرة من الثلج الأبيض الشفاف عكس الأضواء كمثلثات من البلَّور الدقيقة أو شظايا المرايا متعددة الزوايا، وأشعة الشمس سريعة التغير، وألوان السماء تتبدل في اللحظة الواحدة ما بين الرمادي والأرجواني مرورًا بألوان الطيف السبعة، والغابات كثيفة الخضرة، واللون الأخضر له كثافة تُرى بالعين كطبقات متراكمة متعددة الألوان داخل اللون الأخضر الواحد، والهواء أيضًا سريع التغير ما بين برودة الشتاء القارص ودفء الربيع الناعم في اللحظة الواحدة، وحركة السحب واتجاه الريح ورائحة الهواء ولون السماء والأرض كلها في تغير دائم، والدنيا متعددة الأبعاد وكأنها ليست دنيا واحدة.

عيناي تدوران حولي، أو ربما أدور حول نفسي، ولا أعرف هل أنا أدور أم الدنيا هي التي تدور.

عيناي لم تتعودا بعد على كل هذه الأبعاد المتعددة للشيء الواحد. كنت أرى الشيء واضحًا، والدنيا مكشوفة أمامي في خط مستقيم أرى بدايتها ونهايتها في آن واحد.

وعلى أحد تلال ويلز الخضراء رأيت فوق العشب رجلًا عجوزًا راقدًا يرتدي سترة قديمة وفي الأكمام ثقوب، وسمعت الشباب يقولون إنه السير برتراند راسل، واتسعت عيناي بدهشة، كنت أرى المشهورين في بلادنا يرتدون ملابس ذات قماش جديد يلمع تحت الضوء الساطع، ليس في أكمامهم ثقوب ولا يرقدون على الأرض.

وفي أحد شوارع بانجور رأيت امرأة داخل سيارة ترتدي حُلَّةً خضراء وإلى جوارها رجل، وسمعت أحد المارة يقول إنها الملكة إليزابيث، ورأيت المارة يقفون وينظرون نحوها، لا تصفيق ولا هتاف، ثم واصلوا السير، ومرت سيارة الملكة بهدوء، ومن خلفها سيارة أخرى، وانتهى الموكب دون أن يتغير شيء في الدنيا.

لا صفارات ولا سيارات بوليس تزأر لتُخْلِي الشوارع من الناس، لا موتوسيكلات تجري وتعوي كالدبابير المجنونة وتمنع المرور، لا طوابير العساكر الممدودة بطول الشارع ووجوههم للجدار رافعين بنادقهم، لا حشود بشرية تُعَبَّأُ في العربات اللوري لتُفْرِغَ فوق الأرصفة حناجر تدوِّي بالتصفيق والهتاف.

حركت رأسي من حولي باندهاش، مر الموكب دون أن يتغير شيء في الدنيا. أهي دنيا غير الدنيا؟ أم أن دنيانا هي التي غير الدنيا؟

واكتشفت أن الدنيا في بلاد العالم يمكن أن تختلف عن دنيانا، وطبائع الناس أيضًا تختلف، لكن هذا الاكتشاف لم يساعدني على رؤية الأوطان الأخرى وسكانها لأول مرة فحسب، ولكني رأيت وطني والناس في الوطن لأول مرة أيضًا.

وبدأت أدرك أن السفر خارج الوطن ضروري، ليس فقط لأعرف البلاد الأخرى وأهلها، وإنما لأعرف مَنْ أنا ومَنْ نحن؟ فإن معرفة النفس لا تتحقق إلا في ضوء معرفة الآخرين.

وأصبحت كلما أسافر ثم أعود إلى الوطن ترتطم عيناي أول ما ترتطم بتلك الصورة الضخمة فوق الجدران، وعلى أقواس النصر في الميادين، وفوق أعمدة النور في الشوارع، داخل إطارها المُذهب، تحوطها الأعلام ولمبات كهربية، تطارد الإنسان منا أينما ذهب، تطل عليه من فوق مكتبه، ومن فوق مائدة الأكل في أي مطعم، ومن فوق فنجان القهوة في أي مقهًى، ومن فوق سريره وهو نائم إلى جوار زوجته: صورة حاكم مصر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠