الفصل الثالث

ما أزعج دكتور نورمان ساوندرز، طبيب الأطفال الخاص بووكر، أن المستشفى لم يستدعه مباشَرةً بعد أن وضعَتْ جوانا طفلًا، يعاني بشكلٍ واضحٍ من مشكلات، وُلِدَ قبل موعده بخمسة أسابيع. بالتأكيد كان هناك شيء على غير العادة في ذلك اليوم. كان ٢٣ من شهر يونيو عام ١٩٩٦، يوم أحد، وكنتُ في العمل أقدِّم برنامجًا إذاعيًّا عامًّا أسبوعيًّا يستغرق ثلاث ساعات، واتصلت بي جوانا بعد الساعة الثانية من البرنامج؛ كانت على وشك الولادة، وارتفع صوتها على غير عادته الهادئة. أخذها أخي بالسيارة إلى مستشفًى متخصص في صحة النساء. انتهيت من عملي وقابلتهما هناك. كانت طبيبتها في إجازة، وأشرف على عملية الولادة أحد زملاء طبيبتها وهو رجل طويل ولطيف اسمه ليك. لم تكن حالة ووكر بسبب خطأ من هذا الطبيب بالطبع، ولكني لن أسامحه أبدًا على أي حال.

كان هناك أمر آخَر على غير العادة في ذلك اليوم، إضافةً إلى غياب الطبيبة المعتادة لزوجتي، أَلَا وهو الطريقة التي نزل بها على يد الطبيب المولِّد في اللحظة التي تلَتْ خروجه من رَحِم أمه؛ إذ بَدَتْ عليه نظرةُ يأس، كما لو أن هناك خطأً ما. أُصِيب جلده بالصفرة، ولم تنفتح رئتاه جيدًا، ووضعه الأطباء المساعدون بسرعة على منضدة، حيث وضعوا قناع الأكسجين على فمه وأنفه الصغيرين لعدة دقائق، وما زلتُ أسأل لسنوات عدة بعد ذلك إن كان هذا الأكسجين الاضطراري قد أسهم في حالات التأخُّر التي يعاني منها؛ كما يمكن أن يفعل دائمًا. سمعتُ أحد الأطباء المساعدين — وكان طويل القامة — يهمس إلى زملائه بعد لحظات قليلة: «يا للعجب! أنا سعيد أنه بدأ التنفُّس من نفسه.» تلك كانت بداية الذعر، القليل والمطِّرد، القلق الذي ميَّزَ حياة ووكر منذ ذلك اليوم … هزيمة حياته. كانت العلامات بادية هناك منذ البداية. كانت هناك كتلة غريبة من شعره المجعد المهوش، متجمعة في شريط أعلى رأسه المستطيل، وكان هذا منظرًا غير مألوف. ومنذ فترة قريبة كنت أركب دراجتي ووجدتُ نفسي أمرُّ بالمستشفى الذي وُلِدَ به فكدت أبصق عليه؛ فأنا أكره هذا المكان، حتى الطوب المطلي باللون الأصفر المصنوع منه. ولكن بعد تدبُّر الأمر، أدركنا أنه وُلِد قبل موعده الطبيعي؛ فقد كان خاملًا بطبيعة الحال. (لم يكتشف أحدٌ إصابته بمتلازمة القلب والوجه والجلد في تلك المرحلة.) رفض ووكر ثَدْي أمه في فترات الغذاء المتعاقبة، ولم تنزل إحدى خصيتيه، ولم يستطع سوى فتح عين واحدة، ومع ذلك عندما أجرى له الدكتور ساوندرز أولَ فحص طبي بعد يومين، وجد أن وزنه قد زاد بمقدار ٣٠٠ جرام.

لكن حتى في هذه الزيارة الأولى — أعرف هذا الآن من فحص سجلات ووكر الطبية — بدأ دكتور ساوندرز في تدوين تفاصيل غريبة في سجل ابني: الحنك في مكان مرتفع بصورة غير طبيعية، هناك نقص في توتُّر العضلات، وشقوق جفنية صغيرة — أو فتحتا العين — وأذنان مستديرتان ومنخفضتان، وثنية في جلد جسر الأنف. كانت هايلي طفلة طبيعية ومتألِّقة، ولم يكن ساوندرز متحمِّسًا جدًّا لأخيها.

بعد يومين، فقَدَ ووكر معظمَ ما زاده من وزن، وكانت جوانا قَلِقة جدًّا، ولم تكن تفكِّر إلا في كيف تجعله يأكل. لم يكن قادرًا فيما يبدو على الرضاعة، وكان يحتاج إلى ساعة من الزمن لكي يتناول كمية صغيرة من اللبن، وعندما يتناولها يتقيَّؤها، وكأنَّ جسده لا يريد أن يستمرَّ في الحياة. وفي صباح إحدى الزيارات إلى الدكتور ساوندرز في مكتبه، قال بحدة: «نريد لهذا الولد بالتأكيد أن يعيش، أليس كذلك؟» واستنتجتُ أنه كان سؤالًا بلاغيًّا.

تضمَّنَ سؤال ساوندرز سؤالًا آخَر لم يَقُلْه: «لا يمكن لهذا الولد أن يعيش دون بذل مجهود غير عادي، هل تقبلون أن تبذلوا هذا المجهود غير العادي وأن تتكيَّفوا مع العواقب؟» ولو سأل هذا السؤال صراحةً، لا أتخيَّل أن إجابتي كانت ستكون غير نعم. فلا يمكن لكل النظريات الأخلاقية في العالم أن تغيِّر من ضغوط اللحظة: الطفل الذي يصرخ على منضدة الفحص، وبطنه المنتفخة، وقلق الطبيب الواضح، ووالده يقف في هذا المشهد لا يفعل شيئًا سوى سماع نداء الطفل وحاجته.

في وقت لاحق، وأنا بمفردي ليلًا، بعد أن جاهدتُ لساعاتٍ لجعله ينام، فقط كي أجد نفسي بعد نومه لا أستطيع النوم؛ كنت أفكر في بعض الأحيان فيما تكلِّفني حياته والبدائل المتاحة. هل كان يسألني الطبيب عمَّا إذا كنتُ أريد أن تنتهي حياة ووكر، كما تنهيها الطبيعة بنفسها؟ جلستُ على السلالم الخلفية لبيتنا الصغير الذي يوجد في قلب المدينة في الساعة الرابعة صباحًا، أُدخِّن وأفكِّر في أمورٍ لا مجالَ للتفكير فيها، أفكار إجرامية، أو على الأقل همجية: ماذا سيحدث إذا لم نبذل قصارى جهدنا؟ ماذا سيحدث إذا مرض ولم نبذل جهودًا كبيرة في السعي في علاجه؟ لا أفكِّر في القتل ولكن كل ما أفكِّر فيه هي أمور طبيعية، ولكن حتى إذا فكَّرْتُ في تلك الخطط الخطيرة، أعلم أنني لا أستطيع أن أنفِّذها أبدًا. أنا لا أتفاخَر بهذا؛ فتردُّدي لا يتعلق بالأمور الأخلاقية، ولكن الأمر يتعلَّق أكثر بدافع داخلي، غريزي وطبيعي، والخوف من طريقة معينة للفشل، والخوف من القصاص إذا تجاهلْتُ نداء جسده وحاجته. على أي حالٍ فقد شعرتُ حينها بأني ثور في نِيره، كان بإمكاني أن أشعر بالسنوات المأساوية الثقيلة وهي تَحُلُّ أمامي، مثلما هو الحال مع الطقس السيئ؛ وكانت هناك ليالٍ كنتُ أرحِّب بها. في النهاية، هو مصيرٌ أُجبِرْتُ عليه وقدرٌ لا فكاك منه. كانت تظهر أثناء هذا التفكير نقطة ضوء صغيرة، وهي الشعور بالراحة للاستسلام للمقدر، وخلاف ذلك، كانت تلك أسوأَ ليالي حياتي، وليس في وسعي تفسير لماذا لم أغيِّرها.

***

قبل أن يُولَد ووكر، وبعد ميلاد طفلتنا الأولى هايلي، تحاورتُ مع زوجتي بالطريقة العصرية المعتادة بشأن إن كان يمكننا أن ننجبَ طفلًا آخَر. أحببتُ هايلي، وكانَتْ أفضل حدثٍ بالنسبة إلي في حياتي على الإطلاق، ولكن لم أكن متأكدًا هل كان بإمكاننا أن يكون لنا طفلًا ثانيًا. أردتُ أن يكون لهايلي حلفاء في معاركها المستقبلية معنا، حتى إني أحببتُ فكرة أن يكون لنا أسرة أكبر، ولكنني وجوانا نعمل كاتبين، ولم يكن لدينا مال كثير، وكنتُ أريد أن أطمئن نفسي بأنني لن أتخلَّى عن طموحاتي. قال لي صديق: «قل لزوجتك إنك لا تريد أن تصبح أبًا ملازمًا البيتَ تقوم على رعاية الأسرة.» وهذا ما فعلتُه، فردَّتْ جوانا: «أعرف ذلك.» وكانت شفافيتي هي ما كان يُقلِقني أكثر، حساسيتي المفرطة: كنت أبله من وجهة النظر هذه. وبالطبع كان القرار نفسه صعبًا عليَّ؛ أن نأتي بطفل إلى هذا العالم، وهي خطوة مهمة في الحياة يمكن أن تنتهي بالفشل أو أسوأ من ذلك؛ الحسرة. عندما كنتُ شابًّا عازبًا، لطالما شاهدتُ أزواجًا يتشاجرون في الشارع، أو يتناولون العشاء معًا في المطاعم دون أن يتحدَّثوا لمدة نصف ساعة في كل مرة. لماذا يحدث ذلك؟ فكَّرْتُ في نفسي. وفيما بعدُ، بعدما تزوجتُ، رأيتُ أزواجًا يضايقهم أطفالهم، وتساءلتُ: لماذا يفعلون ذلك؟ وقد كان يملؤني الرعب عندما أرى زوجين لديهما طفل معاق، ليس بسبب منظر الطفل ولكن التفكير في هذا العبء الذي يقع على عاتقهما. ولم أكن أتصوَّر ما هو أسوأ من ذلك.

انتهى النقاش بشأن الطفل الثاني كما ينتهي النقاش في الغالب: ندع الطبيعة تأخذ مجراها، وسرعان ما أنجبنا أخًا لهايلي، وكانت تبلغ من العمر ثلاث سنوات حين وُلِد ووكر. جزء مني لم يندهش على الإطلاق لإعاقة ووكر: إنه عقابي، وقدري أن أتعلم منه. ومن الليلة الأولى التي أخذتُه فيها في حضني على السرير لأُطعِمه، شعرتُ بالرابطة بيننا، التي تجمعنا معًا، والتي أنا مدين له بها.

بعد ميلاد ووكر، ظننتُ أن الحوار بشأن إنجاب أطفال آخَرين قد يختفي، ولكنه على العكس من ذلك قد زاد. في ذلك الوقت، كانت تجتاح جوانا حاجة جديدة إلى طفل ثالث، كانت تريد أن تُتبع ووكر بحالة سَوِيَّة، وأن تُخرِج هايلي من حالة الوحدة التي تتربَّى فيها مع أخٍ معاق إعاقة شديدة، والذي لن يمثِّل أبدًا صحبةً لها كما يفعل الأخ أو الأخت الطبيعيان. لكن الأمر غير معقول، وكنتُ أنا مَن رفض الأمر، والذنب الذي شعرتُ به بعد ذلك كان محتومًا مثل الطقس.

***

زار ووكر الطبيب ثلاث مرات أخرى في شهره الأول، وكان يتقيَّأ كثيرًا، ولم يَذُقْ طعمَ النوم. كانت أمه كالشبح، وكان الدكتور ساوندرز يسجِّل تفاصيلَ تشريحيةً في كل زيارة: أصابع الإبهام بيضاوية مثل المجرفة، وضيق متوسط للجفون (عيون مائلة إلى أسفل وصغيرة بعض الشيء)، وفرط تباعُد العينين (هناك مسافة كبيرة بين العينين). وكان يستخدم دائمًا مصطلحات علمية في سجل الولد؛ وذلك حتى يتواصَل بدقة أكبر مع الأطباء الآخَرين، وهي كلمات علمية تمثِّل معيارًا مهنيًّا للدقة. ولكن ووكر براون كان ولدًا تصعب الدقةُ معه. من ناحية أخرى أصبحَتْ كلتا خصيتيه حينها واضحتين، مما يمثِّل تقدُّمًا محدودًا.

قال ساوندرز لجوانا: «ما زال من المبكر جدًّا أن نشعر بالقلق.»

لديه موهبة في طمأنة الأمهات، وهذا هو أحد أسباب كونه واحدًا من أفضل أطباء الأطفال في المدينة. كان قد بلغ لتوِّه الخمسين من عمره، وكان حسَنَ المظهر وأنيقًا (فقد كان يصرُّ على ارتداء رابطة عنق)، ولديه مهارة الحوار السلس. معظم الأمهات اللائي أعرفهن معجبات به، وكنَّ يَتَجمَّلْنَ عند الذهاب إلى مكتبه حين يحتاج أطفالهن إلى جرعة منشِّطة من لقاح معيَّن.

ما لا يعرفه مرضاه أن لطبيبهم المحبب اهتمامًا منذ فترة طويلة بالحالات المرضية النادرة وعواقبها الإنسانية. تعمل زوجته، لين، معلمةً لذوي الاحتياجات الخاصة. لم يكن طب الأطفال مجالًا مجزيًا مثل معظم التخصصات الأخرى، ولكنه يعطيك الأمل؛ فمعظم الأطفال الذين شفوا على يديه عالَجَهم بإجراء سريع ومؤكَّد، وفي المرات التي لم يستطع فيها أن يصل لعلاج لمرضاه، كان يرى شيئًا بطوليًّا في هؤلاء الأطفال وفي حياتهم. (قبل أن يموت بوقتٍ قصيرٍ من سرطان القولون في ربيع عام ٢٠٠٧ وهو في سن الستين، دعا لإطلاق مبادرة ساوندرز نورمان للعناية المعقدة في مستشفى الأطفال المرضى بتورونتو.) كان ساوندرز مهووسًا بصورة شخصية بتاريخ البحرية البريطانية في القرن الثامن عشر وأبطالها، فأصبح ساوندرز بحَّارًا ومستكشِفًا في مياهٍ بلا شطآن في علاجه للأطفال ذوي الحالات الصعبة.

لكن اهتمامه الشديد بووكر أصابَ جوانا بالجنون، فكانت تعود إلى البيت من موعدها مع الطبيب وتجاهِد عند دخولها من الباب وهي تحمل حقيبةَ الطفل وأداةً جديدة لمحاولة إطعامه وتجر عربة الأطفال، ثم تعطيه إلى أولجا وتقول: «أنا متضايقة جدًّا من نورم؛ في الغالب هو يعرف ماذا يفعل، أما مع ووكر فهو يكتفي بالنظر إليه.»

كل ما كان يفعله ساوندرز أنه كان يحاول فهم إن كان اعتلالُ مظهر الولد — دع عنك ارتخاء عضلاته وعدم قدرته على النمو بصورة طبيعية — أحدَ علامات متلازمة ما، وإذا كان الأمر كذلك، فأي متلازمة هذه؟ هناك آلاف المتلازمات الطبية، وعلى الأقل ستة آلاف مرض نادر. ويشير ضيق الجفون في حدِّ ذاته (الجزء الزائد من المساحة بين عيني ووكر) إلى الكثير منها؛ على سبيل المثال: متلازمة فان دن إندي-جوبتا، أو متلازمة أودو، أو متلازمة كارنيفال. في ذلك الوقت، كانت شبكة الإنترنت ما زالَتْ أداةً جديدة، وأخذ علماء الوراثة يملئونها بقوائم المتلازمات يوميًّا، الأمر الذي جعل بدوره تشخيص أية متلازمة أسهل وأعقد في الوقت نفسه عمَّا كان عليه الحال في الماضي، فأصبح الأمر كما لو أنك تحاوِل أن تجد نباتًا معيَّنًا في حديقةٍ مليئةٍ بالأزهار الغريبة، كل زهرة أغرب من الأخرى.

مرَّ على ووكر ستة عشر أسبوعًا من عمره، مرورًا بطيئًا ولكنه منتظم. وبينما بدأ أول خريف من حياته يتوارَى ليدخل الشتاء، بدأ ساوندرز يحدِّد تشخيصًا ما؛ لا على أنه توجد مشكلة ما فيه، ولكنْ هناك شيء ليس صحيحًا. أصبح الطفل أكثر انتباهًا، على الأقل بدأَتْ عيناه في تتبُّع الأشياء، بالرغم من أن رأسه ما زالَ بطيءَ الحركة بعض الشيء، وبدأ يبتسم، ورأى الطبيب أنها مؤشرات جيدة.

لكن في الليل وهو بمنزله، أخذ ساوندرز يتصفَّح المراجع الطبية حول الأمراض النادرة، ولم يعجبه ما وجد. على وجه التحديد، وجَدَ ورقة بحثية بها صور لأطفال يبدون تقريبًا مثل ووكر براون بالضبط؛ إذ وُصِفت هذه الحالة الشاذة حديثًا ومن الصادم أنها نادرة، وهي اعتلال وراثي عشوائي يؤدِّي إلى مجموعةٍ واسعةِ النطاق من الأعراض المرتبطة معًا التي تُعرَف مجتمعةً بمتلازمة القلب والوجه والجلد. كان لا يزال أمام الجهود العالمية لتحديد تسلسُل الجينوم البشري سنوات في المستقبل، وكان لا يزال علم الوراثة الإكلينيكي، السابق عليه، لعبة في الغالب تقوم على الرصد والحدس. تتداخل أعراض تلك المتلازمة مع أعراض المتلازمات الأخرى، والخطأ في التشخيص كان واردًا جدًّا؛ فتشبه متلازمة القلب والوجه والجلد متلازمة شبرينتزين — كاد ساوندرز أن يشخِّص حالة ووكر على أنها هذه المتلازمة — ولكن الأخيرة تختلف في أن للأطفال المصابين بها حاجبين. وتُعَدُّ متلازمة نونان شائعةً أكثر من متلازمة القلب والوجه والجلد، وتشترك معها في سمات كثيرة، ولكنها تؤدِّي في العادة إلى تأخُّر أقل في الجوانب المتعلقة بالنمو. وفيما يخص متلازمة ديتو كوستلو، يظهر الاختلاف في أن الأطفال المصابين بها لديهم أعراض «أقل حدةً» (أيًّا كان ما يعنيه هذا) وهم عرضة أكثر للإصابة ببعض أنواع السرطان مقارَنَةً بالمصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد. ورأى كثير من علماء الوراثة أن متلازمتَيِ القلب والوجه والجلد وكوستلو شكلان مختلفان فقط من متلازمة نونان، في حين أصرَّ آخَرون أنهما متلازمتان منفصلتان. وظللتُ أنا وزوجتي نأمل أن يعطينا أحدٌ معلوماتٍ محدَّدةً ومفيدةً عن حالة ولدنا، ولكن الشيء الوحيد الذي اتفق عليه علماءُ الوراثة أنهم لا يعلمون سوى القليل.

***

بحلول أواخر خريف عام ١٩٩٦، وبناءً على رؤية نورمان ساوندرز، ظهر على ووكر تقريبًا كلُّ علامات متلازمة القلب والوجه والجلد، وكانت العواقب المحتملة مخيفةً: كصعوبات في التعلُّم، وفقدان للسمع، وضعف في القدرات العقلية واللغوية. ولاحَظَ أحد الباحثين بذكاء أن «مهارات التواصُل الاجتماعي قد تتجاوز المهارات العقلية»، وينشأ لدى ١٠ في المائة من الحالات اضطرابات نفسية في فترة المراهقة.

في شهر نوفمبر من ذلك العام، أحال ساوندرز حالة ووكر إلى قسم الوراثة في مستشفى الأطفال المرضى، وفي البيت تحوَّلَ الوضع من قلق طبيعي على طفل مبتسر إلى حالة ترقُّبٍ مستمرٍّ على مدار الساعة. هناك مشكلة في ولدنا.

يتذكَّر أيُّ والدِ طفلٍ مصابٍ بمتلازمةٍ اليومَ الذي طُلِب منه فيه أن يذهب إلى قسم الوراثة؛ فهذه هي الدائرة الجَهنمية الثانية للتشخيص. وما كان مشكلة صحية إلى حدٍّ ما يمكن علاجها، أصبح فجأةً مشكلة علمية محفورة في الصخرة الوراثية. وما زلتُ أتذكر كيف انتهى اليوم، وكيف مرَّ الوقتُ، الذي كان يمرُّ ببطء شديد. حدثت حادثة قبل هذا على بُعْد أميال في الطريق السريع المزدوج؛ واضطررنا إلى العودة. كانت الصدمة مشابِهة لفقدان خاتم الزواج في البحر: عرفت أنه ضاع، ولا يمكن استعادته. هذا ليس شيئًا يمكننا إصلاحه، فهو قديم جدًّا ومتعلِّق بالمراحل الأولى من النمو. في يوم كان ووكر جزءًا من الحياة، وفي اليوم التالي أصبح خطأ في التطوُّر. كرهتُ الفكرة، ولكني أتفهم القَدَرَ الآن، وما قاله اليونانيون عنه. وفجأةً بَدَا وكأنَّ كلَّ شيء قد توقَّفَ، وشعرت بأني قد كبرت عقدًا من الزمن.

المبنى الذي به عيادة الوراثة في مستشفى الأطفال المرضى يشبه سفينة فضاء مستقبلية؛ فهو مبني من صلب مقاوِم للصدأ، ونظيف، ولا توجد به شقوق أو عيوب. وفي العادة كانت العيادات وأقسام الطوارئ والمعاهد والبرامج التي زرناها بصحبة ووكر مصحات عقلية صغيرة؛ تجد فيها فوضى في كل مكان وأطفالًا يصرخون بأصوات متعددة في نفس الوقت، وأمهات ينفجرن غضبًا. ويحمل اختصاصيُّو الرعاية الاجتماعية ألواحَ الورق، ويحاول الأطباء، وليس الطبيبات، تجنُّب الدخول في مشاجرات، وتسمع صفير الآلات؛ ذات مرة عددت عشرة أصوات مختلفة للصفير.

على الجانب الآخَر، كانت عيادة الوراثة تشبه مصنع الحيوانات المنوية في فيلم وودي ألين «كل ما تريد معرفته عن الجنس (ولم تتجرأ على السؤال عنه)»: فهي نظيفة ومنظمة ومهندمة، وكل شيء في مكانه، ويعمُّ الهدوء المكان! ولا عجب، فلا يوجد أحد في المكان، تشعر كما لو أنك في قسم يسوده اليقين، قسم قد تحصل فيه على إجابات قليلة. (لم أعرف إلا القليل، وحتى يومنا هذا وبالرغم من الاختبارات الوراثية المتكررة، لم نصل إلى تشخيص مؤكد عن حالة متلازمة القلب والوجه والجلد لووكر، بالرغم من أن أطباءه متأكدون من أن هذه هي حالته.)

أحالَنا ساوندرز إلى قسم الوراثة في شهر نوفمبر، وسار الطلب في دورة عمل النظام الطبي، وبحلول شهر فبراير تحدَّدَ لنا موعد مع اختصاصي الوراثة الدكتور رون ديفيدسون، وكان ابنه اختصاصي وراثة أيضًا. كان رجلًا طويلًا ذا صوت واثق، وأكَّدَ تخمين ساوندرز: ووكر مصاب بمتلازمة القلب والوجه والجلد. وكان ووكر يبلغ من العمر حينها ثمانية أشهر، وكان هذا يمثل تشخيصًا مبكرًا لمتلازمة القلب والوجه والجلد حتى اليوم.

قالت جوانا بلهجة مؤثرة، بينما كنَّا نجلس في مكتب دكتور ديفيدسون: «الآن بعد أن عرفنا المشكلة، سنعرف كيف نحلها.» كانت مؤمنة بالطب، وكانت تريد أن تصبح طبيبة، والتحقت بتمهيدي طب لمدة عام، قبل أن تطيح الفيزياء والكيمياء العضوية بتلك الطموحات.

كان الطبيب مبتهجًا، وكتب في خطاب تأكيد بعد مقابلة ووكر: «تتحقق معالم نموه بمعدل يدخل ضمن النطاق الطبيعي.» (كانت هناك دائمًا خطابات تأكيد بعد زيارات الأطباء، لدينا مجموعات كبيرة منها.) كان يرى هذا الطبيب أن «من أكثر مظاهر متلازمة القلب والوجه والجلد التي تثير القلق احتماليةَ حدوث مشكلات في التعلم.» ولكن حتى في هذا الشأن ما زال هناك أمل، ومع ازدياد عدد الحالات المسجلة، كانت حالات عديدة منها ذات سجل تعلُّم طبيعي جدًّا ومعدل ذكاء طبيعي.

المتلازمة لا تنتقل بالوراثة؛ ففرص إنجاب طفل آخَر بنفس المتلازمة ضئيلة جدًّا، بالرغم من أن احتمال إصابة أبناء ووكر بتلك المتلازمة تبلغ ٥٠ في المائة. «بالرغم من ذلك، وفي حينها، سنعرف الكثير عن حالته والطفرة التي أدَّتْ إليها، وستكون هناك بلا شك مجموعة متنوعة من الخيارات المتاحة له ولزوجته.» زوجة ووكر! يجب أن أعترف، لم أتصوَّر ذلك قطُّ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠