الفصل الثالث

الأغوار وحافة النهر

في يونيو ١٩٦٦ عدت إلى الوطن، وفي يونيو ١٩٦٧ وقعت الهزيمة، عام واحد مضى كأنه عشرة أعوام، والهزيمة في الهواء أتنفسها قبل أن تقع.

الأعلام وأقواس النصر ترتفع فوق كل شبر من الأرض، الأناشيد الوطنية في الميكروفونات والإذاعات ليل نهار، لكن خلايا جسمي وعقلي تحس الهزيمة في انحناءات أقواس النصر لأي نسمة تهب، ونبرات الأصوات تصيبها البحَّة كالنشيج في نهاية كل نشيد، وزوايا العيون تحت الجفون المسدلة فوق المنصات، وفتحات الأنف تتشمم من تحت الكراسي والموائد.

ثم جاء ذلك اليوم الخامس من يونيو، ورأيت العصافير والطيور ترفرف مذعورة في السماء ثم تختفي هاربة، كأنه يوم شتاء والبرق والرعد يُنذر بالمطر.

كنا في عز الصيف ولا برق ولا رعد ولا مطر، لكن السماء تغيرت فجأة، دوي الطائرات الخاطف أشد سرعة من الضوء، وانفجارات بعيدة مكتومة، ثم عادت السماء كما كانت بعد بضع دقائق.

كنا في أول الصباح ولم أعرف ماذا حدث، وذهبت كعادتي كل يوم إلى مستشفى الدرن، ولأول مرة لا أرى طابور المرضى واقفًا ممدودًا بامتداد البصر. كانوا جالسين في فناء المستشفى وبينهم راديو صغير، يقرِّبون آذانهم من الراديو يهلِّلون ويصفقون، واستقبلتني الممرضة وهي تهتف بالحماس: أسقطنا حتى الآن أربع عشرة طائرة للعدو!

لم أكن أصدِّق الإذاعات ولا الصحف ولا البيانات الرسمية، لكني صدقتها. كنت مرهقة، أتنفس كل يوم أنفاس مرضى الدرن دون العازل الواقي، وفي المثلث تحت الضلوع ألم يلازمني كل صباح كالغثيان يبدِّد حاستي السادسة، ويضعف حواسي الأخرى الخمس، فلا أشم رائحة المجاري في البِرْكة أمام المستشفى، ولا أسمع الأنين ينبعث من الطوابير، وجلدي أيضًا يفقد حاسة اللمس، وعدسة العين تكسوها غشاوة، وخلايا المخ تصيبها عتامة.

وصدقتها على الفور، وتلاشى الألم المزمن تحت الضلوع، وانقشع الغثيان ومعه العتامة، وهتفت بالفرح: إنه إذن النصر وليس الهزيمة! ووجهت لنفسي اللوم والتأنيب على أحاسيسي السوداوية والعجز عن التنبؤ إلا بالفشل. لكنها لم تكن إلا نصف دقيقة استعدت فيها حواسي، ورأيت الطابور الطويل يعود بالوجوه الشاحبة والرءوس المنكسة والعيون المنكسرة، وتجمدت الابتسامة على وجه الممرضة وانسحب منه الدم، وبدأنا نعرف أن طائراتنا كلها ضُربت على الأرض وهي نائمة، وقالت الممرضة كالمعتذرة: لم أكذب عليكِ يا دكتورة، ولكني صدقت الراديو.

وبدأت الهزيمة تتجسد على شكل الحقيقة، والحقيقة تتجسد على شكل وجه طويل شاحب، وأنف طويل شاحب، وعينان شاحبتان واسعتان لكل هزائم العالم.

وأصبح الوطن كالمأتم، نصحو على صوت يتلو الآيات وننام على التلاوة نفسها الرتيبة، والميت لم يُدفن بعدُ ولا زال يمشي على الأرض، يطل علينا كل يوم بعينين مقتولتين، والقاتل عيناه تلمعان بالنصر، يحمل سلاحًا لا زال يقطر دمًا، ويدوس على أرض الوطن في الضفة الغربية والجولان وسيناء، وجبهة القتال أصبحت ثلاث جبهات وأكثر.

•••

الطائرة تحملني إلى جبهة القتال في الأردن، في حقيبتي أدوات الطب وليست أدوات الحرب، لكن في رأسي قرار، أن أتدرب على إطلاق الرصاص والقتل، العالم من حولي إما قاتل أو مقتول، ولن أكون أبدًا المقتول، تدريب على السلاح في عام ١٩٥٦، بعد العدوان الثلاثي (الإنجليزي الفرنسي الإسرائيلي) على بور سعيد. كنت طبيبة في الريف في قرية طلحة، وتحوَّلت الوحدة الطبية إلى معسكر للتدريب على السلاح والتمريض، الرجال يحملون السلاح ويقاتلون، والنساء يضمدون الجروح، تقسيم العمل على أساس الجنس في الحرب والسلم، وقلت: سأحمل السلاح وأقاتل ولن أضمِّد الجروح!

وتدريب على إطلاق النار وإصابة الهدف، أُثبتُ البندقية على كتفي وأركِّز عيني على نقطة الوسط ثم أضغط على الزناد، ويندهش المدرب العسكري كيف لامرأة أن تصيب الهدف من أول مرة، وأصبح يُطْلَق عليَّ اسم «الكابتن» بلغة المذكر كنوع من المكافأة على الامتياز في الرماية، لكني رفضت اسم الرجل وتمسَّكت باسمي، وصاح بدهشة: هذا تكريم لك حين نعطيك اسم الرجل! وناديته باسم المرأة فغضب، وقلت بدهشة: هذا تكريم لك حين نعطيك اسم المرأة.

ورأيته يدفع بندقيته ويصوِّبها نحو رأسي، ورفعت بندقيتي وصوبتها نحو رأسه، وتراجع على الفور وأدركت منذ تلك اللحظة أن الرجل لا يفهم إلا السلاح، والسلاح لا يهزمه إلا السلاح، وأصبح يحترم اسمي ولم يعد يناديني باسم الرجل، وبقي معنا شهرًا ثم سافر، وأقامت له الوحدة الطبية حفل وداع صغير، وألقيت كلمةً قصيرةً شكرته فيها لأنه بذل جهودًا في تدريب الناس على القتال، وردَّ بكلمة شكر في نهاية الحفل وقال: من السهل أن نتعلَّم كيف نطلق النار ونقتل، لكن من الصعب أن نتعلم كيف نحترم المرأة.

أكره ملمس السلاح في يدي، وأكره منظر الدم، لكن كراهيتي للاغتصاب أشد، اغتصاب حق المرأة أو اغتصاب أرض الوطن.

كلاهما اغتصاب، كلاهما وجهان لعملة واحدة: العبودية أو القهر بالقوة المسلحة.

في مطار عمان رأيت عددًا من الشباب الفدائيين، ركبت معهم السيارة الجيب إلى مركز القيادة، شوارع عمان واسعة نظيفة، والجبال من كل ناحية، وعيون الفدائيين فيها بريق خاطف يعكس لون الجبل، يذكرني بالملامح الجبلية في الجزائر، وصوت لا زال في أذني: الثورة تجعل الملامح جذابة.

العيون في الوطن كانت شاحبة مليئة بالهزيمة تجعل الملامح خالية من الجمال، حركة الجسم تصبح بطيئة، ونظرة العين جانبية. لا تواجهك من الأمام. لا ترتفع وتثبت في عينك، والذراعان يتهدلان إلى جوار الجسم في مشية متعرِّجة، وعضلات البطن مرتخية، وخلايا العقل مرتخية. منذ الطفولة وأنا أكره منظر الوجوه المهزومة، وجه خالتي نعمات بعد أن طلَّقها زوجها، وخالي يحيى حين فشل في الدراسة، ووجه عبد الناصر بعد الهزيمة، كالأسد الجريح مكسور العينين، والأسد المكسور قبيح الشكل، وأجمل منه الأسد المقتول.

في مركز القيادة في عمان التقيت بالقيادات: رجال كلهم، و«النني» داخل عيونهم يتحرك في كل الاتجاهات بلا توقُّف، يتكلمون أيضًا بلا توقُّف، ولا يسمعون إلا أنفسهم. أحدهم يرتدي زي الصاعقة ومن حول وسطه حزام عريض مزركش يتدلى منه السلاح، أصابعه ناعمة وأظافره شفافة نظيفة لم تعرف ملمس التراب، بشرته بيضاء لم تلوحها شمس الصيف ولا حرارة الأرض، صوته له رنين معدني دوَّى في الأذن كأصوات الآلهة الخفية، ويتحول الصوت دون أن يحرك شفتيه إلى أوامر عليا.

أشعر بالاختناق حين تقودني الظروف التعيسة إلى الجلوس وسط الآلهة في مركز قيادة، أو مكتب رئاسة أو وزارة، أو حينما تكون القيادة؛ فالقيادة في بلادنا سلطة، والسلطة امتيازات. وقد تركت مصر؛ مهبط السلطة المركزية ذات السيادة والامتيازات في الدنيا والآخرة، وجئت إلى مركز الثورة الجديدة وجبهة القتال، لكن يبدو أن القيادات هي القيادات، في السلم وفي الحرب وفي الثورة. عجينة واحدة هذا النوع من الرجال رغم اختلاف الملامح واللهجة والأزياء وحركة الذراعين أثناء السير، والعين لا تثبُت أبدًا في العين.

والتقت عيناي وأنا جالسة في مركز القيادة بعيني شاب فدائي، أدركت من عينيه أنه فدائي وليس من سلالة القيادات؛ النظرة المباشرة الصريحة، والعين تثبُت في العين في خط مستقيم، واليد أيضًا تصافح والذراع ممدود مستقيم.

كانت له ذراع واحدة، والذراع الثانية فقدها في فلسطين، وساق واحدة والساق الثانية بُتِرَت فوق الركبة بعد معركة الكرامة في ٢١ مارس ١٩٦٨.

لم أكن حتى ذلك الحين أعرف معنى الحرب. لم أشهد في حياتي حربًا إلا فوق شاشة السينما، مفرقعات وانفجارات وأجساد تسقط وأجساد تجري وسيارات تنقلب وتحترق وطلقات رصاص ودوي مدافع، ثم ينقشع الدخان وتسطع الشمس ويخرج الناس من بيوتهم إلى الحدائق يرقصون ويغنون رافعين رايات النصر. وفي طفولتي لم أعرف عن الحرب إلا صوت صفارة الإنذار، صفارة غليظة متقطعة كبوق السيارة العتيقة، وأمي تجري في غرفات البيت تطفئ الأنوار، وأبي يغلق شيش النوافذ ويترك الزجاج مفتوحًا، ومن باب المطبخ أتسلل إلى الفناء الخلفي، وتتعلق عيناي بكشافات الأنوار تتحرك في السماء السوداء وتملأ الكون بأشباح ضوئية بيضاء كالآلهة المسحورة، وأصوات تدوِّي من بعيد كالرعد، وأضواء تلمع وتختفي كالبرق، بيضاء وصفراء وحمراء تشبه صواريخ العيد، ثم تدوِّي صفارة الأمان، صفارة طويلة حادة غير متقطعة كصفارة القطار، ويعم ضوء الكهرباء في بيتنا وكل البيوت، وصوت الراديو يرتفع بالغناء. كنت لا أزال صغيرة والعالم كبير، وأسمع أبي يقول: إن الحرب بين الإنجليز والألمان.

ولم أكن أعرف الفرق بين الإنجليز والألمان، وإذا مات الإنجليز في الحرب أو مات الألمان كلاهما عندي سيان ما دمت أفتح عيني في الصباح فأجد أمي وأبي وجميع إخوتي أحياء ولم يموتوا.

وحين كبرت وبدأت أفهم أكثر عرفت اسم إسرائيل، وتدوِّي صفارة الإنذار بالصوت الغليظ المتقطع، ويعم الظلام الدامس، وزجاج النوافذ طلاؤه أزرق داكن، وضوء السيارات أزرق، ووجوه الناس من حولي تشوبها زرقة، ولأول مرة في حياتي أسمع كلمة الموت، مجرد كلمة سمعتها، ارتبطت في ذهني بالزرقة الداكنة فوق الوجوه والجدران والنوافذ ومصابيح النور، وبكلمة أخرى اسمها إسرائيل.

لكنها ظلت مجرد كلمة إسرائيل أو الحرب أو الموت، وظل الموت بعيدًا عن ذهني لا أكاد أذكره، وأظن أنه غير موجود، حتى دخلت كلية الطب، وعلى منضدة التشريح رأيت — لأول مرة — وجه إنسان ميت.

•••

لا زلت أحملق في وجه الشاب الفدائي، عينان مرفوعتان إلى أعلى وفيهما بريق، يتطلَّع نحو الطريق، وهو جالس إلى جوار السائق وفي يده السلاح، ويده الثانية مبتورة، والسيارة مصفحة من النوع «الجيب»، أجلس خلف السائق وإلى جواري ثلاثة من الفدائيين المسلحين، منهم فتاة فدائية اسمها «أسماء»، عيناها كعيون الشباب؛ البريق والعين المرفوعة تثبُت في العين ولا تتذبذب، وخلفي تجلس «أم يوسف»، امرأة متوسطة العمر، ملامحها ريفية تشبه ملامح عمتي بهية، تلف رأسها بمنديل أبيض يسمونها أم الفدائيين. وصلت بنا السيارة إلى الكرامة، خراب وحطام، والصمت كالهواء الثقيل الراكد يتحرك من حين إلى حين على صوت انفجار مكتوم، البيوت كلها متهدمة والأسلاك مقطوعة وعربات الفحم الأسود، ولا أحد من السكان. لا شيء إلا الأحجار، بقايا بيوت متناثرة، وبقايا أثاث، وفردة حذاء طفل ورائحة دم جاف وشجرة محترقة.

سرت مع الفدائيين بين الركام، ثم انشقَّت الأرض فجأة عن شاب طويل نحيف يلفُّ رأسه بكوفية بيضاء فيها دوائر سوداء، عيناه سوداوان فيهما البريق والنظرة المباشرة، والعين تنفذ في العين وتظل ثابتة، قادنا إلى مغارة قريبة من حافة النهر في بطن الأرض، ومجموعة من الشباب المسلحين في وضع الاستعداد، عيونهم نحو الضفة الغربية شاخصة، وحنين إلى الأرض التي وُلِدُوا عليها ثم طُرِدُوا منها بقوة السلاح، تطلُّ الأرض عليهم من وراء نهر الأردن، الضفة العالية الخضراء، الوطن والأهل والأم الممزقة بين الضفتين، الأم المقتولة تحت الجدار، والأب المطعون في الصدر والبطن والظهر، والطفل الذي لم يبقَ منه إلا فردة حذاء، ومن أرض الوطن حيث إسرائيل الآن تطلق مدافع الهاون تقذفهم بالدانات، وطائرات أمريكية الصنع تُلقي الصواريخ وقنابل النابالم.

تلقَّى أحد الشباب الإشارة، واختفينا جميعًا داخل المغارة، صوت المدافع والقذائف يرج جدران المغارة، غبار يتساقط من السقف، أتطلَّع بعيني فوق رأسي، السقف أسود بلون الأرض، خشن ومشقق كالأرض، وحروف محفورة فوق الجدار بخط متعرِّج كشقوق النيل، واسم محمود درويش:

إني مندوب جرح لا يساوم
علَّمتني ضربة الجلاد أن أمشي وأمشي وأقاوم
ربما أعرض للبيع ثيابي وفراشي
ربما أعمل حجَّارًا وعتَّالًا وكنَّاس شوارع
ربما أبحث في روث المواشي عن حبوب
ربما أحيا عريان وجائع
يا عدو الشمس، لكن لن أساوم
وإلى آخر نبض في عروقي سأقاوم.

«أسماء» إلى جواري قابعة عند فوهة المغارة، سلاحها في يدها، وعيناها تخترقان الأرض والسماء حتى رام الله، الأرض التي ولدت عليها ورأت أباها يُذْبَح أمام عينيها، وفي الليل تسلَّلت وفوق صدرها قنبلة، ألقتها على ثلاثة من جنود إسرائيل، مات اثنان وجُرِحَ الثالث، وعادت إلى بيتها، وفي يوم آخر حملت قنبلة أخرى وألقت بها على سينما صهيون، وفي المرة الثالثة أمسكوها وهي تحمل المتفجرات فحبسوها وعذبوها لتعترف بأسماء زملائها ولم تعترف، اعتدوا عليها جنسيًّا حتى أغمى عليها ولم تعترف، أطفئوا في جسدها السجائر وخلعوا أظافرها وظلت مطبقة بأسنانها على شفتيها دون أن تنطق، ولما يئسوا منها ألقوا بها على الجسر وسارت حافيةً على الضفة الشرقية، دخلت المستشفى في السلط ثم خرجت بعد ثلاثة شهور وعلى جسدها آثار جروح وفي يدها سلاح جديد، قابعة عند فوهة المغارة، وعيناها على الضفة الغربية، وأذناها مرهفتان لصوت المدافع، تعرف نوع المدفع من صوته، وتعرف أيضًا من أي مسافة يضرب: هذه ضربة مدفع ماية وخمسين من مسافة خمستاشر كيلومتر.

وعلى باب المغارة رأيتها جالسة، «أم يوسف» برأسها المربوط بالمنديل الأبيض، وبشرتها المحروقة بالشمس كعمتي بهية، عيناها شاخصتان نحو الضفة، عيناها واسعتان غائرتان تغطيهما طبقة متجمدة من الدمع وتحت حاجبها الأيسر نَدْبَة، جفناها مفتوحتان لا ترمشان، والمدافع تدوِّي، والسماء تمتزج في كتلة نار واحدة يلفها الغبار.

ظلت جالسة تنتظر، ثم رأيتها تنتفض واقفة ثم تجري بلا توقُّف حتى تصل إلى حافة النهر، ظلت واقفة على الحافة تروح وتجيء في قلق كأم ضاع منها طفلها الوحيد، ثم رأيت النهر ينشق فجأة عن ثلاثة من الشباب يحملون شابًّا جريحًا، اندفعت نحوهم تحمل معهم الجريح، وبأربطة الشاش والقطن ضمدت الجروح، ثم حملته معهم إلى السيارة الجيب التي انطلقت كالسهم إلى المستشفى السلط، وفي المستشفى رأيتها تمر على المصابين واحدًا واحدًا تفك الرباط المتسخ وتضع الرباط النظيف، سمعتهم ينادونها «أُمَّنا» كما ينادون الأرض والوطن، وهي تناديهم «أطفالي» كما تنادي الأرض نبتها الأخضر. لم تتزوج ولم يكن لها بيت ولا رجل، لكن البيوت كلها بيتها، والرجال كلها رجالها، والنساء نساؤها، والشباب شبابها، واسمها الأصلي «أم يوسف» وفي ذاكرتها من ثلاثين عامًا قصة حب كبير، وطفل اسمه يوسف لا تذكر إلا اسمه، كأنه مجرد خيال وحلم، أو جنين لم تلده أبدًا، أو ولدته وضاع في الضفة.

كانت عربة الإسعاف قد حملت الجريح من جوار النهر وانطلقت بنا في الأغوار تشق طريقها نحو السلط حينما رأيت شبحًا يجري خلفنا وكأنما انشقَّت عنه الأرض، واتضح لي بعد لحظات أنه امرأة تجري وراء العربة، وطلبت من السائق أن يتوقَّف، فاندفعت المرأة نحو العربة دون أن تحدثنا أو تلتفت إلينا، ونظرت متفرسة في وجه الجريح ثم بأصابعها النحيلة راحت تقلب في يديه وقدميه، وأمسكها الفدائي برفق وأبعدها عن الجريح، وهمس في أذني بصوت حزين: إنها لا تسمع أحدًا ولا ترد على أحد، بالنهار تتجول بين الخيام تتلفت حولها، وفي الليل نرى جسمها مرتخيًا ممدودًا بحذاء النهر، وحينما تلمح جريحًا أو غريقًا تهبُّ واقفةً وتجري إليه، تفتش في ملامحه وفي يديه وقدميه كأنما تبحث عن شخص تعرفه.

رأيت هذه المرأة كثيرًا خلال الفترة التي عشتها في السلط. كانت تندفع أحيانًا وراء عربة الإسعاف، وفي أحيان أراها راكعة بين الصخور في الأغوار تنبش الأرض وتأكل التراب، والتقيت بها مرة وهي تتجول بين الخيام وجهًا لوجه، ورفعت إليَّ عينين واسعتين تغطيهما طبقة متجمدة من الدمع، وجرح عميق تحت العين كالندبة. تشبه «أم يوسف» لكنها لم تكن أم يوسف، وتشبه عمتي بهية لكنها ليست عمتي بهية، ملامح وجهها مؤكدة لكن جسدها يذوب في الضوء مع العناصر الأخرى فيما يشبه الضياع، ولا أحد يعرف اسمها الحقيقي، وينادونها «عين الحياة».

وحين عدت إلى مصر ظلت هذه المرأة تلوح لي في منامي بعينيها الغائرتين، تؤرقني وتوقظني من عز النوم، وفي ليلة مؤرقة أمسكت القلم ورسمتها فوق الورق على شكل قصة اسمها «عين الحياة».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠