الفصل الخامس

أول رحلة إلى العالم الأحمر

ركبنا القطار من هلسنكي إلى ليننجراد، كل أربع نساء في حجرة، وكل حجرة بها أربعة أسِرَّة: اثنان منهما في الدور العلوي، وقفزت بهيجة الأفغانستانية إلى السرير العلوي، وقفزت إلى السرير المقابل وقالت بهيجة: أنتِ رشيقة جدًّا، هل تزوجتِ؟ قلت: نعم، ثلاث مرات، وعندي طفلان، وأنتِ؟ قالت: عندي سبعة أولاد من زوجين، وضحكت، ثم صمتت طويلًا وقالت بعد فترة وفي صوتها حزن: لا زلنا نهدم القيم البالية في مجتمعنا لنبني مجتمعًا جديدًا يتمتع فيه الناس بالعدالة. لا يمكن أن يهدأ الناس إذا حكموا بالقوة، قد يبدو عليهم الهدوء ولكن إذا ما نبشت السطح وجدت الثورة.

وسمعنا ضجة بممر القطار فقفزنا إلى الخارج ورأينا «روزا» الأرجنتينية تحتضن الجيتار وتغني بالإسبانية: أنا سجين أكسر قيودي وأخرج إلى الهواء. وافترشت أرض القطار من حولها نساء أمريكا اللاتينية ورُحْنَ يرددن معها مقاطع الأغنية.

وسرَتْ عدوى الغناء إلى النساء وبدأت كل مجموعة تغني أغنية بلغتها الشعبية، غنَّت النساء العربيات: والله زمان يا سلاحي، وغنَّت النساء السوفييتيات كاتيوشا، وغنت أوكيتا وونتي أنتو نشيد شعب فيتنام، وغنت تشارلي الزنجية الأمريكية: وجهي أسود ولكن قلبي أبيض. وعلا صوت النساء على صوت القطار، وارتفعت في الجو أصوات ونغمات بمختلف اللغات واللهجات، واختلطت الألحان العربية بالروسية بالأفريقية بالأمريكية بالإسبانية بالإنجليزية بالفرنسية بالفيتنامية، ووجدت نفسي أردد مع النساء لحنًا لا أعرف كلماته ولا أعرف لغته، وأصبحنا مجموعة واحدة من بلد واحد، وتلاشت الفروق الصناعية التي تفصل الإنسان عن الإنسان.

وكانت فالنتينا رائدة الفضاء تجلس وسطنا ولها سرير صغير كسرير النساء، وفي الدرجة الثانية بالقطار أنظر إلى وجهها، وأدهش للبساطة الطبيعية تكسو الملامح الهادئة.

ثم سمعنا صوتًا يعلن من ميكرفون القطار أننا اجتزنا حدود فنلندة وأصبحنا في أرض الاتحاد السوفييتي، أخرجت رأسي من نافذة القطار في استطلاع، وفي خيالي لهذا البلد صور كثيرة، بعضها من القراءات والكتب وبعضها أقوال سمعتها. الأقوال المتضاربة تصيب مَنْ يسمعها بتساؤل عن الحقيقة، ورغبة في أن يذهب بنفسه ليرى بعينيه ويحكم على الواقع.

وأدرت عيني في كل مكان خارج نافذة القطار، أنظر إلى الشجر والأرض والبيوت وألتقط أي شخص يظهر في شارع أو حقل أو بيت، أدقِّق إليه النظر رغم حركة القطار، وأنظر إلى ملابسه وحذائه، لماذا الحذاء بالذات؟ ولكن كم سمعت من إشاعات!

وكان كل شيء يبدو كما كان، الأرض هي الأرض والأشجار هي الأشجار والناس هم الناس، ولولا ذلك الصوت الذي أعلن اجتياز الحدود لظننت أننا لا زلنا في فنلندة.

وعدت لسريري لأنام قليلًا، ثم استيقظت فجأة على صوت القطار وهو يقف، وهنا بدأت أحس أننا في الاتحاد السوفييتي. كان رصيف المحطة مزدحمًا بالرجال والنساء والأطفال يحملون الزهور ويرحبون بوفود النساء ويلتفُّون حول فالنتينا، وأخذت أدقق النظر في الناس. كانوا يرتدون ملابس جميلة وفي وجوههم نضارة وفي عيونهم بريق، وجذبتني وجوه الأطفال النضرة. هؤلاء هم أهالي قرية «لوجيكا» أول قرية سوفييتية على الحدود.

وسارت وفود النساء تتقبل التحيات والزهور إلى استراحة المحطة الفسيحة حيث صُفَّت الموائد، وجلست فالنتينا وسطنا، وبدأت سدادات زجاجات الشمبانيا تتطاير مفرقعة في الهواء، وتطايرت معها الضحكات والقفشات، وأكلت النساء من كل بلاد العالم الكافيار الروسي واللحم والفراخ، وشربن معًا أنخاب الصداقة والحرية والسلام.

دخل بنا القطار ليننجراد في منتصف الليل، لكن قرص الشمس كان لا زال في السماء يضيء المدينة الكبيرة بنور أبيض كالنهار، ولمعت في الضوء الأبيض القباب النحاسية الحمراء، وانعكست المباني الضخمة المتشابهة على صفحة نهر نيفا ينساب تحت الكباري ليصب في خليج فنلندة.

ومن خلف النهر تلمع قبة نحاسية من فوق مبنى ضخم غارق في الصمت والنسيان؛ أحد السجون القديمة، وفي إحدى زنزانات هذا السجن عاش دستوفسكي فترة من حياته، ومكسيم جوركي أيضًا دخل هذا السجن قبل الثورة الاشتراكية وعاش وراء جدرانه يكتب.

ويواجه السجن على الضفة القريبة من النهر يلمع تمثال مكسيم جوركي منتصبًا بقامته الطويلة في الفضاء وقبعته في يده، وعلى مسافة غير بعيدة ينتصب لينين بملامحه الدقيقة وقامته المتوسطة ويده المرفوعة نحو القاعة البيضاء، أول قاعة في روسيا تشهد ثورة الفلاحين والعمال، وعلى كراسيها الخشبية وعلى جانبي الكراسي وعلى النوافذ، جلس العمال والفلاحون الثائرون في يوم ٢٦ أكتوبر سنة ١٩١٧، ثم دخل لينين القاعة بخطواته السريعة، وأعلن أول دولة اشتراكية في تاريخ روسيا.

وأخذونا في زيارات للمصانع: أحدها مصنع العلم الأحمر. قالوا إنه من أكبر مصانع النسيج في الاتحاد السوفييتي، يعمل به عشرة آلاف عامل منهم ٨٥٪ نساء، ومدير المصنع شابة أنيقة قدمت لنا مجموعة من السيدات قائلة: هذه سكرتيرة لجنة الحزب في المصنع. وهذه مقررة لجنة الشباب. وهذه رئيسة اللجنة النقابية، كلهن شابات جلسن معنا حول مائدة محلاة بالزهور وزجاجات المياه المعدنية والشمبانيا وأطباق الكافيار الأسود والأحمر والسمك واللحوم، ولا بد لنا أن نشرب الأنخاب في صحة المصنع والعاملات وفي صحة الصداقة والحرية والسلام.

وطُفْنَا بأنحاء المصنع الضخم، واستقبلنا العاملات بابتسامات ووضعن على صدورنا الشارات والنجوم. العمل عندهن ثماني ساعات في اليوم، والإجازات الأسبوعية يومان، الحد الأدنى للأجور للعمال والعاملات ١١٠ روبل في الشهر، والحد الأقصى ٢٠٠ روبل حسب الإنتاج والمهارات، مديرة المصنع تأخذ ٣٠٠ روبل في الشهر، بالمصنع ست دور حضانة لجميع أطفال العاملات من سن شهرين حتى السابعة، من حق المرأة العاملة أن تحصل على إجازة وضع وشهرين بعد الوضع، بالمصنع مصيف خاص للأطفال ومعسكرات صيفية للأشبال والشباب في مراحل عمرهم المختلفة من سبع سنوات إلى ٢٨ سنة، بالمصنع مصحة خاصة للراحة ومستشفى، أجر الطبيب ١٨٠ روبل في الشهر، وأجر الممرضة ١٠٠ روبل في الشهر.

ثم خرجنا إلى ساحة كبيرة تتوسَّطها شعلة ومن خلفها نصب الجندي المجهول ومقابر ٧٠٠٠٠٠ شهيد. اصطفَّت وفود النساء ومن خلفهن مئات السياح من بلاد العالم يحملون الزهور ويسيرون على أنغام موسيقى تشايكوفسكي، تنبعث هادئة، فيها قليل من الحزن وكثير من القوة، وتتراكم الزهور البيضاء والحمراء عند قدمي الجندي المجهول حيث تلك الكلمات بالروسية:

لن ننسى شجاعتكم وصبركم، لن ننسى الشتاء المظلم وقنابل سنة ١٩٤٣.

لن ننساكم ولن نستسلم.

وقالت لي صديقتي الروسية «نينا»: أهل ليننجراد صمدوا كالأبطال ولمدة ٩٠٠ يوم في وجه الحصار النازي، عاشت ليننجراد الحرب ضد الألمان النازيين من سنة ١٩٤١ إلى سنة ١٩٤٥، ومات منها مليون شهيد، وقُصِفَت المدينة بأكملها بالقنابل والمدافع، ولكن انظري، كيف بُعِثَت ليننجراد من جديد! هذا هو إصرار الشعب على الحرية!

•••

لم أرَ بلدًا مولعًا بالمتاحف كالاتحاد السوفييتي، ليننجراد وحدها بها خمسون متحفًا، وكل شيء هنا له علاقة بالتاريخ أو الفنانين يمكن أن يتحول إلى متحف، والفنانون يحظون بتقدير يشبه التقديس، والأدباء والشعراء تتحول بيوتهم إلى متاحف، وتقام لهم التماثيل، وتسمى المدن بأسمائهم. بالقرب من ليننجراد مدينة بوشكين، وتمثال بوشكين أمامنا، وأصغر طفل يعرف أشعار بوشكين.

وكان لا بد من قضاء يوم كامل بمتحف «الهيرميتاج»، ولا يمكن أن ترى لوحات الهيرميتاج في يوم واحد، ولكن يمكنك أن ترى كل لوحات الهيرميتاج في ثمانين عامًا إذا ما دخلت المتحف كل يوم بانتظام ولمدة سبع ساعات في اليوم الواحد، حينئذٍ فقط تستطيع أن ترى كل لوحات المتحف لو وقفت أمام كل لوحة دقيقة واحدة، فكم عدد اللوحات؟

ولم أحاول أن أبدأ بالتجربة، فقد وقفت ساعة كاملة أتأمل تمثال «الولد المنحني» لمايكل أنجلو، وساعة أخرى أمام لوحة حب الأب: لوحة غريبة، فتاة تُرضع أباها؛ كان أبوها مسجونًا وذهبت لتزوره في زنزانته. لم تستطع أن تأخذ له طعامًا، وأشفقت الابنة على أبيها من شدة الجوع ولم تجد أمامها إلا لبن ثدييها فأرضعته.

واحتدم النقاش بين النساء حول اللوحة، أليس هذا حرامًا؟ وما هو الحرام؟! حبس الأب حتى الموت جوعًا؟! أم إرضاع الابنة لأبيها! ولماذا لا يتحول الأب إلى ابن إذا دعت الظروف؟!

ولم أشهد احتفالًا كهذا الاحتفال، حديقة القصر الصيفي في ليننجرد تحولت صباح يوم ٢٢ يونيو إلى كرنفال، والقصر الصيفي — متحف الآن — أحد قصور قيصر روسيا قبل الثورة، وقد رأيت قصورًا في مختلف بلاد العالم، ولكن ما إن دخلت قصر قيصر روسيا حتى أيقنت السبب وراء الثورة الاشتراكية في روسيا.

حديقة القصر بَدَتْ لي كالحلم، أشجار وخضرة وزهور ورياحين وأعناب تجري من تحتها الجداول والنهيرات، تماثيل من الذهب. قباب ذهبية تنبثق من قممها المدببة نافورات مياه لا يمكن عدُّها ولا يمكن معرفة ارتفاع مياهها. مسرح من الرخام وسط النافورات ترقص عليه فوقة باليه ليننجراد رقصة بحيرة البجع. راقصات الباليه بملابسهن البيضاء يرقصن بين نافورات المياه كحوريات الجنة أو جنيات في الأساطير والحكايات. تمثال شمشون في أحد أركان الحديقة ومن حوله نافورات. وتمثال آدم والتفاحة ومن عرائس الجنة. آلاف من الرجال والنساء والأطفال جاءوا من كل انحاء الاتحاد السوفييتي ومن كل بلاد العالم لمشاهدة كرنفال الليلة البيضاء في ليننجراد، يحملون الزهور ويرقصون على نغمات الموسيقى تنبعث من كل أرجاء الحديقة، ووجوه تتألَّق بالحيوية وتنقل عدوى الحيوية إلى كل مَنْ ينظر إليها، وأتلفَّت حولي في دهشة: أحلم هذا أم علم! ولا أحاول أن أعرف الجواب فقد اندفعت مع الراقصين على الأنغام.

السفينة اسمها «ترجنيف»؛ باسم الكاتب الروسي المعروف، والنهر هو الفولجا أشهر أنهار الاتحاد السوفييتي، يسمونه نهر الثورة والحب والألحان؛ فهذا النهر يشق الجمهورية التتارية حيث نشأ لينين، وكانت أسرة لينين تعيش في تلك المدينة التتارية الصغيرة على نهر الفولجا، والتي سُمِّيَت الآن باسم أسرته «أوليانوس».

وحينما وصلت السفينة إلى «أوليانوس» كان نهر الفولجا قد اتسع فلم نعد نرى الضفة الأخرى، وقالوا: إن اتساعه في هذه المنطقة أربعون كيلومترًا، وكان المطر ينهمر بشدة، وتغير الجو فجأة فأصبح باردًا شديد البرودة، ورغم ذلك رأينا أهل أوليانوس ينتظروننا على شاطئ النهر يحملون الشماسي والزهور، والموسيقى تعزف الأناشيد.

ونزل موكب النساء من السفينة وانهالت علينا الزهور والورود والتحيات والقبلات. لم أكن أتصور أن الشعب السوفييتي ينطوي على هذه الحرارة والعواطف، أو أن النساء لهن كل هذه المنزلة عند أهل التتار.

وكما يحدث في كل استقبال ذهبنا إلى حيث الموائد، وطارت سدادات الشمبانيا مفرقعة في الهواء، وأكلت النساء الكافيار والسمك واللحوم، وشرب الجميع نخب الصداقة والحرية والسلام، ثم ارتفعت الكئوس مرة أخرى وشرب الجميع نخب رئيس الطباخين الذين صنع مع زملائه الطباخين الأطعمة التي أكلناها، «يونس أحمد» وهذا هو اسم رئيس الطباخين (أهل التتار مسلمون وأسماؤهم عربية)، رفع كأسه وردَّ على التحية بكلمة شكر، ثم جلس إلى مائدته بجوار نائبة رئيس الوزراء التتارية والوزراء وأعضاء الحزب، وبعد الطعام وقف الجميع وأنشدوا أنشودة الوطن، ثم بدأت الموسيقى تعزف الألحان الراقصة، وانخرط الجميع في الرقص والغناء، رأيت نائبة رئيس الوزراء تعزف على البيانو، ووزيرة التضامن الاجتماعي ترقص، ووزير التعليم يشترك في حلقة الرقص مع النساء، ولا شيء يبدو غير طبيعي، ولا أحد يبدو أنه يختلف عن الآخرين، الكل مرح وعلى الوجوه تعبير بالاطمئنان.

ثم سرنا في شارع «أوليانوس» حتى دخلنا بيتًا صغيرًا من الخشب، وجعلونا نرتدي فوق أحذيتنا أحذية خفيفة مصنوعة من القماش. وهذا نظام يتبع قبل دخول أي متحف للمحافظة على الأرض من ملايين الكعوب المدببة وغير المدببة التي تفد من أنحاء العالم، وبيت لينين في أوليانوس أصبح متحفًا يزوره كل يوم آلاف السياح، وصعدت السلم الخشبي الصغير الذي يقود إلى حجرة نوم لينين، حجرة صغيرة بغير باب يفصلها عن السلم، وسرير معدني صغير إلى جواره منضدة عليها كتب محفوظة وراء الزجاج، وقرأت عناوين الكتب: رأس المال لماركس، تاريخ الماركسية في روسيا لباروفسكي، أصل العائلة لفرديك إنجلز، وكتب أخرى في القانون والاقتصاد والفلسفة، ولمبة جاز فوق المنضدة لها سلك كهربي، تعمل بالكهرباء، وإذا انقطعت الكهرباء تعمل بالجاز. وبعد حجرة لينين حجرة أخيه ألكسندر الذي أُعْدِم شنقًا وهو في الحادية والعشرين من عمره؛ لاشتراكه في مؤامرة لقتل القيصر، وحجرة أمه والبيانو كانت تعزف عليه لأطفالها الستة، وحجرة أخته «أنا» التي حُبِسَت ونُفِيَت، الكرة الأرضية «اللعبة» التي كانت تلعب بها أختاه الصغيرتان.

ونطوف بالبيت الصغير نستمع إلى شرح المترجمة الروسية، كل ركن في البيت له قصة ولكل قطعة أثاث دور في حياة أسرة لينين. وأنظر من خلال نافذة حجرته الزجاجية فأرى فروع شجرة صغيرة تتدلى على الحائط، أتخيله واقفًا وراء النافذة نفسها يطل على الشجرة نفسها وذهنه شارد، مشغول بالأفكار التي دخلت رءوس العمال والفلاحين في روسيا وأشعلت أول ثورة اشتراكية. ومات لينين سنة ١٩٢٤ لكنه ظل حيًّا في كل مكان بالاتحاد السوفييتي؛ تماثيله في كل قرية وكل مدينة، وكلماته محفورة على الحجر، وكتبه وأقواله تكاد تكون محفوظة، حتى جسده الميت لم يُدفن ولم يتحول إلى تراب ككل أجسام البشر، وإنما ظل محفوظًا في مقبرته في الميدان الأحمر بموسكو.

وهذا هو شارع مكسيم جوركي. وهذا هو متحف جوركي، ودخلنا بيتًا صغيرًا من الخشب في أحد شوارع أوليانوس، وارتدينا الأحذية القماش، وهبطنا بضع درجات مظلمة فأصبحنا في البدروم، وهو المخبز الذي عمل فيه جوركي فترة من حياته، ورأينا الفرن والمنضدة الخشبية التي يوضع عليها الخبز، وتحت الطاولة على الأرض الإسمنت كان ينام جوركي ويثني جسمه الطويل تحتها، وفي الحائط عُلِّقَت لمبة جاز كان يقرأ على ضوئها. الكتب كان يحصل عليها من صاحب المخبز، وصعدنا إلى صالة واسعة على جدرانها لوحات كثيرة تصور حياة جوركي. كان حمَّالًا. وهذه صورته وهو يحمل الأثقال، واشتغل عند امرأة في حانة، وحرَّضته المرأة على السرقة فضربها وخرج، وهذه صورته وهو يبيع الخبز. وهذا تمثال لخنازير تأكل الخبز وجوركي لا يأكله. رفضته جامعة كازان لفقره، وانضم إلى خلية واحدة مع لينين، وتتوالى اللوحات والتماثيل تحكي قصة كفاحه.

ثم ركبنا السفينة الكبيرة، سبحت بنا على نهر الفولجا واللحن السوفييتي «بحار الفولجا» تدندن به «زوبا» عضو الاتحاد النسائي السوفييتي، يشبه في بعض مقاطعه لحن النيل نجاشي «هيلا هوب هيلا»، واشتركنا كلنا في الغناء، وكان الجو قد بدأ يصفو، وسطعت الشمس وخلعت النساء المعاطف وملابس الشتاء وارتدين ملابس الصيف والربيع.

وفي مدينة كازان استُقبلنا بالموسيقى والزهور وموائد الطعام والشراب، وقيل لنا إنه لم يحدث من قبل أن زار الاتحاد السوفييتي كل هذه الوفود من النساء. كان الاستقبال حارًّا والاحتفاء بنا أكثر من تصوراتنا. وكما يحدث في كل بلد طُفْنَا بالمتحف والمسارح، ووضعنا الزهور على النصب التذكاري للجندي المجهول، وزرعنا شجرة في طريق الصداقة، ووقفنا أمام تمثال «عبد الله تقي» شاعر التتار، وتمثال «موسى جليل» بطل التتار المقيد بالحبال، وبرج سيوميبكي المائل. وفي متحف كازان رأينا العربة الحنطور التي ركبتها كاترين الثانية، والقرآن باللغة العربية داخل برواز زجاج، وملابس التتار الشعبية مطرزة بشكل يشبه ملابس نساء فلسطين، وطاقية الرجال كطواقي العرب، واللغة التتارية القديمة تشبه في حروفها اللغة العربية، وأسماء التتار تشبه أسماء العرب، ودينهم الإسلام أيضًا.

وفي قسم من المتحف رأينا أنواع سمك الفولجا، سمك «بيروجا» ويُستخرج منه الكافيار الأحمر، وسمك أميوترا ويُستخرج منه الكافيار الأسود، وقسم لصناعات التتار والترول، وأجهزتهم الحديثة وخاصة في مجال الطب: جهاز الكلى الصناعية وأجهزة جراحة الرئة الحديثة.

وجامعة كازان لها تاريخ طويل، درس بها تولستوي، وفي كلية الحقوق درس لينين، ودخلت النساء إلى القاعة التي كان يدرس بها لينين، وتنافسن على الجلوس على المقعد الخشبي الذي كان يجلس عليه في مؤخرة الفصل، وأمام الجامعة تمثال لينين وعمره سبعة عشر عامًا.

وقضينا اليوم الأخير في كازان مع الأطفال، والأطفال في الاتحاد السوفييتي طبقة مميزة تحظى بالاهتمام، زرنا مركزًا لرعاية صحة الطفل، وقالت لنا طبيبة المركز بعد أن طفنا بأنحاء المكان: وفيات الأطفال هنا ٢ في الألف وكانت قبل الثورة ٣٤٢ في الألف، والنساء هنا يلدن بالمستشفيات، وقبل الثورة كان ٤ فقط من النساء يلدن بالمستشفيات.

وزرنا دار الحضانة، واستقبلنا الأطفال بالزهور والأناشيد، وفي معسكر الأشبال استُقبلنا بالعيش والملح، وأكلنا العيش والملح كرمز للصداقة والحب، وقبل أن نودع الأطفال وقفوا في حديقة معسكرهم الواسعة وأنشدوا أنشودة الأطفال السعداء، ومسحت بعض النساء دموعهن وهن يودعن الأطفال ويطبعن على خدودهم الحمراء قبلة الوداع.

حين وصلنا إلى القاعة الفسيحة في فندق «روسيا» في موسكو التقيت بعدد من الأدباء العرب والمصريين، وكانوا في طريقهم إلى مؤتمر الكُتَّاب في طشقند.

وفي الصباح وصلتني باقة ورد ورسالة تدعوني لحضور مؤتمر الكتاب في طشقند. انفصلت عن وفود النساء ووجدتني وحقيبتي داخل طائرة الأدباء، قطعنا المسافة بالطائرة بين موسكو وألماتا «عاصمة كازاخستان» في خمس ساعات ونصف ساعة، هبطنا إلى مطار ألماتا، ولفحت وجوهنا نسمة الصيف الحار، يشبه صيف مصر، وطالعتنا وجوه أهل كازاخستان بأنوفهم الفطساء وعيونهم المستطيلة المسحوبة إلى أعلى كعيون أهل الصين. لا يفصلهم عن الصين إلا الجبل العالي تغطي قمته الثلوج البيضاء، وتنمو على سفحه الأشجار والخضر والفواكه، يزرعون الجبل هنا، ويصنعون من الثلوج الذائبة فوق القمة أنهارًا وبحيرات صناعية، ويحولون مجرى الأنهار الطبيعية في سدود عالية تصنع الكهرباء، وهؤلاء هم أهل كازاخستان الذين أرسلوا خبراءهم إلى أسوان واشتركوا مع المصريين في بناء السد العالي.

وكان رئيس اتحاد الأدباء يتقدم الوفد الذي استقبلنا في المطار بالزهور، ومن المطار إلى الاستراحة إلى المائدة رُصَّت عليها زجاجات الفودكا والكونياك والشمبانيا والنبيذ، وأطباق الكافيار والسمك والفراخ واللحوم، وعلى المائدة تلقى كلمات الترحيب، ونشرب نخب الصداقة بين شعوب آسيا وأفريقيا، ونخب أولادنا الذين وُلدوا والذين لم يجيئوا بعدُ. يحبون الأولاد، ولا يحددون النسل، بل يمنحون مكافآت للأم التي تلد أطفالًا من بعد الطفل الرابع، وشربنا مرة أخرى نخب أطفالنا الذين لم يولدوا بعدُ، وارتفعت الضحكات والقهقهات، وزالت الكلفة بين الكاتب الهندي والمصري والجزائري والسوداني والروسي والأفريقي، وأصبحنا جميعًا أهل وطن واحد: الأدب والفن.

ورأيت على المائدة دورقًا كبيرًا مليئًا باللبن، وصب لي «يوري بروفيتش» (رئيس اتحاد الأدباء في موسكو) كأسًا من اللبن، ما إن أخذت منها رشفة حتى لسعت حلقي بالحامض وضحك يوري قائلًا: لبن حصان، مفيد للصحة وبه ٥ في المائة كحول.

وسألت: أتشربون لبن الحصان؟

وسألني: أتشربون لبن البقر؟

ما الفرق بين لبن الحصان ولبن البقر؟

ومددت يدي إلى طبق به قطع مشوية من اللحم، وأكلت بشهية قطعة لحم وجدت لها طعمًا لذيذًا، وقلت لجارتي «لاريسا» المترجمة الروسية: «لحم لذيذ».

وقالت لاريسا: جدًّا. إنه لحم الحصان.

وأخفيت دهشتي وارتفعت مرة أخرى الأيدي بكئوس لبن الحصان يشربون نخب الفن والصداقة، فرفعت كأسي معهم وشربت لبن الحصان.

•••

صعدت بنا السيارة الطرق المتعرجة فوق الجبل ويسمونه هنا باسم «القمة الخضراء»، الأشجار والخضروات تتخللها جداول الماء الذائب من فوق القمة، السيارات في مكان من الجبل، وأقبل علينا جمع من المزارعين يتقدمهم رئيس المزرعة الجماعية، رجال يرتدون البدل، وقادونا إلى داخل المزرعة حيث رأينا مائدة طويلة عليها الأطعمة كالعادة، وإلى جوارها حمام سباحة، وكان إغراء الماء شديدًا في ذلك الجو الحار فنزل بعض الكُتَّاب وسبحوا في الماء ثم تمددوا تحت الشمس.

وتجولنا في المزرعة مع المزارعين ومعنا مرشد يقول: تتكوَّن مزرعتنا من ثلاث قرًى يبلغ تعدادها ٦٥٠٠ شخص من قوميات مختلفة عددها ٢٩ قومية، مساحة المزرعة ٨٠٠٠ هيكتار (٣٢٠٠٠ فدان)، يربَّى بها ٢٨٠٠٠ من الماشية، منها ٧٥٠٠ حصان، عندنا آلات الزراعة الحديثة وماكينات ومصانع مرتبطة بالإنتاج، وثلاثة مستشفيات، وأربع مدارس، وثلاث دور حضانة، ومعامل كيماوية وأبحاث، ربح المزرعة يُوَزَّع على المزارعين بعد دفع حصة الحكومة، والدولة هي التي تدفع أجور الأطباء والممرضين والمدرسين والإخصائيين الزراعيين والكيماويين.

أجور المزارعين تتفاوت حسب عملهم وإنتاجهم، لكل أسرة بيت وحديقة يزرعها رب الأسرة لنفسه وأولاده، العمل في مزرعتنا ثماني ساعات في اليوم، وأجر المزارع العادي ٩٠ روبل في الشهر، الذي يربي الحيوانات يحصل على ١٢٠ روبل في الشهر، والذي يعمل على الآلات يحصل على ٣٠٠ روبل في الشهر. نجحت فكرة المزرعة الجماعية عندنا بعد أن تدرَّب الفلاحون على العمل الزراعي الجماعي، وبعد أن تغيرت القيم وتخلصوا من نزعة الملكية، الحديقة والبيت والسيارة ملكية خاصة، ولكنها ملكية لا تستغل أحدًا، الأنانية والطمع يزدادان بازدياد الملكية، نحن نبني إنسانًا اشتراكيًّا له قيم جديدة أساسها العمل الجماعي والتعاون مع الآخرين والحصول على الرزق بقدر العمل والإنتاج، الفرد منا يطمئن إلى مستقبله ومستقبل أولاده. لا نشعر بقلق أو خوف من مرض أو عجز أو شيخوخة، الدولة ترعى كل هذا. لا نحمل هموم تربية أولادنا والإنفاق عليهم؛ فالدولة رفعت عنا هذا العبء. كل شيء متوفر لأطفالنا بالتساوي، والمرأة عندنا كالرجل، تعمل في أي عمل وتقود الجرار وآلات الزراعة وتأخذ حقها في الأجر ولها حقوقها الاجتماعية والسياسية كالرجل. لا توجد عندنا مشكلة اسمها أطفال غير شرعيين، كل طفل يولد هو طفل شرعي، يأخذ اسم الأب أو اسم الأم وله كل الحقوق، الناس عندنا يتزوجون عن حب، وروابط الأسرة قوية والطلاق ليس سهلًا وله إجراءات ونظام معين. لينين هو مؤسس الاشتراكية في بلدنا ولكنه لم يكن وحده؛ كان معه أبطال كثيرون من شعبنا، نحن لا نحب الطقوس التي تقدس أي فرد مهما كان، ونكره مَنْ يقدسون لينين أو ماركس، نريد أن نحرر الناس من طقوس العبودية، عندنا حرية رأي في إطار الماركسية اللينينية، ولا نريد أن يكون للفكر الحر أي إطار مهما كان، قضينا على الجهل والخرافات والأمية، أصبحنا ثاني دولة في العالم بعد خمسين سنة فقط، حققنا الاشتراكية في مجتمعنا. أما الشيوعية فلا نزال بعيدين عنها كثيرًا وبيننا وبينها سنوات طويلة. لن نصل إلى الشيوعية إلا بعد أن نحقق وفرة في إمكانياتنا المادية ونغير تفكير الناس بحيث يمكن تطبيق مبدأ «من كلٍّ حسب طاقته إلى كلٍّ حسب حاجته»، تغيير تفكير الناس هو أصعب شيء.

•••

على باب الجامع طلبوا منا أن نخلع أحذيتنا، وضعت حذائي بجانب أحذية الرجال المتراصة أمام الباب. لم يطلب أحد مني أن أغطي شعري أو أرتدي الحجاب، خطوت داخل الجامع وأنا رافعة رأسي كالرجال.

منذ الطفولة وأنا أكره التفرقة بين إنسان وإنسان، أو بين البنت والولد، وعلمني أبي الصلاة وأنا طفلة في السابعة، وحين أرى أخي يصلي دون أن يغطي شعره مثلي أتساءل: لماذا يُفرض الحجاب على البنت؟ ويقول أبي: إن الحجاب يخفي مفاتن المرأة عن أعين الرجال، وأسأل أبي: ولكني أصلي في الغرفة وحدي ولا يراني إلا الله، وهل من المفروض أن أخفي مفاتن شعري عن الله وهو يراني في كل لحظة حتى وأنا داخل الحمام؟ ويقول أبي: تغطية شعرك أثناء الصلاة احترام لله وليس إخفاء للمفاتن.

وأسأل أبي: ولماذا لا يغطي أخي شعره أثناء الصلاة، وأنت أيضًا لا تغطي شعرك، فهل احترام الله أثناء الصلاة مفروض على البنات والنساء وليس مفروضًا على الرجال؟!

ولم يكن أبي يجد الإجابة على أسئلتي وأنا طفلة، ولم أكن أكفُّ عن الأسئلة، ولم يكن أبي يمنعني عن التساؤل عن أي شيء. لكنه كان حين يعجز عن الإجابة يقول لي: هناك حكمة في هذا لا يعلمها إلا الله.

ولم يكن عقلي وأنا طفلة يقتنع بهذا الرد من أبي.

ورأيت عددًا من الرجال راكعين يصلون، وسمعت صوت الإمام يرتل القرآن باللغة العربية كأي فقيه عربي: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ.

وبعد انتهاء الصلاة نظر إليَّ الرجال بدهشة؛ فالجامع لا تدخله النساء، وذهبت إلى الإمام الكازاكي وقلت له: الدين الإسلامي لم يمنع النساء من دخول الجوامع.

وقال: ونحن لا نمنع، ولكننا غير متعودين على ذلك.

– أنت تعرف اللغة العربية.

– لا أعرفها.

– ولكني سمعتك ترتل القرآن باللغة العربية.

– إنني أحفظ بعض الآيات فقط.

– ألم تدرس القرآن باللغة العربية؟

– لا، لا يوجد عندنا القرآن إلا باللغة التركية.

– أيأتي إلى الجامع كثير من الناس؟

– لا، ولكن معظم أهل كازاخستان مسلمون وأسماؤهم عربية.

– هل يتزوج الرجال المسلمون هنا بأكثر من واحدة؟

– لا، الإسلام في نظري لا يبيح الزواج بأربع؛ قال الله سبحانه وتعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً، وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ. لقد أقر الإسلام استحالة العدل؛ وبالتالي فقد أقر عدم الزواج بأكثر من واحدة.

•••

الفنانون في كازاخستان طبقة مميزة كالأطفال والعلماء ورجال الحزب، وفي الساعة السابعة مساءً ينطلق الناس من بيوتهم إلى المسارح وقاعات الموسيقى وعروض الباليه والرقص الشعبي والغناء، وفي الليلة الأخيرة في «الماتا» جلسنا نستمع إلى بلبل كازاخستان «ببي بول»، وهي شابة جذابة لها عينان سوداوان وشعر أسود وملامحها تشبه المصريات، وغنت ببي بول على نغمات «الدومبرا» وهي آلة موسيقية شعبية تشبه العود في شكلها وأنغامها وطريقة العزف عليها.

وبعد الغناء قدمنا الزهور كعادة السوفييت إلى المغنية، وجلست معنا ببي بول إلى المائدة، وشربنا نخب صوتها الجميل، وكانت تتقبل الإعجاب والتهاني ببريق خاطف في عينيها يشبه الدموع وسألتها: هل رأيت القاهرة؟

وقالت بلغتها الكازاكية بضع كلمات لم أفهمها.

وترجم «عبد الكريم» — أحد كُتَّاب كازاخستان — كلماتها من الكازاكية إلى الروسية، وترجمت «ماتاشا» الكلمات الروسية إلى الإنجليزية، وأخيرًا استطعت أن أفهم ما الذي قالته، قالت إنها رأت القاهرة وقابلت أم كلثوم وأنها أحبت صوتها حبًّا شديدًا.

•••

سافرنا بالطائرة ذات الأربعة محركات من الماتا إلى طشقند (عاصمة أزبكستان)، وكان الجو صحوًا ودافئًا والشمس كشمس مصر، والملامح أيضًا تشبه ملامح مصر، ولهم عادات المسلمين وبعض طباعهم، والفلاحون في المزارع الجماعية يرتدون طاقية تشبه طاقية العرب، ولولا اختلاف اللغة لظننت أنني في مصر. وطفنا بمتاحف المدينة وتماثيلها ودخلنا قاعات الموسيقى والمكتبات والمسارح ومعاهد الأبحاث والمصانع ودور الحضانة والمستشفيات ومعسكرات الأشبال والشباب، وقال لنا المرشد إنهم زرعوا الجبل بالغابات، واستخرجوا المعادن من باطن الأرض، وبعد سنتين فقط ستنتج أزبكستان وحدها ٧٠٪ من ذهب الاتحاد السوفييتي، وأحدثوا طرقًا جديدة في الزراعة، أنزلوا المطر الصناعي في بعض المزارع الجماعية، وانتخبوا أنواعًا جديدة من الفواكه، عندهم الآن ١٢٠٠ نوع من العنب فقط، وعندهم ٢٦ معهدًا لأبحاث الفواكه فقط، وينتجون كل أنواع المشروبات والنبيذ.

ثم أخذونا إلى مائدة طعام نُصِبَت بجوار البحر، يشبه بحر الإسكندرية. لا أرى الشاطئ الآخر وإن أطلت التحديق. لكنه بحر بلا أمواج كبحيرة قارون في الفيوم، وقالوا لنا إنه إحدى البحيرات الصناعية في أزبكستان.

وارتدى بعض الأدباء بدل السباحة وقفزوا إلى الماء، واتكأ الأديب السوفييتي «سوفرونونف» على كتف زوجته وراحا يغنيان معًا أغاني موسكو، ورقصت «ناتاشا» رقصة طشقند الشعبية.

وأمسك الأديب الهندي «ملك راج أندند» بيد «لاريسا» وراح يقرأ لها الكف، واستطعت أن ألتقط جزءًا من الحوار دار بينهما.

لاريسا : ماذا ترى في كفِّي يا دكتور ملك؟
دكتور ملك : لكِ زوج تحبينه، وطفلان.
لاريسا : قلت لك ذلك من قبل عدة مرات.
دكتور ملك : على العموم خطوط كفك تؤكد لي أنك قلتِ الصدق.
لاريسا : وماذا عن مستقبلي في الأدب؟

(ودقَّق دكتور ملك في كفها لحظة.)

دكتور ملك : خط القلب يدل على أن قلبك نقي.

(وسكت لحظة يفكر بعمق.)

دكتور ملك : قلبك نقي يا لاريسا، أنقى من أن يدرك شرور الحياة؛ ولذلك لن تصبحي كاتبة أبدًا في يوم من الأيام.

وكان الكاتب السوداني «محمد سليمان» يتحدَّث بحماس إلى المترجم الروسي عن ثورة السودان.

والأديب الجزائري «مولود مامري» قد نسي «المايوه» في الفندق وراح يحملق في الماء طويلًا، ثم ألقى بنفسه في البحر بملابسه. أما «يوري بتروفيش» فقد أمسك بأسياخ الكباب الساخن وراح يأكل بشهية وحماس ثم وقف على رأس المائدة وطلب أن يشرب الجميع نخب الصداقة السوفييتية العربية، وتسابق الجميع إلى رفع الكئوس، وأنشد شاعر طشقند باللغة الأزباكية أبياتًا من الشعر.

وفي طريق العودة كان هناك لحن خافت ينبعث من مكان ما، وعلى جانبي الطريق أشجار وجداول مياه وبحيرات يستحم فيها أطفال ومبانٍ تُنْشَأ وطرق، وقبل أن تنحرف بنا السيارة إلى داخل المدينة رأيت امرأة تقود وابور زلط وترصف الطريق ولوَّحْتُ لها من وراء الزجاج فاقتربت من السيارة وهي تقود وابور الزلط، رأيت وجهًا مرهقًا ملوحًا بالشمس وغارقًا في العرق.

وسمعتها تقول شيئًا بصوت غاضب، وترجمت لاريسا كلماتها. كانت المرأة تقول: أيها السياح لا تنظروا إليَّ «كالثور» في حديقة الحيوان، ولا تصدقوا أن المرأة تساوت هنا مع الرجل؛ فأنا أعمل في الشارع وفي البيت.

•••

ركبت الطائرة إلى موسكو. لم أرَ موسكو بعدُ، وربما يكون ذلك أمرًا معكوسًا؛ فالناس تدخل البيوت من أبوابها وتدخل البلاد من عواصمها، ولكن قد يدخل الإنسان إلى البيت من النافذة.

وأزحت الستارة الشفافة عن النافذة الزجاجية العالية، في أعلى طابق فندق «روسيا» الضخم، فإذا بالميدان الأحمر يمتد فسيحًا تحت عيني، وقباب الكرملين الذهبية تعلوها النجمة الحمراء اللامعة، والكنيسة المهجورة القديمة تحوطها السقالات؛ حيث تجري الترميمات استعدادًا للاحتفال بمرور مائة عام على مولد لينين، وفي مواجهة الكنيسة ترقد مقبرة لينين المربعة الحمراء، ومن خلفها مقابر الشهداء ملاصقة لجوار الكرملين، ومن وراء سور الكرملين العالي يجري نهر موسكو صامتًا إلا من لحن خافت لا أكاد أسمعه، وكنت مرهقة ولكني شعرت برغبة في أن أتجول في شوارع موسكو بالليل، ولبَّت رغبتي في السير صديقة روسية اسمها «فيرا» تعرفت عليها.

اخترقنا الميدان الأحمر وسرنا بحذاء النهر. كان الليل دافئًا، وأسراب الشباب تنساب مع لحن الليل الهادئ، ثنائية أو على شكل مجموعات صغيرة، تدندن أو تغني أو تلتف بعضها حول البعض وترقص على اللحن الروسي القديم: «تلك كانت الأيام يا أصدقائي التي ظننا أنها لن تنتهي، كنا نرقص ونغني إلى الأبد ونحارب وننتصر؛ لأننا كنا في شباب العمر، تلك كانت هي الأيام يا أصدقائي.»

وعلى المقاعد الخشبية بحذاء النهر كان هناك فتيان وفتيات يتبادلون العناق والقُبَل، الشباب هم الشباب في كل أنحاء العالم لا شيء يحول بينهم وبين تبادل العناق والقبل.

ثم عدنا إلى الفندق وجلسنا في البهو الكبير المزدحم بالناس. فندق «روسيا» هو ملتقى الوفود والمؤتمرات العالمية، وجوه كثيرة متعددة الجنسيات، وأصوات بمختلف اللهجات واللغات، وملابس وأزياء من كل نوع، أمواج من البشر، رجال يحملون الحقائب الجلدية وأوراق المؤتمر الاقتصادي، شباب يعلِّقون شارات المؤتمر الرياضي، ممثلات ونجوم سينما تحوطهم العدسات والأضواء، وفود النساء وطرقعات الكعوب الرفيعة، مندوبو الصحافة يهرولون وراء الشخصيات المعروفة.

وهذه مجموعة من المشايخ يرتدون القفاطين والعمم، يسيرون بخطوات بطيئة حاملين في أيديهم السبح والكتب السماوية، واستطعت أن أشقَّ طريقي إلى شيخ معمم سمعته يتكلم اللغة العربية، اسمه الشيخ ضياء الدين، ويسمونه في الاتحاد السوفييتي باسم بابا خانوف، وهو مفتي المسلمين بآسيا الوسطى وكازكستان، درس الإسلام في طشقند على يد والده، ودرس بالأزهر بالقاهرة منذ سنين.

وسألته إلى أين تذهب؟ قال: إلى مؤتمر الأديان الذي يُعْقَد الآن، ويحضره رجال الأديان من الاتحاد السوفييتي ومن جميع أنحاء العالم، مسلمون ومسيحيون وبوذيون وغيرهم، سيُعْقَد المؤتمر في مدينة زافورمنسك ويشرف عليه صاحب القداسة بطرق موسكو وعموم روسيا، وأنا أيضًا بصفتي مفتي المسلمين بآسيا الوسطى وكازكستان. قانون الحكومة عندنا ينص على حرية الأديان وممارسة الشعائر الدينية، سأقدم بحثًا في المؤتمر عن مشكلة النزاع في الشرق الأوسط.

وجاء اليوم الأخير في الرحلة، واقترحت «فيرا» أن أزور مقبرة لينين. كنت أرى الطابور الطويل كل يوم في الميدان الأحمر، وحرس المقبرة بزيهم الرسمي يسيرون بخطى بطيئة، وعند كل دَقَّة ساعة يؤدون التحية.

منذ الطفولة وأنا أكره الطقوس العسكرية والدينية، وحركات الجسم تبدو لي ميكانيكية، وأكثر ما كنت أكره منظر الجنود وهم واقفون بغير حراك كأعمدة النور.

لكني هبطت ذلك الصباح من غرفتي إلى البهو الكبير ثم سرت نحو الميدان الأحمر. كان الطابور أمام المقبرة طويلًا، وفكرت في العودة إلى الفندق، لكن الاستطلاع جعلني أنتظر، لا بد أن هناك شيئًا يستحق الرؤية طالما أن هذه الأمواج من البشر تأتي كل يوم وتنتظر بالساعات لحظة الدخول.

كان الطابور يتقدم ببطء شديد، وشمس يوليو فوق الرءوس، والعرق في الملابس، ولا أحد يتخلى عن مكانه في الصف، كطابور يوم القيامة والسير على الصراط المستقيم، لكن نار جهنم ليست تحت أقدامنا، وإنما هي فوق رءوسنا، ومن فوقها قباب الكرملين تعلوها النجمة الحمراء.

أخيرًا وجدت نفسي على عتبة المقبرة، ولفحت وجهي نسمة باردة مكيفة، سرت بخطوات بطيئة وراء السائرين، ورأيت لينين راقدًا داخل غرفة زجاجية، يسقط على وجهه ضوء أحمر خافت يخفي شحوب البشرة ويكسبها لونًا ورديًّا صناعيًّا، العيون شاخصة نحوه في خشوع كالصلاة الصامتة.

قشعريرة كالموت تزحف على جسمي، كأول مرة دخلت مشرحة كلية الطب ورأيت جسدًا ميتًا كأول مرة رأيت المومياء المحنطة في التابوت القديم.

وقلت: التحنيط علم عرفه قدماء المصريين منذ خمسة آلاف عام.

وقالت «فيرا»: كان «لينين» عظيمًا.

وقلت: نعم، ولكني أكره الوثنية وعبادة الأجساد المحنطة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠