الفصل الحادي عشر

«ما دام هناك مَن يرعاه كل يوم.»

مَن هذا الشخص؟ هذا هو السؤال.

مثل مولي وإرني سانتا كروز اللذين رحَّبَا بتردُّدٍ بالفكرة المرعبة الخاصة بإلحاق ابنتهما بدار لرعاية المعاقين، ومثل بريندا وكليف كونجر عندما تجادَلَا مع زوجة والد بريندا لتخصيص منزل والد بريندا لكليفي، ومثل فيرجس وبرنيس ماكان حين نظَرَا إلى المنزل الكبير الذي اشترياه لميليسا وتساءَلَا عمَّن يمكن أن يشاركها هذا المنزل؛ مثلهم جميعًا، بقدر ما كنتُ أفكر في كيفية تقديم أفضل رعاية لووكر في الوقت الحاضر، كنتُ أفكِّر أكثر في المستقبل، مَن سيرعى ووكر بعد مماتنا؟

لم ترحِّب جوانا ولا أنا بفكرة أن هايلي «سترث» ووكر. ليس هذا تقليلًا من شأن هايلي، لا شك أنها كانت ستهتم بأخيها طوال حياتها؛ فعاطفتها نحوه تضمن هذا، ولم تكن من النوع الذي يمكن أن يتملص من أي التزام. وبغض النظر عن أي شيء، فهي عارفة للواجب، وجادة وزادت جديتها بسنوات معيشتها في الظل الوحيد غالبًا لحاجة ووكر. (في سن الخامسة عشرة، أرادَتْ أن تعمل في أفريقيا، في بناء منازل للأيتام.)

لكنني كنتُ أعرف مقدار الجهد المطلوب لرعاية ووكر، وكم أنه مستحيل على فرد أو فردين أو ثلاثة أو حتى أربعة القيامُ برعايته على نحو ملائم، للقيام بكل ما هو مطلوب، ويحيا حياة منتجة، فيها التزام من أي نوع. فلهايلي حياتها الخاصة بها، وهذه على الأقل منحة أردنا أن نعطيها إياها، ورفضتُ أن أجعلها ترزح تحت نِير تلك المهمة الثقيلة، التي تقوم على الشعور بالذنب، وهو الأمر الذي يفعله كثير من العائلات التي لديها أطفال معاقون؛ مستنقع من اللاعقلانية أصاب التفكير الاجتماعي بشأن الإعاقة لآلاف السنين. وتناقشتُ مع زوجتي كثيرًا بشأن إنجاب أطفال آخَرين (بالتحديد واحد، وأحيانًا اثنين) — إخوة وأخوات لهايلي وووكر — حلفاء ليحموه من العالم، ولكن أيضًا لكي نُبعِد شعورنا بالذنب. وهناك طوائف سياسية وحتى حكومات بأكملها تستغل هذا الشعور بالذنب، وتقترح أن الأسر هي الحل الحقيقي الوحيد لمشكلة رعاية المعاقين.

ولكن الأسر، مثل الإعاقات، ليست متسقة أو موحدة، وهي ليست كاملة بأي حال من الأحوال، ولا يطلب أحد الانضمام إليها، وفي أحيان كثيرة لا تستمر. نتيجةً لذلك — كانت هذه وجهة نظري — فالأسرة التقليدية ليست نموذجًا لنظام يكفل رعاية ذوي الإعاقة الشديدة، وحتى إذا قررتُ فعلًا رعاية ووكر مدى الحياة من خلال وسيلة الأسرة التقليدية الكبيرة — أحتاج على الأقل إلى ستة أطفال يعيشون كل حياتهم في نفس المكان لتولِّي رعايته على نحو ملائم — فهل هذا اختيار مسئول (دع عنك كونه واقعيًّا)، في عالم مزدحم، ومثقل بالمشكلات؟

تسارعت هذه الأفكار في ذهني مثل السيارة الجيب التي تدور في حقل ألغام.

الحقيقة أنه حتى مع تقديم أفضل رعاية خارجية متوافرة لووكر كان القلق يتملكني. صحيح أن دار الرعاية التي يقيم بها كانت وما زالت الأفضل من نوعها، ولكن ماذا سيحدث إذا توقَّفَ تمويلها؟ وهل هي أفضل الأماكن المتوافرة لووكر؟ وحقيقة أن لووكر مكانًا آخَر يقدِّم له الرعاية بطرقٍ لا نقدر عليها لم يمنعني عن الرغبة في تحسينه (وهذا على الرغم من أنني كنتُ حَذِرًا حتى من ذكر تلك الحقيقة، خشية أن يفقد بأي شكل من الأشكال ما يتلقَّاه من رعاية؛ وهو نوع جديد من القلق يصيب كل أب له ابن معاق يحصل على رعاية). تدير دارَ الرعاية التي يعيش فيها ووكر منظمةٌ تقدِّم رعايةً متخصِّصةً للمعاقين بمستوًى احترافي كامل. ولكن كيف يمكن أن تتحوَّل تلك الدار إلى بيت عائلة أيضًا؛ مكان مليء بالتعاطف حيث الناس متسامحون بلا حدود، إذا استخدمنا تعبير الأم تريزا؟ لووكر مكان يجد الرعاية فيه، لكن هل هم يمثلون أسرة له أيضًا؟ وهل المكان الذي يجد فيه الرعاية بعد موتنا سيكون أيضًا مثل بيته، يسكنه مجموعة من الأصدقاء ويسير وفق الحياة الداخلية الجماعية لسكانه؟

كان هذا هو نوع الأماكن الذي كنتُ أريد أن يعيش فيه ووكر، كان هناك مجموعة من أصحاب الفكر المتطور في كولومبيا البريطانية منضوين تحت لواء ما يُطلَق عليه «مبادرة الدعم المنظم مدى الحياة»، التي طورت شبكات من جهات الاتصال والأصدقاء حول تجمُّعات المعاقين. لكن كانت هذه الفكرة جديدة وبعيدة، وكانت تتطلب — من وجهة نظري — معركةً من أجل الحصول على تمويلٍ، لا أدري كيف كانوا سيحصلون عليه. عودةً إلى موضوعنا، كان عليَّ أن أواجه شعوري بالقلق؛ فقد وجدتُ أنه من الصعب أن أجد مكانًا يعمل على رعاية ابني ويكون كأسرة بالنسبة إليه.

ولكن في ربيع عام ٢٠٠٨، بعدما نشرتُ خبرًا عن ووكر، تلقَّيْتُ خطابًا من رجل اسمه جان لوي مان، وكان يعمل مدير الاتصالات للفرع الكندي للمؤسسة الدولية «لآرش»، التي توجد في فرنسا وتدير سلسلةً مكوَّنةً من ١٣٥ مجتمعًا لرعاية المعاقين عقليًّا، والتي كانت تمتد من تورونتو إلى الكويت. لم يكن الانضمام إلى أحد تلك المجتمعات أحد الخيارات المتاحة لووكر؛ فقائمة الانتظار كانت تمتدُّ إلى عشرين سنة، وكان يتم قبول البالغين فقط، بَيْدَ أن مان أراد أن أزوره في مونتريال، وهناك في قاعة كنيسة سابقة في فيردان، وهي مجتمع ينتمي إلى الطبقة العاملة في الحد الجنوبي للمدينة، رأيت لأول مرة في حياتي نموذجًا للمجتمع الخيالي الذي كنتُ أبحث عنه، في هذا المجتمع كنتُ «أنا» الغريب.

***

كانت قاعة الكنيسة هي المركز الإداري لفرع مؤسسة لآرش في فيردان، وقد أنشأ مؤسسة لآرش جان فانيه، ابن جورج فانيه الدبلوماسي الكندي الشهير، في منزله في فرنسا عام ١٩٦٤. كان جان، الذي ظلَّ طوال حياته يدرس الفلسفة وعلم اللاهوت الكاثوليكي، لا يزال يعيش في قرية ترولي-برويل، حيث كان يتناول طعام الغداء في معظم الأيام مع أصدقائه المعاقين.

كان ذلك في فرنسا. وفي مونتريال، كان يقام القداس في قبو قاعة الكنيسة حين وصلتُ. تأسست مؤسسة لآرش على التعاليم الكاثوليكية (كان هذا سببًا آخَر لرفضي لها كمكانٍ لرعاية ووكر، على الرغم من أن المؤسسة قد وسَّعَتْ من أُسُسِها الروحية منذ ذلك الحين). لكن القداس الذي كان مقامًا في قبو الكنيسة كان شيئًا لم آلفه على الإطلاق؛ كان يبدو أشبه بتجمُّع قروي، مقام في حانة حول طعام وحوله صخب، ويتخلَّل ذلك قداس للكنيسة من أجل الترفيه.

يقع المذبح في ركن يتقابل فيه الدَّرج مع الجدار، وتبدو حجرة الاجتماعات بالكنيسة عبارة عن مساحة محاطة بفواصل مكتبية. كان يدير القداس بطريقة غير معهودة تمامًا كاهنٌ طويلٌ أسود يرتدي رداءً كهنوتيًّا أبيض ووشاحًا ملوَّنًا، ولم تكن تبدو للقداس بداية أو نهاية محددة، وكان الكاهن في حديثه يجمع بين اللغتين الفرنسية والإنجليزية، ويتحدَّث عن المسيح وأتباعه، ومن حينٍ لآخَر كان يسأل سؤالًا، ويجيب عنه أحد الحاضرين.

قال الكاهن: «لماذا نقول: إن المسيح راعٍ؟»

«للمسيح أتباع يتبعونه، مثل الغنم، هل ما أقوله صحيحٌ؟» كان هذا هو رد رجل في الثلاثينيات من عمره كان يقف في الخلف في جماعة المصلين، وكان يرتدي قميصًا أسود خاصًّا بلعبة الهوكي، وعليه كلمة «كندا» مكتوبة في الخلف باللون الأحمر. وبعد ردِّه، سُمِعت نِكات عديدة حول الغنم.

بلغ عدد الحاضرين في ركن قبو الكنيسة ٢١ فردًا، كلهم من البالغين، وكان من الواضح أن معظمهم من المعاقين، والتفَّ حولي ثلاثة منهم لمعرفة مَن أنا حين دخلت؛ وسارَعَ اثنان منهم إلى مصافحتي أو مسك يدي، ولم أكن أدري ماذا كانوا ينتظرون أن أكون.

سأل الكاهن: «في أي مناسبة أخرى، سمعنا هذه الكلمات، عن كون المسيح راعيًا؟»

تمتم شخص ما قائلًا: «ﺗﻌﻤ… ﺗﻌﻤ… تعميد المسيح؟»

قال الكاهن: «مرحى!» تصفيق كبير، واستحسان التصفيق بتصفيق أكبر.

بدأت الفرقة — عازِفَا جيتار وطبَّال — في العزف، مصحوبة بجوقة منتظمة من السعال والتنحنُح؛ وكأنما يجري هذا القداس في عنبر مرضى السل. نظرت امرأة كانت أمامي — كانت قصيرة ومنحنية في الستينيات من عمرها، وفمها كان مفتوحًا بشكل دائم — إلى رابطة عنقي وشهقت بصوت عالٍ، وأقبل عليَّ رجل آخر وقال: «أنا أصلي من أجلك.» يجب أن أعترف أنني شعرت بأنني سأطلب المساعدة. سأل باللغة الفرنسية، مستدركًا: «ما اسمك؟» مدت صاحبة الشهقة العالية المعجبة برابطة عنقي يدها وأمسكت بيدي، ولم تكن تريد تركها. كل ما كنتُ أخشاه باختصارٍ هو الجراثيم. وقد أراد هذان الشخصان أن يكونا صديقين لي.

أمامي، وضع الرجل الذي كان يرتدي قميص الهوكي (والذي علمتُ بعد ذلك أن اسمه ريكي) ذراعه حول ريتشارد، وهو رجل أكبر منه في السن، وأكثر صلعًا منه، كان يقف بجواره. وكان ريتشارد يرتدي سترة سوداء وقميصًا ذا مربعات ورباطًا سميكًا من المطاط الأسود لحمل نظارته. مال ريكي على صديقه بشدة، وهمس بشيء في أذنه، فتنهَّدَ الرجل الكبير ثم قال: «أوووه! وأنا أحبك أيضًا.»

كان هناك سبعة من المساعدين في مؤسسة لآرش في الجمع، واحد لكلِّ نزيلَيْن، وكان يبدو هذا كافيًا. وجَّهَتْ إحدى المساعدات — التي كانت تنتمي إلى سكان كندا الأصليين، وكانت في العشرينيات من عمرها — وجهها مقابل وجه رجل مصاب بمتلازمة داون بجوارها، ولمست جبهته بإصبعها. ومن حين لآخَر، كان يتعرَّف مضيفي، جان لوي مان، على شخصٍ ما في الجمع ويَكِزني بمرفقه كي أنتبه إليه، ثم يعرفني بحالة هذا الشخص. قال مومئًا برأسه لرجل طويل وهادئ يرتدي قميصًا أخضر: «حين وصل إلى هنا منذ ٢٠ عامًا، كان عصبيًّا جدًّا لدرجة أن يديه كانتا دائمًا مقبوضتين.» والآن كان يبدو الرجل سعيدًا بالتخلُّص من مشاعر القلق التي كانت تنتابه، مع قيامه بلعق شفتيه من آنٍ لآخَر.

انتهى القداس فجأةً، وبدأ الناس يلبسون قبعاتهم، التي كانت عبارة عن مجموعة مذهلة من أغطية الرأس الكندية الكلاسيكية؛ قبعات لها مقدمات كبيرة وأغطية للأذن مثل دلايات إطارات وأغطية محركات السيارات، قَزَّمَتْ من حجم رءوسهم.

تقدَّم ريكي نحوي وذراعه في ذراع ريتشارد؛ كان ريتشارد يُحدِث صوت فرقعة بشفتيه. قال ريكي لي: «هذا ريتشارد، كان معي في «مركز الإيواء» الذي كنتُ فيه، وكنَّا ننام معًا.» كان يقصد في الغرفة نفسها في فرع مؤسسة لآرش الذي كانا يعيشان فيه، وتطلق لآرش على مقراتها «مراكز إيواء» foyers؛ المقابل الإنجليزي مأخوذ من كلمة فرنسية تعني المكان الدافئ المحيط بمدفأة.

كان الأمر يشبه مشهدًا في إحدى روايات بلزاك أو حتى هوجو، مع وجود شخصياتهم الغريبة التي لا تُنسَى، في كل مكان. في أول مرة في حياتي أكون فيها محاطًا بكبار السن من المعاقين عقليًّا الذين قد قابلتهم لتوي، أدركتُ فجأةً أنني لم أكن قَلِقًا.

***

عادت مشاعر القلق إليَّ عندما قادني جان لوي عبر شوارع فيردان، في جنوب مونتريال؛ فقد دُعِينا إلى العشاء في أحد المقرات الخمسة، التي كانت تخصِّصه مؤسسة لآرش للمعاقين في المنطقة. فقد تعرَّضت المدينة لعاصفة جليدية عنيفة في اليوم السابق، وفي المساء كانت الشوارع مليئة بالناس الذين يُزِيلون الجليد من ممرات سياراتهم الخاصة، ولم أكن أعلم إلى أين نحن ذاهبون، وماذا أتوقع، وما المتوقع مني. وفي النهاية توقَّفنا أمام منزل جميل مكوَّن من طابقين، وحَيَّانا جيمي ديفيدسون عند الباب؛ وهو رجل قصير وممتلئ الجسم وشعره أحمر ومصاب بمتلازمة داون. كان يلبس بيجامة — بنطلون البيجامة مصنوع من قماش الفلانيلة، ولونه أزرق عليه صور باور رينجرز، وتي شيرت يتماشى معه — وشبشبًا. قال جيمي: «أشعر بالاسترخاء التام.» ثم صافحني، وكان عمره ٤٥ عامًا.

كانت هناك صورة للعشاء الأخير للمسيح معلَّقَة على الحائط، وهي نوع من الأيقونات التي تجعلني على الدوام في موقف الدفاع، وكذلك لوحة إعلانات، وخزانات صفراء، ونباتات؛ فهو مكان للعيش. وإضافةً إلى المساعدين الثلاثة في الدار (مقدِّمو الرعاية في دور رعاية لآرش يُطلَق عليهم دائمًا مساعدون) وجيمي، هناك أربعة نزلاء آخَرون (وهو الاسم الذي يُطلَق على المعاقين في لآرش) كانوا يجلسون معنا على العشاء أمام طاولة المطبخ المصنوعة من خشب الصنوبر، وهم: مارك، وهو رجل في منتصف العمر، كثير الابتسام قليل الكلام؛ وسيلفي، التي لم تكن تتحدث أيضًا؛ ويدفيجا، وهي امرأة في الستينيات من عمرها، وهي التي أعدت الوجبة، ويمكنها تذكُّر الأرقام، ولكن لا تتذكَّر كثيرًا من الوجوه؛ وإيزابيل، وهي شابة هادئة تتحرك بكرسي متحرك، وواضح أنها مصابة بشلل دماغي. جلست إيزابيل في نهاية الطاولة، ولم تكن تستطيع تحريك ذراعَيْها أو رجلَيْها أو تغيير زاوية رأسها أو الكلام؛ ولكنها كانت تتابع كل الأمور بعينيها، بما في ذلك المحادثات، وكثيرًا ما كانت تبتسم بلطفٍ لما يدور حولها.

أُصِبتُ بارتباك شديد، ولكن لم يكن لديَّ وقت للتفكير في ذلك؛ لأن جيمي الذي كان يجلس بجواري — كنتُ أجلس في موضع الشرف عند رأس الطاولة — كان يُمطِرني بأسئلة كثيرة بشأن أيٍّ من شخصيات باور رينجرز أفضل وأيها ليس أفضل، وفي المقابل أمطرتُه بأسئلة كثيرة؛ سألته عن المدة التي قضاها في هذه الدار.

أجاب: «سنتين في الدار.»

«أين كنتَ تعيش قبل ذلك؟»

لم يستطع جيمي التذكُّر، ولكنه أجاب: «مع، أممممممم.» ثم قال: «مع أمي.» كانت تزوره أمه كل أسبوع، وكانت نبرته في الحديث تصبح نبرة جادة حين يتحدَّث عنها.

كنا نخوض في التفاصيل المختلفة لحياته — كان جيمي يشجِّع فريق تورونتو ميبل ليفس، وهو فريق قليل الشعبية في مونتريال — حين وصلت ناتالي، وهي امرأة طويلة في الثلاثينيات من عمرها، ابتسامتها عريضة جدًّا تُقدَّر بثلاثمائة وات، ويلف رقبتها وشاح أنيق على طريقة أهل مونتريال. كانت ناتالي المسئولة عن الدار — المديرة — تزور مادلين، نزيلة أخرى في الدار، كانت في المستشفى لإصابتها بكسر في ساقها.

قام جيمي بشكل مفاجئ وأحضر كرسيًّا لناتالي، وأمسكه لها. لم يحدث كثيرًا أن رأيت عودة شخص في نهاية اليوم إلى المنزل تُقابَل بمثل هذه السعادة الكبيرة. قالت ناتالي باللغة الفرنسية: «ترسل مادلين سلامها للجميع، ولا سيما جيمي.»

ابتسمت إيزابيل، وهي الشابة التي كانت تتحرك بكرسي متحرك، ابتسامة عريضة.

قال جيمي: «يا لها من فتاة سيئة، داف!» مضيفًا كنوع من الشرح لي: «هذا هو الاسم الأول لدافي داك.»

ثم أمسك بعضنا بأيدي بعض، ثم تلونا صلاة الشكر، وتناولنا بنهم حساء السمك اللذيذ، على الرغم من أنه بَدَا لي أن لبعض النزلاء وجباتٍ خاصةً بهم.

كان هناك ثلاثة ضيوف آخَرون، وهم: ألين، وهو اختصاصي نفسي من فرنسا يعمل في الدار منذ بضعة أشهر؛ وكاتي، وهي مساعدة من فلسطين؛ وسيجولين، وهي راهبة من فرنسا تعمل في الدار إضافةً إلى اهتمامها بأمور تتعلَّق بمستقبلها.

قالت ناتالي: «هذا هو بيتي الأول، وأسرتي الأولى.» فقد بدأت حياتها المهنية معلِّمة في المدارس الحكومية، ولكن العمل في مؤسسة لآرش غيَّرها، وهي تعمل هناك منذ أحد عشر عامًا. قالت: «أول مرة أعمل مع المعاقين كانت أول مرة أشعر فيها بالارتياح الداخلي.» واندهشتُ عندما سمعتها تقول ذلك؛ فهي جذَّابة، واجتماعية، ومتحدثة لبقة، ولديها ثقة بالنفس. «كنت خجولة، ولكن معهم فأنا القائدة، أتخلَّص من خجلي وأصبح أكثر ثقةً بنفسي.» كانت تعتقد بأن هناك جانبًا من عملها مرتبطًا بالدين، قد منحها فرصة «لكي أتعرف على الرب في حياتي، وفي حياة الآخَرين. وأذكر ذلك أيضًا.» ولكن الدين أمر شخصي، ولم تكن تريد أن تفرضه على أحد. قالت: «يتمثَّل أكبر تحدٍّ لي في أن أكون مع الناس غير المعاقين، ويصعب عليَّ أكثر أن أتقبَّلهم، والأمر أيسر مع إيزابيل. حين تقوم إيزابيل أو جيمي بأشياء غريبة، أقول في نفسي: أوه، هذا لأن لديهما إعاقة. ولكني لا ألتمس هذا العذر للأشخاص الطبيعيين الذين ليس لديهم إعاقات، حين يقومون بأشياء غريبة.»

قال جان لوي مشيرًا برأسه لجيمي: «الناس الذين يقومون بأشياء غريبة؟ هل تقصدين هذا الشاب الجالس هناك؟»

«في بعض الأيام نعم، وفي أيام أخرى لا.» كانت هذه مزحة. «أنت تعلم، يا جيمي، أن جان لوي يعرف أم إيزابيل.»

يردُّ جيمي: «لا تعرف إيزابيل ذلك.»

«لا، لكنك تعرف ذلك.»

«أجل.»

قالت ناتالي: «مممممم.»

إيزابيل، الساكنة في نهاية الطاولة، كانت تسطع مثل النجم الوديع، تراقِب ما يقال، ولم يكن لديها سوى طريقتين من طرق التواصل؛ فقد كانت تحرِّك عينيها لأعلى، للدلالة على الموافقة، ولأسفل للدلالة على الرفض، وأحيانًا كانت تخلط بين الاثنتين، بهدف مداعبة الآخَرين. كانت هذه من المداعبات القليلة التي كانت تستطيع أداءها، وقد نجحت في أدائها. كانت مسمرة في الكرسي المتحرك مثل العينات التي يجمعها عالِم الحشرات، ولكنها مثل الفراشة كانت جميلة. أخبرتني سيجولين، الراهبة الزائرة، بأن رعاية إيزابيل وإلباسها وتحميمها ومصاحبتها، جعلها تدرك كم هي تحبها. إن سيجولين المثابرة ذات الشعر الأسود والتي كانت في أوائل الثلاثينيات من عمرها راهبةٌ في أخوية القدس في باريس. وقد جعلها التعامل مع إيزابيل في مؤسسة لآرش تسأل نفسها عمَّا إذا كانت تريد العودة إلى الأخوية، وفيما إذا كانت تستغل وقتها على نحوٍ جيد في هذا العالم. قالت: «أحيانًا عندما أرى إيزابيل، تتولَّد لديَّ رغبة في رعايتها وحبها، وأريد أن أفعل ذلك من أجلها؛ لأن هذا لا يجدي نفعًا إذا فعلتُه لأيِّ سببٍ آخَر، ولكن تدعوني عقيدتي لأن أقوم بهذا من أجل المسيح. ولا أريد أن أحب إيزابيل من أجل المسيح.» ولقد هزت إيزابيل إيمان سيجولين وما تراه مهمًّا، ولقد تركت سيجولين العمل المعتاد في الكنيسة لكي تنضمَّ إلى العالم الخارجي بسبب شابة لا تستطيع الحركة أو الكلام.

وأضافت: «كانت هذه أول مرة أقابل فيها شخصًا مصابًا بإعاقةٍ في مصحة نفسية، وكان هذا الشخص ضعيفًا ورقيقًا جدًّا، ومما أدهشني أنه استدعى ما بداخلي من حنان، خرج مني بسبب هذا الشخص. أرى أن هذا الحنان، الذي كان هائلًا جدًّا، يخرج من شيء أكبر مني. هذا ما جعلني أبقى هنا، تلك اللحظة، ذلك الحنان. فإيزابيل في حاجة إليه، ولهذا السبب هي هنا. هي التي علَّمتني الفرق بيننا نحن الذين نستطيع الاختيار وبين الشخص الذي لا يستطيع أن يختار. وأعتقد أنها بالنسبة إليَّ قديسة حقًّا. وتعلمنا إيزابيل أن نكون أنفسنا؛ لأن إيزابيل نفسها تفعل ذلك، وهي منسجمة مع ذلك.»

بوصفي صحفيًّا، أقضي معظم حياتي في الحديث إلى الناس الذين يحاولون جذب انتباهي، ونادرًا ما يكون هناك أشخاص يستحقون هذا، وفي تلك اللحظات، يحيط بالحوار سكون، وليس لديَّ أي رغبة في أن أكون في مكان آخر، حيث أكون في صحبة الشخص الذي أتحدث معه. والشيء الملحوظ بشأن هذه الدار في فيردان هو السكينة التي حلَّتْ عليَّ كثيرًا في أمسية واحدة، ولمدةٍ طويلةٍ لم أكن أرغب في الانصراف.

ولكن في النهاية اضطررنا إلى ذلك، وودعناهم أنا وجان لوي. كان الجليد يتساقط في الخارج في شوارع فيردان، ماحيًا ما قام به الناس من أعمال إزالة للجليد في النهار. لم أستطع نسيان ما قالته سيجولين، وظللت أفكِّر: هل كان من الممكن أن يكون ووكر بمنزلة إيزابيل بالنسبة إلى شخص آخَر؟ وهل يمكن أن يكون بمنزلة إيزابيل بالنسبة إليَّ؟ لا يمكن لووكر أن يكون غير ووكر، فليس له خيار. فلو كان في مقدوري أن أجعله يتصرَّف على طبيعته، وأتخلص من فكرة أن أجعله كما يفترض أن يكون، لربما فعلت الشيء نفسه.

كانت هذه أفكار شاردة في ليلٍ يتساقط فيه الجليد.

***

بعد ستة أسابيع، في كويز-لا-موت، وهي قرية تبعد تسعين كيلومترًا شمال شرق باريس، رأيت تصوُّرًا أدق لمستقبل محتمل لووكر.

تُعَدُّ كويز-لا-موت واحدة من أربع قرًى بها مجتمعات خاصة بلآرش، تمثِّل وحدة واحدة في بيكاردي. القرى الثلاث الأخرى هي: بيبرفو وترولي-برويل وكومبين، والتي تُعَدُّ ذات مساحة كبيرة بحيث تمَّ إقامة جامعة فيها. وفي وسط تلك المنطقة غابة مساحتها ٣٦ ألف فدان، وهي إحدى المحميات الفرنسية الشهيرة المسموح فيها بالصيد، غابة سابقة للملك. وقد اختبأت جان دارك في هذه الغابة قبل أسرها في كومبين عام ١٤٣٠، وهي الغابة نفسها التي وَقَّعَ فيها المارشال فرديناند فوش على هدنة مع الألمان نيابةً عن الحلفاء في ١١ نوفمبر عام ١٩١٨، ونفس المكان الذي أرغم فيه أدولف هتلر فرنسا رسميًّا على الاستسلام للنازيين بعد ٢٢ عامًا. هناك قصران كبيران في المنطقة، يقال: إن أحدهما يمثِّل إلهامًا للقلعة في فيلم الرسوم المتحركة «الجمال النائم» الذي أنتجه والت ديزني، ولم تَذْكر اللافتات السياحية مجتمعات لآرش، على الرغم من أن الناس الذين يعيشون فيها يمشون في الشوارع مثل المواطنين العاديين.

كان نزلاء دور رعاية لآرش من ذوي الإعاقة الشديدة جدًّا، من الناحية العقلية والبدنية، يعيشون في دار رعاية متخصِّصة تسمى «لا فورستيير» — والتي تعني الغابة باللغة الفرنسية — في ترولي-برويل. أما «لا سيمانس» — والتي تعني البذرة باللغة الفرنسية — حيث ذهبتُ، فكانت دار رعاية الأشخاص الذين في الغالب كانوا لا يستطيعون الكلام، ولكنهم يتحركون بصعوبة، ولديهم الوعي بما حولهم ويستطيعون التعبير عن وعيهم، ولكن ليس بمفردهم. وهذا المكان كان يناسب ووكر، في نهاية المدى المحدد. كنت أجلس في غرفة نوم الضيوف، الشخص الوحيد في غرفة تَسَع أربعة أشخاص، وخارج نافذة الغرفة كانت هناك شجرة ماجنوليا مزهرة وشجيرات إكليل الجبل وخزامى يانعة. كنَّا في شهر أبريل.

وصلتْ رحلة الطيران الخاصة بي إلى باريس في هذا الصباح، ووصلتُ إلى كويز-لا-موت قبيل وقت الغداء، وتضمَّنَتْ خطتي البقاء لبضعة أيام، لرؤية كيف تعمل مؤسسة لآرش، وللتحدُّث إلى جان فانيه، وهو واحد من أوائل المفكرين في العالم فيما يتعلَّق بموضوع الإعاقة؛ إذ أردتُ معرفة وجهة نظره فيما يمثِّل حياة مُرضية ومحترمة وعادلة لووكر. لقد قرأت بعض كتب فانيه، ووجدتها مختلفة. كان فانيه يؤمن بأن المعاقين يستحقون مكانًا خاصًّا بهم، وأنهم عادة ما يريدون العيش بعيدًا عن أسرهم وآبائهم إذا توافرت لهم بيئة داعمة بصورة كافية، وكانت هذه فكرة ظننتُ أنني يمكن أن أدعمها. علاوةً على ذلك فقد أكَّدَ أن المعاقين قادرون على تعليم الأصحاء أشياءَ أكثر مما يستطيع الأصحاء تعليمهم إياها، وإذا كان فانيه على صواب، فليس عليَّ لوم نفسي للسماح لووكر بأن يحيا حياته بمفرده، على الأقل بدرجةٍ ما. على نحوٍ ما، ذهبت إلى هذا المكان لأكتشف إن كنتُ أقوم بما ينبغي نحو ولدي أم لا. فرَّغت محتويات حقائبي وجلست إلى الطاولة في مطبخ غرفتي الصغير لأراجع الأسئلة التي سأطرحها على فانيه بعد الظهر. كنتُ قد كتبتُ صفحة أو صفحتين من الملاحظات حين سمعت طَرْقًا على الباب، فتحت الباب لأجد رجلًا طويلًا ذا لحية وسترة حمراء، وعلى الفور قدَّمَ إليَّ بعض الماء. قبلت، ودعوته للدخول، وطلبت منه أن يجلس على مقعد أمام طاولة المطبخ.

كان عمره ٦٤ عامًا، ولكنه يبدو كأن عمره ٥٠ عامًا. اسمه جاري ويب، ومع أنه ليس معاقًا، فهو يعيش في دار رعاية «لا سيمانس». كان ويب يعمل مدير مؤسسة لآرش للمشروعات الخاصة، وقد عاد لتوه من رحلة قضاها بالبرتغال اصطحب فيها خمسة عشر نزيلًا من نزلاء لآرش. وقد نشأ ويب في فانكوفر، وترك المنزل في سن الثامنة عشرة. وقال لي بصراحة: «ليست ثقافتي.» سألته كيف جاء للعمل في مؤسسة لآرش، ولكنه لم يعجبه ذلك؛ لأنه كان يرفض أن يعتبر ما يقوم به عملًا، وقال: «هذه حياةٌ … وجودٌ، والعملُ جزء منها، وكلُّ مَن يأتي إلى هنا يتغيَّر بسببها، فإقامة العلاقات هي أولويتنا. ونحن نعرِّف الناس بما نفعل من خلال التصرف على سجيتنا.» إن كل ما قاله كان مثيرًا للاهتمام ومتحررًا ومفعمًا بالحيوية، وجعلني منفعلًا بشدة. ولكن هذه الطريقة كانت غالبًا طريقةَ بداية الحوارات مع الناس في مؤسسة لآرش، فلم يكن يبدو أنهم كانوا يعانون من الوعي الذاتي كما نعاني؛ فسواء أكانوا معاقين أم غير معاقين، كانوا يشرعون فورًا في إقامة «علاقة» مع كلِّ مَن يقابلونهم، متى قابلوهم. ووجدت حماستهم مُقلِقة، فهل كانوا ثملين أو يتعاطون المخدرات؟ هل كانوا يدخنون الطيبة؟ بما يهتمون على أي حالٍ؟! أعجبني انفتاحهم، ولكن لكوني ممَّن تربَّى في المدن، فلم تكن لديَّ رغبة في تقليد ذلك؛ قدرت كرمهم، ولكن لكوني ممَّن تربَّوا في ظل رأسمالية القرن العشرين، انتابني شك في مدى إخلاصهم. فإذا قُدِّرَ لووكر أن يعيش في مثل هذا المكان، فهل سيحاط بأناس يعتنون به من أجله، أم أناس يعتنون به لأنهم في طائفة دينية؟ لا أريد لووكر أن يكون في طائفة دينية.

تلقى ويب تدريبًا كنسيًّا يسوعيًّا، وقضى سبع سنوات في دَير تابع لإحدى الطوائف الكاثوليكية الرومانية قبل أن يأخذ إذنًا بالرحيل لإعادة تقييم حياته. كانت لديه خيارات عديدة؛ فقد درس الفلسفة وعلم اللاهوت وعلم النفس في الجامعة، وكان والداه فنَّانَيْن، وكان ويب نفسه يعمل نحَّاتًا بدوام جزئي، وفي أوقات أخرى مُمَثِّلًا، وكانت لديه متطلبات صارمة لمساره الجديد؛ فعليه أن ينشأ في مجتمع جديد، وأن يكون مسئولًا عن عمل، مع الفقراء أو من يشابههم، وألا يحجبه هذا العمل عن بقية العالم (فلم يكن يريد أن يكون محصورًا في دَير مرة أخرى)، ويجب أن يمثل عمله التزامًا على المدى الطويل، وأن يكون شموليًّا، وأهم من ذلك، أنه يتعين أن يتم في مجتمع يحترم «روحانية كل شخص». حكى لي عن أول مرة زار فيها مؤسسة لآرش فقال: «طلبت أن أبقى ثلاثة أيام، ثم طلبت أن أبقى ثلاثة أسابيع، ثم ثلاثة أشهر، ثم عامًا.»

كنت على وشك سؤاله إذا كان العيش في لآرش مملًّا في أي وقت، ولكن في هذه اللحظة أوضح ويب أنه جاء فقط للترحيب بي، وهو في طريقه للقرية المجاورة ترولي-برويل، لكي يزور جان فانيه في بيته، حيث كانَا يتقابلان مرة كل أسبوعين.

«فيمَ تتحدَّثان؟»

قال ويب: «عنَّا.»

«أوَليس عن الأحوال في لآرش؟»

«يا إلهي! لا، عنا … عن أموري؛ لماذا ما زلت أشعر بالخوف على نحوٍ مفاجئ في تعاملاتي مع العالم؟ ولماذا ما زال يجري هنا وهناك بشكل محموم مثل الديك مقطوع الرأس.»

بينما كان يستعد للقيام، اعترفت بأني أنفعل قليلًا لمجرد احتمال الحديث مع أناس لا يستطيعون الكلام، فسخر مني ويب ولوَّح بيده قائلًا: «في رأيي نزلاء لآرش هم معلمونا، وإذا تواصلتَ معهم، فستكون الأمور على ما يرام معك. الغداء الساعة الثانية عشرة والنصف.» ثم انصرف.

***

بعد ساعة، وفي غرفة الطعام، قابلتُ الناس الذين من المفترض أن أعيش معهم الأيام الثلاثة التالية.

كان جيرارد في الخمسينيات من عمره، كان يستطيع الكلام ولكن بصعوبة، بَيْدَ أنه كان يُحدِث أصوات صهيل، وكان يحب أن يحكي قصصًا، ومعروف عنه أنه كان يذهب إلى البلدة لشراء زجاجات جعة. أما لورينت (والذي كان يُعرَف أيضًا بلورينزو؛ لأنه وُلِدَ في إيطاليا) فكان مهندمًا وأنيقًا؛ حين كان يأكل، كان يُصدِر صوتَ أنينٍ خفيفًا، وكان يحب أن يدخل إلى أية حجرة ثم يقف ساكنًا بلا حركة لفترات طويلة. قالت ليدي، وهي شابة من جنوب فرنسا كانت مساعدة للورينت: «يحب لورينت القطارات، ولديه كتب متنوعة عن القطارات.»

قال لورينت باللغة الفرنسية: «قطار!» وكانت الكلمة الوحيدة التي سمعتها منه.

ردَّتْ ليدي باللغة الفرنسية: «نعم.»

كان كثير من النزلاء يرتدون مناديل عنق كبيرة، على شكل صدريات أطفال، استعدادًا لطعام الغداء. كانت فرانسين على كرسي متحرك؛ وبسبب إصابتها بشلل دماغي، كانت لا تستطيع الكلام، على الرغم من أنها كانت تستطيع إصدار بعض الأصوات، وكانت تهتم اهتمامًا شديدًا بمَن حولها. هناك نزيل آخَر يُدعَى جان كلود، كان يمكنه التنقل بنفسه بالكرسي المتحرك، وكان يحب الكونياك، وكان يمكنه سماع ما يقوله الآخَرون، ولكن لا يمكنه الرد، وكان يحمل الشيء المفضَّل لديه، وهو لعبة على هيئة حيوان راكون محشو، أينما ذهب، وقد كان في نفس سني. أما سابينا فيبدو أنها مصابة بشكل حاد من متلازمة داون، وكانت تقضي معظم وقتها صامتة على الكرسي المتحرك.

الشخص الذي لفت انتباهي أكثر هو رجل صغير الحجم، ومحني الظهر، ويَقِظ يُدعَى جيجي. كان عمره ٤٦ عامًا، وكان يذكرني بووكر، وأذهلني ما بينهما من تشابه كبير؛ كنت أستطيع ملاحظة فضول جيجي الذي لا يتوقف، ووحدته الدائمة، فهو لم يكن يتكلم قطُّ، بَيْدَ أنه كان يلاحظ ما حوله باهتمام ومكر، ورأسه مائل، وقد كان يجعله الغناء يبتسم، وكان يُحدِث أصوات فرقعة بفمه، ويمشي بطريقة غريبة، إذ كان نصف منحنٍ، ومن عادته الحملقة في يديه كما لو كانت يدَيْ شخصٍ آخَر، تمامًا كما كان يفعل ووكر.

لم يتحدث أحد في لآرش عن الدمج، الطريقة التي يتحدَّث بها أحيانًا العاملون في دور الرعاية التقليدية المخصَّصة للمعاقين؛ أُنشِئَتْ هذه الدار للمعاقين ولم يكن يدَّعِي أحد فيها أن نزلاءها سيكونون في نهاية المطاف جزءًا من المجتمع «العادي»، فالناس أمثالي غرباء هنا. هناك روتين وبناء ومجتمع من الأفراد، ولحياتهم أهمية على ما هم عليه، دون الحاجة لأي قيمة مضافة. تمَّ إعداد المائدة، وتلاوة صلاة الشكر، ووُضِعت حافظات أدوية جلدية حمراء بعناية أمام كل نزيل على المائدة، إضافةً إلى الأدوية المساعدة على الهضم؛ صيدلية أدوية منظمة صغيرة بجوار كل كوب ماء. وكان يمكن لبعض النزلاء أن يأكلوا بأنفسهم، ولكن كثيرًا منهم كانوا يحتاجون إلى مساعدة في إطعامهم بالملعقة. وبينما كنَّا نأكل، كان المساعدون يتحدثون مع النزلاء الذين كانوا يقومون برعايتهم، ويرد النزلاء إما بصوت النخر أو الضحك أو الأنين أو الزقزقة، وكان جيرارد النزيلَ الوحيدَ على المائدة الذي يمكنه بَدءُ ما كان يبدو لشخصٍ من العالم الخارجي وكأنه محادثة، بَيْدَ أن هذا لم يكن يمنعهم من التحاور. كان هذا شكلًا من أشكال الحديث، ولكن ما عليك إلا أن تترك الحديث يأخذك إلى منتهاه.

بعد الغداء، عاد إلى العمل النزلاءُ الذين كانوا يعملون في ورش لآرش ويصنعون حليًّا صغيرة ومجوهرات، وذهب الآخَرون للمشي. فهو مجتمع للمعاقين، ولا جدال في ذلك، ولكن لأن المعاقين كان يُنظَر إليهم — وهم ينظرون إلى أنفسهم — على أنهم متساوون مع الآخَرين، فلا مجال للشعور بأن هناك ترتيبًا «خاصًّا». كان هذا عالمهم، وليس عالمنا، وهذه معاييرهم، وليست معاييرنا. كانت حركة الحياة أبطأ، والحياة نفسها أيسر. صحيح أنه كان هناك تأخُّر ومشكلات، ولكن الجميع كان يتقبَّل ذلك. لقد كان مكانًا رائعًا حقًّا، ولم يوحي مطلقًا بأن الحياة ينبغي أن تكون غير ذلك.

***

بعد شهرين من زيارتي لمؤسسة لآرش، وفي حفلة أُقِيمت في تورونتو، سخر صديقٌ لي من ورع جان فانيه، فقال: «من الصعب جدًّا أن تتقبَّل أن شخصًا يتمتع بذكائه وفرصه في الحياة يريد أن يعيش مع هؤلاء الناس … ولكن ربما يريد أن يتأكَّد دومًا من أنه الأذكى في المكان.» ما استنتجه صديقي كان مزحة رهيبة، لو سمعها فانيه لضحك عليها على الفور.

ولكن كان هناك شيء يدعو إلى المزحة؛ إذ لفانيه سمعة كبيرة، نتيجة لحياةٍ كرَّسَها للإنجاز؛ فقد أسَّس مؤسسة لآرش، وقد كان مرشَّحًا دائمًا للحصول على جائزة نوبل للسلام، وقد كتب العشرات من الكتيبات والكتب، بما في ذلك الكتاب الأكثر بيعًا على المستوى العالمي: «كيف تصبح إنسانًا».

ولكن على المستوى الشخصي، كان فانيه شخصًا مهيبًا؛ فمنزله — المنزل الذي يعيش فيه حين لا يكون على سفر عبر العالم من أجل مؤسسة لآرش — كان عبارة عن كوخ حجري صغير جدًّا يقع خلف الشارع الرئيسي لترولي-برويل. وبداخله وخلف مكتب ضيق بالقرب من مطبخ متواضِع، وجدت رجلًا طويلًا خجولًا متواضعًا ذا لحية بيضاء، يلبس سترة لونها أزرق فاتح.

وُلِد جان فانيه في جنيف بسويسرا، في العاشر من سبتمبر عام ١٩٢٩، بينما كان والده جورج فيليس فانيه — وهو جنرال متقاعد في الجيش الكندي — هناك في مهمة دبلوماسية. التحق فانيه بالمدرسة في إنجلترا، ولكن في بداية الحرب العالمية الثانية ذهب ليعيش مع إخوته في كندا، من باب الأمان كما فعل كثير من الأطفال الإنجليز الآخَرين.

في أواخر عام ١٩٤١، طلب لقاء والده، وبما أن والده كان المبعوث الخاص لكندا في ست دول أوروبية وفي الحكومة الفرنسية الحرة في المنفى (وفيما بعدُ أصبح الحاكم العام التاسع عشر لكندا)؛ تطلَّبَ هذا تحديدَ موعدٍ. كان جان يريد الالتحاق بالبحرية البريطانية، عن طريق الكلية البحرية الملكية في إنجلترا، وكان عليه أن يعبر المياه الخطيرة للمحيط الأطلنطي، وهي الفكرة التي رفضتها أمه بشدة، ولكن كان لوالده رأي آخَر. قال جورج فانيه لابنه: «إذا كان هذا ما تريده حقًّا، فاذهب. فأنا أثق بك.» وتذكَّرَ فانيه هذا الحوار لاحقًا باعتباره لحظة فارقة في حياته.

كان صغيرًا لدرجة أنه لم يشارك في الحرب الفعلية، ولكنه شهد تحرير باريس، وفي السنوات التالية ساعَدَ في عملية إعادة الناجين من معسكرات الاعتقال في داكو وفي أماكن أخرى. وبحلول عام ١٩٥٠ التحق بحاملة الطائرات الأكبر في كندا.

في البحر، بدأ فانيه يسأل هل كان يريد فعلًا أن يكون في البحرية؟ وبدأ يصلي من أجل الوصول إلى قرار محدَّد، ولاحقًا كتب في كتابه المنشور باللغة الفرنسية بعنوان «كل شخص قصة مقدسة»، والذي ذكر فيه قصة استدعائه الروحي، أنه بدأ يشعر بأنه «مدعوٌّ للعمل بطريقة أخرى من أجل السلام والحرية.» وكان أكثر إخلاصًا في تلاوة صلوات الساعات الكاثوليكية من الحراسة الليلية، وشعر بأن الرب يناديه، وفي غضون بضع سنوات استقال من المهمة البحرية والْتحق بالمعهد الكاثوليكي بباريس لدراسة الفلسفة واللاهوت. علاوةً على ذلك انضمَّ إلى جمعية لو فيف، وهي جمعية صغيرة من الطلاب المُكرِّسين أنفسهم للصلاة والميتافيزيقا بقيادة الكاهن الدومينيكي الفرنسي، بير توماس فيليب. وبعد وصول فانيه بفترة قصيرة، مرض بير توماس، وطُلِبَ من فانيه إدارة الجمعية، وأدارها لمدة ست سنوات.

في مساء أحد الأيام، أخبرني فانيه ونحن نشرب فنجانًا من الشاي: «أعتقد أنني كنتُ أتنقَّل بين أماكن كثيرة؛ فقد عملت ضابطًا في البحرية، ثم تركتُ البحرية وانضممت إلى جمعية بالقرب من باريس. كنت في مرحلة البحث، ولم أكن أعرف على وجه التحديد ما عليَّ فعله، ثم تلقَّيْتُ خطابًا من كلية سانت مايكل في تورونتو: هل يمكن أن تأتي وتقوم بالتدريس؟ كان هذا أمرًا مهمًّا.» وبحلول عام ١٩٦٣ وفي سن الرابعة والثلاثين، ناقَشَ فانيه رسالة الدكتوراه بجامعة تورونتو (والتي كانت بعنوان: «السعادة: مبادئ الأخلاق الأرسطية وأهدافها») وكان معيدًا مشهورًا له اهتمام أكاديمي بأخلاقيات الصداقة. «ولكني أدركت أن التدريس لا يناسبني، وكان هناك شيء بداخلي يدعوني إلى وجود التزام من جانبي تجاه الناس، وليس الأفكار.» وقضى وقتًا طويلًا يزور مناطق مختلفة من المجتمع؛ أبرزها السجون القريبة من أوتاوا، حيث اعتاد الصلاة مع نزلاء السجن والحرَّاس والمسئولين والاختصاصيين النفسيين العاملين في السجون، وكتب بعد ذلك قائلًا: «وبعد فترةٍ، لم يكن أحد يعرف [أثناء فترات الصلاة] مَن السجين أو مَن الحارس.» وكانت أول تجربة له في الحياة خارج النظام المؤسَّسي؛ وهو ما كان يمثِّل نموذجًا أوليًّا لما ستكون عليه مؤسسة لآرش لاحقًا، والتي يعيش فيها النزلاء والمساعدون جنبًا إلى جنبٍ متساوين. وحيث إنه قد تربَّى في مجتمع دبلوماسي بروتوكولي وكلية حربية، فقد كان المجتمع غير الطبقي كشفًا بالنسبة إليه.

في صيف عام ١٩٦٣، وبعد انتهاء العام الدراسي في تورونتو، زار فانيه أستاذه الروحي العجوز بير توماس. كان توماس قد تقاعَدَ عن التدريس عقب خلاف نشب بينه وبين الفاتيكان، وكان قد عمل حينها كاهنًا ملحقًا بمؤسسة لو فال فلوري، وهي مؤسسة صغيرة للرجال المصابين بإعاقات خاصة بالنمو في قرية ترولي-برويل الصغيرة. قال فانيه عن زيارته الأولى: «كنتُ خائفًا بعض الشيء؛ لأن … حسنًا، كيف تتعامل مع أناس لا يتكلمون، أو يتكلمون بصعوبة؟»

لكن لقاءاته مع الرجال الذين لديهم إعاقة عقلية في ترولي لم تكن مخيفة. قال: «ما أثَّرَ فيَّ أن كل واحد منهم كان يقول، بطريقة أو بأخرى: «هل تحبني؟ وهل تقبل أن تكون صديقي؟» وجدتهم مختلفين كثيرًا عن طلابي بالجامعة. كان طلابي يريدون خلاصة عقلي، ثم يغادرون ويحصلون على وظيفة وعلى المال، ويكوِّنون أسرة، ولكن هنا الأمر مختلف تمامًا؛ وفي رأيي فإن قولهم: «هل تقبل أن تكون صديقي؟» أثار أشياءَ كثيرة بداخلي، وأرى أني كنت أبحث عن مكانٍ كهذا يصبح لديَّ فيه التزام تجاه الآخَرين.»

أوضح فانيه الأمر قائلًا: «كان هذا في وقت مارتن لوثر كينج، والذي أراد أن يحرِّر المضطهَدين. وفي رأيي أن المعاقين من بين أكثر الناس اضطهادًا في هذا العالم، وأرى أنه من صميم أهداف إنشاء مؤسسة لآرش الرغبة في التحرير، في تحريرهم.

بدا الأمر بديهيًّا. في تلك الفترة كان في كندا عشرون مؤسسة للمعاقين في أونتاريو فقط؛ وهنا في فرنسا نفس الأمر، وقد زرت هذه المؤسسات من قبلُ حيث كان يوجد هناك ألف من المعاقين كلهم موضوعون معًا. فكرت في معنى ذلك. لذا كان إحساسي صائبًا، لماذا لا أنشئ دارًا للرعاية؟ ولمَ لا أستضيف فيها اثنين من المعاقين؟ وأرى ما سيحدث. على نحوٍ ما، أنا ساذج بعض الشيء، وأظن أني أحب المخاطرة، وإذا وضعت السذاجة مع المخاطرة معًا، فستنشئ مؤسسة لآرش.»١

عُرض منزل صغير في وسط ترولي-برويل للبيع، واشتراه فانيه، وهو منزل كان بدائيًّا جدًّا لدرجة أنه لم يكن بداخله حمام. وفي السادس من شهر أغسطس عام ١٩٦٤، انتقل إلى المنزل ومعه ثلاثة رجال معاقون عقليًّا (أحدهم ثبت سريعًا أن رعايته تتجاوز قدرات فانيه، وأُخرج على الفور)، ولم يكن يتكلم أيٌّ من الرجلين الباقيين، رافايل وفيليب. الأصل الوحيد الذي كان لدى فانيه هو سيارة رينو كثيرة الأعطال، كان يطوف بها هو وأصحابه في أرجاء الريف.

قال فانيه: «يمكنني القول: إنني بمجرد أن بدأت، شعرت بأنني رجعت طفلًا، فكان يمكنني الضحك، ويمكننا أن نقضي وقتًا مرحًا، وكنَّا نجلس أمام المائدة ونلهو. لقد كنتُ جادًّا جدًّا حتى هذا الوقت. فبوصفك ضابطًا في البحرية، فإن عليك أن تكون جادًّا جدًّا، وتدرك كيف تقود الآخَرين. وحين بدأت التدريس، كنتُ أتحلَّى بالجدية الشديدة؛ إذ كان عليك أن تُظهِر أنك تعرف الكثير عن الأشياء التي تدرِّسها.»

ثم أضاف: «لكنَّ الأمر هنا مختلف؛ إذ يمكننا اللهو لأن لغة المعاقين هي لغة المرح. أعتقد أنك تعرف هذا مع ووكر؛ فلا تكن جادًّا أكثر من اللازم. استمتعْ بالحياة، واجعلْ هناك مكانًا للمرح.» تطوَّرَ طقس القبول العميق ثلاثي الجوانب لدى فانيه: قبول فانيه لرفيقَيْه المعاقَيْن، وقبولهما له، وربما الأهم هو قبول فانيه لنفسه في دوره الجديد، الأقل طموحًا، والمعاكس للاتجاه السائد في المجتمع.

أَطلقَ فانيه على دار الرعاية لآرش، وفق الكلمة الفرنسية التي تعني السفينة، تشبيهًا لها بسفينة نوح. ومما أصابه بالدهشة أن المشروع جذب الاهتمام في السنوات التالية، وجذب أيضًا مع الوقت التبرعاتِ والتمويلَ الحكومي؛ مما سمح له بالتوسُّع.

قال لي جان لوي مان حين التقينا: «في البداية كان فانيه لا يزال متمسكًا بالفكرة التقليدية الخاصة بعمل الخير من أجل مساعدة الفقراء، لكن بعد ذلك تغيَّرَ هذا الفكر؛ إذ أدرك أنه كان يستفيد. وبعد ذلك أراد فانيه أن يكون صوتَ مَن لا صوتَ له، وسرعان ما اكتشف أن الحياة البسيطة، العيش مع رافييل وفيليب، حياةٌ تبعث على الرضا.» وبالتدريج، انتشرت أخبار فانيه وانجذب الشباب من كل أنحاء العالم إلى ما فعله؛ مما دعاهم إلى الحضور إلى مؤسسة لآرش ليقوموا بخدمة المعاقين لمدة عام أو عامين أو أكثر. (ومن ضمن هؤلاء جان لوي مان وجاري ويب، وهناك الكثير ممَّنْ ظلُّوا يعملون في المؤسسة على مدار ثلاثين سنة لاحقة.) وبحلول عام ١٩٧١، توسَّعت مؤسسة لآرش على الصعيد الدولي، وزاد الطلب على الالتحاق بها بشكل كبير، ولا سيما من الآباء الذين لم يعودوا قادرين على رعاية أطفالهم الكبار. ولم تستطع المؤسسة بناء مقرات ومجتمعات لخدمة هؤلاء جميعًا، ولكن في ذلك العام، وبمساعدة زميلة له تُسمَّى ماري-هايلين ماثيو، أنشأ فانيه مؤسسة «فيث آند لايت»، وهي عبارة عن شبكة من مجموعات الدعم الممتدة للأفراد الذين لا يمكنهم الإقامة بشكل كامل في أحد مقرات مؤسسة لآرش. واليومَ هناك حوالي ١٥٠٠ شبكة من شبكات مؤسسة فيث آند لايت في ٧٨ دولة تخدم المعاقين وآباءهم على حدٍّ سواء، وهو تطوُّر لم يستَرِحْ له فانيه في بداية الأمر؛ إذ قال لي فانيه، وهو راجع بظهره إلى الوراء على كرسيه في مكتبه: «في البداية لم أكن أهتم بهم، واستغرق الأمر مني فترة طويلة حتى بدأت الإصغاء فعلًا إلى مطالب الآباء؛ لأن معظم المعاقين الذين كانوا يأتون إلينا في البداية، كان آباؤهم أمواتًا أو هجروهم وهم أطفال صغار. وهكذا كان بداخلي في البداية بعض الضيق من الآباء.» تفهَّمْتُ هذا الشعور؛ إذ كان لديَّ بعض الضيق من نفسي لسماحي لووكر بأن يعيش في مكان آخَر، على الرغم من أن هذا كان ضروريًّا. لكن عندما قابَلَ فانيه كثيرًا من الآباء الذين لم يتركوا أطفالهم ولكنهم مع ذلك لا يمكنهم رعايتهم، بدأت أفكاره المتشددة في الاعتدال، وأثَّرَ فيه بشدة قدر الألم والذنب الكبيرين الذي كان يحاول الكثير من آباء الأطفال المعاقين التعامل معه.

«الذنب، الذنب. إن آباء المعاقين ككلٍّ يُعَدُّون أكثر الناس شعورًا بالألم؛ لأن كثيرًا منهم يشعرون بالذنب، فهم يسألون ذلك السؤال الرهيب: لماذا حدث هذا لي؟ وتجد في أحد فصول إنجيل يوحنا قصة المسيح وحواريِّه والرجل الذي وُلِدَ أعمى، وكان سؤالهم على الفور: لماذا؟ خطأ مَن هذا؟ هل ارتكبَ هو أو والداه خطيئة؟ لماذا يُولَد لك طفل كهذا؟ ولماذا ليس لدى شخص آخر طفل كهذا؟ اقدحْ زناد فكرك بشأن هذا الموضوع وستجد أنك من الممكن أن تقضي وقتًا طويلًا في طرح الأسئلة الخاطئة. والسؤال الصحيح الذي يجب أن تطرحه: كيف يمكنني مساعدة ابني ليكون أسعد؟ والسؤال الخطأ هو: هل هذا خطئي؟»

قلتُ له: «لكن ما زال الرفض الاجتماعي قويًّا. لماذا لا يحب الناس أن نذكِّرهم بالمعاقين؟»

أجاب فانيه: «في رأيي يصاب الناس بالذعر عند رؤية المعاقين؛ فهذه الرؤية قد توحي إليهم بأنه في أحد الأيام قد تحدث لهم حادثة ويصبحون معاقين. فأنت تعلم، كلنا نخشى الموت، والمعاقون علامة على الموت.» ثم بدأ يحكي حكاية أول شخص يموت في دار رعاية لآرش في ترولي، وهو مساعد اسمه فرانسوا. ولحظة انتشار الخبر وسط النزلاء، قرَّرَ اثنان منهم رؤية فرانسوا، فقادهما مساعد آخَر إلى الغرفة التي كان يرقد فيها جثمان فرانسوا في تابوت مفتوح، وذلك لمَن أراد أن يُلقِي نظرة الوداع عليه. سأل أحدُهما، جان لوي، المساعدَ إن كان ممكنًا تقبيلُ فرانسوا قبلة الوداع، فقال له المساعد إنه لا مانع من هذا. قَبَّلَ جانُ فرانسوا الميتَ، لكنه تعجَّبَ قائلًا: «اللعنة! جسده بارد!» ثم غادَرَ، وسمع المساعد جانَ وهو يقول وهو خارج من الغرفة: «سيتعجَّب الجميع بشدة من أنني قبَّلْتُ شخصًا ميتًا!»

توقَّف فانيه عن الحديث، ونظر إليَّ وهزَّ كتفيه، ثم قال: «ماذا حدث؟» ومما أشعرني بالارتياح أنه لم يكن من المفترض مني أن أردَّ؛ ففانيه كان سيجيب بنفسه. قال: «أعتقد أنه كان يقبِّل إعاقته؛ لذا فإن قبول المعاقين هو طريقة من طرق قبول الشخص للموت.»

فجأةً وجدتني أسرد لفانيه حكاية تحميم ووكر؛ كيف أني عندما كنت أشعر بضيق شديد ولم يكن يُجدِ أي شيء، كان بإمكاني أن أشعر بتحسُّن حين أحمم ووكر؛ لأن هذا كان يريحه أيضًا.

سأل فانيه: «هل اتضح الأمر لك؟ فأنت تحمِّم إعاقتك أنت.»

هذه وجهة نظر لم أصادفها من قبلُ، أقرُّ بهذا.

سأل فانيه: «ما الذي يجعلك تفتح قلبك لشخصٍ ما؟»

حملقتُ فيه، ولم يكن لديَّ ردٌّ.

رد فانيه: «كون الشخص ضعيفًا، أن تجد شخصًا يقول لك: أنا بحاجة إليك.» إذا كانت حاجة الشخص كبيرة لدرجة أنك لا تستطيع تلبيتها، كما هو الحال غالبًا مع الآباء الذين يتولَّون رعاية طفل معاق إعاقةً شديدة بمفردهم، فالنتيجة هي الذنب والكارثة، «ولكن الآباء الذين يعيشون في قريةٍ، حيث يوجد شباب يأتون ويجلسون مع ووكر ويأخذونه للمشي، وكل ما شابَهَ ذلك؛ إذن ستتغير الحياة، ولكن بمفردك، فهذا هو الموت.

أقصد أن هذا جنون؛ فنحن نعلم جميعًا أننا سنموت، سيموت بعضنا في سن العاشرة، وسيموت بعضنا في سن الخامسة والثمانين؛ فحياتنا تبدأ بضعف، ثم نكبر ونصبح ضعافًا وأقوياء في الوقت نفسه، ثم نبدأ في الضعف ثانيةً؛ لذا فالمسألة الكلية للعملية البشرية هي كيف ندمج القوة مع الضعف. أنت تتحدث عن ضعفك مع ووكر؛ حدث لك الأمر ذاته، وكل الذين لم يمروا بالتجربة التي مررت بها لن يتفهموا هذا الأمر بصورة كلية؛ فأنت استطعت أن تصبح إنسانًا بتقبُّلِكَ ضعفَك؛ لأنك استطعت أن تقول: لا أعرف ما عليَّ فعله.

نحن في مجتمع علينا فيه معرفة ماذا يجب أن نفعله طوال الوقت. ولكن إذا انطلقنا من موضع ضعفنا بدلًا من ذلك، فماذا سيحدث؟ وحين نخبر الناس أننا بحاجة إلى مساعدتهم، فإننا بذلك ننشئ مجتمعًا. وهذا ما حدث هنا.»

استمرَّ الحديث لمدة ساعة ونصف، وبحلول المساء أصبح الضوء في الخارج أصفر لامعًا، وقال فانيه: «ما لم نتحول من مجتمع يقوم على التنافس إلى مجتمع يقوم على الترحيب بعودة الناس إلى القرية، فلن نتخلَّص أبدًا من هوسنا بالقوة، وهذا هو كل ما تسعى إليه مؤسسة لآرش إلى حدٍّ ما؛ فهي قرية نتقابل فيها معًا ونحتفل بالحياة، وهذا هو ما يقوم به هؤلاء الناس؛ يحتفلون مع الضعفاء. وحين تكون قويًّا، فإنك تحتفل بالويسكي.»

توقَّفَ فانيه لفترة قصيرة، وشبك أصابع يديه خلف رأسه، ثم قال: «في عام ١٩٦٠، كان السؤال المهم في فرنسا هو: ما نوع المجتمع الذي نريده؟ هل هو مجتمع ماو تسي تونج؟ هل هو مجتمع روسيا؟ وهل يختلف قليلًا عن الشيوعية؟ والآن، لا يسأل أيٌّ منَّا هذا السؤال، بل يطرح كلٌّ منَّا السؤال الآتي فقط: كيف يمكنني النجاح في هذا المجتمع؟ الجميع يهتم بنفسه فقط. افعل أقصى ما تستطيع، اجمع ما تستطيع من مال. لكن ما الرؤية التي توجهنا؟ في جانبٍ ما من رسالة مؤسسة لآرش، هناك رغبة أن تكون رمزًا؛ رمزًا يعني أن هناك رؤية أخرى ممكنة، وبالطبع لسنا الوحيدين الذين نقوم بهذا، فهناك كثير من المؤسسات الصغيرة.»

كنت أرى أن وجود مجتمع من المعاقين بوصفه نموذجًا للسؤال عن كيف يمكن للعالم أن يتعايش بفاعلية أكبر، فكرة جديدة، وعظيمة جدًّا أيضًا. لكن إضافة إلى ذلك كنتُ أراها فكرة غير واقعية تمامًا؛ مثل نوعية الأفكار الجميلة التي تراودنا في حالة الاسترخاء، والتي سيعجب بها الشخص المثالي، بما في ذلك فانيه.

لذا قلتُ له: «في رأيي هذه فكرة جميلة، بَيْدَ أن العالم لا يسير بهذه الطريقة، والناس لا تتصرف بهذا الشكل؛ فلقد مات ٨٠٠ ألف فرد في رواندا قبل أن نحاول إيقاف المجزرة التي كانت تحدث هناك، ويبدو أننا لا نعمل كي نمنع المآسي الأشد وضوحًا؛ دع عنك الصغيرة والفردية منها. فكيف يمكن أن آمل في إقناع العالم بأن ووكر يجب أن يُنظَر إليه كإنسان، ليس كإنسان معاقٍ فقط، لأنه كذلك بالفعل، ولكن كإنسانٍ قد يكون لديه مواهب، ليس فقط المواهب التي نتوقَّع أن نجدها؟» ما كنت أعنيه أنني كنتُ أتمنى من العالم أن يرى ووكر ليس فقط باعتباره ولدًا دون صفات شائعة كثيرة، ولكن أيضًا بوصفه ولدًا لديه صفات غير عادية. بَيْدَ أن توقُّع حدوث هذا قد يكون مُبالَغًا فيه. قلتُ: «الحقيقةُ أن العالم ليس مكانًا كهذا.»

قال فانيه، دون تردُّد: «هناك نص جميل مأثور عن مارتن لوثر كينج. سأله شخص ما: هل الأمر سيظل دائمًا كذلك؛ أن يحتقر الشخصُ الناس دومًا ويريد التخلُّص من الآخرين؟ فردَّ عليه قائلًا: نعم، حتى نتعلَّمَ جميعًا تحديدَ وتقبُّلَ وحبَّ ما هو حقير فينا جميعًا. ما هذا الشيء الحقير؟ أننا وُلِدنا لنموت، وأنْ ليس لدينا سيطرة كاملة على حياتنا، وأن هذا جزء من تكويننا، بَيْدَ أن علينا اكتشافَ أننا مخلوقون لشيء آخَر كذلك، وهو القرب من بعضنا البعض، وأن علينا أن نحاول أن نوقف هذه الحاجة كي نكون الأفضل ونوقفها بالفعل. وحينها فقط يمكننا بناء عالَم تحدث فيه حالات أقل مثل تلك التي تحدث في رواندا وأماكن أخرى.»

تركتُ فانيه بعد ذلك بقليل، وانتهينا من الحوار في هذا اليوم، وكان يستعد للسفر إلى كينيا قريبًا. وخرجت من المنزل الحجري الضيق في ترولي سريعًا، ومشيت في الشارع فدخلت حارة ثم حقلًا، ولم أستطع تحديد إن كنتُ بُهِتُّ أو فُتِنْتُ بما قاله أم لا؛ فأفكاره كانت تستهوي الناس: كان كتابان من كتبِه من أكثر الكتب بيعًا، وتُرجِمت العديد من كتبه إلى ثلاثين لغة تقريبًا، وحصل على وسام جوقة الشرف في فرنسا، وانضمَّ إلى فئة المكَرَّمين الكنديين. وقد كانت لديه أفكار راديكالية، منها: الضعف قوة، ولم يَعُدِ السلامُ يكمن في قبول الاختلاف، ولكن في الاعتراف المتبادَل بالضعف. أتساءل: كيف سيسير هذا في منطقة الشرق الأوسط؛ إذا اعترفَتْ إسرائيل — على سبيل المثال — بخوفها من حزب الله وضعفها أمامه، وطلبت مساعدة الفلسطينيين، بدلًا من الإصرار على التخلُّص من أي مصدر من مصادر التهديد لأمن إسرائيل؟ وفي عالم فانيه، لم يكن ووكر حلقة ضعيفة، بل قوية جدًّا.

في الواقع، أردتُ أنْ أومن بهذا. يثق كل جزء مني في أن ابني الصغير الغريب يمكن أن يُعلِّم كلًّا منا شيئًا عن نفسه. أما عن إمكانية حدوث هذا، فتلك قصة أخرى.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠