الوصية

تعالَ، تعالَ ولا تتردد، لماذا تقف على الباب؟ ألم تسمع أنهم سموني فاتح الأبواب؟ كل بيوت الفقراء فتحت أبوابها لي، كل الأكواخ استقبلتني بالترحاب، حتى القلوب والعيون فتحت أبوابها ونوافذها ورفعت أستارها ولم تضنَّ عليَّ بأسرارها وأوجاعها، فلماذا أغلق بابي؟ ومتى كان لمن جعل العالم موطنه باب حتى يغلقه؟ وفي وجهك أنت الذي أحسست دائمًا بخطاه تتابعني أو تصحبني أو تسابقني على الطريق الطويل؟ أنت الذي شعرت بنظرات عينيه تترصدني في كل مكان، من النوافذ ترفرف بأجنحتها وتنقر الزجاج كقطرات المطر، من بين الأشجار المتشابكة والأغصان المتعانقة تطل وتهمس وتصوصو وتغني لحن القدر المحتوم، وحين أمدد جسدي المنهوك على صدر أمنا الأرض أو على فراشي الداكن الأغبر تحط عليه وتذكره بأنها ستبقى ساهرة مهما حملته طيور الأحلام إلى أرض المجهول، قلت: تعالَ. لم تتلفت حولك كاللص الخائف أو كالطفل المذنب؟ إنني على استعداد للقاء، كنت دائمًا على أتم استعداد! ألم تلاحظ أنني أمسك القلم وأحاول أن أكتب وصيتي؟ هل تُكتب الوصية إلا بحضورك وشهودك وموافقتك على كل حرف فيها؟ لعلك تتصور أنك أخطأت العنوان؟ ولكن متى كان للكلبيين عنوان؟ حتى هذا المكان الذي سميته بيتي ليس سوى كوخ أهدانيه الطيبون مدى الحياة وهو يقولون: لا شفقة عليك أيها الكلب الطيب العجوز، بل إكرامًا لزوجتك وابنك، أم تراك تريد أن تتأكد من وجهي وخلقتي؟ نعم أنا المسخ القبيح، انظر، إنها ملامح من سمَّوه الكلب الحزين، وإذا كان الوجه القبيح لا يكفيك فها هو ظهري، هل رأيت الحدبة التي يحملها كالصخرة الصغيرة؟ أليس عجيبًا أن تنبت الشجرة العجوز هذا الحجر المستدير بدلًا من أن تغذي الفروع وتندي الأوراق وترضع الثمار؟ نعم أنا المشوَّه الأحدب الحزين، أؤكد لك أنني هو، ولماذا أؤكد أو أقسم بالآلهة الكبيرة والصغيرة وهذا ما خطته يدي قبل قليل؟ أعرني أذنَيك لا تكن متعجلًا، فلا بد أن يتسع وقتك لقليل من الشعر، الشعر الذي يفاجئني للحظة بزيارته بعدما خاصمني طوال الطريق: أيها الشيخ الذي هدته أعباء السنين، لا تروقك هذه البداية؟ أأقول المسخ بدلًا من الشيخ؟ أم أقول الكلب بدلًا من المسخ؟ ليس الفارق كبيرًا على كل حال، و«خارون» العجوز الذي سينقلني في قارب الأرواح لن يدقق كثيرًا في الوجوه إذا قبض الأجر المعلوم.

أيها المسخ الذي هدته أعباء السنين،
والذي سمَّوه بالأحدب والكلب الحزين،
اهبط الآن إلى «هاديس» قد حمَّ اللقاء،
حاملًا قيثارة القلب الذي كم مزقت أوتاره هوج الرياح،
فلعل الجرح يشفى أو تواسيك السماء،
عندما ينهمر الدمع على الصدر الحنون،
عندما تسكن نفسًا ثم يطويك السكون.

ماذا؟! لا شأن لك بشعري ولا بوصيتي؟ معك الحق، ولماذا الحجج والمبررات ما دامت السكين حادة واللحم طريًّا؟ إذن فأنت تريد اسمي، بالطبع بالطبع، فكل ما قلت لا يغني عن التعريف، ولا بد أنك حضرت بعض دروسي أو دروس غيري من الثرثارين، وعلمت أن التعريف الصحيح من أصعب الأمور، إن لم يكن أقرب للمستحيل، إذن فاقترب أيها الضيف المتردد، وأكاد أقول أيها الضيف المقيم.

•••

اسمي كراتيس، واسم أبي المسئول عن وجودي وتسميتي هو أسكونداس. كلانا من ثيبة، بلد البطل المسكين الآثم أوديب، لكن مأساتي ليست كمآسيه الدموية السوداء، هي إن تأذن لي بيضاء مرحة، تدعو للضحك أو البسمة فوق الشفتَين، أو للحيرة والدهشة في العينَين، كلبيٌّ آخر من أتباع الكلب الرائع، من حمل المصباح نهارًا تحت الشمس الباهرة الضوء، من سار وحيدًا في طرقات أثينا، في الساحات وفي الأسواق وراح يفتش عن إنسان، عريانًا حافي القدمين يشق زحام الناس يصيح: أين الإنسان؟ أين الإنسان؟

أنا أيضًا كلبي مثله، حافي القدمين تبعت طريقه، لكن ما أكثر ما ثرت عليه وتبعت طريقي، عضتني كل كلاب الأرض ولم أصبح كلبًا، مثَّلت الدور كأني أبأس من أبأس كلب ضائع، كي أثبت أن الإنسان محال أن يصبح كلبًا، حتى لو خاض بحور اللذة أو غاص عميقًا في أوحل الشهوة وانسحر على عظم السلطة والثروة، آه! ماذا قلت؟ ولماذا أتسرع معك وأنت تريد الحق وفي يدك موازين الحق؟

أصغ إليَّ إذن يا قاضي الحق، كنت أعيش كغيري من أثرياء هذا البلد ولا همَّ لي إلا المتعة والشهرة، قصري كبير وضياعي واسعة وخدمي ومحظياتي وعبيدي أكثر من أن أحصيهم أو أعرف وجوههم، أموالي تربو كل يوم، وكرومي تسيل في كل الكئوس، وسفني ومراكبي تجوب كل البحار، واسمي وشهرتي على كل لسان، حتى رأيته ذات مساء يعرج على شاطئ الميناء، تركت العمال والبحارة والعبيد يُفرغون السفينة من حمولتها وذهبت إليه. كان يبدو من هيئته ومشيته أنه كلب آدمي ضلَّ طريقه إلى حيث لا يجد اللقمة ولا العظمة، معطفه القذر خرقة كالحة السواد ملطخة بالبقع مليئة بالثقوب، ورائحته العفنة وهيكله المهدم مثل صندوق باندورا الذي حُشرت فيه كل الفظائع والشرور، وتحول إلى صندوق قمامة خاوٍ حتى من روح الأمل، تقدمت منه وأنا أضع يدي على أنفي وقلت: أراك تبحث عن شيء أيها الشيخ، هل أستطيع مساعدتك؟ تجهَّم وجهه الصخري الممتقع وقال: البرميل، سرقوا البرميل. حاولت أن أضع ابتسامة على فمي قبل أن أسأله: البراميل هنا كثيرة ومن كل الأحجام، وسفينتي وصلت الآن وعليها … ازداد عبوسه وتحرشت نظراته وعلا صوته الأجش وكأنه نتوء صخري يخترق أذني ولحمي: وما شأني بسفنك جميعًا! أريد مسكني الذي سرقوه أو حطموه، سألت وأنا أتكلف الصبر والمودة: مسكنك؟ زام في غضب: نعم مسكين، ألم تسمع عن حامل المصباح الذي يسكن البرميل؟ ألم يقل لك أحد إن البطل الطائش قد زارني وأنا عاكف على التأمل داخله؟ ضحكت بصوت مرتجف وهتفت: أجل أجل! وقلت له ابتعد ولا تحجب عني ضوء الشمس! حدَّق فيَّ وقد تورمت تجاعيد وجهه وحرَّك شفتَيه، فخشيت أن تبرز منها أنياب كلب عجوز: والآن يمكنك أن تنصرف وتتركني أبحث عن برميل يئويني. قلت بصوت منفعل بالرقة والحفاوة: كل براميلي تحت تصرفك، قل أين يضعه عبيدي وسوف تحلم فيه الليلة أسعد الأحلام! أشار بيده ساخطًا ورفع عصاه محذِّرًا: أنت وعبيدك! قلت ابتعد عن طريقي!

•••

لكنني لم أبتعد عن طريقه، ظللت أسأل عن أخباره وأقواله ونوادره حتى عرفت السبيل إلى مأواه وموضع إلقاء دروسه ولقاء تلاميذه، ما الداعي لأن أحكي كيف جرى ورائي بعصاه عندما لمح وجهي الناعم المنتفخ وملابسي المزركشة الفخمة وأخذ يدمدم ويزمجر: من قال لك إن الكلبيين يقبلون الكلاب بينهم؟ تحملت الضرب على رأسي وظهري وصدري أكثر من مرة. استعطفته وتوسلت إليه أن يجعلني تلميذه. جرَّني من قدمي على الأرض ورماني بعيدًا كأنه يتخلص من جثة. قلت له جرِّبني، لا تغتر بردائي الحريري وحزامي الذهبي وعربتي المطهمة، لا تتخلَّ عني أيها الراعي، علمني أيها المعلم! أرجوك لا ترد سائلًا يبحث عن جواب.

قام من مجلسه غاضبًا ودفعني إلى الخارج وهو يسب ويلعن ويحرق جسدي بعصاه: قبل أن تتطهر من دنسك؟ تحسست رأسي المشجوجة ومددت له كفي المخضبة بالدم: دنسي؟! لقد جعلتني أحلِّق فوق العتبة المقدسة، قل لي الآن كيف أستحق الوقوف عليها. زأر كأسد ضارٍ: عندما تتضع مثلنا وتترك كل شيء، عندما تزهد حتى في الزهد وتصبح أفقر من الفقر، عندما تخرج من حظيرة الكلاب الآدمية لتستحق الدخول في حظيرة الكلاب الآلهية. صرخت من ألم العصا التي انهالت على رأسي وصدري وكتفي وقلت بإصرار: علمني كيف أخرج وكيف أدخل، كيف أكون تلميذك. رقت ملامحه الغليظة ورفع عصاه عني ورجع إلى مجلسه، ولمحت على فمه ظل ابتسامة، ففهمت أنه يسمح لي بسلوك طريقه. وبدأت أواظب على حضور دروسه وسماع مواعظه وحِكَمه حتى اقتنعت وصممت. كانت الهواجس قد أخذت تعضني قبل ذلك بسنين وسنين، وكنت أزداد جوعًا كلما شبعت، وأحترق ظمأً كلما ارتويت، القصر بدأ يضيق عليَّ شيئًا فشيئًا حتى أصبح كالسجن أو القبر، والخدم والعبيد والخيول والقطعان والعربات وطواحين الزيوت ومصانع الفخار والمغازل صارت أشباحًا في كابوس يطبق عليَّ بالليل والنهار. صحاف الطعام الذهبية الزاخرة بأصناف اللحوم والفاكهة تحولت إلى أوعية تنضح بالسم كلما رأيت جيوش الجوعى والشحاذين والمعدمين على الطرقات أو على عتبات قصري، والمحظيات والراقصات والمغنيات صرن في عيني جثثًا ملوَّنة كلما أبصرت العجزة والمرضى والعميان والمجذومين والمشوَّهين والقتلى العائدين من الحروب المستعرة بين دول المدينة في الأكفان والتوابيت. ومعارفي وحسَّادي من التجار والملَّاك والحكام والقواد والرؤساء والخطباء صاروا كلابًا استفحل سُعارها وارتفع عواؤها بعد أن تحللت دولة المدينة وتناثرت أشلاؤها في مهب الإعصار المنتظر، وظللت أدور على نفسي كالديك المقطوع الرقبة أو كالثور المذبوح قبل السقوط، حتى قر قراري يومًا واخترت، ووقفت أمام خدمي وعبيدي وعمال مزارعي وضياعي وأعلنتهم بالقرار، لم أكتفِ بإطلاق سراحهم، بل وزعت عليهم ثروتي، حاولت أن أتوخى العدل فلم يبقَ أحد إلا وفاز بنصيب، وبغير أن أنظر خلفي غالبت لذة النظر إلى عيونهم الدامعة وغادرت بوابة القصر وعلى جسدي معطف متهرئ أهدانيه أحد العبيد الذين منحتهم أفخر ثيابي ومعاطفي وعباءاتي المطرزة بخيوط الذهب والفضة والمضمخة بعطور الهند وبلاب العرب السعيدة. لم أهجر القصر وحده بل هجرت تاريخي وخلعت أقنعتي ومحوت وعيي السابق وأنكرت جسدي القديم، اقتلعت جذور شجرتي بيدي وحملتها معي لأغرسها في تربة أخرى. سقطت منها أوراق السلطة والقوة والثروة والشهرة. طارت طيور الأحلام والأمجاد والطموح مذعورة خائفة، ومضيت أتعلم وأعلِّم وأروي كل الأشجار العارية بماء الحكمة والزهد والقناعة والرضا. فُتحت في وجهي البيوت والأكواخ حتى سموني فاتح الأبواب، أدخل فأنبه النائمين وأواسي المحزونين وأمسح على رءوس المرضى اليائسين وأغيث المنكوبين في الزلازل والأوبئة، وفي الوقت نفسه أواجه غيلان السلطة ولصوص الشهرة والحكمة والدجَّالين الكذابين ينادون على السلع المعطوبة وبأرخص سعر! أواجههم بخِرقي البالية ومواعظي المتزمتة، وأنقض عليهم كالكلب المسعور إذا انقض على السوط اللاسع في كف الحارس والشرطيِّ الشرس، كم بيتًا دخلت وسقيت العطشان من قربة حكمتي، كم كوخًا أطعمت فيه الجوعان من خبز قناعتي، وكم أنذرت وحذرت الذئاب المحترفة والكلاب السمينة من كارثة الغرق في مستنقع اللذة والترف، والتحليق بأجنحة الغربان الناعقة بالثرثرة والادعاء، والخفافيش المتخبطة في جدران الأحلام والأوهام وبين أطلال المذاهب والنظم المتداعية، كم قلت لأرباب المجد الخادع وملوك الذهب اللامع وذئاب العشق المسموم الآثم: هِبَات الحظ قشور في قاع اليم تدور، ومتاع العالم وهم، واللذة لهو وغرور. أما ما تتعلم وتفكر فيه بنفسك أو تلقاه من ربات الفن السبع، فملكك أنت ولن يسلبه أحد منك. تسألني:

ما هو حظك — بعد ضياع العمر — من الحكمة والعلم؟
فأقول قليل وكثير: ملء المكيال بقول تكفيني اليوم،
وفؤاد خالٍ من غصص الهم! والجوع شفاء من يأس الحب.
فإن لم يُجْدِ فدع للزمن جراح القلب،
وإذا ما الليل اسودَّ وسدَّت أبواب الدنيا في عينيك،
فشد الحبل على رقبتك،
وأرح النفس مع الجسم!

آه! ها أنا ذا أنساق مرة أخرى وراء الشعر الذي هجرني في شبابي ويصر الآن على أن يزورني معك، وأنسى وكيف أنسى العينَين اللتَين أنقذتاني من شد الحبل على الرقبة وإراحة النفس مع الجسم.

كانتا تتبعاني دون أن أشعر بهما، ترمقاني في المواقف الصعبة فتسكبان ماء الحنان على رأسي الغبي الخشن، وتسبحان بجسدي المرهق وعقلي المكدود من أرض الحرمان إلى سماء الحب والصفاء، لم أفطن إليهما ولا إلى الوجه الصبوح الفاتن إلا كما يفطن التائه في البيداء أو الضائع في الغابة المظلمة الكثيفة الأحراش إلى ومض البرق الخاطف والنجم المرتعش في الأفق البعيد، لكنها كانت هناك على الدوام، تراني ولا أراها، تسمعني ولا أحس صوتها، وتعد الطوق والقفص الذهبي للمخلوق العنيد العجوز الذي نسي نفسه وهو يحرس الأغنام الفقيرة وينبح الذئاب المسعورة ويمد يديه إلى المكسورين والمجروحين.

بعد أن وزعت ثروتي على عبيدي وخدمي وعمال مزارعي ومراكبي وسفني وحراس قصيري وسُيَّاسي خيولي ورعاة أغنامي وقطعاني، انتبه أهلي الذين باغتتهم المفاجأة، كنت أجتمع بأصحابي وتلاميذي القليلين تحت أريكة عتيقة على ربوة تطل على المدينة عند طرفها الجنوبي وتقع في خرابة رحبة تناثرت فيها أشجار الصبار والحجارة الكابية والشواهد الباقية من مقبرة مهجورة وأطلال معبد قديم، وكنت أواصل خطبي ودروسي مع مواصلة تعذيبي لنفسي وجسدي، في مبدأ الأمر كان جمهوري مجموعة من المتسولين والمتسكعين الذين دفعهم الفضول والفراغ لحضور دروسي، ثم توافدت أعداد أخرى من العبيد والمزارعين والرعاة والصيادين الفقراء، ومع الأيام تنادت أصوات المظلومين والمعاقين والساقطين في قاع «هاديس» مدينتنا المزدحمة كغيرها من المدن بالمنسيين، وازدادت شعبيتي كما يقال فشرعت وجوه بعض الوجعاء والرؤساء تظهر أبهتها وزينتها وسط جموع الأشباح المتلفة حولي كالزهور المعتدة بجمالها بين أوراق الخريف، كانوا يأتون رغبة في الترفيه عن أنفسهم والتسلي برؤية وسماع «الكلبيين»، أولئك الذين يدعون أنهم رسل الآلهة إلى البشر المتكالبين على اللذات والصراعات والطموحات، وأنهم ينقذونهم من حياة الكلاب التي يعيشونها بالإمعان في حياة الزهد والبؤس والعري والاستغناء التي لا يعرفها إلا أبأس الكلاب، وينصرف أكثرهم حين لا يجدون عندنا مذهبًا ولا مدرسة ولا ثرثرة بليغة مما ألفوا سماعه في الأكاديمية واللوقيون وحديقة أبيقور. كنت أتابع أحاديثي عن الرجوع إلى الطبيعة والفطرة، وأصب لعناتي على المدينة والمدنية، وألقي أحجاري على مرايا الحضارة والتحضر التي يتلذذ أبناء نرجس المغرورين بالنظر فيها ليل نهار، وأسوق قطيعي المحزون في الحواري الضيقة والشوارع الموحلة والقرى المنسية والخيام والأكواخ المنبوذة على أطراف المدينة ونعيش كالكلاب لكي نقول بصمتنا وخِرقنا البالية أنهم هم الكلاب. إن الإنسان قد وُجد على الأرض ليكون سيد نفسه وحاكم عقله ومالك قدره، نعم! كنا نتضع إلى الحضيض ونتحمل احتقار السادة وسخرية الغانيات وهتافات الصبية وحجارتهم التي يقذفوننا بها لكي ينطق بؤسنا وعُرينا بأننا الكلاب الحارسة للرعاة الحقيقيين: للحرية والإنسانية والسعادة والطبيعة الطيبة الحنون، لم أشك لحظة في أن طريقنا سيجتذب الطيبين مع المحتالين، والقديسين مع الأوغاد، والحكماء مع الدجالين، ولم أتوقف لحظة عن الحلم بالإنسان المثل والإنسان الملك والإنسان الإلهي الذي سيخرج من وسط حشود المحتقَرين والمهانين كما تُحتَقر الكلاب وتُظلَم وتهان في المدن المسعورة، وعرفت وعرف أصحابي وتلاميذي أننا نذر الاحتجاج الصامت على هذه المدن. أجراس الخطر المعلقة في عنقها المهول، وبلغ الأمر حد التبشير بفردوس كلبي سميته «بيرا» وحاولت أن أقيمه مع تلاميذي على حدود الجحيم الذي نعيش داخل حدوده، ساخرًا بطبيعة الحال من مدينة الثرثار الرائع أفلاطون، من حراسه الأغبياء وحكمائه المعتوهين وصناعه وزراعه المستعبدين وعدالته الظالمة ونظامه السخيف المستحيل.

•••

وذات يوم ونحن في ظل الأريكة نجتر همومنا وذكريات خيباتنا ونستعد للقيام بجولتنا اليومية، إذا بعاصفة من الضوضاء المرعبة تزحف علينا، وعندما انجلى الغبار وأسفرت الأقنعة عن الوجوه تبينت ملامح أعرفها جيدًا، كان نفر من أهلي وأقاربي قد انقضوا علينا كالوحوش الكاسرة. اضطرب نظام الجماعة فتقدمت الصفوف لأواجه خناجرهم وعصيهم وأكفهم الشرسة، وزعق صوت أليف: أيها المجنون الجاحد! كيف تبدد ثروتك على الكلاب! قلت بهدوء: هي ثروتي التي جمعتها بجهدي ووزعتها باختياري. قال شاب تفرست في وجهه طويلًا قبل أن أتذكره: تترك أبانا المريض وتنثرها على حشرات الأرض؟ أجبت في هدوء أشد: وألقيها في البحر طعامًا للأسماك، ما شأنكم أنتم؟! زمجرت الحناجر الصاخبة واشتعل الغضب في العيون المكفهرة: سنرفع دعوى الحَجر عليك، سنثبت أنك مجنون أحمق، وأنك تئوي المجرمين وتحمي اللصوص وتتخلى عن لحمك وذوي قرباك. أردت أن أقول إنني لم أتخلَّ عن أحد ولم أنسَ نصيبهم ولم أحمِ اللصوص والمجرمين، لكن اللكمات والصفعات والضربات التي انهالت على كتفي ورأسي وضلوعي غيَّبت صوتي وعقلي وألقت جسدي على صخور الحقد والكراهية، ولبثت وقتًا لا أعلم مداه حتى فتحت عينيَّ على الوجه الصبوح والعينين الواسعتين اللتين تسكبان ماء الحنان على الرأس المنهك الذي بدأ يفيق من الصدمة، قال الصوت الناعم الحنون: اطمئن يا راعي الطمأنينة! فرَّ الكلاب والذئاب نادمين. قلت وأنا أستجمع أشعة نفسي وأوتار حنجرتي: هل كنت هنا عندما هبت العاصفة؟ قالت ضاحكة: أنا معك على الدوام، قبل العاصفة وبعدها! هززت رأسي متحيرًا وسألت: أو استمعت إليَّ ورأيتني قبل الآن؟ علت ضحكتها قائلة: وصحبتك في جولاتك يا من لا ترى غير أفكارك ولا تسمع غير كلماتك! أردت أن أحتج على سخريتها وأخرج من دائرة حصارها ولكنها أسرعت بوضع يدها على فمي، ثم مدتها وجذبت رأسي إلى الوراء وهي تشير قائلة: انظر هذا الذي يراقبنا هناك. وانفلتت جارية وهي تصيح: إنه أخي بتروكليس، انتظر لحظة واحدة. حدقت في الشبح الواقف بعيدًا بقدر ما استطاعت عيناي المتورمتان، كان واحدًا من السادة الذين أعلنت عليهم حرب احتقاري وقذفتهم بحجارة لعناتي، يتدثر في عباءة سوداء فضفاضة، ويبدو تحت ظلال أشجار الصنوبر التي تغطيه ساعة الغروب في هيئة الذئاب الجشعة التي تتربص بأغنام المساكين. رأيتها تحرك يديها كأنها تؤكد عباراتها التي لا أسمعها وتدعم تصميمها عليها، وما هي إلا لحظات حتى رجعت ضاحكة كاللبؤة المنتصرة، تهتف صائحة بصوت ذكَّرني بصيحات عرافة أبوللو المشحونة بأسرار النبؤة: زيوس يدعوك للمثول أمامه، وهيرميس جاء يبلغك رسالته! سألتها في هدوء: زيوس ورسوله، ماذا تقصدين؟ قالت وهي تضحك وتمسك بذراعي: الرسالة واضحة يا فيلسوف الكلاب الإلهية! رفعت حاجبيَّ دهشة فوضعت ذراعها في ذراعي وهي تدفعني إلى الأمام مع اندفاع جسدها اللدن الجميل وضحكات فمها الصغير العذب: لقد اخترتك وهو يريد أن يقنعك بأن تقنعني بالعدول عن اختياري! وشدت يدها على يدي، فسرى الدفء في دمي مع أغنيات الطيور التي هجرته مع أزمان وتركته لنعيب البوم ونعيق الغربان، وطفقت أفكر فيما قالته وأستعيده وأفسر ألفاظه التي أخذت ترتسم أمامي وتتشابك في بعضها كحروف لغة لا أفهمها ولا أدري كيف أفك أسرار رموزها، وعندما طارت حمامة يدها من يدي انتبهت عليها وهي تدق على فتاحة باب ضخم لم يلبث أن انفتح وظهر وراءه السيد الذي حدثتك عنه. قالت وهي تضرب صدره بقبضتها مداعبة: هذا هو شقيقي الفيلسوف بتروكليس الذي لم يعرفه أحد حتى الآن، وهذا … قاطعها الشاب الطويل الواسع العينين وهو يصافحني: الفيلسوف الذي لا يجهله أحد.

•••

وجدت نفسي في قاعة فسيحة تضيئها أنوار شموع انعكست ظلالها على وجوه تماثيل تحدق فيَّ عيونها الرخامية المطفأة من كل جانب، وفي صدر القاعة جلس رجل ضخم البنيان وقور الملبس والملامح والشعر الذي جلَّله ثلج الشيخوخة، أقبل عليَّ مرحبًا وشدَّ على يدي ثم جذبني إلى ركن تحتله أصص تطلع منها شجيرات الصبار كصفحات سيوف خضراء لامعة: مرحبًا بك في بيتي وفي قاعة «هيبا رخيا». سألت وأنا أخفض رأسي وبصري: مرحبًا يا سيدي، ولكن من هي؟ ماذا قلت؟ أقبلت مسرعة حين سمعتني وتدخلت قائلة: هكذا هو يا أبي، هل رأى أحد خطيبًا يجهل اسم خطيبته التي لم تحب سواه؟! تلعثمت مرتبكًا وأنا أقلِّب بصري بينها وبين أبيها: ولكن يا سيدي … زجرها أبوها بنظرة غاضبة: هيبارخيا، اتركينا الآن.

دعاني إلى الجلوس منفردين في الركن القصيِّ بجانب الشجيرات التي تلمع فروعها بأشواك ناتئة أحد من الظنون والهواجس التي تجرح عقلي. قال هامسًا: أرأيت الآن أي ورطة أوقعتك فيها هيبارخيا بعد أن ورطتنا؟ حاولت أن أشرح له موقفي، فأشار بيده ألا أكمل، واستطرد يقول وهو يطرق برأسه الثلجي الشعر: هذه هي ابنتنا الوحيدة العنيدة، لم تكتفِ بترك أبيها وأمها العجوزين لتهيم وراءك أنت وأصحابك حتى جاءت بك لترغمني على ابتلاع قرارها، لا تقل شيئًا! أعلم أنك كنت مشغولًا عنها كما أعلم أنها لم تشغل بغيرك، لكني أطمح أن تقدر مشاعر أبوَين عجوزَين وحيدَين، فكر كذلك … قلت وأنا أسحب عصاي وأقف غاضبًا: فيما سيقوله الناس ويروجه الأصدقاء والحسَّاد من أرباب الثراء والشهرة، لا داعي لتضييع الوقت، تعالى يا هيبارخيا، تعالوا جميعًا لأكملكم على طريقتي.

لم أنطق بحرف واحد، فالفعل دائمًا هو حجتي وبرهاني. وجدتني أخلع معطفي وهلاهيلي المليئة بالثقوب والرقع والبقع المسودة الداكنة كأنها خرجت لتوها من جحر الفئران، ألقيتها على الأرض ووقفت أمام عيونهم التي تحاصرني بدهشتها واستهجانها كالقرد العاري، ثم ألقيت العصا التي أستند عليها، فاصطدمت بالأرض وأخرجت صوتًا مكتومًا، وتناولت جرابي الجلدي المغبر الذي طالما جعلته مخدتي عندما أنام في العراء، وأخرجت منه الصحن النحاسيَّ الصدئ الذي أضع فيه طعامي وأستغنى به عن موائد اللئام، وقلت بصوت رن بأرجاء القاعة الرحبة وارتعشت لصداه أجساد الشمع المرتعشة تحت نيران اللهب الأزرق: هذا هو عريسك، وهذا هو كل ما يملك، انظري وفكري جيدًا ثم اتخذي قرارك.

تقدمت هيبارخيا بخطوات بطيئة نحو الكومة الراقدة في وسط القاعة كالشبح الفاتن الحزين لأويريديسه الخارجة من أعماق هاديس في أثر شاعرها الإلهي الملهوف. انحنت على المتاع المتهالك على الأرض مثل جثة قطة سوداء ظلت صغارها ترضع من أثدائها دون أن تدري أنها ماتت وتركتهم وحدهم، والتقطت المعطف البالي وبسطته على كتفيها قبل أن تدخل فيه ذراعَيها، ثم انحنت مرة أخرى ككاهنة تؤدي طقسًا مقدسًا، فأخذت العصا والجراب ووضعت فيه الصحن الذي حملته بحرص وحنان كأنه تحفة ذهبية ثمينة، وأقبلت عليَّ متهللة الوجه متألقة العينين مفترَّة الشفتَين عن بسمتها الساحرة العذبة وهي تقول بصوت هامس ولكنه مسموع: وأنا رضيت بحياتك وقررت أن أشاركك فيها. ثم التفتت إلى الوجوه المذهولة ورفعت صوتها: أشاركك فيها حتى أموت معك ولأجلك يا زوجي وحبيبي الأحدب الحزين، هيا نخرج من هذا البيت ولا نرجع أبدًا.

•••

غادرنا القصر الشامخ والقاعة الفخمة دون أن نلتفت وراءنا. كانت دهشتي أعظم من دهشة أورفيوس لو كذبنا الأسطورة وتصورنا أنه وجد نفسه خارج العالم السفلي وفي ذراعه زوجته وحبيبته الجميلة، أما دهشة الأب والأم والأخ الغاضب فسمعنا أصداءها المدوية قبل أن نغلق باب السور من خلفنا. زعق الأب كالأسد المُحتضَر: وا فضيحتي في السوق والشارع ومجلس المدينة! وصرخت الأم المشلولة كأن الزلزال فك الأغلال عن جسدها وصوتها المرتجف: ضاعت ابنتي وجُنَّت! وانتهت إلينا صيحة الأخ الثائر يهدد بالانتقام من الكلب العجوز الذي ربط الزهرة في ذيله وهرب. وشدت هيبارخيا على يدي وهي تقول: يكفيني أن أكون معك ولك. نظرت إليها وابتسمت: إلى الأبد؟! قالت بتواضع كلبية أصيلة: إلى آخر العمر المحدود على الأرض المحدودة.

لم تكن حياتنا سهلة، لا نحن وحدنا أو تحت الأيكة مع رفاقنا ولا بعد أن وهبتنا الآلهة ابننا بازيكليس. كنا نواصل جولاتنا اليومية فنطوف بالقرى ونعبر الحارات الضيقة المظلمة ونصعد السلالم الهشة المتآكلة إلى البيوت والأكواخ المنسية. نهب سلام الروح ونسكب خمر الطمأنينة في أفواه الظمأى والمرضى المُحتضَرين، ونوزع خبز الحب والرضا الطازج مقابل لقيمات وجرعات لبن أو نبيذ تجود بها أيدٍ محبة رحيمة من النوافذ والأبواب التي سمَّانا أصحابها فاتحي الأبواب. احتملنا الكلمات واللعنات التي كانت تنهال علينا أكثر وأوجع من حجارة الصبية الأشقياء، الذين يزفوننا كالمهرجين ولاعبي السيرك وحيواناته الوحشية والأليفة، وكم ترددت الشتائم الساخرة في أذني، فأثارت رياح الغضب في رأسي وحركت أمواج الندم في صدري: انظروا أفروديت مع المسخ القبيح! من يصدق أن الحورية وابنة ملك البحر تهيم غرامًا بالقرد الكلبي؟ أين العدل وهذا التاج الذهبي على رأس الكلب؟! من ينقذ أميرة الفراشات والزهور من أنياب الكلب المسعور؟!

كانت هيبارخيا تجري وراءهم وهي تصيح: أنتم الكلاب الذين نحاول أن نجعلكم بشرًا! ليس هو الكلب بل الكلبي الذي أرسلته الآلهة ليخرجكم من الحظائر الدنسة! رضي بأن يوصف بالكلبي كما رضي معلمكم سقراط بشرب السم، لكن لا التواضع ولا السم صنعا المعجزة. لماذا تنبحونه وتتركون الكلاب السمينة تسرق خبزكم وتبني القصور من لحمكم وعظمكم وتسوقكم إلى الحروب لتبني عروشها على أشلائكم؟! متى تفيق الكلاب المسعورة على دعوة الراعي الإلهي؟ ومتى تحرس نفسها من حراسها الذين يطوِّقونها بنير العبودية، ويلتهمونها واحدًا بعد الآخر؟

كانت تقول ذلك للصبية المتحرشين بنا والأغنياء الذين يمعنون في السخرية حين يدعوننا إلى مآدبهم الحافلة ويلقون إلينا بالعظام وهم يلغون في لحوم الديوك والخراف والعجول المشوية ويضحكون: انهشوا وارجعوا إلى الطبيعة. وتثور هيبارخيا وتلقي بنفسها عليهم وتصفعهم على وجوههم وتتحمل وقاحة المتطاولين الذين يستعذبون الصفع ويهتفون بها: ليتك أيضًا تعضين أيتها الكلبة الجميلة! وأُخلصها من أيديهم ونغادر المأدبة والضحكات وبقايا العظام تنهال فوق رءوسنا، وأقول لها حين تنفرد تحت ظلال الأيكة أو تحت سقف كوخ يدعونا إليه مزارع أو صياد أو حطاب: أرأيت أن الحياة مع الحكيم الكلبي أقسى من حياة الكلاب؟ فتقول وهي تربت على رأسي ووجهي بيديها: من قال إن الأرض العطشى تندم على عناق السماء الممطرة؟ وأعانقها وأضمها إلى صدري وننصهر ونحترق ونلتصق وننسكب كلانا في الآخر، فتهمس وهي تسوي جدائلها السوداء الناعمة وتتخلل بأناملها غابات رأسي وذقني الكثيفة الخشنة وتقول وهي تتحسس بطنها المنتفخة: وكيف أندم على العودة معك إلى الطبيعة بعد أن أصبحنا شجرة واحدة تنتظر الثمرة التي تنضج في جوفها وقريبًا تتدلى من فرعها؟! وأنظر إليها نظرة الكلبي المتشكك التي تعرفها فتندفع إلى وجهي الممسوخ وتغمره بالقبلات ونسائم أنفاسها العطرة تهب على كل مسامي: كنت في قصر أبي كلبة حمقاء مدللة فأعدتني إلى طبيعة البشر، ألا تندم على كل لحظة قضيتها بعيدًا عنك وعن الطبيعة الطيبة؟!

•••

لكن عضات الندم زاد وخزها في لحمي وضميري بعد أن وضعت ابننا المسكين الضائع بازيكليس. صحيح أن عطايا الأصحاب والأتباع الذين انضموا إلى جماعتنا قد راحت تنهمر علينا كل يوم، والأبواب التي تفتح في وجوهنا والأعناب التي تقبل أقدامنا قد زادت بلا نهاية في القرى والمدن الصغيرة ومرابط الخيام المتنقلة وتجمعات الصيادين والمهاجرين واللاجئين والمنفيين وحجاج المعابد المقدسة وروَّاد الألعاب الرياضية والمسرحية والغنائية بأفراحها الدائمة، غير أننا كنا نعود في أكثر الأحيان يائسين متعبين إلى ظل الأيكة ونحتمي تحت سقف تعريشة من أغصان الشجر وألواح الخشب وأعواد القش ونضع هياكلنا المحطمة ونفوسنا الكسيرة ورءوسنا المنهكة على المخدات الحجرية الخشنة، ونمد أعضاءنا حول موقدنا الطيني الذي تختنق نيرانه تحت ركام الفحم والخشب والرماد، كنا نخفي تعبنا ويأسنا وراء النظرات المحبة والضلوع المشتعلة بخيبات الأمل في الكلاب والبشر والالهة والشياطين، وكانت جمرات الندم تتوهج في باطني وتلسع حطام ضميري كلما رأيت الوجه الفاتن الصبوح كالقنديل الصامت الذي خبا فتيله وشحبت ألوان زجاجه، وكان أكثر ما يؤلمني أن أرى منظر «بازيلكيس» وهو يتقلب في حضنها ويصرخ بحثًا عن صدرها فيجاوبه نباح كلاب بعيدة وحفيف أوراق تجلدها الريح وتلسعها سياط المطر المتساقط. لم يبخل علينا بعض الكرام الذين انضموا إلى جماعتنا بتقديم المأوى والملاذ، لا سيما حين يشتد برد الشتاء وتمتد مواسم المطر وتحتد نوبات الأنواء وزخات الأمطار. وكانت هيبارخيا هي التي تبادر بالاعتذار عن قبول الدعوات وتحتج بالوفاء للطبيعة والإخلاص للمثل الحي المتجسد، حتى فاجأنا بزيارته ذلك الرجل ذو الوجه الصغير الطيب الذي كنت قد نسيته. قال وهو يفترش الأرض بجانبي ويحتضن بازيلكيس الذي سرعان ما يفلت من بين ذراعَيه ليواصل ألعابه المضحكة: سيدي، لقد جئت أقدم إليك بيتي الصغير الذي سبق أن أهديتني إياه. قلت في نبرة لم أستطع إخفاء غضبها وضيقها: لست سيدك ولم تعد عبدي، والهدية التي تتحدث عنها لا أذكرها. قال الرجل: كان كوخًا يتوسط مزرعة صغيرة، وكان من نصيبي عندما وزعت ضياعك وبيوتك وأراضيك وأنعمت عليَّ بالحرية. أصلحتُ الكوخ وتعهدتُ المزرعة ثم أهملتها بعد أن نمت ثروتي واتسعت تجارتي وجرت العملات الذهبية والفضية في يدي، هل تتنازل وتقبل أن أرده إليك؟ قلت وأنا أتابع ولدي وأتصور زوجتي بعد رحلة الشقاء اليومية: ولكننا صرنا طبيعة أخرى بعد أن توحدنا بالطبيعة واحتقرنا المدينة وكلاب المدينة!

عاد يلح من جديد وهو يحدق في وجهي الذي تحجرت تجاعيده وذبلت ملامحه واسودَّت مثل قناع شيطان تعس: الكوخ والمزرعة الصغيرة عاريان من مظاهر المدنية، ولن تخون عهدك للطبيعة إذا نمت مع بازيكليس تحت سقفه! أطرقت طويلًا وتذكرت الكوخ الصغير الذي كنت ألجأ إليه قديمًا لأستريح من عناء اللهاث وراء الثروة وأتقي سهام المتآمرين على مزارعي وسفني وتجارتي بالغدر والطمع والفتنة، وتأملت الوجه الصغير الذي كان يدخل عليَّ تسبقه ابتسامته، فأسلم له ساقي ليدهنها بالزيت، وأذنيَّ ليسليهما بحكايات أيسوب وأمثاله، وحكم صولون والحكماء السبعة، والنوادر التي تروى في السوق والشارع وقاعات الضيوف ومآدب الأثرياء والرؤساء وأكواخ العجزة والمرضى والفقراء عن معلمنا سقراط الزاهد الحكيم وعن معلمي صاحب العصا والمصباح وعني أنا المسخ الأحدب الحزين. ضحكت كثيرًا وسرحت طويلًا وتأملت عينَي عبدي السابق وسكت. هل أصبح حقًّا من كبار الأثرياء والوجهاء؟ هل مد يديه لأمثاله السابقين من العبيد والمحرومين؟ كنت متعبًا من أحوالي وأحوال المدينة فلم أشأ أن أضيف متاعب جديدة، ويبدو أنه قرأ المكتوب على ألواح خواطري السوداء فقال وهو يمد إليَّ يده بمفتاح ضخم: لم يتغير شيء ولن يتغير يا سيدي، خذ مفتاح الكوخ وأغلقه عليك وعلى أهلك جيدًا. قلت في دهشة: وماذا أفعل بالمفتاح يا … قال: أندروكليس يا سيدي، صاحب النوادر والحكايات والطرائف والأشعار. قلت: نعم يا أندروكليس، ولكن ألم تسمع أنهم سموني فاتح الأبواب؟ قال: سمعت هذا وأكثر منه يا سيدي. رفعت صوتي غاضبًا: قلت لك لم أعد سيدك ولم تعد عبدي، ما الفائدة من كل حياتي وعذابي لتحرير الإنسان من الكلب الكامن فيه؟ ولماذا أغلق بابي بالمفتاح وكل الأبواب مفتوحة في وجهي؟ قال وهو يستعد للانصراف وتلح عليَّ ذراعه ويده بأن آخذ منه المفتاح الحديدي الصدئ: لا تقل كل الأبواب يا كراتيس، لا تتصور أن شيئًا تغير أو سيتغير! دفعت يده الممدودة كمخلب نسر عجوز وأنا أصيح: الكلبي الأباس من أبأس كلب لا يحتاج إلى مفتاح، لا يحتاج إلى كوخ!

كانت هيباشيا قد رجعت من طوافها اليومي فسمعت صيحتي ورأت الرجل، قال لها في هدوء وهو يضع المفتاح في يدها: من أجل يازيلكيس ومن أجلك يا سيدتي، حاولي أنت أن تقنعي سيدي القديم العنيد.

وعرفت هيباشيا ما دار بيننا فسكتت طويلًا. نظرت إلى وجهها الذي غطته سحب الحزن والوهن والذبول، فلمت نفسي ولذت بالصمت، وأقبل يازيلكيس فاحتضنته وقالت: من أجل صدري وصدرك اللذين افترسهما السعال سأوفر على نفسي النقاش الطويل، وانحنت عليَّ وتفرست عيناها الجميلتان في وجهي، وقالت وهي تشد ذراعي بلطف وتضع يدها في يدي: هيا بنا، يبدو أن شيئًا لم يتغير ولن يتغير!

•••

سرنا إلى الكوخ الذي تذكرت مكانه بعد السنين الطويلة، ووضعنا فيه متاعنا «الكلبي» الفقير، أصبح لنا سقف نبيت تحته وجدران تحمينا من المطر والريح، واستمرت حياتنا وجولاتنا اليومية ولقاءاتنا تحت الأيكة ومواعظنا وحكمنا ونصائحنا ونواهينا التي أخرجها من جرابي الجلدي القديم وأتلقى في مقابلها أرغفة الخبز وقطع الجبن وفواكه الأرض وخضرتها حينًا، كما أتلقى الشتائم والصفعات والركلات والبصق في وجهي حينًا آخر. لم يتغير شيء كما قلت لك، ولكن بدأ ابني بازيلكيس يتغير، ومع أني كنت ألاحظ أن النور في قنديل هيبارخيا بدأ يخبو وتزحف عليه ظلال الصفرة والسواد، وأن الشيخوخة بدأت تثقل من وطء الصخرة التي أحملها على ظهري، فقد كان أكثر ما يحزنني أنا وهيبارخيا أن ولدنا يتغير في الوقت الذي تكرر فيه عيوننا الصامتة ما قاله عبدي السابق ذات يوم: لم يتغير شيء يا كراتيس ولن يتغير شيء، لا الأثرياء تحولوا عن جشعهم، ولا الحكام كفُّوا عن مؤامراتهم وصراعاتهم، ولا الفلاسفة — ومنهم شقيق هيبارخيا وتلاميذه البارعون في الجدل — عدلوا عن ثرثرتهم وبناء قصورهم فوق السحب وعلى أكف الرياح، حتى الفقراء والمساكين الذين عشنا لهم قد ازداد تكلبهم واستفحل سُعارهم وعضهم لبعضهم وتركوا الكلاب الحقيقية والذئاب الطاغية الضارية. ومع أن القليلين من رجال السلطة كانوا يزوروننا بين الحين والحين — ومنهم قاضيان ورئيس شرطة سابق أدركوا أخيرًا أن القانون ليس هو السيد ولا أحد يخضع له — فقد كانت المدينة تتحلل أمام أعيننا، والإنسانية والفضيلة والحرية والبساطة والاتضاع وسائر الخيرات التي بح صوتي في الدعوة إليها تتساقط كأوراق الخريف الذابلة تحت أقدام الجميع.

وآه يا ولدي الضائع! بدأنا نلاحظ أن رياح التغير قد عصفت بك، فمجادلاتك معنا لا تنتهي من كثرة ترددك على مجالس الحكماء الثرثارين، وتطاولك على أمك وعليَّ يزيد كل يوم عن كل الحدود، وإعلانك عن عزمك على التبرؤ من أبويك واحتقارك لملبسهما ومأكلهما وكلامهما يزداد تبجحًا إلى درجة لا تطاق، وبدأت مطالبك تفوق كل قدراتنا التي وقفناها على الزهد والتخلي عن مظاهر القدرة والتملك، وكم صرخت في وجوهنا الذابلة من شظف الحرمان أن تواضعنا ضعة، وزهدنا عجز، وفقرنا غباء، وصمتنا عيٌّ وبلاهة، وأننا — ويا لقسوة اتهاماتك يا بني! — أشباح كلاب مهزومة في عالم لا يبقى فيه حيًّا إلا الذئاب الضارية والسباع الكاسرة والثيران الهائجة والنمور الجريئة الوثابة.

حاولت أن أجرب معك كل سبيل، لكنك لم تصبر على كلامي ولم تطق سماع صوتي، ولم تملك إلا الاحتقار لي ولمن علموني وعشت وفيًّا لهم. لم تصدق أن الإنسان يصبح أقوى ما يكون عندما يزهد ويتخلى، ولم أفز منك إلا بالضحك عليَّ كلما حاولت أن أقنعك بأن الغني حقًّا هو المستغني، وأن الإنسان لا يكون سيد نفسه وقدره بما يملكه ويخزنه، بل بما يكونه ويزهد فيه. وأخذتك يومًا معي لترى ديوكليس الذي استطعت أن أهديه إلى طريقنا وأرغِّبه في حياتنا وأدفعه إلى مشاركة البؤساء والمساكين من مواطنينا والتعاطف مع كل الكائنات المعذبة. لكن ماذا كان تصرفك وكيف فعلت فعلتك الطائشة؟ كنت قد اتفقت مع تاجر الأغنام العجوز الفاحش الثراء أن نلتقي على شاطئ البحر ليختم عهد الوفاء للطريق الجديد ويدفع ثمن الرجوع عن حياة الكلاب إلى حياة البشر. قلت له لا يكفي أن تترك بيتك وتحرر عبيدك وترفع عبء الديون عن المزارعين في ضياعك وتوزع عقارك وأراضيك ورياشك وأملاكك على الفقراء والمحتاجين من أهلك وجيرانك. لا يكفي أيضًا أن تجعل ضياعك مرعًى حرًّا للأغنام وحظائرك ومخازن غلالك مشاعًا للرعاة والسُّيَّاس والخدم والعاملين، اشترطت عليه أن يتجرد من ملابسه إلا الخرقة التي تستره، ويتخلص مما ادخره للأيام من عملات ذهبية وفضية حتى يمكن أن يشاركنا جولاتنا اليومية، وافق على كل شيء واتفقنا كما قلت على اللقاء على الشاطئ في مكان بعيد عن فنارة الميناء ومواقع الشرطة والجمارك وحراس الحدود، وعن أبعد أكواخ الصيادين، وجئت معي يا بني بعد الرجاء والإلحاح من أمك ومني، ووصلنا إلى المكان وعرفتك بالرجل الأصلع القصير الذي كان يومًا هو المسئول عن إطعام «ثيبة» باللحوم. ورأيت بنفسك كيف وقف أمام البحر في خِرَقه الرثة الممزقة، وكيف فتح صدره للريح وقال: الآن أعاهدك أيتها الأمواج الأزلية المد والجزر أنني سأثبت على نقائي وعريي مثلك عن كل شيء، الآن لن تستطيع قشة واحدة من متاع الدنيا أن تتعلق بي إلا إذا أصبحت جثة فوق جسدك الناعم الطري! ولن تستطيع أن تصمد أمام قوة يقيني وزهدي فيها إلا كما تصمد أمام قوة اندفاعك وغضبك وثورتك المزبدة التي تلفظها على رمال الشاطئ، ومد يده البيضاء السمينة إلى داخل كيس ضخم حمله معه وأخذ يلقي القطع الذهبية والفضية واحدة تلو الأخرى فتلمع في ضوء الشمس الغاربة ببريق ذهبي خاطف قبل أن تتلقفها أمواج البحر وتلقمها أعماقه السفلية الشرهة، كان يضحك ويصرخ ويبكي بجنون، وكنت تصرخ أنت أيضًا وتحاول أن تمسك يده وتنتزع الكيس منها وأنت تهتف: دع الكيس أيها المخبول! إن كان أبي قد غرر بك وزيَّن لك الإفلاس فانظر إليه لترى المصير الذي أوصلته إليه خزعبلاته، انظر إليَّ لتعرف مدى جنايته عليَّ، أبقِ على البقية الباقية أيها المعتوه حتى لا تفيق من السكرة يومًا فلا تجد اللقمة ولا الجرعة ولا الدواء، انتظر ولا تجعلني أقذفك في الماء، انتظر ولا …

لكن ديوكليس لم ينتظر ولم يؤجل خلاصه، وعندما انتهى من إفراغ كيسه التفت نحوي وقد احاطت برأسه اللامع — كالمرأة المتموجة الألوان بحمرة الشفق المتوهج! — هالة النور التي تجلل كتيجان الغار الأبيض المجيد رءوس الأبطال الخالدين، عندها وقفت بعيدًا وأنت تقلب عينَيك بين جنون الأب وصديقه، حدَّقت في وجوهنا برهة قبل أن تشير بيدَيك وذراعَيك إشارة يائسة ثم تدير لنا ظهرك وتحرك ساقيك نحو المدينة وأنت تقول بصوت مختنق بدموع الوداع وسَورة الغيظ والاحتقار: معذرة يا أبي، هذه آخر مرة أراك فيها أو تراني.

•••

آه يا ولدي الضائع المسكين! انطلقت لم تلتفت وراءك، دفعت مركبك الهارب الغاضب أمواج أعتى من أمواج البحر الذي وقفنا على شاطئه، لم تنظر مرة واحدة إلى الخلف لترى وجه أبيك المذهول من الصدمة، لم تلمح يدَيه وذراعَيه اللتين مدهما نحوك وهو يقول ولا تسمعه: عد يا ولدي! إن لم يكن من أجل أبيك فمن أجل أمك!

حاول ديوكليس أن يخفف لوعتي ويسرِّي عني بينما كنت أسير بجواره وأسمع أصواته ولا أسمعه. قال لي: سيرجع لا تقلق عليه. هذا الشباب الطموح الثائر بغير ثورة سيرجع يومًا وليس معهم إلا حصاد المر والتراب والهشيم الذي يلقونه أمام آبائهم وهم يقولون: اغفروا لنا أيها العجائز، فالعالم خيَّب آمالنا كما فعل معكم! لا تبتئس يا صاحبي، ربما حبب إليه قلبه الطائش أن يذوق طعم المغامرة، وربما اتفق مع رفاقه أن يخرجوا ويجربوا، ألا ترى أنهم معذورون؟

قلت بامتعاض: أي عذر هذا الي يبرر لهم التخلي عن آبائهم العجائز؟ قال كأنه يفضي بسر هائل: ألا تشم رائحة العفن تتصاعد من المدينة وتطوقها وتخنقها كما يخنق القط الوحشي صغاره العميان قبل أن يلتهمهم؟ ألم تسمع فضائح الفساد التي ذاعت إلى حد الملل على كل لسان؟ وكيف يجد الشباب الضائع المضيع قوته وشرابه بعد أن يئس من العثور على حريته وكرامته وكف حتى عن الحلم؟ هل وصلتك أخبار المقدوني الزاحف؟

التقط عقلي المقفل على أحزانه هذه الكلمة فسألت: تقول المقدوني؟

قال متعجبًا من غيبوبتي وجهلي الفظيع: أجل أجل! هذا المتهور الذي يسحب وراءه أبناء الإغريق لتحقيق أحلامه المخيفة.

لم أعلق بشيء، كنت أشعر تحت وقر السنين وتفاهة الحصاد أن لا شيء تغير أو يمكن أن يتغير، مع ذلك كان قلبي يتنبأ بقدوم العاصفة، ولا بد أن ديوكليس السمين اللزج الذي راح يتدحرج بجانبي ككرة الدهن الملطخ بالأوساخ قد استرق السر من الخاطر العابر فقال بصوت مشحون بالجدية: العاصفة قادمة يا صديقي، لكن من أين ستأتي وكيف؟ هذا شيء لا يعلمه مثلي أو مثلك، ولكنه سيهز بيت الطبيعة الذي تدعونا لسكناه.

•••

اتجهت إلى الكوخ مضطرب الأحاسيس والخواطر بعد أن لم أجد فيَّ القوة على البحث عن عبدي أندروكليس. كنت أريد تسليمه مفتاح الكوخ حتى لا أسمح لنفسي بأن يملكها شيء تتصور أنها تملكه، وكانت هيباشيا مشغولة بإعداد طعامنا القليل قبل أن نستأنف لقاءنا اليومي تحت الأيكة أو ننطلق في جولة جديدة. بادرتني بابتسامتها المرحة وسؤالها الأكثر مرحًا عن أحوال الكلبي الطيب وأحوال العالم الشرير، تجنبت النظر إلى وجهها الصغير المضيء رغم خطوط التجاعيد التي بدأت تنقش آثارها تحت العينين وفوق الجبهة الناصعة، كنت أغالب البكاء وأقاوم الارتجاف وأحاول أن أبدو أمامها طبيعيًّا وأرسم على وجهي كلما استطعت علامة الاستبشار والطمأنينة، قالت: تعالَ انظر ماذا أعددت لكم قبل أن يأتي بازيكليس، أطرقت برأسي وأغمضت عينيَّ وراحت يدي المرتعشة تحرك العصا في دوائر متلاحقة، ورفعت رأسي وتأملت وجهها الصبوح المرهق وأنا أنطق الكلمات المبتورة بتأنٍ ووضوح: بازيكليس، لن، يأتي. تجمدت ملامحها وسألت: ماذا تقول؟! لم أجد ما أقوله، ولكن القلق الذي شلَّها من الرعب حتَّم عليَّ أن أفتح فمي: أنا لا أقول شيئًا، هو الذي قال هذا وذهب.

أسندت رأسي على يد العصا وتلقيت السيل العارم من الصيحات والصرخات واللعنات والتأوهات، أدركت ساعتها كيف يتلاشى الذكر الجريح المهزوم أمام بركان الأنثى المتفجرة بالحمم المحرقة، لم تكن هذه هي هيبارخيا التي عرفتها وأحببتها وعلقت قدري بنظرتها الحنون وابتسامتها العذبة الشافية، لم أتوقع كذلك أن تكون اختطفت الشال السماوي الأزرق الذي أهدته إليها امرأة حدَّاد مريضة سهرت عليها قبل أيام وخرجت كهبة ريح مسرعة من الكوخ، وبقيت مسندًا رأسي وخدي إلى العصا، متجمدًا كتمثال صبت عليه «الميدوزا» نظراتها القاسية وحوَّلته حجرًا بدلًا من الذهب.

•••

ماذا فعلت يا كراتيس بنفسك وماذا فعل العالم وكلاب العالم بك؟ هل خذلك كل شيء حتى ابنك الوحيد أم خذلت نفسك وكل شيء؟ ولماذا لم تنتبه عندما بدأت الأجراس تدوي في أذنَيك كنواح الثكالى: انصراف أتباعك واحدًا بعد الآخر وضآلة شأن وعدد المنضمين إلى جماعتك والمستمعين إلى عظاتك المؤثرة هناك تحت الأيكة وسط الخرابة؟ كيف لم تفطن إلى غليان صدر ولدك — كالإبريق الفائر — بالاحتقار لعيشتك وملبسك وحكمتك وحمقك والكوخ الذي قبلت أن تقضي فيه بقية أيامك وماضيك الذي تخليت فيه عن كل شيء وتخلى عنك الحاضر والمستقبل والابن الوحيد؟ ورجعت هيبارخيا كالشبح الخارج من أعماق الظلمات السفلية، لكن كم كان الشبه بعيدًا بينها وبين أو يريديسيه، أبعد بكثير جدًّا من الشبه بيني وبين العازف الرائع على القيثار، هذا الذي اجتذب الوحوش فركعت أمامه وراحت تنصت لسحر أغانيه، بينما ينفض البشر والكلاب من حولك ولا يبقى معك حتى بازيكليس؟

هل تعرف ماذا قالت بعد سكوت طويل؟ «ذهب!» لم أسألها عما فعلت بعد خروجها، لم أحاول الاقتراب من بئر أسرارها وظنونها ومخاوفها، ولا معرفة من قابلته ولا من سألتهم من أصحابه ورفاقه، رأيت شيئًا واحدًا يجمع ويفصل بيننا منذ ذلك اليوم: جدار الصمت.

جازفت بعدها بأيام وربما أسابيع أن أكسر ذلك الجدار الأسود، أو على الأقل أفتح فيه ثغرة، أو حتى أتسلقه وأخطف من ورائه نظرة إلى الوجه الحبيب والعينَين اللتين لم يغب عنهما الحنو رغم ستار الحزن المتكاثف يومًا بعد يوم، قلت فجأة: أنا واثق أنه سيرجع، واثق أنه سيرجع. نظرت إليَّ طويلًا ورأيت بوضوح كيف تقيم سدًّا منيعًا يوقف الحمم الفوارة في داخلها، وانفرجت أساريرها قليلًا كأنما تتعمد أن تخترق الجدار الأخرس أو تذيب الجليد: أنا أيضًا واثقة أنه سيرجع، لكن هل سيبقى؟

•••

ظلت حياتي وحياة هيبارخيا وأصدقائنا وأتباعنا وإخوتنا وأبنائنا على ما هي عليه، أخذت تتكرر كل يوم كما تكررت آلاف الأيام والليالي، أشبه بطواحين الزيت التي كنت أملكها أو بالأحرى تملكني، بالسنين الكونية الجبارة الغامضة وقانون الميلاد والحياة والموت الذي يفرض جبروته على كل حي، ربما لم يجدَّ عليها غير القلق الغامض والخوف المجهول من إعصار قادم، إعصار كان يحدثني عنه الرفاق في رهبة كأنه سيهب علينا وعلى مدينتنا لا محالة، وقل عدد الأصحاب والأتباع كما قلت لك، ودب السأم من التكرار في الجميع دون استثناء، وحاولت جهدي أن أواصل رغم كل شيء: فأقدم النموذج الكلبي الذي عشت له وآمنت بأنه يمكن أن يجعل أهل مدينتنا يراجعون حياتهم الكلبية، ورحت أجرب وأتأمل كل شيء بنفس التعاطف والحنو الذي جذب أحب الناس إليَّ وأولادهم بالتعاطف والحنو، وكان الملل من الكائنات جميعًا يزداد كل يوم مع تزايد عذابي وسأمي وعجزي وانتظاري، وتنظر إليَّ هيبارخيا ونحن تحت الأيكة وترسل من عينيها الوميض الحبيب المتألق، وعند رجوعنا لا تضن عليَّ بلمسة دفء من يدها على يدي أو رفة بسمة من فمها الصغير الرفيق كوردة ذابلة، وكنت أغبط نفسي على هذا الحنان الذي لا أستحقه وأستعين به على مواجهة الجدار الأسود الذي لم يشأ أن يتزحزح عن موضعه.

وبدأت أنباء الإعصار تتسلل على ألسنة الناس، حذرة واهنة في أول الأمر ثم عالية مدوية بعد ذلك، وفي يوم من الأيام كنت راجعًا إلى الكوخ بعد الطواف بجراب حكمتي وعِظاتي ونصائحي على أبواب قرية صغيرة باغتها الجراد بعدما نسيها المطر، وفاجأني عجوز قميء خلته في البداية واحدًا من رفاقنا وإن لم أتأكد من ذلك، كانت رائحته الكريهة المنبعثة من هلاهيله الذرة تشي بأنه كلبي وإن لم يسمع عن الكلبيين، وكانت الأبخرة العفنة الخارجة من فمه توحي بأنه سكير عنيد لا يتوب، أوقفني في منعطف الطريق الضيق المظلم رغم أن الشمس لم تكن قد غربت، وقال ضاحكًا: ما رأيك الآن أيها الكلب العجوز؟ ولما لم يجد مني إلا الاشمئزاز من هيئته وصوته القبيح استطرد يقول من أنفه المفلطح: ها هو الإعصار يكتسح كل شيء أمامه، أليس كذلك أيتها الشجرة العجوز التي تسقطها هبة ريح؟ قلت في غضب وأنا أحاول مواصلة سيري: لا أدري عما تتكلم ولم أسمع عن هذا الإعصار — قال ضاحكًا: ولم تسمع عن الجيش الذي احتل أثينا، وعن ديموستينيس الشجاع الذي هرب أو اختفى أو انتحر، وعن أرسطو الذي فر كالجرذان ولم يستطع أن ينتظر الإنقاذ على يد تلميذه العزيز؟ لم تسمع شيئًا عن هذا؟

دمدم صوتي الغاضب بامتعاض لا مثيل له: قلت لك لم أسمع، لم أعرف. واصل الضحك وهو يرفع قنينة غامقة اللون إلى فمه المتآكل الأسنان: لا عجب، لا عجب، أنت وهلاهيلك وكلابك الحارسة التي لا تدري كيف تحرس نفسها ولا غيرها، انتهى زمنكم يا صديقي، هذا زمن آخر يأتي معه بأبطال وحكماء آخرين، اذهب إلى كوخك وتأكد بنفسك!

لم أرد عليه بكلمة واحدة، ولم أفهم ماذا يقصده بالذهاب والتأكد بنفسي، كان شبح اليأس والملل قد جثم عليَّ وسد كل طريق، وانطلقت راجعًا إلى الكوخ وصوته يردد في أذني: هذا زمن آخر، زمن آخر.

•••

عندما اقتربت من الدرب الهابط إلى الكوخ الراقد في المزرعة الصغيرة المهجورة خيل إليَّ أنني أسمع هديرًا كصوت البحر القادم من بعيد، خطوت خطوات أخرى فلمحت موكبًا صغيرًا من الخيول والفرسان الذين تلمع الخوذات فوق رءوسهم والدروع والسيوف في أيديهم وجنوبهم. كان الموكب الصغير يقف هناك بلا ضجيج، وكأن الفرسان ينتظرون الإشارة التي تأذن لهم بالحركة في اتجاه معلوم، ما هذا؟ من هؤلاء؟ ماذا يريدون؟ ولماذا ينتظرون قريبًا من الكوخ الصغير؟ وفي حيرتي وتعثر خطواتي سمعت صوتًا مجلجلًا ينادي كأنه يزف إليَّ البشرى السعيدة: اقترب يا كراتيس، أسرع، أسرع، أيصح بحق زيوس أن ينتظرك بطل الأبطال؟ أيصح أن يحضر لزيارتك ولا يجدك في انتظاره؟ الإسكندر بنفسه ينتظرك يا رجل!

أسرعت بقدر ما تقوى رجلاي على حمل جسدي المنهار، خيل إليَّ أنني أقفز كجدي ضامر عجوز، ودخلت الكوخ المفتوح الأبواب بعد أن ألقيت تحياتي المرتبكة على الحراس المتناثرين في كل مكان، لم تبحث عيني في أرجاء القاعة التي تضيئها المشاعل عن سيد الإعصار، بل راحت تفتش خائفة عن هيبارخيا حتى عثرت عليها مكومة كالطل الحزين في ركن معزول، كان الإسكندر يتجول في الكوخ ويلمس كل شيء ويفحصه كأنه طفل كبير يعبث بألعابه الصغيرة، وكنت أقف كالحجر المنسي عندما التفت ورآني وأشار إليَّ وهو يرفع ذراعيه في الهواء: أحكم حكماء ثيبة وأشهرهم يقف بعيدًا ولا يتكلم؟! أتريد أن تستقبلني كما فعل معلمك المتوحش العجوز؟ حركت قدميَّ خطوة وأنا أقول: معذرةً يا مولاي، لكنه كان في البرميل وأنا بين يديك، جلجلت ضحكته كصليل السيوف اللامعة المتدلية من خصور جنوده وضباطه وقال: لقد طلب مني أن أبتعد ولا أحجب عنه ضوء الشمس، ماذا ستطلب مني أنت يا كراتيس الطيب العجوز؟ قلت متلعثمًا وأنا أتطلع لوجهه الناضر الجميل وقامته الممشوقة الفارعة وخطواته السريعة القلقة كأنها تتحرك على إيقاع موسيقى خفية عذبة: عفوًا يا مولاي، إنك تعلم أن الكلبيين لا يطلبون شيئًا. مد ذراعيه القويين ووضع يديه الرخصتين على كتفي وقال: أعلم، أعلم، ويحيرني أنكم تحيون حياة الكلاب لكي يقلدكم الناس. جمعت أطراف نفسي الضائعة واندفعت قائلًا: كلا يا مولاي، بل لكي يتجردوا من شهوات الكلاب ويصبحوا بشرًا.

ضحك كأني نطقت بدعابة مسلية أو رويت حكاية عجيبة، وقال في ود ظاهر ولطف محبب: ليتكم عشتم حياة الأسود أو النمور أو حتى الذئاب أو الضباع لكي يقوى جيش الإغريق ويوحد العالم والبشرية تحت راية «هيلاس»، ليتكم … قاطعته بحسم وقلت بكلمات واضحة: «نحن أيضًا نؤمن بوحدة البشرية وندعوهم أن يحيوا أحبابًا في بيت العالم، هذا هو ما نطلب يا مولاي.» نظر من النافذة الخالية من الزجاج والعارية من الأستار، وعاد يقلب في الصحون الصدئة المتراصة فوق المائدة الصغيرة المجدولة من أعواد الجريد، ومشى خطوات بجانب الحائط فوجد الجراب الجلدي القديم معلقًا على مسمار ومعه بعض الهلاهيل، رفع رأسه إلى أعلى بعنف ثم تفرس فيَّ وقال: ولكن لا بد أن يكون لك طلب تريد تحقيقه، تكلم يا كراتيس الطيب العجوز، قل للإسكندر ماذا تريد؟

لمحت شابًّا يتقدم منه ويحني رأسه أمامه ثم يهمس له بكلمات، واستدار الشاب فرأيت وجهه والتقت عيناي بعينيه في لمحة خاطفة، صحت وقد أذهلتني المفاجأة: يا إلهي زيوس! هل يمكن أن يكون؟ حدَّق فيَّ الشاب محذرًا وعينه تطق الشرار، بلعت الغصة وتوقف عقلي عن التفكير، أليس هذا هو بازيلكيس الحبيب؟ أليست هذه هي ملامحه ورأسه وشفتاه وعيناه؟ ألم أقل لك يا هيبارخيا إنه سيعود؟ لا بد أن يعود، وأيقظني صوت الإسكندر وهو يتحرك نحو الباب الذي سبقه بازيكليس إليه وقال بصوت المودع لصديق قديم: أعرف، أعرف يا كراتيس أنك لا تطلب شيئًا لنفسك، لكن ربما تطلب شيئًا لمدينتك، لقد دخلناها اليوم وتهدمت رغمًا عنا بعض المباني والبيوت، ألا تبتغي أن ترى مدينتك وقد أُعيد بناؤها؟ لم يكن عقلي معه وإن كان جسده الممشوق يقف أمامي وسترته التي تلمع فوقها قطع السيوف والحراب الصغيرة والأزرار الذهبية تخطف بصري كالنجوم البراقة، قلت ورأسي ما زال يدور في الدوامة التي تموج وتفور حول بازيكليس المسكين: ولمَ التعب يا مولاي؟ سوف يأتي إسكندر آخر ويدمرها! ولدهشتي لم يغضب البطل الرائع اللامع اللطيف، قال في هدوء وهو يخبط كتفي كصديق قديم: سآمر ببنائها على كل حال قبل أن نواصل زحفنا الليلة، إنها وطنك يا كراتيس، أليس كذلك أيها الكلبي الطيب؟

وتحرك في سرعة الفهد المتوثب نحو الباب بينما تتخايل صورة بازيكليس أمام عيني وتراودني العبارة التي طالما رددتها وسمعها مني الناس وإن لم أقوَ على النطق بها أمامه: وطني هو الفقر والاستغناء، وطني هو احتقار الشهرة والثروة والقوة والجاه، وطني هو كل بيت وكل …

انتزعت نفسي بقسوة وعنف من الخواطر والصور التي تزاحمت عليها، وبدأت أفيق على أصوات الأقدام التي تصعد الدرب الحجري الصغير، والسيوف والدروع والأسلحة التي تصلصل كصوصوة عصافير مشتبكة في قتال، ولم أكد أتحرك كالملهوف نحو هيبارخيا المتكومة في الركن الكثيف الظلال حتى وجدته يقبل مسرعًا ويندفع نحوي ويضمني بقوة إلى صدره، هجم عليَّ فجأة فلم أجد أنفاسي ولم أستطع التلفظ بكلمة واحدة: سامحني يا أبي، سامحني! لم أجد أستطع أن أقبلك أمامه! معذرةً، معذرةً يا أمي، أين أنت يا هيبارخيا الحكيمة؟ وقبل أن ترفع وجهها أو تفتح عينيها المحمرتَين ألقى نفسه على صدرها وأخذ يغمرها بالقبل وهو يهتف في لهفة: لا وقت للبكاء يا أمي، سوف أعود، سوف أعود.

وقبل أن نفيق على المعجزة كان قد غادرنا ولحق بالموكب الصغير، آه يا ولدي بازيكليس! هل شعرت بكل الأحزان تتجمع في شهقة واحدة؟ هل فكرت فينا يا ولدي؟ يا ولدي الضائع المسكين!

•••

تعالَ، تعال ولا تتردد، ها أنت قد استمعت إليَّ طويلًا ولم تتكلم، وتكلمت أنا كثيرًا ولم أترك لك فرصة للكلام، أم تراك تحب الفعل أكثر من تحريك اللسان؟ هيا إذن للقيام بمهمتك، ستجدني كما قلت لك على أتم استعداد. وصيتي؟! نعم نعم، كنت أكتبها قبل أن أحس بخطواتك، هيبارخيا الحبيبة أوصتني وألحت عليَّ، وكل شيء بعد زيارة البطل الرائع المخيف يحرِّك يدي بالقلم الذي هجرته وهجرني من زمن بعيد، لماذا لا تظهر من خلف الباب أو النافذة أو الشجر أو السُّحب أو الضباب؟ أتريد أن تعرف ما حدث؟

•••

عاودتني آلام الصدر والأمعاء والساقين بعد ذهاب بازيكليس. كنت لا أكف ليل نهار عن السؤال الذي استعصى على أي جواب: لمَ تخلَّيت عنَّا يا ولدي؟ هل خجلت أن تُنسَب إلينا؟ أصدقت أننا كلاب كما ينعتنا الصبية والأثرياء والأقوياء والبلهاء والثرثارون؟ لماذا لم تحس بنفسك أننا نمثل دور الكلاب لنخرج إخوتنا في البشرية من حظائر الكلاب الكبيرة والصغيرة التي يتمرغون داخلها في وحل اللذة والترف والصلف والغرور؟ أكان عسيرًا عليك أن تشعر بخفق قلوبنا التي ترتعش بنبض قلوب الأشياء؟

وواصلت هيبارخيا جولاتها اليومية وبدأت أواصل جولاتي. كان الإعصار يعلن عن نفسه في ضجيج المدينة وعجيج المواكب وزعيق الأبواق والطبول وصيحات البشر التي أدرت لها ظهري كما أدرته لكل شيء، وخجلت أن أبقى قعيد الكوخ بينما تقوم هيبارخيا بتقديم العون والنصح والفهم في الشوارع والحارات البائسة والقرى والتجمعات القريبة والبعيدة.

ومضيت إلى الأيكة وأنا أقول لنفسي: لا بد أنهم يفتقدونني، وبنظرة واحدة من عيني الكليلة أدركت أنها خاوية كالخرابة التي تحيط بها، وما هي إلا لحظات لم تتسع لرياضتي الروحية حتى رأيت شبحًا يتدحرج نحوي، وعندما اقتربت عرفت فيه أحد الفاضيَين الوقورَين اللذين خلعا مسوح القضاء ودخلا في رقع الزهاد والنساك. قال وهو يغالب اليأس والضجر ويتلفت حوله ممتقع الوجه كابي النظرات: جئت أودعك وأحمل لك توديع رفاقي، هذا زمن آخر. قلت وأنا أداعب عصاي وأنكث بها التراب: سمعت هذا من قبل، قال وهو ينقل خطواته وينبهني لأصداء الضجيج المتصاعد مع سحب الغبار من المدينة: زمن الإعصار، هيا يا صاحبي فعظامنا لا تتحمل عصف الريح وبردها القارص. أطرقت برأسي وسكت، ورأيته وهو ينحدر على الطريق الهابط إلى المدينة ويغيب ظله في ظلال الغروب الزاحفة، وأخذت أقلب طرفي في السماء والنجوم التي بدأت تعتلي سمت الأفق الساكن الصافي وقلت لنفسي وأنا أفكر في هيبارخيا الحبيبة: ليكن البشر قد تغيروا فهل يتغير الزمان والمكان؟ وإذا كان الإعصار يجرف كل شيء ويأتي بجيل غير هذا الجيل فهل سيستغني البشر أبدًا عن التغيير؟

ونهضت كأني كومة أنقاض تتعثر وسط حطام وخراب، ولم أكد أبلغ منعطف الطريق المؤدي إلى الدرب الحجري الهابط نحو الكوخ حتى ظهر كذئب جائع انشقت عنه جدران البيوت الصامتة في الحارة الصامتة، قال كأنه كان ينتظرني: ألم أقل لك؟! هذا زمن آخر غير زمانك وزماني! مددت الخطى وأنا أهتف بامتعاض: سمعت هذا منك، اذهب الآن إلى الجحيم! ضحك طويلًا وصاح بصوت لا يقل قبحًا عن وجهه القميء الذي بدأت تبرز معالمه من أكفان الظلام: أذهب للجحيم الذي أعيش فيه؟ وأين أجد النعيم الخالي من الذئاب والأفاعي والقرود والكلاب والحشرات؟ أي مكان بقي بعيدًا عن إعصار الإسكندر وجيوشه؟ في قارة أطلنطس أم في الإيلزيوم أم في دولة أفلاطون الثرثار؟ لا يا كراتيس، لن تجدي شيئًا أخلاقك وعظاتك وطوافك كالشحاذين المخبولين، لم تغير شيئًا ولن تغير، لم يبقَ لمثلك أو مثلي. صرخت غاضبًا: لست مثلك ولا أنت مثلي، اذهب ولا تلوثني، ضحك حتى استلقى على الأرض كحمار سعيد بالتمرغ في التراب وقال: مرحى! مرحى! لم أكن أعرف أنني أكلم أدونيس أو نرسيس، نسيت أنك تغيرت يا كراتيس الخسيس، يا زوج هيبارخيا التعس، تراجعت أريد أن أنقض عليه وأعضه ككلب حقيقي، وقف أمامي جاحظ العينين غائب النظرات أشعث الشعر ورائحة السكر والعفن تخرج منه كأبخرة تخرج من قبر، فارت الدماء في عروقي واشتعلت براكين الغضب والاحتقار، زمجرت ككلب مسعور: قلت لك اذهب عن طريقي. تحشرج صوته وهو يرفع القنينة اللعينة إلى فمه ويصب نيرانها في جوفه: لا تتعجل، سنذهب جميعًا يا كراتيس، لم يبقَ لي أو لك إلا أن نكتم أنفاسنا بأيدينا، لم يبقَ سوى أن تعلن إفلاسك على مرأى من كل الناس في «الأجورا» ونشعل النار في جسدك وأخلاقك اللعينة لتسلية الأطفال والعجزة والقطط والكلاب في المدينة التي هجرها الشباب وجرفها الإعصار، لم يبقَ إلا أن نشرب ونشرب حتى نقتل أنفسنا سُكرًا ونعود سراعًا للعدم كما قالت أنتيجونا. قلت في غيظ وأنا أدير له ظهري وأجرُّ جسدي المنتفض غضبًا وكمدًا: اذهب إلى الجحيم أيها الشيطان اللعين! اذهب ولا تجعلني أتحول من ناسك إلى قاتل! ولكنه لم يذهب ولم يكفَّ عن رفع القنينة إلى فمه النجس، وسمعته يتأوه ويدمدم وأنا أحث الخطى إلى الكوخ: اذهب أنت وكلبتك الحلوة مع باقي الكلبيين، راح زمانك وزماني يا مسكين.

•••

أحقًّا ذهب زماني وزمان الزهاد الكلبيين؟ هل داستنا عجلاته قبل أن نغير العالم أو نتغير؟ أرقني هذا الخاطر وظل يؤرقني حتى دخلت من الباب المفتوح، كان بتروكليس يتجادل مع هيبارخيا ويحتدم الأخذ والرد بينهما، فأكاد أسمع ضربات المطرقة على السندان. أسرع بتروكليس نحوي وهو يمد إليَّ يدَيه وذراعَيه، غامت صورته في عيني عندما شيَّعنا على باب القصر وبصق وراء ظهورنا، وأفقت على صوته يقول: يا زوج شقيقتي، كن القاضي بيني وبينها. قالت لي نفسي: حتى القضاة تراجعوا وذهبوا. ترى أين هما الآن؟ لزمت الصمت فاستطرد بتروكليس قائلًا: باختصار يا كراتيس الحكيم، أبونا مات وأوصى لابنته بنصيبها من الميراث. قلت شارد الذهن: حقًّا؟ من الواجب ألا يهمل المرء كتابة وصيته. أكد بتروكليس كلامه بقبضة يده: ووجدت من الواجب أن أبلغها حتى تكمل إعلام التركة وتتسلم القصر والحديقة. قلت: القصر والحديقة؟! همت هيبارخيا بالكلام فأسرع بمقاطعتها: أو تتنازل عنهما. سألت بهدوء: لك بالطبع؟ تدخلت هيبارخيا وصوبت سبابتها إلى صدره: لولا هذا ما جاء، إنه يعلم أننا لا نملك شيئًا حتى لا يملكنا شيء، حتى هذا الكوخ رفضنا أن نحتفظ بمفتاحه وسلمناه لصاحبه الوفي، وأنت يا شقيقي الوفي لم تتذكرني إلا لكي تأخذ حقي، خذه إذن فلا حق للطائر الحر إلا في الهواء والفضاء، خذه ولا تُرِني وجهك بعد الآن.

ربت على رأسها وكتفها قبل أن تنفجر بالبكاء، وسألت بتروكليس: وما هي مشروعاتك بعد تنفيذ الوصية أيها الفيلسوف؟ قال بغضب من يريد أن يغلق الباب: لم يعد لي شأن بالفلسفة، أغلقت المدرسة وحولتها إلى متجر كبير. سألت متعجبًا: وفيمَ يتاجر الحكيم الشهير؟ رفع صوته إلى حد الصراخ: تركت لكما الحكمة والسخرية أيضًا، واتفقت مع ديوكليس على إنشاء متجر كبير للتصدير. قلت متعجبًا: ديوكليس؟ ألم يلقِ ثروته في البحر أمام عيني؟ ألم يتفق معي على لبس الهلاهيل واتباع الطريق؟ قال منهيًا الحديث بإشارة من نفد صبره: ورجع إلى عقله بعد أن تغير الزمن، غدًا أحضر لك الأوراق من المحكمة للتوقيع. صاحت هيبارخيا قبل أن يقترب من الباب: أرسلها مع أحد عبيدك لأتنازل عنها. صفع الباب بعنف وهو يقول بامتعاض: ومن قال إنني أريد أن أرى وجهك أو وجه كلبك الحزين؟

•••

مرت الشهور بعد الشهور وأنا أتابع جولاتي الوحيدة وأراقب هيبارخيا وهي تواصل طوافها بالقرى وبيوت المرضى والمحتاجين وتواظب على رعاية الشجر والزهر والزرع في حديقتنا الصغيرة وتقول كلما طلبت منها أن تستريح: على الإنسان أن يزرع حديقته يا زوجي الحكيم! وكان عبدي السابق يتردد علينا ويساعدها في العمل ويجمع الخضر والثمار ويبيعها في السوق ويشتري بثمنه ما نحتاج إليه من الخبز والزاد. أيقنت أنني أصبحت وحيدًا بعد أن تغير الزمن وانفض الرفاق والأتباع كلٌّ في طريق، وكنت أذهب أحيانًا إلى الأيكة وأجلس هناك حتى تغرب الشمس وتطير الغربان والبوم ثم أرجع إلى الكوخ، وأحيانًا أخرى أتجول في المدينة وأنظر وأسمع وأتعجب لأن الصغار لا يجرون ورائي ولا يقذفونني بالحجارة، بل ينظر الجميع إليَّ كأنني أثر قديم يمرون عليه غير مبالين. آه يا صديقي الذي أنتظره منذ سنين! يا من احترفت الموت منذ كلفتك به الآلهة وأرسلتك إلى الهالكين، هل علمت أن الموت الحقيقي هو عدم الاكتراث؟ وهل جربت أن تمد يدك أو منجلك فتحدق الروح في عينيك وتقول: سواء فعلت أو لم تفعل فالموت والحياة عندي سواء.

•••

رجعت قبل أيام من جولتي الوحيدة في الشارع الكبير المؤدي إلى «الأجورا»، كانت الحقيقة قد تجلت لي ولم تتح لي الفرصة لتجربتها واختبار صدقها من كذبها، وكان الجميع ينظرون إليَّ نظرة عدم الاكتراث التي لا أثر فيها لما عرفت من الاحتقار والازدراء والسب واللعن، وكنت أحاول أن أواجه الجميع بمثل ما يواجهونني به وأنا غير واثق من أنني قد امتلكت الحقيقة التي تجلت لي حتى سمعت صياحًا وهتافًا وصليل أجراس وزعيق أبواق تصم الآذان. قلت لنفسي لن أكترث بالتوقف وإلقاء نظرة على الموكب الذي بدأ يلوح من بعيد. فكرت أنه ربما يكون موكب الإسكندر، ثم تذكرت ما سمعته قبل شهور من أنه قد مات بالطاعون في بابل بعد أن هدم «بيرسيبوليس» وفتح الهند ومصر. خلف الطاغية طغاة بعد طغاة، لكن ماذا يعنيني منهم؟ ماذا يهمني ممن ذهب أو جاء؟ وتقدمت العربات تجرها الخيل المطهمة بالسروج المذهبة وعلى رءوسها وخوذات قوادها ريش ملون كريش الطواويس، وقفت العربة الأولى بجانبي، فأعطيتها ظهري ونويت أن أتابع الطريق، ورنت صيحة جلجلت بعدها الضحكات وسمعت من ينادي قائلًا: هذا يا مولاي هو كراتيس الكلبي المشهور! سأل القائد الضخم الذي يتوسط سائر القواد: ألست أنت الذي زاره الإسكندر العظيم؟ اقترب أيها الكلب الجليل. نظرت إليه متأففًا وتابعت طريقي، فعاد يصيح: أنا الطاغية سيلويقوس، أسألك كما سألك قائدنا العظيم: أليس لك طلب عندنا؟ أليست لك حاجة نلبيها؟ أردت أن أقول له: وما شأني بالقائد الكبير أو الصغير، ذهب طاغية وجاء طاغية وامتلأت البلاد بالعبيد والسجون والكلاب، لكنني لم أقل كلمة واحدة، أعطيته ظهري وبصقت على الأرض، وابتعدت العربة والخيول والضوضاء ورنَّ صوت ضاحك: لا بد أن تلبوا طلباته، إنه الآن أشهر معالم ثيبة، لا بد من المحافظة عليه لجذب الزوار والسياح!

•••

رجعت إلى الكوخ وفي جرابي وملء فؤادي الحقيقة المتجلية، وحكيت لهيبارخيا ما جرى مع القائد والموكب. وسألتها وأنا أتوقع أن يتفجر منها ينبوع الضحك ولا يتوقف: ماذا يهم يا حبيبتي أن أكترث أو لا أكترث، حتى عدم الاكتراث لن أكترث به، وقفت صامتة تتفرس فيَّ كأنها تراني لأول مرة، ثم صرخت وأقبلت عليَّ مسرعة كأنها تريد أن تطفئ نارًا توشك أن تحرقني أو تمنع عني صاعقة تمحقني: ولكن هذا هو الموت!

قلت في هدوء: وما الفرق بين أن يحيا كراتيس أو يموت؟ يحترق أو ينطفئ، يسكن أو يتحرك، يأكل أو يجوع؟

هتفت كأنها تنتشلني من تحت الأنقاض: أفهم ألا تكترث بالمدينة وطغاتها وناسها وكلابها، أفهم أن الزمن تغير ولم يتغير شيء، أن الكلاب ما زالت تنبح وتعض وتتكالب حتى الموت، لكنك عشت وقاسيت لكي يتغير شيء، ورضيت بأن أحيا معك وأن أتعلم منك، ماذا كنت تعلم ولماذا ولمن؟ قلت بهدوء: عشت لكي يتغير شيء، لكن لم يتغير شيء، ما الفرق إذن أن أحيا أو أتمنى الموت؟ قالت ممتعضة: تسألني ما الفرق؟ تريد أن أعيش مع ميت؟ قلت ضاحكًا وأنا أمد ذراعي إليها: ميت لم يدفن بعد، يكفيني أنك حية!

قالت وهي تهز رأسها الجميل الصغير: لا لن أغفر لك هذا اليأس، ثم فجأة كأن الحقيقة تجلت أمام عينيها: لمَ لا تكتب؟!

قلت بهدوء: كتبت كثيرًا، لم يتغير شيء، جاء زمان ذهب زمان لم يتغير شيء.

قالت وهي تفتش بين ركام الأوراق والأقلام والمحابر وألواح البرجامون والبردي: اكتب لزمان آخر للأجيال الأخرى، أين أشعارك؟

– نسيتها، لم يبقَ منها غير نعيي لنفسي!

– ومسرحياتك؟ ألم تؤلف المآسي في شبابك؟

– وأهملها المحكمون في المهرجانات الأوليمية.

– وأين رسائلك؟

– تلك التي قلَّدت فيها أفلاطون؟ أحرقتها قبل أن أرسلها لأصحابها!

قالت فجأة وهي تقترب مني وتمسك بيدي: افعل أي شيء، اكتب وصيتك! ضحكت وأنا أضمها إلى صدري وأمر بكفي على وجهها الجميل الذابل: بماذا أوصي ولمن؟ لك وأنت لا تريدين أن تملكي شيئًا لكي لا يملكك شيء؟ أم لبازيكليس الذي ذهب ولا ندري إن كان سيرجع؟ أراحت رأسها الجميل على كتفي وقالت: اكتب هذا في الوصية، قل لم تملك شيئًا كي لا يملكك شيء، تحررت من كل شيء كي يتحرر غيرك، تعريت وجعت كأبأس كلب كي لا يبقى إنسان حولك مثل الكلب!

قربت فمها من فمي وقبلتها قبلة ذكرني دفؤها بأيام الشباب: وأني قبلتك وختمت بذلك وصيتي!

•••

تعالَ ولا تتردد، لم تتوقف عند الباب ولا تدخل؟ ابرز من وراء الشجر أو اهبط كملاك أو حط عليَّ كجناح غراب أو نسر أسود، ألم تصدق أن الأبواب فُتحت دائمًا في وجهي، وأن بابي لم يغلق في وجه أحد؟ أنت يا من كنت أشعر به يتبع خطواتي، وأحس أن ظله يلاحق ظلي، كيف أغلق بابي في وجهك؟

•••

لم أستطع أن أكتب الوصية، وبماذا أوصي ولمن؟ أليست حياتي هي وصيتي؟ ألا يكفيك أنني عشت وأحببت وتعاطفت وأعطيت ولم أغلق باب الكوخ ولا باب القلب؟ ألا يكفي أن تكون هيبارخيا قد ختمتها بقبلة لم تغب حلاوتها عن شفتي؟ أليست هذه هي وصيتنا لابننا الغائب الذي جرفه الإعصار وذهب ولا ندري إن كان سيرجع؟ ألا تصلح لكل الأبناء وتغني عن كل الوصايا؟!

•••

تعالَ ولا تتردد، قلت إنني على استعداد للقائك، كنت دائمًا على أتم استعداد، لا تريد أن تدخل الآن؟ تريد أن تفاجئ وتباغت كعادتك؟! ليكن هذا لك، فيومًا ستأتي وسأكون أنا وهيبارخيا في انتظارك، لكن أرجوك ألا تخطئ، أرجوك أن تبدأ بالمسخ القبيح والأحدب الحزين، بالكلبي الذي أراد أن يحول الكلاب إلى بشر، أن ينهي عصر الكلب ليبدأ عصر الإنسان، وإذا كان الزمن قد تغير دون أن يتغير الناس، فربما أكون قد تغيرت قليلًا قبل حضورك وربما أنجح في تغيير إنسان يسمع عني أو يقرأ وصيتي التي عشتها ولم أكتبها، وصيتي التي بدأتها هيبارخيا بقبلة وختمتها بقبلة.

•••

وتذكر يا صديقي أنني إذا كنت قد فشلت فقد حاولت وحاولت، واذكر حتى لا تخطئ هدفك أنني كراتيس ابن أسكونداس ووالد بازيكليس، الكلبي المشهور في زمانه باسم المسخ القبيح والأحدب الحزين، الذي عاش في الثلث الأخير من القرن الرابع قبل الميلاد، وازدهر وبلغ الشهرة الزائلة في المهرجان الأوليمبي الثالث عشر بعد المائة عندما بلغ من عمره الأربعين، والذي ينتظرك الآن وقد جاوز السبعين.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠