أنا والتعليم

كانت أغلب إقامتنا بالقرية؛ فأنا أكبر إخوتي، ولم أكن قد انتظمت في المدارس بعد، ولم يكن يربطنا بالقاهرة إلا مجلس النواب حين تكون هناك جلسات، وكان أبي لا يتخلف مطلقًا عن المجلس، ولكن لا أدري لماذا أذكر أن إقامتنا بالقرية كانت تتطاول ربما كان المجلس معطلًا في هذه الفترات.

وأذكر أنني ذهبت قبل أن أبدأ التعليم مع أبي إلى الإسكندرية مرات، وكان أبي يستأجر بيتًا مفروشًا هناك.

وأذكر أنه كان يصحبني إلى شاطئ سان ستيفانو، وكان عم أحمد بخيت خادمه الخاص يذهب معنا، وكان أبي يجعلني أمسك برجليه ويسبح بي في الماء، وندخل إلى الأعماق، ولهذا أذكر أنني لم أخَف حين بدأت تعلم العوم بعد ذلك على يد خالتي، وكان تعليمها ساذجًا، وما زال هو زادي من السباحة حتى اليوم، فإذا رأيتني في الماء، ورأيت سباحتي أدركت أنها سباحة من يستطيع أن يبقي أنفه فوق سطح الماء فقط؛ فهي سباحة عاجزة بلا أسلوب ولا إتقان، ولكني سعيد بها غاية السعادة؛ فأنا عن طريقها أستطيع أن أصل من الماء إلى حيث لا تلامس أقدامي الرمال، وأنا ليس لي مأرب في البحر أبعد من هذا.

بدأت تعليمي الدراسي إذن في غزالة، وقد شاء القدر أن يختار أبي من بين جميع المدرسين الإلزاميين مدرسًا أعتبره أنا حتى اليوم أعظم مدرس للأطفال يمكن أن تجود به الحياة.

إنه الأستاذ أحمد حسين القرعيش الذي أصبح الحاج أحمد حسين القرعيش، وقد كان لحمله هذا اللقب قصة في غاية الطرافة؛ فقد كانوا ينادونه بأحمد أفندي؛ لأنه كان يلبس الحلة والطربوش وهو في طريقه إلى المدرسة الإلزامية التي كان يُدرِّس بها؛ فقد كان يعمل بمدارس قرى أخرى، وكان يخترق قرًى عديدة، فكان لا بد أن يلبس حلته كاملة والطربوش، فلم يكن عجيبًا أن ينادوه بأحمد أفندي. وظل هذا لقبه حتى بعد أن نقل إلى مدرسة غزالة؛ فقد ظل أيضًا يلبس حلته كاملة في المدارس إطاعة منه لأوامر الوزارة.

ثم حجَّ، وعاد من الأراضي الحجازية، وراح أهل القرية ينادونه بأحمد أفندي على عادتهم، فإذا هو يصيح بهم: يا نهار أسود! أكنت حججت ودفعت مائة جنيه وزيادة لتقولوا أحمد أفندي؟! من لا يقول الحاج أحمد لن أرد عليه.

وكان الحاج أحمد شاعرًا رقيقًا، وإني أذكر كثيرًا من شعره، ولكنني أحب له هذه الأبيات:

قالت: أحبك صادق
قلت: الدلائل قاطعاتُ
قالت: وعهدك، قلت: با
قٍ ما رعت عهدي الحياةُ
قالت: وحبي؟ قلت: فصـ
ـل مثَّلته الغانياتُ
قالت: وعهدي؟ قلت: ذا
ك هو الأماني الكاذباتُ
ضحكت، وقالت: هكذا
من قبلك العشاق ماتوا

وشاء حظي السعيد أن يكون هذا الرجل الشاعر خفيف الظل هو معلمي الأول، عليه تعلمت الخط الأفقي والخط الرأسي وحروف الهجاء الأولى والحساب من جمع وطرح إلى ضرب إلى قسمة، وكان يحمل لي في جيبه أقراص النعناع، فإذا أحسنت الإجابة أعطاني قرصًا من النعناع، مع تصفيق شديد، وإظهار للإعجاب، وكأنني أتيت عملًا لم يسبق لأحد أن أتى به.

ولم يكن من الممكن أن يستمر الحاج أحمد في إعطائي الدروس؛ إذ سرعان ما انتقلنا إلى القاهرة، وتولَّى أمري في الدروس الخاصة مدرس آخر من غزالة أيضًا، واسمه عليوة أفندي عبد الله، وكانت طريقة عليوة أفندي مختلفة كل الاختلاف عن طريقة الحاج أحمد، ولم يكن الحاج أحمد يحب عليوة أفندي، فأنشأ أبياتًا أربعة أو خمسة، وقدمها لأبي يرجوه فيها ألا يتولى عليوة أفندي تدريسي أذكر منها:

أأنشئ روضًا في حماك معطرًا
ويأتي عدوي يجتني ثمراتي؟

وأُعجب أبي بالأبيات، ولكن مع ذلك أبقى عليوة أفندي مدرسًا لي.

وقد ظل يدرس لي اللغة العربية والحساب، حتى حصلت على شهادة الابتدائية، كما درَّس أيضًا لإخوتي، ثم درَّس لابنتي وابني، أطال الله عمره، ووهب له الصحة والعافية.

وقد كان عليوة من أخلص المدرسين الذين عرفتهم، إلا أنه كان لا يبالي مشاعر التلاميذ في سبيل أن يؤدي واجبه، وأذكر أنه كان أحيانًا يتخلف يومًا عن الدرس؛ فأحمد أنا الله وألعب الكرة، وأُقدِّر أنه لن يأتي إلا في الموعد التالي الذي يكون قد حدده بعد يوم التخلف بيومين أو ثلاثة، فألعب أنا الكرة في اليوم التالي لتخلفه وأنا واثق أنني حر، فاليوم ليس محددًا لدرس، وأفاجأ بعليوة أفندي قادمًا كالقضاء المستعجل في اليوم الذي لا أتوقعه فيه تعويضًا عن اليوم الذي أخلفه، ولا أذكر أن غمًّا لقيته في طفولتي مثل ذلك الغم الذي يشملني وأنا أراه قادمًا في غير موعده، وكم بكيت، وكم حاولت العصيان، ولكن دون فائدة.

وكان عليوة أفندي يُجيد الشرح، وكنت أفهم ما يلقيه منذ المرة الأولى، ولكنه يسير على طريقةٍ لا يغيِّرها من تلميذٍ إلى تلميذ، وكم عانيت من تمسكه بطريقته هذه؛ فقد قرر هو أن يخصص درسًا للشرح والدرس الثاني للتطبيق، وليس يَعنيه أن يكون التلميذ قد فهم الشرح من المرة الأولى، إنما المهم عنده أن يُنفِّذ منهجه الذي وضعه هو لنفسه، فهو يشرح مرة ثانية وثالثة ورابعة، ولا ينتهي من الشرح حتى ينتهي الدرس. وأكون أنا قد سرحت في غير الدرس من ملاعب الطفولة منذ المرة الثانية للشرح، حتى إذا جاء موعد التطبيق أكون أنا قد احترقت من الغيظ لقوله كلامًا عرفته من المرة الأولى، وأكون أيضًا قد نسيت كل شيء من القاعدة.

وأذكر أن أبي كان يحب أن يقضي الشتاء في حلوان، فكان عليوة أفندي يجشم نفسه مشقة الحضور إليَّ أحيانًا في حلوان إذا كانت المدرسة في إجازة، فلم يكن ذهابنا إلى حلون يمنعني أن أذهب إلى المدرسة طبعًا، وفي يومٍ كنت ألعب أنا ورفيق طفولتي محمد زكي أباظة وكان عليوة أفندي يدرس له هو الآخر. ولم أكن ولا محمد ننتظر قدوم عليوة أفندي، ورآه محمد قادمًا من بعيد، ولم يرنا هو، فأسرع محمد قائلًا: «يا نهار أسود، عليوة أفندي! تعالَ ندخل البيت.»

وطاوعته وأنا لا أدري ما سيفعل، أقفل باب البيت، وكان يومًا من أيام حلوان الساطعة الشمس حتى كأنه يوم من أيام الصيف، وقف محمد أمام باب الدخول، وأوقفني معه، ودق عليوة أفندي الجرس، وحين جاء الخادم ليفتح طلب محمد طلبًا كأنه هو الذي دق الجرس، ووقف عليوة أفندي أمام الباب، والشمس تنصبُّ عليه بكل سخطها، فيضع الجريدة التي لا يتخلى عنها مطلقًا على رأسه، ويدق الجرس ثانية، ويأتي الخادم ويصرفه محمد، ويظل الأمر كذلك فترة تجاوزت نصف الساعة، حتى تمردت أنا على محمد، وأنا أرى عليوة أفندي مصرًّا على البقاء يرفع قدمًا إلى الهواء ليريحها، ثم يضعها ويرفع الأخرى، وقد أخذ منه التعب والشمس كل مأخذ، ولكنه أبى أن ينصرف، وأعطانا الدرس.

ومما أذكر له أنه غضب عليَّ مرة غضبًا شديدًا، فأمرني أن أفتح يدي، وأهوى بالمسطرة على يدي معتمدًا على أن أبي قال له أمامي أنه يستطيع أن يضربني إذا أنا لم أمتثل له، وبالصدفة مرضت أنا في ذلك اليوم، وارتفعت حرارتي ارتفاعًا شديدًا، وكان أبي شديد العطف علي، وإن كان يحرص أن يخفي هذا العطف بكبرياء العظماء من الرجال، وقد يقول قائل وأي أبٍ لا يشفق على ابنه إلا أن يكون ذلك شذوذًا في الطبيعة، ولكنني أعتقد أن مرضي وأنا في الثانية من عمري، ومولدي وأبي في الأربعين من عمره، جعلا إشفاقه عليَّ أكثر من إشفاق الآباء على أبنائهم. وربما كان هذا هو السبب أنني كنت أصحبه في غدواته وروحاته، وأنا في الرابعة من عمري، وكنت أجلس معه في مجالس الكبار منذ لا أذكر متى، وكان عمي عبد الله يقول له: «سيب ثروت يلعب مع الأطفال.» فيقول أبي في حسم: «خليه قاعد.»

وكان يصحبني معه إلى مجلس النواب، وأنا في الخامسة أو السادسة من عمري. حتى لقد رآني يومًا المرحوم توفيق رفعت باشا، وأنا جالس في مقاعد الزوار في الطابق الأول، فأشار إلى الساعي الواقف خلف كرسيه على منصة رئيس مجلس النواب وأشار له إلي، وما لبث أن جاءني الساعي يسألني: من أكون؟ فقلت له، فتركني وعاد إلى توفيق باشا الذي أشار لي برأسه، فلم يكن عجيبًا أن يغضب أبي لضرب عليوة أفندي لي ضربًا صاحبه ارتفاع في الحرارة، وأنا حتى اليوم لا أدري إن كانت هناك صلة بين ارتفاع حرارتي وضرب عليوة أفندي أم هي الصدفة المحض.

وأغلظ أبي القول لعليوة أفندي على غير مشهد مني، ولكن عليوة أفندي روى كل شيء أمامي لعم أحمد خادمنا الذي كنت أوقِّره بكلمة عم لشخصيته، ولأنه رئيس الخدم بالبيت، وقد كان أبي ووالدتي يوليانه ثقة تامة في كل ما يتصل بشئون البيت.

وقال عليوة لعم أحمد إن البك، يعني أبي فلم يكن قد حصل على الباشوية بعد، قال لي: «أصدقت حقًّا أنك يصح أن تضرب ثروت؟ هل من المعقول أن تضرب طفلًا في سنه إلى درجة أن ترتفع حرارته؟ أيرضيك هذا يا عم أحمد؟ بقى مسطرة كالتي ضربتها له ترفع الحرارة؟ طيب امرأتي طالق إن لم يكن قد أكل حلاة وشطة ليرفع حرارته ويوديني أنا في داهية.»

والحقيقة أنني ذهلت وأنا أسمع هذا الحديث، فأنا لم أكن أعرف أن الحلاوة والشطة يرفعان الحرارة، بل إنني حتى الآن لا أتصور أنهما قادران على هذا الصنيع.

ولكن عليوة أفندي كان واثقًا من هذا ثقةً جعلته يقسم بالطلاق مع حبه الشديد للسيدة زوجته أم محمد التي كثيرًا ما كان يفيض في مديحها، وأغلب الظن أن عليوة ما زال حتى اليوم على ثقته هذه أنني أكلت حلاوة بالشطة، وأغلب الظن أيضًا أنه من يقرأ هذا الحديث الذي أكتبه لن يكف عن يقينه هذا على الأقل لتظل السيدة زوجته على ذمته.

ألا ترى أنني بترت حديثي عن الحاج أحمد القرعيش، واستطردت في هذا الحديث عن عليوة أفندي؟

كان لا بد من هذا، فقد استمرت رحلتي مع الحاج أحمد إلى أن اختاره الله إلى جواره، ولم يقف الأمر بيننا عند الأستذة منه والتلمذة مني؛ فقد أصبح حين قدَّر الله لي هواية الأدب هو صديقي الأول في القرية، لا يتركني لحظة منذ قدومي إلى غزالة حتى أتركها. وقد كان لهذه الصلة أثر ضخم في ثقافتي وفي أدبي، وانضم إلينا قريبي الشاعر الأستاذ توفيق عوضي وهو الآخر شخصية لم أرَ لها مثيلًا في حياتي كلها؛ فهو رجل فقير لم يدخل مدرسة، وكان كل ما يملكه فدانًا واحدًا كان يزرعه بذراعه، ولكنه علَّم نفسه بنفسه، وكان خطه جميلًا، ولكنه بطيء في الكتابة كل البطء لا عن جهل، فهو من أعلم الذين عرفتهم باللغة العربية وآدابها، ولكنه أصيب في مرفق ذراعه اليمنى، فظل حياته كلها لا يحركها في سهولة.

قرأ كل الشعر العربي، وحفظ أغلبه، وكان يستعير الكتب من المكتبة العامة ومن جميع مظانها. أُعجب بالمتنبي فنقل ديوانه كله؛ لأنه لا يملك ثمن اقتنائه، وأُعجب بالبحتري فنقل ديوانه كله، كذلك فعل مع ديوان عمر بن أبي ربيعة، ولك أن تتصور مقدار الصبر والرجولة والإصرار التي يتحلَّى بها، وأنت تعلم أنه بطيء في الكتابة. والحق أنه كان في خُلُقه رجلًا، وكان صبورًا على الحياة كريمًا عليها وعلى نفسه، وكان معتزًّا بكرامته غاية الاعتزاز في ظُرف وخفة ظل لا يتأتيان إلا لقلةٍ نادرة من الناس. كتب خطابًا إلى عزيز باشا أباظة، وتعثر الخطاب في الطريق، ولم يصل، وكان عمي عزيز في ذلك الحين مديرًا لأسيوط، ومع ذلك رأى توفيق أن يشكو إلى عمه جمال الدين بك أباظة المستشار؛ فنحن في الأسرة لا نقيم وزنًا للمناصب، وإنما القيمة عندنا بالسن، والمكانة عندنا تتحدد بالعمومة والخئولة. وكان يحفظ الشعر العربي كله من الجاهلية حتى شوقي، وكان يرعاني أنا بالذات رعاية الأب لابنه لما لمسه عندي من حب للأدب، فتوفيق حين اختار جمال بك لم يكن اختياره لمجرد العمومة؛ فقد كان لعزيز باشا أعمام آخرون على قيد الحياة، وإنما هو في ذكاء ولماحية اختار العم الذي يعتبره ظاهرة في زمانه في حب الأدب، وفي الاطلاع على التراث الأدبي من بدايته إلى اليوم الذي يعيش فيه، وكان إلى هذا جميعًا نموذجًا فريدًا في العفة والحياء، حتى إنه لم يتزوج، وأُرجِّح أنه لم يتزوج لأنه خجل أن يخطب. وكان رحمه الله أيضًا صورة مجسمة للطيبة، هذا كله إلى تفقُّه في القانون يندر أن نجد له مثلًا. كتب توفيق إليه يشكو عدم إجابة عزيز باشا على خطابه، وربما يجمل بي أن ألفت نظرك إلى بداية الأبيات التي كتبها توفيق، وكأنه يكتب خطابًا مما يدل على قدرته ولماحيته واستطاعته أن يقول بالشعر الأصيل كل ما يريد أن يقول، إليك الأبيات:

جمال الدين والدنيا سلامًا
يضوع شذًى كأنسام الخزامى
وبعد، فهل أتاك حديث قومٍ
نكلمهم فيأبون الكلاما؟
بعثتُ إلى عزيز القول شعرًا
أحييه فما ردَّ السلاما
فإن يكُ أكبر الشعراء طرًّا
وأسماهم وأرفعهم مقاما
فقد نادى إله الناس موسى
وناجى العبد من خلق الأناما
وبنت النمل كلَّمها النبي
وبادلها المحبة والوئاما
فلستُ أقل من نمل ضعيف
وليس أجل من ملك تسامى

ومن طرائفه التي أذكرها له أن أبي أهدي إليه عمامة ليكرم علمه الواسع بالتراث وبأركان الدين، فكتب له أبياتًا غاية في الظرف يقول فيها:

توجت رأسي بالعمامة
وكسوتني حُلل الكرامة
فكأنني شيخ المراغة
في المهابة والفخامة
لا فرق بيني في الحياة
وبينه إلا الإمامة

ومرت سنوات، وعُيِّن أبي وزيرًا، فكتب إليه برقية من بيتين يقول فيهما:

قل للوزير الألمعي مقالة
مشبوبة كذكائه المتوقد
الفأس قد أكلت يدي وأنا امرؤ
للطرس لا للفأس قد خُلقت يدي

وأصدر أبي قرارًا بتعيينه في وظيفة كتابية بمصلحة الطرق والكباري، وأقمنا احتفالًا له بلبسه الحلة لأول مرة، وهكذا تخلى عن العمامة إلى الطربوش.

هذان الشخصان، الحاج أحمد القرعيش، وتوفيق عوضي أباظة، كان لهما أثر ضخم في حياتي؛ فقد بدأت أقرأ معهما الشوقيات منذ الإجازة السنوية الصيفية للسنة الأولى الثانوية، حتى انتهيت من دراسة الحقوق تقريبًا بشكل متصل في جميع سنوات الحرب، وبشكل منقطع بعد انتهاء الحرب، وهذه التفرقة ليست بسبب الحرب، ولكنها كانت محكومة بتولي أبي للوزارة من أكتوبر عام ١٩٤٤م، واضطراره أن يقضي الصيف في الإسكندرية مع الوزارة لمدة خمس سنوات متواصلة، وهي المدة التي بقيها في الوزارة.

كنا بعد أن يصعد أبي إلى الطابق الأعلى من منزلنا في غزالة يجتمع ثلاثتنا حول كلوب، فلم تدخل الكهرباء في بيتنا إلا بعد بداية جلساتنا بسنتين أو ربما ثلاث سنوات، وعكفنا على قراءة شوقي، ولم نقرأ مجتمعين غيره، وكان كل منا يقرأ ما يشاء منفردًا. وقد تفضَّل الشاعران بأن جعلاني أقرأ أنا ويستمعان هما ويعلقان ويتعمقان كل بيت، حتى لا يبقى فيه معنًى إلا ويصبح واضحًا ظاهرًا.

وفي الإجازة التي جاءت بين السنة الثانية الثانوية والثالثة الثانوية، قال الحاج أحمد لي: «أنت تكثر من اللحن بصورة مخيفة.»

فقلت: «لا يهم.»

قال: «كيف لا يهم، أتريد أن تكون أديبًا وتلحن؟ إن القواعد مسألة بدائية يجب أن يتقنها كل متعلم، فكيف لا يتقنها الأديب الكاتب، لن يحترمك قارئ أو مستمع لك إذا أخطأت في النحو.»

وأيَّد توفيق الذي أصبح توفيق أفندي كلام الحاج أحمد، وأخذت الكلمتين في ضلوعي ولم أُعلِّق وأكملنا السهرة، ومضينا في سهراتنا حتى انتهت الإجازة.

وحين بدأت الدراسة في السنة الثالثة الثانوية أرغمت نفسي أن أقرأ وحدي بصوت مرتفع كل ما أقرأ سواء كان مذاكرة أو كتبًا في الأدب، أو حتى في الجغرافيا أو التاريخ أو الطبيعة، وحرصت أن أُصحح لنفسي ما أقرأ، وأُعرِب كل كلمة قبل نطقها، وأنطقها بحركة إعرابها، وبعد شهورٍ قليلة استقام لساني.

وكتمتُ الأمر عن الحاج أحمد وعن توفيق لم أقل لأحدٍ منهما شيئًا مما أفعله بنفسي، حتى إذا جاءت الإجازة الصيفية وبدأنا القراءة فُوجئ كلاهما بشخصٍ آخر مني لا يلحن مطلقًا، أو يكاد لا يلحن، ودُهش كلاهما وفرحا وأصبحا يستمعان إلى قراءتي للشعر في استمتاع بعد أن كان المسكينان يعانيان ما يعانيان من كثرة اللحن مني، ويتجاوزان عنه لمكانتي عندهما أو لمكانة أبي، لا أدري.

وكما يتَّضح الإصرار عندي في موضوع النحو يتَّضح في أمرٍ آخر لي لست أنساه ما حييت. كنت طفلًا في الخامسة أو السادسة لا أذكر، وكنت ألثغ في الراء فلا أنطقها إلا مثل الياء أو قريبًا من الياء، وكنت ألعب الكرة في فناء منزلنا بشارع الملك الناصر بالمنيرة حين أقبل عمي الكاتب الصحفي الأشهر فكري أباظة الذي أصبح فكري أباظة باشا فيما بعد، وسارعت إليه أستقبله.

قال: «أين أبوك؟»

قلت: «هو نائم فوق.»

قال: «طيب تعالَ، ما حكاية الراء هذه التي لا تريد أن تنطقها؟»

وفكري أباظة ابن عم أبي، ولكن الأمر بينهما كان أكبر من هذا بكثير؛ فقد كان يحب أبي حبًّا عميقًا، ولا أنسى يوم وفاة أبي، وقد ارتمى عمي فكري على أريكة بيتنا وراح ينشج بالبكاء. وكان يصرح دائمًا أنه أخذ أسلوبه الساخر من مقالات أبي التي كان يوقِّعها في جريدة السياسة بتوقيع الغزالي أباظة. وأنا لم أرَ في حياتي شخصًا في نقاء عمي فكري، وهل هناك أشد نقاءً من رجل في مثل مكانته وقمته الصحفية ينشر في المصور أنه كان يصعد في مصعد دار الهلال وجمع المصعد بينه وبين أحد محرري الدار وشابة جميلة، وقال المحرر للفتاة هذا أستاذنا فكري باشا أباظة، فقالت له الفتاة: «هل أنت قريب لثروت أباظة؟»

رحم الله الرجل، إنني أعتقد أنه ألَّف هذا الحوار ليقدم لي تحية على حساب نفسه، وقد كان عمره كله يقدم الآخرين على نفسه في كل شيء.

في ذلك اليوم من طفولتي في شارع الملك الناصر أخذني عمي فكري من يدي، وصحبني إلى مكتب أبي، وقال: «انطق: ثروت.»

فقلت: «ثيوت.»

فظل يعلمني نطق الراء ثلاث ساعاتٍ متصلة لا يمل، ويطلب إليَّ أن أضع طرف لساني بسقف حلقي وأنطق، حتى نطقت الراء.

ولم ينتهِ أمري مع الراء إلى هذا؛ فقد كنت أعرف كيف أنطقها مفردة، ولم أكن أعرف كيف أنطقها في موضعها من الكلمة، حتى أصبحت في مطلع الشباب، ووجدت الناس يسخرون من نطقي الناقص، ويحاولون إخفاء سخريتهم، فقلت لنفسي ما دام في الأمر سخرية فليسخروا مني، وأنا أتدرب على النطق، فكنت إذا أجبت التليفون، وسألني المتحدث: مَن؟ لا أخجل أن أقول: ثرررروت.

وتبين الراء وكأنها عشر راءات متصلة، ويضحك المتحدث، فأقول في نفسي إنه أيضًا كان سيضحك علنًا أو خفاءً إذا قلت ثيوت.

وكنت أظل أقول وأنا منفرد بنفسي: «فرتر، فرتر» وأكررها حتى استقام لساني بعد بضعة أشهر، وتخلصت من هذا النقص، والفضل أولًا لعمي فكري، وأخيرًا لإصراري.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠