الفصل الثالث عشر

من دفتري، في ٨ ديسمبر عام ١٩٩٩، حين كان ووكر في الثالثة:

نحن في فندق نادي اليخوت، أحد منتجعات ديزني، هنا في عالم ديزني، كون ديزني. جئنا لرعاية جيك زوج أم جوانا، وأمها جوان، وكان هنا أيضًا أختها وأخوها وأزواجهما وأطفالهم.

حدث الكثير، بل الكثير جدًّا من الأشياء الغريبة. أولًا ووكر يعاني من آلامه فيضرب رأسه باستمرار ويصرخ، ويُخرِج من أنفه مخاطًا كثيرًا، ويتصرَّف على نحوٍ غير طبيعي؛ يتألم باستمرار والسبب غير معروف. وظننت أن هذا بسبب ألم في الأسنان أو تنبيه مُفْرِط، وأخشى — صحيح أن هذا بلا دليل، ولكنه مُقنِع على أي حال — أنه يؤذي نفسه عن قصد، وأنه يدرك أن هناك مشكلة ما لديه.

ثم يأتي أمر جيك، الآخذ في الاحتضار ببطء بسبب سرطان العظام؛ الأمر محزن للغاية، ولكن لا أحد يذكر الأمر. ولديه دراجة بخارية صغيرة يتنقَّل بها هنا وهناك، وينضمُّ إليه الأطفال، وأحيانًا ننضم إليه بعد قليل من الشراب.

ثم يأتي بالطبع عالم ديزني نفسه، الواحة الأمريكية العظيمة للتجانس. أتعجب كيف سيرى علماء الآثار عالم ديزني بعد آلاف السنين من الآن؛ هل بوصفه مزارًا دينيًّا؟ أتصور ذلك، بل أنا متأكد جدًّا من ذلك. تتسلل الأنغام بمدينة ديزني من بين الشجيرات، مما يجعلني أثب من السعادة. وقد صدرت تعليمات للموظفين أن يعاملوا الضيوف بلطف، وأن تكون أولويتهم الاهتمام بهم، أيًّا كان الأمر، حتى إن العمال الذين يُصلِحون شبكة التبريد والتكييف في مداخل الفندق، الذين غطوا الممرات الكثيرة جدًّا المفروشة بالسجاد بغطاء واقٍ من نوع رجراب، وهو نوع بلاستيكي محكم مانع للأتربة؛ يوقفون كلهم عملهم ويقولون لنا: «مرحبًا! كيف حالكما اليوم؟» بينما أنا وووكر نسير متجولين في ردهة الفندق. يجعلني هذا أتوق إلى مَن يفيقني من هذا الحلم ويرجعني إلى الحقيقة.

أنا في «حالة مزاجية سيئة». أصبحت هكذا منذ أن وصلتُ هنا؛ إذ يظل ووكر يذكِّرني بأن الحياة لا معنى لها.

فيما عدا عالم ديزني، إذا أردتَ القيام بشيء، فعليك أن تفعله بهدف، ويُفضَّل بدرَّاجة بخارية صغيرة، ولا عجب أن قالت لي هايلي هذا الصباح: «ميكي حقيقي يا أبي!» ولعلها قد أضافت: وأنت لست كذلك يا أبي! لا أحد يستخدم النقود هناك؛ فنفقاتنا تُخصَم ببساطة من الرصيد الكلي لبطاقة ديزني، والتي يمكن استخدامها بالطبع في أي مكان؛ لأن كل شيء مملوك لديزني. هناك ملاهٍ مائية اسمها بليزرد ماونتن، وتقوم فكرتها على وجود نهر جليدي عملاق يذوب في وسط فلوريدا، ولكن بدلًا من جولات التزحلق لأسفل، فأنت تنزلق لأسفل عبر الزحلوقات بملابس السباحة، وهذا أفضل ما في الملاهي. اليوم ندخل إيبكوت، ودخلنا أمس الملاهي المائية ومملكة السحر لحفلة الكريسماس، وغدًا مَن يعلم! ربما ندخل مملكة استبدال المخ الجراحي؛ وهذا ما يضايقني: لا مجال لأي انحراف، ولا للخروج عن المألوف، أو عن سير الزيارة، أو عن توحد أعضاء مملكة الفئران؛ فأنت لستَ شخصًا مستقلًّا هنا، بل أنت عضو من عائلة الفئران الآلية الممتدة. وووكر أيضًا، وأظنك تسمي هذا شكلًا من أشكال الدمج، ولكن هذه هي المشكلة مع السياسة الرسمية للدمج؛ لا يمكنك أن تكون ما أنت عليه فعلًا، وأظن أني أشعر في عالم ديزني بنفس شعور ووكر في العالم الحقيقي: صحيح أن هناك مَواطن سحر فيه، ولكننا في الغالب لا نستطيع الانسجام معه.

تأتي نسخة الدمج الكلية للحياة مع الدرس الأخلاقي الكلي أيضًا؛ ففي رحلة الطيران إلى هنا جلست بجوار امرأة تبلغ من العمر ٦٢ عامًا، كانت تركب الطائرة لأول مرة في حياتها. حقًّا. وأول مرة تركب فيها الطائرة، تركبها إلى عالم ديزني! كانت تتكلم بلكنة سكان الجزء الشمالي من ولاية نيويورك، وقالت حين هممت بالقراءة في كتابي: «ابني يؤمن حقًّا بالأسرة. في ليلة ما، قلتُ له ولزوجته إنني سوف أهتم بالأطفال في إحدى الليالي، وإنه يمكنهما الخروج لتناول العشاء معًا، فقال: «لا، هذه إجازة الأطفال.» لكن زوجة ابني قالت: «حسنًا، هذه إجازتي أيضًا.» رد ابني: «لا يا حبيبتي، ستحل إجازتنا حين يكبر أولادنا».» أردتُ البحث عن ابنها في الطائرة حتى أقول له: «خُذْ هذا الولد الكارثي لبضع ساعات، وحدِّدْ مدى استعدادك حينئذٍ للتضحية بحياتك وحياة زوجتك!» فهو شخص غبي يُشعِرني كما لو أنني أب فاشل؛ إذ يكون أحيانًا الشيء الوحيد الذي يجعل الليل أو النهار يمران عليَّ وأنا مع ووكر هو احتمالية أن أقضي بضع ساعات بعيدًا عنه، أقرأ أو أخرج وأركب الدراجة أو أطهو شيئًا ما لا يحتوي على مسحوق البابلوم بوصفه المكون الرئيسي. والليلة الماضية بعدما نام ذهبتُ إلى حجرة المعيشة لجناحنا من أجل القراءة، ولكن كل ما فعلته هو الاستماع إلى الأصوات الضعيفة والحركات والإشارات الأخرى التي توحي بأن ووكر كان على وشك الاستيقاظ. أنا لا أتمتع بإيثار ابن السيدة البالغة من العمر ٦٢ عامًا، وبالتأكيد لا أتمتع بصفة التفاني مثله. يوبخني العالم من أجل عدم قدرتي على قبول مصير ووكر، وبالتالي مصيري أنا؛ يوبخني على غروري وكسلي.

غير أن ووكر مضاد للوم الذات هذا أيضًا. وحدث هذا اليوم مرة أخرى، بينما كنا نسير في ساحة الأمم أو مؤتمر الكون في عالم ديزني، أيًّا كان اسمها، وهي عبارة عن ساحة غامضة ومسطحة متناثرة، فيها غابة من سواري أعلام دول عديدة. أخذ ووكر يصرخ ويضرب آذانه بعنف (فهو لا يعجبه طقس فلوريدا الرطب) وكنتُ أتحدث إليه، وأتمتم بأنشودتي الهادئة لأرى إن كنت سأتمكَّن من صرف انتباهه عمَّا هو فيه، دافعًا عربة الأطفال بوَرِكي بينما أمسك يديه رافعًا إياها أعلى رأسه، لأمنعه من ضرب نفسه. كنت معه حينذاك لمدة ثلاث ساعات متصلة، بعدما استيقظ مبكرًا واصطحبته للمشي في الخارج حتى تتمكَّن جوانا من النوم (تنام هايلي مع خالتها آن، في الغرفة المجاورة). كنت على وشك أن أفقد صبري وقوة تحمُّلي؛ فصراخه لم يتوقَّف لمدة ساعة، وتحت قيظ شمس فلوريدا شديدة الحرارة تسبب صراخه في جعل رأسي يدور، لدرجة أن المعاناة الإنسانية والإزاحة والعزلة الوجودية التي كان يمثلها، كانت هي الأشياء الوحيدة التي كنتُ أستطيع سماعها أو التفكير فيها أو حتى رؤيتها: لقد أصبح صراخه المتواصل مثل الجلوكوما السمعية، التي أوقفت عمل كل الحواس الأخرى. قلتُ في نفسي: «أتَعْلَم، يا بني، أن هناك أوقاتًا أكرهك فيها؟» وهو موقف مضاد لموقف ابن العجوز التي كانت تركب الطائرة لأول مرة، ولكنه على الأقل تعبير حقيقيٌّ عن اللحظة الحالية، وأرغمني ووكر — وحتى سمح لي — أن أعترف بذلك، فهو مضاد للوعي الكاذب، وسوف يذكِّرني على الدوام بما نحن عليه حقًّا.

وبطريقة أو بأخرى — ربما بسبب الضوء الشديد لعناده، أو لأننا نجونا من انهيار خطير آخَر، لقاء آخَر مع الفوضى — تَكَوَّن حولنا مجال قوة من التكيُّف، ومن خلال الدموع والأنفاس السريعة وأخيرًا التنهُّدات، توقَّفَ بالتدريج عن الصراخ، واسترخى وتحرَّك معي بسلاسة في عربة الأطفال، ولم تَعُدْ لديه قوة لعمل أي شيء سوى متابعة تفاصيل العالم الذي نمرُّ به.

***

إن المكان الذي يعيش فيه ابني عبارة عن منزل أبيض من طابق واحد يشبه الكوخ يقع على حافة المدينة.

حين لا أكون هناك، أستطيع تصوُّر المكان في ذهني، وأفكر فيه طوال الوقت منذ أن انتقل إليه من ثلاث سنوات.

منزل أبيض من طابق واحد على النمط الريفي، عرضه أكبر من طوله، ومنحدر من ناحية الباب، ودائمًا ما تجد على الأقل سيارتين في المدخل، وتوجد الألعاب التي يلعب بها خارج المنزل ويوجد صندوق رملي في الخلف، كما يوجد مركز تجاري في الركن، ومركز اجتماعي على الجانب الآخَر من التقاطع، وأسماء الأطفال مطبوعة على زجاج باب الفِناء. وتوجد التخطيطات والسجلات الطبية في المطبخ. لا توجد سجاجيد (لأنها تعوق حركة الكراسي المتحركة والمشايات)، والمنزل به حركة كثيرة.

وهو يُعَدُّ إحدى دور رعاية المعاقين المتميزة؛ فهو منظَّم تنظيمًا جيدًا، والعاملون فيه على درجة عالية من الكفاءة (يقدِّمون الرعاية التي كان يحتاجها ووكر على مدار الساعة، حتى وهو نائم) ومستقر، ونظيف؛ فالنظافة مهمة. وهو يعيش هناك مع سبعة أطفال معاقين آخرين.

أحفظ غرفته عن ظهر قلب: جدرانها زرقاء وخضراء، تحتاج إلى نافذة أخرى، ولكنها منظمة. وهناك خزانة خشبية ذات أدراج لون دهانها أصفر، وملصقات لكرات كرة القدم معلقة على الحوائط، ومفارش للسرير عليها صور سيارات سباق ناسكار! ويشترك في الغرفة ثلاثة أطفال، وهم: ماركوس (أصم ومتأخر عقليًّا وقَلِق ولكنه مفعم بالحيوية)، ويوسف (طويل ونحيف جدًّا ومتأخر عقليًّا، وله قوة هيكلية خائرة وهو لطيف وهادئ ويصافحني دائمًا)، وووكر أكثر الثلاثة تأخُّرًا من الناحية العقلية.

على الحائط توجد صورة هايلي، وصورة أولجا، وصورة أمه، وصورتي.

الخزانة منظَّمَة للغاية، والصناديق مصنفة وعليها ملصقات للقمصان والبنطلونات والسراويلات التحتية وأنابيب الذراع الإضافية. وهناك صورة لرجل ثلج وزوج من قفازات الملاكمة، مرسومة على ورق أرجواني اللون، وصورة ولد يوجِّه لكماتٍ إلى آذانه، وهو دائمًا كذلك. ملاكم، شخص قوي: قد يكون جسمه صغيرًا، ولكنه قوي وخشن، ولديه قدرة هائلة على تحمُّل الألم. وفي حفل الاحتفاء بمقدم ووكر — الذي أُقِيم بعد ولادته على غير المعتاد؛ لِأَنَّهُ وُلِد قَبْلَ ميعاده بخمسة أسابيع — قدَّمَ لنا صديق صورةً للوحة لجورج ستابز مرسوم فيها كلب بولدوج صغير شهير، «بيلي مارتين: الكلب المقاتل». وهناك بعض الهدايا التي اتضح أنها مناسبة له فعلًا.

قدت سيارتي وذهبت إلى هناك مساء أحد الأيام بعد انتهاء اليوم الدراسي لإحضاره إلى البيت لبضعة أيام. (هل أخبرتك؟ هو يعيش هناك الآن.) أذهب إلى هناك كثيرًا لدرجة أنه يمكنني تذكُّر كل شبر في الطريق إلى هناك. أميل إلى أن أُسرع بالسيارة عند ذهابي لإحضاره، وحين أعود به لا أجدني متحمِّسًا؛ لذا لا أسرع في الطريق. حتى بعد ثلاث سنوات، فالرحيل (تقبيله لتوديعه أكثر من مرة، ثم احتضانه وتقبيله مرة أخيرة، ثم الخروج مُسرِعًا وإغلاق الباب الأمامي للمنزل الذي يُغلَق أوتوماتيكيًّا خلفي، والسير عبر منحدر الكراسي المتحركة إلى السيارة) كلها أحداث تقتلني قتلًا، وأشعر كما لو أن الشمس تغرب ببطء، كما لو أن شيئًا شريرًا وغريبًا جدًّا يحدث.

وصلتُ اليوم قبل أن يعود ووكر من المدرسة، وانتظرت في المطبخ، وكان المنزل صامتًا ومظلمًا تمامًا، وكان هناك سبعة أشخاص في غرفة المعيشة، وهم نزلاء المنزل — جاسمين وكولين ويوسف وثارسيكا وسيندي وكارين وماركوس (الذي يقرأ حركات الشفاه) — كانوا يشاهدون التليفزيون دون تشغيل الصوت؛ كما أنه لا يُسمَع صوت لهم. بالطبع هذا صحيح؛ فلا أحد فيهم يتكلم، فهم تائهون في خوذاتهم وكراسيهم المتحركة وعقولهم الخاصة، يخدشون بأيديهم في الهواء. ويقفزون أكثر من مرة، ووجوههم باتجاه الحائط، قد يكون هذا عرضًا في فن الأداء الإيمائي، أو عرضًا لمعاناتهم القلقة المنعزلة.

ثم سمعت صوت أتوبيس ووكر الأصفر الصغير وهو يتوقف أمام المدخل، فأسرعت لمقابلته ورحبت به قائلًا: «أهلًا، يا بيجل!» ومما أدهشني، أنه قفز بين ذراعي. في كل المرات التي أحضر فيها لآخذه من هنا منذ أن ترك البيت، لم أكن متأكدًا تمامًا من أنه سيتذكرني. هو على الدوام يتذكَّرني، ولكني لم أكن واثقًا من ذلك على الإطلاق.

حضنته حضنًا كبيرًا ردًّا على ذلك.

ثم بعد ذلك، بينما كنَّا نجمع متعلقاته — مثل المضخة والألبان الصناعية والأدوية وبنطلون التزلج وحقيبة الظهر العسكرية وعلب ذراعيه وخوذته الرغوية (نسيت عربة الأطفال) — كان يتجول في حجرة المعيشة.

لم يقل أحد من النزلاء له أهلًا، لكنه حينها لم يكن هو الآخر يستطيع قول ذلك أيضًا، وبدلًا من ذلك ذهب مباشَرةً إلى شجرة الكريسماس، بطريقته المتأنية، لتفحُّص الزينة بها. في مقر الصمت الأبدي هذا، كان هو فقط الذي ينجذب إلى البريق. لم أستطع نسيان ذلك.

غادرنا بسرعة. يحب ووكر أثر الجليد، والخلاء، والهواء الطلق على أذنيه ورأسه، وكل ما يحبه مهم بالنسبة إلي. أعتبر اكتشافي للأشياء التي يحبها إنجازات.

حين بلغت هايلي الرابعة عشرة من عمرها، بدأت أصطحبها إلى حفلات الباليه. هي نفسها كانت راقصة باليه منذ أن بلغت الثالثة، وتعدُّ حفلات الباليه أفضل الأماكن التي أحب قضاء الأمسيات بها، وفيها ألبس بابيونًا وترتدي هي فستانًا، وتخبرني عن أي الحركات تمثِّل صعوبة لها وأيها لا تمثِّل ذلك، ونناقش ما تعنيه رقصة ما، وكيف يمكن لحركة الجسم أن تجعل العقل يفكِّر في أشياء معيَّنَة. وفي هذه الأمسيات مع ابنتي اللطيفة، والتي نجلس فيها في المقاعد القريبة من خشبة المسرح، أشعر بالامتنان؛ لأنني صادفت في حياتي بعض الحظ السعيد والبهجة.

في إحدى الليالي ذهبنا لمشاهدة الفرقة القومية الكندية للباليه التي كانت تقدِّم باليه «جلاس بيسس»، الذي صمم رقصاته جيروم روبينز على موسيقى فيليب جلاس، وكانت صفوف من الراقصين والراقصات التي بينها مسافات متساوية ترقص على خشبة المسرح على إيقاع موسيقى السيد جلاس. ومن حين لآخَر كان يتقدَّم راقص وراقصة ليؤدِّيَا معًا حركةً ما، ثم يعودان على الفور إلى الصفوف.

بمعنًى آخَر، باليه عن حياة مدينة عظيمة بمجموعة من الناس يقومون بالأشياء نفسها في المكان الرتيب نفسه على الإيقاعات نفسها، لا يشذُّون عن هذا إلا عندما ينفصل راقص وراقصة عن المجموعة ثم يعودان إلى مكانهما على وجه السرعة، كما يتعيَّن علينا أن نفعل جميعًا. عمل أدبي يسمح لك بمشاهدة الشكل الهش لوجودك، حتى وأنت منغمس في حياتك الرتيبة ضيقة الأفق. لمحة كريمة ومفعمة بالأمل، هبة تعطي لك منظورًا معيَّنًا للحياة. كان هذا يجعل الدموع الغزيرة تنسال من عينيَّ.

يجعل ووكر الناس تبكي أيضًا، ويمكن أن يحدث هذا في أي وقت، وهو يحدث في واقع الأمر تقريبًا لأي شخص يقابله، ولكنها ليست دموع الضياع أو الشفقة. توصَّلْتُ إلى نتيجة مفادها أنها في معظم الأوقات دموع الامتنان.

يذكِّرنا المعاقون، ولا سيما المعاقون إعاقة بدنية شديدة والمعاقون عقليًّا، كيف يمكن أن تصبح حياتنا مظلمة؛ كل حياة، وليس فقط حياة المعاقين. فقد وُلِدنا من ظلام لنتجه فورًا إلى ظلام آخَر مع وجود ومضة ضوء فقط فيما بينهما: هذا وصف صامويل بيكيت لرحلة الإنسان في نهاية المطاف؛ فمعظم شخصيات بيكيت بلا أرجل أو حركتهم محدودة، أو فاقدون الدافع للأمل؛ فهم معاقون.

لذا عندما يفعل ووكر أي شيء يشير إلى أن لحياته هدفًا إلى جانب الألم والعزلة، يبدو هذا أمرًا شجاعًا بشكل كبير. وبالنسبة إلى ولد مثل ووكر، فالزينة المعلَّقَة على شجرة الكريسماس يمكن أن تكون مثل تابوت العهد: تلمع وتلفت انتباهه، وتنعكس شذرات العناية والتفصيل والخيال التي دخلت في صنعها من مصمِّمها إليَّ، أو إلى أي شخص آخَر ينظر إليها، من خلال ووكر. وإذا ركَّزتُ انتباهي لفترة أطول وجلست للتفكير في هذا، إذا كنتُ جريئًا بحيث لا أتحول إلى نشاط أكثر «فائدةً» أو تشتيتًا للانتباه، فإن فكرة تعليق زينة على شجرة، أو تذكار على فرع شجرة، أو طقس وثني قديم، تبرز مرة أخرى. فووكر عدسة — ذات شكل غريب، أقر بذلك — ترى العالمَ من خلالها أكثر وضوحًا، ويجعلني ووكر أرى الزينة على ما هي عليها؛ وأفضل من ذلك، أنه يجعلني أراها على ما يمكن أن تكون عليه، على ما قد تكون عليه. وكأنه يقول: «انظر هنا بابا، انظر ما ينقصك. كل ما عليك فعله هو أن تتمهل. دعني أوضح لك كيف يكون هذا.»

إذا كان ابني يحاول ألا يستسلم للألم، وفجأةً وجد الأمر أكبر منه وأصابه الحزن الشديد لهزيمته، وانفجرَتْ من داخله موجة صراخ أكبر وأعمق، فسيجعلني هذا أبكي أيضًا. لماذا؟ هل لأنه من المؤلم مشاهدة ذلك؟ لا، يغضبني ألمه، وأظن أن ما يجعلني أبكي هو التفاؤل الخفي حتى في هذه الأزمة، على الأقل كان يحدوه الأمل في هزيمة هذا الألم، وكان يتوقَّع أنه قد يختفي. وعلى حدِّ قول صديقٍ لي من مدينة وينبيج ذات يوم، فيما يتعلق بموضوع آخَر: في نهاية اليوم، هناك دائمًا كأس من شراب للمنتصر.

في رأيي هذا هو السبب في بكائي المضطرد، فلووكر نفس تأثير الباليه عليَّ؛ إذ يمكن لكليهما إظهار الشكل الأكبر للعالم، فهو إحدى البرك التي يوجد فيها الأمل.

لذا لأي شخص يتساءل عن القيمة المحتملة للطفل المعاق إعاقة شديدة، والمعنى المحتمل للحياة الناقصة التي تمر في أكثرها في ألم، فإن هذا أحد الاحتمالات. ماذا لو كانت حياة ووكر عملًا أدبيًّا قيد الإنشاء؛ أو عملًا فنيًّا جماعيًّا؟ هل يمكن أن يقنعك هذا بأن تتولى رعايته لي؟

***

أفكِّر فيه لأول مرة كل يوم قبل طعام الإفطار، في الساعة السابعة إلا الربع صباحًا بينما أعدُّ طعام الغداء لابنتي كي تتناوله في المدرسة، وأصادف أدوات تغذيته في الخزانة الخلفية في المطبخ، أو حين ألحظ عوارض ستائر الباب الأمامي وهي لا تزال متشابكة وأنا أُحْضِر الصحيفة. أرى صوره على الثلاجة وعلى خزانة الحبوب، وعلى مكتبي حين أرتدي ملابسي، وهناك القطع المغناطيسية التي هو مغرم بها الموضوعة على الثلاجة. ويدعوني سريره الفارغ من أعلى السلالم، وكلما يخطر على بالي أتذكر أننا لم ننجح في مواصلة رعايته، وينقبض صدري، وأفكِّر متى رأيته آخِر مرة ومتى سأراه ثانية؛ أُذَكِّرُ نفسي بما ينبغي عليَّ فعله المرة القادمة (الطبيب؟ التأمين؟ الاختبارات؟) وأحسب عدد الأيام التي ترك فيها البيت، وأستنكر أو لا أستنكر هذا العدد، وأفكِّر في شكل رأسه، وأفكر في عينيه، لو أنه يتكلم! وأحسب في أي يوم من الأسبوع سيتوافر لديَّ الوقت لأذهب لآخذه بالسيارة، وفي أي وقت من اليوم سيكون المرور أقل إرهاقًا؟ وأفكِّر في ترتيب أمور أولجا، وأفكر في هايلي وهي معه بمفردها في هذا العالم. هذا ما يطرأ على ذهني تقريبًا في كل مرة أفكِّر فيه، وبرغم أنه ولدٌ أهميتُه في الحياة صغيرة جدًّا، فإنه يجعلني أفكِّر كثيرًا.

***

لكن بعدما انتقل ووكر إلى مقره الجديد، نسيتُ بالتدريج إيقاعات نومه، وقول هذا يجعلني أبكي: كيف خذلته إلى هذا الحد الكبير؟ وما الذي سيعينه على النهوض مرة أخرى؟ نسيت طريقة إصراره على ضرب رأسه والحائط ورأسه برأسي، حتى يأتي البيت لزيارةٍ ويذكِّرني بكل ذلك مرة أخرى. ونسيت كيف يستيقظ بالتدريج وبعناد، وببطء معذِّبًا مَن يرقد بجانبه مع احتمال استرداده لوعيه، مكرِّرًا نفس طريقة لَكْم رأسه أو نفس طريقة الخدش بيده (بقوة، مقابل شيء أقوى)، ونفس الهمهمة أو الأنين، حتى ينجح في النهاية في الاستيقاظ، وغالبًا دون أن يكون سعيدًا. ونسيت كيف يستطيع ضرب الحائط باستمرار، أربع مرات أو خمسًا في الدقيقة، لمدة عشرين دقيقة، دون فتح عينيه، وكيف أتخذ إجراءً سريعًا للتغلُّب عليه لينام. ومع ذلك نسيت كيف كان هادئًا عند استيقاظه، وكيف كان تناسق جفونه، ونعومة جبينه! وكم كان يبدو ابني المحني الصغير جميلًا وشديد الهدوء، وكم هو مقنع هدوءه الكاذب! ونسيت مدى الغيظ الذي كنت أشعر به حين يتحدَّى إرادتي. في الصيف الماضي، في كوخ أصدقائنا البعيد الذي يقع على شاطئ البحيرة، ظل مستيقظًا حتى الثالثة إلا الربع صباحًا، وقد حاولت في البداية أن أجعله ينام في الساعة الحادية عشرة إلا الربع، حين قالت جوانا: «عليك أن تأخذه من أولجا، فقد مرت بيوم صعب اليوم.»

كتمت موجة الاستياء المعتادة في صدري، ونزعت خوذته، ورفعت حمله الثقيل إلى السرير، وارتميت بجواره، وغنيت له ما أحفظ من الأغاني؛ كانت الأغاني الوحيدة التي أستطيع بالفعل تذكُّر كلماتها هي: «الفضل العجيب» (أربعة مقاطع، أحدها من تأليفي)، و«الحب»، و«هل أنت وحيد هذه الليلة؟» و«نهر الرجل العجوز»، إضافة إلى تكرار «الفضل العجيب»، هذه المرة على إيقاع أغنية «منزل الشمس الساطعة» كما تغنيها فرقة بلايند بويز من ألاباما. وقمت بهذا الغناء مرتين، ولم يؤثِّر هذا. ولاطفته، وطقطقت له، وداعبته، وضحكت معه، ووضعته على السرير، وهمست في أذنيه، وربتُّ على رأسه وظهره. قمت بكل شيء أعرفه في هذا الشأن، وردًّا على ذلك حاوَلَ بشكل متكرِّر — أقصد بذلك ثلاثين مرة — وبحماس مَرضي، أن يضرب رأسي برأسه بأقسى ما يستطيع، وقد نجح بنسبة ٤٠ في المائة.

في النهاية، وبعد أربع ساعات، وبعد أن قام من الفراش مرتين خلال هذا للاستماع إلى الليل ومراقبة الشرفة المسقوفة المهجورة وقتها معي، وبعد الضربة التي وجَّهَها لأنفي، ضربته ضربة من متوسطة إلى خفيفة على مؤخرته وسببته، وقلت له متذمِّرًا: «حسنًا أيها اللعين الصغير، يكفي هذا!» كنت أعلم أني دخلت المنطقة الخطيرة حيث يجب على المرء التراجع فورًا وفقًا لكتب الإرشاد والنصح. وفكَّرت لبرهة في إيقاظ جوانا أو مُضيفي، طالبًا المساعدة. (لم أرد إيقاظ أولجا؛ فقد قامت بأعمال كثيرة وصعبة خلال اليوم، وكان علينا تحمُّل مسئوليته بالليل.) لم أوقظ بالطبع أحدًا، ونادرًا ما أفعل ذلك، ولكن هذا الخيار كان متاحًا لي؛ كان يمكنني أن ألجأ لأحدهم. بمفردي، ودون أن يوجد أحد ليقدِّم إليَّ يد العون في موقفي هذا، لم أفكِّر في هذا البديل.

بدلًا من ذلك، وجَّهْتُ له الضربة وأمرته أن يتأدَّب، وحينئذٍ نام على جانبه، ومال على مرفقه، ونظر في وجهي كما لو أنه ميلتون بيرل، وأطلق صيحة عالية قائلًا: «ها!» وتقلَّب ونام. أراد فقط أن يعرِّفني أنه يمكنه الآن الصمود أمامي، وأنه على استعدادٍ لمواجهة كلِّ ما يبدر مني. لا أدري كيف يتصرَّف الأولاد الآخَرون العاديون في سن الثانية عشرة مثله في تلك اللحظة مع آبائهم، بَيْدَ أن هذا هو ما تعامل به ووكر معي، فقد استخدم ما لديه من قدرات.

قد يسأل سائل: لكن كيف لك أن تعرف ما يحاول أن يوصله إليك؟ كيف تعرف أنك لا تتخيَّل كل هذه الرسائل بينكما؟ وإذا لم يكن يستطيع الكلام، فكيف لك أن تعرف أنك لا تصطنع هذا من خيالك؟ والإجابة: لا أدري. ولكن الأب العادي أيضًا لا يعرف في كثير من الأوقات إن كان هو وأولاده يصطنعون الرابطة بينهم أم لا. فيوجد إطار لأي علاقة إنسانية خلف ستار من الكلمات، ويبدو أحيانًا شيءٌ خلافَ ما هو عليه، ولا يدَّعِي خلاف ذلك إلا شخص أحمق، أو شخص يهوى الإحباط. فلا ووكر ولا أنا نخلط بين ارتباكنا والكلمات، فحن نفضِّل الأصوات.

***

بعدما عاش ووكر في بيته الآخَر لمدة عامين، حلمت به، رأيته في بيته الجديد وأنا كنت أزوره، وكان مسرورًا جدًّا جدًّا، كان لا يزال لا يستطيع الكلام، بَيْدَ أنه كان يفهم كل شيء ويمكنه إيصال كل ما يريد قوله على الفور من خلال الهمهمة. وبعد الزيارة، أوصلني إلى باب بيته حتى يودِّعني، ووقف هناك مبتسمًا، وزميلته في البيت شانتال — أو صديقته الأخرى كريستا لي أو الاثنتان — كانت تقف وراءه، ومن الواضح أنها رفيقته. سَرَّني هذا: أدركتُ أنه في النهاية قد وجد شخصًا يحبه وأن هناك شخصًا أحَبَّه، ليس فقط بالطريقة المعتادة التي يحب بها الجميع ووكر، ولكن بطريقةٍ لا يفهمها سواه؛ حبه الخاص، أخيرًا، أن يعطي ويأخذ، وكان يدرك كلانا هذا. وابتسم حين ودعته ونظر مباشَرةً في عيني، وأومأ لي برأسه وباركني؛ فقد غفر لي كل شيء، ولكن كان هذا في النهاية مجرد حلم.

***

إنه يصبح ولدًا مختلفًا هناك، في منزله الآخر. يعيش حياته الخاصة به، وهو شيء لم أتوقعه يومًا له. ومن الناحية العقلية، هو طفل صغير، وسوف يظل كذلك؛ فهو يذكرني بشعوري وأنا أجالس طفلًا رضيعًا. ولكن بينما أعتقد أن ووكر لن يتغير أبدًا، أجده يتغير طوال الوقت.

في رحلته الأخيرة إلى البيت رفض فعل أي شيء طلبته منه، رفض الانتباه إليَّ لمدة يومين؛ فضرب الطاولة وفحص الميكروويف ولعب مع أولجا. كان يتصرف كما لو أنه مراهق، يعاند الكبار. وفي مساء اليوم التالي، بعدما طلبت منه أن يأتي إليَّ ثلاثين مرة، حاول أن يرضيني، فجلس على ركبتي ونظر إليَّ، وببطء شديد ابتسم لي ابتسامة خفيفة، بينما كان ينظر إلى مقصده التالي. وعليَّ أن أقول: إن كلمة «يدرك» طرأت على ذهني، وكان يبدو أنه يدرك على وجه الدقة ما كان يفعله: «وقت استرضاء الرجل العجوز، الذي يحتاج فعلًا إلى الاسترضاء، أليس كذلك، أيها الرجل العجوز؟»

لم أتوقع قطُّ أن أراه يتمتع بالاستقلال، وأن تكون له حياته الخاصة به، ولكن هذا حدث بالفعل. وأحدثُ تطوُّرٍ، كما أخبرني العاملون بالدار، أنه يصيح: «حافلة، حافلة، حافلة!» حين تصل الحافلة. يصعب عليَّ تصديق ذلك، ولكن هناك تحولات أخرى أيضًا، تغيُّرات مهمة في أحواله.

هناك أمسية من أمسيات شهر نوفمبر — منذ ستة أشهر من كتابتي لهذا الكلام — أتذكرها بوضوح كبير؛ إذ وصلت في الساعة السادسة لآخذ ووكر إلى بيتنا، وحين توقفت بسيارتي في المدخل، وجدت كولين الولد الأكبر في الدار، يحملق من نافذة غرفة نومه التي تقع على يمين الباب الأمامي المغلق. كان وجهه ملتصقًا بزجاج النافذة، وتتكثَّف أنفاسه على النافذة، بالقرب من ملصقه الخاص بفريق تورونتو ميبل ليفس. وكولين كان ولدًا خجولًا صغير الحجم ونحيفًا، وعمره خمسة وعشرون عامًا (وهو أمر أدهشني كثيرًا؛ إذ كان يبدو أن عمره ستة عشر عامًا)، وكان جبينه مقطبًا على الدوام، وكان ذا وجه مشوَّه، وجسم محني، يفهم ولا يتكلم، مغرمًا بألعاب الفيديو ومهذَّبًا جدًّا؛ فقد كان يسمح لووكر أن يقف بينه وبين شاشة التليفزيون حيث تُعرَض ألعاب الفيديو، وينتظر في حِلْمٍ شديد حتى ينصرف ووكر. دائمًا ما كنتُ أحيِّي كولين، وأمرُّ عليه وأربِّت على ظهره، وأعامله بوصفه الأكبر في الدار والقائد. كان هذا هو كل ما أستطيع فعله؛ حيث لم تكن هناك طريقة غير هذه للتواصل معه دون أن أبدو أحمق، ونادرًا ما كان يقوم بالاتصال بالعين، وكان يخفض دائمًا رأسه. ولكني كنت ألاحظ أنه على الدوام يبتسم ابتسامةً هادئةً عندما أنطق اسمه؛ وحين كنت أذكر اسمه وأنا أغادر، كما كنت أفعل دائمًا، كان يبتسم ثانيةً، ويرفع رأسه لأعلى لينظر إليَّ خلسةً. فخجله، ومحاولته للاختباء، وشعوره بالخزي، وسعادته، وامتنانه، وانعزاله، وشوقه، كل ذلك كان يبدو ظاهرًا في تلك اللحظات.

مرت بضعة أسابيع، وفي وقت متأخر من يوم إثنين من شهر ديسمبر، اتصلت بي تريش بيرسن، المسئولة الليلية عن رعاية ووكر، على تليفوني المحمول. كان هذا أمرًا غريبًا. قالت: «ظننت أنك ربما تريد أن تعرف أن كولين على مشارف الموت؛ إذ لاحظت وجود رابطة بينك وبينه.» كانت له رئة واحدة — لم يكن لديَّ علم بذلك — وقد بدأت حالتها تتدهور الآن. لم أجد ما أقوله. بقي كولين على حالته هذه لمدة ثلاثة أيام، ثم مات. الآن لا أحد يمانع أو لا يمانع إذا وقف ووكر أمام مشاهدته للتليفزيون.

أتى ووكر إلى بيتنا بعد أسبوع، وحين دخلتُ البيت عائدًا من العمل وأخبرتْ أولجا ووكر أني قد عدتُ، جاء ليرحب بي، وهذا أمر غير عادي؛ إذ عادةً لا يفعل ذلك، وكان عليَّ أن أنادي عليه. لم يكن يبدو حزينًا، ولكنه كان مترقبًا، وإذا كان من الممكن أن يكون هناك أمر يشغله، لكان هذا، لعلك تفهم ما أرمي إليه.

لم أكن أدري هل أذكر له كولين. هل لاحَظَ ذلك؟ كانت تريش تعتقد أن أيًّا من النزلاء لم يدرك موت كولين، ولكني لستُ متأكدًا من ذلك.

قلت في نفسي: سأقول شيئًا على أي حال. كان بجانبي، وظلَّ بين ذراعيَّ، في موضع الراحة الأساسي له. قلتُ له: «أهلًا، بيجل.» باعتبار أن هذا ما أقوله على الدوام، حتى أكون متسقًا في كلامي، «كيف حالك؟» وربَّتُّ على كتفيه برفق كعادتي، وجعلتُ رأسي في مستوى عينيه، وضربت برأسي العاري رأسه الذي عليه خوذة (برفق)، وقلت: «ألاي، ألاي، ألاي، ألاي.» باعتبار أن هذا ما أقوله دائمًا، ثم قرَّبته مني أكثر ووضعت فمي قريبًا من أذنه. بَدَا الأمر كأنه شيء مهم، ولكنه بَدَا أيضًا كأنني أتحدث إلى طوبة، وقلت: «شعرت بالحزن لما أصاب كولين!» و«هل تفتقده بجوار التليفزيون، وهو محني على ذلك الكرسي الصغير الذي بلا ظهر؟» و«أعلم أنكما كنتما صديقين»، و«هو يسمح لك أن تقف أمام التليفزيون وتعترض مجال رؤيته. هذا شيء لطيف تفعله تجاه شخص ما، كما تعرف، لكن أَلَا تمانع إذا اعترض مجال رؤيتك للتليفزيون؟» و«لم يكن ينظر كولين إلى أحد، ولكنه كان يعلم دائمًا متى يوجد هناك شخص ما، أليس كذلك؟» و«كان يعلم دائمًا أنك تقف هناك.» ثم توقَّفْتُ وانتظرت، وووكر كان ينظر إليَّ مباشَرةً، فقلتُ بصوت أعلى قليلًا: «قد يكون هذا من الأفضل له الآن، فقد كان يشعر بكثير من الألم، وكان مريضًا جدًّا»، و«هل تتذكر كيف أنه لم يكن يرد علينا قطُّ حين كنَّا نناديه باسمه أو نقول له مرحبًا، ولكن كنَّا نلاحظ دائمًا أنه كان ينظر إلينا بعد ذلك، ينظر ويبتسم، تعبيرًا عن امتنانه؟» و«كان شابًّا محترمًا، يا ووكي»، و«كان يسعد بصداقتك»، و«أنا متأكد من أنك تفتقده، وأعلم أن هذا أمر محزن، لكن لا عليك، فأحيانًا تكون مضطرًّا للشعور بالحزن.» وقلت أشياءَ أخرى لا أستطيع تذكُّرها الآن. وفي النهاية، قلتُ له: «لا أدري أين هو الآن، ولكن لا يعني هذا ألَّا تتذكره. وأنا على أي حال يا صغيري، أشعر بالحزن لموت صديقك.» ثم ربَّتُّ على ظهره مرةً أخرى، وبَدَا أنه — أعترف أن هذا تصوُّر شخصي جدًّا من جانبي — قد شعر بالارتياح بعض الشيء. هناك شيء رقَّ في عينيه، وهدأ تنفُّسه. هل يمكن أن يكون هذا ما أراد أن يوصله إليَّ؟

قلتُ كل هذا بهدوء، حتى لا تسمع أولجا وتظن أني قد فقدت عقلي، ولكني كنتُ متأكدًا أنها سمعتني على أي حال. وما زلت لا أدري لماذا قلت هذا! ولكني أعتقد أنني خيرًا فعلت؛ وذلك في حال أنه سمع بموت كولين، وفهم ما حدث له.

***

بعد يومين أخذته مرةً أخرى إلى دار الرعاية، وكانت تنتظرنا تانيا — وهي شابة من منطقة الكاريبي كانت تتولى رعاية ووكر من الرابعة بعد الظهر حتى الحادية عشرة مساءً — حين دخلنا الدار، كما كانت تنتظرنا تريش، العاملة الليلية، هي الأخرى. وكانت تانيا ترعى ووكر منذ ستة أشهر حتى الآن، وهي مدة كبيرة؛ إذ مرَّتْ عليه فترات كان يتنقل فيها بين المساعدين، وكان يبقى معه المعاون لمدة أسبوعين قبل أن يشعر باليأس ويتخلَّى عنه بسبب كثرة الصراخ أو كثرة لَكْم رأسه. وكانت تريش أيضًا خارج القاعدة، فلقد طُلِب منها أن تتولى رعاية ووكر بالليل حين انتقل لأول مرة إلى الدار، منذ ثلاث سنوات، وقد كانت تعرف ووكر كما تعرف الأم طفلها، وكل ليلة تتولى رعايته تريش بعد أنه تلبسه تانيا بيجامته التي عليها صورة باور رينجرز. وفي الصباح كانت تدخل تينا، مديرة الدار، وتقوم بالغناء معه لمدة عشرين دقيقة، بينما كان يجلس على المرحاض قبل الذهاب إلى المدرسة، وكانت تحاول تعليمه الإشارة الخاصة بكلمة «الْعَبْ» (يد ممدودة). صحيح أنه لم يُظهِر أي تقدُّم في تعلُّمها، ولكنها استمرت في المحاولة. وفي بيتنا حاولتُ تعليمه إشارات معدَّلة ﻟ «توقَّف» (ضربة قاطعة بيدٍ على اليد الأخرى) و«نعم» (القبضة لأعلى ولأسفل) و«لا» (هز الرأس يَمْنَةً ويَسْرَةً) و«حب» (اليد على القلب) و«صديق» (لمسة على الصدر). وكان يبدو أن تلك هي الكلمات التي قد يحتاج لاستخدامها، ولم يكن بارعًا في تعلُّمها، ولم أكن كذلك في تعليمها إياه. وكان يضحك بشكلٍ صاخِبٍ عندما أوضِّح له الإشارة، ثم يتجاهلني؛ فكان الأمر مثل العمل لدى شخص يبدو دائمًا مشغولًا بأمر أهم. ومع ذلك فالطريقة الوحيدة للَفْتِ انتباه ووكر أثناء دروس لغة الإشارة هي «الحديث» بينما أحرك ذراعَيَّ ويديَّ. وكان يحب هذا للسبب نفسه الذي كان ينجذب به إلى معاونيه أكثر مما يفعل للأطفال الآخرين في الدار: فلم يكن أي من النزلاء يتكلم، وكان ووكر ينجذب إلى الصوت البشري، الذي لا يستطيع أن ينتجه بتمكُّنٍ.

لماذا لم يستطع تعلُّمَ لغة الإشارة؟ يرى بعض العلماء أن الأطفال حتى المعاقين منهم إعاقة شديدة يضبطون إيقاع تقدُّمهم في التعلُّم، بمعنى أن لديهم شعورًا بما يمكنهم تعلُّمه وما لا يمكنهم تعلُّمه، ويكيِّفون أنفسهم بناءً على ذلك. قالت لي دارسي فايلنجز، طبيبة الأطفال المتخصِّصة في النمو، التي كانت تعمل في مركز بلورفيو لإعادة تأهيل الأطفال الشهير في تورونتو، والتي عاينت حالة ووكر حين كان طفلًا رضيعًا، وذلك مساء أحد الأيام: «أرى بالتأكيد أن الأطفال يدركون بطريقتهم قدر الاستطاعة البيئةَ من حولهم. وفي رأيي، هناك أنماط يمكن لووكر أن يتعلَّمَها، وهي تلك التي توفِّر له الارتياح والنظام.» ولكنه لم يكن يستطيع استيعاب إلا ما هو مستعدٌّ لاستيعابه بالفعل؛ فإذا كان يتم تنبيهه بشكل مفرط بسهولة، ولم يكن مستعدًّا للقيام بالاتصال بالعين، فلن يكون مستعدًّا لتعلُّم لغة الإشارة؛ فالمشكلة عندي وليست عنده. من ناحية أخرى، تذكَّرَتِ الدكتورة فايلنجز ووكر وهو يهبط من الزحلوقة، وهو ولد صغير، بحماس كبير. وقالت: «تُعَدُّ الزحلوقة كتكرار ذي معنًى بالنسبة إليه.»

هناك شيء آخَر كان من الواضح أن له معنًى بالنسبة إليه، وهو الاستيقاظ لأطول مدة قدر استطاعته، والمحافظة على نشاطه قدر الإمكان ما دام لديه قدر — ولو كان بسيطًا — من الطاقة؛ فلم يكن يريد أن يفوته «أي شيء». وحتى في المنزل الجديد، وهو يكبر ببطء ليصبح مراهقًا، كان نوم ليلة كاملة أمرًا نادرًا، وحين كان ينام ليلة كاملة، كان القائمون على رعايته يشعرون بنشوة شديدة؛ لأنه في ذلك الحين يكون في حالة مزاجية معتدلة. قالت تريش لي يومًا ما: «في الأيام التي يكون فيها سعيدًا، يقفز على السرير، وإذا أغلقت الشبكة — الشبكة التي في سريره المغطَّى، والتي تحفظه من الوقوع — يذهب إلى طرف الشبكة ويرمي بنفسه على الأرض؛ فهو يرى هذا الفعل مسلِّيًا.» وفي عطلات نهاية الأسبوع بعدما يذهب للسباحة في المركز الاجتماعي، كانت تأخذه للتمشية. وقالت متحدثةً عن محل البقالة القريب: «يعرفونه في سوبيز، ويقولون كلهم له: «مرحبًا ووكر!» ثم نأخذ قهوة، ويحاول هو تحطيم كل شيء، ثم نجلس.» كان يحب سحب أكياس المكرونة وعلب الحساء من على الأرفف وإلقاءها على الأرض.

كان يميل إلى ضرب المساعدات في دار الرعاية بعلب ذراعه، ولا يفعل ذلك مع المساعدين. وقالت تانيا: «يضرب البنات فقط لأنهن يَصِحْنَ ويقلْنَ له: «ووكر، لا تضرب مؤخرتي!» فيضحك: هه، هه، هه.» كانت تنظر إليه وتقول: «هل هذه رقصة التزاوج؟» وتخفِّف لهجتها الكاريبية التي تتحدث بها من وقع المزحة. نبرة الصوت والتغيير في مقام الصوت والمعنى الضمني، فهمَ كل هذا؛ فقد كان يتقن اللغة غير اللفظية.

***

بعد ثلاث سنوات من الرعاية الليلية لابني، أصبحت تريش تعرف أشياءَ عن ووكر لا أعرفها، وهي تسرد عليَّ شذرات من اكتشافاتها، وتضعها أمامي لأشاهدها وأتأملها.

خذ مثلًا اليوم الذي كان عليَّ أن أقابل فيه تريش وووكر في مستشفى الأطفال المرضى بتورونتو في الساعة السادسة والنصف صباحًا، وقت الفحص المحدَّد لإجراء عملية له في الساعة التاسعة من أجل تنظيف أسنانه، وغسل أذنيه ثم إجراء اختبار سمع لهما. ليست هذه أمورًا مهمة؛ ولكنْ لأنَّ الأمر يتعلَّق بأسنان ووكر وأذنيه، تطلَّبت العملية تخديرًا عامًّا؛ فمن دون تخدير عام لا يمكن إجراء أيٍّ من تلك الإجراءات، فلن يبقى ووكر ساكنًا حين يضع الطبيب مسبارًا داخل أذنه، أو حتى فرشاة أسنان في فمه. (والشخص الوحيد الذي يمكنه غسل أسنانه هي أولجا مربيته؛ فهو يخضع لها تمامًا، ويُصدِر فقط أنينًا هادئًا ومنتظمًا مثل المضخة الغاطسة.) نعاني من التأخير المعتاد في المستشفى: الانتظار المعتاد الذي يتراوح بين ساعة وساعتين، إضافةً إلى المقابلة المعتادة مع طبيب التخدير، وهو اليوم شاب هندي يبدو أنه في العشرينيات من عمره فقط، ويريد أن يعرف إنْ كان ووكر يعاني من أي أنواع من الحساسية، ومكان النفخة القلبية على وجه الدقة. أقول كالعادة: «الأمر واضح في سجله.» ولكن لأن سُمْك السجل ست بوصات، فلا يبدو أن أحدًا يكلِّف نفسه عناء الاطلاع عليه. والآن يتصفحه الطبيب الشاب: أرى خطابات من أطباء أعصاب لم أقرأها من قبلُ، ولكنَّ الحصول على نُسَخ منها مثل محاولة الحصول على أسرار حكومية محظور الاطلاع عليها. يفحص العديد من الأطباء ووكر مرات كثيرة كل عام؛ فهو يصلح أن يكون مريضًا مثاليًّا لسجل عالمي يُوضَع على الإنترنت. وسمعنا أن المستشفى يتحدث عن تحويل سجلات المرضى إلى سجلات رقمية منذ سنوات، وأن الحكومة تنفق حوالي مليار دولار لهذا الغرض، وسيكون مرضى السكر هم الدفعة الأولى التي ستتحول سجلاتها الطبية إلى سجلات رقمية، على الرغم من المخاوف بشأن السرية التي قد تعوق ذلك الأمر، دَعْ عنكَ التكلفة. وعلى الرغم من ذلك، إذا كان هناك طفل لا تعنيه كثيرًا السرية، وهو بحاجة كبيرة إلى نشر سجله الطبي على المستوى العالمي، فهذا الطفل هو ووكر. أدخل عادةً في حوارات حول هذا الأمر مرات عديدة في سياق زيارة واحدة فقط إلى المستشفى.

أسأل: «كيف ستُخدِّره؟»

«ربما بالقناع، وربما بحقن المخدر عبر الوريد، ولكن إذا كانت لديه حساسية، فسأستخدم القناع. هل لديه احتقان؟»

كنتُ سأظن أنه تأخَّر قليلًا في طرح مثل هذا السؤال، ولكن الأمور تسير على هذا النحو في طب العلاج الخارجي، بناءً على قاعدة: قُلْ لي ما أريد أن أعرفه فقط.

تردُّ تريش: «كثيرًا ما يعاني من الاحتقان. لديه حساسية.»

«التهاب رئوي؟ حساسية للأزيثرومايسن؟»

طلبت منه تفاصيل عن عملية التخدير لكي يطمئن، وأؤكد له أن ووكر قوي مثل الأطفال الآخرين، وأن والده مهتم بصحته ورعايته اهتمامًا كبيرًا. واندهش الطبيب — لا يهتم معظم الآباء بالتفاصيل — ولكنه سَعِدَ بفرصة الحديث عن المواد المخدرة التي يستخدمها في عمله، كمادة السيفوفلوران، ومادة الفينتانيل (مادة مهدئة تشبه المورفين)، ومادة البروبوفول التي تُعطَى عن طريق الوريد. «قد نعطي له قمع تايلنول حين يفيق.» قمع تايلنول؟ أَلَا توجد نهاية للعذاب الذي يعانيه الولد؟ «ليس هذه الليلة، أرجوك، فمؤخرتي تؤلمني!» وتخبو المزحة. ليس الأمر مرهقًا على الدوام، هنا في المستشفى. «يتم تغذيته عن طريقة أنبوب التغذية، أليس كذلك؟ قد نعطيه المخدر من خلال هذا الأنبوب، ودَعْ عنكَ الأقماع.» ونعود إلى الانتظار. ولكي أصرف انتباه ووكر، أجلس في كرسي متحرِّك وأضعه في حجري وأسير في العنبر وفي الطابق، وأحاول أن أُسرِع بقدر ما أستطيع، لكن ليس الأمر يسيرًا كما يبدو. ولمدة عشرين دقيقة ظل الولد في غاية السعادة، رقم قياسي جديد للسعادة المتبادلة والمدعمة. يحب عبور الجسر الممتد فوق صالة الانتظار وينظر إلى الأشكال الملوَّنة الضخمة للأبقار والخنازير والأقمار المعلَّقة في المنطقة العليا المفتوحة من المبنى. أدهشني ابتهاجه، وقد أخبرت تريش بالأمر.

تقول بشكل مباشر: «أوه، هو يحب ركوب الكرسي والسير به.» والآن تخلع سترتها، وعليَّ أن أمنع نفسي من النظر إلى فتحة صدرها، فهذا ليس فعلًا يرغب أي رجل أن يُرَى وهو يقوم به، ولكنه على وجه الخصوص ليس الشيء الذي ترغب أن يلحظه الآخَرون قُبيل العملية في مستشفى أطفال، ومعك طفلك المعاق عقليًّا وأنت تجري به على كرسي متحرك. ولكن تريش تتجاهلني، أو تسامحني.

«اعتاد أن يركب طوال الوقت مع كريستا لي على كرسيها المتحرك، على حجرها.»

كريستا لي، من دار الرعاية الأولى التي كان فيها ووكر، حيث كان معظم الأطفال يعانون من إعاقات حركية شديدة. كان ووكر الفأر الملك في هذا المكان، الولد النجم؛ فقد كان يستطيع المشي، وفي خلال أسابيع لاحظنا تحسُّنًا في شعوره بالثقة. عندما كان يعيش معنا، كان دائمًا أقلَّنا قدرةً، أما هناك فقد كان متجوِّلًا حرًّا. كان كيني يعاني — أول زميل غرفة لووكر — من تلف في المخ جرَّاء حادثة كاد أن يغرق بسببها، ولم يَعُدْ يستطيع الحركة بمفرده بسهولة، ولكن حركة ووكر جعلت كيني ينفعل ويصفِّق بيديه ويضحك. ولم يكن كيني يستطيع تكوين كلمات أو التحكُّم بشكل كلي في جسمه، ولكن كان يمكنه السمع والفهم وتوصيل ما يريد للآخرين من خلال مجموعة من الإشارات والأصوات، ولا سيما في حضور الزوَّار؛ فهو ولد جميل. لم أشعر بالحب في أي مكان مثلما شعرت في هذا المكان، عندما كنتُ محاطًا بمثل هؤلاء الأطفال المرضى.

كانت كريستا لي بنتًا جميلة تسير بكرسي متحرك، ولكن عقلها كان ضعيفًا، وقد أُعجِبَ بها ووكر على أي حال. قالت تريش: «أحيانًا يصعد على حجرها ويستخدم ذراع الكرسي المتحرك الآلي ويجعلها تسير به بالكرسي، وكل ما كانت كريستا لي تفعله هو أن تقول: «ووكر! ماذا تفعل؟» لقد كان يحب ذلك.» لا شك في ذلك، وحين كَبِر ولم يَعُدْ مناسبًا له البقاء في تلك الدار، انتقل إلى المكان الثاني، الذي كان يبعد بضعة أميال، وقد أخفى المساعدون عن كريستا لي أخبارَ انتقاله حتى الدقيقة الأخيرة.

أصبح كل هؤلاء الغرباء الآن جزءًا من حياة ووكر، وترك كلٌّ منهم بصمته عليها. كانت تريش تعيش مع زوجها وابنتها في الناحية الشمالية الشرقية من المدينة في ضاحيةٍ تُسمَّى أجاكس، وهي بلدة أُنشِئت حول مصنعٍ للذخيرة أثناء الحرب العالمية الثانية، وهي الآن بلدة كبيرة تتطوَّر بسرعةٍ، وبها منازل من طابق واحد ومنازل بمستويين ومراكز تجارية كبيرة وكنائس تعلن عن المواعظ في لافتات على الطريق (المحرمات وآثارها السيئة)، وهو مكان ترى فيه النساء المتزوجات يدخِّنَّ السجائر ويضعنها في طرف فمهن ويخرجن الأشياء المطلوب إعادة تدويرها، والأولاد يلبسون خوذات ومعهم عِصِيُّ هوكي، ويذهبون إلى البيت على ألواح التزلُّج، حيث تقاطعات الطرق عريضة بعرض ملاعب البيسبول.

كانت تريش متزوجة من رجل نحيف، أكبر منها سنًّا اسمه كوري، وقالت لي عنه في مساء أحد الأيام: «إنه يصنع مكعبات المرق.» أعترف أن هذا الأمر كان مفاجأةً لي؛ فلم أفكِّر يومًا أن هناك شخصًا عمله صناعة مكعبات المرق، على الرغم من أنه لا بد من أن هناك أشخاصًا يقومون بذلك ومن بينهم زوج تريش. كان زوج تريش صاحب مشروعه الخاص، وكان يعمل لساعات طويلة، وقد بدأ مشروعه بصناعة المرق الذي كان يبيعه لعربات بيع المأكولات والمشروبات، ثم انطلق من هذا إلى مجال النكهات والصلصات والتوابل، وسمعت منها كثيرًا من الحكايات عن عمله.

لتريش وكوري بنت صغيرة، اسمها هايلي — سمتها تريش بهذا الاسم عندما قابلت ابنتي هايلي وأُعجِبت بالاسم — وكانوا يتنقَّلون بين المنازل والأكواخ التي كانوا يشترونها ليبيعوها بسعرٍ أعلى، وقد فعلوا هذا مرتين، وحقَّقوا بعض النجاح في ذلك، ولم تُرِدْ تريش إنجابَ طفل ثانٍ حتى يجدوا بيتًا أقرب إلى عمل كوري، حتى يمكنه البقاء في البيت لوقت أكبر. «نشكر الرب! أشعر بأن لديَّ طفلين بوجود ووكر.» صدمتني بهذا القول؛ فقد كانت ترى أن ووكر ابنها، على الأقل لجزءٍ من الوقت.

نشأت تريش في جراند فولز بنيوفنلند، حيث كان يعمل والدها في المناجم المحلية ومصنع الورق. كانت طويلة وصريحة وعملية، ووجهها جميلًا وفكُّها مربعًا، وكانت ذات شخصية منبسطة وتتصرف على طبيعتها. في البداية كانت ترعى شخصًا مصابًا بإعاقة، هذا الشخص كان بنتًا مصابة بشلل دماغي، اسمها ديلان، وكان عمرها ست عشرة سنة. وكانت تريش تدرس في مدرسة الأحد، وتتحدث بوضوحٍ عن إيمانها بالرب؛ وهي خبرةٌ ما كانت لتتاح لووكر إذا تربى فقط في منزلنا العلماني شديد العلمانية. وهي حاصلة على درجة جامعية في التعليم المبكر، ولكن التخصُّصَ يُعَدُّ أكاديميًّا لدرجة كبيرة مقارَنةً بميولها؛ فهي تفضِّل التعامل مع مشكلات الأطفال وحاجاتهم على أرض الواقع. أرادت الدخول في تحدٍّ عمليٍّ، والمساهمة في حل مشكلات هؤلاء الأطفال، وقد تعاقَدَتْ معها المؤسسةُ التي تدير دار الرعاية التي بها ووكر كي ترعى ووكر على وجه الخصوص، وكانت تفخر بأنها حقَّقت إنجازات كبيرة مع ولدٍ كان يعتبره الجميع حالةً صعبةً. كانت ترعاه بالليل، على امتداد ٧٢ ساعة، ثلاث ليالٍ كل أسبوع، وأربع ليالٍ في الأسبوع التالي، وهو ما كان يمثِّل جدولًا مُرهِقًا لها، ولكن تريش كانت ترحِّب بذلك؛ بهذه الطريقة كان بإمكانها أن تكون مع ابنتها قبل الذهاب لحضانتها وبعد الرجوع منها للبيت، وتتمتع بالرعاية الصحية والعديد من المزايا الأخرى. كنت أنظر إليها كراهبة، فيما عدا واقعة فتحة الصدر هذه.

أحَبَّ ووكر تريش بشدة تقريبًا مثلما أحَبَّ أولجا؛ فأولجا كانت تمثل الأم والأب الثاني لووكر؛ فقد كان يفعل أي شيء من أجلها، يذهب إلى أي مكان معها، وتستطيع أولجا أن تجعله يدور في المكان ويبتسم كالمجنون، فقط عن طريق غناء أغنية «عجلات الحافلة تدور وتدور»، وهي أغنية تغنيها له عشرات المرات كلَّ يوم حين تكون معه. وهو مغرم كذلك بويل، المساعد الليلي الآخَر (الذي يتولَّى الرعاية حين تكون تريش في إجازة)، وهو شاب طويل ومهذَّب في العشرينيات من عمره، وكان ويل يتمتع بالهدوء الشديد في مقابل تريش التي كانت تحب الثرثرة، ولكن كان ووكر يحبه بشدة. وكان ووكر يعشق جيرمين، المساعد الذي كان يرعاه بالنهار، الذي ظلَّ معه لأكثر من عامين.

كان جيرمين من جاميكا، وكان طوله ستَّ أقدام وأربع بوصات، وكانت له ضفائر شعر، وكان صوته المنخفض جدًّا يجعل صدري يهتز كما لو أن قطارًا يمر على بُعْد بضعة مربعات سكنية، وكانت زوجتي معجبة به قليلًا؛ فقد كان محبًّا للأطفال: إذا سألت جيرمين كم عدد الأطفال لديه، كان يقول: «اثنان، في البيت.» وكانت ابنته تبلغ من العمر عشر سنوات، كان ووكر يذهب إليها ويعطيها يده لتقوده. وقالت لي تريش: «يعامل جيرمين ووكر كأنه فرد من عائلته، واعتاد ووكر عليه بسرعة. وفي أول مرة تقابَلَا، مسح ووكر أنفه في بنطال جيرمين الأسود، وحينها قلتُ لجيرمين: «ستصبحان صديقين حميمين.» وأصبحا هكذا بالفعل؛ فقد كانا يلعبان معًا كرة السلة، وإن كان هذا يحدث بصعوبة، وكانا مثل أخوين. كان جيرمين يقول له: «ووكر، دعنا نذهب.» وكان ووكر يقول: «هه!» في هذه الأيام، كان ووكر ينجذب إلى الرجال.»

كنت أُلبِس ووكر من نفس نوعية الملابس التي أرتديها؛ فألبسه قمصانًا ذات مربعات وبنطلونًا مخمليًّا، أو بنطلون جينز وسترة. وبعدما ظهر جيرمين في حياة ووكر، بدأ يقص ووكر شعره تمامًا مع ترك الشعر العلوي فقط، ويرتدي بنطلونات كرة السلة القصيرة الحريرية والقمصان الرياضية وقبعات البيسبول، مثل منسقي الأغنيات (الدي جيه). وبسبب جيرمين بدأ يستمع إلى موسيقى الريجي من راديو السيارة؛ دائمًا ما كان الإيقاع الثابت الصاخب يجعله يبتسم، وبَدَا الأمر كما لو كان بعيدًا في دولة أجنبية، وكان يحكي لي ما رآه وسمعه وتذوَّقَه هناك.

لم يكن فقط ولدًا مختلفًا مع ويل وتريش وتانيا وجيرمين بل كان ابنهم، مثلما كان ابني وابن جوانا وابن أولجا، فقد كان ينتمي أكثر فأكثر إلينا جميعًا؛ لأنه كان من نوعية الأولاد الذين لا يستطيع شخص بمفرده أن يرعاهم. هذا هو ثمن الحياة وعجائبها.

قالت تريش لي مساء أحد الأيام: «كل ملابسه المطوية هناك في دولابه، أنا الذي جلبتها له.» في البيت كنَّا نوقظه، لكن تريش كانت تتركه حتى يستيقظ على مهله. قالت عن ذلك: «يحب أن يعتقد أنها فكرته.» وعلى مدار شهور كان يتم البناء على قطعة الأرض المجاورة لدار رعاية ووكر. قالت تريش: «كان يحب ذلك … وكنت أقولُ له: «هيا ننظر إلى الشاحنات!» أنا قريبة جدًّا منه، وأحبه جدًّا، ويطلقون عليَّ في العمل «الهامسة لووكر». أشعر بوقع هذا حين يترك الدار، أو يكون متعبًا، ولكنه لا يريد أن يفوته أي شيء.» ويكمن الاختلاف بيننا وبين تريش في أنها لم تكن أم ووكر؛ فهي استطاعت أن تتولى رعايته، ولكنها أيضًا استطاعت أن تفصل نفسها عنه، أن تراه بوضوحٍ، على نحوٍ أقلَّ عاطفية.

زعمت تريش أنها لم تشكِّك قطُّ في صحة قرارنا بنقل ووكر إلى دارٍ لرعاية المعاقين. وعندما قابلت ووكر لأول مرة، قبل أن يرتدي خوذة وعلب الذراعين (كنت مقتنعًا بأن هذه القيود ستحبطه إلى درجة الجنون)، وعندما كان لا يزال يحك جلده مباشَرةً بقبضتيه، على الرغم من جهودنا المستمرة لمنعه، قالت: «أعلم أن جلبكم إياه هنا كان كصرخة من أجل المساعدة. لا أعلم كيف كنتم تتعاملون مع الأمر لتلك الفترة الطويلة. وحين ذهبت إلى هناك للمرة الأولى، لم أكن أعرف إن كنتُ سأتمكَّن من التعامل معه أم لا. وعليكم أن تعلموا جيدًا أن عناده وضربه وصراخه ليست أشياءَ سيئة، وأنه ربما حين يضربكم ضربًا شديدًا، فهذا يعني في الغالب «أحب هذا الشعور، وعليكم أن تحبوه أيضًا».» كانت تريش واحدة من النساء اللواتي ابتكرن علب ذراعي ووكر، فقد صُمِّم النموذج الأصلي من علب رقائق بطاطس برينجلز الفارغة، وقد تذكَّرَتْ تريش المرة الأولى التي أَدخَلَ المساعدون فيها العلبَ إلى ذراعي ووكر، واكتشفَ أنه لا يستطيع ضرب نفسه بعد ذلك، فقالت: «حينها تنهَّدَ، ثم تنهَّدَ مرة أخرى، ثم التقط لعبة ولعب بها.» غيَّرَتْ تريش مسار عقله.

كانت تريش هي مَن اقترحت أن يلبس ووكر خوذة، وهي التي اقترحت استخدام بطانية ثقيلة (قماش به أثقال مخيطة به)، حتى تجعله واعيًا بشكله البدني على نحو أكثر تأكيدًا، ولديها أفكار مختلفة حول السبب في ضربه لنفسه؛ إذ قالت: «أحيانًا يفعل هذا بسبب شعوره بالإحباط، وفي أحيان أخرى بسبب شعوره بالوحدة، وفي أحيان ثالثة لا أعرف. فقد يكون السبب هو أن الجو حار — فهو طفل يتضايق من درجات الحرارة المرتفعة — أو أن لعبته وقعت منه ولا يستطيع الحصول عليها مرة أخرى، أو أن موعد تناوله للأدوية قد حل؛ أحيانًا ألاحظ هذا منه، وفي أحيان أخرى لا ألاحظه؛ فمن العسير فهمه. أحيانًا يكتفي بمجرد ضربة واحدة فقط، عندما يكون متجهمًا وحزينًا. خذ ضربة واحدة. هل هذا يحسِّن رؤيته بعض الشيء؟»

كانت حياة ووكر تبدو بالنسبة إلى الآخرين ذات قيمة أكبر وأشمل مما كانت تبدو لي، أنا والده. قالت لي تريش: «يُحبُّ رائحة قهوتي، فهو مهووس بقهوتي، كراميل ميكاتو. واهتمامه بالزهور أقل؛ فهو يحبُّ الأشياء الأكثر صلابةً؛ الصنوبر وإكليل الجبل.»

كما قد يكون أصعب مما يمكن أن يتصوره الآخرون: ولهذا لم يُفلح العديد من المساعدين في العمل معه، وبلغ عددهم عشرين على الأقل حسب تقدير تريش. «يأتي المساعدون الجدد ويبقون لمدة أسبوعين ويقول كل منهم: «لا أستطيع التعامل معه.» فهو إما أن يحبك من اللحظة الأولى أو لا؛ والسبب هو أنه كذلك.» فقد كان عنيدًا، ويتمتع بكلٍّ من العصبية وروح الدعابة، مثل والده ووالدته، على التوالي. وقالت تريش: «أحيانًا يقول أحد الأشخاص نكتة وأكاد أجزم أنه سيضحك؛ لأنها لم تكن مزحة معقدة، بل مزحة عادية. كما أنني أعتقد أنه يَسُبُّ؛ فحين آمره بفعل شيء ما، يُلقِي بكتابه في وجهي، فأقول له على الفور: «ووكر، لا تَرمِ كتابك في وجهي، اذهب وأحضره.» فيقول: «هه!» أنا متأكدة أنه يسبُّ؛ شيء مثل: «عليكِ اللعنة أيتها المرأة»!» بالطبع، لا أدري من أين أتى بهذا، فقد كان يكره أن يأمره أحد بفعل أي شيء.

استنتجتْ أنه كان يفهم الكلمات «التقِطْ» و«تعالَ» و«توقَّفْ» و«اتركْ هذا»، والتي كانت أكثر مما علَّمته في السنوات التي عاش فيها معنا. قالت لي تريش: «في رأيي ووكر ألطف من بعض الأطفال الذين تعاملت معهم، ولكن المجهول في ووكر يجعل التعامل معه أصعب، فيمكن لووكر أن يدخل في علاقة؛ يمكنه أن يدخل في حوار على نحوٍ ما، فلديه إحساس بذاته.» كان يعلم مَن يمكن أن يستمر معه في الحوار، ومَن لا يستجيب، فقد كان لطيفًا مع مَن يكون لطيفًا معه. «ولكن مع ووكر، إذا حدثت مشكلة، فأنت لا تعرف كيف تحلها.»

كان أيضًا لتريش تصوُّر عن مستقبل ووكر، ومما جعلني أشعر بالارتياح أن هذا التصور كان يبعث على التفاؤل، ويشير إلى أن الآخرين يمكن أن يروا فيه شيئًا. قالت تريش مساء أحد الأيام: «لن يحصل ووكر أبدًا على وظيفة.» كنَّا نجلس في غرفة المعيشة الرئيسية لبيتها في ضاحية بالمدينة، وهي غرفة لم يكن يبدو عليها أنها كانت تُستخدَم كثيرًا. «ولن يحصل على مرتب. ولكن الأمور تتغيَّر مع ووكر، ودون إتاحة الفرصة له لرؤية أشياء جديدة، فلن يتقدَّم. إنه يتعلم، ويدلُّكَ على ذلك الأصوات التي يصدرها، والآن حين تطلب منه أن يضرب كفك بكفه عاليًا، فإنه يفعل ذلك. هذا أمر مهم، وفي رأيي مهم جدًّا، ولا أرى أنه وصل إلى الحد الأقصى فيما يتعلَّق بالنمو؛ فهو يستمعُ باستمرار، كل ما هنالك أن الأمر يستغرق منه وقتًا أطول لاستيعابه.»

بعد بضعة أشهر، أخبرتنا تريش أخبارًا غير سارة؛ فقد وجدت مزرعة هي وكوري في شمال المدينة بالقرب من عمله، والآن أصبح بإمكان كوري أن يعيش ويعمل في نفس المنطقة، وكان هذا يعني أنه يمكن أن يبقى في البيت لفترة أطول، ولا يضيع وقتًا طويلًا في الذهاب إلى العمل والعودة منه، وأنه أصبح بإمكانهما تدبير أمورهما الأسرية، وإنجاب أخ أو أخت لابنتهما. وبعد الكريسماس، ستتوقف تريش عن رعاية ووكر، فيما عدا بعض المناسبات الخاصة. كانت هذه خسارة أخرى، بعد جيرمين (الذي تعرَّضَ لإصابة خطيرة في ظهره)، وتانيا (التي وضعَتْ طفلًا)، ولكن ويل كان لا يزال هناك، وسيكون هناك شخص جديد ونحن معه، لنكون المجتمع المستمر لووكر.

أكَّدَتْ تريش أنه سوف يتجاوز الأمر: «عندما وصلتُ إليه في إحدى الليالي — وكان يوم سبت — كان يركل ويصرخ، ولكنه يكون أجمل طفل في العالم حين يكون سعيدًا وراضيًا، وحين يبتسم، فابتسامته تجعل قلبك يرق. هذه الابتسامة الصغيرة البلهاء، تلك النظرة الجانبية. وأحيانًا يوقفني الناس وهو معي ويسألونني: «هل تحتاجين إلى مساعدة؟» وأحصل منهم على نظرة العطف، هل تعرفها؟ هذا ليس مهمًّا؛ لأنك إذا رأيت نظرته السعيدة، فلن تنظر إليه نظرة الشفقة.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤