الفصل الثاني

جثا ويليام برنتون على ركبتَيه إلى جانب زوجته المغشي عليها في محاولة منه لتهدئتها وتسكين رَوعها، ولكن بدا واضحًا أنها فقدت وعيها.

صدر صوتٌ بجانبه يقول: «لا جدوى مما تفعل.»

رفع برنتون بصره فجأة، فرأى شخصًا غريبًا لا يعرفه يقف جواره. تساءل لبرهةٍ كيف دخل هذا الغريب إلى هنا، ولكن لظنه أن الأمر برُمَّته في النهاية هو حُلم، أجابه:

«ماذا تقصد؟ إنها لم تمُت بعد.»

أجاب الغريب: «أجل، ولكن أنت مَن فارقت الحياة.»

figure
رأى شخصًا غريبًا لا يعرفه يقف جواره.

صرخ برنتون: «أنا! ماذا؟»

«أنت من يسميه العالم المادي ميتًا، رغم أنك في الحقيقة لم تبدأ الحياة إلى الآن.»

سأله برنتون: «ومَنْ أنت؟ وكيف دخلت إلى هنا؟»

ابتسم الغريب.

ثم كُرر سؤال برنتون ثانية: «كيف دخلت أنت إلى هنا؟»

«أنا؟ عجبًا، هذا منزلي أنا.»

«كان، تقصد كان منزلك.»

«بل أقصد أنه منزلي. أنا في منزلي وهذه السيدة زوجتي.»

قال الآخر: «كان.»

صاح برنتون وقد استشاط غضبًا: «أنا لا أفهمك. ولكن على أي حال، حضورك إلى هنا وتعليقاتك غير مُرحَّب بهما.»

قال الآخر: «سيدي الفاضل، لا أرغب إلا في مساعدتك وأن أوضِّح لك كل ما قد ترغب في معرفته عن وضعك الجديد. لقد تحررت الآن مما يُثقل بدنك. وقد شهدت بنفسك بعض القدرات الأخرى التي منحك إياها هذا التحرر. وصار لديك كذلك فكرة — بكل أسفٍ — عن حقيقة أن للروح قيودًا تُكبِّلها. إذا شئت أن تتواصل مع مَنْ فارقتهم، أنصحك بشدة أن تُرجئ سعيك هذا وتغادر هذا المكان الذي لن ينتابك فيه سوى شعورٍ بالهمِّ والألم. تعالَ معي وتعرَّف على حياتك الجديدة.»

قال برنتون: «أنا في حُلمٍ وأنت جزءٌ منه. لقد خلدت إلى النوم الليلة الماضية وما زلت أحلم. هذا كابوس مزعج وسينتهي قريبًا.»

قال الغريب: «إنما تقول ذلك لإقناع نفسك. لقد تبيَّن لك الآن أن ما أنت فيه ليس حُلمًا. إن صحَّ أن هناك أحلامًا، فما فارقته كان هو الحُلم، أما الآن فأنت مستيقظ. إذا كنت تعتقد حقًّا أنه حلم؛ فافعل ما أمليه عليك وتعالَ معي وغادره؛ فلا مفر من أن تقر بأن هذا الجزء من الحلم — على أقل تقدير — ثقيل على النفس.»

وافقه برنتون: «إنه ثقيلٌ حقًّا على النفس.» أثناء حديثه، أقبل الخدم مرتبكين وهرولوا لأعلى وحملوا سيدتهم الغائبة عن الوعي ووضعوها على أريكة. بدءُوا في تدليك يديها ونثر الماء على وجهها. فتحت عينَيها ثم ما لبثت أن أغمضتهما مرةً أخرى وهي ترتجف.

ثم بدأت في البكاء: «سارة، هل أنا في حُلمٍ أم أن سيدك قد مات فعلًا؟»

شحب وجه الفتاتَين في هذه اللحظة ودلفت كبراهما بشجاعة إلى الغرفة التي تركتها سيدتها منذ قليل. كانت هذه الفتاة الشابة تبدو متمالكةً نفسها جيدًا، ولكنها خرجت من الغرفة تنتحب ومئزرها يحجب عينيها.

قال الغريب الذي يقف بجوار برنتون: «انهض وتعالَ معي، ألا يكفيك كل هذا؟ تعالَ معي وبإمكانك العودة إلى هذا المنزل إذا شئت.» فخرجا معًا من الغرفة إلى نسمات الهواء المنعش لصبيحة يوم الميلاد. ولكن رغم معرفة برنتون بأن الهواء لا بد أن يحمل نسماتٍ باردة؛ لم يكن يشعر بالبرد ولا بالدفء.

استرسل الغريب قائلًا: «توجد مجموعةٌ منَّا، تتناوب على مراقبة أي إنسان وهو طريح الفراش على أعتاب الموت، وحالما تفارق الروح جسده يأتي دورنا لنكون له عونًا على توضيح الأمر أو التخفيف عنه أو مواساته. لكن موتك باغتنا لدرجة أنه لم يسبق إنذارنا به. هل صحيح أنك لم تكن مريضًا قبل الليلة الماضية؟»

أجابه برنتون نافيًا: «على الإطلاق، كنت في أحسن حال حتى بعد أن تناولت العشاء الليلة الماضية.»

«هل سوَّيت أمورك إلى حدٍّ مقبول؟»

أجابه برنتون محاولًا استعادة ذاكرته: «أجل، أعتقد أنهم سيجدون كل شيء على أتم وجه.»

سأله هذا الغريب: «أخبرني قليلًا عن قصتك إن لم يكن لديك مانع؛ فسوف تساعدني في محاولتي لإطلاعك على نظامنا الجديد الذي تسير عليه الأمور هنا.»

أجابه برنتون متعجبًا من انسياقه بهذه السهولة وراء افتراض هذا الغريب بأنه قد فارق الحياة: «حسنًا، كنت شخصًا ممن يصفه أهل الأرض بأنه ميسور الحال. تبلغ قيمة ممتلكاتي ١٠٠٠٠٠ دولار. استثمرت ٧٥٠٠٠ في التأمين على حياتي، إذا سُدِّد هذا المبلغ كله، فسوف يحقق ربحًا لأرملتي لا يقل عن مائتي ألف دولار.»

قال الآخر: «منذ متى وأنت متزوج؟»

«منذ قرابة ستة أشهر. تزوجت في يوليو الماضي ثم سافرنا في رحلةٍ إلى الخارج. عُقِدت مراسم زواجنا في أجواء هادئة وسافرنا بعدها مباشرة؛ ولهذا ظننا عند عودتنا أنها لن تكون فكرةً سيئةً إذا أقمنا مأدبة عشاء عشية عيد الميلاد ودعونا بعض أصدقائنا. كان ذلك …» تردد لحظةً ثم استكمل حديثه: «في الليلة الماضية. بعد فترة قصيرة من العشاء بدأت أشعر بأنني متعب قليلًا ثم صعدت لأعلى لأستريح لبعض الوقت، وإذا صحَّ ما تقول، فإن أول شيء عرفته أنني وجدت نفسي ميتًا.»

صحَّح له الغريب: «تقصد حيًّا.»

«حسنًا، وجدت نفسي حيًّا مع أني في اللحظة الحالية أشعر بانتمائي للعالم الذي تركته أكثر من العالم الذي يبدو أنني فيه الآن. لا بد من الاعتراف بأنني أتحدث إلى رجل مقبول ومهذب، لكنني أتوقع في أي لحظة أن أفيق وأكتشف أنني كنت بصدد كابوس لم يصادف حظي السيئ ما هو أكثر ترويعًا منه.»

ابتسم الشخص الآخر.

«ثمة خطر محدود للغاية من إفاقتك كما تُسميها. سأخبرك الآن بالمشكلة الكبرى التي تواجهنا مع المستجدين على أرض الأرواح، ألا وهي دفعهم إلى نسيان العالم الذي خلَّفوه وراءهم تمامًا. الرجال الذين تركوا وراءهم أُسرًا في ظروف يُرثى لها، أو الرجال الذين تركوا شئونهم في وضعٍ مضطرب يجدون صعوبةً شديدةً في أن ينْأَوا بأنفسهم عن محاولة إعادة الأمور إلى نِصابها الصحيح. يحركهم شعورٌ بأنهم قادرون على المواساة أو التخفيف عمَّن فارقوهم، ويستغرقون غالبًا وقتًا طويلًا قبل أن يقتنعوا بأن جهودهم جميعها تذهب سُدًى، بل لا يجني أحدهم منها سوى تكدير نفسه.»

سأله برنتون: «هل ينقطع الاتصال إذن بين هذا العالم وذلك الذي تركوه وراءهم؟»

تروَّى ذاك الغريب لحظةً قبل الرد.

ثم أجاب: «يصعُب عليَّ أن أخبرك بأنه لا يوجد أي اتصالٍ بين عالمٍ وآخر، ولكن إذا كان ثمة اتصال، فهو طفيف لا يفي بالغرض، وإذا كان لك حظٌّ من رجاحة العقل؛ فسترى الأمور بعين مَن يفوقونك خبرةً في هذا العالم. يمكنك بالطبع العودة إلى هناك كلما تاقت نفسُك إلى ذلك دون أحد يعترضك أو عقبة تمنعك. لكن عندما ترى الأحداث تسير في غير اتجاهها وترى أخطاءً على وشك أن تُرتكب، فسيفزعك حينها أن تقف هناك مكتوف اليدين عاجزًا عن التأثير فيمن تحب، أو الإشارة إلى خطأ واضح لك وإقناعهم بأن رؤيتك التي هي أكثر شفافيةً عنهم ترى هذا خطأً. أتفهَّم بالطبع أن المسألة لا بد أنها صعبة للغاية على رجلٍ حديث الزواج أن يفترق عمَّن أحبته وأحبها. لكن أؤكد لك إذا تتبعت حياة سيدة شابة وجميلة كزوجتك، حتمًا ستجد شخصًا آخر يسقيها سُلْوانًا تعجز أنت عن أن تمنحها إياه. وستفضي بك مثل هذه المهمة إلى كنيسةٍ تقترن فيها بزوجها الثاني. ويؤسفني أن أقول إن حتى أكثر الأرواح المطمئنة تنزعج أمام مثل هذا الحدث. الحكماء وحدهم هم من يُقدِّرون ويتفهَّمون أنهم في عالمٍ جديد كليًّا بقدراتٍ جديدة وقيود لم تكن أمامهم مِن قبل، وهم مَن يتحكمون بأنفسهم من البداية بناءً على ذلك، مثلما سيفعلون حتمًا فيما بعد.»

رد برنتون بلهجة غاضبة شيئًا ما: «سيدي المبجَّل، إذا صحَّ ما تقوله بأنني حقًّا رجل ميت …»

صحح الرجل الآخر: «حيٌّ.»

«لا بأس، حيٌّ إذن. اسمح لي أن أخبرك بأن قلب زوجتي منفطر حزنًا. ولن تتزوج مطلقًا مرةً أخرى.»

«بالتأكيد هذا أمر أنت أعلم به منِّي. كل ما أنصحك به بشدةٍ هو ألا تراها مجددًا. يستحيل عليك أن تُسلي أحزانها، ولن تجلب لنفسك سوى التعاسة برؤيتها بائسةً حزينة. لذلك، خذ بنصيحتي. لقد أسديتها لك كثيرًا، وأؤكد لك أن مَن أعرض عنها مِن قبل؛ ندم فيما بعد. ابقَ بعيدًا تمامًا عن كل ما يربطك بحياتك السابقة.»

التزم برنتون الصمت لعدة لحظات ثم قال:

«أظن أن نصيحتك نابعة من نواياك الحسنة، لكن إذا كانت الأمور تبدو كما ذكرت، فلن أعدل عن رأيي ولا أنوي الأخذ بها.»

«لك الأمر كله، هذه تجربة يفضل كثيرون أن يخوضوها بأنفسهم.»

سأله برنتون سؤالًا بدا نابعًا من رغبته في تغيير موضوع الحديث: «هل لكم أسماء هنا في أرض الأرواح؟»

أجاب: «أجل، نُعرَف بأسمائنا التي استخدمناها في المرحلة الإعدادية في الحياة الدنيا. اسمي فيريس.»

«وإذا أردت العثور عليك هنا، فكيف لي أن أتصرف؟»

أجابه فيريس: «يكفيك التمني. تمنَّ فقط أن تصبح معي، وستصبح حينها معي بالفعل.»

صاح برنتون في دهشة: «يا إلهي! هل التنقل بهذه السهولة؟»

«التنقل من مكانٍ لآخر سهل للغاية، بل لا يوجد ما هو أسهل منه، وفي ظني لا مجال لأن يكون أفضل من ذلك.»

«هل ثمة أمور هنا تعتقد أنها يمكن أن تكون أفضل؟»

«أفضِّل ألا أُدليَ برأيي في ذلك. ربما سيصبح بإمكانك أن تُدليَ برأيك في ذلك قبل أن تُمضيَ وقتًا أطول بكثير هنا.»

قال برنتون: «بالنظر إلى الأمر نظرةً عامة، هل يوجد في ظنك مَن يُؤثِر أرض الأرواح على العالم الذي تركناه؟»

أجابه فيريس: «تروقني الحياة هنا أكثر، لكن هذا لا ينفي اعتقادي بأن ثمة أشخاصًا لا تروقهم الحياة هنا. توجد مزايا عديدة، لكن ثمة الكثير من العيوب أيضًا، وإن كنت لا أفضل أن أسميها هكذا، لكن ما زال البعض يعُدها عيوبًا. نحن نتحرر من الشعور بألم الجوع أو البرد، ومِن ثمَّ لا حاجة لنا إلى المال في شيء، ولا داعي يجبرنا على العجلة والقلق كما كنَّا في الدنيا.»

قال برنتون: «ماذا عن الجنة والجحيم؟ أهما مكانان من وحي الخرافات والأساطير؟ ألا يوجد ثواب وعقاب على أرض الأرواح؟»

لم تأتِه إجابة عن هذا السؤال، وحين التفت برنتون حوله وجد رفيقه قد غادره.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤