جلسة عائلية في الحديقة

١

جلس الدكتور محمود بسيوني على الأريكة الحديدية الصدئة في الحديقة المهجورة منذ سنين، كان يحس بإعياء شديد يتصاعد كألسنة البخار الكثيف من كل أعضائه ومفاصله، كما يتسرب من دماغه المضطرب بالهموم والأحزان والذكريات التي تتصادم كالخفافيش مع الأشعة الشحيحة التي بدأت تنسكب حوله من سماء فجرية ملتفة في عباءة الضباب الرمادية، ومن بقايا آماله وأشواقه ومشروعاته الطموحة التي لم يستطع معول الزمن أن يهيل عليها التراب.

قضى اليوم السابق بطوله في تنفيض البيت القديم من التراب الذي أثارت زوابعه المقشات والمكانس والخرق البالية والمنافض التي لم تدخر زوجته أنيسة وابنته الصغيرة نورة أي جهد في رزعها والخبط بها في كل مكان، وكان قد استدعى أم عبده، ابنة خادمتهم العتيدة التي كانت أمه تعاملها مثل أولادها سواءً بسواء، ساعدهم بكل ما في وسعه في تنظيف قطع الأثاث وزجاج النوافذ بالفوط المبللة بالماء، وإزالة العناكب التي تمكنت في فترة غيابهم من احتلال السقوف والحيطان ومد شباك نسيجها الكابي المقزز حتى على الكتب والرفوف المزدانة بصفوف الأكواب والكئوس الفضية والتحف والتماثيل الصغيرة من كل الأشكال والأحجام والعصور والحضارات، وأدرك أن بعد أن أغفت زوجته وابنته وتصاعدت أنفاسهما كزفرات ماكينة الطحين القديمة في الطرف الأقصى من البلد، أدرك أن الإرهاق يولِّد الإرهاق، فلم يجد وسيلة أمامه إلا أن يهبط السلم الخشبي المتداعي وينزل إلى الحديقة لعله يتنفس نسمة رخية صافية.

ها هو ذا أخيرًا أخيرًا قد خطا أول خطوة على طريق حلمه العتيق الذي لم يذبل في نفسه مثلما ذبلت شجيرات هذه الحديقة وورودها وزهورها التي لم يبقَ منها حتى الفروع والبراعم التي كانت تزدهر عليها وتنظر إليه في صباه وشبابه أثناء الإجازات كأنها وجوه أطفال بريئة ترحب به وتحييه، لقد سوَّى حالته بعد ثلاثين سنة أمضاها في التعليم الجامعي والتأليف عن الحضارات القديمة والوسيطة، وانخرط في متاعب التعليم الذي احتوته ظلال همومه ومنغصاته، وإن لم تخلُ من لحظات بهجة قليلة كانت تمر سريعة كما جاءت، ولحظات سعادة ورضا بأداء الواجب ربما كانت أطول منها عمرًا وأعمق جذورًا، وها هو ذا يجد نفسه في مواجهة أحلامه الموءودة منذ أن اشتغل بالتدريس وتحمل مسئولياته، تلفَّت حوله ومد بصره إلى بقايا السور المتآكل وأحواض الزهور الخربة وقال لنفسه: هل سأستطيع أن أحقق شيئًا من هذه الأحلام؟ هل سيمكنني أن ألمس طرف ثوبها الذهبي الأخضر الذي طالما تخايل لعيني ولف قلبي بسحر وعوده؟ أيرجع إليَّ طائر الشعر القديم بعد أن هجرته فهجرني؟ وإذا استحال عليَّ إغراؤه فهل أتمكن من كتابة سيرة حياتي واستخراج الكنوز الراقدة في كهف أيامي وأعمالي؟ وحتى إذا لم أنجح في ذلك، ألا تستحق الأفكار التي خرجت بها من تأملاتي وبحوثي عن مصائر الحضارات وصعودها وسقوطها، أن أعطي لها البقية الباقية من عمري المهدَّد في كل لحظة؟!

خُيِّل إليه أنه سمع صوت أنين ينفذ من مكان مجهول — رفع رأسه إلى السماء فأبصر غرابًا يدور فوق رأسه وقال لنفسه: ربما يكون صوت هذا الغراب الذي أراد أن يحييني أو تعوَّد على الحديقة وفاجأه الآن وجودي — ثم حانت منه التفاتة إلى الباب الخشبي المؤدي إلى السلم وخطر له أنه يمكن أن يكون صوت أنيسة التي تكلم نفسها كثيرًا في النوم، خصوصًا بعد يوم شديد الإرهاق، أو صوت نورة التي ورثت عنها هذه العادة، وعاد يقلب عينيه في جنبات الحديقة، كأنه يتأمل وجه حبيبة قديمة تنتظره ولا تمل الانتظار، أخذ يعاتبها وقد سرح خاطره إلى اليونان القديمة: إيه يا بنيلوب! هل سقط ثوب الوفاء من يديك الجافتين وأكلته الهوام والعناكب والحشرات؟ ونسيجه المطرز بالأزهار والأوراق الخضراء، كيف استطاعت رياح الزمن أن تأتي عليه ولا تبقي على أثر واحد من آثاره؟ هل قسا قلبك أيتها الحديقة الحبيبة أم حسبت أن راعيك التائه في بحار التاريخ وكهوفه لن يعود؟!

وابتسم لنفسه وهو يؤكد لها أن البعث حقيقة مؤكدة، وأن معجزته ستلمس أرض الحديقة وأحواضها وممراتها وتعريشة العنب المتداعية، وستحيي الذكريات القديمة وتنفخ في أشلائها أنفاس الحياة عندما يلتئم شمل العائلة، أو ما بقى منها، ويَمْثُل الماضي حيًّا مشخصًا أمام عينيه، ولم يتعجب في هذه اللحظة أن تبرز له صورة تل العمارنة التي يعد كتابه الجديد عنها، وأن يرى الملك الحزين يتقدم نحوه بوجهه الضامر المستطيل وشفتَيه المتدليتَين وبطنه المنتفخ وهو يمد إليه يده التي تقبض على علامة الحياة ومن خلفه الأطلال والأحجار المتفحمة في المدينة المحترقة — ومد يده ليتلقى العلامة المقدسة، وقبل أن يتأكد من أنه يقبض على الفراغ قال للملك المكتئب: أنا أيضًا أحمل علامة الحياة للحديقة المحترقة — وحياتها في الخضرة والحلم بالغد الأخضر.

ورجع الصوت الذي خُيِّل إليه أنه سمعه قبل قليل فنفذ في سمعه أحدَّ من وخز الشوك الذي يملأ أرض الحديقة، لم يكن في حاجة إلى التنصت، إذ جاءه صوت زوجته عاليًا من الشرفة الصغيرة الشبيهة بالمشربية في الدور الثاني للبيت، البيت الذي يطل عليه في ضوء الشمس البازغة كعجوز طويل ونحيف ومقوس الظهر: محمود! محمود! قام من مجلسه بسرعة حتى صار تحت الشرفة مباشرةً: خير! خير! صاحت أنيسة بنفس النبرة الحادة التي كان يحاول في كل مرة أن يخلصها من القلق: نورة حرارتها نار، فتشت عنك في البيت كله وأنت في الحديقة ولا على بالك! قال لها وهو يضحك ضحكته المجلجلة التي كانت تغيظها كثيرًا: حاضر، حاضر، اهدئي فقط وسوف نتصرف. لاحقته أجراس الصوت المذعورة وهو يدفع الباب الخشبي الصغير ويتجه إلى السلم: الله يصبرني على عيشتك!

واتسعت ابتسامته الطيبة وهو يصعد السلم ويقول: معك حق، كهل متقاعد، ومؤرخ مغمور، وشاعر لم يحس به أحد، وبيت وحديقة مهجوران من الزمن والبشر! الله يصبرك!

٢

وضع يده المرتعشة على جبين نورة وخديها فلسعته السخونة اللافحة، وتبخرت سحب الأحلام والذكريات الوردية تاركة مكانها للسؤال الملح: ما العمل الآن؟ أحست زوجته بعلامات الحيرة والسرحان المعتاد فأنقذته منهما قائلة: أرسلت أم عبده إلى صادق. سارع يقول لها: الله يطمئنك. كنت أنوي أن أذهب إليه فورًا وخشيت من إزعاجه في هذه الساعة المبكرة. قالت زوجته وهي تغتصب الضحكة المُرة: لن يتأخر، المهم ألا تتركا البنت وتندمجا في حديث الشعر والتاريخ والذكريات. عاد يتحسس وجه البنت الراقدة أمامه كزهرة لم تلفحها بعد شمس المراهقة وهو يقول لنفسه: من أول ليلة يا نورة؟ ألم نتفق على أن نعمر البيت والحديقة بضحكاتك وجريك ولعبك، وأن أحكي لك عن جدك وجدتك وعماتك وعمك الذين لم تريهم ولم تعرفي شيئًا عنهم؟ وتقلبت البنت وزفرت تنهيدة حارقة فقال كأنه يطمئنها: هو تعب الأمس، أنت أيضًا لا ترحمين نفسك، أكان من الضروري أن تقفي معنا وسط الغبار وتصعدي السلم وتنزلي عليه مائة مرة؟!

قالت زوجته وهي تجري نحو باب الشقة: صادق حضر، يا رب اجعله خير، واستقبلت شقيقها وهي ترتمي على صدره شاهقة، فضمها بحنان إلى صدره وأسرع إلى حجرة النوم قائلًا: خير، خير إن شاء الله، يجوز ناموسة أرادت أن تحيي نورة بقبلة حارة، لا تقلقوا! لم أنسَ إحضار الفليت معي. صاحت أنيسة وهي تقوده إلى فراش نورة: والله لو كانت ملاريا فسوف أحمل ابنتي وحقيبتي ونسافر اليوم في الحال. ثم ناظرة إلى زوجها وهي تتوعده بإشارة حازمة: أنت السبب! وسوف توصلنا بنفسك!

ضحك محمود كعادته لكي يطفئ النار قبل اشتعالها، وأخذ بين أحضانه الدكتور صادق الذي غزته ملامح طبيب الأرياف: السمنة والكرش الكبير والحلة القديمة المهملة التي تفوح منها رائحة تشبه رائحة وحل خفيف تجمعت فيها ذرات الغبار وقطرات العرق المالح. وهتف صادق وهو يربت على ظهر محمود: والله وبقينا على المعاش. قال محمود ضاحكًا: أنتم السابقون. كلانا يهبط الآن إلى السفح. رد صادق وهو يجلس على طرف السرير الصغير ويضع السماعة على أذنيه: مع الفارق يا محمود، واحد يهبط التل إلى الشيخوخة والمرض وجيبه ثقيل، وواحد يصعده وهو مفلس ليجني أزهار الشعر وعبر التاريخ!

هتفت أنيسة لاهثة: طمئني يا صادق، طمئني! ورفع صادق رأسه بعد أن فرغ من فحص البنت ووضع داخل فمها ملعقة خشبية كبيرة تأوهت لها بشدة: خير، خير، احتقان شديد في اللوز، هل شكت منها قبل هذا؟ قالت أنيسة: أبدًا أبدًا، المهم ألا تكون حمى. قال صادق وهو يثبِّت عينيه في وجهها المتوتر كالعادة ويبتسم كم يشك في الأمر: وحتى لو كانت، أين نحن؟ عملت حساب كل شيء.

ستأخذ هذا اللبوس على الفور، وحبتين كل ست ساعات من الشريط، تعالي نغلي الحقنة.

انفرد بابنته بعد أن أفاقت تمامًا من نومها ووضع لها اللبوس بحنو بالغ، فلم تتمنع ولم تصرخ كما كانت تفعل كل مرة. قال لها وهو يقبلها على جبينها وخديها رغم تحذيرها له من العدوى: والآن يا حبيبتي، قولي ماذا جعلك تصرخين هكذا؟ قالت: حلم يا بابا، حلم فظيع! قال وهو يمسك يدها: أنت التي أرهقت نفسك فوق الطاقة، اسمه كابوس! قالت نورة مؤكدة: نعم كابوس، كابوس.

قال مصححًا: مع أنك لم تتعشي أمس، اكتفيت بالسندوتشات التي تناولناها في السيارة ورفضت العشاء.

قالت وهي تفرك عينيها وتهز رأسها: ولكنه فظيع يا بابا، فظيع.

قال سعيدًا بعودتها إلى الوعي: وماذا رأيت يا كاساندرا؟ ماذا رأيت يا زرقاء؟

قالت غاضبة: ما هذه الأسماء التي ترددها من الكتب؟

قال ضاحكًا: كاساندرا رأت رؤيا فظيعة وتحققت. رأت أباها يُقتل وأنا أمامك حي أرزق، والزرقاء ذات العيون الزرقاء أبصرت الشجر يتحرك من بعيد ولم يصدقها أحد.

قالت مؤكدة صحة كلامه: أخذنا حكايتك في المدرسة، أنا أيضًا رأيت مثلها.

قال مستفسرًا: هاتي لنحتاط من جيش حسان!

قالت متأوهة: لماذا لا تصدقني؟ قلت لك رأيت الكابوس وأنت الذي أنقذتني من تحت الأنقاض.

قال ضاحكًا: أنا؟ مع أني كنت وحدي في الحديقة.

قالت بإصرار: الحدائق لا تتحطم، البيت هو الذي سقط على رأسي، وأنا سقطت بين الأنقاض.

قال يداعبها: وأنا الذي انتشلتك، أليس كذلك؟

قاطعته قائلة: أنت وماما، ألم تقل لنا إنه قديم ويرتجف كالنخلة العجوز كلما مرت عربة أمامه؟ لم يكف عن ضحكه وقال: يا عبيطة! وكيف ننتشلك ونحن معك تحت الأنقاض؟! اسكتي فهما قادمان، ولا تحكي شيئًا لماما حتى لا تصمم على السفر اليوم قبل أن نهنأ بالوصول.

أخذ صادق يهرج كعادته مع نورة حتى غافلها عن ألم الإبرة التي لم تصدق أنها انغرزت في جلدها دون أن تشعر، وسلَّم محمود روشتة كتبها على عجل وهو يقول له: عند اللزوم فقط، إذا انتابتها الرعشة، طبعًا سأكون هنا فورًا، من باب الاحتياط، فربما أذهب في العصر إلى العزبة. قال محمود وهو يمشي معه إلى الباب: اسمح لي أن أذهب معك لإحضار الدواء من الصيدلية. ثم وهو ينظر إلى زوجته التي اكتسى وجهها ملامح جادة ساخطة: سأفوت بالمرة على شقيقي حامد، تعرفين أنه هو الوحيد الذي يحتفظ بمفتاح المدفن، لديَّ رغبة شديدة في زيارة والديَّ وإخوتي وقراءة الفاتحة.

قالت أنيسة بلهجة حادة جعلتها تقطيبة جبينها وحاجبيها نذير خطر وشيك: لا تنس يا صادق أن تقول له كل شيء بصراحة، ربما يصحو أخيرًا من نومه ونصحو معه. توقف الدكتور محمود أمام الباب مستفسرًا وتطلع إلى وجهيهما، وابتلع الكلمات الأخيرة التي أطلقتها زوجته ولم يقل شيئًا كعادته.

وهتك صادق ستار الصمت الخفيف الذي انسدل بينهم وهو يقول في ضحكة متصنعة: يا خبر بفلوس، البلد كلها تعرف! باي باي يا نورة، باي باي يا أنيسة.

٣

في سيارة الدكتور صادق التي أقلتهما إلى السوق شعر محمود وهو يجلس بجوار صهره أن المسافة التي تفصلهما لا تقل عن المسافة بين العصر الذري والعصر الحجري، لم يدرِ أحد منهما كيف يبدأ الكلام، وتبادلا نظرات جانبية وشت بالحرج الذي يضيِّق الخناق عليهما، فلو بادره صادق بفتح الموضوع لفسَّره محمود بأنه تدخل في أموره الخاصة، وربما تطرق به إلى التشكك في شماتته به أو تعريضه — المغلَّف دائمًا برنة السخرية — بطبيعته الحالمة على الرغم من بياض فوديه والشعر الأشيب الكثيف في صدره، ولو بدأه محمود بالكلام فقد يفهم أنه ملهوف على سماع خبر ربما يخرجه عن رزانته ووقاره، وهو الذي رجع إلى البلد ليجد السكينة المفتقدة في زحام العاصمة وضوضائها وصراعات الوحوش فيها، وتعمَّد صادق أن يدخل إليه من الزاوية التي يكرهها فأخذ الكلام ينهمر من فمه عن مشروعاته الناجحة في تربية المواشي والأغنام والخيول، وعن مشروع المذبح الآلي الذي اتفق مع زملائه على البدء فيه بعد الانتهاء من دراسة الجدوى وإقناع البلدية بالتصريح به بعد إغلاق المسلخ الحالي الذي لم يعد يساير التقدم في العالم وفي كثير من أرجاء مصر نفسها، وتتابعت زخات المطر الهاطل من فمه الضاحك في معظم الأحيان حين شعر محمود بأنه يتثاءب ولم يجد وسيلة لحماية رأسه سوى التأمل في المزارع والمصارف والبيوت الطينية الواطئة التي كانا يعبران بها في طريقهما إلى السوق، وسرح أيضًا في حديث صامت عن الحديقة وذكرياتها الحاضرة في وجدانه كأن أحداثها جرت بالأمس، رأى نفسه صغيرًا كالجزرة أو كالبلياتشو القزم الذي شاهده مرة مع شقيقه الأكبر وهو يرقص ويغني في السيرك، وتراءت أمامه صورة العائلة التي كان يجتمع شملها في الحديقة بعد صلاة العشاء لشرب الشاي والتسلي بالنقل وأبي فروة المشوي على نار الموقد الصغير. أبوه على رأس المجلس ومسبحته في يده ووجهه الأبيض المستدير يشع طمأنينة، وعيناه العسليتان تنظران بزهو إلى أبنائه الأربعة وبنتَيه المتزوجتَين اللتين يحضرهما الزوجان يوم الجمعة بعد العصر بقليل، ويرجعان لأخذهما بعد العشاء، وكيف ينسى أمه الحبيبة التي توزع الفاكهة والفطائر على الجميع، وتهرول بقامتها القصيرة وجسدها الممتلئ بين المطبخ والحديقة وهي تحلف على الجميع بحق أولياء الله أن يأكلوا، وتأتي بالمبخرة وتطوف بها على رءوسنا وهي ترقينا باسم الله وحبيبه المصطفى وتدعو لنا بالستر في الدنيا والآخرة كأنها تستصرخ الملاك الحارس لكل واحد منا وتكاد تأمره فيطيع: ربنا يجعل يومي قبل يومكم يا أولادي!

طافت به الصور المتتالية من شريط الذكريات، صور لم يعشها بنفسه لأنه كان غائبًا في البعثة، وصور انطمست معالمها أو كادت بعد أن مرت عليها عقود من الزمن وغطتها بغبار القدم الذي أطفأ بريق ألوانها: لعبة «صلح» مع إخوته الذين كانوا يعفونه دائمًا من الأقلام المفرقعة كالسياط على قفاهم ويقصرون دوره على الجري وراءهم والتخفي في الكوخ الصغير أو خلف النخلتين وشجرة الأرز التي أشبعهم أبوه من قصتها وقصة صديقه التاجر اللبناني الذي أهداه شتلتها ودعاه لزيارة الجبل الأشم في يوم لم يأتِ أبدًا، وقبل أن ينتبه على سؤال صادق وتعجبه من سرحانه الذي شكت منه أخته كثيرًا، كان قد بدأ يتذكر ليالي أخرى لم يقدر له أن يحضرها بسبب غيابه عن البلاد أو أسفاره المتتالية في المؤتمرات والندوات العلمية: وفاة أمه بعد سفره بشهور قليلة ثم وفاة أبيه والمأتم الفخم الذي أقيم له وحضره الآلاف كما قال له إخوته بعد ذلك، وزواج أخته في الحديقة نفسها قبل أن يعي شيئًا مما حوله، ووفاة كبراهما أثناء غيابه في بلد عربي، والصغرى بعد ولادة عسيرة ووصوله بعد المأتم بثلاثة أيام لتلقي العزاء، أما المأتم الذي أقيم لشقيقه الأكبر على أثر وفاته متأثرًا بمرض مفاجئ فكيف ينساه أو ينسى اجتماع شمل الأسرة بعد الليلة الكبيرة في الحديقة؟

نبهه صوت صادق الذي شد الكابح فوقفت السيارة فجأة: هوه! دائمًا مع الأشعار والحضارات القديمة؟

رد محمود ضاحكًا: وأنت دائمًا مع البقر والجاموس وفراخ المذبح الآلي!

قال صادق متوعدًا: هي على الأقل تملأ جيبي وحسابي في البنك، لكن يا عيني على الرحالة في التاريخ وما قبل التاريخ!

ضحك محمود وهو يفرك عينيه ليثبت أنه أفاق تمامًا: بل كنت مع الماضي الحي ومع الحاضر الذي لا يطاق، ألم تسمع أن الماضي يحيا في الحاضر، وأن الحاضر … قاطعه صادق: لا يا عم، كل ما سمعته أن البيت والحديقة … هتف محمود ولم يستطع أن يخفي جزعه: ماذا سمعت عن الحديقة؟ إنها التاريخ الحي في قلبي، الخضرة الوحيدة المتبقية، الأمل … قاطعه صادق بهدوء: أخشى أن هذا التاريخ سيموت قريبًا جدًّا بالسكتة أو بالقتل العمد، صاح محمود في غضب لم يقصده: تقصد بالغدر؟ هذا شيء غير جديد عليَّ. شوح صادق بيده متخلصًا من ورطته: أنا يا عم لا أحب التدخل بينك وبين أهلك، البلد كله يتحدث عن المشروع الكبير، شده محمود من كم سترته وسأل بعصبية: البلد والمشروع؟ أرجوك تكلم، الجميع يعلمون أن الحديقة والبيت ملكي، تنازلت عن نصيبي من الأرض مقابل هذا البيت القديم والحديقة المهجورة، أنت نفسك تتذكر هذا، ربما تتذكر أيضًا ما قلته لك عن مشروعاتي الفنية والثقافية التي أفكر فيها. قال صادق وهو ينهي حديثًا طال أكثر مما قدَّر له: أتذكر أو لا أتذكر، لا تدخلني أرجوك في أموركم الخاصة، نحن الآن في السوق، ألم تكن تريد أن تقابل الشيخ؟

سأل محمود في غيظ وهو يعالج فتح الباب الأمامي: أظن أن كُتَّابه هنا. قال صادق بلهجة فضحت سخريته: البلد كله يعرف مكانه، اسأله بنفسك فربما يعرف، مع السلامة، سأمر على نورة الليلة أو صباح الغد، لا تنسَ الدواء!

٤

لم يتوقع، عندما خرج من السيارة أن الصدمة الكبيرة ستكون في انتظاره: مكبرات الصوت الزاعقة بالأغاني الهابطة، أضواء النيون الصارخة بالألوان الفاقعة كالأراجيح المجنونة على واجهات البوتيكات والتوكيلات ومحلات الفيديو والكازينو الرابض على حافة السوق كحيزبون متصابية تستعرض مفاتنها الفجة وتتخلع على شاطئ بحر هادر بالضجيج المنطلق من فكوك الراديو والتلفاز المفترسة، وضربات الشيش واليك فوق صناديق الطاولة التي يتحلق حولها الزبائن من كل صنف ولباس: عمال المصنع الوحيد بالحلل الزرقاء، وشباب عاطل بالقمصان المفتوحة والبناطيل الجينز، وسائقو سيارات الأجرة والباص والحناطير، وفلاحون — نعم فلاحون — ربطوا حميرهم في الأشجار المواجهة أو أوقفوها أمام البيوت الجديدة تحت حراسة أطفال وصبية جذبهم السحر الملعون واكتفوا بالفرجة عليه من بعيد.

قال في نفسه: لأتمشَّى قليلًا في الشارع الوحيد المسفلت الذي لم أره منذ سنين لا أعرف عددها، كنت أحضر إلى البلد في المناسبات الضرورية، ولم تكن تتاح الفرصة للتجول والاطلاع على الأحوال، أنزل من السيارة لأدخل سرادق المأتم أو سرادق الزفاف وأعود إلى السيارة في الصباح الباكر بمجرد الانتهاء من تقبل العزاء أو تقديمه، أو تهنئة الأهل والعروسين بالقران الميمون، وها هي الأيام والشهور والسنون تمر وأنا غارق تحت سطح الماضي البعيد، غافل عن أمواج الحاضر التي ترغي وتزبد بالحيتان وأسماك القرش وبقع الزيت والنفايات، وتلقي على الرمال بحطام المراكب والقوارب الآمنة قطعة قطعة فتتراجع أمامها مذعورة.

ومضى في طريقه يتلفت حوله كأنه سائح يهيم في أرض العجائب. حمد الله أن أحدًا لا يتذكره ولا يعترض طريقه، وإن لم تغب عنه لفتات الرءوس والعيون المتطلعة في دهشة لا تبلغ حد التطفل والثرثرة المعهودة. كان الميدان خليطًا غريبًا احتشدت على أرضه كل العصور التاريخية وإن بقيت الفوضى السابقة على بداية التاريخ هي سيدة الموقف، أراد أن يذكر نفسه بكان هنا وكان هناك، ببيوت كان يدخلها لزيارة أصحابه في المدرسة، ودكان بقالة بجوار مكتبة يملكها رجل يربطه به طرف قرابة، وبيت شامخ في المدخل الجنوبي للسوق كان في صباه يسميه القصر، وفي شبابه قلعة الظلم والرأسمالية والإقطاع، وما كان يسمى بالحديقة في وسط الميدان تقلص إلى دائرة يحوطها سلك شائك قبيح وتزدحم بركام المهملات وقطع الأثاث الممزقة الأوصال وأكوام القمامة التي خنقت أنفاس الأعشاب القليلة والجذوع العارية البائسة. نبهه سائق مرسيدس تتبختر في الزحام أن يصحو من نومه، وصاح سائق عربة كارو أنه كان أن يلسعه بالسوط لولا أنه يبدو أفندي محترم، وحين وجد نفسه أمام السينما الوحيدة طالعته الإعلانات الملصقة على جدران المدخل وفوق اللافتة المبهرة الأضواء: كانت تتمطى على صفحتها ممثلة شبه عارية اشتُهرت بشراستها وفضائحها الخاصة والعامة، ولكن تفننها الواضح في الإغراء زاد من شهرتها وإقبال الجماهير على أفلامها، ولفتت انتباهه البيوت الجديدة المبهرجة الألوان والشرفات والبوابات والسلالم الرخامية. تلك أموال النفط التي جرت في أيدي الطبقة الجديدة — بنت الفلل السقيمة الذوق وفتحت البوتيكات والأجنسات والسوبر ماركات ومكاتب الاستيراد والتصدير والسمسرة والمقاولات — هل شمت أنوفها رائحة بيوت الطين المغبرة وعشش الغاب والقش والصفيح المتناثرة على أطراف البلد، وهل زارت حارات الأجراء والمهاجرين الذين استوطنوها بعد العدوان الثلاثي والنكسة، وهل فكرت أن تنشئ حديقة عامة أو تقيم مدرسة أو تؤسس مكتبة أو مسرحًا أو ناديًا رياضيًّا أو ثقافيًّا أو قاعة تتوسط البلدة وتقام فيها الاحتفالات والمهرجانات والمحاضرات على نحو ما رأى في المدينة الجامعية الصغيرة التي حصل منها على الدكتوراه، بل في كل قرية ضئيلة زارها وآمن في كل مرة بأنه دخل جنة صغيرة؟

ورجع أدراجه حين لسعت الشمس فروة رأسه التي حفر الصلع دائرة في وسطها وعلمته الخبرة أنها شديدة الضعف أمام ضرباتها المفاجئة. لم ينسَ هدفه الذي جاء من أجله فاتجه مباشرة من الميدان الصاخب إلى مقهًى بلدي في حارة خلفية ضيقة، بدا المقهى صامدًا متشبثًا بعصره الوسيط في وجه رياح التغير الجهنمي، ودخل على استحياء وسط الوجوه الكابية المتطلعة بعدم اكتراث، والطاولات التي تحلَّق حولها الزبائن على الرصيف المهشم البلاط، سأل النادل العجوز — الذي أقبل عليه باحترام وهو يكبس طاقيته الملونة على رأسه — عن كُتَّاب الشيخ حامد، فقال له بصوت خبير: هو في آخر الشارع، على اليمين في حارة الصالحين، ثم وهو يضحك: يظهر أن المجلس البلدي سماها على اسمه، بركة سيدنا الشيخ، حضرتك تريده؟

قال محمود مشجعًا بابتسامة واسعة: ولماذا سألتك عنه؟

قال النادل مؤكدًا علمه ببواطن الأمور: الأولاد روحوا الآن؛ لأن تحفيظ القرآن يبدأ مبكرًا، إذا أردت أن تراه فاذهب إلى جامع الشيخ يس، ستجده هناك بالتأكيد، هو خادم المسجد والمؤذن والواعظ إذا غاب واعظ المركز، إن جئت للحق كان من الواجب أن يسموه مسجد الشيخ حامد. لا مؤاخذة من السؤال.

قال محمود وهو يضع يده على عينيه ليداري أشعة الشمس النافذة من الأبواب والنوافذ الزجاجية: تفضل اسأل.

قال النادل: حضرتك قريبه؟

فاجأبه محمود: أخوه الكبير.

هتف النادل كأنه كشف غطاء البئر: أولاد حلال، وأنا أقول لنفسي يخلق من الشبه أربعين، الله يرحمك يا حاج بسيوني.

صحح محمود معلوماته: أبي مات وفي نفسه الحج إلى بيت الله.

قال النادل وهو يربت على ذراعه: نصيب ومكتوب، الله يرحمه في تربته، كان أطيب رجل في البلد، البركة في حضرتك وفي الشيخ حامد، وفي أحفاده أيضًا الله يهديهم ويصلح حالهم.

شعر محمود أن الرجل أخذ من وقته أكثر مما يجب، فمد إليه يده وصافحه بحرارة تغني عن المزيد من الثرثرة، وأسرع في الاتجاه الذي أشار إليه وهو يتعجب من النهم القاتل إلى تشمم أسرار الناس والخوض في كل شيء وأي شيء، وهز رأسه محاولًا أن يفسر الظاهرة الملعونة بأنها قد تكون نتيجة الفراغ وانعدام الحرية والوعي وتجاهل قيمة الزمن، إلى آخر ما يؤدي إلى استباحة الغير واقتحامه وتعريته وحرمانه من أن يملك حتى نفسه أو ينفرد حتى بأحزانه. ومر على الكُتَّاب الذي اهتدى إليه بغير جهد يُذكر، إذ وجد على أعلى الباب لافتة سوداء كبيرة نقش عليها بخط كوفي باللون الأبيض: ألا بذكر الله تطمئن القلوب، وتحتها مباشرةً بالخط النسخ البسيط: كُتَّاب الشيخ حامد غفر الله له. سأل صبيًّا يقتعد الأرض بجوار الباب ويهز رأسه وجذعه بحركة رتيبة أمام المصحف الذي وضعه على حجره: أين جامع الشيخ يس يا بنيَّ؟ وقف الولد في أدب وهو يهش الذباب من على وجهه وعينيه المحمرتين: نحن نسميه جامع الشيخ حامد، إنه هو الذي …

قاطعه محمود متأففًا: أعرف، أعرف، قلت لك أين؟

قال الولد الذي فوجئ بإغلاق الباب في وجهه فطوى المصحف واستعد لمصاحبته: صعب أن تعرفه بنفسك، يظهر حضرتك غريب عن البلد، تعالَ معي.

لم يقل محمود شيئًا، قبل صحبة الشيخ الصغير بغير ترحيب، وأفهمه بنظراته وسحنته الجادة أنه لا يحب الكلام الكثير، ومضت قدماه تغوصان في وحل الطريق ومياه الغسيل التي تكوِّن نُقرًا عطنة أمام أبواب البيوت الفقيرة المتساندة والبيوت المدللة المبنية بالطوب الأحمر والمطلية بالألوان الفاقعة، كانت المهملات والفضلات وعلب الصفيح وصناديق الكرتون وأشلاء اللعب الصغيرة وأعواد القش والجريد وأوراق الجرائد المسودَّة والقطط المتوحشة التي تتصارع على القمامة والكلاب الضامرة المكسورة النظرات — كانت تزحم الأرض التي تنغرز الأقدام في طينها وتهرب منها إلى الرصيف المتهالك المملوء بالحفر كوجوه عجائز هاجمها الجذام. ولما كان الشيخ الصغير قد لزم الصمت إلا من تمتمات بالآيات التي يحاول أن يحفظها فقد راح حامد يسأل نفسه: في أي عصر بائد يعيش الناس؟ أين هي حضارة السبعة آلاف سنة التي يتشدق بها المذيعون اللامعو الوجوه والمذيعات اللبقات اللائي يستعرضن آخر تسريحات الشعر والمكياج وآخر أزياء المودة؟ والضجيج مستمر والتخليط يبتلع البشر والحيوان والنبات والأشياء والكلمات والهموم والآمال في الدوامة التي تتدحرج في هاوية الغيبوبة وحضيض التفاهة والضحالة. وزفر زفرة نبهت الصبي الذي توقف عن تمتماته الرتيبة وهتف قائلًا: خلاص يا سيدنا الأفندي، الجامع أهه! وأشار إلى باب الجامع الصغير المفتوح على مصراعيه فوق ثلاث عتبات من الحجر الجيري النظيف، واستدار راجعًا كأنه يفر بجلده من مهمة ثقيلة.

وقف محمود لحظات يتلفت حوله في الحارة الضيقة المسدودة بجدار طيني عالٍ، تبادرت إلى ذهنه صورة نفق في عالم سفلي ازورَّت عنه الشمس وحاصرته البوابات السود وغابت عنه بركة الآلهة، وصعد الدرجتين الأوليين متهيِّبًا شاعرًا بالذنب الثقيل، ثم أخذ يخلع حذاءه ويلطم نعليه ببعضهما ليزيح الكتل الطينية العطنة، وحين استقبلته باحة الجامع النظيفة الواسعة تسرب ضوء مجهول المصدر إلى باطنه، فاستعذب حلاوته وصفاءه، واستطاع أن يلمح شقيقه جالسًا وحده أمام المحراب الصغير شبه العاري من النقوش والزخارف، بجوار المنبر الخشبي البسيط بدرجاته القليلة، عرف شقيقه من حدبة ظهره التي لا تخطئها العين، وإن لم يقترب منه بحيث يلاحظ البياض الذي غزا شعر رأسه ولحيته، والشحوب الذي خطف بريق عينيه ووجهه الذي كان يتفجر بالقوة والعنف والثورة. كان من الواضح أن الذراعين مرفوعان أمام الصدر، وأن الكفين المضمومتين على هيئة نصف دائرة مستغرقتان في تلقي الأدعية التي تخرج حارة من فمه. قال لنفسه: ربما يستغفر في هذه اللحظة عن ذنوب أهله وبلده والعالم كله!

٥

تقدم ببطء وهدوء وهو يجرُّ قدمَيه بخطى الأشباح فوق الحصيرة المجدولة بأعواد الجريد الأصفر، وعيناه على المثلثات الحمراء المتتالية في وحدات متكررة إلى ما لا نهاية، اقترب من الجسد الضامر الجالس القرفصاء ولمس الظهر المقوس لمسة خفيفة ارتجف لها تحت أنامله، وتلفتت الرأس بعيونها الضيقة الذاهلة لحظات قبل أن ترتفع مع الجسد وتغيب على صدره في عناق طويل: الدكتور محمود، يا مرحبًا، يا مرحبًا، لك وحشة يا أخي في الله.

جلس محمود أمامه وظهره للمنبر والمحراب وعيناه تمسحان الوجه الشاحب وكفه تصعد وتهبط على الصدر النحيل ولسانه لا يطاوعه على كلمة واحدة. تنحنح الشيخ حامد وسعل قليلًا قبل أن يقول في فرح حقيقي: ياه! هيرودوت بنفسه في بلدنا!

ضحك محمود بصوت عالٍ: ولمَ لا تقول الطبري أو المسعودي؟! ولكنه خجل من نفسه ووضع يده على فمه. فقال حامد: لا لا، لا أصدق أن هيرودوت هنا. قال محمود هامسًا: وجالس أيضًا أمام أبو الهول! ثم وهو يشير بإبهامه محذرًا: أبو الهول الوحيد الذي لا يزال يضمد جروحه! قال الشيخ حامد وهو يطرق برأسه: ليس وحيدًا من كان قلبه مع الله، متى شرفتم البلد؟ ثم وهو يمعن النظر في وجهه: كأنك والله لم ترجع من الغربة.

قال محمود في لهجة مرحة: وهل رجعت أنت منها يا حامد؟! حتى في الجامع وحيد وغريب؟

قال حامد وهو يتلفت خلفه كأنه يتأكد من خلو المكان: تعلم أنه هو أنيسي وجليسي، انصرف الجميع بعد صلاة الظهر وبقيت لأكمل الورد وأعدَّ لدرس العصر، ألم تقرأ في الحديث القدسي الشريف أن المسلم غريب في دنياه، والمؤمن غريب بين المسلمين. ومع ذلك فليس أستاذ التاريخ القديم أفضل حالًا، أنت أيضًا تعيش مع بشر ماتوا من آلاف السنين!

قال محمود: لكن المسلم الحق ينظر خلفه وأمامه إلى آلاف السنين، وإذا عرف حضارات العالم …

قاطعه حامد: قبل أن يعرف حضارته؟ أنا أيضًا أنظر بقلبي وديني إلى الوراء ألفًا وأربعمائة من السنين، هذا زمن الفتنة يا أخي العزيز، تمشَّ في السوق قليلًا وستفهم ما أقول.

قال محمود في أسًى: عملت بنصيحتك قبل قليل.

تنهد حامد بارتياح: فأنت تعذرني إذا رجعت إلى الأصول، تعلم خيرًا من غيرك أنني نذرت حياتي لتعلم القرآن وتعليمه، تركت السياسة لأهلها ورجعت لمن إليه المصير.

قال محمود: وأنا يا حامد سوَّيت حالتي وقررت مثلك أن أرجع للأصل وأبدأ من جديد.

ضغط حامد على يده وهو يقول: أرأيت؟ لا فرق بيننا، فكلانا غريب.

رفع محمود يده مسددًا إبهامه في وجهه كأنه يحذره: الفرق كبير يا حامد، أنا رجعت إلى هنا لأفعل شيئًا لأهلي وأهل بلدي، وأنت تعيش معهم وأنت غريب عنهم. قال حامد مستنكرًا: من قال لك هذا؟ إنني أستظل بشجرة القرآن، من يريدني يعرف مكاني، ومن يهده الله يفء إلى ظل شجرته. ثم فجأة كأنه يغلق بابًا لا فائدة من دخول الغرباء منه: هل تعلم من الذي زارني أمس؟

قال محمود مستفسرًا: من؟

قال حامد: ابن أخينا عليه رحمة الله.

اتسعت عينا محمود وفمه من الدهشة: سمير؟ زارك ليجلس تحت الشجرة؟

قال حامد مبتسمًا: بل ليأخذ رأيي في الحديقة. سأل محمود في قلق: الحديقة؟! قال حامد موضحًا: أجل، أجل، جاء ومعه مشروع كبير، في الحقيقة أكثر من مشروع. تعلم أنني لا أفهم في هذا.

ضرب محمود كفًّا بكف: وأنا آخر من يعلم؟! ألست أكبركم سنًّا؟ أليست الحديقة ملكي بعد أن …

سكت حامد لحظة واحتقن وجهه، بدا على قسماته المتوترة ألم شديد يحاول كتمانه، قال في هدوء وهو يرفع عينيه ويثبتهما في وجه شقيقه: مفهوم، مفهوم، أرجوك أن تعفيني. أحس محمود بما يدور في ذهنه، قدر مدى العذاب الذي يعتصره منذ أن بدأ يتكلم عن الحديقة، ربما تراءت لخياله نفس الصورة التي تراءت لأخيه، وأثارت دوامة الذكرى البعيدة التي جاهد ليخفي وقعها العاصف في نفسه، وهل يمكن أن ينسى ذلك المساء الذي خرج فيه حامد من باب الحديقة التي اجتمع فيها شمل الأسرة ولم يعد إلا بعد الإفراج عنه ووفاة أبيه؟ هل يمكن أن يصم أذنيه عن أصداء الحمم التي قذفها أبوه على رأسه في ذلك اليوم البعيد، أو عن أصداء البكاء والعويل الذي انخرطت فيه أمه وهي تستعطفه أن يرحم ابنه ويرحم قلبها المريض؟ والأب يهدر باللعنات على رأس الابن العاصي المطرود إلى الأبد، والأختان تقفان عاجزتين عن النطق وعن إيقاف المطر المنهمر على خدودهما المصفرة، والابن الضال يرد اللعنة في لحظة طيش مجنون، وشمل الجلسة العائلية يتفرق وتكتسحه حالة من الذعر، والجميع يتسللون واحدًا بعد الآخر: الأختان مع الأولاد والزوجين من باب الحديقة، والأخوان الأكبر والأوسط كل يبحث عن ركن يخفيه، ومؤرخ الماضي والمستقبل يهرب إلى الكوخ الصغير الذي رُصت فيه لعبه وأوراقه وأقلامه، وتحجر الصمت بين الأخوين لحظات خُيِّل إليه أنها امتدت دهورًا، ففكر محمود طويلًا في مبادرة أخيه بالكلام قبل أن تجرفه الذكرى إلى جروح أخرى، جروح يبدو أنها لم تندمل تمامًا، ولم يستطع بلسم التقوى والاعتكاف أن يوقف نزيفها ويمحو ندوب أهوالها التي لقيها في المكان الصحراوي البعيد الذي لا يجرؤ على مجرد التفكير في اسمه.

وكسر محمود حاجز الصمت الذي ارتفع بينهما بعد أن لاحظ القلق على وجه شقيقه الذي بدأ يتململ في جلسته فقال بصوت هادئ كأنه يستأنف حديثًا طويلًا في أمور عملية لا تخصه وحده: كما قلت لك يا أخي، لقد صممت على الرجوع للأصل، لن أكتفي بالجلوس تحت شجرة كما قلت، سأحاول أن أجدد الحديقة لتتسع لجلستنا العائلية، لا لا، لن أكتفي بهذا أيضًا، أريد أن تتسع لأهل بلدي أيضًا، ثم ضاحكًا ومعتذرًا في آن واحد: سأجعلها حديقة أبيقور أخرى، منارة يشع منها الفن والمعرفة والدين أيضًا، إنني أعتمد عليك في هذا، أليس كذلك؟ ربما تكون نواة لحدائق أخرى تنفي البلد من التلوث الفظيع، لمشروعات أخرى ستكون الخضرة … قاطعه شقيقه وهو ينهض واقفًا ويمد إليه يده: سيكون المشروع عندك اليوم، تأكد أنني لن أتأخر عن مد يدي إليك فيما يرضي الله ويحقق مصالح الأمة، وسأدعوه سبحانه في صلاة العصر أن يكلل جهودكم بالنجاح.

رفع الشيخ حامد يديه بالدعاء واستقبل القِبلة، وسرعان ما أغمض عينيه واستغرق في الصلاة — ووقف محمود حائرًا وعلى شفتَيه أكثر من سؤال، كان يريد أن يعرف منه شيئًا عن طبيعة المشروع، بل كان يريد أن يصول ويجول معبرًا عن غضبه من إثارة الموضوع وحتى التفكير فيه قبل أخذ رأيه — ولو أمهله الشيخ قليلًا لنفَّس عن ثورته التي أخذت سحبها المجنونة تتلبد في صدره، ولم يدر هل يصب غضبه على شقيقه الذي راح يؤدي صلاته في خشوع صامت وإن كان ينطق بعدم الاكتراث، أم يدخرها لسمير وجيله الذي تصرف في شيء لا يملكه وأعلن نفسه وصيًّا عليه؟ واستدار إلى باب المسجد وهو ينذر في سره ويتوعد: مشروع؟ أي مشروع هذا؟ هل مت حتى يرثوني؟ ألا ينتظرون حتى أكتب وصيتي؟

انحنى ليلتقط حذاءه، وأخذ يضرب الفردتين بقوة كأنه يلطم خدوده: أنا الذي رجعت لأجمع شمل العائلة الصغيرة والكبيرة في الحديقة؟ أين هي العائلة حتى تتجمع؟

ترك ساقيه تجرانه إلى الطرق المجاورة، وراح يتجول على غير هدًى دون أن يستوقفه شيء، لا المدرسة الابتدائية التي تهدَّم سورها في أكثر من موضع وتحولت باحتها الواسعة، التي كان يلعب فيها ويصطف مع أترابه في طابور الصباح، إلى مقبرة دميمة لبراميل الزيت الفارغة وأشلاء السيارات ومقالب القمامة، ولا الترعة التي كان يمر على جسرها الحجري الصغير ويقذف الحصى في مائها الصافي فأصبحت تتمطى كجلد حوت متعفن نمت فوقه الطحالب والأعشاب الداكنة، ولا الأكواخ التي استبدلت بضلوعها الهشة من القش والمسك والجريد جدرانًا طينية تئوي النازحين السابقين وغرز البوظة والحشيش، ويتجمَّع أمام أبوابها عشرات الأطفال بوجوه ضامرة مصفرة من سوء التغذية والأمراض المتوطنة، ولا الملل الأزلي الذي يرين على كل شيء ويلفه بأربطة التحنيط المشدودة إلى الأبد، ووقع بصره على صيدلية كانت أبوابها لا تزال مفتوحة فدخلها وطلب الدواء الذي وصفه صهره، وفجأة ارتسم المفتاح الأسود الكبير أمام عينيه فقال لنفسه وهو يتفجر غيظًا: كيف أمكنني أن أنسى مفتاح المدفن ولا أسأل حامد عنه؟ كيف نسيت الأصل الذي رجعت من أجله؟

انتبه فجأة إلى أن الشمس قد غربت وبدأت ظلال المغيب زحفها على البلدة.

واتجه إلى البيت كالسائر في النوم يكلم نفسه، ولا يدري ماذا سيكون مصيره ولا من سيكون في انتظاره.

٧

خطر له وهو يتقدم نحو البيت تحت ظلال الغروب الممتدة وقبل حلول الظلام أن يدور حول السور ويتفقد أحوال المنطقة ومعالمها، لكن زجاجة الدواء التي يحملها في يده جعلته يعدل عن نيته، ودفع الباب الحديدي الصغير الذي انبعث منه صرير باهت وصدئ مثله فاستقبلته بعض الأصوات الضاحكة والأشباح المختلطة التي تراءت لعينَيه الكليلتَين في الطرف الأقصى من الحديقة، هلَّلت أنيسة وهي تعلن حضوره بصوتها المرح الرنان، فاستبشر خيرًا: وصل المؤرخ القديم! ولم يجد صعوبة في التعرف على ابن شقيقه سمير الذي وقف لتحيته وعلى وجهه العريض ابتسامة أعرض منه، ومد ذراعه بالدواء إلى أنيسة التي غمرتها سعادة غير عادية قبل أن يغيِّب سمير في أحضانه، ثم يمد يده إلى شخص طويل صامت سلَّم عليه وهو يحني رأسه بأدب شديد ويتفرس فيه كأنه يشاهد معجزة، وانطلقت أنيسة بالدواء وجسدها الممتلئ قليلًا يترجرج ويتوثب نحو مدخل البيت كنافورة جياشة بالقوة والحيوية: سأطمئن على البنت وأحضر الشاي في الحال.

تابعها الجميع وهم يغمغمون بالدعوات بالشفاء العاجل، فقال محمود مبتسمًا وهو يجلس إلى جوار ضيفَيه على أحد الكراسي القش التي أنزلتها زوجته مع الطاولة بهمة تحسد عليها: والله زمان، جلسة عائلية في الحديقة؟!

قال سمير وهو يمد بصره إلى المساحة الخربة المملوءة بالحفر والأعشاب والأشواك والأوراق الجافة والأغصان المتيبسة: إن شاء الله تتكرر وفي أسعد الأحوال.

وتدخَّل الضيف النحيل وخرج عن صمته متهيبًا: إن شاء الله، ما دام أبيقور العظيم قد حضر، كنا ننتظركم من وقت طويل.

ابتسم محمود وهو يتصفح وجه الضيف الذي بدا كصفحة مخطوط قديم، وقبل أن يفتح فمه أسرع سمير يقول: قبل أن تدخلا من أبواب التاريخ، الأستاذ قنديل محامٍ وصديق ومثقف جدًّا يا عمي.

ابتسم محمود في أسًى: طبعًا طبعًا، ثم وهو يتطلع في وجه الضيف ويشير إلى الخراب من حوله: ولكن حديقة عمك ميتة منذ سنين، ومهمة كل أبيقور هي أن يزرع حديقته، أليس كذلك؟ قال سمير ضاحكًا: مع أني رجل حسابات وأرقام لا أعرف عمن تتحدثان، إلا أنها ستكون أفضل مما كانت ألف مرة، البلدوزر كفيل بكل شيء.

اشمأز محمود من الكلمة الأخيرة أو تجاهل معناها المقصود، فوجه قوله للضيف الذي لم يرفع عينَيه عنه: مع أني لا أحلم بحكمة أبيقور، إلا أنني صممت على الرجوع للأصل ولمِّ الشمل. ثم وهو ينظر إلى سمير: كنت لا تزال في علم الغيب عندما كان جدك رحمة الله عليه يجمعنا في هذه الحديقة، وكانت جدتك …

تدخل سمير بسرعة وحسم ليقطع الخيط الذي أوشك أن يسحبهم إلى متاهات ربما يصعب إخراجهم منها: ستطمئن يا عمي عندما تسمع تفاصيل المشروع.

قال محمود مستفهمًا: المشروع؟ أسمعت هذه الكلمة من الدكتور صادق ومن عمك حامد. وثب سمير وثبة النمر قائلًا: سيدنا الشيخ وقع عليه بالفعل، قلنا نبدأ به لتحل البركة على الجميع.

أراد محمود أن يقول إنه صاحب البيت والحديقة وكان عليه أن يستأذنه أولًا، ولكنه لم يجد الظرف مناسبًا للخوض في مسألة عائلية أمام الضيف الغريب، وأسرع هذا بالتقاط الخيط بعد أن لاحظ الوجوم الذي زحف على سحنة الكهل الذي سمع عنه كثيرًا، وربما قرأ له وتمنى أن يلقاه: لقد عملنا حساب كل شيء، حقوقكم كلها محفوظة، ولم نوثق العقد ونمشي في الإجراءات إلا بعد توقيعكم عليه، وبالطبع لن يتم الهدم والإزالة إلا بعد موافقتكم.

ازداد وجوم محمود عندما سمع كلمتَي الهدم والإزالة، أحس بانقباض شل عقله وأوشك أن يوقف قلبه الذي وضع يده عليه، وتكلف سمير ضحكة سرعان ما حلت محلها تكشيرة جادة على وجهه الضخم: المهم أن التمويل أيضا معمول حسابه، لن نكلفكم قرشًا واحدًا يا عمي، والأهم أن تبارك المشروع كما باركه عمي الشيخ حامد.

أفاق محمود مرتين على الرنين الغريب لكلمة «مهم» و«أهم»، وفكر قليلًا في مشتقاتهما ثم قال مبتسمًا في استسلام: ندخل إذن في المهم!

أسرع سمير فسحب الحقيبة السامسونيت التي ظلت راقدة بجواره كقطة ملتفة في السواد والغيبوبة ووضعها على ركبته، وقبل أن يعالج فتحها كانت أنيسة قد جاءت متهللة تحمل إبريقًا كبيرًا في يدها ووراءها أم عبده تتعثر في مشيتها الحذرة لكيلا توقع الصينية التي رصت عليها الأطباق والأكواب والملاعق والفوط البيضاء، وسرسعت أنيسة بضحكة كرنين عملات معدنية تتدحرج على البلاط، وقالت: مشروع هائل، كلموني عنه فقلت يا بنت يا أنيسة الدنيا انفتحت في وجهك.

قاطعها محمود متجهمًا: طمأنيني على نورة، قست الحرارة؟

قالت وهي تضع الإبريق الساخن على الطاولة وتتناول الصينية من أم عبده: الحمد لله، كانت طول الليل ثلج، وكنتَ غارقًا في النوم فلم أزعجك، أعطيتها ملعقة كبيرة من الزجاجة وتركتها لترتاح.

كرر محمود سؤاله وقد ازداد تقطيب وجهه: قلت حرارتها كم؟

قالت كأنها تشهد الجميع على قلقه الذي لا داعي له: ثمانية وثلاثين وشرطتين، صادق سيحضر الآن ويطمئننا، خلنا الآن في المهم.

كان سمير قد فرد لفة ورقية كبيرة على حجره، وخطر لمحمود أنه يشبه كاتبًا مصريًّا قديمًا يضع لفافة بردي مملوءة بالأوامر والنواهي الملكية ولا ينقصه إلا أن يجلس القرفصاء، وبدأ يشعر بالحصار المضروب حوله، فنظر في غير حماس إلى الرسم الهندسي الذي امتلأ بالخطوط والمربعات والمستطيلات والنقط الملونة بالأزرق والأحمر والمقاييس المحسوبة في أسفله وتحتها توقيع الشيخ حامد بخطه العصبي المتشابك، وبجانبه توقيعات أخرى وأختام زرقاء اللون وسوداء. وبينما كانت أنيسة توزع أكواب الشاي وتعزم بالبسكويت وتعتذر عن أنه ليس على قدِّ المقام، كان صوت سمير يتدفق كسيل مندفع لا يتوقف لحظة لالتقاط الأنفاس: هنا يا عمي سيكون المبنى الرئيسي، ثلاثة طوابق في البداية يمكن أن ترتفع فوق الأساسات المحسوبة إلى عشر طوابق، طبعًا سيكون فندقًا ثلاثة نجوم، وربما تجعله الشركة الهولندية مع الزمن خمسة نجوم، الدنيا كلها تقول إن المنطقة أمامها مستقبل عظيم، نعم، نعم، باب السعد انفتح على العائلة كلها، بعد اكتشاف الآثار العظيمة بالقرب من المنطقة كما تعلم بالطبع، وبعد انطلاق العمل في الميناء الجديد، بالإضافة إلى اكتشاف المخزون الهائل للغاز الطبيعي على بُعد عشرين كيلومترًا من هنا وإقامة أكثر من قرية للعمال والمهندسين، انهالت عروض الشركات المحلية والعالمية على المجلس البلدي. عمر أفندي وبيع المصنوعات يبنيان بالفعل على الضفة الأخرى للترعة التي يجري العمل فيها الآن على قدم وساق كما يقال، وتعدُّ الترتيبات لإقامة كوبري جديد يصل شطري البلد. شركة النصر للسياحة اتصلت بنا بالفعل لجس النبض، يريدون إنشاء «رست هاوس» على أحدث طراز ومحطة بنزين وكافتيريا — المنطقة كما قلت لحضرتك مستقبلها عظيم — قالت أنيسة وهي تلفت نظر محمود إلى الشاي الذي بدأ يبرد: طبعًا طبعًا، لماذا لا تشرب الشاي؟

قال محمود منتبهًا: أنا أسمع سمير.

قالت أنيسة ضاحكة: شيء كالحلم تمام، اشرب اشرب!

ارتشف سمير رشفة كبيرة من الكوب وقال: المرة القادمة نشرب الشربات. ردد محمود متوجسًا وبحشرجة فأر محبوس في مصيدة: تقول المرة القادمة؟!

واندفع السيل مواصلًا تدفقه: لولا الخطاب المستعجل من عمي مصطفى لاتفقنا بالفعل مع شركة النصر، بعد إذن حضرتك بالطبع.

تساءل محمود مندهشًا: مفهوم، مفهوم، هل قلت عمك مصطفى؟

وازداد السيل قوة وتحفُّزًا كأنه يلطم الصخور التي بدأت تهدد اندفاعه: ألم أقل لحضرتك؟ فجأة وصلني منه خطاب مسجل ومستعجل، اندهشت حين وجدت على غلافه طابع البريد وعليه صورة ملكة هولندا، كنت أتصور أنه لا يزال في تشيكوسلوفاكيا أو ألمانيا يواصل تدريبه، ولكن الخطاب أكد الشائعات التي سمعتها عن عمي المليونير.

قاطعه محمود بامتعاض: وهل قال لك إنه فتح كازينو ومطعم شرقي هناك؟ ضحك سمير كأنه يطلق نكتة: ويقدم الفول والفلافل وهز البطن كل ليلة! يظهر أن ربنا أنعم عليه بزوجة عملية جدًّا، وشقراء وطويلة بطبيعة الحال، طول عمري أقول عمي مصطفى عظيم، حوت وفي بطنه الآن كذا أرنب!

تحسر محمود على لغة الضاد وتنهد ثم سأل بإشفاق: وهل يعرف عمك حامد أنه … قاطعه سمير مستنكرًا: يعرف؟ طبعًا لا! سيتصور سيدنا الشيخ أن أموال أخيه نجسة وحرام.

سأل محمود: ومع ذلك وقع على المشروع؟!

قال سمير بعد أن التقط أنفاسه كأنه عبر لتوه نهرًا خطرًا: قلت له إن عمي مصطفى تاب وهداه الله، دعا له بأن يصلح حاله دنيا وآخرة، تشجعت فقلت إنه مصمم على بناء مسجد تحت الفندق أو في الحديقة.

انتبه محمود فجأة وسأل: هل قلت في الحديقة؟

قال سمير مطمئنًا: كذبة بيضاء يا عمي يغفرها الله، سنتصرف في الموضوع بإذن واحد أحد.

بلغ الغيظ بمحمود ذروته، فقال كأنه نوح الذي يئس من تحذير ابنه من الطوفان: مفهوم، مفهوم، مفهوم، أكمل يا سمير.

قالت أنيسة وهي تنهض معتذرة بأنها تريد أن تطمئن على نورة: قل له يا أستاذ سمير على كل التفاصيل، ولا تنسَ وعدك لي بالإشراف على الفندق والسوبر ماركت! نحن نفهم في الحسابات مثل بعض. نظر إليها سمير ضاحكًا وأمَّن على وعوده بأغلظ الأيمان، والتفت إلى عمه فوجده يتطلع إليها في سكون، وتكوَّم على نفسه وقوَّس كتفَيه وظهره ليقفز قفزة جديدة، وبدأ يعتلي الأمواج كأنه يشق العباب العاصف إلى جزيرة الأحلام، أما محمود فبدأ يدخل في جلده ويتابع الأطياف التي تخرج من كل أركان الحديقة الصامتة التي تناثرت فوقها الأعشاب والأوراق الذابلة والفروع اليابسة والبقع المحتقنة على وجه عجوز محتضر، وأخذ ينادم الأطياف التي تزاحمت حوله، بينما تتردد في سمعه كلمات يلتقط بعض رذاذها ويترك أمواجها المضطربة تتكسر على الصخور التي يتشبث بها: تفاصيل العقد مع الشركة الهولندية، الخبير الذي ينتظر وصوله مع مصطفى للمعاينة وإنهاء كل شيء، قوافل السياح التي بدأ الاتفاق معها والمفاوضات مع المجلس المحلي والمجلس البلدي في عاصمة المحافظة ووزارة السياحة لإنشاء مطار خاص بالمنطقة، موقع الكافتيريا والشيف السويسري الذي سيديرها، ركن السياحة والحاج أمين الذي عرض أن يزوده بالقطع الأثرية والتحف الفرعونية والإسلامية، ملاعب الأطفال والبيسين والباصات الفخمة للنقل إلى منطقة الآثار والميناء وشاطئ البحر، والحوت الهائل يزحف ويزحف، يغير الجلد والمكان والزمان ويستولي على الأراضي ويبتلع الأسماك الصغيرة ويتدفأ تحت الشمس الخالدة ويجتذب السياح من جهات العالم السبع، وعينا محمود تستنجدان بالبيت النحيل الشاحب المهدد بالهدم، وبالحديقة المهددة بالفندق والديسكو والضوضاء والأقدام الغريبة والأجساد شبه العارية والسيارات والحافلات والكراسي والموائد المفروشة أمام الفندق لاستقبال المزيد من الزوار المحليين والأجانب، توقفت نظراته على بقايا الكوخ الذي مالت أخشابه المتداعية في الركن الآخر من الحديقة، ورأى نفسه يختبئ فيه مع أوراقه وأقلامه الملونة ليرسم وبدون أولى محاولاته الشعرية والنثرية — ثم استقرت ساهمة على جانب السور الشائك الذي تطل عليه شرفة بيت الجيران الذين باعوه ورحلوا عن البلد منذ سنين — ترى أين أنت الآن يا سناء؟ هل تلوحين مرة أخرى لأرسل لك قصائدي الجديدة مع مرسالك الصغيرة التي كنت تبعثين معها بالأوراق الملونة الفواحة بالعطر وفيها كلماتك الصغيرة المشوشة كنبش الدجاج تشكين فيها من رداءة خطي وشِعْري ومن فظاعة خجلي وحزني؟ ولعبنا في الحديقة كلما حضرت، وجريك إلى الكوخ واختباؤك فيه وتحريضك اليائس لجسدي الغبي؟ وإطلالك في المساء على جلستنا العائلية في الحديقة وسؤالك بعدها عما كان يقوله أبي وهو يرفع يديه إلى السماء بالدعاء، وما تقوله أمي وهي تؤدي طقسها اليومي، وتدور بالمبخرة التي تهزها فوق رءوسنا وهي تتمتم مع البخور الفوَّاح الرائحة الذي كنت تشمينه من مكانك في الشرفة وكان يلف سحبه حولنا ويدور حول أشجار التفاح وتعريشة العنب وحوض الزهور وشجرتَي الكافور الصامدتَين حتى الآن كخفيرين عجوزين أمام البيت؟

انتبه محمود على هتاف سمير بصوت ضاحك: كل شيء تمام يا دكتور! تفضل معنا، وكان صادق قد دخل من باب الحديقة ووقف بعيدًا دون أن يحس بدخوله، وعندما نهضت أنيسة من كرسيها وخفت لاستقباله، سمعه يقول لها بصوت ضاحك: طمئنيني على المؤرخ العظيم، هل دخل المستقبل من أوسع أبوابه؟

ردت عليه أنيسة بصوت مرتفع كأنما لتسمع زوجها لذي لم يغب عنها غيابه المعتاد: وسيوقع حالًا على المشروع.

عاد صادق يلوح بذراعه ويقول: سأمر على نورة وأرجع لكم، مبروك، مبروك. رفت عينا محمود وارتعش جفناه عندما نهض سمير واقترب منه وهو يستأذنه في كلمة سر، انتحى به ركنًا إلى اليمين بالقرب من السور وأسر في أذنه: أنا جئت يا عمي إليك باسم العائلة كلها، الحالة كما تعلم، الجميع مخنوقون، وعشمنا كبير في الله وفيك وفي خالتي أنيسة.

استفسر محمود الذي بان عليه الإرهاق والضنى: ماذا تقصد يا سمير؟

قال سمير: لا وقت للتفاصيل، سوف نلتقي على انفراد لأشرح لك البقية. سأل محمود نفسه وهل هناك بقية؟ وعاد يستفسر: طمئني عليهم، كنت أنوي الليلة أن أمر على أولاد عمتك خديجة اللهُ يرحمها.

قال سمير باختصار وهو يزم شفتَيه: أحوالهم بؤس بعد زواج أبيهم، زوجته لا تطيقهم، وأبوهم كما تعرف رجل كئيب، ولكنني فاتح عيني ولا ينقصهم شيء. رجع محمود يسأل: وأولاد عمتك فاطمة؟

قال سمير وكأنه يسحب ستارًا كثيفًا على منظر غير مريح: رجعوا للخناق بعد الليلة التي قضيناها معهم، عطية مصمم على ما في دماغه ويدعي أن البيت من حقه وبناه من عرقه، وكأن المرحوم أباه لم يفعل شيئًا، وسعيد يهدد بقتله بالرصاص إن حاول إخراجه بالقوة من بيت أبيه، والأرض التي تنازلت عنها لهم ولنا غارقة في الديون والخلافات. قال محمود: كل هذا خطر على بالي؛ لهذا قررت الرجوع بعد تسوية حالتي … أردت أن … قاطعه سمير وهو يشد على يده: تجمع شمل العائلة، مفهوم مفهوم، لم تعش لنفسك أبدًا يا عمي، لكن أين هي العائلة؟! المهم، أرجوك أن تبارك المشروع، إنه المن والسلوى الذي هبط علينا من السماء.

قال محمود وهو يشعر أنه حوصر تمامًا: وأنا؟ ألم يفكر أحد فيَّ؟ شهق سمير: حاشا لله! لقد خصصنا لك جناحًا في الفندق كما قلت الآن، وسيكون هناك بدل الحديقة حدائق، وحتى إذا لم توافق فالتعويض كما قلت مجزٍ وثمن الأرض بالشيء الفلاني. تساءل محمود قبل السقوط بقليل: هل قلت هذا؟

ضحك سمير وهو يضع يده على كتفه: يا ترى كنت فين يا عمي وأنا أشرح كل شيء؟ في طيبة أو روما أو الأندلس؟! أرجوك أن توقع ليمشي المحامي في الإجراءات.

فرد خارطة المشروع أمامه وحدَّد له الموضع الذي سيوقع فيه. وارتعشت يد محمود وهي تمسك بالقلم الأزرق اللامع الذي قدمه له ابن أخيه، فكتب اسمه على عجل وأعطاه له كأنه يسلمه مفتاح غرناطة، وعندما انتهى من التوقيع تذكر شيئًا فهتف: والعقد الذي عندي؟!

قال له سمير بأسف عميق: اطمئن تمامًا يا عمي، بحثنا كل شيء تتصوره، سألنا في الشهر العقاري واكتشفنا أن عم مصطفى لم يسجله، لا بد أنك كنت مشغولًا وكلفته بذلك.

قال محمود كأنه يناجي نفسه: ومع ذلك نثق به؟

قال سمير: أنا من ناحيتي واثق تمامًا ومالي يدي منه، لقد تغير عم مصطفى، وهو يريد أن يرجع بزوجته وابنه نهائيًّا، هو أيضًا يريد الرجوع للأصل، الظاهر أن الأحوال هناك … قال محمود: طبعًا طبعًا، ولكن …

وفوجئ بصادق يقترب منهما بوجه باش تعلوه ابتسامته الدائمة: لا لكن ولا يحزنون، أصبحت مؤرخ المستقبل يا بطل! وقهقه بصوت عالٍ ثم شده من كم سترته وأسر له باهتمام: نورة حرارتها طالعة نازلة، لا تنزعج، لكن رأيي أن تسافروا غدًا بالسلامة وتعملوا التحليلات اللازمة بأسرع وقت، الحالة هنا كما تعلم.

سأل محمود في قلق: هل تشك في شيء؟ تيفود مثلًا؟

– لا أخفي عنك، وربما تضطر لعملية عاجلة، اللوز محتقنة جدًّا، لكن هذا يتوقف على التحليل ورأي الجراح، مع السلامة الآن، نراكم بخير، السفر من صبيحة ربنا! لا تتأخر، ومبروك!

ومضى مسرعًا قبل أن يتمكن محمود من الكلام أو السؤال، وجاء الضيفان فطلبا الاستئذان حتى يتركا له الفرصة للراحة. ضحك سمير وهو يعانقه ويقول: ربنا يحفظك ويبارك فيك، كانت جلسة عائلية في ضوء القمر. إن شاء الله تتكرر، نظر إليه متشككًا لحظة، ولما شعر بأن يد المحامي تمتد نحوه صافحه وشد على ذراعه بعد أن رآه ينحني باحترام ويقول: وفي حديقة أبيقور الجديدة بإذن الله، سهرناكم وأتعبناكم، اطلع حضرتك الآن لتستريح، سنتصل بكم في أقرب وقت.

لم يقل شيئًا، ودعهما بعيون ذاهلة طافت بالحديقة الصامتة المجدبة، ثم استقرت عند المدخل المؤدي إلى السلم، قال لنفسه وهو يتجه إليه ويضع يده على الترابزين الخشبي: من يدري إن كانت هذه آخر مرة أصعدك!

٨

وقف لحظات في بئر السلم ويده على الترابزين، كان الصمت يلفه من كل ناحية إلا من نقيق ضفادع في الترعة القريبة ونباح كلب يتردد بإصرار يائس، وربما أغاظه القمر المتلألئ في السماء الصافية وكأنه يتربص به ويطارده. لم يجد في نفسه رغبة في النوم، إذ تحركت فيها رغبة أقوى في استطلاع أحوال المنطقة ومعالمها بعد غيبته الطويلة، بجانب الميل الدفين أو المرض الحميم في الانفراد بنفسه التي تفتت شظايا تحت معاول الثرثرات الطويلة والأحلام المريبة والصراعات والوعود الغامضة.

نظر إلى الحديقة فأغمض عينيه وانقبض قلبه. كانت أم عبده ترفع الأطباق والأكواب وتنحني وتقوم وتدور حول نفسها وهي تنظف المكان وتبدو كشبح يغمره ضوء علوي غريب. خرج في سكون ودار حول سور الحديقة فوجد نفسه في مواجهة البيت الذي أعطاه ظهره ووقف شامخًا محنيَّ الظهر كعجوز من زمن آخر، وراح يمد بصره في أرجاء المكان وعلى امتداد الأفق، هكذا يتغير كل شيء ونحن لا نتغير ولا ندري! المنطقة دخلت — كما يقولون — في كردون البلد ولم يبقَ من مساحات الخضرة المترامية إلا مستطيلات ومربعات قليلة طغت عليها المباني الجديدة والإنشاءات الجارية، بيوت الفلاحين التي كانت على بُعد خطوات من البيت اختفت وحلت محلها أكواخ مؤقتة لعمال البناء، وهل ينسى أنه دخل مرة أحد هذه البيوت عندما أخذته الشهامة في إحدى زياراته للبلد وحضر وفاة قريب لأبيه ومشى في جنازته وشارك في تلقي العزاء وإلقاء العبارات المحفوظة؟ وهناك مبانٍ عديدة يحوطها سور واحد — أهي مدرسة جديدة أم معهد ديني أم مضرب أرز أم مصنع أم …؟ وفي كل مكان حفر وأكوام رمل وقطع أخشاب وطوب محروق وفوارغ أكياس وشكائر أسمنت سيغرز في أحشاء الأرض ويقتل المزيد من الخضرة، وعلى البُعد في الطرف الجنوبي الأقصى اختفت السراي بمبناها الرئيسي الصاعد إلى الأفق كبرج قلعة أو كاتدرائية عتيقة، كما اختفت الأسوار التي كانت تطوقها وعليها أبراج أصغر ذكَّرته كثيرًا بحصون العصر الوسيط. كل شيء تغير بينما كنت تتأمل وتنظر وتنتظر!

أحس فجأة بأن هناك من يقف قريبًا منه يتطلع إليه، شاب متوسط العمر عليه بذلة رمادية خفيفة وفي يده اليمنى حقيبة بنية تظهر منها الكتب والأوراق، وقبل أن يسأل نفسه من أين خرج وإلى أين يذهب بادره الشاب بالسؤال: حضرتك غريب عن البلد؟ التفت إليه ضاحكًا وهو لا يخفي رغبته في الحديث معه: بل سقطت رأسي هنا كما يقال، في هذا البيت الذي تراه يصارع الرياح! اقترب منه الشاب متوددًا: سيد عبد العال، مدرس مواد اجتماعية في الثانوية الجديدة. وحضرتك؟ قال محمود مبتسمًا وهو يمد يده إليه: مواد اجتماعية؟ إذن فلسنا غريبين كما تتصور، اسمي محمود بسيوني مؤرخ على المعاش! فتح الشاب فمه دهشة وهتف: الدكتور بسيوني، صاحب العالم القديم وسقوط قرطاج والمدن الغارقة! قال محمود مبتسمًا: المحترقة. ألم أقل لسنا غريبين؟ قال الشاب: تشرفنا يا بيه! صحيح لم أتشرف بالتتلمذ عليك، لكنني قرأت لك كثيرًا. ضحك محمود معبرًا عن رغبته في الخروج عن الموضوع: الحمد لله أنك قرأت كتبي ولم أقررها عليك! أتعلم أن كل شيء يتغير بسرعة؟ رد عليه الشاب مؤكدًا قوله: البركة في الطبقة الجديدة، أمثالنا لا يتغير حالهم كثيرًا.

قال محمود مؤمِّنًا على كلامه: ومن سمعك أيضًا، وربما يسوء كل يوم. استطرد الشاب كأنه يقف على منبر: نحن يا دكتور في عصر الجيوب والبطون، حضرتك تفهم ما أعنيه، أموال النفط والانفتاح والسمسرة والمقاولات والعمولات، أمثالنا للأسف ينقرضون، هذه المباني والتوسعات الجديدة، إنه غزو، غزو المغول أو التتار، غزو الصحارى لوديان الأنهار.

سأله محمود في هدوء: هل تقصد الخضرة أم القيم التي انهارت؟

أمسك الشاب الخيط وشده بعنف: والأنا التي اكتسحت كل شيء! هل تصدق أنه ليس بين هذه الإنشاءات وغيرها مبنى واحد للصالح العام، لا ملجأ ولا مستشفى ولا حديقة ولا مساكن للفقراء واللاجئين الذين ملئوا البلد ولا … قال محمود وهو ينظر إليه في عطف أبوي: المهم أن القيم لا تحترق بسهولة وسط حرائق المدن والحضارات، قل لي يا أستاذ سيد!

قال الشاب بعد أن استرد أنفاسه ونظر في ساعته: تحت أمرك. قال محمود وهو يشير بعيدًا إلى الجنوب: سراي الباشا التي كانت هناك، كانت لها وللباشا قصص طويلة، هل سمعت شيئًا عنها؟

قال الشاب وهو يتحرك حركة تنبئ بأنه يتأهب للانصراف: كما قلت لحضرتك، تاجر مخدرات معروف دفع فيها مليون دولار، هي الآن مجمع تجاري ضخم وسوق يؤجَّر فيه المحل بالشيء الفلاني، المتر وصل ألفي جنيه!

ضحك محمود كأنه يعزيه: أي مرتبنا معًا في شهرين! هل تذهب إلى المدرسة في هذا الوقت؟

قال الشاب وهو يصافحه ويشد على يده: كما يقول إخواننا في الخليج: إيش نسوي؟! لا بد أيضًا أن نعيش، مجموعات مسائية للتقوية ودروس خصوصية و… كنت أتمنى أن يطول اللقاء.

قال محمود وهو يربت على ذراعه: توكل أنت على الله، سنلتقي حتمًا. قال الشاب وهو ينصرف: وستوقع لي بنفسك على أحد كتبك الخالدة.

ضحك حامد ضحكة عالية ثم وضع يده على فمه وقال في أسًى كأنه يخاطب نفسه: وما زلت تعتقد أنه سيبقى منا شيء؟

انصرف الشاب مسرعًا وهو يهز حقيبة كتبه في يده ويخوض بصعوبة في الحفر وأكوام التراب والرمل والزلط ويتجنب أسياخ الحديد التي يوشك أن يتعثر فيها، وبقى حامد يتطلع إلى الأفق وإلى كل ما حوله. كان فيما يبدو قد ابتعد عن البيت دون أن يشعر، وكان الهدوء يسود كل شيء، إلا من نباح كلب عنيد توجس منه خوفًا على ساقيه ولم يلمحه أبدًا! وضوء القمر يتوهج فوق رأسه كعين شريرة وشديدة الاحمرار ومع ذلك تنشر حولها البساط السحري فوق جنة فقدت خضرتها القديمة، تعجب وهو يحدق في قرص القمر الناعم الناصع، وسأل نفسه هل هو أتون تتلمظ نيرانه غيظًا في السماء، أم قارب أسطوري يمخر العباب الصافي وعلى متنه ملائكة ينشرون أجنحتهم الذهبية في بحر الزرقة غير مبالين به ولا بأي شيء؟!

آه! كل شيء يتفتت، العالم والبلد والعائلة والحديقة والبيت، كانت الحياة هي الكل الواحد الذي يتألف من وحدات كلية، تتألف بدورها من وحدات أصغر، وكان هناك الفرد المتحد بالأسرة والجماعة، والقرية المتحدة بالمدينة والوطن، والأوطان بالأرض والطبيعة والعالم، كلها وحدات في علاقة مع وحدات أكبر، وهذه مع الوحدة الكونية الكبرى، لم يكن هناك كل بغير أجزاء، ولا أي جزء بغير الكل، لكن الجزء يتصرف اليوم كأنه الكون بأسره، والأنا تتضخم وتتورم وتكتسح كل شيء كأن الآخر البشري والطبيعي والمطلق لا وجود له ولم يوجد أبدًا، أصبح سرطانًا يخرب في الظلام الجسم الحي الذي يغذيه ويئويه، والأنا تتلذذ بالنظر في مرآتها، لا تدري أنها تنظر في شظية مكسورة من مرآة أكبر، نسيت أنها لن تعرف نفسها ولن ترى ملامح وجهها الحقيقي إلا في مرايا الآخرين، أفرادًا كانوا أو مجتمعات وشعوبًا وحضارات، والجزء نفسه تفتت أيضًا ولم يكتف بقطع الخيوط التي تصله بالكل، وإذا تذكره فلكي يستغله لصالحه أو ينبهه أو يسخره أو يقهره أو يقعى ذليلًا عند قدميه حتى يلقي له لقمة أو عظمة فيختطفها ويفر بجلده إلى سجنه، ليعاود الخروج منه كلما حانت فرصة أو تشمم رائحة صيد جديد! انفصم كل جزء بعد أن انفصل الكل عن الكل، واغترب كل فرد عن كل فرد، وكل جماعة عن كل جماعة، بينما تساقطت القيم أشلاءً وسط الأنقاض وانكفأت على وجوهها في الوحل والرغام والدماء والآثام، وها أنت أيها المؤرخ القديم تقف ضائعًا بين أنقاض عالم مجدب ومهدد بالانقراض رغم ضجيج آلات البناء وصيحات التغيير ووعود التجديد ودعوات التحديث ودعاوى التنوير، تقف وحيدًا تشاهد البيت يتصدع باسم الفندق ذي الثلاثة أو الخمسة نجوم، وحديقة الطفولة والذكريات والأحلام والمشروعات التي كانت تحوم في رأسك كالفراشات التي تنتظر النور لترفرف فوق الزهور والوجوه المنسية، الحديقة التي تحدق بها عين البلدوزر الأعمى وهي تكحت وتجرف لتمد فوق جثتها موائد الكافيتريا للسياح والسادة الجدد، وتسعى وراء شمس الحلم والشمس في ظهرك، وتحاول أن تلم الشمل في الجلسة العائلية، بينما السماسرة يذهبون ويجيئون، والحفارات والبلدوزرات تتمطى وتتثاءب قبل أن تنقض وتنهش وتصنع الجنات الملعونة، وأنت تحت ضوء القمر، أمام البيت العجوز المحني الظهر، عارٍ في مهب الرياح، مرتعش الجسد والروح أمام قضاة العصر ونجومه وجلاديه، خائف من أصوات الاتهام والإدانة بالرجعية والرومانسية، أأنت صوت الكل الغائب وضمير التاريخ المثقل بالذنب؟ وكيف يحق لك أن تقرع ناقوسًا وسط العرس الصاخب وقدماك على شفا الحفرة الأخيرة، آه أيها البيت العجوز! يا بيت قصائدي التي كتبتها قديمًا وامَّحت، وقصائدي التي اشتاقت أن تولد وأجهضت، يا بيت الأحلام والضحكات والأعراس والمآتم والآلام والمآسي، ويا حديقة الذكريات الحلوة والمُرة، والمشروعات الموءودة قبل أن تولد. أنت التي تمنيت أن يخرج جسدي منك إلى المقبرة القريبة، مشبعًا برائحة الطين والعشب وشذا الأشجار والورود، أنت التي صمدت في غيابي تسقطين أمام عيني في غيابي الجديد، حتى حلم الخروج منك على النعش أصبح أبعد من القمر والنجوم التي تضحك عليَّ الآن من عليائها. ما أوسع الفجوة بين الكلمة والفعل، ما أشد اتساعها يومًا بعد يوم!

رجع منهك الخطى كأنه عنكبوت عجوز تتشبث بخيوط الضوء المنسكب وتتلفت حولها لتلقي آخر نظراتها على الانسجام الفضي الرائع حوله، ووضع يده على باب الحديقة الصغير ففاجأه صوت يخرج من الظلام كمواء قط يخمش عدوًّا بينما تقدح عيناه اللتان برزتا بغتة بالشرر المتطاير: بِخ! وأدرك أن القط المهاجم ليس إلا نورة التي أرادت أن تحيي عبثها القديم، سألها في لهفة وهو يحتضنها: ما هذا؟ نسيتِ أن حرارتك عالية؟

قالت وهي تقبِّله: عرفت بنفسك أنها راحت؟

وضع يده على رأسها وكتفيها وهما يتجهان نحو الأريكة القش في أقصى الحديقة: هذا اسمه تهور يا ابنتي، تعلمين أننا سنسافر غدًا وأنت في أشد الحاجة للنوم. قالت ضاحكة وهي تضغط على يديه: أولًا أنا فتحت عيني ووجدت ماما نائمة ولم أجدك في أي مكان.

قال وهو يمر بكفه على كفها: وثانيًا؟

قالت: لأن الكابوس رجع، تصور يا بابا، نفس الكابوس. قال وهو يتحسس رأسها: وهذا يؤكد أن الحرارة كانت مرتفعة، ألم يكشف عم صادق على اللوز؟ هتفت محتجة: اللوز بريئة من ذنب الكابوس، لقد جاءت وذهبت، أما الكابوس فيتردد عليَّ لثالث مرة.

تجهم وجه محمود وقلَّب بصره في أرجاء الحديقة: سيختفي يا حبيبتي تمامًا عندما نرجع لمصر.

قالت مصححة: بل عندما يدوس البلدوزر على هذا البيت الذي وقع على رأسي وأنقذتني من تحت أنقاضه.

قال وقد ازداد شروده: أنا؟ من قال لكِ هذا؟

صاحت منتصرة: ماما، ماما حكت لي كل شيء، الفندق والكافيتيريا وصالة الديسكو، كل شيء، أريد أن أتعلم الرقص يا بابا، قلت لك أريد أن أتعلم الباليه.

وقامت تطوح ذراعيها وساقيها على بقايا العشب، بدت له كجنية صغيرة خرجت من الكهف المسحور وراحت ترفرف مع البجعات المجنحة، وتذكر أنه شرح لها القصة أمام التلفاز وسمعها تعبر عن نفس الرغبة في تعلم الباليه، ولا يدري لماذا تراءت له في نفس اللحظة صورة أبيه وهو يدخل من باب الحديقة وكأنه يفتش في جنباتها عن مكانه في صدر الجلسة العائلية. أخذ يهيم هنا وهناك وصورته تتغير مع اقترابه وبُعده: مرة في شكل سائح يرتدي بذلة جينز، وأخرى في شكل إخناتون الضامر الوجه المنتفخ الكرش خارجًا من بين خرائب تل العمارنة وفي يده عنخ علامة الحياة، وثالثة في زي بدوي يلبس الغترة والعقال ويقلب سبحة طويلة في يده. نهض على الفور من جلسته وأمسك بيدها وهو يقول: تعالي يا حبيبتي، يجب أن نصعد الآن ونبعد عن كل الكوابيس. وعندما دخلا من باب البيت ووضع يده على حافة الترابزين الخشبي قال لها وهو يساعدها على الصعود: سنصحو مبكرين ولا بد أن ننام. ثم وهو يتحسس موضع قدميه في الظلام المنتشر في بئر السلم: ربما تكون آخر مرة نقف فيها في هذه الحديقة. هتفت نورة: ونخرج من هذه الحديقة؟ هذه المقبرة؟ ضغط يدها وهو يقول: هذه المقبرة فيها عرق أهلك وأجدادك ودموعهم، هيا يا حبيبتي، ربما تكون آخر مرة. هتفت وهي تلتصق به في صوت لم يدرِ هل ينم على الشفقة أم الرعب أم المكر: صحيح يا بابا؟ ونتخلص من الكابوس؟!

٩

– أبي، يا أبي، يا أبي!

انتفض في فراشه فجأة وزلزال خفي يرج جسده وسريره وجدران غرفة النوم حتى خشي أن يقع البيت العجوز المقوس الظهر على رأسه. كانت آثار الارتجاج لا تزال حاضرة في اختلاج شفتَيه المرتعشتَين وعينَيه وخفقات قلبه المتلاحقة والرؤى المفزعة التي طفقت تحوم حول وجهه وتكاد تصدم رأسه وشعره المضطرب وأعضاءه المرتجفة كالخفافيش السوداء المذعورة. فتح عينَيه على اتساعهما وأغمضهما أكثر من مرة، وضم كفَّيه على وجهه وأخذ يقرأ الشهادتين ويستعيذ بالرحمن من الشيطان، وبقيت الاستغاثة التي أطلقها تدوي في سمعه: أبي، يا أبي، يا أبي. تلتف حوله فلم يجد أحدًا إلى جواره. أنيسة صحت كعادتها مبكرة، ونورة التي تملأ البيت جلبة وضحكًا وصياحًا لم يسمع لها صوت. ما الذي حدث؟ هل خرجتا من البيت لقضاء حاجة ملحة؟ هل ذهبتا فجأة إلى المستشفى؟ هل نزلتا إلى الحديقة؟ أيمكن أن تلقيا نظرة على الخرابة كما سمتها أنيسة، أو المقبرة كما وصفتها نورة قبل أن يصعدا السلم في الليلة الماضية، ربما لآخر مرة كما قال لها وهو يضمها ويشدها إلى صدره؟

وبدأت الصور تتوافد عليه. إنه الكابوس الذي كلمته عنه نورة أكثر من مرة، أعدته الجنية الحبيبة فتغلغل فيه وأطلق عليه وحوشه وبومه وغربانه، والوحوش والبوم والغربان تدور في فراغ رأسه المظلم المتعب، وترفرف وتحوم أمامه كما رآها في الكابوس تمامًا، لكن ما أكثر وجوهها القبيحة وما أفظع أجنحتها المخيفة التي يرتفع طنينها في سمعه كجيوش بربرية تهجم على مدينة قديمة ولا تتركها حتى تحرقها وتسحقها وتذبح أهلها عن آخرهم! وعاد يضم رأسه بين كفيه ويتطلع في وجه أبيه الذي يناديه ويضيء وجهه كالبدر وسط سماء تراكمت السحب كالقطعان الهائجة على صفحتها.

أسند ظهره إلى ظهر السرير وأحكم وضع المخدة وراء ظهره، كانت أول صور الكابوس محتفظة بحيويتها ورعبها وحلكة سوادها: رأى نفسه على حافة بئر سحيقة محفورة في بئر السلم، وهو ينحني عليها بجذعه كله ويدلي رأسه في داخلها كأنه يسقط فيها دلوًا يريد أن يملأه بالماء ليروي ظمأه ويبلل جوفه وفمه اللذين أحرقهما الجفاف، وها هو يرى وجه أبيه الذي يضيء جوف البئر كشمس صغيرة فوق سطح ماء راكد، والوجه يطفو ويغطس وإن كان الصوت يستغيث بلا انقطاع: يا ولدي، أخرجني من هذا البئر.

– سأحاول يا أبي، انتظر، انتظر.

مد ذراعه بطولها فلم تصل إلا إلى الحافة، وأخذ يحني جذعه ويدلي ذراعه لعل يده تلامس يد الأب المستغيث، لكن اليد كانت تبتعد، والشمس الصغيرة تطفو وتغطس في لجج من السحب التي تزداد كثافة والزوابع التي تتجمع وتهب مطاردة لها، صاح به انتظر يا أبي، سأبحث عن حبل، انتظر!

هتف به الصوت الغاضب الذي تلفَّع في عباءة سحابة بشعة القسمات: بل انتظر أنت! من الذي نقلني من قبري إلى هنا؟ من رماني وسط الطين والظلام والأنقاض والأشواك والأعشاب والأوراق الجافة؟ قلت لك من؟

أنزل رأسه في فوهة البئر بقدر ما استطاع، أراد أن يعزيه عن فشله في الوصول إليه فزعق وردد البئر الأصداء المجوفة: لا تبتئس يا أبي، نحن مثلك في الطين والفوضى والظلام، العالم كله يا أبي، سأله الصوت الغاضب وقد ارتفعت درجة حدته حتى اقترب من الزئير أو الهدير أو الخوار الجريح: أهكذا تفعلون بآبائكم؟ أهذا تهيلون عليهم التراب والحجار؟ قال له وهو يكتم سخرية كادت تصبح ضحكة: نحن في عصر اغتيال الآباء يا أبي.

– ومن أنت حتى تخاطبني بأبي؟

– أنا ابنك يا أبي، ابنك محمود.

سأل الصوت مستنكرًا كأنه يخرج الكلمات من تنور مشتعل: ماذا؟ وأين إخوتك؟ أين عباس وحامد ومصطفى وفاطمة وخديجة؟ لماذا لم يحضروا لاجتماع شمل العائلة في الحديقة؟

ردد محمود كالغائب عن الوعي وهو يناجي نفسه: الحديقة صارت خرابة، والعائلة تفرَّق شملها يا أبي، واحد في القبر وواحد في التيه وواجد يزحف من الغربة ومعه الأرانب التي تلتهم الخضرة.

– لا أفهم شيئًا مما تقول، وصوتك منخفض لا يُسمع، لم تقل لي من أنت؟

– قلت لك محمود يا أبي، ابنك محمود.

– هل كان لي ابن بهذا الاسم؟ أين ذهب إخوتك وأخواتك؟

– عباس توفى بعدك بشهور، وحامد غائب في الملكوت، ومصطفى … ضحك الأب وتصاعدت ضحكاته من جوف البئر كأصداء منبعثة من بوق قديم: الوحش؟! هل ما زال وحشًا كما كان؟

– بل غول يا أبي، وسيحضر قريبًا وعليه عباءة قارون الذهبية.

– غول وقارون؟ قل لي أولًا من أنت؟!

رفع رأسه عن البئر وأخذ يلوح بذراعيه ويديه في الهواء كأنه يقف أمام حشد هائل من الطلاب في أحد المدرجات الواسعة: أنا يا أبي ابنك محمود الذي سافر إلى الخارج …

قاطعه صوت الأب الذي يبدو أنه بدأ يتذكر: سافر وعدَّى البحر، أليس كذلك؟ قال حامد منتشيًا برجوع الذاكرة إلى أبيه وكان قد سمع من إخوته أنه فقدها قبل وفاته: نعم يا أبي، محمود الذي عدَّى البحر.

قال أبوه كالمعتذر عن غلطة قديمة: نعم يا ولدي، كنت قد نسيتك تمامًا، وعندما كان إخوتك يذكرونني بك كنت أسميك ابننا الذي عدَّى البحر المالح، ورجعت يا ولدي إلى البيت والحديقة ومعك الكتب والعلوم.

قال محمود معتذرًا عن غلطة أكبر: رجعت ومعي حطام دول ومدن وحضارات مندثرة، رجعت وعشت في العاصمة أعلم وأتعلم.

كان من الواضح أن أباه لم يفهم شيئًا ولم يحاول أن يستوضحه عن شيء؛ لذلك عاد يسأل مرة أخرى: والبيت والحديقة يا ولدي، هل رجعت إليهما؟

قال محمود محاولًا أن يطمئنه: رجعت كثيرًا يا أبي، في كل مناسبة هامة كنت أفتح البيت الذي آل إليَّ من تركتك، ثم أعود في الصباح إلى عملي وعائلتي في … قال في غضب: وعائلتك التي هنا؟ لماذا لا ترجع إلى الأصل؟ لماذا لا تفتح البيت وتزرع الحديقة؟

سمع محمود دقات خفيفة على الباب فأسرع يقول لأبيه قبل أن تختفي صورته من عمق البئر: رجعت يا أبي، أمس رجعت إلى الأصل وفي نيتي … انفتح الباب وواربته يد بيضاء طويلة الأصابع لحظات قبل أن يطل عليه وجه زوجته أنيسة ويصله صوتها الممدود ببحته المحبوبة: صح النوم. كانت حبال الصور والكلمات تتداعى عليه وتلتف حوله كأنها سياط عاتية تلطم وجهه وعقله وذاكرته، فأسرع يهتف بأبيه: رجعت يا أبي، لكن الناموسة لدغت ابنتي ولا بد أن أسافر اليوم، نعم، نعم، لا بد من السفر اليوم.

دخلت أنيسة عليه وعلى وجهها الأبيض المستدير أمارات القلق المعتادة. اقتربت منه وهو يتلفظ بالكلمات الأخيرة كأنه يقدم كشف الحساب لدائن مجهول. قالت باسمة: صح النوم، نسيت نفسك كالعادة، ومع ذلك تقول لا بد من السفر اليوم. سألها محمود وهو يحييها تحية الصباح ويهز رأسه ليبعد الصور التي التصقت به: هل سمعتني أقول هذا؟

قالت ضاحكة وهي تستعجله أن يرتدي ملابسه: وتقول يا أبي، يا أبي، والناموسة.

أدار محمود وجهه نحو الضوء الباهر الذي انسكب من النافذة بعد أن شدت أنيسة ستارتها القطيفة الخضراء: حلم غريب يا أنيسة، كابوس، كم الساعة الآن؟

قالت أنيسة وهي تفتح دولاب الملابس وتخرج منها بذلته الصيفية الرمادية التي يحبها: حتى المؤذن لصلاة الجمعة فشل في أن يوقظك، هل نسيت أننا …

قال محمود متأوهًا: لا لم أنسَ، يا إلهي!

قالت أنيسة: حاولنا معك كثيرًا، ونورة دقت الباب وفتحته أكثر من مرة، هيا شطف نفسك، الماء موجود لحسن الحظ، ونورة … قال في لهفة وهو يشد نفسه من الفراش: ما لها؟ هل حرارتها …

قالت أنيسة تطمئنه: درجة ونصف فقط، أعطيتها الدواء، المشوار أمامنا طويل. تمتم في قلق وهو يخفض رأسه إلى الأرض وكأنه يسلط عينَيه داخل البئر: حالًا، حالًا. ثم وهو يرفع رأسه عنوة ويحدق في الضوء الساطع الذي غمر الغرفة وطارد كل الغربان والخفافيش والبوم التي حوَّمت طول الليل في رأسه وبقيت تطن حول أذنيه: ولا بد من المرور على محطة البنزين.

قالت زوجته ضاحكة: وماذا أيضًا؟

– هل وضعت الكتب التي على المكتب في الحقيبة؟

قالت ضاحكة: كلها كما كانت، رجع الجمل بما حمل.

ودخلت نورة وهي تقول ضاحكة: وأنا رصصتها بنفسي يا بابا، سقوط قرطاج والعالم القديم والمدن الغارقة.

قال وهو يقرصها في خدها ويقبلها على جبينها ويلاحظ فرط شحوبها وارتفاع حرارتها: قلت لك أكثر من مرة: المدن المحترقة!

ثم لنفسه وهو يتجه إلى الحمام وصور الكابوس تتقافز حوله: ولا بد من زيارة أبي وأمي وإخوتي.

١٠

بصعوبة حشرت أنيسة جسدها السمين في المقعد الخلفي للسيارة الرمادية الصغيرة التي كانت تسميها الخنفسة المعدنية، وتبعتها نورة التي انزلقت وراءها وانزوت في الركن الأيمن من عش الصفيح كما كانت تفضل تسميتها، وبصعوبة أشد حاول الدكتور محمود أن يحافظ على توازنه على الرغم من حرمانه من قهوة الصباح المعتبرة من يد زوجته. جلس أمام عجلة القيادة وأخذ يحدق لحظات في العجوز الطويل المقوس الظهر، وتعجب كيف خطر له أن يناديه ليلة الأمس في ضوء القمر ببيت الأحلام والأحزان والذكريات والقصائد الأولى، ومسحت نظراته المسرعة أرض الحديقة وسورها المتهدم في أكثر من موضع، وتعجب أكثر لأنه لم يفكر حتى في البحث عن بستاني يبعث الحياة في جسدها المتيبس الذي امتلأ بالحفر وتشقق جلده من الظمأ والإهمال، وتعمد أن يشيح بوجهه بعيدًا حتى لا يصدمه منظر الغراب الذي استقبله عند وصوله بالنعيب ويصر الآن على أن يودعه بالنعيب، وخشي أن تنهال عليه صور الكابوس الذي لم يفق منه تمامًا، فسحب الكابح وأدار المفتاح وتأكد له من مؤشر البنزين أن الخنفسة المعدنية لن تصبر على العطش أكثر مما صبرت.

انطلق على الطريق المسفلت الذي لمسته بركات الانفتاح. المزلقان العتيق سُويت أرضيته ورُكبت عليه حواجز جديدة بألوان حمراء صارخة، ومحطة السكة الحديد والسنترال طالهما التجديد أيضًا، وحظي الطِّوار بقطع البلاط الصغيرة المزدهية ببهجة الزهور، والمباني القائمة والفيلل الجديدة تشهد بأن المال يتدفق من كل المنابع المعلومة والمجهولة، تنهد وعينه على السكة وتابع اتهامه لنفسه: كل شيء يتغير، وأنت في كوابيسك من كل الأعماق والأزمان! ونبهه صوت أنيسة إلى محطة البنزين التي لاحت جدرانها المكسوة بالقيشاني الأخضر وأبوابها الزجاجية الناصعة وتركيباتها وعداداتها المتناثرة أمامها كتماثيل خدم مهذبين. وقف في المجرى المحدد له ونزل من السيارة ليدل العامل الأسمر الطويل على فتحة البنزين والكمية التي يريدها، وحانت منه التفاتة إلى المبنى الزجاجي والمكتب الفخم الذي يجلس إليه في الداخل رجل سمين محمر الشعر والوجه بشكل لا تخطئه العين، وانشغل بالعامل والخرطوم ودفع الحساب حتى فوجئ بيد شديدة البياض والاحمرار تمسكه من ذراعه ثم تهز كتفه، وضحكة رنانة تسبق العناق الذي لم يتهيأ لضغطه الشديد على صدره: دكتور محمود هنا في البلد ولا حس ولا خبر. التفت إلى الوجه المحمر وأسعفته البديهة التي يشكو دائمًا من عدم حضورها في الوقت المناسب، فهتف وهو يقبل الوجه ويضم الصدر إليه: زاهر، أحمد زاهر! والله ابن حلال!

قال الرجل وهو يشدد قبضته على يده: كدت والله ألعب معك «صلح» وأغلبك كما كنا نفعل في حوش المدرسة!

– ومع ذلك كنت أغششك في حصة العربي والإنجليزي.

ضحك الوجه المحمر حتى ابتلت عيناه الزرقاوان كعيون القطط المدللة: مقابل تغشيشك في الحساب، هل نسي المؤرخ العظيم مواهب جاره المستديم في الدرج والفصل؟ اليوم لنا، حلفت بالله وبرحمة والدي ووالدك، لا تحاول أبدًا، مستحيل.

قال محمود وهو يشير معتذرًا إلى زوجته وابنته المشدوهتين وراء زجاج النافذة في السيارة الصغيرة: لا أستطيع هذه المرة، وراءنا تحليلات عاجلة، ولا بد أن نلحق المعمل والطبيب.

أسرع زاهر إلى السيارة وحيَّى الزوجة والابنة وهو يقول لمحمود الذي لم يترك يده: والأسرة هنا أيضًا؟ هذا أدعى لأن تقضوا عندنا يومين. ثم لزوجته التي فتحت الباب الخلفي وسلمت بابتسامة عريضة: نحو أخوان يا مدام، أربع سنوات ابتدائي كالتوائم، هل يرضيك أن يحرمني من رؤيته بعد العمر الطويل؟ هذا والله حلم، على فكرة محمود كان دائمًا يحلم يا مدام. قالت أنيسة وهي تضحك: وما زال يا أستاذ.

رد زاهر وهو يربت على كتفَي صديق الطفولة: أريد أن أعرف فيمَ يحلم هذه الأيام، هل قال لك إن الشيخ عمارة مدرس العربي في أول حصة لنا بالمدرسة رآه يحلم فظنه نائمًا وصرخ فيه مع ضربة شديدة على طربوشه أن يخرج بسرعة ليغسل وجهه وشعره بالماء.

قال محمود: إلا هذه، لم أقلها! يكفيها أن تلاحظها كل يوم. قال زاهر فجأة: أعلم أن المشروع كالحلم، البلد كله يتحدث عنه، مشروع ناجح مائة في المائة، أنا مستعد وتحت أمركم، قلت هذا للأستاذ سمير والأستاذ قنديل، ذكِّريه يا مدام بأن زاهر أخوه هنا في البلد، ومستعد من جنيه لمليون.

قال محمود ضاحكًا: تقصد لأرنب كما يقولون؟

رد زاهر بسعادة غامرة: قل أرانب! كله من فضل الله، لا تنظر للبنزينة، عندي المضرب ومصنع الزيوت والصابون ومزرعة الدواجن وبساتين الموالح والتفاح وحظيرة المواشي، بفضل الله أساهم في أي مشروع.

قالت أنيسة: قل له يا زاهر بيه، إنه حزين على البيت والحديقة.

قال زاهر مستنكرًا: عندنا بدل البيت ألف، يمكننا أن نفكر في مشروع مدرسة لغات على أحدث طراز ويشرف عليها بنفسه.

سأل محمود محذرًا: ويدخلها الأيتام وأولاد الفقراء؟

قال زاهر وهو يغمض عينيه بخشوع: كلنا فقراء إلى الله يا محمود، كله من فضله وكرمه. كرر محمود مداعبًا: والحديقة؟!

أكد زاهر وكأنه يحلف على المصحف: قلت لك من جنيه لمليون، إن شاء الله نعمل فيها مدينة دزني على قدنا والتذاكر بالشيء الفلاني. ثم استطرد بعد أن رأى محمود فاغرًا فاه من الدهشة: ونعمل يا سيدي فيها ركنًا للشعراء والعلماء من أمثالك، كله محسوب حسابه. أشارت أنيسة إلى زوجها من طرف خفي وهي تخبط على ساعة يدها. صافح محمود زميل الطفولة وهو يقول: لولا مرض نورة لقبلنا دعوتك، إن شاء الله تتعوض.

هتف زاهر بعد أن ثبت عينيه الكليلتين في زجاج السيارة وكأنه نسي أنه صافح نورة: ومعك العروسة ولا تقول. ثم وهو يمد يده من الزجاج المفتوح ويصافحها وهي منكمشة كالقطة الخائفة في ركن المقعد الخلفي: العريس عندي، آي والله، طارق آخر العنقود، ولد مودرن على كيفك، ويحافظ على الفرض أيضًا، إن شاء الله يتخصص في إدارة الأعمال وتكوني معنا على طول، هذه هي الطريقة الوحيدة ليتذكر أبوك أحبابه.

ضحك محمود وأنيسة واعتذرا آسفين عن عدم انتظارهما الواجب الذي ألح زاهر عليه، تصافح الجميع بحرارة، وقطع زاهر طقوس السلام والتوديع لحظات عندما رفع يديه ليتلو الشهادة ثم يمر بهما على وجنتيه مسبحًا ومستغفرًا بصوت عالٍ، كانت هناك جنازة على الطريق إلى المقبرة، والنعش الذي يحمله على الأكتاف شابان نحيلان بقمصان بيضاء يظهر غطاؤه الأخضر وشال أخضر ملفوف حول العمود الخشبي البارز في مقدمته، وبعد أن مر موكب المعزين وفرغا من قراءة الفاتحة تصافحوا مرة أخرى، وانحنت أنيسة لتدخل من باب السيارة فسارع زاهر قائلًا: لا تنسي يا مدام، فالنسيان والسرحان معروف عن محمود، فكريه أن زاهر أخوه وأنه دائمًا تحت أمره، مع السلامة، مع السلامة.

تمتم محمود بكلمات الشكر التي لم يستطع التلفظ بها بصوت مسموع، كانت الجنازة قد نبهته لنداء الواجب الذي كاد أن يسقط في بئر النسيان والكوابيس والمشروعات والأحزان الذي تعود ألا يخرج منه إلا ليقع فيه، وقبل أن يستقر أمام عجلة القيادة طفت فوق حافة البئر صورة وجه قديم فسأل صديقه وهو يفتح زجاج الباب الأمامي: سراج، هل تذكر سراج يا زاهر؟ صديقنا الذي كان يبلع الحبر باستمرار!

ضحك زاهر قائلًا: عقبى لك يا حبيبي، هو الآن يبلع مال النبي!

ثم همسًا وهو يدخل وجهه من النافذة: الأرانب تقفز عليه وحوله، وربك فتح عليه بالحلال والحرام، لا تخف عليه كما كنت تفعل دائمًا، هو الآن حوت يسبح في الممنوع.

لم يضحك محمود كما كان يتوقع، تذكر صورة ابن الذوات الجميل الذي كان يحبه ويؤثره على غيره من صبية الفصل على الرغم من شعوره بأنه ليس ابن باشوات مثله، وحدق في الطريق فوجد آخر المعزين يميلون إلى طريق جانبي ويختفون عن نظره، قال لنفسه وهو يلقي نظرة على سور المقبرة ويحيي زاهر على وعد باللقاء: هل يمكن أن أنساكم للمرة الثانية؟

١١

بعد مسافة قصيرة ركن السيارة على اليسار تحت شحرة صفصاف تظل كوخًا وزاوية صغيرة مفروشة بحصيرة نظيفة على حافة الترعة، كان قد حدد الطريق الضيق الذي انعطف منه آخر المعزين في الجنازة، فنزل من السيارة وهو يقول لزوجته: لن أغيب، سأقرأ الفاتحة وأرجع بسرعة، خمس دقائق فقط.

ومشى خطوات قليلة قبل أن يلمح المعزين المصطفين في صفين متقابلين لتقبل العزاء بعد إتمام الدفن، وتعمَّد أن يطرق برأسه وهو يشدُّ ساقيه بأسرع ما يستطيع لكي لا يوقفه أحد، وحمد الله لأن أحدًا لم يعرفه وإن كانت بعض الوجوه قد تطلعت إليه مستفسرة، وجرت نظراته على المدافن والأضرحة والأحواش التي لاحظ عليها آثار العناية والتنسيق وبدا بعضها فخمًا بصورة مبالغ فيها، لا بد أن هذا توسع حديث في المقبرة القديمة التي اكتظت بساكنيها. ولمح ثلاثة صبية عميان يهرعون بجلابيبهم البيضاء والعمائم الواسعة على رءوسهم وهم يندفعون ناحية اليسار حيث الضريح الضخم الذي انبعثت منه أصوات التلاوة والتكبير، وبدا أكثر من فقيه وتربيٍّ منهمكين في تسوية القبر المفتوح والقراءة على الميت، وقبل أن يتأكد من أنه أخطأ الطريق إلى مدفن العائلة طرق سمعه صوت ينادي اسمه وهو يضغط على اللقب العلمي الذي بدا غريبًا مثله في هذا المكان، تلفَّت وراءه وهو يحس أن مشاعر الغضب والخجل التي لا بد أنها قد كست ملامح وجهه لم تفلح في إسكات الصوت اللحوح المندفع بغير مسوغ، ولم يترك له صاحب الصوت المقلق فرصة للتعرف بنفسه على الشخص الطويل النحيل الذي اقترب منه في حماس تسبقه يده الممدودة لمصافحته بقوة: دكتور، هل جئت تزور أحدًا؟

توقف محمود حائرًا أمام الجسد الطويل المندفع نحوه، وزادت من حيرته رهبة المكان وسحب الغبار والأصوات المرتلة ورنات البكاء الصامت المنفجر بين الحين والحين في شهقات متوالية، وقبل أن يجيب على الصوت والوجه الذي يطل عليه من أعلى أو يتعرف على صاحبه سمعه يقول: إنه والد زميلنا أستاذ العربي، رجل صالح ميسور، بنى هذا الضريح على مزاجه ولم يبخل عليه، الواحد منا يا دكتور يتمنى أن يعيش فيه طول العمر، أنا شخصيًّا أتعهد لأصحابه أن أتركه مباشرةً بعد طلوع الروح، ويمكنهم بعد ذلك أن يرموني في مقابر الصدقة! سأل محمود وقد بدأ يتذكر الشبح الطويل الذي وقف معه في ضوء القمر وفوق أكوام الحجارة والزلط وشكائر الأسمنت وأسياخ الحديد خلف البيت العجوز. ولم يجد ما يقوله فاستطرد معلم المواد الاجتماعية بصوت أجبره المكان وتجهم وجه المؤرخ على الاحتشام: بيني وبينك يا أستاذنا، الحياة في أحواش الأغنياء ولا الموت في مقابرنا، هذه المقبرة الجديدة تثبت طبقية الموت.

تغاضى محمود عن النكتة الفجة ثم قفز فوق جثتها وهو يسأل مستنكرًا: هل قلت المقبرة الجديدة؟

قال المعلم وهو يشير بذراعيه إلى الأضرحة الفخمة والدروب النظيفة المرشوشة بالرمل وشجيرات النخيل المتناثرة وأصص الورد والريحان والصبار الموضوعة أمام الشواهد: بالطبع، هل تزور أحدًا من الطبقة الجديدة؟

ازداد تجهم وجه محمود وجمجم بكلمات مبتورة وهو يصافح المعلم مستأذنًا ومهرولًا على الطريق الذي أتى منه، لم يعد لديه شك في أنه أخطأ الطريق وعليه أن يسرع قبل أن تهجم شمس الظهيرة، وسرت في أعضائه رجفة الخجل والضيق والاشمئزاز من ضياع الوقت والذاكرة والطريق فوجد نفسه في لحظات أمام السيارة القابعة في هدوء على الناحية الأخرى، وتوقف لحظة وهو يحس أن نظرات أنيسة تتابعه وجزم بأنها تبتسم الآن سخرية وشماتة، إنه لا يعرف أين تكون المقبرة القديمة التي يثوى فيها مدفن العائلة، إلى اليمين أم اليسار؟ وما العمل إذا فقد الطريق مرة أخرى وأخذ يتخبط بين الترب القديمة المتآكلة الجدران؟ وهل يجد في هذه الساعة التي تسبق صلاة الجمعة من يسأله عن مدفن عائلته والحارس — إن كان للمقبرة حارس — غائب عنها ولا يدري كيف يعثر عليه؟ تغير كل شيء يا محمود وبقى الثابت هو نسيانك وغربتك في مقابر التاريخ، لعنة الله على التخلف في الموت وفي الحياة! ألم يفكر أحد في وضع دليل للمقبرة يتسلمه الزائر قبل الدخول من بوابة «ساحة السلام» التي كان يحلو له أن يقضي فيها ساعات من إجازة نهاية الأسبوع أثناء دراسته؟ وكاد يضحك من عبطه فرفع يديه وضمهما أمام وجهه، وواجه سور المقبرة الجديدة وهو يقرأ الفاتحة على أرواح أمه وأبيه وإخوته وأخواته وأرواح المسلمين، ولم يدرِ لماذا خطر على باله بيت الشعر القديم قبل أن يعبر الشارع إلى حيث تقف سيارته:

فدعني فهذا كله قبر مالك.

فتح باب السيارة وما زالت شفتاه تهتزان بالدعوات، وتحرك الموتور بعد أن أطلق من جوفه تأوهات غاضبة كزمجرة وحش يحاول أن يخلص جسده المتألم من شرك وقع فيه، وعندما سألته أنيسة: قرأت الفاتحة؟ رد عليها وهو يعلم أنه لا يصدق ولا يكذب: الحمد لله.

شد جسده وصدره وركز بصره على الطريق بعد أن أحس بالخجل والغضب والندم كالنوافير الدامية تمور في دماغه وتنثر البقع السوداء أمام عينيه، وبدأ الكابوس يتراءى له من جديد كحوت ضخم يظهر فوق الماء وينفض الأمواج المتكسرة والأسماك الصغيرة في كل مرة يطفو فيها على السطح قبل أن يغطس مرة أخرى، وأخذ يفتح أذنَيه لثرثرة أنيسة ونورة ولا يرد عليها إلا بأقل القليل من الكلمات العابرة أو هزة الرأس: تعرف أن صاحبك زاهر رجل لطيف؟

– طبعًا طبعًا.

– رجل مسعد بصحيح.

– آه.

– وهو يحبك ويفتح أبواب السعد في وجوهنا.

– ادخلي أنت واتركيني في حالي.

– طبعًا سأدخل، هل تظن أنني درست إدارة أعمال لأربي أولادك فقط؟

– هذه أيضًا إدارة أعمال.

– لا يا عم، لازم الواحد يفكر في نفسه.

– وفي خالد ونورة أيضًا.

– خالد حمله خفيف، كلها أربع سنوات ويتخرج من الكلية، ونورة …

هتفت نورة متأففة: الدنيا حر يا بابا.

قال محمود وهو يلتفت إليها: ساعتين بالكثير ونصل إن شاء الله، وأسرعت أنيسة تقول: خلي بالك أنت من السكة، نورة طول عمرها حظها في رجليها.

سألت نورة: حظي في رجلي يا ماما؟ كلام يضحك.

قالت أنيسة وهي تحتضنها: لا هو كلام ولا يضحك، عريسك طارق في انتظارك وهو ابن صاحب بابا، المهم ربنا ياخد بيدك وتشدي حيلك.

استمرت الثرثرة المريحة ولم يجد ضرورة للانتباه إليها. كان الحوت قد طفا فجأة على سطح الماء الذي سكنت فوقه الأمواج كأن لم توجد ولم تضطرب أبدًا، وبدا له أبوه واقفًا فوق ظهره بجسده الممتلئ ووجهه الأبيض المستدير وهو يلوِّح بذراعيه ويثبِّت فيه عينَيه البراقتين كأنور سفينة بعيدة تلمع وتختفي، تعجب كيف خرج من قاع البئر تحت البيت العجوز، وكيف استطاع أن يعبر المسافات ويلاحقه، ولكنه أكد لنفسه أن الكابوس في داخله وما زالت خفافيشه ترفرف حوله وأمام عينيه وتكاد تسد عليه منافذ الأفق، لا شك أن أباه لم يقل كل شيء، ولا هو أيضًا استطاع أن يفضي إليه بكل شيء، فتح أبوه فمه ولكن أنيسة قاطعته عندما حذرت محمود قائلة: خذ بالك، الترعة على شمالك، ونحن لا نعرف العوم.

وكذلك حذرته نورة التي قالت ضاحكة: ولا نريد أن نغرق مثل مدنك الغارقة.

ضحك محمود وصاح مداعبًا: إلى متى أقول لك المحترقة؟!

وعاد يركز على الطريق الضيق ويطارد البقع التي تتطاير أمام بصره كأسراب الطيور المخيفة التي رآها في فيلم لا ينساه، وانساب الحوار بينه وبين أبيه الذي ثبت فوق ظهر الحوت كتمثال بحَّار فينيقي قديم: لم تزرع الحديقة يا محمود.

– وسط الخرائب يا أبي؟

– كل الحدائق كانت خرابًا، ألم يجتمع فيه شمل العائلة؟

– تفرق القطيع يا أبي، والراعي …

– الراعي أهمل يا ولدي أو غاب.

أراد محمود أن يشرح له الأمر بالتفصيل ويعترف له بأن الشيخ حامد أو مصطفى ربما يكونان أصلح منه لحمل عصا الراعي، وتمنَّى لو يكشف له قلبه ليطلع على حيرته وتعاسته، لكن الأب رفع صوته الذي اخترق أذنَيه بأوامره الصارمة في نفس الوقت الذي وصلت إليه صرخة أنيسة ونورة معًا: حاسب! حاسب يا بابا!

كان صوت أبيه يتدفق في أذنَيه: ازرع حديقتي! كن أنت الراعي! بينما كان مقدم السيارة يصطدم بعنف بعربة كارو كبيرة قادمة من الاتجاه المقابل ويجرها حصان بدا له في اللحظة الأخيرة عجوزًا ضامرًا بارز العظام، واستطاع أن يدوس الكابح في الوقت الذي ارتفعت فيه صيحات السائق الذي قذفت به الصدمة على الأرض ومعه ألواح خشبية حقق فيها بصره بعد ذلك، وتبين أنها جذوع أشجار مقطوعة. هبط مسرعًا من السيارة وجرى نحو سائق العربة ليطمئن عليه، وقبل أن يمد إليه ذراعه كان الشاب الأعجف الوجه والجسد كحصانه قد نهض وهو يضع يده على ظهره ويحدق في الأرض ليتأكد أن الدم لم يختلط بالتراب، أسنده محمود من كتفيه ودعا له بالسلامة: الحمد لله، جاءت سليمة. تخلص الشاب منه ووقف أمامه وهو يتأمله ويقلب عينَيه بينه وبين العربة والجذوع المتساقطة على الأرض، وتأوه قليلًا وهو يدعك ظهره بيديه ويرفع الجذوع من على الأرض ليضعها بالترتيب السابق على سطح العربة، قال محمود الذي غاب الدم عن وجهه: الحمد لله أنك بخير، الحصان أيضًا بخير، هل تحب أن …

قال الشاب الذي كتم غيظه عندما رأى الشعر الأبيض والنظارة المظللة الزجاج التي تطل منها عينان مفعمتان بالتعب والأرق والحنان: ربك هو الستار، يظهر حضرتك غريب عن هنا، قال محمود وهو يخرج حافظة نقوده من جيبه ويفتحها: وأنت أيضًا؟ أرجوك تقبل …

رد الشاب يد محمود وقال وهو يربت على رقبة الحصان وبطنه: العوض من الله يا بيه، المهم الحصان بخير.

قال محمود وهو يقدم له عدة أوراق خضراء: أرجوك يا ابني، ربما تحتاج لعلاج، هل هنا مستشفى أو إسعاف؟

قال الشاب مبتسمًا وهو يصعد فوق العربة ويمسك اللجام: الشافي هو الله يا حضرة، سليمة والحمد لله.

وانطلقت العربة بالشاب الذي لم يتلفت وراءه، كان من الواضح أنه يركز على الطريق ولا يرى أمامه بقعًا سوداء ولا أسراب طيور مذعورة تحوم فوق حوت يقف على ظهره بحَّار قديم، وكانت أنيسة ونورة قد هزتهما الصدمة فلزتما الصمت التام، دخل من باب السيارة الذي كان لا يزال مفتوحًا ولم يجد في نفسه القدرة على الكلام، وهز رأسه وهو يتحسر على القهوة المعتبرة ويقول لنفسه: آه! ما أنا إلا جذع مقطوع!

وعندما اتخذ مجلسه أمام عجلة القيادة كانت الأصداء البعيدة تتردد خافتة من بعيد: ازرع حديقتك! اجمع شمل العائلة! وصورة البحار الفينيقي الواقف على ظهر الحوت تتحول في لحظات إلى صورة راعٍ في يده عصا طويلة وملك مكتئب يقدم له علامة الحياة وسائح أشقر الشعر في بدلة جينز وسمسار عريض الوجه ينادي على المزاد، كانوا يضحكون ويشيرون إليه، لكنه صمم أن يركز بصره وذهنه على الطريق الطويل الممتد أمامه.

الكويت، يونيو ١٩٩٥م

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠