الفصل السادس

إيران قبل الثورة

كانت رحلتي الأولى لإيران (في نوفمبر ١٩٦٨) رحلة علمية طبية، محصورة داخل جامعة طهران، أجلس وسط أعضاء المؤتمر الأطباء، أسماؤهم وألقابهم معلَّقة فوق صدورهم، أستمع إلى أوراق طويلة مكررة عن الصحة والمرض، ثم أخرج من الجامعة لتحملني عربة خاصة تسير بي في طريق واحد مستقيم يوصلني إلى حجرتي الصغيرة بالفندق. وهذه الحياة العلمية البحتة لا أطيقها خاصة وأنا خارج الوطن؛ فالعلم ليس هدفي الوحيد حين أسافر؛ فالعلم يمكن أن يُحصَّل في الجامعات المصرية أو في المكتبات أو في بيت، وليس من الضروري أن يسافر الإنسان إلى بلد آخر ليقبع بين جدران جامعته ويتلقى العلم. أما المعرفة وهي شيء آخر غير العلم فتقتضي أول ما تقتضي الفرار من بين جدران الجامعات والمكتبات إلى الحياة والناس والشوارع، ومن هنا تكون للسفر أهمية كبيرة.

ورغم انحصار مهمتي داخل جامعة طهران ورغم إدراكي الشديد لانعدام الرغبة في كثرة الحركة والتنقل هنا وهناك، ورغم تلك المحاولات التي تحدث في كل بلد تقريبًا، والتي تشد الأجانب والسياح شدًّا إلى الواجهة المطلية من البلد سواء كانت أحجارًا أو أشخاصًا تحجروا في الوضع الذي صُنِع لهم، يرددون صدى الأصوات كالقباب الأثرية الخاوية.

لم أكن أعرف تمامًا إلى أين أنا ذاهبة، لكني رأيت بناءً كبيرًا مواجهًا لهذا الجامع كُتب على بابه بالفارسية: «دانشكدة أدبيات» ومعناها كلية الآداب، وقلت لنفسي: لعل هذا هو الباب إلى الأدب الفارسي، ودخلت وسألت عن أفضل أديب في إيران، فقالوا لي إنه عميد الكلية، فاشتريت كراسة جديدة وذهبت للقائه في مكتبه الفاخر، وجلست معه نصف ساعة لم أدوِّن في الكراسة كلمة واحدة عن الأدب، ثم خرجت مسرعة من الباب الخلفي للجامعة، وبهذا تفاديت باب العربة الذي يتصيدني بعد انتهاء المحاضرات لأُحْمَلَ كالوديعة الثمينة إلى الفندق.

كان المطر قد بدأ ينهمر فدخلت إلى مطعم صغير تفوح منه رائحة «الشيلو كباب»، وكانت الموائد مكتظة برجال ونساء أمامهم أطباق كبيرة كالصواني عليها أسياخ الكفتة المصنوعة من أصناف متعددة من البقول والخضر ولحم الخروف؛ فالخبز الإيراني الكبير كالفطير المشلتت والبصل واللفت الأحمر. وجلست إلى جوار مجموعة من الشباب يختلف عن الشباب الذي رأيته داخل الجامعة؛ فالملامح أكثر خشونة، والشعر مقصوص، وفي عيونهم نظرة متحفزة فيها سخط وفيها غضب، وأنا أحب هذه النظرات في الإنسان أحيانًا، فكأنما خُلِقَ الإنسان في نظري ليثور ويغضب، ولعلها نظرة خلفها لي عمر عشته في ظروف تقتضي دائمًا السخط والغضب والثورة.

وتآلفت بسرعة مع هذه العيون، وكان بينهم فتاة اسمها «ماني» شعرها أسود قصير وعيناها سوداوان لامعتان، ووجدتني أشاركهم الحديث وكانوا — لحسن الحظ — يُلمُّون بشيء من الإنجليزية، وكنت أنا قد تعرفت على بعض الكلمات الفارسية، ودار بيننا حوار وعرفت منهم الطريق إلى إيران الحقيقية والشعب الإيراني الحقيقي، وعرفت أيضًا كيفية الوصول إلى أديب إيران الأول الذي يتلقف الناس كتبه ويحفظون كلماته وينتظرون مؤلفاته الجديدة.

رغم كل ذلك استطعت أن أجد طريقًا للهروب، وكان ذلك هو طريق الأدب. والأدب في حياتي ليس كالأدب في حياة الأدباء الشرعيين الذين يمارسون الكتابة والذين يتقاضون رواتب ويأكلون ويشربون ويسافرون إلى الخارج من أجل أن يكتبوا أدبًا، لكن الأدب في حياتي شيء غير رسمي، شيء غير معترف به وسط الأطباء كالطفل اللقيط، أمارسه في الليل بعد أن أنتهي من مهامي الرسمية كما يمارَس الحب الآثم. أنفِّس به عن نفسي من وطأة حياتي الشرعية التي تموج في جو مشبع بالأمراض والجراثيم.

وهكذا وجدتني فجأة أجمع أقلامي وكتبي وكراريسي وأغادر قاعة المحاضرات في هدوء شديد، وخرجت إلى فناء الجامعة. كانت شمس نوفمبر دافئة رقيقة، والشباب الإيراني الجامعي ينتشر في الفناء، وجوه لا تختلف كثيرًا عن وجوهنا، الملامح الشرقية بارزة في الوجه ومدببة، فيها خشونة ورجولة شرقية تتناقض مع الشعر الطويل المسدل فوق الرقبة وأمام الأذنين، والفتيات بشرتهن القمحية الفاتحة وعيونهن الواسعة كعيون المها تتعثر فيها نظرات وجلة خجلة لم تتحرر بعدُ من عقدة الأنثى الأَمَة، رغم المساحيق الأمريكية التي تظلل الجفون والرموش ورغم الميني جيب «التي تكشف عن أفخاذ شرقية ممتلئة حياءً وخفرًا».

وفي وسط الفناء حديقة جميلة منسقة تتوسطها نافورة تملأ حوضًا واسعًا يشبه حمام السباحة يعكس الشمس الذهبية، ويجلس من حوله الشباب والشابات يتهامسن ويتناجين، والعيون تبرق متأججة بعنفوان الحب والرغبة، لكن التقاليد لا تزال تمنع العناق والقُبَل أمام الآخرين. وفي مواجهة هذه الحديقة الحالمة جامع رصين ضخم البناء حُلِّيَت جوانبه البيضاء بآيات من القرآن، ومن مئذنته الكروية ينبعث صوت عربي يؤذِّن لصلاة الظهر محييًا على الفلاح ومصليًا على النبي محمد وعلي بن أبي طالب أمير المؤمنين.

وكان الطريق إليه طويلًا وعرًا، فهو لا يعيش في قلب طهران العاصمة ككل المشهورين، وإنما يعيش في منطقة بعيدة شمال طهران اسمها شميران، والطريق إليه صاعد الجبل، وعلى جانبيه أشجار عالية وقنوات تجري فيها مياه المطر، والمياه الذائبة الهابطة من فوق والثلج الأبيض يغطي القمة العالية تشق السماء وتنعكس عليها أشعة الشمس الذهبية.

وصعدت بي السيارة إلى شارع ضيق ثم دخلت في زقاق، ووقفت أمام بيت صغير قديم ظهر منه شاب أشيب ملامحه مألوفة كأنما رأيته من قبلُ، تمامًا كما يحدث لي في كل مرة حين ألتقي بإنسان من هذا النوع، يرتدي ملابس بسيطة، وبيته من الخارج والداخل بسيط، وعربته الصغيرة تسد مدخل البيت الضيق، عربة قديمة يشك الناظر إليها في قدرتها على الحركة، وربما هي أول عربة قديمة أراها في طهران حيث العربات الأمريكية الجديدة تزحم الشوارع والميادين.

هذا النوع من الناس تألفه من أول لقاء، وتلك الهالة غير المرئية تحيط بأجسام بعض الناس؛ وُهبوا طاقة لها إشعاع غير عادي، ربما في العقل، أو في النفس، أو في شيء ما عميق داخلهم نحسُّه نحن الغرباء عنهم بشيء ما داخلنا عميق ومجهول أيضًا.

اسمه جلال آل أحمد، يعرفه الناس في إيران ويقرءون كتبه، لكن حكومة الشاه تصادر الكتب، وتمنع نشر مخطوطاته الجديدة، فيهرب بها تلاميذه وقراؤه إلى خارج إيران، ويطبعونها في بلاد أخرى، ثم يوزعونها سرًّا في إيران.

فيه نحافة تُكسبه مسحة من الإرهاق فكأنه لا ينام ولا يأكل، ملامحه إيرانية صميمة؛ البشرة الملوحة بالشمس، والأنف المستقيم الحاد، والعينان الواسعتان السوداوان فيهما نظرة صريحة كاشفة، تعرِّي الأشياء بقسوة تصبح مع الصدق نوعًا من الحنان، له رواية طويلة بعنوان «لعنة الأرض» وصف فيها مأساة الفلاحين في إيران، وكتاب بعنوان «غرب زدكي» ومعناه «سحقًا للغرب» هاجم فيه المبادئ الغربية الاستعمارية. وقد مُنِعَ هذا الكتاب في إيران، لكن تلامذة جلال آل أحمد طبعوه في كاليفورنيا ووزعوا منه في إيران خمسين ألف نسخة سرًّا، وقال جلال آل أحمد: وإنني أسهِّل على تلامذتي هذا العمل فأكتب على غلاف الكتاب أنه حر للطبع في أي مكان وزمان دون قيد أو شرط ودون أي حقوق للمؤلف، فيطبع منه ما يطبع ويوزع منه ما يوزع.

وله مؤلفات عن قضية فلسطين، آخرها كتيب صغير كتبه بعد حرب ٥ يونيو ١٩٦٧، لكن السلطات في إيران صادرته، وحرقت دار النشر التي نشرته، فهرب به بعض تلاميذه إلى الخارج حيث طبعوه، وتُرجم إلى اللغة العربية ووُزِّعَ في بيروت.

كنا نجلس في حديقة بيته الصغيرة، وجاءت زوجته الدكتورة «سيمين دانشوار» وهي أستاذة في جامعة طهران، لها أيضًا مؤلفاتها، ومجموعة من القصص بعنوان «النار المطفأة». احتفظت باسم أبيها دانشوار ولم تحمل اسم زوجها جلال آل أحمد، ملامحها تشبه ملامح المصريات، وجو من الألفة يسود، وأشعر كأنني في بيتي في مصر، وسيمين تضع صينية الطعام والشاي الساخن أمامنا.

وأمسك جلال آل أحمد ورقة وقلمًا ورسم خريطة إيران والخليج العربي، ووضع نقطة أعلى الخليج كتب عليها «أبان»، ونقطة أخرى في أسفل الخليج عند عنقه الضيق وكتب عليها «يحرس مسندم»، وكتب إلى جوارها ١٠٠٠ طن بترول، ثم أمسك أحد مؤلفاته وأخذ يقلب في صفحاته بأصابع طويلة رفيعة، واستقرت أصابعه فوق بعض السطور، وضع تحتها خطًّا عريضًا بالقلم.

الآن ٩٠ درصد نفت إسرائيل لإيران ميدهد وأنوقت حكومت إيران إذ ترس أعراب إعلامية ميدهد كه مادر مقابل كمياني هيجكارة أيم، إيشان خودشان نقت رابهركه بخواهند مي فورشندا.

وقال بصوت حزين: هذه الكلمات معناها أن ٩٠٪ من بترول إسرائيل من عبدان من عندنا! يا للخجل ويا للعار!

وتأملته طويلًا في صمت ثم قلت: وكيف تعيش في إيران بكل هذه الأفكار الخطيرة؟

وقال في هدوء: أعيش لأني لست وحدي، معي مجموعة كبيرة من الشباب والكُتَّاب نلتقي كل أسبوع مرة في أحد المقاهي الصغيرة، ولقد فُصِلْتُ من وظيفتي ثلاث مرات، ولكني لست موظفًا، أنا كاتب وفنان.

وسألته: ماذا تكتب الآن؟

قال: انتهيت من دراسة جديدة عن إسرائيل في حوالي ٤٠٠ صفحة استغرقت مني سنوات.

– وهل ستنشرها هنا؟

– إذا استطعت.

– وإذا لم تستطع؟

– سينشرها تلامذتي بالخارج كما حدث للمؤلفات الأخرى.

ولمحت بين مؤلفاته كتيبًا صغيرًا أبيض بالفرنسية طُبِعَ بدار المعارف بالقاهرة، بعنوان جلال آل أحمد كاتب إيران المعاصر بقلم: مونوت. ويحتوي الكتيب على ترجمة فرنسية لإحدى قصص جلال آل أحمد اسمها «زيارة للأماكن المقدسة»، ومقدمة استعرض فيها مونوت حياة جلال آل أحمد منذ ولد في طهران سنة ١٩٢٣، واتجه في أول حياته إلى حزب تودا أو حزب الجماهير الإيراني، ثم انفصل مع مجموعة عن هذا الحزب سنة ١٩٤٧، وأكمل دراسته الجامعية وحصل على ليسانس الآداب وأصبح أستاذًا للغة الفارسية، وكان له نشاط صحفي وأدبي، حرر في جريدة «الشعب» ومجلة «الطلبة» ومجلة «العلم والحياة» ومجلة «الشاهد» الناطقتين باسم الحزب الاشتراكي تحت زعامة مصدق، وأسس مجلة اسمها «العالم الشهري» صودرت بعد العدد الثاني، ثم أصبح رئيسًا لتحرير مجلة العالم الجديد لكنه أقيل من منصبه سنة ١٩٦٦. وقد أصدر جلال آل أحمد مجموعات من القصص القصيرة منها «الزيارات» و«آلامنا» و«ألسنا في حاجة إلى هذه المرأة»، وعدة روايات طويلة منها «عش النحل» و«مدير المدرسة» و«نون والقلم»، وكتب دراسات ومقالات نقدية، وترجم لدوتسوفسكي وكامو وسارتر وأندريه جيد ويونسكو، وله كتاب بعنوان «خدمات وخيانات المثقفين».

وقلت لجلال آل أحمد: هذه دار مصرية نشرت لك إحدى قصصك.

وابتسم، وقال: ولكنها صدرت باللغة الفرنسية وليست اللغة العربية. لقد قرأت قصصًا لبعض الكُتَّاب العرب باللغة الفرنسية أيضًا، ولكني لا أريد هذا؛ أريد أن يلتقي الأدب العربي والأدب الفارسي وجهًا لوجه وباللغة العربية وباللغة الفارسية دون أي وسيط فرنسي أو إنجليزي.

وكانت الشمس قد غابت والدنيا أظلمت دون أن أدري فنهضت وملأت حقيبتي بمؤلفات جلال آل أحمد الفارسية.

وودعني هو وزوجته سيمين دانشوار حتى الباب الخارجي للحديقة الصغيرة، وظل ممسكًا بيدي وهو يصافحني قائلًا: تأكدي أن هذا النظام في إيران سوف يسقط قريبًا. إن ٨٠٪ من الشعب الإيراني يعيش تحت خط الفقر، ولن يستمر الحال هكذا طويلًا، شعب مصر وشعب إيران صديقان، ونحن نحب العرب، وعداؤنا لإسرائيل مثل عدائكم.

كان واقفًا أمامي ممسكًا بالباب، والشمس قد غربت، وشبح أسود لمحته يتحرك في الظلمة، والتفتُّ ورائي وقشعريرة باردة تسري فوق جسمي، وقال جلال آل أحمد بصوت مرهق: مخابرات الشاه في كل مكان.

وشددت على يده وأنا أصافحه وهاجس غامض ملأني بالقلق ووجدتني أقول له: احترس؛ فالخطر يحوطك.

وقال بهدوء: اختفى بعض أصدقائي، وقد يحين دوري في أي وقت.

ولم أكن أعرف وأنا أودعه أنه الوداع الأخير، وأنني سأزور طهران مرة ثانية بعد عامين فلا أجده.

وفي الطريق المظلم وأنا عائدة وحدي شعرت بالخوف، قطرات المطر فوق الأسفلت كوقع الأقدام من خلفي، وحفيف الأشجار على جانبَي الشارع الهابط من الجبل كأنفاس شبح مختفٍ، والظلمة داكنة، والجبل عالٍ أسود، والطريق ضيق ينحدر إلى أسفل، ووصلت إلى غرفتي بالفندق وأنا مبللة بالعرق.

•••

بعد عامين وفي يونيو عام ١٩٧٠ سافرت إلى طهران لحضور مؤتمر طبي عن تحديد النسل، وسافر معي طبيب آخر يعمل في جهاز تنظيم الأسرة اسمه الدكتور «سرور»، استخرجنا تذاكر السفر ثم ذهبنا إلى السفارة الإيرانية في القاهرة وكتبنا طلبًا للحصول على تأشيرة الدخول إلى طهران.

وحصل الدكتور «سرور» على تأشيرة الدخول. أما أنا فلم أحصل عليها، وقال لي أحد موظفي السفارة: رفضت السلطات في طهران إعطاءك التأشيرة. وتساءلت في دهشة: لماذا؟ وقال الموظف: لا أعرف؛ فالرفض يأتي بدون إبداء الأسباب.

وخرجت من السفارة الإيرانية حزينة. كنت أريد السفر إلى إيران مرة أخرى، والسير في الطريق الصاعد نحو الجبل حتى شميران، ثم الزقاق الضيق والبيت القديم ذي الحديقة الصغيرة، والحديث الطويل حتى الليل مع جلال آل أحمد وسيمين دانشوار.

وعلى الباب الخارجي للسفارة سمعت صوتًا من خلفي، ورأيت شابًّا إيرانيًّا طويلًا نحيلًا أشيب الشعر يشبه جلال آل أحمد، قال: قرأت مقالك منذ عامين بمجلة المصور، لكن مخابرات الشاه كتبت تقريرًا ضد المقال.

وتساءلت: أي مقال؟

قال: مقالك عن جلال آل أحمد الذي نُشِرَ بمجلة المصور عدد رقم ٢٣٠٩ في ١٠ يناير ١٩٦٩، ودهشت لقدرته على الاحتفاظ في ذاكرته برقم العدد وتاريخ صدوره رغم مرور عامين، وأنا نفسي نسيت المقال، ولم أكن أحتفظ بالمقالات التي أكتبها، وسألت: مَنْ أنت؟ وهل تعمل بالمخابرات الإيرانية؟

وابتسم: لا، ولكني أعمل بالسفارة في القسم الصحفي، وأعجبني مقالك؛ فأنا أحب جلال آل أحمد، وهو كاتبي المفضل، وتألمت كثيرًا لموته.

وانتفضت: مات؟!

قال بصوت خافت: نعم، في ظروف غامضة.

وسَرَتْ فوق جسدي القشعريرة القديمة ذاتها، وتراءى لي جلال آل أحمد وهو واقف ممسكًا بالباب، وشبح أسود في الظلمة من ورائي كأنما يتبعني.

وفي الصباح رأيت الدكتور «سرور» وحكيت له عما حدث، فضحك بسخرية الأطباء وقال: أنتِ طبيبة فلماذا تكتبين وتجرِّين على نفسك المشاكل؟ وها هو مقال واحد يحرمك من السفر إلى طهران وحضور هذا المؤتمر العالمي الهام!

عيناه من خلف النظارة البيضاء كعيون الأطباء؛ شبه زجاجية، بريقها من فوق السطح بغير عمق خالٍ من العواطف. لا يعرف عن الحياة إلا المرض والجراثيم، والناس في نظره إما مرضى أو سيمرضون حتمًا قبل أن يموتوا، وفي كلا الحالين: المرض أو الموت، هو يقبض الثمن مقدمًا أو مؤخرًا.

عيناه تلمع كالزجاج، و«النني» يتذبذب في حركة دائرية كالحاسب الإلكتروني، لا يكفُّ عن النظر إلى عقارب ساعته، وفي يده حقيبته الجلدية، داخلها السماعة المعدنية وجهاز ضغط الدم والحقن والإبر، والجراب الداخلي السري تفوح منه رائحة البنكنوت واليود والدم.

منذ دخلت كلية الطب وأنا أكره الأطباء؛ مشيتهم المتغطرسة بين الممرات، طرقعات كعوبهم الحديدية فوق البلاط، أنوفهم المرفوعة بعيدًا عن رائحة الجرح، عيونهم الشاخصة فوق جيب المريض، أصواتهم المعدنية فوق المنصات عن الإنسانية والرحمة.

وظل صوت الدكتور «سرور» في أذني، نبرة السخرية تؤكد فشلي، أهرب من أوساط الأطباء، ولا أجد في أوساط الأدباء راحة أو عزاءً؛ فالأدباء في بلادنا يشتغلون بالصحافة، يتقاضون مرتبات من الدولة كموظفي الحكومة، يطيعون الأوامر العليا، عيونهم ناحية الحكام وظهورهم ناحية الناس والإنسانية.

وفي أعماقي منذ الطفولة رغبة في تحدي الأوامر، ووجدتني أعدُّ حقيبتي، المؤتمر طبي عالمي، وصدر القرار المصري بسفري، وتلقيت أوراق المؤتمر من جنيف، وفي نهاية إحدى الأوراق عبارة تقول بالإنجليزية: إذا لم يحصل أحد أعضاء المؤتمر على تأشيرة الدخول إلى طهران بسبب ضيق الوقت فيمكنه الحصول عليها عند وصوله إلى مطار طهران.

وضعت هذه الورقة في حقيبتي ومعها جواز السفر والتذكرة، وفي مطار القاهرة لمحت الدكتور «سرور» من ظهره، أمام النافذة الزجاجية للسوق الحرة يشتري زجاجات الويسكي وسجائر «كنت».

وسرت نحو الطائرة بقلب ثقيل، قد أصل إلى طهران ثم أعود في الطائرة نفسها إلى القاهرة، ربما أبرقت سفارة إيران إلى مطار طهران لمنعي من الدخول، ربما يسمحون لي بالدخول ثم ينتقمون مني داخل طهران، عقلي يموج بهواجس متضاربة، وقدماي تتقدمان نحو الطائرة بغير تردد، إرادتي من حديد، لكن الرحلة تبدو لي عبثية، لماذا أعرِّض نفسي للخطر بغير داعٍ؟! سؤال راقد في قاع عقلي منذ الطفولة، وللخطر في أعماقي جاذبية، ولطهران أيضًا منذ الرحلة الأولى جاذبية، وجلال آل أحمد لا يزال وجهه أمامي. لا أصدِّق أنه مات؛ كان شابًّا فكيف يموت الشباب في ظروف غامضة؟

كلمة «غامضة» تثير خيالي منذ سمعتها من موظف السفارة، وفي رأسي قرار: لا بد أن أعرف. والرغبة في المعرفة كالثمرة الآثمة أكلتها حواء وجعلت آدم يأكل منها.

وفي صدري إحساس بالخوف كالهواء الثقيل، كالحزن القديم، والألم تحت المعدة، جالسة في مقعدي بالطائرة كمن تنتظر المصير وعقاب السماء والآلهة.

•••

ارتفعت الطائرة في الجو وأصبح كل شيء أبيض، خفيفًا بغير وزن كالهواء. لا أرض ولا سماء ولا ألوان إلا ذلك البياض المتكثف كرغوة صابون بغير ماء.

للحظة خاطفة غمرتني سعادة، إحساس طاغٍ بالخلاص من الخوف، ثقل الأرض تحت جسدي، وثقل جسدي فوق الأرض، وثقل الهواء في صدري، وثقل الأصوات في أذني، وثقل العيون في عيني.

من شدة الفرح قفزت، لكن جسدي لا يزال مربوطًا فيَّ ومعه الخوف. لا هرب منه ولا فرار، سأظل إلى الأبد مشدودة إليه مربوطة فيه كوتد.

تجمَّع الحزن العتيق وأخذ يضغط على معدتي من تحت حزام المقعد، الألم القديم والطنين في أذني، ومن وسط السحاب الأبيض برز الجناح الفولاذي.

أغمضت عيني فأصبح السحاب أحمر ثم أسود، وجناح الطائرة الأبيض يقذف ما يشبه اللهب، وعلى الرمل الأصفر في قاع الأرض البعيد طفل منكفئ على وجهه يسيل من زاوية فمه لعاب أحمر، لم أرَ وجهه لكن أصابع يديه كانت ملوثة بحبر أزرق، وأصبع قدمه الصغير يطل من الصندل الجديد الأخضر، صرخت: ابني! لكني سمعت صوته، البحة نفسها والقهقهة المتقطعة كالشهقة، واستدرت بسرعة، لم يكن هو ابني؛ كان طفلًا متورد الوجه يتكلم بالإنجليزية.

– ما هذه الأرض التي تحتنا يا أمي؟

– هذه مصر.

– ما معنى مصر يا أمي؟

– لا أعرف، إنها بلد في شمال أفريقيا.

نقط النور في القاع البعيد الأسود تهتز وتقاوم الليل، إحدى هذه النقط مصباحي بجوار سريري، ورف كتبي وأوراقي، وأحزاني وأفراحي، والوسادة الصغيرة عليها بضع شعرات من رأسه وقطرات من عرقه، والعينان الصغيرتان السوداوان تلمع فيهما دمعة، وصوت فيه بحة يناديني، ويدان صغيرتان تتشبثان بيدي وتمسكان بها كقيد، أخلِّص يدي بغير عنف، برفق شديد، وأسير على أطراف أصابعي نحو الباب، ومن خلفي أسمع صوتًا خافتًا كبكاء طفل، البحة نفسها، والشهقة المتقطعة، واستدرت بسرعة. لم يكن ابني. إنه الطفل الإنجليزي السمين لا زال يضحك ويلعب، ضحكته تشبه ضحكة ابني، وعمره يكاد يقترب من عمره، أربع سنوات ونصف، تركته مع أبيه وأخته من أجل ماذا؟ رغبة آثمة في المعرفة؟ حنين جارف منذ الطفولة للعصيان ورفض الأوامر؟ أم أنه السفر والترحال والانجذاب نحو العوالم الأخرى؟

ثم ارتفع الصوت من خلال الميكروفون يعلن عن الهبوط في مطار طهران، ولامست العجلات الأرض بخفة فائقة، ثم توقفت الطائرة تمامًا وظلت الأبواب مغلقة، وخُيِّل إليَّ أنه بمجرد انفتاح الأبواب سيندفع رجال البوليس والسافاك إلى داخل الطائرة يبحثون في وجوه الركاب عن وجهي.

وانفتحت الأبواب ولم يدخل أحد، وخرج الناس يسيرون إلى مدخل المطار في طوابير، وأمام ضابط الجوازات وقفت في مكاني من الصف الطويل، وإلى جواري طبيب هندي تعرَّفت عليه، ولم يكن حصل على تأشيرة للدخول أيضًا، وأخذنا أحد موظفي المطار إلى غرفة جانبية قدمنا أوراق المؤتمر، وأسماءنا في كشف ضمن الأعضاء، وأشرنا إلى العبارة التي تقول: إن تأشيرة الدخول يمكن أن تُعْطَى لأعضاء المؤتمر الذين لم يجدوا الوقت للحصول على التأشيرة في بلادهم.

كانت الغرفة مزدحمة بالناس، وشاب إيراني نحيل يجلس من وراء مكتب صغير، وجهه شاحب مرهق، وقطرات عرق فوق جبهته، وفوق مكتبه كوم من الأوراق وجوازات السفر، رفع رأسه وألقى على الطبيب الهندي نظرة سريعة، ثم نظر إلى الصورة في جواز سفره، ورفع يده بالمطرقة على إحدى الصفحات الخالية وطبع تأشيرة الدخول. وبالسرعة نفسها نظر إلى صورتي في جواز سفري، وظلت عيناي ثابتتين وهو ينظر في وجهي، ورفع يده عاليًا بالمطرقة وطبع تأشيرة الدخول فوق إحدى الصفحات الخالية في جواز سفري.

ثم وجدت نفسي في قلب طهران، وفي شارع بهلوي أسير، الشارع نفسه الذي كنت أسير فيه أربع مرات في اليوم، لولا الفاصل الحديدي الذي ينتصف الشارع والمباني الجديدة التي احتلت المساحات الخالية لظننت أن الزمن لم يمر منذ كنت هنا من عامين؛ فالوجوه تكاد تكون هي الوجوه، الرجال بملامحهم البارزة المدببة فيها قوة الجبل وجرأته، والنساء بعيونهم السوداء الكبيرة وجونلاتهم القصيرة تكشف عن أفخاذ شرقية سمينة، والسينما هي السينما تعرض فيلم راعي البقر، وبائع الفسدق واللبان بأسنانه الذهبية وشاربه الأسود جالس فوق الرصيف، والصبي الشاحب الحزين بميزانه الصغير، والشحاذة العجوز نفسها لا تزال في مكانها متكورة حول نفسها بجوار الحائط ويدها الفارغة ممدودة للأمام.

ملأت صدري برائحة الجو، والبلاد كالأشخاص لكل منها رائحة خاصة مميزة، ورائحة طهران جذابة بقدر ما فيها من رائحة الجبل، والمياه الذائبة الساقطة من فوق القمم الثلجية في شلالات صغيرة تنكسر فوق الصخور ثم تجري صافية بين الأشجار العالية على جانبي الشوارع المنحدرة إلى أسفل.

وسرت في الطريق الجبلي الصاعد نحو شميران حتى الشارع الضيق، ووقفت أمام البيت الصغير، لا زلت أذكر شكل الحديقة الصغيرة التي رأيتها منذ عامين، والسلَّم الصغير الذي يقود إلى حجرة الاستقبال، وفُتِحَ الباب، وكنت أظن أن الشاب الأشيب الطويل النحيل سيظهر على الفور كما ظهر في نوفمبر ١٩٦٨. لكنه لم يظهر، وخرجت لي امرأة شابة متشحة بالسواد، تعرَّفت على ملامحها رغم شحوبها ونحولها؛ إنها زوجته سيمين دانشوار أستاذة تاريخ الأدب في جامعة طهران.

وحكت لي الدكتورة دانشوار قصة وفاة زوجها جلال آل أحمد؛ كان يُمْضِي إجازة الصيف الماضي على شاطئ بحر قزوين، وكانت معه تقرأ له بعضًا من الشعر بعد رياضته على الشاطئ حينما وضع رأسه على الوسادة وصمت إلى الأبد. كانت الدنيا ليلًا، والمنطقة بعيدة عن المدينة بغير كهرباء، واستنجدت ببعض عمال الشاطئ، وعندما عرفوا أنه جلال آل أحمد جاءوا من كل الأكواخ وملئوا مصابيحه بالجاز، وحوطوه بالزهور، وسهر النجارون حتى الفجر يصنعون له نعشًا مزخرفًا. وابتلعت الدكتورة دانشوار دموعها وهي تقول: مات جلال بين الناس الذين أحبهم وكتب عنهم طوال الستة والأربعين عامًا التي صنعت كل عمره، مات في ١٧ سبتمبر سنة ١٩٦٩ منذ تسعة أشهر. لم يمضِ عام على موته بعدُ، مات شابًّا، وتساءلت: هل أصابه مرض؟

وتلفتت حولها وهمست بصوت خافت: لا أعرف، كنا نجلس في غرفة تطل على الحديقة، ودب الصمت فجأة، وحفيف الشجر بدا كوقع الأقدام الخفية. وسَرَتْ فوق جسدي القشعريرة، وهمست: أتظنين أن البيت مراقب؟

وقالت بصوت حزين: لا أعرف.

وفجأة انقطع التيار الكهربائي وغرق البيت في الظلام، وجلست في مكاني غير قادرة على النطق أو الحركة.

وسمعت صوت دانشوار الخافت: التيار الكهربي ينقطع كثيرًا فلا تنزعجي.

وعاد النور بعد دقائق، وقرأت لي بعض فقرات من روايتها الأخيرة، عنوانها: «الحزن على سيايوشي»، استوحتها من الأساطير الفارسية القديمة قبل مجيء الإسلام. كان «سيايوشي» بطلًا شعبيًّا، وُجِدَ مقتولًا وحزن عليه الناس. نشرت دانشوار روايتها قبل موت جلال آل أحمد بأسبوعين، وقال لها جلال: لا تنشريها هذه الأيام، ربما تجعلهم يضعون الفكرة في رءوسهم!

مسحت سيمين دانشوار عينيها وقالت: خاتمة روايتي جاءت على شكل أبيات من الشعر، يرسلها الناس إليَّ الآن من كل أنحاء إيران.

وقرأت خاتمة روايتها، وجاءت كالآتي:

لا تبكي يا أختاه
في بيتك ستنمو شجرة
وأشجار في مدينتك
وأشجار كثيرة في بلدك
والريح ستنقل رسالته
من شجرة إلى شجرة
إلى كل الشجر
وهي في طريقها إليك
هل رأيت الفجر؟

ثم بدأت تصف لي جنازة جلال آل أحمد، عشرة آلاف شخص حضروا الجنازة، وارتدى شباب الجامعة السواد، وصدرت الأوامر بمنع نشر أي شيء عنه. أحد الشعراء الإيرانيين اسمه «صوراتجر» أنشد قصيدة في مناسبة ذكرى تتويج الشاه تمدحه، ولم يذهب أحد إلى جنازته. كاتب إيراني اسمه «فردون تنكاليوني» في السجن؛ لأنه عارض سياسة الشاه.

وقَّعت دانشوار ومائة كاتب إيراني على عريضة تحتج على حبسه وتطالب بالإفراج عنه، تطوَّع بعض المحامين للدفاع عنه، المعارضة ضد الشاه تزداد قوة، وكثير من الناس في السجون، منظمات كثيرة سرية داخل إيران، وفي الخارج أيضًا نشاط كبير ضد الشاه.

ثم قالت دانشوار: «جمعنا ٦٠٠٠٠٠ توماني وأرسلناها إلى الفدائيين الفلسطينيين في الأردن. أعلن وزير الخارجية أنه مع الفدائيين، لكن هذا غير حقيقي، حكومة الشاه أقامت احتفالًا في ذكرى لينين في جامعة طهران، لكن الطلاب قاطعوا الاحتفال، وأنا أيضًا لم أذهب؛ لأنه إذا أصبح لينين تابعًا لحكومة الشاه فأنا ضد لينين! شباب الجامعة في إيران قوة كبيرة، وهم الذين سيصنعون الثورة.»

وتركتها في الليل وحدها بالبيت الصغير في الجبل، ودَّعتني حتى باب الحديقة ووقفت أمامي ممسكة بالباب، وقبل أن أترك الشارع الضيق استدرت خلفي ورأيتها لا تزال واقفة في الضوء الخافت ممسكة بالباب.

•••

من النافذة المفتوحة في غرفتي بالفندق رأيت الهضبة العالية ومن فوقها تتلألأ أنوار فندق الهيلتون، وإلى جواره «مركز إيران للمؤتمرات العالمية»، وفي الحديقة الواسعة اصطفَّت الموائد وأطباق الطعام وكئوس النبيذ والشمبانيا، وثلاثمائة شخص من كل أنحاء العالم: من أمريكا وغانا وتنزانيا وبريطانيا والسويد والهند وكينيا وأوغندة والسودان وليبيا وتونس والفلبين ومدغشقر وأفغانستان والحبشة ولبنان وتركيا، ومن مصر كان الدكتور سرور وثلاثة آخرون من الأطباء وأنا منهم.

لم أحضر حفل التعارف الأول بعد الافتتاح، ولم أحضر الحفل الختامي للمؤتمر، بيني وبين الحفلات عداء، وجوه ترتدي أقنعة النفاق، وحول أعناق النساء جواهر تبرق، وحول أعناق الرجال الربطة الحريرية الملونة.

يد تمسك الكأس واليد الأخرى تصافح، عين تتابع حركة الرئيس أو مندوب الرئيس، والعين الأخرى تتابع حفيف الجواهر، وضحكات تتطاير في الجو مع فرقعات السدادات وهي تتطاير من فوهة الزجاجات، وترتفع الأصوات والقهقهات، ومن حين إلى حين يرنُّ في الجو اصطلاح طبي، أو اسم جديد لمرض أو نوع حديث من لوالب عنق الرحم، أو معونة أمريكية جديدة على شكل شحنة من حبوب منع الحمل.

وفي أحد المقاعد الخاصة بالوفد الأمريكي جلس طبيب أمريكي، وأعلن أن ولاية نيويورك أصدرت قرارًا هذا العام يبيح الإجهاض، وارتفع صوت من الوفد التونسي يقول: إن الإجهاض أبيح في تونس، وتحدَّثت طبيبة إنجليزية عن مفهوم جديد للجنس، وعاد الطبيب الأمريكي يقول: إن المجتمع الأمريكي لا زال يحمر وجهه إذا سمع كلمة الجنس، وتحدَّث طبيب من السويد عن الحقنة الجديدة التي تُحْقَن بها المرأة فتمنع الحمل لمدة عام كامل، واعترض عضو الوفد التركي على اضطهاد جسد المرأة وحده في موضوع تحديد النسل، وأدان طبيب من الفلبين طبيعة المرأة التي تجعلها قابلة للإخصاب في أيام قليلة من الشهر. أما الرجل فهو مخصب طوال الشهر ولا انفصال عنده بين الجنس والإخصاب، وتحدَّث طبيب من الهند عن عمليات التعقيم للرجال وأنها سهلة وسطحية. أما عملية التعقيم عند المرأة فتستدعي فتح البطن.

وجلست صامتة طوال جلسات المؤتمر، ثم رفعت أصبعًا طويلًا مدببًا في الجلسة الأخيرة وألقيت في القاعة بالسؤال: ولماذا تحددون النسل؟ وتحركت نحوي العيون محملقة مستطلعة مندهشة. لم يكن حول عنقي جواهر فأدركوا أنني من البلاد الفقيرة في العالم الثالث. ولم أكن أحمل اسمي ولقبي فوق صدري فأدركوا أنني بلا اسم ولا لقب. واعترض طبيب على السؤال وقال إنه لا علاقة له بموضوع المؤتمر؛ لأن الموضوع هو وسائل تحديد النسل وليس أسباب تحديد النسل. واعترض على الاعتراض طبيب من السودان وقال: إن السؤال في صلب الموضوع، ولا يمكن فصل الأسباب عن الظواهر. وتدخَّل الطبيب من الفلبين وقال: إن الأسباب تدخل في نطاق علوم الاجتماع والسكان وليس علوم الطب.

واعترض الطبيب من الهند وقال إنه لا فاصل اليوم بين الطب والمجتمع، ونهض الطبيب من الفلبين ليرد، لكن رئيس الجلسة دق بيده على المنصة وطلب المحافظة على النظام، وأعطى الكلمة للطبيب الأفريقي من غانا الذي كان أول مَنْ رفع يده، وألقى الطبيب محاضرة عن فوائد تحديد النسل وخاصة في البلاد المتخلفة في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. واعترض الطبيب من الهند على كلمة «المتخلفة» واستبدلها بكلمة «النامية». ورفع الدكتور سرور يده وطلب الكلمة وأوضح أن التخلف ليس عيبًا، وأن الفقر ليس عيبًا، ولكن العيب هو كثرة الحمل وولادة الأطفال كالأرانب. واعترض الطبيب من السودان على كلمة «الأرانب»، وقال: إن الفقر هو المشكلة وليس الأطفال، والمفروض أن نعالج الفقر أولًا. وتساءل الطبيب من السويد عن أسباب الفقر في البلاد المتخلفة. وردَّ الطبيب من السودان وقال: الاستعمار. وهنا وقف الطبيب من كينيا وقال: هذا مؤتمر طبي ولا دخل لنا بالسياسة. واقترح العودة إلى موضوع المؤتمر الأصلي، ووافق رئيس الجلسة على ما قاله الطبيب الكيني، وعادت المناقشة من جديد إلى ما كانت عليه، وبدءوا يتحدَّثون عن أنواع اللوالب التي توضع حول عنق الرحم، ونسب الهرمونات في حبوب منع الحمل الجديدة، تنتجها شركة «إس إم» الأمريكية، وترسل منها كميات كبيرة إلى البلاد المتخلفة ضمن مشروعات التنمية أو المعونات الاقتصادية والعسكرية.

وتسلَّلت من الباب الخلفي إلى الشارع. كانت الشمس تميل نحو الغروب، وظلال الأنوار تنعكس على الجداول الهابطة من الجبل، ورأس الجبل مدبب أبيض، وعلى السفح المائل «شتانوجا» بأنوارها الحمراء كحبات الكريز، ونسمة الليل والجبل، والمياه الذائبة في رائحة العشب، وأنغام الموسيقى الراقصة، وإيقاع كعوب الأحذية الثمينة مع اللحن الأمريكي، والشفاه المصبوغة تلتهم كرات الكافيار الأحمر.

ومن حول «شتانوجا» ترقد السيارات الطويلة الفارهة، تتمدد على العشب بجوار أحواض الزهور، وداخل كل سيارة سائق يجلس وراء عجلة القيادة في وضع الاستعداد.

وعند مؤخرة السيارة كان الطفل النحيل واقفًا في يده فوطة صفراء، يقترب من السيارة في وجل ليمسح الزجاج، ويمد السائق ذراعه من النافذة ويطرده بيده كما يطرد الذباب، ويجلس الطفل على الأرض في الركن البعيد، وينضم إليه عدد من الأطفال، عيونهم واسعة جاحظة، وبياض العين أصفر، وفي يد كل طفل فوطة صفراء، واليد الأخرى مفتوحة ممدودة في الهواء، تنتظر سقوط قطعة نقود من السماء.

سرت في الطريق الهابط نحو المدينة، واجتزت شارع بهلوي، يسمونه خيايان بهلوي، طوابير الشباب أمام السينما تعرض فيلم راعي البقر، امرأة عارية في وضع الإغراء، ورجال فوق الجياد يحملون المسدسات، وملصقات أخرى فوق الجدران، صورة الشاه والإمبراطورة، إعلانات عن سجائر «كنت»، وويسكي «جوني ووكر»، زجاجة كوكولا ضخمة تحتل المساحة فوق الجدار ومن حولها لمبات حمراء وزرقاء وصفراء على شكل دوائر تضيء ثم تضيء، نافورة المياه في الميدان، بائع الفسدق واللبان جالس فوق الرصيف، الطفل الشاحب الحزين جالس القرفصاء وأمامه الميزان الصغير، الشحاذة العجوز متكورة حول نفسها بجوار الحائط ويدها الفارغة ممدودة إلى الأمام.

دخلت إلى المطعم الصغير، تفوح منه رائحة «الشيلو كباب»، الخبز الإيراني الكبير والبصل واللفت الأحمر، مجموعة من الشباب حول مائدة وبينهم فتاة شعرها أسود قصير وعيناها سوداوان لامعتان.

– التقينا هنا من قبل؟

– نعم، منذ عامين.

– اسمك «ماني».

– نعم.

وسألتها مَنْ يكتب في إيران بعد جلال آل أحمد، وذكرت اسم عباس بهلوان، وقالت: إن جلال آل أحمد صنع جسرًا بين الماركسية والإسلام، وعباس بهلوان يمشي فوق هذا الجسر. لكنه يرفض الدروشة والدراويش، وكتابه الأخير بعنوان «نادرويشي» ومعناها لا درويش.

ذهبت إليه في مكتبه، وكان يرأس تحرير مجلس «فردوسي»، شاب نحيل قصير، ملامحه هادئة، ولمعة في العينين تكشف عن أعماق غير هادئة، ثورة كامنة تحت السطح، ودار بيننا حوار غريب؛ فهو لا يعرف الإنجليزية، وأنا لا أعرف الفارسية، لكني فهمت ما يقول، أشار بأصبعه على بعض الصور في مجلة «فردوسي»، ورأيت صورة لبعض الفدائيين الفلسطينيين، ومن تحتها مقال باسمه يدافع عن القضية الفلسطينية، وصورة أخرى لمجموعة من شباب فيتنام يحاربون، وعلى غلاف أحد الأعداد رأيت صورة جمال عبد الناصر، ثم المقال الرئيسي بقلم عباس بهلوان يدافع عن القضية العربية ويهاجم إسرائيل.

وكان معنا في هذه الجلسة شاعر إيراني اسمه «علي نوري زاده» يتكلم العربية. وقد ترجم إلى الفارسية قصائد بعض الشعراء الفلسطينيين: محمود درويش، وسميح القاسم، وفدوى طوقان.

وبينما نحن جالسون دخل رجل إيراني طويل أشيب ما إن عرف أنني من مصر حتى بدأ يتكلم بالعربية الفصحى، اسمه علي أكبر قسمائي. كان في القاهرة في شتاء سنة ١٩٤٨، وحين فشلت محاولة اغتيال شاه إيران في ذلك الوقت كتب مقالًا في جريدة الأخبار عن هذه القضية. وقد ترجم علي أكبر قسمائي من العربية إلى الفارسية بعضًا من كتابات المازني وطه حسين والعقاد والحكيم، ويقول عن نفسه إنه ربيب الأدب العربي.

وسألني علي أكبر قسمائي: هل قرأتِ الخبر في الصحف هذا الصباح؟

وقلت: أي خبر؟

قال: عودة العلاقات بين حكومتَي: مصر وإيران. وهذا خبر يفرحنا نحن الإيرانيين؛ فالشعب المصري شقيق لنا، ولغتنا الفارسية نصفها كلمات عربية، وبيننا تاريخ قديم وفلاسفة قدامى مثل ابن سينا والرازي.

وتراءى لي وجه جلال آل أحمد وصوته وهو يقول: ٩٠٪ من بترول إسرائيل يأتي من عبدان من عندنا! يا للخجل ويا للعار!

وتساءلت: ماذا عن جلال آل أحمد؟

ودب الصمت طويلًا، وظهرت الحقيقة في العيون على شكل الحزن المكتوم.

وفي اليوم التالي أخذتني «ماني» لأرى متحف جواهر تيجان الملوك في قلب طهران، وقال «ماني»: لا بد أن تري الجواهر داخل هذا المتحف؛ لتعرفي لماذا يثور الشعب الإيراني إذا قُدِّرَ له أن يثور.

رجال البوليس كانوا يحوطون المتحف، جرَّدونا من الحقائب ومن آلات التصوير، سرت في الطابور الطويل، ندور حول العلب الزجاجية، ومن خلال الزجاج نطل على التيجان المرصعة بالياقوت والماس والمرجان والفيروز، أسلحة مزركشة بالجواهر، الكراسي محلاة بالأحجار الكريمة والماس، في حفلات التتويج يستعير الملك أو الإمبراطور التاج من هنا، وكذلك الملكة أو الإمبراطورة، القطعة الواحدة من الجواهر بحجم رأس الدبوس تُقَدَّر بملايين الجنيهات.

وسمعت ماني تقول: أموال مجمدة في هذا المتحف لمجرد الزينة على حين يجوع الملايين من الشعب الإيراني.

في الطريق بالسيارة إلى أصفهان وشيراز رأيت الفلاحين في القرى، يرتدون سراويل طويلة واسعة تشبه سراويل الفلاحين المصريين، وجوههم شاحبة، أجسادهم نحيلة مرهقة وفي عيونهم حزن السنين كعيون الناس في قريتي كفر طلحة.

إلى جواري كان يجلس أحد الأطباء الإيرانيين من أعضاء المؤتمر، وحين سألته عن مشاكل الفلاحين قال: الفقر، الجهل، المرض.

وفي شيراز وأصفهان انتقلت من عالم الفقر والجهل والمرض إلى عالم آخر مرصع بالجواهر، الجدران والسقف مزركشة بالأحجار الكريمة، وفندق اسمه «شاه عباس» في أصفهان، بُني في القرن ١٧، ينقلنا إلى عالم شبه خيالي مسحور كليالي ألف ليلة وليلة، بذخ الحكام وإسرافهم في المتع إلى حد الجنون، وتحت أقدامهم العبيد والجواري راكعون.

وعدت إلى طهران في اليوم التالي. لم أحضر الجلسة الأخيرة في المؤتمر أو الحفل الختامي، يد تمسك الكأس بالنبيذ، وفي اليد الأخرى ورقة طويلة عليها التوصيات، كلمات مكررة وحبر على ورق.

الليلة الأخيرة في طهران قضيتها في غرفة «ماني» في الزقاق الصغير، تعيش وحدها في طهران، وأهلها في قرية صغيرة بالقرب من شيراز، تذهب إلى الجامعة في الصباح وفي الليل تعمل مع مجموعة من المناضلين، صنعت لي كوبًا من الشاي وجلست أمامي، وجهها طويل نحيل، بشرتها سمراء، عيناها سوداوان واسعتان وشعرها أسود طويل على شكل ضفيرة كبيرة خلف ظهرها، ترتدي ثوبًا أبيض، وتجلس على شلتة خضراء فيها مربعات بيضاء. كانت تتكلم وكنت أنصت: لي صديقة في السجن اسمها «هوما»، قبض عليها رجال السافاك وهي تسير في الشارع. لم تكن تحمل أي منشورات، وضعوها في السجن وحاولوا استجوابها، جرَّدوها من ملابسها إلى ما تحت الصدر، ثم بدأ أحد الضباط في حرق حلمة ثدييها بسيجارة مشتعلة، كاد يقتلها الألم وبدأت تعترف بكل ما لديها، وفي الليل اقتحم البوليس بعض البيوت وحبسوا عددًا من زملائنا الطلبة. قام رجال السافاك ورجال المخابرات الأمريكية المركزية بعمل فيلم عن «فن استجواب الثوار» وخاصة من البنات والنساء، وعُمل من هذا الفيلم مئات النسخ، وزعته أمريكا كجزء من المعونة الفنية على بلاد صديقة مثل تايوان والفلبين وأندونيسيا. لم نعد نجتمع في البيوت أو الأماكن العامة، أصبحنا نجتمع في المسجد؛ فهو المكان الوحيد الذي لا يصله رجال السافاك أو المخابرات الأمريكية، الشاه شبه معزول، وأمريكا ترشده في كل شيء، وتحاول أن تصوره على أنه «الأب» للشعب الإيراني أو العائلة الإيرانية (فرمانده) حسب التقاليد الشعبية. صور الشاه تغطي الجدران ومن تحتها كُتب: «أبو العائلة الإيرانية»، وفي كل أسبوع يذهب إلى الصلاة في مسجد من المساجد، يحاول انتزاع القيادة الدينية من الأئمة وآيات الله، ويوهم الناس أنه رجل صالح يخاف الله، وهو فاسد في حياته العامة والخاصة؛ استولى على أموال الشعب، وخياناته الزوجية المتعددة معروفة للجميع حتى زوجته فرح ديبا، يعتبرها بقرة ولَّادة لتنجب له ولي العهد. لا يحترم زوجته ولا يحترم النساء، فكرته وراء إنشاء وزارة لشئون المرأة ليس إلا محاولة لكسب تأييد النساء نظير تقديم بعض الحقوق السطحية لهن.

صوت «ماني» ظل في أذني حين ركبت الطائرة في الصباح وعدت إلى القاهرة، ومرت السنون ونسيتها أو خُيِّلَ إليَّ ذلك، حتى قامت الثورة الإيرانية فعاد إليَّ صوتها وعيناها السوداوان الواسعتان وهي جالسة أمامي بثوبها الأبيض وضفيرتها الطويلة خلف ظهرها. وطُرد الشاه من إيران ولم يجد بلدًا يرحِّب به، حتى أصدقاؤه الأمريكيون نبذوه كأرنب ميت.

وتصورت أن الثورة الإيرانية سوف تحرِّر الشعب الإيراني، وتتحقق آمال «ماني» وزملائها وزميلاتها، لكن الثورة الإيرانية سرعان ما أُجْهِضَت على يد الخميني وأعوانه وتحوَّلت من ثورة للتحرير إلى قوة بطش باسم الدين.

وفي يونيو عام ١٩٨٤ التقيت في لندن ببعض الشباب الإيرانيين الذين هربوا من بطش النظام الخميني وسألتهم عن «ماني». قالوا: إن هناك كثيرات من المناضلات اسمهن «ماني»، وحاولت أن أصف لهم ملامحها. قلت: بشرتها سمراء وعيناها سوداوان واسعتان ولها ضفيرة طويلة خلف ظهرها. وتذكَّرها أحدهم، ورأيته يُطرق إلى الأرض ثم يرفع إليَّ عينين فيهما دموع وقال: «ماني» أُعْدِمَت في سجن الخميني، وقبل الإعدام بأيام قليلة دخل عليها رجل واعتدى عليها جنسيًّا حتى لا تموت وهي عذراء، فهناك اعتقاد عند آية الله الخميني أن الفتاة إذا ماتت وهي عذراء تدخل الجنة، ومن أجل أن تدخل «ماني» النار أحضروا أحد الرجال وزوجوها له رغم أنفها قبل إعدامها بأيام.

هذه هي العقلية التي تحكم إيران اليوم، ومنذ ثلاثة أعوام حاول أحد الأساتذة الإيرانيين طَبْع كتابي: «الوجه العاري للمرأة العربية»، وطُبِعَ فعلًا بعد أن تُرْجِمَ إلى اللغة الإيرانية، لكن رجال الخميني هجموا على دار النشر وحرقوا الكتاب، وأصر الأستاذ الإيراني على إعادة طبع الكتاب، وفعلًا طُبِعَ ووُزِّعَ في إيران، وأرسل نسخة من الكتاب إلى عنواني بالقاهرة مع رسالة رقيقة يعتذر فيها عن التأخير.

وفي يونيو عام ١٩٨٤ وفي لندن أيضًا التقيت بهذا الأستاذ الذي اضطر إلى الهروب من بطش الخميني وأعوانه، وأصبح يعيش في المنفى هو وبعض أفراد أسرته هربوا معه عبر حدود إيران. وله ابنة صغيرة لم تستطع الهرب معهم وبقيت في سجون إيران، وزوجته لا تنام الليل في لندن تفكر في ابنتها الحبيسة في طهران، وفي غيرها من الفتيات والنساء الإيرانيات اللائي فرضت عليهن حكومة الخوميني «الشادور»، وألوانها محددة هي الرمادي، الأسود، البني، الأزرق، أو الأخضر الداكن، وَمْن لا تلبس هذه الألوان تعاقَب، ومَنْ لا ترتدي الشادور تهدَّد بالفصل من عملها أو السجن، وكثير من الفتيات والنساء دخلن السجون أو أُعدمن. أما الشباب الذين لم يدخلوا السجن أو يُعْدَموا فقد جنَّدهم الخميني في الحرب ضد العراق، وعلَّق في عنق كل شاب منهم مفتاحًا حديديًّا ليدخل به من باب الجنة بعد أن يموت في الحرب.

بغير دموع تتحدث زوجة الأستاذ، عيناها مليئتان بالحزن، وشيء آخر غير الحزن، الغضب والإصرار والتحدي. ذكَّرتني بعينَي الدكتورة سيمين دانشوار، وزوجها الأستاذ أيضًا يشبه جلال آل أحمد، شاب طويل القامة نحيل، وأشيب أبيض، البشرة سمراء، والملامح إيرانية صميمة، والحديقة صغيرة، حديقة جلال آل أحمد في شميران، ومائدة الطعام ونكهة الشاي ولهجة الكلام، وكل شيء يذكِّرني بطهران عام ١٩٦٩ رغم أننا في لندن والعام هو ١٩٨٤.

وعلى الباب الخارجي لبيتهما الصغير ودَّعني الأستاذ وزوجته بمثل ما ودَّعني جلال آل أحمد ودانشوار، ورأيت مجموعة من الشابات والشبان الإيرانيين مقبلين نحو الأستاذ وزوجته، وقلت لنفسي وأنا أسير نحو الشارع: ستحدث ثورة أخرى في إيران.

وعلى جدران محطة القطار تحت الأرض رأيت الحروف الفارسية بالخط الأسود: «يسقط الخوميني»، وتذكَّرت هذه الحروف نفسها منذ أعوام، وبدلًا من كلمة «الخوميني» كانت كلمة «الشاه».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠