الفصل الخامس

تأثير العلاج الوهمي

على الرغم من جميع المخاطر التي ينطوي عليها الطب المكمِّل والبديل، تتمثَّل خيبة الأمل الكبرى بالنسبة إليَّ في الطريقة التي يُشَوِّهُ بها هذا النوع من الطب فَهْمَنا لأجسامنا. فمثلما تُعَدُّ نظرية الانفجار العظيم أكثر تشويقًا بكثير من قصة الخلق في سِفْر التكوين، تُعتبر القصة التي يستطيع العِلْم أن يخبرنا بها عن العالم الطبيعي أكثر تشويقًا بكثير كذلك من أي خُرافة حول أقراص سحرية ابتدعها أحد مُختَصي المعالجة المثلية. ولإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، أعرِض عليك جولةً تفقديَّة في واحدة من أكثر مجالات البحوث الطبية غرابةً وإنارةً للعقل؛ ألا وهي العلاقة بيننا وبين عقولنا، ودور المعنى في الشفاء، و«أثر العلاج الوهمي» بصورة خاصة.

مثل أعمال الدجل، لم تَعُد العلاجات الوهمية شائعة في المجال الطبي بمجرد شروع النموذج الطبي الحيوي في إخراج نتائج ملموسة. وقد دقَّ مقالٌ افتتاحي في عام ١٨٩٠ المسمارَ الأخير في نَعْشِ العلاج الوهمي، من خلال الإشارة إلى حالةٍ حَقَنَ أحدُ الأطباء فيها المريضةَ بالماء بدلًا من المورفين؛ ولمَّا تعافت المريضة تمامًا، اكتشفت الخدعة، فدخلت مع الطبيب في نزاع قضائي حول تكاليف العلاج في أروقة المحكمة، وفازت بالقضية. كان المقال بمنزلة مَرْثِيَّة؛ نظرًا لأن الأطباء كانوا يعلمون بفاعليةِ عملية الطمأنة واستخدام الأسلوب المهذَّب في التعامل مع المرضى منذ وُجِدَت مهنة الطب. وتساءلت مجلة «ميديكال برس» وقتها: «هل ستتوافر فرصة أخرى مجددًا للعلاج الوهمي كي يزاول تأثيراته النفسية المدهشة بنفس الدقة التي يزاول بها أحد مكوناته الأكثر سُمية تأثيره؟»

لحسن الحظ، استمر استخدام العلاج الوهمي. وعلى مرِّ التاريخ، جرى توثيق أثر العلاج الوهمي جيدًا في مجال الشعور بالألم، وتُعتبر بعض قصص استخدام العلاج الوهمي مُدهشةً حقًّا؛ فقد كتب هنري بيتشر، وهو طبيب تخدير أمريكي، حول إجراء عملية لجندي أصيب إصابات بالغة داخل أحد المستشفيات الميدانية في الحرب العالمية الثانية، باستخدام ماء مالح؛ نظرًا لنفاد المورفين، ولدهشة الطبيب شعر الجندي بتحسُّن. كذلك وصف بيتر باركر، وهو مبشِّر أمريكي، إجراء جراحة دون تخدير لإحدى المريضات الصينيات في منتصف القرن التاسع عشر. وبعد الانتهاء من إجراء العملية «قفزت المريضة إلى الأرض»، وانحنت، ثم غادرت الغرفة وكأنَّ شيئًا لم يحدث.

وقد أجرى تيودور كوتشر ١٦٠٠ عملية استئصال للغدَّة الدرقية دون استخدام أي مُخَدِّر في مدينة برن في تسعينيات القرن التاسع عشر، وأخلعُ قبَّعتي تحيةً لرجل يستطيع إجراء عمليات جراحية معقَّدة في العنق لمرضى لم يخضعوا إلى أيِّ تخدير. كان ميتشل في أوائل القرن العشرين يُجري عمليات بتر واستئصال ثدي كاملة، دون استخدام أي مواد مخدرة، وكان الجراحون قبل ظهور التخدير يَصِفُون عادةً كيف كان بعض المرضى لا يجدون غضاضة في مرور مِبْضَع الجراح عَبْر العضلات يقطعها، ويرون المبضع يقطع العظام، في يقظة تامة، ودون أن يَكَزُّوا على أسنانهم كَزًّا. ربما تكون أكثر صلابة مما تظن.

يمثِّل ما سبق سياقًا شائقًا تُستحضر من خلاله عمليتان متلفزتان من عام ٢٠٠٦. كانت العملية الأولى عملية ميلودرامية إلى حدٍّ ما، جرت تحت تأثير «التنويم المغناطيسي» على القناة الرابعة. وقد أشارت شركة زجزاج للإنتاج — المعروفة بإنتاج برامج مثل «مايل هاي كليب» و«ستريك بارتي» — إلى العملية المتلفَزَة قائلة: «نرغب فقط في بدء النقاش حول هذا الموضوع الطبي المهم.» وأُجريت العملية، التي لم تكن أكثر من عملية فتاق بسيطة، باستخدام عقاقير طبية، ولكن بجرعات مخفضة، وجرى التعامل معها كما لو كانت معجزةً طبية.

أُذيعت العملية المتلفَزَة الأخرى في سلسلة حلقات «الطب البديل: الأدلة»، وهو برنامج يتَّسِم بالمبالغة الهائلة يُعرض على قناة «بي بي سي ٢» وتُقَدِّمه كاثي سكايز («أستاذ الفهم العام للعلم»). كانت هذه الحلقات موضوع حملة شكاوى ناجحة على أعلى المستويات؛ نظرًا لتضليلها المشاهدين. كان المشاهدون يعتقدون أنهم يشاهدون مريضًا يُجري عملية جراحية في الصدر باستخدام إبر الوخز فقط كمادة مخدِّرة. ولكن في الحقيقة لم يكن الأمر كذلك، ومرة أخرى كان المريض قد تلقَّى عددًا من العلاجات التقليدية كي يتسنَّى إجراء العملية.١

عندما تأخذ هذه الحلقات المُضَلِّلة بعين الاعتبار جنبًا إلى جنب مع واقع الحال — من كَوْنِ هذه العمليات قد أُجريت في كثير من الأحيان «دون» موادَّ مُخدِّرَة، و«دون» علاج وهمي، و«دون» مُختَصِّين في العلاج البديل، و«دون» مُنَوِّمين مغناطيسيين، و«دون» منتجِي برامج تليفزيونية — ستبدو هذه الحلقات المتلفَزَة فجأةً أقلَّ درامية.

لكن لا تعدو هذه أكثر من كونها قصصًا، ولا يُعْتَدُّ بالقصص السماعية كبيانات حقيقية؛ فالجميع يعرف قوة العقل — سواء تمثَّل ذلك في قصص لأمهات يتحمَّلن آلامًا هائلة لتفادي وقوع البرَّاد المغلي على صغارهن، أو لأشخاص يرفعون سيارات عن أجساد صديقاتهم مثل العملاق العظيم — ولكن ابتداع تجربة تنتزع الفوائد النفسية والثقافية لأحد العلاجات من الآثار الحيوية الطبية مسألة أكثر تعقيدًا مما قد تظن. فعلى كل حال، بِمَ تقارِن أثر العلاج الوهمي؟ بعلاج وهمي آخر؟ أم بلا علاج على الإطلاق؟

(١) العلاج الوهمي تحت الاختبار

في معظم الدراسات، لا توجد لدينا مجموعة «دون علاج» لمقارنة مجموعة العلاج الوهمي ومجموعة العلاج الفعَّال بها، ويرجع ذلك إلى أسباب وجيهة جدًّا أخلاقيًّا؛ فإذا كان المشاركون في التجربة مرضى، يجب عدم تركهم دون علاج بسبب اهتمامك المبالَغ فيه بأثر العلاج الوهمي. في حقيقة الأمر، في معظم الحالات حاليًّا، يعتبر من قبيل الممارسات الخاطئة استخدام علاج وهمي حتى في حالة إجراء تجربة؛ فمتى كان ممكنًا، يجب مقارنة العلاج الجديد بأفضل العلاجات الحالية والمتوافرة من قبل.

ولا يرجع الأمر إلى أسباب أخلاقية فحسب (مع أن المسألة تحظى بمكانة مقدَّسة في إعلان هلسنكي، المرجعية الأخلاقية الدولية)؛ فالتجارب التي يُستخدم العلاج الوهمي فيها يُنظر إليها أيضًا بعينٍ من الرِّيبة من قِبَلِ مجتمعِ الطب القائم على الأدلة؛ نظرًا لأنهم يعرفون أن هذه طريقة سهلة لتزييف السجلات والحصول على بيانات تجارب إيجابية سهلة لدعم الاستثمار الجديد الضخم لشركتك. في العالم الواقعي للممارسة الإكلينيكية لا يهتم المرضى والأطباء كثيرًا بكون عقَّارٍ جديد يعمل بشكل أفضل من «لا شيء»، بل يهتمون بكونه يُفضي إلى «نتائج أفضل من أفضل العلاجات المتوافرة لديهم بالفعل.»

كانت هناك فترات في التاريخ الطبي كان الباحثون فيها أكثر عَجْرَفةً وغطرسةً. على سبيل المثال، تُعتبر دراسةُ مرض الزهري في تاسكجي أحد أكثر الأمثلة المُخْزية في تاريخ أمريكا، إذا كان من الممكن قول شيء مثل ذلك هذه الأيام. فقد جرت الاستعانة بعدد ٣٩٩ أمريكيًّا من أصل أفريقي يعيشون في المناطق الريفية من قِبَل هيئة الخِدْمات الصحية العامة الأمريكية في عام ١٩٣٢ لإجراء دراسة ملاحظة لمتابعة ما يحدث إذا تُرِك مرض الزهري ببساطة دون علاج. ومن المثير للدهشة أن الدراسة ظلت تُجرى حتى عام ١٩٧٢. في عام ١٩٤٩، قُدِّم البنسلين باعتباره علاجًا فعَّالًا لمرض الزهري، لكن لم يتلقَّ أيٌّ من المشاركين في هذه التجارب هذا العقَّارَ، ولم يتلقَّ أيٌّ منهم دواءَ سالفرسان، بل لم يتلقَّ أيٌّ من هؤلاء أيَّ اعتذار رسمي حتى ١٩٩٧، من بيل كلينتون.

إذا كنتَ لا تريد إجراء تجارب عِلمية غير أخلاقية من خلال الاستعانة بمجموعات «دون علاج» على أشخاص مرضى، فكيف يمكن تحديد حجم تأثير العلاج الوهمي على الأمراض الحديثة؟ أولًا: وبطريقة مبتكرة نوعًا ما، يمكننا مقارنة أحد العلاجات الوهمية بعلاج وهمي آخر.

كانت أول تجربة أُجرِيت في هذا المجال عبارة عن تحليل ماورائي أجراه دانيال مورمان، وهو عالم أنثروبولوجيا متخصص في دراسة تأثير العلاج الوهمي. استقى مورمان بيانات التجربة من تجارب أُجْرِيت على علاج لقرحة المعدة استُخدم فيها العلاج الوهمي كعنصر ضابط، وكانت هذه أُولى خطواته الذكية؛ نظرًا لأن قُرَح المعدة تعتبر من الأشياء الممتازة للدراسة؛ إذ يجري تحديد وجودها أو غيابها بطريقة موضوعية تمامًا، من خلال كاميرا منظار مُعَدَّة تُمرَّر نحو المَعِدة، لتجنُّب أيِّ شكوك.

استقى مورمان بيانات العلاج الوهمي فقط من هذه التجارب، ثم استنتج مورمان — في خطوته التالية الذكية، ومن جميع الدراسات التي أجراها، ومن جميع العقاقير المختلفة، على اختلاف نظم جرعاتها — مُعَدَّلَ الشفاء من قرحة المعدة من المجموعة التي تتلقَّى العلاج الوهمي في تجاربَ كان «العلاج الوهمي» فيها عبارة عن قرصين سُكَّريين يوميًّا، وقارن ذلك بمعدل الشفاء من قرحة المعدة من المجموعة التي تتلقَّى العلاج الوهمي في تجاربَ كان العلاج الوهمي فيها عبارة عن أربعة أقراص سُكَّرية يوميًّا. ولدهشته، وَجَدَ مورمان أن تناول أربعة أقراص أفضل من تناول قرصين (وقد تكرَّرت هذه النتائج أيضًا في مجموعة بيانات مختلفة؛ وذلك لمن يشعرون بالقلق حيال قابلية تكرار النتائج الإكلينيكية المهمة).

(٢) كيف يبدو العلاج

إذن فأربعة أقراص أفضل من قُرصَين؛ كيف ذلك؟ هل لقرص سكَّري من العلاج الوهمي أثرٌ يماثل أثر أي قرص علاجي آخر؟ هل هناك منحنى جرعة–استجابة، كذلك الذي يجده الصيادلة بالنسبة إلى أي عقَّار آخر؟ الإجابة هي أن العلاج الوهمي يدور حول ما هو أكثر من مجرد القرص؛ إن العلاج الوهمي يتمحور حول المعنى الثقافي للعلاج. فالأقراص العلاجية نفسها لا تؤثر في المعدة؛ بل يجري وصف الأقراص بطُرُق محددة، وتتخذ أشكالًا متنوعة، ويجري بَلْعُها وَفق تصورات محددة حول أثرها، وهو ما يؤثر كله على معتقدات المريض بشأن صحته، ويؤثر بدوره على نتيجة العلاج. وتعتبر المعالجة المثلية، على سبيل المثال، مثالًا رائعًا على قيمة اتِّباع طقوس معينة.

أَتَفَهَّمُ أن هذا أمرٌ قد يبدو غير محتملٍ بالنسبة إليك؛ لذا جمعتُ بعض أفضل البيانات حول تأثير العلاج الوهمي في مكان واحد، ليكمن التحدي في إمكانية التوصُّل لتفسير أفضل؛ ما أضمن أنه مجموعة عجيبة بحقٍّ من النتائج التجريبية.

بادئ ذي بدء، أجرى بلاكويل (١٩٧٢) مجموعةً من التجارب على سبعة وخمسين طالبًا جامعيًّا لتحديد تأثير اللون — فضلًا عن عدد الأقراص — على الآثار التي يُخَلِّفها العلاج. كان المشاركون في التجربة يجلسون في محاضرةٍ مُمِلَّةٍ امتدَّت لساعة، وجرى تقديم قُرْص أو قرصين علاجيين لهم، كان لونهما إما ورديًّا أو أزرقَ. وقيل للطلاب إنَّ بإمكانهم توقُّعَ تلقِّي إما قرص مُنشِّط أو قرص مُهدِّئ. وبما أن جميع هؤلاء كانوا من علماء النفس، وكانت هذه التجربة في وقتٍ كان يمكن أن تفعل ما تشاء بأفراد تجربتك — بل وتكذب عليهم — كان العلاج الذي تلقَّاه «جميع» الطلاب يتألَّف ببساطة من أقراص سكَّرية، ولكن بألوان مختلفة.

بعد ذلك، عندما قاموا بقياس درجة التنبُّه — فضلًا عن أي آثار ذاتية أخرى — وجد الباحثون أن تناول قرصَيْن كان أكثر فاعلية من تناول قرص واحد، مثلما توقعنا (كما يُعتبر تناول قرصين أفضل في إحداث آثار جانبية أيضًا). وجد الباحثون أيضًا أن اللون كان له تأثير على النتيجة؛ فكانت الأقراص الوردية اللون أفضل في الحفاظ على التركيز من الأقراص الزرقاء. ولما كانت الألوان في حد ذاتها لا تحظى بأي خصائص صيدلانية جوهرية، فربما يرجع الفرق في التأثير العلاجي فقط إلى المعاني الثقافية للَّونينِ الوردي والأزرق؛ فاللون الوردي يُعتبر منبِّهًا، في حين يُعدُّ الأزرق مُسكِّنًا. أشارت دراسة أخرى أن الأوكسازبام، وهو عقَّار مشابه لعقَّار فاليوم (الذي وصفه لي طبيبي دون نجاح يُذكَر عندما جرى تشخيص حالتي باعتباري طفلًا مُفرِطَ النشاط)، كان أكثر فاعلية في علاج التوتر عند استخدامه في شكل أقراص خضراء، وأكثر فاعلية في علاج الاكتئاب عند استخدام الأقراص الصفراء اللون.

تَعْرِف شركات الدواء، أكثر من غيرها، فوائد التمييز التجاري الجيد؛ فرغم كل شيء، تنفق هذه الشركات على العلاقات العامة أكثر مما تنفق على البحوث والتطوير. ومثلما قد تتوقَّع من الأشخاص العمليين الذين يمتلكون منازل كبيرة في الريف، يضع هؤلاء هذه الأفكار النظرية محل التنفيذ. وهكذا يكون لون عقار بروزاك، على سبيل المثال، أبيض وأزرق، وإذا كنتَ تظن أنني أدقِّق أكثر مما يجب في تفصيلات لا طائل منها، فقد وجد استطلاعٌ حول ألوان الأقراص الدوائية المتوافرة حاليًّا في السوق أن عقاقير التنشيط تميل عادة إلى أن يكون لونها أحمرَ، أو برتقاليًّا، أو أصفرَ، في حين يكون لون مضادات الاكتئاب والمهدئات عمومًا أزرقَ، أو أخضرَ، أو بنفسجيًّا.

وتتَّخِذ مسائل الشكل عُمقًا أكبر بكثير من اللون؛ ففي سبعينيات القرن العشرين، وُجد أن أحد العقاقير المهدئة — كلورديازيبوكسيد — يكون أكثر فاعلية في صورة كبسول منه في صورة قرص، حتى لو كان العقَّار واحدًا، وبنفس الجرعة. فقد كانت الكبسولات حينها تبدو أكثرَ جِدَّة، وإلى حدٍّ ما، أكثرَ علميةً في مظهرها. وربما رأيت من نفسك اندفاعًا نحو دفع أموال أكثر مقابل شراء كبسولات أيبوبروفين من الصيدلية.

تعتبر طريقة استخدام العلاج مؤثرة أيضًا؛ فقد تبيَّن أن الحَقْن باستخدام الماء المالح في ثلاث تجارب مختلفة أكثر فاعليةً من الأقراص السكرية لعلاج ضغط الدم، وصداع الرأس، وألم ما بعد الجراحة، ليس بسبب أي فائدة جسدية لحقن الماء المالح مقابل الأقراص السُّكَّرية — فلا توجد أي فوائد جرَّاء ذلك — بل لأن الحقن، مثلما يعرف الجميع، يُعَدُّ تدخلًا علاجيًّا أكثر تأثيرًا من مجرد تناول قرص دوائي.

وفيما يتعلَّق بشكل مباشر وشخصي بمعالِجِي الطب البديل، نشرت دورية «بريتش ميديكال جورنال» مؤخرًا بحثًا يقارن بين علاجَيْن وهميَّيْن مختلفَيْن لألم الذراع؛ أحدهما كان قرصًا سكَّريًّا، وكان الآخر علاجًا «طقسيًّا»، وهو علاج على غرار الوخز بالإبر. ووجدت التجربةُ أن العلاج الوهمي الطقسي الأكثر تعقيدًا كانت له فائدة أكبر.

لكن ربما تُعتبر الشهادة الأكثر دلالة على الدوام على البناء الاجتماعي لتأثير العلاج الوهمي هي القصة العجيبة الخاصة بالتعبئة. الألم مجالٌ يُنتظر فيه أن تؤثر التوقعات تأثيرًا كبيرًا بشكل خاص على العملية العلاجية. وقد وجد معظم الناس أنهم يستطيعون التخلص من التفكير في الألم — على الأقل بدرجة ما — من خلال تشتيت الانتباه، وإلا أصابهم ألم في الأسنان يتفاقم مع الضغوط التي يتعرضون لها.

أجرى برانثويت وكوبر دراسةً استثنائية حقًّا في عام ١٩٨١، على ٨٣٥ امرأة تعاني من الصداع. كانت هذه الدراسة مُقسَّمة إلى أربعة أقسام، جرى منح المشاركين فيها إما أقراص أسبرين، أو أقراص علاج وهمي، وجرت تعبئة هذه الأقراص إما في عبوات خالية غير مميَّزة وذات ألوان محايدة، أو في عبوات مبهرجة تحمل علامة تجارية مميزة. ووجدت الدراسة — مثلما قد تتوقع — أن أقراص الأسبرين كان لها تأثير أكبر على الصداع من الأقراص السُّكَّرية، ولكن بالإضافة إلى ذلك، وجدت الدراسة أن العبوة نفسها كان لها تأثير إيجابي، وهو ما عزَّز فائدةَ كلٍّ من العلاج الوهمي والأسبرين معًا.

لا يزال الأشخاص الذين أعرفهم يُصِرُّون على شراء المُسكِّنات ذات العلامات التجارية الشهيرة. ومثلما قد تتخيَّل، قضيتُ نصف حياتي محاولًا أن أوضِّح لهم أن هذه المسكنات تُعَد إهدارًا للمال؛ ولكن في الواقع يتمثل التناقض في البيانات في تجربة برانثويت وكوبر في أنها كانت صحيحة طوال التجربة. مهما كان ما تخبرك به النظرية الصيدلانية، فإن العلاجات ذات العلامة التجارية المميزة أفضل بالفعل، ولا توجد طريقة للهروب من ذلك. وربما يرجع ذلك جزئيًّا إلى التكلفة؛ فقد أظهرت دراسة حديثة على الألم الذي تسبِّبه الصدمات الكهربية أن علاج تسكين الألم كان أقوى عندما قيل للمشاركين في التجربة إن سعره يتكلَّف ٢٫٥٠ دولار أمريكي منه عندما قيل لهم إن تكلفته ١٠ سنتات (وتُظهر دراسة أخرى قيد النشر أن الناس يميلون أكثر إلى العمل بالمشورة عندما يكونون قد دفعوا مقابلًا لها).

يصبح العلاج أفضل، أو أسوأ، بناءً على رؤيتك للعالَم. قال مونتجمري وكيرش (١٩٩٦) لمجموعة من طلاب الجامعة إنهم يشاركون في دراسة حول عقَّار تخدير جديد محلِّي يُطلق عليه «تريفاريكاين». إن لون تريفاريكاين بُنِّيٌّ، ويجري طلاؤه على البشرة، وتشبه رائحته رائحة الدواء، ويتميز بالفاعلية الهائلة بحيث يتوجَّب على مَن يتعامل معه أن يرتدي قفَّازًا، أو هكذا قيل للطلاب ضمنًا. في حقيقة الأمر، يتكوَّن تريفاريكاين من الماء، والأيودين، وزيت الزعتر (من أجل إضفاء رائحة)، ولم يكن القائم على التجربة (الذي كان يرتدي معطفًا أبيضَ أيضًا) يستخدم سوى قفازات مطَّاطية حتى يضفي مناخًا من العِلْمية على التجربة. فلن تؤثر أيٌّ من هذه المكونات على الألم.

جرى طلاء التريفاريكاين على الأصابع السبابة للمشاركين في التجربة، ثم قام القائمون على التجربة بالضغط بشكل مؤلم بواسطة ملزمة. جرى إعمال الألم، لدى مشارِك بعد الآخر في التجربة، بترتيب متفاوت، ثم جرى طلاء التريفاريكاين، ومثلما قد تتوقَّع الآن، شكا المشاركون من ألم أقل، وشعور أقل بعدم الارتياح؛ وذلك بالنسبة إلى الأصابع التي جرى طلاؤها بالتريفاريكاين المدهش قبل بداية التجربة. ويدخل ذلك في عداد تأثير العلاج الوهمي، ولكن مع غياب الأقراص.

ولا يزال الأمر يزداد غرابة؛ فالأشعة فوق الصوتية المزيفة مفيدة لآلام الأسنان، وأظهرت العمليات الوهمية فائدتها في علاج آلام الركبة (إذ يُجري الجرَّاح فقط جراحةً صغيرةً وهميةً في جانب الركبة، ويتلكَّأ قليلًا كما لو كان يفعل شيئًا مفيدًا)، بل إن العمليات الوهمية قد أظهرت تحسينها حالات الخناق الصدري.

تلك مُعضلة كبيرة نوعًا ما؛ فالخناق الصدري هو الألم الذي يحدث عندما لا يكون هناك كمية أكسجين كافية تمر عبر عضلة القلب للقيام بمهمتها. ولذلك تزداد حالة الخناق الصدري سوءًا مع ممارسة التمرينات الرياضية؛ نظرًا لتحميل عضلة القلب أعباءً إضافية. وربما يشعر المرء بألم مماثل في الفخذين بعد صعود عشر سلالم دفعة واحدة، وهو ما يعتمد على مدى لياقتك البدنية.

تعمل العلاجات التي تُسهم في التخفيف من ألم الخناق الصدري عادةً من خلال توسيع الأوعية الدموية الواصلة إلى القلب، وتُستخدم مجموعة من المواد الكيميائية يُطلق عليها النترات لتنفيذ ذلك في أغلب الأحيان؛ إذ تعمل النترات على إرخاء العضلات الرقيقة في الجسد، التي تُوسِّع الشرايين بحيث تستطيع كميات أكبر من الدماء التدفق عبرها (تعمل النترات أيضًا على إرخاء أجزاء أخرى من العضلات الرقيقة في الجسد، بما في ذلك العضلة الشرجية، وهو ما يبرر بيع نوع من النترات على أنه «ذهب سائل» في محلات بيع المنتجات الجنسية).

في خمسينيات القرن العشرين، راجت فكرةٌ مُفادها أن بإمكان المرء جعْلَ الأوعية الدموية في القلب تعود إلى طبيعتها، وأكثر سُمكًا، إذا جرى ربط أحد الشرايين غير المهمة في مقدمة جدار الصدر، ولكنه يتفرَّع من الشرايين الرئيسية للقلب. كانت الفكرة تتمثل في أن هذا الإجراء من شأنه إرسال رسائل إلى الفرع الرئيسي للشريان، مفادها أن ثمة حاجةً إلى نمو حجم الأوردة أكثر، وهو ما يؤدي إلى خداع وتضليل الجسم.

لسوء الحظ، اتضحت عبثية هذه الفكرة، ولكن بدرجة ما فقط؛ ففي عام ١٩٥٩، أُجريت تجربة على العملية استُخدم فيها علاجٌ وهمي كعنصر ضابط. في بعض العمليات، بينما كان يجري تنفيذ عملية ربط الشرايين بالكامل، جرى تنفيذ جميع الخطوات في العمليات «الوهمية»، ولكن دون ربط أي شرايين. وبينما وُجد أن العملية الوهمية قد أسفرت عن نتائج مماثلة في جودتها للعمليات الحقيقية — إذ بدت حالة المرضى في التجارب أفضل بعضَ الشيء في كلتا الحالتين، ولم يكن ثمَّة فرقٌ كبير بين مجموعتَي التجربة — كان أكثر الأشياء غرابة على الدوام هو أن أحدًا لم يتذمَّر وقتها ولم يُحدِث أي جَلَبَة؛ لم تكن العملية الحقيقية أفضل بأي حالٍ من الأحوال من العملية المزيَّفة، بالقطع، ولكن كيف يمكننا إذن تفسير شعور المرضى بالتحسُّن جرَّاء العملية لفترة طويلة جدًّا؟ لم يفكِّرْ أحدٌ في قوة العلاج الوهمي، وجرى تجاهل العملية تمامًا.

لم تكن هذه هي المرة الوحيدة التي كان تأثير العلاج الوهمي يقع على أكثر الأطراف درامية من طيف الممارسات الطبية؛ فقد أظهرت دراسة سويدية في أواخر عقد التسعينيات من القرن العشرين أن المرضى الذين رُكِّبت لهم أجهزةٌ لتنظيم نبضات القلب، ولكن دون تشغيلها، أظهروا حالة صحية أفضل من ذي قبل (على الرغم من أن حالتهم لم تُظهِر تحسُّنًا قدرَ التحسن الذي أظهره هؤلاء الذين كانت أجهزة تنظيم نبضات القلب تعمل بداخلهم، حتى يكون الأمر واضحًا). ومؤخرًا جدًّا، أظهرت دراسةٌ أُجْرِيَت على أحد العلاجات العاليةِ التقنيةِ «لجراحة رأب الوعاء»، تضمَّنت جهاز قسطرة ضخم الحجم يبدو علميًّا جدًّا في مظهره، ويعمل بالليزر، أن العلاج الوهمي يساوي في فاعليته الإجراء الجراحي الكامل.

«يُعجَب المرضى أيَّما إعجاب بالآلات الكهربية.» هكذا كتب د. آلان جونسون في دورية «ذا لانست» في عام ١٩٩٤ معلِّقًا على هذه التجربة، وأردف قائلًا: «ومؤخرًا، صار أيُّ شيء له علاقة بكلمة ليزر يأسِرُ الخيال.» د. جونسون غير مخطئ؛ فقد ذهبتُ لزيارة ليلياس كيرتن ذات مرة (وهي معالِجة الطب البديل لشيري بوث)، وأجرت لي كيرتن علاجًا باستخدام الأحجار الكريمة مستخدِمَةً في ذلك آلة علمية لامعة كبيرة عكست أشِعَّات ضوئية مختلفة الألوان على صدري. من الصعوبة بمكان عدم ملاحظة جاذبية أشياء؛ مثل العلاج باستخدام الأحجار الكريمة في سياق تجربة جهاز القسطرة الليزري. في حقيقة الأمر، وبالنظر إلى طريقة تراكم الأدلة، يكون من الصعوبة بمكان عدم ملاحظةِ ادِّعاءات معالجي الطب البديل، على الرغم من جميع تدخلاتهم العلاجية الجامحة، المدهشة، السُّلْطوية، واليقينية في طابعها، في سياق هذا الفصل.

في حقيقة الأمر، حتى خبراء أساليب الحياة يُلقون نظرةً سريعةً على الطب البديل، في صورة دراسة منمَّقة بَحثَتْ تأثير أن يُقال للمرء إنه يقوم بشيء صحِّي. جرى تقسيم ثماني وأربعين فتاة من خدمة الغرف يعملن في فنادق مختلفة، إلى مجموعتين؛ قيل لإحدى المجموعتين إن تنظيف غرف الفنادق يُعتبر «تمرينًا جيدًا» و«يحقِّق توصيات وزير الصحة بممارسة أسلوب حياة نَشِط»، فضلًا عن تفسيرات أخرى مفصَّلة عن الطرق والأسباب. لكن لم تتلقَّ المجموعة «الضابطة» هذه المعلومات المشجِّعة، وواصلت تنظيف غرف الفنادق. بعدها بأربعة أسابيع، صارت المجموعة «المطلعة» تعتقد أنها تمارس رياضة أكثر كثيرًا من ذي قبل، وبينما أظهرت المجموعة نقصًا في الوزن، وفي دهون الجسد، ونسبة محيط الخصر إلى الأرداف ومؤشر كتلة الجسد، كانت المجموعتان في الواقع تمارسان نفس المستوى من النشاط، وهو الأمر المثير للدهشة.٢

(٣) ما يقوله الطبيب

إذا كان بإمكانك أن تؤمن بشدة بعلاجك، على الرغم من أن الاختبارات الضابطة تشير إلى عدم فائدته، فإن نتائج العلاج تكون أفضل كثيرًا، ويصبح مرضاك أفضل حالًا بكثير، ويصبح دخلك أفضل بكثير أيضًا. وأعتقد أن هذا يفسر النجاح اللافت لبعض أقل المنتمين إلى مهنتنا موهبةً وأقلهم خبرة، كما يفسر الكراهية الشديدة للإحصاءات والتجارب الضابطة التي اعتاد الأطباء الناجحون والمشهورون عرضها.

ريتشارد آشر، «كلام منطقي»، مجلة بِتمان ميديكال، لندن، ١٩٧٢

مثلما تدرك الآن، في دراسة التوقعات والمعتقدات، يمكن أن نبتعد عن الأقراص والأجهزة تمامًا. على سبيل المثال، يتضح أن ما يقوله الطبيب، وما يعتقده الطبيب، يؤثر تأثيرًا ما على عملية الشفاء. إذا كان هذا يبدو أمرًا بديهيًّا، يجب أن أقول إن ذلك يؤثر تأثيرًا جرى قياسه، بصورة منمقة، في تجارب مصمَّمة جيدًا.

أعطى جريل وكاتان (١٩٧٨) المرضى قرصًا سكَّريًّا قبل إجراء عمليةَ حقنٍ للأسنان، إلا أن الأطباء الذين كانوا يقدِّمون الأقراص إلى المرضى كانوا يقدِّمونها بواحدة من طريقتين مختلفتين؛ إما من خلال المبالغة الشديدة في الفوائد العظمى لها («هذه أقراص مطوَّرة حديثًا أظهرت فاعليتها البالغة … شبه الآنيَّة …») أو من خلال التقليل من فاعلية الأقراص («هذه أقراص مطوَّرة حديثًا … شخصيًّا، لا أراها فعالة تمامًا …») وقد ارتبطت الأقراص التي جرى تقديمها مع الرسالة الإيجابية بمشاعر خوف أقل، وقلق أقل، وألم أقل.

حتى إذا لم يقُل شيئًا، قد يؤثر ما يعرفه الطبيب على نتائج العلاج؛ فالمعلومات تتسرَّب، من خلال اللوازم السلوكية، والتصنُّع، والحواجب، والابتسامات العصبية، مثلما أوضح جريسلي (١٩٨٥) من خلال تجربةٍ خلَّاقة حقًّا، مع أن فهمها يتطلَّب شيئًا من التركيز.

أخذ جريسلي عيِّنة من المرضى جرى خلع ضرس العقل لهم، وقسَّمهم عشوائيًّا إلى ثلاث مجموعات علاجية: مجموعة تتناول الماء المالح (علاج وهمي «لا أثر له»، على الأقل فسيولوجيًّا)، أو فنتانيل (وهو مسكِّن مخدِّر رائع، ويكفي للتدليل على فاعليته أنه يباع بالتجزئة في السوق السوداء)، أو نالوكسون (وهو عقار مثبِّط لمستقبلات المواد المخدرة يزيد الألم في حقيقة الأمر).

في جميع الحالات، جرت تعمية الأطباء بشأن أي العلاجات يقدِّمونها لكل مريض، ولكن كان جريسلي يدرس — حقيقة — أثر معتقدات الأطباء؛ ومن ثم جرى تقسيم المجموعات الثلاث إلى نصفين مرةً أخرى. في المجموعة الأولى، قيل للأطباء الذين كانوا يقدِّمون العلاج للمرضى، صدقًا، إن بإمكانهم تقديمَ علاج وهمي، أو نالوكسون، أو فنتانيل المسكن للألم. وكانت هذه المجموعة من الأطباء تعرف أن ثمة فرصةً في أن يكونوا بصدد تقديم شيء للمرضى من شأنه تقليل الألم.

في المجموعة الثانية، جرى الكذب على الأطباء؛ إذ قيل لهؤلاء إنهم يقدِّمون علاجًا وهميًّا أو نالوكسون، وهما علاجان لا يسفران عن أي نتيجة، أو يجعلان الألم أكثر سوءًا. ولكن في حقيقة الأمر، ودون علم الأطباء، كان بعض المرضى يتلقَّون الفنتانيل المسكن للألم. ومثلما تتوقع الآن، فقط من خلال التلاعب بما «يعتقده الأطباء» حول عملية الحقن التي كانوا يقومون بها — حتى على الرغم من منعهم من التعبير عن معتقداتهم لمرضاهم — كان هناك فرق في النتيجة بين المجموعتين؛ فقد شعر أفراد المجموعة الأولى بألم أقل بكثير. ولا علاقة لهذا الفرق على الإطلاق بنوع العلاج الذي قُدِّم حقيقةً، أو حتى بالمعلومات التي كان المرضى يعرفونها؛ فالأمر برُمَّته يعود إلى ما كان يعرفه الأطباء. ربما جَفَلَ هؤلاء الأطباء قليلًا عندما كانوا يحقنون المرضى. أعتقد أنك كنت ستجْفِل أيضًا.

(٤) تفسيرات العلاج الوهمي

حتى لو لم يفعلوا شيئًا، يستطيع الأطباء، فقط من خلال طريقتهم وحدها، طَمْأَنة المرضى، بل يمكن تحليل عملية الطمأنة نفسها إلى مكونات معلوماتية. في عام ١٩٨٧، أوضح توماس أن إجراء تشخيص بسيط — حتى لو كان تشخيصًا «وهميًّا» زائفًا — قد عمل على تحسين النتائج العلاجية للمرضى؛ فقد قُسِّم مائتا مريض لديهم أعراضٌ غير عادية، دون وجود أي تشخيص طبي محدَّد، عشوائيًّا إلى مجموعتين. قيل للمرضى في إحدى المجموعتين: «لا أستطيع تحديد كنْه ما لديك بدقة.» وبعد مرور أسبوعين صارت حالة ٣٩٪ فقط من المرضى أفضل. لكن شُخِّصت حالات المرضى في المجموعة الأخرى تشخيصًا محدَّدًا، دون تضليل، وقيل لهم في سِرِّيةٍ إن حالتهم ستتحسن في غضون أيام قليلة. وتحسَّنت حالة ٦٤٪ من المرضى في هذه المجموعة خلال أسبوعين.

يستحضر هذا شبحَ شيءٍ ما يتجاوز أثر العلاج الوهمي بكثير، بل يتقاطع أكثر مع عمل معالجي الطب البديل؛ نظرًا لأننا يجب أن نتذكَّر أن معالجي الطب البديل لا يكتفون فقط بإعطاء علاجات وهمية، بل يقدِّمون أيضًا ما يمكن أن تُطلِق عليه «التفسيرات الوهمية» أو «التشخيص الوهمي»، وهي تفسيرات لا أساس لها من الصحة، ولا أدلة على سلامتها، وتأكيدات خيالية في الغالب حول طبيعة المرض، تتضمَّن خواصَّ سحريةً، أو طاقة، أو أوجه قصور مفترضة في نسبة أحد الفيتامينات، أو «اختلالات»، يزعم المعالج فهمه لها بصورة حصرية.

وهنا، يبدو أن هذا التفسير «الوهمي» — حتى لو كان قائمًا على خيال محض — ربما يكون مفيدًا للمريض، على الرغم من وجود آثار جانبية، وهو ما يُوجِب إجراء العلاج بطريقة دقيقة. وربما تدعم عملية منح أحدهم حريةَ تقمُّص دور المريض بشكل جازم وسُلْطَوي أيضًا معتقدات وسلوكيات مرضية مدمِّرة، وتصنَّف الأعراض كحالة مرضية دون ضرورة مثل تصنيف آلام العضلات (التي تُعتبر بالنسبة إلى الكثيرين عملية متكررة يوميًّا) طبيًّا، بل قد يصل الأمر بهؤلاء إلى اتخاذ موقف معادٍ ضد الأشخاص الذين يواصلون حياتهم ويتحسَّنون. وتُعتبر هذه منطقة شائكة للغاية.

أستطيع أن أمضي في ضرب الأمثلة؛ فقد أُجْرِيَ، في حقيقة الأمر، عددٌ ضخمٌ من البحوث على قيمة العلاقة العلاجية الطَّيِّبَة، وكانت النتيجة العامة أن الأطباء الذين يتَّبعون أسلوبًا يتَّسِم بالدفء، والوُد، والطمْأَنَة، أكثرُ فاعلية في علاجهم من أولئك الأطباء الذين يُقدِّمون مشورتهم في صورة رسمية ولا يُطَمْئِنُون مرضاهم. في العالم الواقعي، توجد تغيرات ثقافية بنيوية تجعل الأمر أكثر صعوبة بصورة متزايدة بالنسبة إلى الطبيب في أن يقوم بتعظيم الفائدة العلاجية لأي مشورة طبية؛ فبادئ ذي بدء، هناك ضغوط الوقت؛ فلا يستطيع أيُّ ممارس عام أن يقوم بأشياء كثيرة في مقابلةٍ لا تستغرق أكثر من ست دقائق.

لكن بالإضافة إلى هذه العوائق العملية، لا تزال هناك تغيرات بنيوية في الافتراضات الأولية الأخلاقية التي يضعها العاملون في المجال الطبي، وهو ما يجعل عملية الطمأنة خلال تقديم المشورة الطبية أمرًا غير مألوف بصورة متزايدة. سيجاهد الطبيب في العصر الحديث من أجل العثور على صيغة معينة تسمح له بتقديم وصفة علاجية وهمية، على سبيل المثال، وهو ما يرجع إلى صعوبة التوصل إلى صيغة متوازنة بين مبدأين أخلاقيين مختلفين تمام الاختلاف؛ أَوَّلهما: التزامنا بشفاء مرضانا بأقصى درجةِ فاعليةٍ ممكِنَة، وثانيهما: التزامنا بألا نكذب على المرضى. في كثير من الحالات، وُضعت صيغة رسمية لعملية حظر طمأنة المرضى والتخفيف من وقع الحقائق المُقْلِقَة، مثلما كتب الطبيب والفيلسوف ريموند تاليس مؤخرًا، فيما يتجاوز ما يمكن اعتباره متناسبًا؛ إذ قال: «أفضى الدافع إلى إطلاع المرضى بصورة كاملة على حالاتهم إلى زيادات هائلة في المتطلبات الرسمية لموافقة المرضى على مباشرة العلاج، وهو ما لا يُسهم إلا في إرباك وإخافة المرضى في حين يؤخِّر حصولهم على العناية الطبية اللازمة.»

لا أريد أن أشير هنا للحظة واحدة إلى أنه تاريخيًّا كان هذا هو الاتجاه الخطأ. فتُظهر الاستطلاعات أن المرضى يرغبون دومًا في أن يخبرهم أطباؤهم الحقيقة بشأن تشخيص وعلاجات أمراضهم (وإن كان يجب أن تتلقَّى هذا النوع من البيانات بقدرٍ من الريبة؛ لأن الاستطلاعات تشير أيضًا إلى أن الأطباء يُعتبرون أكثر الشخصيات العامة محلًّا للثقة، وأن الصحفيين هم الأقلُّ محلًّا للثقة، وهو ما لا يبدو أنه الدرس المستخلَص من خُدعة التطعيم الثلاثي التي عرضَتْها وسائل الإعلام).

لعل الغريب حقًّا هو كيف افتُرضتْ أسبقية استقلال المريض والموافقة الواعية على مباشَرة العلاج على فاعلية العلاج نفسه — وهو ما نتحدث عنه هنا — افتراضًا مسبقًا، دون مناقشة الأمر مناقشة فعالة في إطار مهنة الطب. وعلى الرغم من أن عملية الطمأنة السلطوية الأبوية للطبيب في العصر الفيكتوري الذي «يُعمي الأبصار عن طريق العلم»، تُعتبر مسألةً تنتمي إلى الماضي في الطب، يشير النجاح الذي حققته حركة العلاج البديل — الذي عمد ممارسوها إلى تضليل وإرباك وتعمية مرضاهم من خلال تفسيرات «سلطوية» عِلمية المظهر؛ مثل أي طبيب فيكتوري متعالٍ يمكن تخيُّله — إلى أنه ربما لا تزال هناك سوقٌ لهذا النوع من العلاجات.

قبل حوالي مائة عام، وثِّقت هذه الموضوعات الأخلاقية جيدًا من خلال شخص هندي كندي من السكان الأصليين كان يُطلَق عليه «كوساليد». كان هذا الشخص متشكِّكًا؛ إذ كان يعتقد أن الشامانية ليست إلا هُراء، وأنها لا تنجح إلا من خلال الإيمان بها، وذهب متخفيًا لاستقصاء الفكرة. وجد كوساليد أحد ممارسي الشامانية على استعداد لتوظيفه لديه، وتعلَّم جميع حيل المهنة، بما في ذلك العرض الكلاسيكي الذي يُخفي فيه المعالج كمية من الحشائش والشعر في أحد أركان فمه، ثم من خلال المصِّ والتنهُّد، في منتصف طقس الشفاء تمامًا، يُخرِج المعالج ما ابتلعه، مغطًّى بالدماء التي جاءت جراء عض شفتيه خفية، ويعرضها في خشوع على الناظرين باعتبارها عيِّنة مرضية استُخلِصت من جسد المريض المنكوب.

توافر البرهان لدى كوساليد، وعرف الخدعة العلاجية باعتباره شخصًا مُطَّلعًا، وكان على أُهْبَة الاستعداد لكشف زَيْفِ مَن كانوا يُجْرُونها، ولكن كان على كوساليد — كجزء من مِرَانه — إجراء بعض التجارب الإكلينيكية، واستُدعي من قِبَل عائلة «جاءها في منامها باعتباره مُنقِذًا لها» لفحص أحد مرضاها. أجرى كوساليد الخدعة العلاجية باستخدام الحشائش والشعر، وانزعج بشدة، وشعر بالضآلة، لكنه شعر أيضًا بالدهشة العارمة حين وجد أن حالة مريضه تتحسَّن.

وعلى الرغم من مواصلة كوساليد إبداء تشكُّكٍ صحيٍّ في معظم زملائه، مضى كوساليد — ربما لدهشته هو شخصيًّا — ليصبح لديه مشوار مهني طويل ومثمر كمعالج وشامان. ولا يستطيع عالِم الأنثروبولوجيا كلود ليفي شتراوس، في ورقته البحثية «الساحر وسحره»، تفسير ذلك: «ولكن من الواضح أن الساحر يمارس صنعته بحرص وضمير حيٍّ، ويفخر بإنجازاته، ويدافع في حماسة عن أسلوب الكتلة الدموية أمام جميع المدارس المنافسة الأخرى. إنه يبدو كأنْ قد أُغشي بصره تمامًا عن المغالطات المنطقية في الأسلوب العلاجي الذي يتبعه، والذي كان ينتقده أيَّما انتقاد في البداية.»

بالطبع، ربما لا يكون من الضروري بالمرة خداعُ المريض لتعظيم أثر العلاج الوهمي؛ فثمة دراسة كلاسيكية ترجع إلى عام ١٩٦٥ — على الرغم من صغرها وعدم وجود مجموعة ضابطة فيها — تعطي لمحةً بسيطةً عما قد يكون ممكنًا في هذا الصدد؛ فقد أعطى القائمون على التجربة أقراصًا سكَّرية وهمية وردية اللون ثلاث مرات يوميًّا لمرضى «عصابيين»، وهو ما أسفر عن نتائج علاجية طيبة، وكان التفسير الذي قُدِّم إلى المرضى واضحًا جدًّا حول ما كان يجري:

أُعِدَّ نصٌّ مكتوب، ونُفِّذ كالآتي: «سيد دو، يَفْصِل أسبوعٌ واحد بيننا وبين المقابلة المقبلة، ونرغب في أن نفعل شيئًا يمنحك بعض الراحة من أعراض مرضك. لقد استُخدِمت أنواع كثيرة ومختلفة من المهدئات والأقراص المشابهة في حالات مثل حالتك، وأسهم كثيرٌ منها في تحقيق تحسُّن، وشُفِي كثير من الأشخاص ممن هم في مثل حالتك باستخدام ما يُطلَق عليه في بعض الأحيان «أقراص سكَّرية»، ونشعر أن تقديم ما يُطلَق عليها أقراص سكرية قد يُسهم في شفائك أيضًا. هل تعرف ما هو القرص السُّكَّري؟ القرص السكري ما هو إلا قرص لا يحتوي على أي مادة طبية فعالة على الإطلاق. أعتقد أن قرصًا كهذا سوف يُسهِم في شفائك مثلما أسهم في شفاء آخرين كثيرين. هل ترغب في تجربة هذا القرص؟»

وأُعطي المريض عيِّنة من العلاج الوهمي في صورة كبسولات وردية في زجاجة صغيرة عليها مُلصَق عليه اسم مستشفى جونز هوبكنز، وطُلب من المريض تناول الكبسولات بصورة دورية، بمعدل كبسولة واحدة ثلاث مرات يوميًّا مع كل وجبة.

تحسَّنت حالة المرضى كثيرًا. أستطيع المضي في الحديث عن ذلك، غير أن حديثي سيبدو مملًّا ومكررًا؛ فنحن جميعًا نعرف أن الألم يتكوَّن من عنصر نفسي قوي. ماذا عن الأشياء الأكثر حيوية: شيء مضاد للمنطق أكثر، شيء أكثر … علمية؟

استغل د. ستيوارت وولف أثر العلاج الوهمي إلى أقصى مدًى ممكن، فاصطحب امرأتين تعانيان من الغثيان والقيء، إحداهما حبلى، وأخبرهما أن لديه علاجًا سيحسِّن من الأعراض التي تشعران بها. في حقيقة الأمر، مرَّر د. وولف أنبوب داخل معدتيهما (بحيث لا تتذوقان مرارة العلاج الغثَّة)، وأعطاهما آي بيكاك، وهو عقار «يؤدي» في حقيقة الأمر إلى الغثيان والتقيؤ.

لم يقتصر الأمر على تحسُّن حالة المريضتين، بل «قلَّت» تقلُّصات المعدة؛ وهي التقلصات التي يُفترض أن يزيد منها عقار آي بيكاك. وتشير النتائج في هذه التجربة — على الرغم من صغر حجم عيِّنة المرضى — إلى أن أي عقار يستطيع أن يُفضي إلى أثر عكسي تمامًا للأثر الذي قد تتوقعه من عقَّار صيدلاني، من خلال التلاعب ببساطةٍ بتوقعات المرضى. وفي هذه الحالة، تغلَّب أثر العلاج الوهمي على تأثيرات العقاقير الصيدلانية.

(٥) أكثر من مجرد جزيئات

إذن هل هناك أي بحث من مجال العلوم الأساسية على طاولة البحوث المعملية يفسر ماذا يحدث عندما يتناول المرضى علاجًا وهميًّا؟ نعم، من وقت إلى آخر، على الرغم من أنها ليست تجارب سهلة التنفيذ؛ فقد جرى، على سبيل المثال، إثبات أن آثار أي عقار حقيقي فعَّال في الجسد يمكن أن تحدث، في بعض الأحيان، بفعل «نسخة» الأثر الوهمي له، لا في البشر فحسب بل في الحيوانات أيضًا. تؤدي معظم عقاقير مرض شلل الرعاش مفعولها من خلال زيادة إفراز الدوبامين. وقد أظهر المرضى الذين يتلقَّون علاجًا وهميًّا لمرض شلل الرعاش، على سبيل المثال، عمليات إفراز أكثر للدوبامين في الدماغ.

وقد أوضح زوبيتا (٢٠٠٥) أن المرضى الذين يتعرَّضون لألم، ثم يتم إعطاؤهم علاجًا وهميًّا، تفرز أجسادهم كمية إندورفين أكثر من المرضى الذين لم يتلقَّوُا العلاج نفسه. (أشعر أن من واجبي أن أذكر أن لديَّ بعض الشك في هذه الدراسة؛ نظرًا لأن المرضى الذين تلقَّوا علاجًا وهميًّا تحملوا أيضًا مثيرات أكثر ألمًا، وهو سبب آخر يفسِّر احتمال ارتفاع نسبة الإندورفين لديهم. أعتبرُ أن ذلك ما هو إلا نافذة صغيرة تُطِلُّ على العالم المدهش لتفسير البيانات غير المؤكدة.)

إذا تعمَّقنا أكثر في البحوث النظرية القادمة من مملكة الحيوان، نجد أن الأجهزة المناعية للحيوانات يمكن تكييفها بحيث تستجيب للعلاجات الوهمية، بالطريقة نفسها التي بدأ بها الكلب في تجربة بافلوف في إفراز اللعاب استجابة لصوت الجرس. قاس الباحثون تغيرات الأجهزة المناعية لدى الكلاب باستخدام ماء سكَّري لا أكثر، وهو المزيج المُنَكَّهُ الذي كان مصاحبًا قبلًا لعملية التثبيط المناعي، من خلال تقديم الماء السكَّري بصورة متكرِّرة بالإضافة إلى سايكلوفوسفاميد، وهو عقار يسهم في تثبيط الجهاز المناعي.

وقد ثبت تحقُّق أثرٍ مشابه لدى البشر، عندما قدَّم الباحثون لأشخاص أصحاء شرابًا له نكهة مميزة بالتزامن مع عقار سايكلوسبورين إيه (وهو عقار يقلِّل من وظيفة الجهاز المناعي بصورة كبيرة). وبمجرد إنشاء العلاقة بين العلاجين من خلال تكرار تناولهما معًا بصورة كافية، وجد الباحثون أن الشراب المُنَكَّه يُفضي بمفرده إلى تثبيط متواضع للجهاز المناعي. ونجح الباحثون أيضًا في استخلاص علاقة بين الشراب وبين نشاط الخلايا القاتلة الطبيعية.

ماذا يعني كلُّ هذا لك ولي؟

كان الناس يميلون إلى الاعتقاد، بصورة ازدرائية نسبيًّا، بأن في حال استجابة الألم لعلاج وهمي، إنما يعني ذلك أن «الأمر برمته يكمن في العقل.» ومن خلال بيانات الاستطلاعات، يتضح أنه حتى الأطباء والممرضات يقتنعون بهذه الأكذوبة. يقول مقال في دورية «ذا لانست» في عام ١٩٥٤ — وهو فضاء آخر مختلف تمامًا فيما يتعلق بالطريقة التي يتحدث الأطباء بها عن المرضى — إنه «بالنسبة إلى بعض المرضى غير الأذكياء أو غير الأكْفَاء، تصبح الحياة أكثر سهولةً من خلال زجاجة دواء لإرضاء الأنا لديهم.»

هذا خطأ. لا يصح محاولة تبرئة الذات، والتظاهر بأن الأمر يتعلَّق بالآخرين؛ لأننا جميعًا نستجيب للعلاج الوهمي. وبينما حاول الباحثون جاهدين من خلال التجارب والاستطلاعات توصيفَ شخصية «المستجيبين للعلاج الوهمي»، أتت النتائج بشكل عام كما لو كانت بمنزلة حظك اليوم الذي يمكن أن ينطبق على أي شخص؛ فقد وُجد أن «المستجيبين للعلاج الوهمي» يتَّسِمُون بالانفتاح أكثر، لكنهم عصابيين أكثر؛ أكثر تكيُّفًا ولكن أكثر عدوانية؛ أكثر مهارة اجتماعيًّا، وأكثر شراسة، ولكن أكثر خضوعًا، إلخ. فالمستجيب للعلاج الوهمي هو كل شخص. أنت نفسُك أحدُ المستجيبين للعلاج الوهمي؛ فجسدك يتلاعب بعقلك؛ ولذا لا يمكن الوثوق بك.

كيف نجمع خيوط كل ذلك معًا؟ يعيد مورمان تأطيرَ أثر العلاج الوهمي باعتباره «استجابة المعنى»؛ أي «الآثار الفسيولوجية والنفسية للمعنى في علاج المرض»، وهو نموذج آسِر. أجرى مورمان أيضًا أحد أكثر التحليلات الكَمِّية إثارة للإعجاب لتأثير العلاج الوهمي، وكيف يتغير وَفق السياق، مرة أخرى على قُرَح المَعِدة. مثلما ذكرنا سابقًا، يعتبر هذا المرض مثالا ممتازًا للدراسة؛ نظرًا لأن القرحة مرض شائع وقابل للعلاج، ولكن الأهم أن نجاح العلاج يمكن تسجيله بصورة لا لبس فيها من خلال إلقاء نظرة على المعدة من خلال منظار.

أجرى مورمان فحصًا ﻟ ١١٧ دراسةً أُجريت على عقاقير معالجة القرحة فيما بين عامَي ١٩٧٥ و١٩٩٤، ووجد، مندهشًا، أن العقاقير تتفاعل على نحوٍ كان لا يمكن توقُّعه، ثقافيًّا لا دوائيًّا. كان عقار سيماتيدين أحد أول عقاقير معالجة القرحة المطروحة في السوق، ولا يزال هذا العقار مستخدَمًا إلى اليوم. في عام ١٩٧٥، عندما كان العقار لا يزال جديدًا، تمكَّن العقار من القضاء على ٨٠٪ من القُرَح، في المتوسط، في التجارب العلاجية المختلفة والمتعددة، ولكن بمرور الوقت، انخفض معدل نجاح سيماتيدين إلى ٥٠٪ فقط. والمثير في الأمر أن هذا الانخفاض قد حدث فيما يبدو بعد طرح رانيتيداين، وهو عقار منافس وأكثر فاعلية، في الأسواق بعدها بخمس سنوات. وهكذا صار العقار نفسه أقل فاعلية بمرور الوقت، مع ظهور عقاقير جديدة في السوق.

هناك الكثير من التفسيرات الممكنة لهذه الظاهرة. من الممكن، بالطبع، أن يكون ذلك مسألة تغيُّر في بروتوكولات إجراء البحوث، لكن هناك احتمالية مقنعة أخرى تتمثَّل في أن العقاقير الأقدم قد صارت أقل فاعلية بعد طرح عقاقير جديدة في السوق؛ نظرًا لانخفاض الاعتقاد في جدواها الطبية. بحثت دراسةٌ أخرى في عام ٢٠٠٢ خمسًا وسبعين تجربة على مضادات الاكتئاب خلال العشرين عامًا المنقضية، ووجدت أن الاستجابة للعلاج الوهمي قد زادت بصورة كبيرة في السنوات الأخيرة (مثلما زادت الاستجابة للعقاقير العلاجية الحقيقية) ربما مع زيادة توقعاتنا حيال آثار هذه العقاقير.

تحظى نتائج كهذه بتداعياتٍ مهمة على رؤيتنا لأثر العلاج الوهمي، وعلى مجال الطب بأسره، بما أن العلاج الوهمي ربما يكون قوةً شاملة هائلة؛ إذ يجب أن نتذكَّر، تحديدًا، أن أثر العلاج الوهمي — أو «أثر المعنى» — مُحَدد ثقافيًّا.

قد تكون مُسَكِّنات الألم ذات العلامات التجارية الشهيرة أفضل من مسكنات الألم غير المعروفة هنا، ولكن لو عدتَ بالزمان إلى الوراء ووجدتَ شخصًا يعاني من آلام الأسنان في عام ٦٠٠٠ق.م، أو في منطقة نهر الأمازون في عام ١٨٨٠، أو قصدتَ روسيا السوفييتية في سبعينيات القرن العشرين؛ حيث لم يَرَ أحدٌ الإعلان التليفزيوني الذي تظهر فيه امرأة جذابة تَجْفِل جرَّاء ألم ناشئ عن دائرة حمراء متوهجة في جبهتها، وتبتلع مسكِّن الألم، ثم ترى اللون الأزرق الهادئ المطمئن ينتشر في جسدها … في عالم تغيب فيه تلك الشروط الثقافية المسبقة التي تحدد قواعد اللعبة، لك أن تتوقع أن يؤدي الأسبرين إلى النتيجة نفسها بقطع النظر عن العبوة التي خرج منها.

ولذلك تداعيات مثيرة بالنسبة إلى قابلية العلاجات البديلة للانتقال. على سبيل المثال، كتبت الروائية جانيت وينترسون في صحيفة «ذا تايمز» في محاولة جمع أموال لصالح مشروع لمعالجة مرضى الإيدز في بتسوانا — وهي بلد يعاني ربع سكانه من مرض الإيدز — من خلال استخدام المعالجة المثلية. يجب أن نُنَحِّيَ جانبًا هنا المفارقة في نقل المعالجة المثلية إلى بلد انخرط في حرب مياه مع جارته ناميبيا، ويجب أيضًا أن نتغاضى عن مأساة تدمير بتسوانا من خلال مرض الإيدز، وهو مرض منتشر انتشارًا ساحقًا في البلاد — أكرِّر مرة أخرى: «بلد يعاني ربع سكانه من مرض الإيدز» — بحيث إذا لم يَجْرِ التعامل بشكل سريع ورادع مع المرض، فربما يفنى الجزء النَّشِط اقتصاديًّا المتبقي من السكان، وهو ما قد لا يُبقي أثرًا للدولة.

بتنحية كل هذه المأساة جانبًا، يكون ما يهمنا هنا هو فكرة أن بإمكان المرء استخدامَ العلاج الوهمي الغربي، المتفرِّد، الذي يمكِّن للمرضى، ويناهض المؤسسة الطبية القائمة، ومحدَّد ثقافيًّا في دولة لا تمتلك إلا النَّزْر اليسير من البنية التحتية للرعاية الصحية، مع توقُّع أن يؤتي التأثيرَ نفسَه. تتمثَّل المفارقة الكبرى في كل ذلك أنه في حال وجود أي فوائد للمعالجة المثلية في علاج مرضى الإيدز في بتسوانا، ربما لا يكون ذلك من خلال ارتباطه الضمني بالطب الغربي ذي المعطف الأبيض الذي تُعتبَر كثيرٌ من الدول الأفريقية في أَمَسِّ الحاجة إليه.

إذن إذا ذهبتَ الآن وتبادلتَ الحديث مع أحد معالجي الطب البديل بشأن محتويات هذا الفصل — وهو ما آمُل بشدة أن تفعَلَه — فماذا ستجد؟ هل سيبتسم ويومئ برأسه ويتفق معك على أن طقوسهم قد بُنِيت بعناية ودقة متناهيتين عبر قرون عديدة من التجربة والخطأ لاستثارة أفضل استجابة ممكنة للعلاج الوهمي؟ إن هناك أسرارًا أكثر دهشةً في القصة الحقيقية للعلاقة بين الجسد والعقل من أي مفهوم خيالي لأنماط الطاقة الكَمِّية في قرص سُكَّري؟

بالنسبة إليَّ، لا يُعتبر ذلك إلا مثالًا آخر على تناقض مدهش في فلسفة معالِجِي الطب البديل؛ فعندما يزعمون أن علاجاتهم تحظى بأثر محدَّد وقابلٍ للقياس على الجسد، من خلال آليات فنية محدَّدة لا طقوس، إنما يدافعون بذلك عن أحد الأشكال القديمة والبسيطة جدًّا للاختزال البيولوجي؛ حيث تؤثر آليات تدخلاتهم العلاجية، لا العلاقة ولا الطقس، تأثيرًا إيجابيًّا على عملية الشفاء. مرة أخرى، لا يقتصر الأمر فقط على عدم امتلاكهم أي أدلة على مزاعمهم حول طريقة عمل علاجاتهم، بل إن مزاعمهم آلية، ومثيرة للإحباط فكريًّا، وتُعتبر أقلَّ تشويقًا من الحقيقة.

(٦) علاج وهمي أخلاقي

ولكن تأثير العلاج الوهمي، أكثر من أي شيء آخر، يطرح مُعضِلات وصراعات أخلاقية مثيرة حول مشاعرنا حيال العلم الزائف. لنأخذ أكثر الأمثلة الملموسة حتى الآن: هل تُعتبر أقراص المعالجة المثلية السُّكَّرية استغلالية، إذا كانت لا تعمل إلا باعتبارها علاجًا وهميًّا؟ لا ينظر أي طبيب إكلينيكي عملي إلى قيمة أي علاج إلا من خلال النظر في سياق طرحه.

إليك مثالًا واضحًا لفوائد العلاج الوهمي. في أثناء تفشِّي وباء الكوليرا في القرن التاسع عشر، كانت حالات الوفاة تحدث في مستشفى لندن للمعالجة المثلية بمعدل يساوي ثلث معدلاتها في مستشفى ميدلسكس، إلا أنه من غير المحتمل أن يكون تأثير العلاج الوهمي مفيدًا إلى هذا الحد في هذه الحالة. إن سبب نجاح المعالجة المثلية في تحقيق الشفاء في هذه الحالة أكثر تشويقًا. ففي ذلك الوقت، لم يستطع أحدٌ علاجَ الكوليرا؛ لذا فإذا كانت الممارسات الطبية الشنيعة مثل الفصد، بالغةَ الضَّرَر، فعلى الأقل لم تحقِّق علاجات مُختَصي المعالجة المثلية نفعًا ولم تُلحِق ضررًا.

بالمثل، غالبًا ما توجد اليوم مواقف يرغب المرضى فيها في العلاج، إلا أنه لا يوجد الكثير مما يمكن أن يقدِّمه الطب؛ آلام كثيرة في الظهر، ضغوط عمل، إرهاق غير مبرَّر طبيًّا، ونزلات برد، على سبيل المثال لا الحصر. باستعراض مسرح العلاجات الطبية، وتجربة جميع أشكال العلاج الواردة بالكتاب، لن يسفر ذلك إلا عن تأثيرات جانبية. وتُعتبر الأقراص السُّكَّرية في مثل هذه الحالات خيارًا منطقيًّا جدًّا، ما دام يمكن استخدامها بحذر، وبأقل قدر ممكن من الخداع على نحو مثالي.

ولكن مثلما أن للمعالجة المِثلية فوائد غير متوقعة، فإن لها آثارًا جانبية غير متوقعة أيضًا؛ فالاعتقاد في أشياء لا يوجد دليلٌ على صحتها له آثاره الجانبية الفكرية المدمِّرة، مثلما أن وصف أقراص علاجية في حد ذاته ينطوي على مخاطر؛ إذ تُسفِر هذه المسألة عن تصنيف المشكلات كحالات طبية، مثلما سنرى، وربما ترسِّخ المعتقدات الهدامة بشأن المرض، وربما أيضًا تدعم فكرة أن تناول الأقراص يُعتبر استجابة مناسبة لمشكلة اجتماعية، أو لأحد الأمراض الفيروسية البسيطة.

هناك أيضًا أضرار ملموسة أكثر، خاصة بالثقافة التي يجري وصف العلاج الوهمي في إطارها، لا بقرص السُّكَّر نفسه. على سبيل المثال، يُعتبر من قبيل الممارسات التسويقية الروتينية بالنسبة إلى مُختَصي المعالجة المثلية تشويهُ الممارسات الطبية السائدة. وهناك سبب تجاري بسيط لذلك؛ إذ تُظهِر بيانات الاستطلاعات أن وجود خبرة مُخَيِّبة للتوقعات مع الطب السائد يعتبر العاملَ الأوحد تقريبًا الذي دائمًا ما يتلازم مع اختيار علاجات الطب البديل. ولا يعتبر ذلك من قبيل التقليل من شأن الطب السائد؛ فقد وجدت إحدى الدراسات أن أكثر من نصف إجمالي مُختَصي المعالجة المثلية الذين استهدفتهم الدراسة قد نصحوا المرضى بعدم استخدام أمصال التطعيم الثلاثي لأطفالهم، وهو ما يُمثِّل تصرُّفًا غير مسئول حيال ما صار معروفًا فيما بعدُ بخدعة التطعيم الثلاثي في وسائل الإعلام. كيف تعامل عالَم العلاج بالطب البديل مع هذه النتيجة المقلقة، التي تفيد بأن الكثير من أفراده كانوا يقوِّضون جدول التطعيمات؟ حاول مكتب الأمير تشارلز فصل الباحث الرئيسي في الدراسة.

وجد أحد التحقيقات في برنامج «نيوزنايت» في محطة «بي بي سي» أن جميع مُختَصي المعالجة المثلية تقريبًا الذين جرى سؤالهم أوصوا بتناول أقراص معالجة مثلية غير فعالة للوقاية من مرض الملاريا، وأوصوا بعدم تناول علاجات الملاريا الطبية التقليدية، بينما لم يقدِّم أيٌّ منهم ولو نصائح أساسية حول سُبل الوقاية من لدغ الناموس. ربما تُدهشك هذه الطريقة في تقديم المشورة الطبية باعتبارها لا تمثِّل طريقة شاملة أو «مكمِّلة» في العلاج. كيف تعاملت «الجهات التنظيمية» المزعومة في مجال المعالجة المثلية مع هذا؟ لم تتَّخذ أيٌّ منها أيَّ إجراء ضد المعالِجِين المثليين المَعْنِيِّين.

على النقيض، عندما لا تُقَوِّض ممارساتِ مُختَصي المعالجة المثلية حملاتُ الصحة العامة وتترك المرضى عرضةً للأمراض الفتاكة، يمكن أن يُغْفِل مُختَصو المعالجة المثلية غير المؤهَّلين طبيًّا تشخيصات غاية في الخطورة، أو يتجاهلونها بشكل فعلي، مُوصِين مرضاهم في خُيَلاءَ بالتوقف عن استخدام أجهزة الاستنشاق، والتخلص من أقراص القلب. وبينما توجد أمثلة كثيرة على ذلك، فإنني أربأ بنفسي عن توثيقها جميعًا هنا. يكفي القول إنه بينما قد يلعب العلاج الوهمي الأخلاقي دورًا، أظهر مُختَصُّو المعالجة المثلية، على الأقل، ببراعةٍ أنهم لا يمتلكون النضج أو المِهْنية اللازمة لتقديم هذا العلاج. في الوقت نفسه، أحيانًا ما يتساءل الأطباء العصريون، الذين تصدمهم الجاذبية التجارية للأقراص السكرية — على نحو يخلو من الخيال — إن كان عليهم الانخراط في عملية ترويج الأقراص السكرية فيوصون باستخدامها أيضًا. ولعل الفكرة الأكثر ذكاءً هنا، بالتأكيد، تتمثَّل في استغلال البحوث التي رأينا أمثلة عليها، ولكن فقط لدعم العلاجات التي «تُسفر» حقًّا عن نتائج أفضل من العلاج الوهمي، وتحسن الرعاية الصحية دون تضليل المرضى.

هوامش

(١) قدَّمت سلسلةُ الحلقات أيضًا تجربةَ أشعَّة مقطعية على المخ باستخدام إبر الوخز، قامت «بي بي سي» بتمويلها، ثم جاء أحد العلماء المشاركين في التجربة لا يشكو فقط من المبالغة في تفسير النتائج (وهو أمر متوقع من وسائل الإعلام، مثلما سترى)، بل أيضًا من هول الضغوط التي مارسها الطَّرف المُمَوِّل — أيْ: «بي بي سي» — لإظهار نتائج إيجابية. ولعل هذا مثال رائع للأمور التي «لا» تفعلها عندما تُجري تجربة علمية، كما أن حقيقة أن العقل المدبِّر لتجربة كهذه «أستاذ في الفهم العام للعلم» يفسِّر على نحوٍ ما لماذا يُعتبر وضعنا الحالي مثيرًا للإحباط. وقد دافعت «بي بي سي» عن البرنامج في خطاب وقَّعَه عشرة أكاديميين، وقال كثيرٌ من الموقِّعين حينها إنهم لم يوقِّعوا أبدًا على خطاب كهذا. إن العقل لَيَحَارُ حقيقةً.
(٢) أتفق مع ذلك: هذه نتيجة تجريبية غريبة وشاذة، وإذا كان لديك تفسير جيد للطريقة التي ربما تأتَّتْ بها هذه النتيجة، فسوف يرغب العالم أجمع في الاستماع إلى تفسيرك. انظر إلى المراجع واقرأ الورقة البحثية كاملةً على الإنترنت، وأَنشِئ مدوَّنة، أو اكتبْ خطابًا إلى المجلة العلمية التي نشرتْ هذه الدراسة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤