الفرن

١

دفع الباب الكبير بيده المرتعشة المتثاقلة فلم ينفتح، وإنما خرج منه صوت مبهم كئيب يشبه عواء كلب مريض، وعاد فضغط عليه بكلتا يديه، ومرت كفه النحيلة الطويلة الأصابع، الباردة العروق تتحسس جداره الخشن، عن يمين وعن شمال، وتتلمسه كما تتلمس حائطًا أثريًّا لا طاقة لها على دفعه، ثم ألقى بوجهه المهزول على الباب، وأخذ يديره على الملمس الخشن، يعلو ويهبط، وكأنه يترنح مع خواطره الدائرة في هذا الرأس المتعب، يعلو معها ويهبط، أو يتمثل صورة الثور العجوز الرابض في «دويرة» جاره الحاج عبد اللطيف حين يحك رأسه بالجدار، ويهرش لحمه بالحائط، ولكنه لم يطل لبثه هناك، بل استند بجسده كله على الباب، ودفعه بكتفَيه، فأحدث عواءه المتقطع المتثائب، ثم تسلل منه كما يتسلل الطيف، صحا لتوه من مقبرة.

ودار محمود بعينيه الغائرتين في المكان فلم يتبيَّن شيئًا، وخطا خطوة أو خطوتين وفتح عينيه جيدًا، ومال بهما إلى حيث يأتي إليه بعض شعاع ظل يدافع موج الظلام طويلًا حتى أدركته عيناه.

وهناك وجد اللمبة نمرة «٥» كما تركها منذ قليل، معلقة على المسمار في الركن القصي، وعلى زجاجتها هذا الهباب الأسود الثقيل الذي لا يغادرها أبدًا.

كان كل شيء في هذه القاعة (التي لم يكن يكره في دنياه شيئًا مثل أن يسميها بالغرفة، وكيف لا؟ أوليست أكبر من هذه وأرحب مسافة؟) كما تركه هامدًا جامدًا، قد شنقته حبال الصمت. أما زوجته فها هي كما تركها وراءه منذ لحظة، والقاعة تموج بالناس، ساكتة كالسكوت، حية كالميتة، صاحية كالنائمة، وإن محمودًا ليستطيع أن يجزم في نفسه بأنها لم تحرك حتى رموش عينيها، واقترب منها حتى كاد يلامسها، وظل واقفًا حتى تعبت قدماه، وأراد أن يحرك يديه فيعلو بهما إلى فوق ثم يهبط بهما قليلًا، لعل ذلك أن يوحي بالحزن، وأراد أن تتحرك شفتاه المقفلتان بصوت، ببحة خافتة، بصرخة تسمعها امرأته، ترفع إليه وجهها، وتقول له في صوت لا يمكنه أن يسمعه: «إنني أشكرك يا محمود»، وأراد محمود أن يتنهد بملء صدره، أن يخرج الهواء من رئتيه قويًّا لافحًا يشبه الريح الساخنة، الزافرة، فتومئ إليه امرأته، وتهدهد رأسها وتقول له اجلس إلى جانبي، فقد أتعبتك بالحزن كثيرًا، وود محمود لو يستطيع أن يلقي هذا الثقل الذي احتمله على كتفيه مسافة بعيدة، وها هو يعود بعد أن أفرغه من جسد كان فيه، أراد أن يقذف بهذا القماش الطويل العريض، المشئوم، على الأرض، فتلتفت إليه امرأته، وتصنع له شكرًا.

وانكمش محمود بجسمه الطويل في بطء، وأراد أن يبرر فعلته، ويفسره لنفسه، فأقعى أمام امرأته ومد ذراعيه النحيلتين كالعصوين الجوفاوين وخفض رأسه حتى لقد كادت أن تلمس الأرض، واستند بخده على ذراعها، وأخذ يضغطه عليها ضغطًا خفيفًا ثقيلًا، ثم تمتمت شفتاه في صعوبة «ز… ﻴ… ﻨ… ﺐ» وما كاد يلفظها حتى أحس بيدها تبحث عن يده، حتى إذا وجدتها ضغطت عليها في رفق، وقنع محمود بذلك، فأخذ يهز رأسه الهزيل المعروق، ويترنح به يمنة ويسرة يريد لو يستطيع أن يخرج لسانه الذي لا يحسن كلمة واحدة أن يبل به كفيها، وكل قطعة من فستانها الأسود الكالح في السواد، ثم هب واقفًا على قدميه، ودار على نفسه دورة أو دورتين، ثم ألقى بالأكفان التي أتعبت كاهله في الركن الأجوف المنور من القاعة، ومد يديه في فجوة يعرفها جيدًا ويحتجزها له وحده فأخرج لباسًا أزرق شديد العتمة، أخذ يعالجه حتى وضع فيه جسده، ودار على نفسه دورة أو دورتين ثم دلف إلى الباب ففتحه في عناء، وأغلقه من خلفه في عناء كذلك.

٢

كانت «زينب» حين غادرها زوجها، وحين عاد إليها، جالسةً على الحصيرة البالية، مستندة على حائط الفرن العتيق، وكانت عيناها قد دارتا في المكان، وتعلقتا بكل ما يحتويه، وتوقفتا عند كل شيء فيه، عند هذه الكنبة الملقاة في جانب منه، عند هذه اللمبة «٥» التي ما انفك الناموس يطنطن من حولها، والهباب الأسود يحجب زجاجتها شيئًا فشيئًا، عند هذه الوسادة التي كانت أمها الميتة مسجَّاة عليها في أول النهار، عند هذا القماش الفضفاض المكوَّم في ركن من القاعة والذي ألقاه زوحها عن كتفيه منذ قليل. غير أن هذه الأجسام كلها لم تستطع أن تخطر ببالها فكرة واحدة، ولم ترجع بها إلى ذكرى من الماضي واحدة، ولم تربط بينها وبين أمل أو خوف، أمل واحد، أو خوف واحد. وحاولت زينب أن تجد شيئًا يحمل إليها ما يميِّز بينها وبين هذه الأشياء جميعًا. جهدت في أن تلتمس شيئًا، فكرة، حركة، فعلًا، يضع بينها وبين هذه الأشياء كلها سورًا فارغًا، ولم تقدر على أن تجد ما يقول لها، ويصرخ في أذنها: أنت زينب، وهذا الجدار الذي استند عليه جسدك منذ الصباح ليس وإياك شيئًا واحدًا. وأحست أنها لا بد أن تفعل شيئًا، وأنها لا بد أن تجد في وعيها دفعة واحدة تنأى بها بعيدًا عن هذا الفرن الذي يكاد أن يصهرها ويأكل بالنار جسدها وعظمها وفكرها، وتذكرت أنها جائعة، وأن أمعاءها قد تقلصت وتقبضت ولم يعد بُدٌّ من أن تلقي إليها بلقمة أو لقمتين، فشالت ظهرها عن الحائط، وارتكزت بيديها على الأرض ثم نهضت على قدميها المخدرتين المتململتين، وخطت خطوة واحدة إلى القفة المعلقة بالحائط وأخرجت منها رغيفًا كانت قد أكلت بعضه، ومرت به على جلبابها تمسح عنه السواد العالق به، وأرادت أن تعود إلى حيث كانت قابعة، وتعلقت عيناها «بمخدة» وراء الباب، وترددت كثيرًا قبل أن تمد إليها يدًا، وتلفتت حولها كأنها ترى عينين مفتوحتين ترقبانها في الظلام، ولكنها لم تحفل بشيء، فانتزعت المخدة المطوية، وقعدت عليها، وأسندت ظهرها إلى الفرن، وراحت تلوي في فمها لقمة خشنة فتُحدِث صوتًا خشنًا.

٣

على هذه المخدة نفسها جلس أبوها حين كانت صغيرة، نعم، لقد كان ذلك منذ زمان طويل، ولقد تعلمت منه أن هذه المخدة له وحده، وأن صوته الخشن المتحشرج لا يزال يطرق أذنها قويًّا، منذرًا، متوعِّدًا: «زينب، حذارِ أن يقترب أحد غيري من المخدة.» يوصيها بذلك في أول النهار، حين يتأهب للخروج كعادته، وفي آخر النهار حين يتربع عليها ثم يتنحنح ويعطس ويخرج أصواتًا غريبة تسعى إلى أذنيها دائمًا من النوم الذي يرنق أجفانها. هل كانت هذه المخدة حجابًا من الأحجبة التي لا ينفك أبوها يحشده بالأسرار؟ هل كانت حرمًا مقدسًا يضاف إلى المقدسات التي ملأ بها أبوها عليها هذه الحجرة ولو شاء لما ترك من العالم حيزًا من المكان لم يضع فيه محرَّمًا؟

وذكرت زينب ذلك كله، ثم تحسست هذا الشيء الناعم الداني من تحتها، وتذكرت أباها.

٤

– أمي، ذا هو أبي قد عاد.

– كيف عرفت؟

– آخ. تُف. يخرجها من فمه ومن أنفه، حين يكون على رأس شارعنا، إن أذني تتعرف عليهما في كل يوم، أليست هذه علامة كافية؟

– آه يا ابنتي، كم أحس بالجوع! ليته يعود «بالبقجة» وفيها أثر من الزاد.

كان الشيخ عبد الغني مقرِئًا من هؤلاء المشايخ الذين تكتظ بهم القرية حتى لتكاد أن تكون صناعة من لا صناعة له. صحبته زينب منذ تعلمت كيف تسير على قدميها، فقد كان رجلًا ضريرًا. تلك سنوات طويلة قضتها وهي تجره إلى حيث يريد لها أن تسير، غير أنها لا تذكر من ذلك كله إلا الوجه الصلب، والسحنة المتجهمة، والوقار الذي يتكلف الجد حتى يصير طبيعة لازمة، والفم المغلق الذي لا ينفتح إلا عند تلاوة القرآن، ولقد عرفت مداخل البيوت جميعًا، ولكن قدميها لم تكونا تتعديانها أبدًا.

– بيت من هذا؟

– الشيخ منصور ناظر الوقف.

ثم يضرب أبوها الباب بعصاه مرة أو مرتين، ويمد يده إلى حبل قصير فيجذبه إليه، ويتحرك الترباس الغليظ، ثم يدلف من العتبة إلى الداخل وهو يطلق صوته القوي الواضح: يا ساتر. ويكرره مرة أو مرتين، ثم يميل على ابنته: ألا ترين أحدًا؟ وحين ترد عليه بالسلب يضع جسده المتعب الثقيل على الكنبة ويتربع ثم يبدأ في قراءته، وهي تذكر الآن مجلسها هناك، عند هذا المدخل الذي لم تجتزه أبدًا إلى ما وراءه، وهي تذكر أن عينيها لم تكونا تستقران، فقد كانت ترسلهما في قلب البيت تنقِّبان عن سر مجهول في داخله، ولكنها كانت تخرج من البيوت جميعًا كما دخلتها، لم تتخط العتبات إلى ما وراءها، ولقد كان أبوها يتوقف عن قراءته ويميل عليها مستفسرًا بسؤال لم يكن يتمه أبدًا: ألم يأتِ أحد بالراتب؟ ثم لا ينتظر منها جوابًا، بل يمضي في قراءته ليعود بسؤاله لها: العيش، ألا ترين دخانًا يتصاعد؟ ولكنها لم تكن تجيبه أبدًا، بل ترسل عينيها الباحثتين أمامها، وحين ينتهي أبوها يشد من جلبابها ويقول لها: إلى دكان الأسطى السيد.

وكان الأسطى السيد هذا سمكريًّا في الشارع الضيق القريب، ولقد كانت تبلغها دقات القواديم وأصوات الصفيح المطروق وتصليح البوابير وهي في طريقها إليه، وكان الشيخ لا يسألها عن مكانه أبدًا، فكان يرفع صوته في جهد قائلًا: «السلام عليكم ورحمة الله.» فكانت ابنته تنبِّه إلى أنهما لم يدركاه بعد، حتى إذا اقترب منه صاح قائلًا: «السلام عليكم.» فتعود ابنته لتقول له وهي شبه غاضبة: «لسه شوية.» ويزمجر الرجل، وتتمتم شفتاه باستغفاره المألوف.

ويتخذ الشيخ عبد الغني مكانه المنزوي في داخل الدكان، ويظل يرفع في صوته ويجوِّد في قراءته، ويُدخِل عليها هذا الإيقاع المنغم الذي لا يحسنه إلا قارئو المآتم، ويشق على حنجرته المتعبة لكي ينفذ صوته من خلال الطرقات الصاخبة إلى الآذان، وحين ينتهي من قراءته ويتأهب لوضع حذائه المتهالك في قدميه يصيح به الأسطى سيد مستغربًا: «يا شيخ عبد الغني أفلا قرأت علينا شيئًا من كتاب الله؟»

– ولكن يا أسطى سيد، لقد قرأت عليك جزء عَمَّ بأكمله.

– آه، إنني لم أسمع منه حرفًا.

– لقد كنت أصيح كلما ازدادت القواديم لجبًا أن استمعوا.

– إذن فمر بنا غدًا.

– ولكن …

ويقاطعه الأسطى سيد ويصيح: «نحن معذورون يا شيخ عبد الغني، غدًا، غدًا، يا لله.»

وكانت زينب حين يدور هذا الحوار اليومي بين الرجلين تحرص على أن تكون يدها الهزيلة الخائفة ممدودة نحو السمكري، وكيف تنسى أن تفعل؟ وهل تهمل تعليم أبيها لها؟ يدك، يدك يا زينب، لا تريحها أبدًا، لا أريدك أن تضعيها إلى جانبك كما يفعل بقية الناس، بل مُدِّيها إلى إمام، إن الرزق لا يهبط على الأيدي المنقبضة المقفولة.

٥

وعاد أبوها يومًا إلى بيته مهرولًا، فكانت زينب تلتقط أنفاسها في صعوبة وهي تلهث وتجري لتلحق به، وحين دفع الباب صاح وهو يكح في عنف ويستعيذ من الشيطان: «الموت حق، الموت حق.» واندفعت نحوه امرأته قائلة: «ما لك يا شيخ عبد الغني؟» ثم مرت بكفها على جبهته وتلمست يديه ومسحت على رأسه وهي تستعيذ بالملائكة من كل شيطان، وقالت في أسًى: «أنت دافئ الليلة.» وأمر الرجل بمخدته، فأُخرِجت من مكمنها ووُضِعت له، وحين استراح عليها اطمأن إلى أنه سعيد حقًّا، وأنه مرتفع عن الأرض كثيرًا، وأنه أعلى من سواه شأنًا.

هذه المخدة الطرية الناعمة تبعده عن عذابه الخشن القاسي، أولم ينسَ حياته البائسة حين يعود إلى بيته فيستند عليها ويتلمسها؟ ثم يهتف عاليًا: «ما أكثر نعمك يا رب!» وتحسَّس الرجل حذاءه واطمأن إلى أنه قد وُضع أمامه، ثم هتف بامرأته وابنته أن اقتربا مني، ونفخ يده كما يفعل كل مساء، وأخذ يقرأ آيات كثيرة مما ألف أن يتلو قبل نومه، ثم مر بيديه على رأسه ومسح بهما وجهه وجسده حتى قدميه.

وحين تم أوراده مد يده في حذر إلى جلبابه فرفعها، ثم غاص إلى حزام عريض من الصوف قد لفه على بطنه، ودسها فيه وقتًا غير قصير، ثم اتجه إلى امرأته وهمس في أذنها: «هل أنت شجاعة يا امرأة؟» ولكنها لم تقل شيئًا، فعاد يسألها: «هل أنت شجاعة يا امرأة؟» ولم تدرِ كيف تجيب، فلقد تعلقت عيناها باليدين القابضتين على شيء لا تدريه تمتدان إليها في حذر وإبطاء لكي تلقيه في حجرها.

– ما هذا يا شيخ عبد الغني؟

إنها ثروة العمر، سبعة جنيهات، أجل، سبعة جنيهات قد حفظتها لألقي إليك بها الساعة.

– ولكن …

ووجدت زينب أباها يبحث عنها، فاقتربت منه خائفة، ومد الشيخ يديه إليها، ثم جذَبها إليه في قوة وضمها إلى صدره، وهمس في أذنيها: سبعة جنيهات يا زينب، ستدخلين بها الفرن، سبعة جنيهات يا زينب، اشكري أباك الذي صنع لك مستقبلًا، وسألته زينب عن هذا الفرن وماذا عساه أن يكون؟ ولكنه وضع يده على فمها فسكتت، وسمعته يقول: «نحن فقراء يا رب، ولكننا مذنبون، وهذا الفرن، والنار التي تتضرم فيه، فكيف بنا على احتمال نارك الحامية؟» وكان رأسه يهتز ويترنح وصوته يختلج وينساب فيه الندم، ثم يندفع في نشيج متصل لا يهدأ، ويعود كالمستيقظ من نوم متعب لكي يذكِّر امرأته بالنار، وبأن فرنها هذا الماثل أمامها ليس إلا شبحًا للفرن الذي أُعد للمذنبين، وللفقراء، وبأن دموع الندم وحدها هي التي تطفئ لهبه. والحق أن زينب لم تدرك من ذلك كله شيئًا، ولم ترد أن تفهم منه حرفًا، وإنما ثبتت عيناها عند الصرة الملقاة في حجر أمها، المحجوبة تحت رأسها المطرقة في خشوع، ثم التفتت إلى الوراء فوجدت الفرن كما هو، يشكو من أن ناره حامية، وأن عذابها كبير. ولقد فكرت زينب طويلًا في ذلك الفرن الآخر الذي ستدخله بهذه الجنيهات السبع الملقاة في حجر أمها، وسألت نفسها إذا كان الناس يُعذَّبون ويُؤجَرون بالمال أيضًا، ولما لم تفهم شيئًا تركت أباها في نشيجه المحزن ذلك، وأمها التي لم تزل تندب ذنوبها وأيامها التي ضيَّعتها في غير الاستغفار، ثم طلعت على الفرن، وسحبت اللحاف، واستسلمت لنوم هادئ لا يعكره شيء.

٦

وهي تذكر أن أباها قد لبث على حاله تلك سبعة أيام متتاليات، يصحو في الصباح فيضم زينب إليه، ثم يهمس في أذنيها بأنه قد حفظ لها على مدى العمر سبعة جنيهات، وبأنها ستدخل دنيا جديدة لم ترَها من قبل، وكان في أغلب حالاته يقول لها: «هيه يا زينب! إنك ستدخلين الفرن بهذه الجنيهات، فاشكري أباك.» وهي تبحث الآن في ذكرياتها عن اليوم الذي مات أبوها فيه، ولكنها لا تحفظ من ذلك أثرًا، فإن مشهدًا آخر يزحم كل ذكرياتها، ويتقدمها، ويمثل أمامها في صورة أمها المتشحة بالسواد تقترب منها وتُنهي إليها في كلمات قصار: «سنذهب بك غدًا إلى المنصورة.»

وهي لا تجد في مخيلتها من هذه الرحلة الغريبة في البلاد الغريبة إلا أنها قد صحبت أمها إلى دكان امتلأ بالذهب، وأن أمها قد جلست أمام الخواجة الذكي الثرثار منشرحة الصدر سعيدة ضاحكة كما لم تسعد أو تضحك في يوم من أيام حياتها الطويلة. كانت أمها ضعيفة البصر، نصف عمياء، فراحت تقلب بين يديها ما يُعرض أمامها من الأساور والحلقان والعقود، فتتحسسه بكفيها النحيلتين، أما هي فقد كانت صامتة ساكنة، لم يكن الأمر يعنيها في شيء، لقد قضت حياتها متفرجة على الأشياء والأحياء.

وهي تذكر أن أمها، من فرط فرحتها قد تناولت من يد الخواجة أسورة ذهبية، ثم عالجتها في يدها، وأخذت تدفعها في معصمها وفي ذراعها، وتتحسسها بين الحين والحين، وتخرجها من يدها ثم تعود فتحاول أن تدفعها في ذراع كالعصا الجوفاء صُنعت من القش الواهي.

ولقد كانت أمها تميل عليها وتهمس في أذنها بأنها في زمانها لم تستطع أن تشتري ذهبًا ولم تدخل محل جواهرجي، بل قنعت بالزواج الخشن، من الزوج الخشن، على الفراش الخشن. ولقد ابتاعت أمها من الخواجة الذكي الثرثار قطعة أو قطعتين، ربطتهما في صرة من القماش قبضت عليها في اعتناء وحذر، كما يقبض الميت على ثروة يود لو يستطيع أن يستأثر بها وحده وأن يصحبها معه إلى قبره، لتقبض عليها يداه، في الظلام الخالد.

وحين عادت زينب مع أمها في قطار البراري كان الليل قد نشر عتمته على راكبي الدرجة الثالثة، وجلست وأمها على مقعد خشن، تنفذ إليهما الريح كألواح الثلج من نافذة متخرقة، ليلتحم الراكبون وتلتف أجسادهم، لتدفئ برد الشتاء وقسوة الليل، ثم تنطلق أفواههم بأحاديث لا ينصت لها قائلوها، وتدور أعينهم في الوجوه الجامدة المتعبة، قانعة بالتفرج لأنها لا تريد أن تؤوِّل شيئًا مما تراه، وكل ما تراه متماثل واحد لا يتغير ولا يتفاضل أبدًا. ولقد احتضنتها أمها، واشتكت لها من أنها لم تعد تقوى على احتمال البرد، فانعطفت وضمتها إليها في إصرار، ومسحت خديها بكتفها ووجهها، وأرادت أن تقول شيئًا ولكنها لم تجد صوتًا تحرك به حنجرتها فقنعت بالصمت، ووجدت أمها تهمس في أذنها ضاحكة: «ليس لك أن تشتكي من البرد، فالدفء ينتظرك في بيتنا، أولست ستدخلين الفرن عما قريب؟» ولقد سرت في جسدها رعشة خفية، وغامت أمام عينيها سحابة من همٍّ، وحاولت أن تفهم هذا الفرن، وراحت تستعيد ما قاله لها أبوها، ثم تهز رأسها وإن كانت في صميمها تشتاق إلى تعرُّف هذا الفرن، والتلظي بناره.

ولقد عادت في مساء ذلك اليوم إلى بيتها، تحمل في رأسها صورة غامضة عن الفرن الذي سيلقى بها فيه، وتحمل أمها في يدها صرة قبضت عليها في حذر. وحين أرادت أن تضع المفتاح في باب حجرتها، ألفت شبحًا يتحرك في الظلام، فتراجعت، ولكنه اقترب منها، وحرَّك شفتَيه بأصوات مرتفعة، ودت لو أنها كانت في الظلام همسًا، ثم التفتت إلى أمها فوجدتها تقبل ضاحكة مستبشرة، ثم تربِّت على كتفه وتشير له إلى ابنتها ثم تعود إلى ضحكها، وتفتح له يدها، لتريه الصرة، ثم تفتحها أمامه، وتعرض عليه أسورتَين نحيلتَين من الذهب، تلقَّفهما في يديه، وأخذ يقلبهما مشدوهًا.

ولقد عرفت فيما بعد أن محمودًا كان ينتظرهما قَلِقًا متشوقًا، وأنه قد لبث واقفًا أو قاعدًا أمام بابهما طيلة ذلك اليوم حتى انتصف ليله أو كاد، فلما أن عاد دلف معهما إلى الداخل، وأخذ يتحسس كل شيء يجده في طريقه متهللًا، فرحًا، ثم اقترب من الفرن الرابض في هذه الغرفة فطلع عليه، وأخذ يتمرغ عليه، ويضحك ويقهقه، ويدعو زينب وأمها، بإشارته، إلى الضحك.

وفي هذه الليلة نفسها اشترك محمود في حوار مع أمها لم تشهد زينب نظيرًا له من قبل، فقد عرفت أن الرجل أصم، وأنه لذلك كان يستعين برجليه وقدميه، وكل خلجة في جسده، وأنه كان يرفع صوته عاليًا، فتشير لها أمها أن تحتمل، نعم أن تحتمل، وقد احتملت زينب كثيرًا، ومالت عليها أمها، ثم همست في أذنها أنها لن تشاركها في نومها الليلة، وأن محمودًا زوجها هو وحده الذي سيملأ عليها فراشها دفئًا، وأن أمها قد ضحكت ضحكة خفية وأسرت إليها أنها لذلك ستقضي ليلتها نائمة على عتبة حجرتها، ولقد استنكرت زينب ذلك منها وقالت لها بصوت دامع بالأسى بأنها ضعيفة ومريضة، وأنها لن تحتمل برد الليل، وأنها لا تدري كيف تنام أمها على التراب في ليلة زواجها. ولقد بكت زينب كثيرًا، وألحت على أمها أن تبيت معها، ولكن أمها كانت عنيدة الرأي، فما لبثت أن تركتها، وتناولت غطاءً رقيقًا، ثم أغلقت الباب من ورائها. وظلت أمها على هذه الحال سبع ليال متتالية، وأمس، دخلت من الباب زاحفة على ركبتيها تسعل، وتشهق وتغمغم قائلة: «إنني مريضة يا ابنتي، إن أمك قد أصبحت كالقش المحترق.» وتهرول إليها زينب، وتمسك بيديها، وتحاول أن تلومها على صنيعها، ولكن أمها تقع على الأرض كما يُلقى الشيء، ساكنة، لا ينبض فيها عصب، ولا يتردد نفس.

وها هو زوجها قد دخل عليها في هذا الصباح يحمل أكفانًا، ويلقيها على الأرض، ثم يلقي بنفسه أمامها، يريد لو يسكِّن من حزنها، ويقبض على يدها في حنان، ثم يتركها في جلستها تلك، ساكنة جامدة.

ولقد لبثت زينب تفكر في شيء غير الحزن على موت أمها، وغير التفجع على حياتها البائسة، كانت تفكر في هذا الفرن الذي مات أبوها ولم يفسر لها كنهه، وماتت أمها ولم تكشف لها عن حقيقته، وستموت وزوجها قبل أن تفهم من سره شيئًا، لقد قضت مع محمود ليالي سبعًا، ولقد ضمها إلى صدره كثيرًا، ولثمها، وأشبعها تقبيلًا، ولقد كان ينضو عنها ثيابها جميعًا ويلقي بجسده على جسدها، ويظل ليله عاكفًا عليها، يهمس في سمعها بسعادته تلك، ومحبته لها، هل كان ذلك هو الفرن الذي حدثتها عنه أمها، عن دفئه، وحرارته؟ وعاد إليها زوجها في آخر النهار، ثم أمسك بيدها، واقتادها إلى حيث تناهت إليها موسيقى مختلطة بالزغاريد والغناء وموكب من الرجال والنساء يزف عروسًا، ولقد ضحك زوجها كثيرًا، ودعاها إلى الضحك معه، ثم همس في أذنيها: «إن جارتنا الجميلة ستدخل الفرن الليلة.» وهزت زينب رأسها مستفسرة، وتنقَّلت عيناها بين الموكب وبين زوجها، وخرج منها صوت لم يحاول أن يتبيَّنه لأنه لن يسمعه، وغمغمت ضاحكة، باكية، واختلج جسدها كله، وقالت في نفسها: «هل كُتب على أهل قريتي أن يدخلوا الفرن كما دخلت؟ ألا يوجد فيهم من يفلت من مصير البائسين؟»

وضغط زوجها على يدها، ثم سار معها إلى غرفتها، فأغلقها من خلفه في إحكام.

الثقافة، ٥ يناير ١٩٥٣م

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠