الفصل السابع

في الباخرة تراكي

يوم الثلاثاء ٢٦ يوليو، وداع بيروت.

«اسمع منا، بلاش اليونان السنة دي، أنا أجي معك إلى الشركة لتأجيل التذكرة، وتطلع معنا الجبل.» هكذا قال لي شيخي الخازن، فاعتذرت عن قبول هذه الدعوة الأخوية.

وجاء الشوفير النشيط، وحمل «الحاجة شنطة» وأختها، وسار بي إلى البوستة العمومية، فأرسلت منها ما كنت أحمله من رسائل.

ومن البوستة إلى الميناء، مارًّا بديوان الجمرك.

الخروج من الجمرك

وفي الجمرك لاقاني شيخي الصغير جوزيف الدحاح، فسهل لي التأشير على الباسبورت وتمرير «الحاجة» بدون تحريك مفتاحها، ثم نقلها معي في رفاص بخاري إلى الباخرة «تراكي».

و«تراكي» باخرة يونانية دمًا ولحمًا وقبطانًا وضباطًا وخدمًا وأكلًا وشربًا.

خرجت من بيروت ظهرًا متمهلة، وسارت متاخمة الشاطئ البديع الحافل بمدنه وقراه والجبال المشرفة عليه، حتى وصلنا إلى مدينة طرابلس الشام في الساعة الرابعة بعد الظهر.

وهنا وقفت في عرض البحر، وصعد إليها بعض الركاب وطبيب الكورنتينا وبعض عمال الميناء، فملَئوا الباخرة بهجة بمحادثاتهم ومنادماتهم وهم يتناولون شاي الساعة الخامسة.

صديقتان عزيزتان

وطفقت أفتش عن راكب مصري أو مسافر يوناني يتكلم العربية، فكان من حسن الحظ أن قابلت الصديقتين العزيزتين السيدة نازلي مظهر سعيد، وأختها السيدة زينب الحكيم.

وكان التعب قد أخذ مني، فعمدت إلى غرفة النوم، ولم أبرحها إلا ساعة العشاء.

ليس في الباخرة ما يستحق الذكر إلا الراديو الذي أخذت يد العامل تتلاعب بمفتاحه، فتحوله كل دقيقتين إلى محطة.

figure
السيدة نازلي مظهر سعيد.

على شواطئ قبرص

وأصبحنا يوم الأربعاء ٢٧ يوليو في قبرص، فوقفت الباخرة إلى جانب الرصيف في مينا فاماجوستا، واجتمعت الخلائق من باعة فاكهة وصور ومرطبات وحمالين وسائقي تكسيات.

وسألت عمَّا إذا كان ما يمنع من النزول إلى المدينة، فقيل لي: إن الوقت راح.

وخرجنا من فاماجوستا إلى لارنكا، ومن لارنكا إلى ليماسول، وفي كل من المدينتين الساحليتين وقفة نحو ثلاث ساعات في عرض البحر لنقل الركاب والبضائع في زوارق بخارية وشراعية.

وانقضى يوم الأربعاء، ولا بد من يومين طويلين للوصول إلى بيريه.

فعمدت إلى ما بقي معي من جرائد بيروت ولبنان فقرأتها، وإلى مجلة مصرية فأتيت عليها.

وكتبت رسائل وحررت هامشًا، ودوَّنت فصلًا عن رودس، ولكن ذلك كله لم ينفع لقطع الوقت.

الشقيقتان الرحالتان

وبارك الله في الشقيقتين العزيزتين.

فقد ألفتا حلقة ذكرتنا بصالون السيدة نازلي في الجيزة، وصالون الآنسة زينب في حدائق القبة.

والسيدتان الكريمتان جوابتان تغادران مصر من سنة إلى أخرى، للبحث والتنقيب ودراسة أحوال البلاد والعباد، فجابت السيدة نازلي بلاد أوروبا كلها وزارت شمال أفريقيا، وقضت في العراق سنتين.

figure
دير القديس نقولا في فاماجوستا (قبرص).

وتبعتها الآنسة زينب هذه السنة، فصحبت وفد الأطباء المصريين إلى بغداد في شهر فبراير الماضي، وحضرت جلسات المؤتمر الطبي، ثم قضت في مدينة الملك غازي شهرين، وخرجت منها إلى الموصل وكردستان، ووصلت في رحلتها إلى حدود إيران، ثم عادت إلى الشام ولبنان دارسة منقبة عن الشئون العامة والمرأة والحياة المنزلية خاصة.

وكانت أينما حلت وسارت موضعَ الإكرام والإعزاز، وقد جمعت معلومات دقيقة وافية وكميات من الصور والرسوم، وفي نيتها أن تؤلف منها كتابًا في ثلاثة أجزاء.

وتقابلت الشقيقتان في دمشق، على أن تسافرا معًا إلى أثينا، ثم إلى فينا ومونيخ، وغيرهما من بلاد أوروبا الوسطى لحضور بعض المؤتمرات العلمية ومعرض التلفزة الدولي.

figure
الباخرة تراكي.

وقضيت الساعات في سماع أخبار هذه الرحلة الشرقية، التي قامت بها فتاة مصرية بمفردها، متجشِّمة الأتعاب، مُنفِقة من مالها الخاص على الاستطلاع وتعرُّف أحوال البلاد والعباد التي لا تكفي لدراستها مطالعة الكتب وقراءة رحلات الرواد.

حديث عن التربية والتعليم

وأسهبت السيدة نازلي في تفصيل ما عرفته عن العراق وحالة التربية والتعليم فيه، وأسباب حادثة الأستاذين سيف وعزمي، وما يجب على مصر وحكومتها عمله لخدمة العراق، ولخير الأساتذة المصريين الذين يرسُلون للتعليم في هذه البلاد.

وانتقلت من حديث العراق إلى مقارنات ومقابلات في التربية والتعليم بمصر والبلاد العربية.

واقتبست من حديثها الممتع الكثير من المعلومات عن أعمال التفتيش في مدارس وزارة المعارف المصرية.

واليوم الجمعة ٢٩ يوليو، والباخرة تشق عُباب البحر، وعند الظهر أخذنا نجتاز سلسلة الجزر اليونانية الصغيرة.

وأعلن القبطان أن الوصول إلى بيريه سيكون متأخرًا، فنصل إليها عند منتصف الليل بدلًا من الساعة السادسة مساء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١