الفصل الرابع

مؤتمر النساء في هلسنكي

كانت هي أول رحلة إلى تلك المنطقة الباردة القريبة من القطب الشمالي، والتي يطلق عليها اسم البلاد الاسكندنافية، تلك البلاد المحصورة بين المعسكرين الكبيرين: الشرقي والغربي، تفصل بينهما كحاجز من مادة عازلة لا توصل الحرارة، باردة وهادئة وساكنة كنقطة في حبل طرفاه مشدودان بقوتين متعادلتين.

هذا السكون هو الصفة الغالبة على تلك البلاد وأهلها، حتى الطبيعة تبدو ساكنة؛ فلا الليل يعقب النهار ولا النهار ينتهي بقدوم الليل، وإنما تظل الشمس في السماء ساكنة بغير حراك لا تغرب لا تسقط وراء الأفق، ويظل لون شفقها الأحمر ثابتًا في السماء، ويكاد يختلط الأمر على العين فلا تكاد تعرف أهي سماء حقيقية أم لوحة لفنان.

وبعد منتصف الليل أعود إلى حجرتي الصغيرة في فندق «غالي» في هلسنكي، الشمس من وراء الغابة الكبيرة معلقة في السماء، ولا أكاد أعرف الليل من النهار لولا التعب الطبيعي يصيب أجسامنا ساعة النوم، فأسدل الستارة الكثيفة على زجاج النافذة لأخفي ضوء الشمس ولأصنع داخل غرفتي ليلًا صناعيًّا فأستطيع أن أنام، كنا في يونيو عام ١٩٦٩. وهذه الليالي البيضاء في فنلندة تستمر تسعين ليلة في فصل الصيف، ويقابلها في الشتاء الأيام السوداء، حيث لا نهار ولا شمس، وإنما ليل دائم طوال الأربع والعشرين ساعة.

وشوارع هلسنكي نظيفة هادئة، ووجوه الناس نظيفة هادئة. لا يكاد يبدو عليها انفعال، سكون غريب في العيون كسكون البئر، فيه صفاء ولكنه صفاء بارد برودة الماء المخزون في بطن الأرض.

وكل شيء في هلسنكي بارد وساكن، حتى شمس الصيف وعيون النساء وعيون الرجال أيضًا، ولعل ذلك انعكاس الطبيعة الباردة أو انعكاس السياسة المحايدة الصامدة بغير انفعال نحو شرق أو غرب أو يسار أو يمين.

ولكن هذا هو سطح هلسنكي الخارجي. هذه هي الطبقة الثلجية المتجمدة على سطح بحر فنلندة، إذا ما كُسِرَت بالسفن الفنلندية الحديثة أو ذابت تحت شمس الصيف انبثق الماء من تحتها غزيرًا ودافئًا، وكشفت القلوب الفنلندية عن طبيعتها الإنسانية التي لا تختلف عن الطبيعة الإنسانية في أي مكان وزمان. وحتى في السياسة، تحت تلك الطبقة الحيادية الباردة بغير انفعالٍ صراعٌ دائم بين ثمانية أحزاب سياسية: المحافظين، الأحرار، الوسط، الفلاحين، (الاشتراكيين الديمقراطيين)، حزب المعارضة، (الفنلنديين الديمقراطيين)، الأقلية السويدية.

ويقابل الحزب الاشتراكي الديمقراطي حزب العمال في بريطانيا، ويمثل حزب الفنلنديين الديمقراطيين أقصى اليسار. وهذان الحزبان يفوزان وحدهما بنصف مقاعد البرلمان، ويفوز بالنصف الباقي ممثلون عن الأحزاب الستة الأخرى، ولم يحدث أن فاز حزب واحد بالأغلبية، ورغم الصراع الدائم بين ممثلي اليسار وممثلي اليمين إلا أن حالة التوازن تكاد تكون دائمة والحكومة تمثل مجموعة من الأحزاب وليس حزبًا واحدًا.

حصلت فنلندة على استقلالها وأعلنت جمهوريتها المستقلة، وخرجت من تحت سيطرة روسيا القيصرية سنة ١٩١٧، وهي نفس السنة التي تحرَّرت فيها روسيا نفسها من قبضة القيصر، وتكوَّنت أول دولة اشتراكية في الاتحاد السوفييتي برئاسة لينين.

ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية وتوقيع معاهدة السلام في باريس سنة ١٩٤٧ أعلنت فنلندة تصميمها على الوقوف على الحياد وبقائها خارج صراع القوى الكبيرة في العالم.

وفي سنة ١٩٥٢ تكوَّن مجلس الدولة الاسكندنافية الذي يضم الدول الخمس: السويد، النرويج، الدانمارك، أيسلاندة، فنلندة، وأصبح يسود هذه المنطقة الشمالية من أوروبا نظام اجتماعي وسياسي واحد، وجواز سفر واحد، وموقف واحد داخل هيئة الأمم المتحدة، هو الموقف الحيادي الدائم البارد بغير انفعال مهما انفعل العالم ومهما بلغ الصراع ذروته بين ما يُطْلَق عليها بالقوى الكبيرة في العالم.

هذا هو الموقف الحكومي. أما الشعب فهو كأي شعب آخر في العالم لا يمكن أن يكون حياديًّا في عالم يغلي والحروب تشتعل هنا وهناك ويقتل بعضه بعضًا.

قالت لي إحدى السيدات الفنلنديات: قرأنا كثيرًا عن كفاح شعب فيتنام، وعن الحروب الدائرة في الشرق الأوسط، وشعب فلسطين الذي طُرد من وطنه … الاستعمار والإمبريالية الأمريكية هي التي وراء كل هذا! وضاعت القشرة الخارجية الساكنة وبدأ الانفعال والنقاش.

كان المؤتمر ضخمًا، وكله من النساء، نظمه الاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي، أكثر من ألف امرأة يمثلن ٩٢ دولة، ثم ممثلات المنظمات الدولية وعددها ثلاثون أو أكثر، ولأول مرة في حياتي أعيش خمسة أيام كاملة في مجتمع نسائي من كل الجنسيات.

وكنا مجموعة من النساء المصريات والعربيات، عددنا يبلغ المائة، وكل دولة عربية أرسلت وفدًا من خمس نساء أو أكثر يمثِّلن الحكومات العربية، ولكل وفد رئيسة تجلس في الوسط ومن أمامها لافتة بيضاء كُتب عليها اسم الدولة، وعلى صدر كل واحدة دبوس ولافتة بيضاء كُتب عليها اسمها ولقبها.

وجلست في أحد المقاعد المخصصة لوفد مصر، ولم أعلِّق الدبوس فوق صدري، منذ الطفولة وأنا أكره الدبابيس المعلَّقة فوق صدور النساء، ومنذ أول مؤتمر حضرته في كلية الطب وأنا أكره منظر اللافتات فوق الصدور، وحروف الاسم واللقب معلَّقة فوق جسم الإنسان كما تُعَلَّق الماركة والسعر واسم الدكان فوق الأحذية والملابس وعلب السردين، ومن حولي ألف امرأة مكدسات في القاعة، والنوافذ مغلقة، والهواء الصناعي المكيف يختلط في صدري برائحة العطور الأنثوية، وكلمات رئيسات الوفود من فوق المنصة ترنُّ في رأسي كضربات المطرقة.

عطست بصوت عالٍ وأنا جالسة لأطرد الهواء والكلمات المصنوعة، وسمعتني رئيسة الوفد المصري وأنا أعطس فرشقتني بنظرة حادة من فوق المنصة، ولمحت صدري الخالي من الدبوس فاعتبرتني ضد النظام، وجاءت جلستها بعد أن هبطت من فوق المنصة إلى جوار امرأة من إسرائيل فانتفضت مذعورة ولمَّت أوراقها وأسرعت في الممر بين المقاعد لتجلس في مكان آخر، وعضوات الوفد الأخريات يتبعنها حيث تذهب، يتأرجحن على كعوبهن العالية الرفيعة من خلفها كسرب بطيء من البط.

منذ الطفولة وأنا أكره أحذية أمي ذات الكعب العالي، لكن أكثر ما كرهته هو دور التابع، ومنظر الخادم وهو يسير خلف أبي أو أمي، وظللت جالسة في مكاني، وكان بيني وبين المرأة الإسرائيلية مسافة تزيد عن المترين، وظهري ناحيتها وعيناي ناحية المنصة، لكن رئيسة الوفد اعتبرتني وكأنما عقدت صلحًا مع إسرائيل.

وحظيت قضية فيتنام بالصدارة في كلمات الوفد، اشتركت جميع الوفود في إدانة السياسة الأمريكية واعتدائها على شعب فيتنام، ووقفت على المنصة فتاة فدائية من فيتنام اسمها ونتوانتو بملابسها الكاكي وعينيها الطويلتين المسحوبتين إلى أعلى. لم تتجاوز الأربعة والعشرين عامًا وتقود سرية في جنوب فيتنام، فقدت أختها في الحرب، وأُسِرَ أخوها، ومنذ تسع سنوات وهي تحارب، استطاعت سَرِيَّتها تحت قيادتها أن تُسقط طائرة أمريكية وتحرق سفينة مائتي جندي أمريكي. هي وحدها قتلت ٣٥ جنديًّا أمريكيًّا، جسمها صغير كالطفلة، وضفائرها طويلة كتلميذات المدارس، وابتسامتها رقيقة كالأم، وهي نفسها أم لطفل عمره ثمانية شهور، لكن النظرة الثاقبة في عينيها وخطواتها السريعة كوثبات الفهد تؤكد لي أنها يمكن أن تقتل.

وجاءت قضية فلسطين بعد فيتنام، ووقفت مندوبة فلسطين على المنصة، حكت تاريخ نشأة إسرائيل، وآلة الحرب الإسرائيلية والإنجليزية ثم الأمريكية، والشعب الفلسطيني الذي قُتل بالآلاف وطُرد من أرضه، وأصبح يعيش في الخيام خارج وطنه، والقهر والإذلال في الأرض المحتلة داخل إسرائيل.

وحظيت القضية الفلسطينية بتأييد الوفود كلها إلا وفدَي: رومانيا وإسرائيل.

•••

رأيتها لأول مرة وهي جالسة وسط مجموعة من النساء وقلت لنفسي: هذا الوجه مألوف، أين رأيته؟ وفي لحظة عرفتها؛ إنها فالنتينا التي طالعتنا صورها في الصحف بعد أن طارت في سفينة الفضاء ثم عادت إلى الأرض لتحمل على صدرها النجمة الذهبية، جاءت فالنتينا إلى هلسنكي رئيسةً لوفد الاتحاد السوفييتي في المؤتمر: شابة نحيفة الجسم دقيقة الملامح، لها أنف مستقيم مدبب، وعينان زرقاوان عميقتان، وشفتان دقيقتان مطبقتان لا تعرفان الثرثرة، وقلَّما تنفرجان رغم البسمة الطبيعية الهادئة تكسو ملامح وجهها الصغير. والتفَّت حول فالنتينا النساء من مختلف الوفود يعانقنها، وتوالت عليها كلمات الإعجاب وكثير من الأسئلة، كيف صعدت إلى السماء؟ هل شعرت بخوف؟ العالم كله يعترف ببطولتك، فهل تشعرين أنك عظيمة؟ وأنتِ جميلة أيضًا ورقيقة، فكيف قمتِ بهذه الرحلة العجيبة؟ وعانقتها إحدى السيدات وهي تلهث قائلة: لم أتصور أنني سأراك بعيني في يوم من الأيام … لم أتصور أنك امرأة مثلنا من لحم ودم.

ورغم هذا الجو المفعم بالإعجاب لم يَبْدُ على فالنتينا أي زهو بنفسها، وظلت ملامحها هادئة باسمة ولم تنسَ في غمرة الإعجاب بها بقية عضوات الوفد السوفييتي، فقدمتهن واحدة واحدة إلى النساء وقالت بصوت هادئ: لست وحدي، عندنا بطلات من النساء في كل مكان من الاتحاد السوفييتي يكافحن كل يوم من أجل بناء المجتمع.

ولم تتكلم فالنتينا كثيرًا بل تكلمت بضع دقائق، ثم أعطت الكلمة لزميلاتها عضوات الوفد، وبدأ الجميع يشترك في الحديث والمناقشة.

وفي اليوم الأخير من المؤتمر صدرت القرارات والبيان الختامي في ورقة وُزِّعَت علينا على النحو التالي:

إلى كل النساء وأمهات العالم

جئنا إلى هلسنكي مندوبات عن ملايين النساء من مختلف البلاد؛ لندرس دور المرأة في عالمنا الحاضر. كانت النساء في الماضي يهبن حياتهن لأعمال البيت اليومية، واليوم أصبحن يشاركن في كل ما يجري في العالم وفي كل ما يتعلق بمشاكل بلادهن، وأدركن أن حلَّ هذه المشكلة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتحقيق الاستقلال الوطني والحرية والسلام، كما يرتبط بحصولهن على حقوقهن السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وإن النساء في كفاحهن من أجل التحرير ومن أجل المساواة بالرجل ومن أجل تحقيق حياة أفضل في الاستقلال. إننا نمثل بلادًا مختلفة في سياساتها وتنتمي إلى مجتمعات ومعتقدات مختلفة، إلا أننا نتفق جميعًا على أن العالم يواجه الآن خطرًا يقتضي منا كل جهودنا وتضامننا.

إننا ندين الاستعمار العالمي والإمبريالية العالمية في حربها الوحشية ضد شعب فيتنام وفي لاوس وفي كوريا وفي الشرق الأوسط. إننا ندين إسرائيل ومن ورائها الإمبريالية العالمية في عدوانها على البلاد العربية. إن أكثر من مليونَي لاجئ فلسطيني قد طُردوا من وطنهم، إننا نؤيدهم في حقهم لمقاومة العدوان وحقهم في العودة إلى وطنهم. إننا نطالب بحقوق الشعب الفلسطيني التي أُهدرت، ونؤيد بقوة كفاح الشعوب العربية المحتلة، ونطالب بتنفيذ قرارات مجلس الأمن الصادرة في ٢٢ نوفمبر سنة ١٩٦٧. إننا نؤيد كفاح الشعوب الأفريقية في حربها ضد الاستعمار القديم والجديد، ونؤيد كفاح شعب أنجولا وموزنبيق وغينيا البرتغالية ضد الاستعمار البرتغالي، ونؤيد كفاح شعب جنوب أفريقيا وروديسيا ضد نظم التفرقة العنصرية والفاشستية في بلديهما.

إننا نؤيد كفاح الشعب الكوبي ضد أي ضغوط اقتصادية وسياسية وعسكرية. وإننا نؤيد كفاح أي شعوب في العالم من أجل الاستقلال والحرية والسلام، ونؤيد شعب اليونان وإسبانيا والبرتغال وشعوب أمريكا اللاتينية ضد أي قوى فاشستية ديكتاتورية.

إننا نؤيد أي حركة تناضل من أجل القضاء على التفرقة العنصرية في أمريكا وفي أي مكان من العالم. إننا ندين الإمبريالية الأمريكية. إنها هي القوة وراء كل العدوان والحروب في العالم. إنها القوة المؤسسة للأحلاف العسكرية، وإن قواعدها تنتشر في العالم من جوانتانامو إلى قبرص، وفي آسيا وأفريقيا وأستراليا وأوروبا، إنها المسئولة الأساسية عن التسابق إلى التسلح الذي يبتلع ملايين الدولارات ويبتلع الإمكانيات البشرية الطائلة التي يحتاجها العالم أشد الاحتياج للقضاء على الجوع والمرض والفقر والجهل.

دعتني إحدى السيدات الفنلنديات لتناول العشاء في بيتها، وفي سيارتها الصغيرة تجوَّلنا في شوارع هلسنكي النظيفة ومررنا بالغابات الخضراء والبحيرات الصافية كالماء المقطَّر … ووصلنا أخيرًا إلى بيتها الصغير وسط الشجر والماء، ومن الشرفة وقفت أتطلع، وهواء الليل كان باردًا منعشًا، وأشعة الليل تسقط على سطح البحيرة الساكن، أشعة بيضاء غريبة تختلط على العين فلا تكاد تعرف أشمسًا كان أو قمرًا هذا الذي يضيء الكون. لكنها الشمس المعلَّقة في السماء بالليل.

تجولت في أنحاء الشقة الفسيحة الغارقة في الصمت والهدوء.

– تعيشين وحدك؟

– مع ابني.

– وزوجك؟

– لم أتزوج.

وسكتُّ لحظة ثم قلت: أهذا شيء عادي هنا؟

– نعم.

– وابنك، ما نظرة المجتمع إليه؟

– كأي ابن آخر. إنه يحمل اسمي وهذا شرف له؛ لأني امرأة لي عمل ناجح.

– ألا توجد عندكم مشكلة اسمها أطفال غير شرعيين؟

– نحن لا نعرف هذه التسمية، كل طفل يولد هو طفل شرعي.

– ولماذا لم تتزوجي؟

– كنت أحبه وأريد أن أتزوجه ولكنه لم يرغب في الزواج مني.

– ألم تقابلي رجلًا يرغب في الزواج منك؟

– قابلت بعضًا منهم، ولكني لم أحبهم.

– كأنك لا توافقين على الزواج إلا بعد الحب؟

– هذا شيء طبيعي.

– وهل تعيشين الحب الآن؟

ونظرت إليَّ وقالت: هل وجدتِ تناقضًا بين شخصيتي التي عرفتِها في المؤتمر وبين حياتي الخاصة؟ إننا هنا نفصل بين العمل وبين الحياة الخاصة. في ساعات العمل أنا أعطي كل نفسي للعمل، وفي ساعات الراحة والاستمتاع بالحياة أعطي كل نفسي للراحة والاستمتاع بالحياة. أما مسألة الزواج فهذا شيء لا أحدده وحدي وإنما يحدده معي الرجل. والآن دعيني أسألكِ سؤالًا صريحًا، ماذا تفعلين لو أحببتِ رجلًا ثم رفض الزواج منكِ؟ ألا يحدث ذلك أحيانًا عندكم؟

– يحدث كثيرًا.

– وماذا تفعل المرأة عندكم في هذه الحالة؟

– هذا موضوع يطول شرحه. ولكن هذه الحرية موجودة في كل البلاد الاسكندنافية؟

– بالطبع، ولكني أعتقد أن المرأة الفنلندية أكثر تقدمًا من غيرها، وربما يكون هذا تحضرًا، ولكن التاريخ يثبت ذلك؛ فقد كانت المرأة الفنلندية أول امرأة في أوروبا تحصل على حقوقها السياسية، وكان ذلك في سنة ١٩٠٦.

كان اسمها «ناتاشا»، وهي عضو في جمعية الصداقة العربية الفنلندية، دعتني إليها، والتقيت هناك برجل فنلندي طويل ضخم اسمه أرماس صالنن، وهو رئيس الجمعية وصديق العرب، يتكلم اللغة العربية الفصحى، ويقول إنها أصعب لغة في العالم، ومن بعدها تأتي اللغة اليونانية الفصحى، ثم اللغة الهندية القديمة، وأسهل لغة في رأيه هي اللغة التركية.

وفي الليلة الأخيرة في هلسنكي لم أَنَمْ، ظللت أطلُّ على الكون من نافذة غرفتي، الضوء ينتشر في الغرفة طول الليل كضوء النهار.

قبل الفجر أعددت حقيبتي، سأغادر بعد ساعة فنلندة مع مجموعة من النساء، في أول رحلة لي للاتحاد السوفييتي كان المفروض أن أعود إلى القاهرة بعد انتهاء مؤتمر هلسنكي، لكن فالنتينا رائدة الفضاء دعتني لزيارة بلدها، ولم أكن رأيت روسيا من قبل إلا في الروايات وأفلام السينما، وفي ذهني للاتحاد السوفييتي صور متناقضة، بعضها مشرق كضوء الشمس، وبعضها غامض مظلم كالوجه الآخر من القمر.

سمعت كلمة «الاشتراكية» لأول مرة من أبي وأنا في العاشرة من عمري، وحين دخلت المدرسة الثانوية التقيت بفتاة سمراء نحيلة اسمها «سعاد» ناولتني جريدة اسمها «الجماهير»، وفي كلية الطب التقيت بطالب اسمه «يسري» ناولني جريدة اسمها «الجميع»، وكان الطلبة يطلقون على «يسري» اسم «الطالب الأحمر».

وقبل أن أتخرج في كلية الطب قرأت تولستوي ودوستويفسكي وماركس وإنجلز ولينين وكروبسكايا وبوشكين وجوركي وترجنيف.

وكان دوستويفسكي أقرب إليَّ من تولستوي، وفردريك إنجلز وكروبسكايا أقرب إليَّ من كارل ماركس ولينين.

ومن شرفتي ظللت أطل على الليلة الأخيرة البيضاء وهي تنتهي، دهشتي لا تزال كأول ليلة في فنلندة، والليل الأبيض ينحسر عن نهار أبيض ولا أكاد أعرف الليل من النهار إلا بحركة السيارات وظهور الناس في الشارع.

وفي خيالي صورة للاتحاد السوفييتي مضيئة وبيضاء كليالي الصيف في فنلندة. لكنها أيضًا كالليل الصامت لا تزال غارقة في السكون الغامض.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠