الفصل العاشر

جزيرة العبيد على الساحل الغربي

كان عملي بالأمم المتحدة يقتضي السفر الدائم، مؤتمرات دولية واجتماعات إقليمية ومشروعات للتنمية في بلاد العالم الثالث، وعلى رأسها البلاد الأفريقية، وفي كل رحلة من الرحلات أحلِّق فوق سماء مصر وأنا متجهة إلى أديس أبابا إلى الشمال أو الشرق أو الغرب أو الجنوب، واكتشفت أن الانتقال من بلد أفريقي إلى بلد أفريقي آخر لا بد وأن يمرَّ بإحدى العواصم الأوروبية، ولكي أصل من أديس أبابا إلى السنغال أو النيجر وساحل العاج لا بد أن أطير شمالًا إلى القاهرة، ثم أجتاز البحر الأبيض المتوسط إلى باريس، ومن باريس أركب الطائرة إلى داكار.

ولأول مرة أدرك أن بلادنا الأفريقية لم تستقلَّ بعدُ، وأن هناك حبلًا سُرِّيًّا ما زال يربط بين أفريقيا والاستعمار.

أنتقل من الطائرة الأفريقية فوق الأرض الأفريقية لأركب الطائرة الفرنسية أو الإنجليزية فوق أرض أوروبا التي تنقلني إلى الطائرة الأفريقية فوق الأرض الأفريقية مرة أخرى.

كأنما أدور حول العالم وحول نفسي لأعود إلى النقطة ذاتها التي بدأت منها أو إلى نقطة قريبة منها.

وأشعر بالمهانة؛ لا تزال بلادنا الأفريقية عاجزة عن الاتصال بعضها بالبعض دون وسيط من البلاد الاستعمارية.

وتزداد المهانة حين أرى المضيفة الأفريقية السوداء تنحني باحترام لكل من ارتدى بشرة بيضاء ورطن بلغة أجنبية، وعلى وجهها ابتسامة، وأنا أناديها فلا تسمعني وكأنها صماء.

لكن الإحساس بالمهانة يتبدد وأنا محلِّقة فوق السحاب، فوق الأرض والجبال، فوق الجغرافيا والتاريخ، وفوق حدود البلاد التي صنعها الاستعمار.

وحين تدخل الطائرة إلى سماء مصر أشعر بالسعادة، وأدرك أن الاستعمار لا يخلو من فائدة؛ فأنا أمرُّ بالقاهرة في كل رحلة داخل أفريقيا طالما أن أفريقيا لا تسافر إلى أفريقيا إلا بعد اجتياز البحر الأبيض المتوسط والهبوط على أرض أوروبية.

أحملق من الجو على أرض الوطن، تحت ضلوعي دقات قلب محسوسة، وعينان تخترقان السحاب، تبحثان عن الأرض الصلبة في مساحة هائلة من الهيولة الذائبة في الكون، وحين ترسو عيناي على الأرض السوداء تشتد تحت ضلوعي الخفقات، وفي الظلمة السوداء تتعلَّق عيناي بضوء خافت، هذا الضوء هو مصباحي بجوار سريري ورف الكتب، وأوراقي، عينا طفلي من فوق الوسادة الصغيرة تتسعان بالدهشة وتتعلقان بالطائرة.

لحظة العناق تنقطع فجأة، ولحظة الفراق تمتد إلى الأبد، وفي شوارع القاهرة أمشي كالغريبة. لا زالت صورة السادات معلقة فوق كل جدار، تحتل المساحة بين السماء والأرض، ومن حولها الشجر أصابه الشحوب، ونهر النيل يقاوم الامتداد إلى تل أبيب، ووجوه الناس شاحبة كالأرض، وأصواتهم مخنوقة كالعبيد.

حملت حقيبتي وخرجت من بيتي الصغير في الجيزة دون أن أغسل وجهي، شقتي في الدور الخامس، ولم تعد مواسير المياه تحمل الماء، ركبت سيارة الليموزين متجهة إلى المطار، اجتزنا كوبري الجيزة، وفاحت رائحة الجلود الميتة قرب المدافن حيث المدينة الجديدة، يسمونها مدينة النوتي، ومليونان من البشر يعيشون فيها وينامون في القبور.

سيارة الليموزين سوداء أنيقة من النوع المرسيدس، شركات السياحة الجديدة تشتغل بكفاءة عالية لخدمة السياح الأجانب، السائق المصري يرتدي قبعة ويتحدث في جهاز لا سلكي، أخذ مني ضِعْف الأجر بقشيشًا ورمقني بنظرة ازدراء حين نطقت بالعربية.

على باب المطار كان الزحام شديدًا، أحد حراس الأبواب يسب امرأة فلاحة تجر ثلاثة أطفال، يُلْقِي بجواز سفرها الأخضر على الأرض ويبصق، النسر ذو الجناحين تغطيه البصقة، مددت يدي بجواز السفر الأزرق وتمتمت ببعض كلمات إنجليزية، انحنى مبتسمًا وأفسح لي الطريق.

جلست في مطار القاهرة أحملق في الفراغ وفي جوفي مرارة، أصبحت أتكلم الإنجليزية في بلدي ليفسح لي الطريق وأنال الاحترام، أشعر بالغربة في وطني، وخارج الوطن أيضًا أشعر بالغربة، لا زلنا نعيش عصر العبيد.

دوَّى في أذني صوت حادٌّ كالصرخة أو زغرودة طويلة ممدودة، فتاة مصرية ترتدي فستان الزفاف الأبيض، تتعثر في ذيل فستانها الطويل، وعلى جبهتها حبات عرق، تسير نحو الطائرة السعودية في وجل وفي جيبها صورة عريس جاءتها بالبريد، وشيك على البنك في جيب أبيها، من الطائرة نفسها يهبط جثمان فلاح مصري داخل صندوق خشبي، وفي جيبه الداخلي صورة أمه ورزمة دنانير، الزغاريد الحادة الممطوطة تختلط بأصوات النواح والعويل، وعلى أرض المطار يرقد الفلاحون المصريون صفوفًا، تحت الرأس قفة أو حقيبة مربوطة بالحبال، ومن فوقها الاسم والعنوان بحروف عربية متعرجة.

لأول مرة في تاريخ مصر يهاجر الفلاح بحثًا عن لقمة العيش، سنوات السادات جلبت للوطن الأجانب والإسرائيليين وطردت الوطنيين، حتى الفلاحون تركوا الأرض في القرى لتبور، وشركات أجنبية حوَّلت الأرض الزراعية إلى مكاتب بالأسمنت المسلح، والموز الإسرائيلي طرد الموز المصري من السوق، والشامبو الأمريكي اكتسح واختفى الصابون النابلسي، وغرق الناس في العرق يجرون بغير استحمام وراء الرغيف.

المقاعد في مطار القاهرة أصبحت من البلاستيك وطُلِيَت بلون برتقالي، عمال النظافة في المطار يرتدون بدلًا أجنبية، يكنسون الأرض وعلى ظهورهم عُلِّقَت حروف إنجليزية.

خُيِّلَ إليَّ أنني في مطار آخر غير القاهرة، وأن هؤلاء العاملات والعمال ليسوا مصريين وإنما إنجليز أو أمريكيون من ذوي البشرة السمراء، ربما استوردت حكومة السادات رجالًا ونساءً لعملية كنس الأرض، ولم أكن رأيت من قبل رجلًا إنجليزيًّا أو أمريكيًّا يأتي ليكنس الأرض في بلد من بلادنا أو ما يسمونها البلاد المتخلفة أو العالم الثالث … العكس هو الذي كنت أراه، وهو أن يذهب شبابنا لكنس شوارع العالم الأول.

المفروض أن يكنس كل بلد أرضه سواء كان في العالم الأول أو الثالث، والمفروض أن ينظف كل إنسان نفسه وبيته سواء كان حاكمًا أو محكومًا، رجلًا أو امرأة، أبيض أو أسود، فليس هناك امتهان للإنسان أكثر من أن يغسل الملابس الداخلية لإنسان آخر وإن كان هذا الإنسان الآخر هو الملك أو الإمبراطور.

وأخذت أتأمل الحروف الإنجليزية فوق ظهور الكناسين في المطار بدهشة، وازدادت دهشتي حين علمت من أحدهم أنه ليس إنجليزيًّا ولا أمريكيًّا وإنما مصري صعيدي استأجرته شركة إنجليزية أصبحت هي المتولية تنظيف مطار القاهرة.

ويمكن لعقلي أن يتصور أن الحكومة قد تستعين بالخبرة الأجنبية في مجال علمي عويص أو في حل مشكلة تكنولوجية مستعصية، ولكن أن تستعين بشركة إنجليزية لكنس أرض مطارنا فلم يخطر ببالي أو خيالي.

ولكن هذا هو ما أوصلنا إليه حكم السادات، وبعد أن كنا بصدد التصنيع الثقيل أصبحنا نعجز عن كنس مطارنا بأنفسنا، أو أننا نكنسه بأيدينا تحت إدارة وإشراف إنجليزي، وكأنما نعلن على الملأ أننا لا نملك إلا سواعدنا، ونحتاج دائمًا إلى عقل آخر غير عقلنا كي يشغلنا ويديرنا.

وتذكرت فقرة قرأتها في إحدى الصحف في نوفمبر ١٩٧٧ بعد زيارة السادات لإسرائيل، وهي لمناحم بيجين قال فيها: إن العلاقات الطيبة التي يمكن أن تنشأ بين مصر وإسرائيل سوف تساعد على أن يستفيد كل بلد بإمكانيات البلد الآخر، وإسرائيل فيها العقل، ومصر فيها الأيدي العاملة، وبتعاون الاثنين معًا: العقل الإسرائيلي والسواعد المصرية، سوف يزدهر الكون.

ولا بد أن بيجين كان يعني بالكون الإسرائيلي!

والغريب أنني رأيت المنظر نفسه في مطار جدة، ورأيت العمال السعوديين يكنسون مطار جدة وقد علَّق الواحد منهم على ظهره لافتة حروفها إنجليزية أو أمريكية.

والأغرب من هذا أنني لم أرَ هذه اللافتة على ظهور الكناسين في مطار دار السلام أو عدن أو داكار أو نيودلهي أو كولومبوا أو حتى زنجبار جزيرة العبيد …

•••

الطائرة الفرنسية تنقلني من باريس إلى داكار، أحملق من الجو على مضيق جبل طارق، المضيفة الفرنسية الشقراء تضع أمامي صينية الأكل وزجاجة النبيذ، ودفترًا بأنواع الموسيقى، وسماعات صغيرة أضعها في أذني وأحرك بطرف أصابعي «زرًّا» مثبتًا في المقعد، وأسمع بيتهوفن أو شوبان أو موزار، أحرِّك طرف أصبعي قليلًا فوق «الزر» فتتغير القناة، وأسمع موسيقى الجاز، اثنتا عشرة قناة مختلفة تنقل إليَّ وأنا في الجو اثنا عشر نوعًا من الموسيقى، ابتداءً من السيمفونيات الكلاسيكية إلى رقصة الكونجو في أفريقيا.

على الشاشة أمامي يُعْرَض فيلم أمريكي «الحب والجريمة»؛ طلقات الرصاص والخيول تقفز فوق جبال واغتصاب جنسي لفتاة زنجية.

أنام ثم أصحو على صوت المضيفة يعلن بالفرنسية أننا نهبط في داكار، شمس حارقة، وتراب ورائحة العرق، وأجساد راقدة على الأرض، حملتني سيارة الأمم المتحدة إلى الفندق الضخم المطل على البحر، وحول أطباق اللحم المشوي وكئوس النبيذ المثلج جلست وسط خبراء الأمم المتحدة وفي جيب كل خبير مشروع جديد للتنمية.

منذ عملت بالأمم المتحدة وأنا أشهد هؤلاء الخبراء الدوليين. لم أكن أعرفهم على حقيقتهم، وكانت كلمة «خبير» حين ترنُّ في أذني تصيبني بالرهبة.

كنت لا أزال أعمل بالحكومة، وما إن يأتي أحد من هؤلاء الخبراء لمقابلة الوزير حتى ترتعد فرائص الوزارة كلها، وتنتقل إليَّ الرعدة بالعدوى، وأجلس أمام «الخبير الدولي» منكمشة في مقعدي مرهفة الأذنين، أخشى أن تفوتني كلمة أو درة من تلك الدرر التي يمكن أن تتساقط من فمه. وكنت أتهم نفسي بالغباء حين لا أفهم شيئًا مما يقوله الخبير الدولي، أو لا أعرف الصلة بين ما يقوله وبين مشكلة الجوع في مصر أو الهند، والتي تخصص فيها وهو يعيش في نيويورك أو باريس ويتغذى غذاءً كاملًا، وحين يزور مصر أو الهند ينزل في فندق هيلتون أو مينا هاوس. إلى أن أتاح الله لي الفرصة الكاملة لمعرفة هؤلاء الخبراء العالميين في اجتماعاتهم ومؤتمراتهم الدولية والتي فيها يمرحون ويسرحون ويسيحون بالعالم الثالث، وكل همهم هو أن يحلُّوا لنا نحن الفقراء مشكلة الجوع، وفي كل مؤتمر أحضره أندهش لهذا الكم الهائل من حفلات العشاء والكوكتيل، وهذا الحماس النادر لمشكلة الجوع من فوق الأطباق المملوءة باللحم والدجاج.

لم أكن أحضر الحفلات، ولا أتزين أو أرتدي الملابس الأنيقة كالخبيرات الدوليات، وهيئتي كانت تتخذ دائمًا شكل امرأة من فقراء العالم الثالث، فإذا بخبراء الأمم المتحدة يندهشون ويعتبرون وجودي بينهم كالشيء النشاز.

لكن حديثهم يفيض حبًّا للفقر والفقراء، ولا يكفون عن الحديث عن الجوع في اجتماعاتهم وحفلاتهم وأوراقهم وبحوثهم، وما إن يرون جائعًا أو فقيرًا حتى يتأففوا.

وكنت أجلس بين هؤلاء الخبراء أتأملهم وأسمعهم كموظفي الحكومة، لهم شكل واحد ولهم طريقة واحدة في النطق، وفي حركة الشفاه والعينين واليدين، بل إن شكل حقائبهم واحد ونوعها واحد (من السامسونايت) والأوراق داخلها أيضًا شكلها واحد، وتقاريرهم صيغتها واحدة.

وكنت أقول: إن موظفي الحكومة لهم عذرهم؛ فالحكومة تسك الموظفين كما تسك النقود، أما الخبراء الدوليون فمن الذي يسكهم ليصبح الواحد منهم نسخة من الآخر؟!

في فندق داكار الفخم المطل على المحيط الأطلسي جلست وسط هؤلاء الخبراء الدوليين، عرض أحدهم مشروعًا جديدًا للتنمية في السنغال، ميزانية المشروع ١٢٦ ألف دولار، قُسِّمَت كالآتي:

المجموع ١٢٦ ألف دولار أمريكي.
مرحلة أولى: العام الأول ٤١ ألف دولار، أجر الخبير في السنة.
٢٠ ألف دولار، أجر مساعِدة الخبير في السنة.
٥ آلاف دولار، لشراء سيارة للخبير.
١٥ ألف دولار، أجر لسائق الخبير في السنة.
٥ آلاف دولار، مصاريف طبع التقارير.
١٠ آلاف دولار، شراء أجهزة تكنولوجية حديثة.
مرحلة ثانية: العام الثاني ٣٠ ألف دولار، مصاريف عقد مؤتمر في نيويورك لمتابعة المشروع.

أخرجت من جيبي تقريرًا من تقارير الأمم المتحدة عن النتائج الخمس الأساسية لمشروعات التنمية في العالم الثالث، وضعت التقرير أمامهم، يتلخص التقرير في الآتي:

اتضح من الدراسات التي وردت إلى الأمم المتحدة عن مشروعات التنمية في أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية خلال عقد التنمية أن هذه المشروعات باءت كلها بالفشل، وأن نتائجها كانت عكسية كالآتي:
  • (١)

    ازدياد الهوة بين بلاد العالم الأول وبلاد العالم الثالث.

  • (٢)

    ازدياد الهوة بين الفقراء والأغنياء في البلد الواحد.

  • (٣)

    ارتفاع المستوى الاقتصادي لخبراء الأمم المتحدة.

  • (٤)

    انخفاض الإنتاج الزراعي والصناعي والثقافي في بلاد العالم الثالث.

  • (٥)

    تضاعف أرباح مصانع التكنولوجيا في العالم الأول.

تركوا كئوس النبيذ، ووضعوا النظارات فوق عيونهم، يتشككون في صحة التقرير، ويتساءلون: ما هو مصدر هذه المعلومات؟

والمصدر هو الأمم المتحدة ذاتها. يرتفع الحاجب فوق العين باندهاش، يركِّبون العدسات مرة أخرى فوق العين، يتأكدون أن المصدر هو الأمم المتحدة، والختم ليس مزورًا والتوقيع صحيح.

يمسكون كئوس النبيذ مرة أخرى، ويرفعون عيونهم نحو السماء كأنما في انتظار الوحي أو الإلهام، يرشفون على مهل ثم يعترفون بصوت حزين أن مشروعات التنمية فشلت فعلًا، ويتساءلون عن السبب.

وفجأة يهبُّ أحدهم واقفًا، عيناه تلمعان بالحماس والنبيذ معًا ويصيح: الانفجار السكاني! ويردد الجميع بصوت منتشٍ: نعم، الانفجار السكاني!

وبصوت هادئ ورصين يعتلي أحدهم المنصة ويقول: منذ انعقاد أول مؤتمر عالمي للسكان تحت إشراف الأمم المتحدة في بوخارست عام ١٩٧٤ لم ينخفض معدل نمو سكان العالم إلا ٠٫٣٪ فقط، من ٢٪ سنويًّا إلى ١٫٧٪ سنويًّا.

يتنهد الجميع وترتخي عضلاتهم تمامًا.

ويواصل الخبير كلامه: المشكلة يا سادة أن خصوبة نساء العالم الثالث تزداد على حين تفقد الأرض خصوبتها، وتشير تقديرات البنك الدولي وتقارير الأمم المتحدة أن عدد سكان الأرض زاد في السنين العشر الماضية ٧٧٠ مليون نسمة، وأصبح عدد البشر اليوم ٤٫٧٥ مليارات، وسوف يتضاعف هذا العدد عام ٢٠٧٥ ليصبح ٨٫٣ مليارات؛ ليعيش منهم ٧ مليارات في بلاد العالم الثالث.

ويلتهم الخبير قطعة من فخذة الدجاجة المشوية ثم يقول: إن الفشل في ضبط معدل نمو السكان في العالم الثالث ستكون له نتائج خطيرة؛ انتشار الجوع والبطالة وتشوهات البيئة والنمو السرطاني في المدن، وازدياد العنف والإرهاب وعدم الاستقرار العالمي. إن استمرار نمو خصوبة النساء في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية سيقودنا إلى عالم بلا أمل، تهدِّده المجاعة والفوضى وقانون الغاب، عالم يمتلئ بالأسلحة المدمرة على شكل أفواه بشرية جديدة تطلب الطعام، وفي أفريقيا السوداء ارتفعت خصوبة النساء، مثلًا في كينيا أصبح متوسط عدد الأطفال الذين تلدهم المرأة الكينية ٨ أطفال. كما أن ارتفاع المستوى الصحي أدى إلى انخفاض في معدل وفيات الأطفال؛ وبالتالي يمكن أن يرتفع عدد سكان كينيا من اليوم إلى ٨٣ مليون نسمة عام ٢٠٢٥، وفي بنجلاديش بلغ معدل خصوبة النساء (أي متوسط عدد الأطفال الذين تلدهم المرأة في عمرها كله) ٦٫٣. وهذا يعني أن سكان بنجلاديش سيصل عددهم إلى ٢٦٦ مليونًا عام ٢٠٢٥؛ أي ثلاثة أضعاف العدد الحالي، ومعدل الخصوبة في الهند ٤٫٧ وفي عام ٢٠٢٥ سيصبح عدد سكان الهند ١٫٥ مليار نسمة. أما المرأة الأمريكية والأوروبية الغربية فإن معدل خصوبتها ليس إلا ١٫٦ طفل. هكذا نرى أن سوء الأحوال في بلاد العالم الثالث يعود إلى زيادة الخصوبة لدى النساء، وأن الزيادة في معدلات النمو الاقتصادي في هذه البلاد تأكلها الأفواه التي تنتجها أرحام النساء، وتزداد الهوة بين مستوى الدخل في العالم الثالث والعالم الأول، مثلًا في الفترة من عام ١٩٥٥ حتى اليوم ارتفع متوسط دخل الفرد في أمريكا من سبعة آلاف دولار سنويًّا إلى ١١٥٠٠ دولار. أما في بلاد العالم الثالث فلا يزال دخل الفرد يتراوح ما بين ١٧٠ دولارًا سنويًّا إلى ٢٦٠ دولارًا، وهكذا تضاعفت الفجوة بين بلاد العالم الأول وبلاد العالم الثالث، والسبب في ذلك يرجع إلى خصوبة المرأة في هذه البلاد المتخلفة، باستثناء بعض البلاد مثل تايلاند والصين، حيث انخفض معدل النمو في السكان في السنين الأخيرة بسبب تصميم هذه البلاد على تنفيذ برامج صارمة لتنظيم الأسرة.

ويرنُّ في القاعة سؤال: ماذا تقصد ببرامج صارمة؟ ويهمس خبير: عمليات قتل الأطفال البنات في الصين؟

ويعترض خبير: لا، إنه إباحة الإجهاض. ويرد آخر: لا، إنها عمليات التعقيم للرجال والنساء دون تفرقة بين الجنسين. ويقول خبير: لا هذا ولا ذاك، إنه إنشاء وحدات تنظيم الأسرة، في تايلاند وحدها ٤ آلاف وحدة لتنظيم الأسرة.

ويعترض آخر: لكن هذه الوحدات تتكلَّف أموالًا كثيرة، عندي تقرير من البنك الدولي يقول: إن العالم الثالث يحتاج إلى ٧٫٦ مليارات دولار من أجل إنشاء وحدات تنظيم الأسرة.

ويصيح خبير من أمريكا: هذا مبلغ ضخم جدًّا، كيف ندفع ٧٫٦ مليارات دولار لمجرد خفض معدل خصوبة نساء العالم الثالث؟

ويرد خبير من الهند: ولكن العالم ينفق سنويًّا على التسليح ٦٠٠ مليار دولار، وأيهما أهم: إنتاج أسلحة لقتل البشر في الحروب، أم إنتاج وسائل لمنع ولادة البشر؟

ويقول خبير من باكستان: كلاهما قتل للروح، وهذا حرام عند الله.

ويرد خبير: الأفضل قتل الجنين قبل أن يتكون في رحم الأم بدلًا من قتله في الحرب.

ويقول واحد: الأفضل أن نمنع دخول الحيوان المنوي إلى رحم المرأة من خلال الاتصال الجنسي.

ويقول آخر: هذا صعب، والأسهل استئصال رحم المرأة، أو سد قناة «فالوب» حيث يجتمع الحيوان المنوي بالبيضة. ويرد الخبير من أمريكا: الأفضل منع تعدد الزوجات وتعدد العلاقات الجنسية؛ فالرجل الواحد يخصب عشرات النساء. ويصيح الخبير من باكستان: لقد أباح الله للرجال تعدُّد الزوجات ومَنْ ملكت اليمين.

ويتساءل خبير من السويد: ما معنى «مَنْ ملكت اليمين»؟

ويرد الخبير الباكستاني: يعني الجواري والعبيد من النساء.

ويصيح الخبير السويدي: هل لا يزال عندكم عبيد؟ ألم يتم تحرير العبيد منذ القرن الماضي؟

ويرد خبير من فرنسا: أتعرفون السبب الأساسي للانفجار السكاني في بلاد العالم الثالث؟

ويهتف الجميع: لماذا؟

ويرد الخبير الفرنسي: إنه تعدد الزوجات؛ وتحت يدي تقرير يقول: إن معدل المواليد بين المسلمين أكثر من غيرهم.

ويبتهج الخبير الباكستاني ويقول: ليس الإسلام يا سادة، ولكنه فشل مشروعات التنمية.

ويتساءل الأمريكي: ولماذا تفشل مشروعات التنمية؟

ويرد الهندي: لأن هذه المشروعات لا تلبي احتياجات العالم الثالث، وإنما تلبي احتياجات العالم الأول.

ويتساءل السويدي: ولماذا لا تلبي المشروعات احتياجات العالم الثالث؟

ويرد الهندي: لأن الذي يضع هذه المشروعات هم خبراء العالم الأول وليس خبراء العالم الثالث.

ويتساءل الأمريكي: وأنت؟ ألست خبيرًا من خبراء العالم الثالث؟

ويرد الهندي: نعم، ولكني أعيش معك في نيويورك ولا أنتمي إلى العالم الثالث.

ويضحك الجميع، ويدق رئيس الجلسة على المائدة معلنًا انتهاء المؤتمر، ويُصْدِر الجميع قرارًا بعقد مؤتمر آخر لمناقشة المشكلة ذاتها: خلال الصيف القادم على جبال سويسرا، ويتقرَّر اعتماد مبلغ ٩٥ ألف دولار لهذا المؤتمر الجديد.

•••

التقيت بفتاة اسمها «آن»، رأيتها تركب دراجتها البخارية في الشارع المطل على المحيط، ملامحها دقيقة وبشرتها بلون البن المحروق، عمرها خمسة وعشرون عامًا، أمها سنغالية تزوَّجت رجلًا من ساحل العاج، أنجبت منه ٧ أطفال ثم تركها، عاشت «آن» مع أمها وأخواتها، ثم جاءت إلى داكار لتعمل بالصحافة، ادخرت من أجرها واشترت الدراجة البخارية، طافت ببلاد غرب أفريقيا، تدرس أوضاع المرأة.

ذهبت معها إلى متحف داكار بجوار المبنى الضخم لمجلس الأمة، قادتني إلى غرفة واسعة بها تماثيل لرجال ونساء أفريقيات، لاحظت أن النساء أكبر حجمًا من الرجال في قبائل «سنوفو كوروجو» في مالي وساحل العاج، رأيت تمثال امرأة ضخمة الجسم والرأس إلى جوارها زوجها أصغر حجمًا.

وقالت آن: رأيت هذه القبائل في مالي وساحل العاج، والمرأة هناك أقوى من الرجل، وتشتغل في الحقل والبيت، والرجل كسول لا يكاد يعمل شيئًا، وتذكرت القبائل التي رأيتها في جنوب الهند حيث تشتغل المرأة وتعول الأسرة، والرجال يرقصون حول الإله شيفا ويتزينون بالحلي والمساحيق، وقالت آن: أمي هي التي تشتغل وتعولنا.

خرجنا إلى الشارع وسرنا نحو المحيط، ملامح أهل السنغال شديدة الجاذبية، البشرة بلون الكاكاو، والابتسامة المشرقة، والقوام الممشوق، إحساس بالسلام والأمان في أي مكان، بعض الناس يتكلمون العربية، ومجموعة من النساء يصلين في العراء، رجل في جامع يؤذن لصلاة الظهر، طفل صغير يقترب منا ويطلب فرنكًا، وصلنا إلى المركب الذي سيأخذنا إلى جزيرة جوريه، تحرَّكت السفينة وابتعدت عن شاطئ داكار، تحرَّك الهواء وأصبح منعشًا باردًا، جزيرة جوريه تبدو من بعيد في وسط المحيط الأطلسي كالصخرة. آن إلى جواري، شعرها الأسود الخشن على شكل ضفائر كثيرة ملتصقة بالرأس، أنفها الحاد مرتفع وفي ارتفاعه شموخ وقوة، وقالت آن: سأحكي لك قصة سمعتها من امرأة أفريقية في ساحل العاج:

منذ زمن بعيد أراد الإله العظيم في السماء أحدًا يساعده في عمل شيء، فنادى على النساء، لكن النساء كن مشغولات بالعمل في زراعة الأرض وخض اللبن لإطعام الصغار، وتغطية الكوخ بالطين منعًا للرياح، ونادى الرب عليهن قائلًا: تعالوا هنا، سوف أرسلكن في مهمة كبيرة. لكن النساء أجبن قائلات: نعم، سنحضر، ولكن انتظر لحظة حتى ننتهي من أعمالنا. وبعد فترة نادى عليهن الرب مرة أخرى، وأجابت النساء مرة أخرى قائلات: انتظر لحظة حتى ننتهي من عمل الطعام وسقف الكوخ، وكان الرجال في ذلك الحين لا يحلبون البقر ولا يبنون الأكواخ ولا يبحثون عن وقود ولا ماء مثلما كانت النساء تفعل. كان عملهم الوحيد هو إقامة سور حول البيت. ولأنهم كانوا بلا عمل تقريبًا فقد أسرعوا لتلبية نداء الرب قائلين: «أرسلنا يا أبانا بدلًا من النساء.» وهكذا اتجه الرب إلى النساء وقال: أيها النساء، سوف لا تنتهي أشغالكن إلى الأبد، فإذا ما انتهى عمل جاءكم آخر، أما الرجال فسوف ينالون الراحة؛ لأنهم سمعوا ندائي حين ناديت، ولكن أنتن يا نساء فسوف تعملن وتشقين بلا راحة حتى نهاية أجلكن، وظلت حياة النساء منذ ذلك الحين عملًا وشقاءً وكدحًا، ومر الزمان وجاء يوم فيه رجال أجانب ومعهم كتب وحبوب وبنادق، ورحَّب بهم الرجال الذين كانوا في راحة دائمة، وبدأ الرجال ينقسمون إلى قسمين: قيادات لا تعمل، وعبيد يعملون بغير انقطاع، وتدرب العبيد على احترام العمل عن طريق دفع الضرائب، أما النساء فقد واصلن عملهن دون أن يلتفت إليهن أحد، وفي النهاية طلبت النساء من أبنائهن وإخوتهن وأزواجهن أن يعوضوهن عن جهدهن في العمل، لكن الرجال ذكَّروهن بأن الرب قد كتب عليهن أن يكنَّ خادمات للجنس البشري، وقالوا: إن الكتب التي جلبها الأجانب تؤكد أيضًا أن مكانة المرأة تحت الرجل، وزمجرت بعض النساء قائلات: أعظم عقاب هو أن يكون الإنسان فقيرًا وامرأة. ونساء أخريات بدأن يبحثن عن طريق للتحرر.

انتهت آن من قصتها وضحكت، أسنانها البيضاء تلمع في وجهها الأسود، عيناها تلمعان كأسنانها، توقفت المركب عند شاطئ الجزيرة، فقفزت آن من المركب إلى الأرض بخطوة واحدة، جسمها طويل نحيف كراقصات الباليه، تمشي رافعة رأسها مملوءة بالثقة والكبرياء.

صعدنا إلى القلعة العالية المطلَّة على المحيط، وجلسنا على حافة الصخر نطل على أرض السنغال من بعيد، وقالت آن: من هذه الجزيرة قيدوا جدة أمي وأرسلوها إلى أمريكا، ولهذه الجزيرة تاريخ قديم منذ القرن ١٥، حين بدأت البرتغال وإسبانيا البحث عن طريق جديد عبر البحار. كان العرب يسيطرون على الطريق الذي يؤدي إلى الشرق حيث كانت الثروات، وفي عام ١٤٤٤ وصلت سفن البرتغال إلى هذه الجزيرة وسموها جزيرة «يالما»، جعلوها مقبرة لدفن موتاهم، ثم حوَّلوها إلى مركز للتجارة مع أفريقيا، وفي نهاية القرن ١٥ جاء الهولنديون وأطلقوا على الجزيرة اسم جوريه، وبنوا عليها هذه القلعة على التل، وقلعة أخرى على الشاطئ، وبالرغم من هاتين القلعتين غزا البرتغاليون الجزيرة في عام ١٦٥٩، ثم غزاها الإنجليز في عام ١٦٦٤، وبعد عشرة شهور طرد الفرنسيون الإنجليز منها، ثم جاء الهولنديون مرة أخرى وطردوا الفرنسيين، وظلت الحروب تدور فوق الجزيرة بين بلاد أوروبا حتى استولى عليها الإنجليز عام ١٦٩٧، واندلعت الحرب مرة أخرى واحتلتها الشركات الفرنسية التي أفلست بسرعة، وظل الحاكم الفرنسي فوق الجزيرة، وتعاون مع صاحب سفينة حملته إلى أمريكا ومعه ستون عبدًا أفريقيًّا، لكن صاحب السفينة تركه في قارب صغير في عرض البحر وهرب مع العبيد إلى أمريكا. أما جزيرة جوريه فقد ظل يعيش فوقها نسل مختلط من أوروبا وأفريقيا، ونساء الجزيرة كانت لهن قوة وجبروت مثل نساء قبائل السنوفو كوروجو في مالي وساحل العاج، وكان يطلق عليهن اسم «سيجنار»، تزوجهن حكام الجزيرة، ونشطن في التجارة وأصبحن من ذوات الثراء الكبير والنفوذ، وفي عام ١٧٤٩ كان سكان الجزيرة ٦٦ شخصًا فقط ملكوا ١٣١ عبدًا، وفي عام ١٧٦٧ وصل عدد السكان إلى ١٠٠٠ شخص، تضاعف إلى ٢٠٠٠ شخص في عام ١٧٨٦، واستولى الإنجليز على الجزيرة بعد حرب السبع سنوات من ١٧٥٦–١٧٦٣، ثم عاد الفرنسيون إليها عام ١٧٨٩، وعيَّن الملك لويس السادس عشر حاكمًا فرنسيًّا على السنغال كلها، ثم غزا الإنجليز الجزيرة مرة أخرى خلال حرب سنة ١٨٠٤ حتى سنة ١٨١٧، وسمحوا لأهل الجزيرة أن يبنوا بيوتهم من الحجر على الشاطئ الذي حرمه الفرنسيون عليهم، وأطلقوا عليه اسم «رصيف الملك»، وأسَّس الإنجليز مع أهل جوريه مدينة بانجول، ثم استولت فرنسا على الجزيرة مرة أخرى عام ١٨١٥، وتمتعت جوريه بتسهيلات التجارة كميناء حر، ونشطت التجارة من سنة ١٨٤٠ بعد اكتشاف زيت الفول السوداني، ووصل عدد السكان إلى ٦٠٠٠ شخص منهم ٤٠٠٠ عبد أفريقي لم يتحرروا إلا في عام ١٨٤٨.

وانتهت آن من قصة جوريه، وتركنا القلعة وهبطنا إلى بيت العبيد الذي أصبح متحفًا الآن.

الدور العلوي من البيت كان مخصصًا لتجار العبيد، الدور الأرضي مقسم إلى غرف: غرفة الوزن حيث كانوا يضعون العبد فوق الميزان كما توزن الماشية، إذا كان العبد أقل من ٦٠ كيلو جرامًا يحبسونه في غرفة أخرى فترة من الزمن ويطعمونه حتى يسمن.

غرفة العبيد من النساء مكتوب عليها عبارة بالفرنسية، معناها أن «قيمة المرأة بثدييها»، كانوا يفحصون ثديي المرأة ليحددوا ثمنها قبل البيع. أما الرجل فكانوا يفحصون أسنانه، وهناك غرفة لفصل الأطفال عن أمهاتهم، في قاع البيت باب يؤدي إلى المحيط، يربطون العبيد بالسلاسل ليسيروا فوق حاجز خشبي إلى السفينة. كان بعض العبيد يُلقون بأنفسهم في الماء فيغطس وراءهم الغطاس وينتشلهم ويعيدهم إلى السفينة، عدد العبيد الذين أُرْسِلوا إلى أمريكا ٢٠ مليون عبد، وهناك رأي آخر يقول: إن العدد ٢٠٠ مليون.

هناك بيت آخر مقابل لبيت العبيد، هو بيت امرأة من ذوات النفوذ والثراء اسمها السيجنار «آن بيبان». كانت عشيقة الحاكم، وبيتها على شكل مركب ضخم، وكانت تسير في الشوارع في موكب يشبه موكب الملك، تحوَّل بيتها إلى متحف، لوحات ضخمة تغطي الجدران، إحدى اللوحات كُتب عليها كلمات عربية كالآتي:

سيجتمع سويًّا جميع القبائل الفلانية في مكة ويكون ذلك علامة لقيام الساعة.

وعلى لوحة أخرى كُتب: قبيلة «فلاني» اسمه «باح» البحر الأبيض، بعد الإسلام غيَّروها إلى كلمة «مكة».

وآيات من القرآن معروضة داخل علب من الزجاج وسلاسل حديدية صدئة كانت تُستخدم لربط العبيد، سفينة طويلة رُسم عليها العبيد راقدين في القاع كالسردين، لوحة كبيرة لامرأة قوية ضخمة من نساء الأمازون تمسك يدها رأس رجل من الحكام، وقالت «آن»: العبيد من الرجال والنساء هم الذين حرروا أنفسهم ولم يحررهم الأوروبيون كما ذكروا في التاريخ. كان هناك جيش من النساء حارب في القرن ١٩ ضد الجيش الاستعماري.

خرجنا نتمشى على الشاطئ، وجلسنا إلى مطعم صغير تعزف فيه فرقة موسيقية سنغالية، المغني شاب طويل نحيل يرتدي قميصًا ملونًا، يعزف على آلة تشبه العود ويغني أغنية شعبية شائعة، لم أفهم كلمات الأغنية، وترجمتها «آن» لي. تقول الأغنية إنه كان هناك فتاة جميلة صغيرة، وفي ليلة زفافها خشيت أن يكشف عريسها أنها ليست عذراء، فجعلت فتاة عذراء ترقد مكانها في سرير العرس، لكن أهل العريس اكتشفوا أمرها، وتنتهي الأغنية بانتحار الفتاة.

وقالت آن: هذه الأغنية لا تغنِّيها إلا القبائل في أفريقيا، وهي القبائل التي تستعبد المرأة وتُجري عملية الختان للبنات، لكن القبائل الأمومية تنظر إلى المرأة كإنسان، ولا تُجري للبنت عملية قطع البظر، بالعكس منذ تولد البنت تقوم الأم أو الخالة بتنشيط البظر عن طريق التدليك لينمو ويزداد حجمًا وطولًا. وهذه القبائل تعيش في رواندا وأوراندي ومالاوي وزيمباوي ومالي، وفي أوغندة هناك قبائل «أنكولي» وقبائل «قورو» و«نيكولي»، وفيها تحدث عمليات إطالة البظر، وقبائل أخرى تساعد تنشيط الأعضاء الأخرى للبنت كالشفرتين الداخليتين، ومن هذه القبائل بوجاندا، بوسوجا، وبانيورو في أوغندة أيضًا، وإلى جوار هذه القبائل توجد قبائل أخرى تستأصل بظر البنت قبل البلوغ وتستأصل معه الأعضاء الخارجية كلها كما يحدث في السودان والصومال وبعض قبائل كينيا والحبشة، وفي هذه القبائل يصر أهل العريس على رؤية دم العذرية ليلة الزفاف على منديل أبيض، وإذا ظل المنديل أبيض تُعَرَّض البنت للموت أو الانتحار كهذه البنت في الأغنية.

كان الشاب السنغالي لا يزال يعزف على آلته ويغنِّي، من حوله التفَّ الناس وأخذوا يغنون معه ويرقصون، بين الراقصين امرأة أمريكية عجوز، تعيش في بيتها على شاطئ الجزيرة منذ عشر سنين، أخذتنا إلى بيتها لنشرب الشاي، في فناء البيت شجرة ضخمة، وفي الغرفة الخلفية آلة كاتبة على منضدة منخفضة وكرسي منخفض مثل كرسي البوذيين، اسمها «سوزي» وعمرها ٧٥ عامًا، ولدت في سانتا بربارا على الساحل الغربي لأمريكا الشمالية، لها ثلاثة أحفاد من ابنتها الوحيدة، وزوجها طلَّقته منذ ثلاثين عامًا، وفي بهو البيت رأيت رجلين جالسين على الأرائك المصنوعة من البوص، رجل سنغالي عاش في أمريكا عشرين عامًا، ورجل أمريكي عاش في أفريقيا عشرين عامًا، السنغالي يتكلم الإنجليزية بطلاقة، والأمريكي يتكلم السنغالية بطلاقة، وعيونهم ترمقني بدقة كأنما يحفظون ملامحي، والمرأة الأمريكية العجوز عيناها تلمعان من حين إلى حين، شيء من الغموض يحيط بهذا البيت، يبدو لي في لحظة كأنه وكر للجاسوسية، وفي لحظة ثانية يبدو كبيت للمرضى النفسانيين، وفي لحظة ثالثة يغلِّف المكان نوع من الجمال النادر. هذا الجمال الذي يحيط بإنسان عظيم له رسالة إنسانية كبيرة.

وسألت المرأة الأمريكية العجوز: ولماذا تركت وطنك؟ وقالت: جئت إلى هنا في رحلة سياحية، وأحببت هذه الجزيرة، وقررت أن أعيش فيها بقية حياتي.

قد تكون صادقة، في عينيها لا أرى الكذب، لكني لا أصدِّق كل العيون.

•••

بالقرب من مطار داكار جلست في بيت الكاتب السنغالي سمبيني عثمان، رجل متوسط العمر، زحف الشيب إلى شعره، بشرته سوداء، وعظام وجهه أفريقية، بين شفتيه يقبض على «البايب» أو الغليون، جلبابه أبيض وفي قدميه صندل مفتوح، زوجته إلى جواره، طويلة ضخمة سمراء، عيناها واسعتان، تتكلم الإنجليزية بلكنة أمريكية، ولدت في أمريكا وتعمل في أحد البنوك في داكار، سمبيني عثمان يتكلم الفرنسية ولا يعرف الإنجليزية، ابنهما شاب في العشرين، جالس في البهو المقابل مستغرق في مشاهدة التليفزيون الملون، أو فيلم من أفلام الفيديو.

دار الحديث حول الأدب الأفريقي، وقال سمبيني عثمان: لم أتفق يومًا مع فكرة سنجور عن «الزنجية»، ليس هناك ثقافة نابعة من الجلد الأسود وثقافة أخرى نابعة من الجلد الأبيض، الثقافة تنبع من المخ، وليس هناك مخ أسود ومخ أبيض، ولكن هناك شعوب في أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية عانت الاستعمار بصرف النظر عن لون البشرة، ثم إن سنجور ليس هو مؤسس الزنجية، وأنا لست مع سنجور، وأي شيء يفعله سنجور فاشل، وسياسته هنا كالسادات عندكم، أما عبد الناصر فهو محبوب بين شعوب أفريقيا كلها، وقلت: هذا صحيح.

وقال: هل أنتِ ناصرية؟

قلت: لا.

قال: هل أنتِ ماركسية؟

قلت: لا.

وقلت: لا أحب أن أنسب نفسي لشخص مهما كان، وأنا مع العدالة والمساواة والحرية للمرأة والرجل والوطن، عبد الناصر كان عظيمًا، وأخطاؤه أيضًا كانت عظيمة، وماركس كان مفكرًا عظيمًا، لكن أفكاره ناقصة خاصةً فيما يتعلق بوضع المرأة.

وقال سمبيني عثمان: هذا طبيعي، وليس هناك كلمة نسائية في أي شيء، وأنا معك أن الاستقلال للأديب أمر هام، لكني اخترت أن أكون عضوًا بالحزب الشيوعي السنغالي؛ فالنضال السياسي من خلال الحزب هو الوسيلة الوحيدة لتغيير النظام، ونحن في حاجة إلى تغيير الأنظمة. إن كثيرًا من الناس يتصوَّرون أن السنغال بلد مستقل؛ لأن حاكمها رجل سنغالي أسود، لكن هؤلاء الحكام السود أشد خطرًا من غيرهم؛ لأن الاستعمار يختبئ وراءهم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠