الفصل الخامس

أيام في بيروت (٣)

«البيرق» جريدة الأستاذ أسعد عقل جريدة يومية، وصاحبها ورئيس تحريرها مُكاتِب «الأهرام» في بيروت ولبنان، فمكتبه توكيل «الأهرام»، وزيارته واجبة للتحية والتعارُف بالزملاء من المحرِّرين.

سألت عن الأستاذ عقل، فعلمت أنه متوعِّك المِزاج، ويقضي فصل الصيف في الجبل، ومن مصيفه يرسل يوميًّا المقالَ الافتتاحي وتعليماته إلى مكتب الإدارة ومكتب التحرير.

بين الزملاء والرصفاء

وفي إدارة «البيرق» وجدتُ الأستاذ نسيب المتني.

وكان الوقت ظهرًا، والأستاذ نسيب مُشرِف على إصدار العدد، وأدركتُ موقفه فاكتفيت منه بفنجان القهوة، والسؤال عن الأستاذ فؤاد حبيش، صاحب جريدة المكشوف، وهل هو في مكتبه أو غائب عنه، فكان الجواب أن أرسل الأستاذ حبيش أحد موظفي الجريدة ليصحبني إلى داره.

وجريدة «المكشوف»، وبعبارة أدق مجلة «المكشوف»، هي اليومَ رسولُ الأدب العربي والصحيفة العربية الوحيدة التي تُعنى بمعالجة الأدب العصري المتحرك.

ودار المكشوف مجتمَعُ أدباء الشباب في سوريا ولبنان ومَن يقصدون إلى لبنان من كُتَّاب العربية وشعرائها.

وفي دار المكشوف وجدت الآنسة جميلة العلايلي، الأديبة المصرية المعروفة بشِعرها ونَثْرها وتخصُّصها في التربية واشتغالها بالتعليم في مدرسة البنات الأميرية بالمنصورة.

وجرى الكلام طبعًا في الأدب وغير الأدب بعبارة قصيرة وجيزة، وأبدت الآنسة جميلة أسفَها لما شاهدته في كشافة لبنان من إهمال الحكومة لها.

figure
من مناظر بيروت: شارع الجنرال ويجند.

حديث عن الأدب

ثم انصرفتْ مستأذِنة، وحضر على الأثر الأستاذ عمر فاخوري من كبار كُتَّاب الأدب، وأهدى إليَّ نسخةً من روايته «الباب المرصود»، ولبِث طول الوقت ساكتًا مستمعًا لحديث الأستاذ فؤاد حبيش عن الأدب وما تستهدف له مصر من ابتعادها عن العالَم العربي والكتابة عن أدباء البلاد العربية.

فشرَحتُ له حال الأدب والأدباء والكتابة والتأليف والمطالَعة والقُرَّاء في مصر، على ما أعرفه عمليًّا.

ورأيته غير مقتنع، فوعدته — كما وعدت الأستاذ صلاح الأسير — بأنني سأقوم بواجبي في الدعاية للأدب العربي في العالم العربي بقدر استطاعتي وما أملك من جهد.

وقبل أن أنصرف من دار المكشوف زوَّدني الأستاذ حبيش ببعض ما انتقيتُه من مطبوعاته والمطبوعات الأدبية التي أَعَدَّها للبيع في مكتبة المكشوف.

إلى بكفيا وضهور الشوير

وخصَّصت يوم السبت ٢٣ يوليو لطلعة إلى الجبل لزيارة الصديق العزيز الأستاذ عزيز الهاشم في بكفيا، والدكتور أسد رستم في ضهور الشوير.

والأستاذ عزيز الهاشم مصري المولد والنشأة، تركنا مع السيدة والدته وأخيه الأستاذ يوسف الهاشم بعد الحرب.

واشتغل في القضاء، ثم عافت نفْسُه الوظيفةَ فتركها ولبس روب المحاماة وانغمس في لُجَّة السياسة مدافِعًا عن حقوق بلاده.

وكانت رحلة صباحية بديعة بالسير إلى جانب البحر، ثم الصعود إلى الجبل من أنطلياس إلى عين عار، فغيرها من القرى والبلاد العامرة ذات المباني الحجرية.

figure
منظر عام لمدينة بكفيا.

ساعات في بكفيا

وأنزلني الشوفير أمام بيت الهاشم، واستقبلني الأستاذ الصديق بوجهه الصبوح وابتسامته الحلوة، وأدخلني الغرفة التي ترقد فيها السيدة والدته المريضة، فسلَّمت ودعوت لها بالشفاء.

ثم عرَّفني إلى ضيفَيْه الأستاذ عزيز الريس المدرس في مدرسة شبين الكوم الأميرية، والأستاذ يوسف كحيل من موظفي حكومة السودان السابقين.

وكانت المائدة العامرة والحديث الطلي عن السياسة المصرية، فالقيلولة المريحة ووداع السيدة الوالدة، فزيارة الأستاذة يوسف أوغسطين مدير إدارة «الأهرام» وشقيقه في دارهما وتناوُل الشربات والقهوة.

في دار الأستاذ أسد رستم

وأخذت سيارة أخرى إلى ضهور الشوير وقصدت توًّا إلى دار الدكتور رستم، فإذا بي في مجمع حافل بأهل الوجاهة والفضل يتقدَّمهم غبطة السيد ألكسندروس طحان بطريرك الكرسي الأنطاكي للروم الأرثوذكس واثنان من كبار رجال الدين.

ومعالي حقي العظم بك رئيس مجلس شورى الدولة السابق للجمهورية السورية.

وسمو الداماد أحمد نامي بك الرئيس السابق للدولة السورية.

والوجيه محمد المنير بك من أعيان دمشق.

وفارس مشرق بك الرجل اللبناني الذي كان له الفضل في إنشاء ضهور الشوير والمحافظة على أهالي بلده أيام الحرب العظمى، وإنشاء المعارض للنسيج والصناعات الوطنية، وصديق كبار المصريين من أمراء ووزراء. وقد عرف أهل الشوير فضْلَه فأقاموا له تمثالًا هو الوحيد في الجبل كله لشخص من الأحياء.

وابن عمه الدكتور مشرق الطبيب المعروف في مصر.

والأستاذ حليم دموس الشاعر.

والأستاذ حنا خباز الكاتب الرَّحَّالة المشهور.

والدكتور شارل مالك أستاذ الفلسفة.

والدكتور قسطنطين زريق أستاذ التاريخ الإسلامي في الجامعة الأمريكية ببيروت.

وكان يزين المجلس عددٌ من السيدات والآنسات.

وقامت السيدة ربة الدار وبعض الأوانس بتقديم الشاي وملحقاته.

وكان الحديث الشهي الممتع عن مصر وسوريا ولبنان.

ليلة مصرية في فندق الروضة

ثم أخذ الجميع في الانصراف، وصحبتي معالي حقي العظم بك إلى قهوة السلوى، وتذكرنا الماضي وأيام الاسبلندد بار، وأقلَّتنا سيارة إلى فندق «الروضة» الذي قررت أن أقضي ليلتي فيه، وودَّعني على أمل المقابلة في اليوم التالي.

وكانت تنير فرندة الفندق السيدة إيزابل حبيش قرينة الصديق العزيز الأستاذ حميد حبيش الموظف في وزارة الداخلية المصرية.

فتبادلنا التحية والسلام وقدَّمتني إلى نزلاء الفندق ومعظمهم من المصريين.

قالت: وما رأيك في هذا الفندق؟

قلت: لا عيب فيه إلا بعده عن منطقة القهاوي والأندية العامة والكازينات.

قالت: بل حلاوته في كدا، فإن زبائنه كلهم من العائلات الكريمة التي تأتي للابتعاد عن دوشة القهاوي ووجع الرأس في قرقعة الطاولة والدومينو.

ولم تمضِ دقائق حتى شعرت أنني في مصر ولست في لبنان.

الراديو المصري ينقل إلينا أخبار مصر والتلغرافات الواردة إلى مصر عن زيارة محمد محمود باشا لإنكلترا، وأغاني عبد الوهاب وأم كلثوم.

وهذا بائع الجرائد ينادي على جرائدنا ومجلاتنا المنقولة على الطيارة وفي القطار والسيارة.

والإخوان كلهم لا حديثَ لهم إلا مصر وشئون مصر.

وقبل الانصراف من السهرة تعرَّفت إلى الخواجا يوسف غانم صاحب الفندق، فطاف بي أرجاءه وأطْلَعني على قاعاته وغُرف النوم فيه والحمَّامات، فذكرتُ له زيارتي للضهور سنة ١٩٢٧ وندرة المياه فيها، فقال: لقد تبدلت الحال، والماء على ما تريد في كل غرفة.

وفي الصباح زارني معالي حقي العظم بك والأستاذ الصديق خليل الخوري القاضي في محاكم السودان سابقًا، والدكتور أسد رستم، والشاعر حليم دموس.

وكان في عزمي الانصراف صباحًا، ولكن صاحب الفندق أبى إلا أن يضيِّفني لغدوة «مغربية».

وجلس في الفرندة طبالٌ إيطالي أكل الدهر عليه وشرب، يقرع طبلة جازبند وناقوسها بيدَيْه ورجلَيْه، ويشترك معه الراديو حينًا والفنوغراف آخَر، على أن يلبي أحد دعوته للرقص، فلم يظفر بطائل وأخيرًا استسلم للنوم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤