الفصل التاسع

الإمبراطور هيلاسلاسي والثورة

منذ أن حكم السادات وأنا أشعر بالغربة في وطني، أحد عشر عامًا كالسحابة السوداء، من ١٩٧٠ حتى ١٩٨١ حجبت الشمس والضوء ونسمة الهواء، ولم يبقَ أمامنا إلا وجهه، ويطل علينا كل يوم فوق الشاشات، وعلى صفحات تدفعها اليد الخفية من تحت عقب الباب، وصوته كالرعد في مكبرات الصوت يدوِّي في الشوارع وكل الإذاعات.

أحملق في الصورة العالقة في الجو وفوق الجدران، ملامح الوجه فيها حركة غير مباشرة، لا تسير في خط مستقيم، وفي الصوت الممطوط ما يشبه الفهم البطيء أو الشرود والسرحان، وألصق باسمه كلمة المؤمن ليستمد من الله السلطان كما فعل الإمبراطور هيلاسلاسي، وكل أسبوع يصلِّي في جامع مثلما فعل شاه إيران، وسموه أيضًا «أبو العائلة المصرية» على غرار أبو العائلة الإيرانية.

وكلما أراه أو أسمعه أشعر بالغربة، والاغتراب يصاحبه إحساس آخر يشبه الانحدار أو السقوط في بئر مظلم تضيع فيه حقوق الإنسان.

وانتقلت الأشياء في حياتنا، فأصبح الخطر هو الأمن، والحرية هي الدكتاتورية، وتحوَّلت الأحكام العرفية إلى الديمقراطية بفضل العلم والإيمان. أما الغلاء الفاحش والديون والتضخم فقد أصبح لها اسم جديد هو الرخاء، والقواعد العسكرية وقوات الانتشار السريع أصبحت حمائم السلام، والغيرة على الإسلام في أفغانستان لا يوازيها إلا الغيرة على مصالح فرنسا في تشاد، والنضال الطويل ضد الاستعمار والصهيونية انقلب إلى صداقة ومحبة وتعاون.

وبدأنا نرى البيرة والبيض الإسرائيلي في الدكاكين المصرية، وانهمر سيل من الإعلانات الأمريكية عن سجائر «كنت» وسفن أب وشويبس ورموش صناعية للنساء.

واختفت من الأسواق البضائع الوطنية، حتى المكرونة المصرية والأرز والخبز أصابها الاختفاء، وارتفعت نسبة البطالة بين الشباب، والأصوات ارتفعت تنادي بعودة المرأة إلى البيت وارتداء الحجاب.

وأصبح كل شيء أجنبي أعلى قيمة من أي شيء مصري حتى الإنسان، أصبح الأجانب يحظون أكثر من المصريين بالاحترام والاهتمام من جانب جميع المسئولين في الحكومة ابتداءً من حرس الأبواب حتى أكبر المديرين والوزراء ورئيس الدولة، ويحصل الأجانب وخاصةً الأمريكيون منهم على امتيازات وتسهيلات لإنشاء شركات الاستثمار، أو لإجراء بحوث والحصول على بيانات ومعلومات لا يحصل عليها المصريون.

وكم هو إحساس مرير أن يشعر الإنسان بأنه غريب في وطنه وأن كل من ارتدى زيًّا أجنبيًّا أو رطن بلغة غير عربية نال الاحترام.

ولم يكن غريبًا في ظل هذا الحكم أن أُطْرَدَ من عملي، وأن تُصَادَر جميع كتاباتي، وأن أعيش تجربة تشبه المنفى، ثم ينتهي الأمر بي في السجن.

وكلها تجارب مفيدة رغم كل شيء، أتاحت لي السفر والترحال ورؤية العوالم الأخرى، والعمل في جهاز آخر عجيب يشبه الجهاز الحكومي في بلادنا واسمه هيئة الأمم المتحدة.

وأصبح لي لقب جديد هو «الخبيرة»، وفي جيبي جواز سفر أزرق، رُسمت عليه الكرة الأرضية، ومن فوقها «الأمم المتحدة»، ومن تحتها: «دعه يمر».

ومن جميع مطارات العالم أمرُّ دون أن يستوقفني أحد، وفي نهاية كل شهر أحصل على ثلاثة آلاف دولار غير نفقات السفر والإقامة؛ أي ما يوازي ثلاثين ضِعْفًا لراتبي من الحكومة المصرية.

وكان مقري الأول هو أديس أبابا، عاصمة إثيوبيا أو الحبشة، بيني وبين كلمة الحبشة قرابة دم، واسم جدي لأبي كان «حبش»، وعلى الجدار العالي في بيت جدي لأمي كانت تتدلَّى صورة الإمبراطور هيلاسلاسي، وخالتي بأنفها العالي تحكي أن جدها كان صديقًا للإمبراطور، وبأصابعها المدببة ذات الأظافر المطلية تشد ورقة من قاع المكتب، ورقة أبلتها السنون وظلت عليها كلمات مطبوعة تثبت أن الخديوي إسماعيل كان يستدين من جدها واستولى منه على قطعة أرض.

كنت لا أزال طفلة ولا أعرف الفرق بين الإمبراطور والخديوي، وحروف اسم هيلاسلاسي تحت صورته تبدو لعيني كالهيروغليفية، عيناه واسعتان في وجه طويل نحيل، وأنف مدبب حاد، ومن فوق صدره أشياء كثيرة مزركشة تقول عنها خالتي إنها نياشين وأوسمة مثل نياشين وأوسمة الملك فاروق. وحين سقط الملك فاروق في يوليو ١٩٥٢ تصورت أن هيلاسلاسي أيضًا سيسقط، ولم أكن أعرف عن الحبشة شيئًا إلا أنها الهضبة العالية حيث تسقط الأمطار وفيها منابع النيل، وفي عام ١٩٧٤ قرأت أن هيلاسلاسي سقط، وتذكرت الملك فاروق، وتصورت أن الحبشة تحررت، لكن السادات أعلن أن الشياطين الحمراء استولت على الحكم في الحبشة، وأن سقوط هيلاسلاسي إنما هو ضد إرادة الله؛ لأن الله هو الذي اختاره، وهو مستعد لأن يمتطي سلاحه ويذهب إلى الحبشة دفاعًا عن إرادة الله، وحمايةً أيضًا لمنابع النيل من عبث الشياطين.

ولم أكن أصدِّق شيئًا مما يقوله السادات، وهو نفسه لم يكن يصدِّق ما يقول، ويدرك أن الناس لن تصدقه؛ ولذلك كان يلجأ إلى الله دائمًا من أجل أن يصدقه الناس كما فعل هيلاسلاسي.

الطائرة الإثيوبية قطعت المسافة بين القاهرة وأديس أبابا في ثلاث ساعات ونصف، لن نحلق فوق أرض السودان؛ النميري منع هبوط الطائرات الإثيوبية في السودان أو الطيران في سمائها، وأعلن كالسادات الغضب على منجستو عدو الله وعدو هيلاسلاسي.

حلَّقنا فوق شاطئ البحر الأحمر ثم هبطنا في مطار أديس أبابا.

الشمس مشرقة، برودة منعشة في الهواء، والجبال الخضراء من كل ناحية، السماء زرقاء صافية بلا غبار، ملامح الناس تشبه ملامح قدماء المصريين، الوجوه الطويلة النحيلة، العيون السوداء المسحوبة إلى أعلى، وأنف كليوباترا المرتفع الحاد، وعنق نفرتيتي فوق جسد نحيف طويل كالرمح، سمرة داكنة كتربة الحبشة وجبالها السود، يذوب سوادها تحت سيول المطر كالذهب السائل، يتدحرج من فوق القمة إلى السفح ويجري غزيرًا قويًّا يشق الأرض ويلمع تحت أشعة الشمس كثعبان طويل من الفوسفور، يشبه نهر النيل، حفر الصحراء منذ ملايين السنين وصنع ذلك الوادي الطويل الأخضر.

هل سبح جدي «حبش» مع مياه المطر الهابطة من الجبل إلى الوادي حيث استقر في الدلتا بقرية كفر طلحة؟ وبقية أهله الأحباش بقوا فوق الجبل ولم يستعمرهم أحد واحتفظوا بملامحهم الأصلية؟ ملامح المصريين القدماء على حين فقدناها نحن المصريين؟ هل اختلط الدم المصري بالدم اليوناني والروماني والتركي والعربي والفرنسي والإنجليزي والأمريكي؟ بكل الدماء التي غَزَتْ مصر خلال القرون الماضية؟ أم أنه الجبل الشامخ المرتفع يجعل الملامح مرتفعة، والوادي المنخفض الهابط نحو البحر صنع لنا ملامح أقل حدة وأقل عنفًا؟

الدماء الحبشية في جسدي تشدني نحو الجبل، وفي أعماقي عشق لقوة الجبل، وانجذاب نحو تلك الملامح الشامخة المنحوتة في صخر، وكلما نظرت في وجه طفل تذكرت طفولتي، كأنما وُلِدت هنا في زمن لا أدري عنه شيئًا.

سرت في شارع تشرشل ثم وجدت نفسي في الميدان الكبير، يسمونه ميدان الثورة، مهرجان شعبي كبير احتفالًا بالثورة، آلاف الناس تتجمع، رجال ونساء وأطفال، وجوه سمراء بلون الكاكاو، تقاطيع حادة كالسيف، جلاليب بيض وطرح بيضاء على الرأس، أيادٍ سمراء تمسك بالأعلام الصغيرة، ألوانها ثلاثة: الأحمر والأخضر والأصفر، يغنون ويرقصون ويدقون الطبول، من فوق الرءوس ثلاثة وجوه ضخمة تتدلى كأنها من السماء، ماركس وإنجلز ولينين، صورهم الثلاثة بحجم الأهرامات معلقة في الميدان، عيون الأحباش تتطلع نحوها ولا تعرف من هؤلاء الأجانب الثلاثة، بدأت مواكب الوزراء والسفراء، ثم سيارة منجستو هايل مريام، سيارة لا ينفذ إليها الرصاص، ولا أحد يعرف في أي سيارة هو، منذ ستة شهور ضُربت سيارته بالرصاص وأصبحت مخرمة كالمنخل، هكذا سمعتهم يقولون.

بالليل أصحو على صوت طلقات الرصاص. لا نكاد نعرف مَنْ يضرب مَنْ، وصديقتي الإثيوبية واسمها «ألمظ» تخشى الحديث، تتلفت حولها وتهمس بكلمات مبتورة: عندنا قرارات تفرض علينا ألا نتحدث في السياسة، وألا نزور الأجانب في بيوتهم.

سافرت معها مرة إلى مؤتمر في نيروبي، وما إن حلَّقت الطائرة في الجو واجتازت حدود الحبشة حتى تنهدت وتنفست ثم قالت: كرهت هيلاسلاسي مثل كل أهل الحبشة، وكنا نأمل في التغيير إلى أحسن، ولكن أصبحنا نخشى حتى الكلام، ويتحدثون عن الماركسية اللينينية بلغة لا يفهمها أحد من الشعب. أليس في تاريخنا أبطال وشخصيات وطنية مثل أحمد عرابي عندكم مثلًا يعلِّقون صورهم في الميدان بدلًا من صور ماركس وإنجلز ولينين؟ أنا مع الاشتراكية لكن ضد النقل الأعمى عن الآخرين وتجاهل تاريخنا.

وقلت لها: حدثيني عن تاريخكم، وكيف حدثت الثورة ضد الإمبراطور هيلاسلاسي؟ كل ما أعرفه أنه كان يحكم بقوة الله كالسادات عندنا فكيف نجحت الثورة ضده؟

وحكت ألمظ قصة هيلاسلاسي الإمبراطور، تشبه قصص ألف ليلة وليلة. كان هيلاسلاسي رجلًا صغير الجسم نحيفًا، يقل وزنه عن خمسين كيلو جرامًا، ومع ذلك حكم الحبشة أكثر من خمسين عامًا من الحكم الديكتاتوري المطلق. كان يعتبر نفسه رئيس الكنيسة وأن الله هو الذي عيَّنه في منصبه. لكنه لم يكن يعتمد في حكمه على الله وإنما على جهاز مخابرات مدرب في أوروبا وأمريكا، وعلى تأييد هذه الدول له، وقد استولى على الحكم عام ١٩١٦ حين دبر مؤامرة وأطاح بالإمبراطور السابق «بح ياسو».

كان من الصعب على رجل صغير الحجم أن يكون كبير الهيبة في بلاد أفريقية كالحبشة، يزهو فيها الرجال بقامتهم الفارعة وعضلاتهم القوية وملامحهم الجبلية، ودفع الكثير ليصبح شديد الهيبة ضآلة حجمه، وتقمص شخصية العظماء؛ يرفع رأسه نحو السماء وفي عينيه نظرة باردة للكون والله والناس. والبرود العاطفي صفة العظماء من الحكام، والعواطف في الرجل نقطة ضعف، فما بال الإمبراطور! ويمتد البرود إلى صوته أيضًا، ولهجته في الكلام. لا يمكن لأحد أن يستشف درجة انفعاله، وهو يختلف تمامًا عن السادات في هذه الصفة؛ فالسادات شديد العصبية، لكن هيلاسلاسي يعتبر العصبية نوعًا من كشف العواطف، والمفروض أن لا تكون عواطفه واضحة، وكلامه أيضًا غير واضح، ولا أحد يعرف تمامًا ماذا يقول؛ فهو لا يقول شيئًا، وإنما يحرك شفتيه فقط كشفتي الإله بلا صوت، وعلى رسوله أن يفهم الإشارة، ثم يبلغ الرسالة إلى الناس على شكل أوامر.

وكان رسوله يطلق عليه: «الوزير ناقل الأوامر».

وحين تدهورت الأمور وانتشر الفساد وعمَّت المجاعة لم يتصور عامة الشعب بأن الإله هو المسئول؛ فالمفروض أن الإله لا يخطئ، وإنما الخطأ يقع على ناقل الأوامر، وفي كل أزمة يصبح الوزير هو كبش الفداء، يضحي به الإمبراطور ليُرضي الشعب، ويعين وزيرًا آخر أو وزارة جديدة، وهو هنا لا يختلف عن السادات أو أي حاكم آخر.

وكان هيلاسلاسي يعين جميع الموظفين في الدولة ابتداءً من الوزراء حتى مديري المدارس والفنادق وحانات الخمور والبارات، ويصدر قرار التعيين شفهيًّا بحركة شفتيه؛ فهو كالإله لا يمسك قلمًا ولا يكتب ولا يحب مثل السادات الجلوس على المكتب، وعلى الرسول أن يحوِّل الأمر الشفهي إلى أمر مكتوب ومقدس.

ولا يصبح قرار التعيين نافذ المفعول إلا بعد حلف اليمين أمام الإمبراطور، وفي القصر قاعة خاصة لحلف اليمين يسمونها قاعة «الاستماع»، حيث يقف الموظف المعيَّن منحنيًا أمام الإمبراطور ويستمع إلى قرار تعيينه، ثم يستمع بعد ذلك إلى صوت الموظف أو الوزير يعلن الطاعة والولاء ويؤدي القسم أو حلف اليمين.

ولا يختلف حلف اليمين في الحبشة كثيرًا عن حلف اليمين في بلادنا.

ومن قاعة الاستماع ينتقل الموظف إلى قاعة أخرى تسمى «غرفة الألقاب»، حيث تصدر المنح الإلهية بالألقاب والنياشين أو العكس، أي تسقط اللعنات الإلهية وتُسحب الألقاب والنياشين.

وكان الوزراء يخافون من دخول «غرفة الألقاب» كما يخاف الأطفال دخول غرفة الفئران، ولم يكن لهم من وظيفة سوى إرضاء الإمبراطور ودراسة سيكلوجيته.

وكان إرضاء هيلاسلاسي يتركز في شيء واحد، إثبات الولاء له بحركات الجسم حين الوقوف أمامه، انحناءة الرأس مع انثناءة الركبة اليمنى، والتمتمة ببعض آيات الحمد، ثم التقهقر إلى الوراء حتى الباب الخارجي دون الاستدارة حتى لا يصبح ظهر الواحد منهم في وجه الإمبراطور.

كان الدخل القومي في الإمبراطورية يعتمد على الرشاوي أساسًا، وكل خطوة داخل أي مكتب حكومي لها رشوة معروفة، والإمبراطور يعرف ذلك، ويدرك أن إلغاء نظام الرشوة يعرِّض الدولة للإفلاس.

ولم يكن في وسع الإمبراطور أن يفعل شيئًا تجاه هذا الفساد؛ فهو جزء طبيعي من الحياة البشرية، وإلا كان وجود الشيطان عبثًا، والله لم يخلق الشيطان عبثًا، بل جعل له وظيفة وهي الإفساد.

رغم هذا الإيمان الشديد بالله إلا أن الإمبراطور كان يخشى دائمًا من حدوث مؤامرة ضده وهو غائب عن الحبشة، وكان كثير السفر والترحال في العالم الواسع، يعشق أوروبا وأمريكا، وأوروبا وأمريكا تعشقه، لكنه أقسم أمام الشعب أنه يعشق وطنه الحبشة ويدافع عنها ضد أي غزو من الخارج. وحين غزت إيطاليا الحبشة هرب إلى إنجلترا، ثم عاد بعد أن استطاع بعض الضباط البواسل أن يطردوا الإيطاليين، وأطاح هيلاسلاسي هؤلاء الضباط البواسل وسيطر على الحكم.

كان يعشق الرحلات، وفي كل رحلة يأخذ معه جواهره وتاجه خشية أن يُسرق في غيابه، ويأخذ معه أيضًا رجاله المشكوك فيهم ويترك الموثوق فيهم.

ولم يكن أحد يفهم هذا التناقض؛ فالمفروض أن يصطحب الحاكم هؤلاء الذين يثق فيهم، لكن هيلاسلاسي كان يفعل العكس، يأخذ معه المشكوك فيهم حتى لا يقوموا بمؤامرة ضده في غيابه، وبذلك حرم رجاله المخلصين من رحلاته الكثيرة الممتعة، واستمتع المتآمرون ضده بالسفر والنزهات العالمية.

لكن عدد المتآمرين ضد هيلاسلاسي كان يتزايد على الدوام، ولم يكن في إمكانه أن يأخذهم كلهم معه في رحلاته، وكان الفساد قد عمَّ وانتشر السخط بين معظم طبقات الشعب: الفلاحين والعمال والتجار والطلبة، وامتد السخط أيضًا ليشمل رجال الجيش والبوليس، بل الحرس الإمبراطوري ذاته.

وكان هناك رجل جسور اسمه «منجستو جيرمام». كان رئيس الحرس الإمبراطوري. وقد استطاع مع رئيس البوليس الإمبراطوري ورئيس جهاز الأمن بالقصر أن يشكلوا «المجلس الثوري» من أربعة وعشرين ضابطًا.

وفي رحلة للإمبراطور إلى البرازيل في ديسمبر عام ١٩٦٠ قام المجلس الثوري بقيادة منجستو بعزل الإمبراطور هيلاسلاسي، وشُكِّلَت حكومة جديدة يرأسها ابن هيلاسلاسي الأمير كاسا، وكان رئيس مجلس التاج وأعضاؤه من الوزراء وأصحاب الأراضي الأثرياء، وكانت هناك إشاعة بأن الإمبراطور كان دائم الشك في نسب هذا الابن إليه، وأن زوجته خانته مع رجل آخر وأنجبت «كاسا».

كاد الانقلاب ينجح لولا أن أسلاك التليفون بين أديس أبابا والخارج لم تُقْطَع، واستطاع أعوان الإمبراطور الاتصال به تليفونيًّا في البرازيل، فعاد في طائرة، واستطاع أن يجمع حوله بعض رجال الحرس، وكان هناك صراع بين رجال الجيش ورجال الحرس، وذهب منجستو يخطب في الجامعة ضد الإمبراطور وطبقة الأثرياء الأرستقراطيين، لكن جموع الفلاحين كانت لا تزال تؤمن بالإله هيلاسلاسي وأعوانه، وتدافع عنه بالطوب والعصى ضد الشيطان. وانتصر هيلاسلاسي وأعوانه، وهربت الفرق الثائرة إلى الغابات، وانطلق الرصاص في أثرهم، وأقبلت الضباع والأسود الجائعة على صوت الرصاص وأكلت منهم ما أكلت، والثعالب أيضًا أكلت، وبلغ عدد الذين أُكلوا عشرة آلاف رجل، واعتقل هيلاسلاسي مَنْ لم تأكله الضباع، وبلغ عدد المعتقلين خمسة آلاف، شنق منهم هيلاسلاسي مَنْ شنق، وعلَّق رءوسهم على الأبواب. أما «منجستو» فقد تم إعدامه في الميدان العام.

وعاد هيلاسلاسي يحكم الحبشة بأمر الله، وأعلن أن الله نصره على أعدائه، وضاعف من عدد جهاز المخابرات كتدعيم لقوة الله، وضاعف لهم المكافآت والامتيازات، وتضاعف الفساد والرشاوي، وأصبحت الطائرات الإثيوبية تحلق في الجو ما بين باريس وأديس أبابا تحمل زجاجات الشمبانيا والكافيار للإمبراطور وأعوانه، واكتظت شوارع أديس أبابا بالشحاذين العراة، ودفعهم الجوع إلى الهجرة من القرى إلى المدينة بحثًا عن الطعام أو مهنة في الحلال أو الحرام، بعضهم لم يجد أمامه إلا الشحاذة، والبعض الآخر الأذكى أصبح نشالًا أو قوادًا، والبنات الصغيرات يبعن أجسادهن نظير سد الرمق، والمرأة العجوز تفتح دكانًا لبيع الكوكولا والسجائر، وتخصص الغرف الداخلية للدعارة، وعلى كل ناصية شارع ترى دكاكين الدعارة ومن فوقها كُتب: كوكولا، ومن تحتها مومس حبشية.

وبدأ الفلاحون يموتون من الجوع، ومواشيهم تموت من الجوع أيضًا، ويُدفن الفلاح إلى جوار حماره في حفرة واحدة، وامتدت المجاعة إلى الجنود أولاد الفلاحين، وبدأت جثث الجنود تظهر في بعض الشوارع، ولم يكن من حق الجندي في الحبشة أن يُدفن حين يموت. كان هذا الحق مقصورًا على الضباط فقط.

وفي عام ١٩٧٣ شوهد الإمبراطور هيلاسلاسي وهو يلعب الجمباز في حديقة القصر ويقدِّم الكافيار لكلبه في صحن من الفضة، وكانت رائحة الجثث قد بدأت تزكم الأنوف، والسخط امتد ليشمل معظم الرجال والحرس الإمبراطوري والطلبة والعمال والتجار والقوادين والمومسات.

وكان في قصر الإمبراطور خادمة لها ابن ضابط في الجيش اسمه منجستو هايل مريام، وهجم رجال الجيش المتمردون بقيادة منجستو هايل مريام على مقر الحكومة ووضعوا الوزراء في السجون، وارتدى هيلاسلاسي الزي العسكري وحمل عصا المارشال وأعلن أنه مع الضباط المتمردين.

ولم يبقَ خارج السجون من أعوان الإمبراطور إلا خادمه وكلبه الأمين، وكفَّ الإمبراطور عن لعب الجمباز في الحديقة؛ فقد اختفى الحراس من حول القصر، وأصبح البقر يدخل الحديقة ليأكل العشب.

كان العام هو ١٩٧٤. وقد استفاد منجستو الجديد من تجربة منجستو القديم عام ١٩٦٠، وقطع أسلاك التليفون داخل القصر، فلم يعد يسمع الإمبراطور رنين جرس التليفون، ولم يعد يفعل شيئًا سوى ارتداء الزي العسكري كل صباح، والجلوس بجوار النافذة أو الباب، وقد يأخذ خادمه إلى الكنيسة حيث يصلي ويقرأ كلام الله.

حتى جاء يوم ١١ سبتمبر ١٩٧٤ حين سمع الإمبراطور أصوات المظاهرات في الشارع تطلب شنقه، ودخل إليه رجال الجيش، وبعد أداء التحية العسكرية قرءوا عليه قرار خلعه عن العرش، ثم أركبوه إحدى السيارات المصفحة، وتساءل الإمبراطور في هلع: إلى أين تأخذونني؟ وقالوا له: نأخذك إلى مكان أمين.

وكان المكان الأمين هو السجن بلغة الأحباش، وأخذ منهم السادات هذا الاصطلاح. وفي السجن عاش هيلاسلاسي اثني عشر شهرًا ثم مات.

وقبض منجستو ورجاله على أعوان الإمبراطور، وبعضهم هرب خارج الحبشة، وبعضهم تنكَّر في زي الرهبان في الأديرة، وبعضهم فرَّ إلى الجبال؛ ليعود من حين إلى حين إلى أديس أبابا، يتخفَّى في الليل ويطلق الرصاص على رجال الثورة.

وفي الليل نسمع سيارات الجيش وهي تجوب الشوارع في أديس أبابا تبحث عن أعوان هيلاسلاسي ورجال الثورة المضادة، وتدوِّي طلقات الرصاص في الليل.

•••

بيتي نوافذه عريضة من الزجاج، أرى الجبال الخضراء وأنا راقدة في سريري. في الصباح الباكر أخرج إلى حمام السباحة في فندق الهيلتون على الهضبة العالية في مواجهة قصر هيلاسلاسي، مياه حمام السباحة ساخنة يتصاعد منها البخار، رذاذ المطر يتساقط فوق رأسي، أرى الشمس والقمر في السماء، ومدينة أديس أبابا لا تزال نائمة إلا بعض الشباب يتدربون على السلاح، صفوف من الفتيات والفتيان يؤدون التدريبات الساعة السادسة صباحًا، دقات كعوبهم فوق الأسفلت وأنفاسهم منتظمة متصلة كالنشيد الصامت، وفي الميدان الكبير ترتفع الصور الثلاث: ماركس وإنجلز ولينين، في صدر كل منهم عدد من الرصاصات، بالأمس سمعت الطلقات وأنا نائمة، وفي الصباح عرفت أن بعض أعوان هيلاسلاسي أطلقوا الرصاص على الصور الثلاث في منتصف الليل.

لا زالت الصور معلَّقة على الأعمدة، تقاوم الرصاص وسيول المطر ولهيب الشمس، رجل ولد منذ مائتي عام نطق باللغة الألمانية على بُعْدِ أربعة آلاف كيلومتر وصوته لا يزال فوق هذه الهضبة التي تنطق باللغة الأمهرية في وسط أفريقيا.

مبنى الأمم المتحدة يواجه الميدان، ومكتبي في اللحظة الاقتصادية الدور الثالث حيث قسم المرأة الأفريقية، رئيس اللجنة له مساعد، والمساعد له سكرتيرة إثيوبية، وهو من شمال أوروبا، أبيض تشوبه حمرة كبشرة البرص، وهي سمراء كالكاكاو أو البن المحروق، شمال يحنُّ إلى جنوب، وتسري الإشاعات في المبنى الضخم عن قصص العشق بين السكرتيرات والمديرين، تبدأ القصة عادةً في رحلة إلى مؤتمر، وتنتهي في رحلة أخرى إلى مؤتمر آخر، والتخطيط لعقد المؤتمرات يبدأ مع بداية اللقاء في الربيع، ينعقد المؤتمر في أي مكان من العالم إلا موطن المدير؛ فهناك زوجته وأولاده، ورصيد في البنك بالرقم السري الخطير.

منذ تخرَّجت واشتغلت وبيني وبين المديرين عداء؛ مفهومهم للإدارة عجيب، وعلاقة الرئيس بالمرءوس كالسيد بالعبد، طاعة مُطْلَقة للأوامر بغير مناقشة، والرؤساء في الحكومة المصرية فراعنة. لكنهم في الأمم المتحدة آلهة مقدسة، والمرءوس في الحكومة إذا تمرد وفُصِلَ فلن يخسر إلا الملاليم، لكن الخسارة في الأمم المتحدة بالآلاف والملايين؛ لهذا يسود الهدوء المكاتب، ويسيرون فوق الأرض بخطى خفيفة حذرة. لا يدخلون إلى حجرة الرئيس أو المدير إلا بعد استئذان، وإذا أذن لهم يطرقون الباب برقة بالغة، وإذا فتح الباب فلا يدخلون دفعة واحدة، وإنما على أجزاء، الرأس أولًا تطل من الباب بأدب، ويتبعها الكتفان ثم الذراعان وبقية الجسم، والجزء الأخير الذي يدخل هو القدمان، تدلفان من الباب بهدوء شديد داخل حذاء لامع مصقول.

وفي حفلات الكوكتيل تراهم يدورون حول النقطة التي يقف فيها المدير، يلفُّون حوله من كل النواحي حتى تلتقي عيناه بعيونهم ويدرك وجودهم، فإذا بالشفاه تنفرج عن الابتسامة العريضة، ويبدو الواحد منهم منفرج الأسارير مستريح البال وكأنه وقَّع باسمه في سجل التشريفات أو في دفتر الحضور والانصراف.

وكان غيابي عن هذه الحفلات يسجَّل ضدي في التقارير السرية، وفي يوم سألني المدير لماذا لا أحضر الحفلات؛ فالحفلات في الأمم المتحدة جزء من العمل، واندهشت لكن الجميع أيدوا كلام المدير واعتبروا غيابي عن الحفلات نوعًا من التقصير.

ولم يكن في مدينة أديس أبابا الكثير، مدينة تحاصرها الجبال، وقوات معادية من الشمال والجنوب، ولا شيء يبدِّد سكون النهار إلا رذاذ المطر أو انهمار السيول أو صوت العربات الكبيرة تحمل الموظفين من أديس أبابا إلى القرى للاشتراك في جمع المحاصيل، وتعود السيارات محمَّلة بالفلاحين ليجنَّدوا في الحرب، أو يعملوا مع فرق الشعب المسلح لحماية المدينة أو تنظيم طوابير السيارات أمام محطات البنزين كطوابير الناس أمام المخابز في بلادنا ودجاج الجمعيات التعاونية.

وفي الليل لا يقطع الصمت إلا طلقات الرصاص أو دقات الطبول، تذكِّرني بدقات الطبول في قريتي كفر طحلة، الطريقة نفسها واللحن نفسه، وإيقاع الأقدام الراقصة فوق الأرض الحبشية هو نفسه الإيقاع في وادي النيل، يصل الصوت إلى أذني وأنا نائمة في سريري، ويُخيَّل إليَّ أنني وُلِدت هنا منذ زمان بعيد، وأمام بيتي مبنى أبيض صغير له فناء كبير، يتجمَّع فيه الرجال والنساء والأطفال، يدقون الطبول ويرقصون طول الليل ويغنون وفي الفجر يختفون، إلا إذا كان هناك مسيرة شعبية أو مهرجان، فإذا بالشوارع كلها تمتلئ بالبشر آلاف وآلاف يحملون الرايات والأعلام، ويهتفون باللغة الأمهرية: تحيا العدالة والمساواة، تحيا الحرية وكرامة الإنسان، تسقط أمريكا وإسرائيل، بعض الشباب يحملون لافتة كبيرة كُتب عليها: نؤيد القضية الفلسطينية.

وجوه الشباب الحبشي كوجوه المصريين، سمراء دقيقة الملامح، وصوتهم وهم يهتفون بالأمهرية كالأصوات العربية، وحين تلتقط أذني كلمة «فلسطين» أحس الدقات تحت ضلوعي، ودموع أبتلعها في الصدر، والجرح عميق، الحاكم في بلادنا يعادي الواقفين معنا على طول الخط، ويصادق الطاعنين لنا في الصدر وفي الظَّهْر.

أصوات الفتيات الحبشيات كالغناء وهن يهتفن في نَفَسٍ واحد: فلسطين، يتقدمن على دقات الطبول، والفتيان أيضًا يهتفون، تمسك الفتاة بيد الفتى ويتقدمان، الصفوف وراء الصفوف رجال ونساء وأطفال، لا حاجز بينهم ولا حجاب، والفتاة ترفع رأسها إلى أعلى في شموخ.

تذكرت الأمس القريب، حين كنت في إجازة بالقاهرة لمدة أسبوع ونظمت الحكومة مظاهرة من الموظفين تأييدًا لزيارة الرئيس لإسرائيل، وصدرت الأوامر من الوزارات بخروج المظاهرة في يومين منفصلين: يوم للنساء ويوم للرجال، ورأيت الموظفات في اليوم المخصص لهن يَسِرْنَ في الشوارع بكعوب عالية ورءوس منخفضة وعيون مطرقة إلى الأرض وحجاب أسود أو أبيض يغطي بعض الرءوس، وفي يوم الرجال رأيت الموظفين يسيرون في صف منتظم، أيديهم خلف ظهورهم كالمقيدين بالسلاسل، أكتافهم متلاصقة وظهورهم محنية، متشابهون كأنما تسكُّهم الحكومة كقطع النقود المسكوكة، وكالقرش الممسوح أصبحت ملامحهم باهتة شبه ممسوحة، ومن فوق رءوسهم تطل صورة السادات في يده العصا والصولجان، وعلى أسنانه يضغط الكلام ويمضغه كاللبان.

ميدان الثورة امتلأ بآلاف الأحباش من كل قرية ومدينة، حتى الرجال من القبائل الجبلية جاءوا على ظهور الخيول الجامحة، تطير في الجو كالطيور الجارحة، وشعورهم الطويلة الكثيفة تطير خلف ظهورهم كفرسان العصور القديمة، ملابسهم ملونة والخيول أيضًا مزركشة، عيونهم حادة كالصقور، وحركتهم السريعة الخاطفة كالسهم ينطلق أو طلقة رصاص بغير صوت.

بيني وبين الملامح الجبلية قرابة دم، كأنما وُلِدت فوق جبل، وفي كل بلد جبلي أشعر بالحنين إلى جذوري إلى جدودي البدائيين، والطبيعة والهواء ومياه المطر تجري بحرية تشق السدود، رجل إثيوبي عجوز يستند إلى العكاكيز يتقدم وسط الفتيان والفتيات، يرفع ذراعه في الهواء ويهتف: فلسطين. يسقط العكاز من تحت إبطه، ويقع على الأرض، يرفعه الشباب إلى فوق، يضعون العكاز تحت الإبط، وينطلق الجميع في المسيرة.

منذ الطفولة وأنا أحب المسيرات الشعبية، الأصوات العالية تهتف ضد الإنجليز والملك، وفي المدرسة الابتدائية والثانوية، وفي كلية الطب بالجامعة، وفي كل مظاهرة أحمل العلَم وأخرج، ومع الملايين أهتف: الحرية، الاستقلال، العدالة والمساواة.

أبتلع اللعاب المر، الحرية في بلادي غائبة، والعدل أيضًا غائب في الوطن الأم وفي الأمم المتحدة.

•••

في الأمم المتحدة ترتفع مكانة الرجال البيض من العالم الأول، يليهم في المكانة النساء البيض من أوروبا وأمريكا، ثم يأتي بعد ذلك الرجال الملونون من آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، وفي القاع ترقد النساء من العالم الثالث.

نظام هرمي منذ عصور الفراعنة، والعصر اليوناني العبودي، حين فُرض على الإنسان قوانين الفلك والنجوم؛ فالعبد يدور في فلك السيد بمثل ما تدور الأرض في فلك الشمس، والمحكوم يدور في فلك الحاكم، والابن يدور في فلك الأب، والمرأة تدور في فلك الرجل، والدولة تدور في فلك الإمبراطورية الكبيرة.

والولايات المتحدة في الأمم المتحدة إمبراطورية كبيرة يدور في فلكها دول صغيرة، وحين تثور بعض الدول على العبودية تهدِّد الولايات المتحدة بالانسحاب من الأمم المتحدة، ومن منظمة العمل الدولية هددت أمريكا بالانسحاب ذلك العام؛ لأن منظمة العمل الدولية بدأت تراجع قوانين العمل العبودية، وأمام التهديدات بات الموظفون بالمنظمة مؤرقين مهددين بالفصل؛ فالولايات المتحدة تدفع للمنظمة حصة كبيرة، وجزء منها رواتب الموظفين، واعتذرت منظمة العمل الدولية عما بدر من بعض الدول الصغيرة، أو من خبراء العالم الثالث، وباركت القوانين القديمة الموروثة، وعلى رأسها القانون الفيزيائي العتيد من حيث حركة الأفلاك والأجرام، ودوران الجرم الصغير في فلك الجرم الكبير، كما يدور الإلكترون داخل الذرة حول النواة، ويدور الإنسان حول الإله.

ويدور منشور في الأمم المتحدة يؤكد هذا القانون، وهو ليس مجرد قانون، ولكنه نظام ودين، والأمم المتحدة تؤمن بالدين، وتؤمن بوجود الإله، وإذا اختلفت أسماء الإله من بلد إلى بلد إلا أنه موجود، والولايات المتحدة على رأس الدول في الأمم المتحدة التي تؤكد وجود الإله، وتنفق الأموال الطائلة حتى لا يغيب هذا الوجود.

كانت منشورات الأمم المتحدة تُلصق على أبواب المكاتب بالدبابيس، وكل يوم منشور جديد، وجاءنا منشور يحذر الخبراء من نزول الشوارع في أديس أبابا وأن نلصق على بيوتنا ختم الأمم المتحدة.

ولم ألصق على بيتي الختم، وأنزل لأمشي في الشوارع، في كل الشوارع كنت أمشي، وفي الأسواق والأزقة، قامتي طويلة نحيفة كقامة الأحباش، وبشرتي سمراء بلون بشرتهم، لا أشعر بينهم بالغربة، والطفل الشحاذ على ناصية الشارع ملامحه تشبه ملامح طفلي، والفتاة الصغيرة الواقفة أمام الكشك تشبه ابنتي الصغيرة.

أطفال في سن العاشرة يهربون من الآباء والأمهات في القرى، يهربون من الجوع، بقايا الجوع المزمن القديم منذ هيلاسلاسي، والجوع في الحبشة أشد من الجوع في الهند، يقتل في الإنسان الإحساس بالابن أو الابنة، يسحق في قلب الأم الأمومة، ويقتل في الأب الأبوة، ويهرب الأطفال في عتمة الليل من تعذيب الأب والأم، يصبح الطفل الذكر شحاذًا أو ماسح أحذية، وتصبح الطفلة البنت مومسًا.

وفي قبائل الحبشة تختلف القيم، قد تُقتل البنت إذا مارست البغاء، وفي قبائل أخرى يقدسون البغيَّ، وتحصل المومسات الثريات على سلطة سياسية.

في قبيلة جوجوم «أمهارا» تحتل المرأة مكانة اجتماعية عالية، وتملك الأرض وترث كالرجل تمامًا، وتحتفظ المرأة بعد الزواج باسمها ولا تحمل اسم زوجها، وأملاك الأسرة تقسم على الزوجين بالتساوي لا فرق بين الزوج والزوجة، ولا يجري للبنات في هذه القبائل عملية الختان أو عملية خلع الأظافر، بعكس قبيلة «جوراجي»، وفيها لا تملك المرأة ولا ترث، والبنت لا بد أن تتزوج قبل أن يدركها الحيض، وإذا أدركها الحيض قبل أن تتزوج يعلقونها من شعرها في شجرة، وقبل الزواج بثلاثة شهور يمسكون البنت الصغيرة وهي مستغرقة في النوم، أربع نساء كل واحدة تمسك يدًا أو قدمًا، وامرأة خامسة تمسك الرأس، يضعون أصابع يديها وقدميها في وعاء به زبدة ثم يخلعون الأظافر العشرين من الجذور، وهي تصرخ وتنزف ومن حولها يرقص الأهل والأقارب، ويأتي الجيران بالهدايا كل يوم حتى تُشْفَى البنت من جروحها بعد أسبوع أو أكثر، قبل الزواج بثلاثة أيام تشرب البنت شربة مثل زيت الخروع لتنظيف الأمعاء، ثم يُفرض عليها الصيام عن الأكل أربعة أيام، في يوم الزفاف تغطَّى البنت تمامًا من الرأس إلى القدم ثم تُحْمَل على فرس أو حمار إلى بيت العريس، حيث تجلس وحدها في غرفة ويطلقون عليها اسمًا جديدًا، وفي منتصف الليل تمامًا يدخل عليها العريس ويغتصبها بعنف، على باب الغرفة يقف أهل البنت ينتظرون في قلق علامة العذرية، قطرات الدم الأحمر فوق منديل العريس، وتُدَق الطبول والمزامير، لكن إذا خرج المنديل نظيفًا أبيض كان الله في عون البنت، قد تُقتل وقد تُعَذَّب حتى الموت، كثير من البنات يهربن قبل الزواج إلى أديس أبابا، وكثيرات يهربن ليلة الزفاف قبل دخول العريس، وإذا اختفت الزوجة يقولون إن الضبع أخذها وأخفاها في ظلمة الليل، ولا بد أن يدفع أهل الزوجة فدية على شكل عجل صغير، يقدَّم للضبع من أجل أن يردَّ الزوجة إليهم، وحين يعثرون على البنت الهاربة في الجبال يجدونها فاقدة الوعي، لا تنطق ولا تسمع ولا تتعرف على أحد، يأخذونها إلى بيت شيخ القبيلة لتعيش كشحاذة حتى يأذنوا لها بالعودة إلى بيت أهلها، وتحظى بمعاملة أفضل من البنات، يترددون في ضربها أو تعذيبها خشية عقاب القوى فوق الطبيعة.

أما البنات الأخريات والزوجات اللائي يهربن فإنهن يعشن حياة العبيد، لا ترفع الزوجة عينيها إلى وجه زوجها، وتهرب منه كلما رأته، ولا تناديه باسمه أبدًا، وهو يمكن أن يطلِّقها بلا سبب، أو لأنها طلبت جلبابًا جديدًا، أو لأنها لم تنجب، أو لأنها أنجبت بنتًا فقط ولم تنجب ذكورًا، أو لأنها أكلت قطعة لحم.

تعيش الزوجة كالعبيد في هذه القبائل، ولا يحترمها أحد إلا إذا أصابها الصرع أو الجنون، ويقولون حينئذٍ: إن الروح ركبتها. وفي شهر العسل تركب الأرواح الزوجات بنسبة ٢٠٪ حسب دراسات جامعة أديس أبابا، أي إنه من كل خمس زوجات تركب الروح زوجة واحدة، ويسمونها «سودو»، وتحظى برعاية طيبة واحترام لخوفهم منها، واعتقادهم أن هناك صلة ما بينها وبين القوى الخارقة فوق الطبيعة، وأهلها في هذه الحالة يصيبهم أيضًا شيء من الاحترام، وتصبح الفرص أمام ابنتهم أفضل؛ فهي تتلقى الهدايا والقرابين اتقاءً لشرها وشر الأرواح التي ركبتها، وتسمى هذه البنت أو المرأة «ميبت»، ويفد إليها المرضى طلبًا للبركة والشفاء، ولا تكلَّف بأي أعمال في البيت، تجلس وفي يدها عصا، وإذا أساء إليها أحد تضربه.

وتتجمع هؤلاء البنات والنساء اللائي ركبتهن الأرواح في بيت شيخ القبيلة، ويتولَّى بنفسه جمع الهدايا والقرابين التي تُقَدَّم إليهن، وهي ثروة طائلة تزيد من ثراء مشايخ القبائل ونفوذهم السياسي.

هذه هي حياة المرأة في قبيلة «جوراجي» في الحبشة، وهي قبيلة كبيرة هرب منها إلى أديس أبابا كثير من البنات والنساء، بعضهن يعشن في الفقر والشحاذة ومهنة البغاء، والبعض منهن قد يحظى بالتعليم. في جامعة أديس أبابا قابلت أستاذة من قبيلة «جوارجي». لكنها أنكرت أنها جاءت من هذه القبيلة، وكثيرات غيرها ينكرن مثلها، لكن الرجال من هذه القبيلة لا ينكرون، وأستاذ إثيوبي بالجامعة قال لي: أنا من قبيلة «جوراجي»، وأعطاني دراسة طويلة قام بها عن تعذيب البنات في قبيلته، ودراسة أخرى عن قبيلة «جالا» وهي من المسلمين، وفيها يجرى للبنات عمليات الختان، وهي استئصال البظر من جسم البنت قبل أن يدركها الحيض، وهي عملية شائعة في بلاد أفريقية متعددة ومنها السودان ومصر.

وفي أديس أبابا أنواع مختلفة من المشردين الأطفال ويطلق عليهم صبية الشارع، أراهم في الشوارع واقفين عند إشارات المرور، وما إن تقف سيارة حتى يهجموا عليها وفي أيديهم الفوط الصفراء يلمِّعون زجاج النوافذ ويشحذون، يمضغون القات بين أسنانهم، ويشمون البنزين كما يشرب خبراء الأمم المتحدة الويسكي والنبيذ، دوريات البوليس تلمهم مع القمامة حين يأتي زائر كبير، ويُودَعون في السجون، يموتون بالآلاف في السجون لقلة الطعام، ثم يُفْرَج عنهم حين لا تجد إدارة السجن لهم طعامًا.

ومصير البنت في الشارع مثل الولد، إلا إذا حظيت بمؤهلات للدعارة، والبنت قد تمارس البغاء وهي طفلة في العاشرة، والمومسات عدة أنواع، وكلهن يدفعن الضرائب ولهن رخص طبية تضمن خلوهن من الأمراض التناسلية، وتُجَدَّد الرخص الطبية مرة كل ستة شهور، ومعظم المومسات من النوع الفقير أو مومس الشارع، وهن البنات الصغيرات، يعشن في الشارع، وفي الليل ينمن في أفنية الكنائس أو أقسام البوليس.

وهناك مومس الكشك أو «الكيوسك»، وتسكن في كوخ صغير من القش أو الصفيح أو الكشك الخشبي، تعلق على الكشك لافتة الكوكولا أو كازوزة، وفي الغرفة الخلفية تمارس البغاء.

وهناك مومسات يملكن دكاكين أكبر كالبارات والحانات أو المقاهي، ويكسبن من التجارة والبغاء معًا، ولكل مجموعة منهن قواد أو قوادة تملك الحانة وتعطى لكل مومس أجرًا شهريًّا ثابتًا.

وهناك المومسات الراقيات اللائي يعملن في الفنادق الكبيرة، أو الملاهي الليلية الفاخرة، ويأخذها الرجل إلى بيته ثم يعيدها إلى صاحب الملهى. وبين المومسات نساء ثريات، ولهن أحياء وأملاك ونفوذ، ترفع الواحدة منهن رأسها في كبرياء وتقول: المسيح قال إنه سيضع نارًا في فم من يأخذ ربحًا عن ماله ولكنه سيسامح المومس. ومعظم المومسات متدينات، والناجحات منهن لا يتزوجن، لكن المومس الفاشلة هي التي تتزوج لأنها فقيرة. وتجهض المومس الفقيرة نفسها بأن تشرب الجازولين أو الجاز، لكن المومس الثرية لا تجهض نفسها، وترغب في الطفل ليرث أموالها.

معظم المومسات بنات هاربات من الريف، يعملن خادمات أول الأمر، ثم يكتشفن أن البغاء يضمن لهن حياة أكثر كرامة، أو قد يتعرضن للاغتصاب من رب الأسرة، وتطردهن ربة الأسرة، ولا يجدن وسيلة للعيش إلا البغاء.

وفي قبيلة «جوراجي» تُرْجَم البغيُّ بالحجارة حتى تموت، وفي قبيلة «جالا» وقبيلة «تيجر» تعاقب البغيُّ بالحبس أو الضرب، وفي قبيلة «أمهارا» لا تمارس المرأة البغاء إلا نادرًا، وإذا مارسته وكسبت أموالًا كثيرة أصبح لها نفوذ مثل رجال القبيلة.

وفي قبيلة «بورانا» تحظى المرأة مثل الرجل بحرية تعدد العلاقات الزوجية، ولا تعرف قبيلة «بورانا» البغاء؛ لأن الرجل لا يدفع للمرأة، والزوجة لا يستعبدها الرجل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠