الفصل الخامس

كان من شبه المستحيل أن تلتقط صورة جيدة لووكر، تقتضي المهارة أن تنتظر حين تتقاطع ثلاثة أشياء على الأقل في وقت واحد: لحظة أن يكون هادئًا وجسمه يبدو منتظمًا ومسترخيًا، ولحظة أن تهدأ معاركه الداخلية ولم يكن يضرب نفسه، ولحظة أن يكون يقظًا ونشيطًا. ولا تحدث هذه اللحظات كثيرًا، فحين تحدث واحدة ويتصادف أن تكون معك كاميرا في يدك، وتمكَّنْتَ من التقاط صورة قبل أن تتبخر اللحظة، فربما تحصل على صورة تحب النظر إليها، ولا ترغب في التحول عنها. تلك كانت كنوزنا الحقيقية، دليل على ووكر الذي كنَّا مقتنعين بوجوده، بآلامه وصراخه.

أول مرة حدث هذا كان عمره ثلاث سنوات تقريبًا، وكان يجلس في حوض الاستحمام. بحلول هذه المرحلة من حياته، كان هدوءُه في البانيو كبيرًا إلى حدٍّ ما. والمعيار اليهودي القديم للماء في حوض الاستحمام ثمانية جالونات وثلاثة أرباع الجالون يناسب ووكر تقريبًا، حتى تصل سخونة الماء إلى صدره، وحينئذٍ يتعصَّب مرة أخرى. وتقتضي المهارة أن تظل داخل منطقة الارتياح المحدودة لديه.

كان التقاط أول صورة جيدة له ضربة حظ، والتي تمَّ التقاطها بينما كان ينظر للأمام بعد فترة طويلة من تقليب لعبة في يديه. كنت قد اشتريت غواصات وحيتانًا وضفادع سباحة لعبة، ولكنه أحبَّ أكواب المعايرة والمناخل التي تسمح للماء أن يسيل منها. كان يحب صوت الماء الصادر عنها.

أول صور أحَبَّتْها جوانا دون شك التُقِطت حين كان عمره سبع سنوات، سبع سنوات في محاولةٍ لوضع ووكر في موضع تريده!

figure

كان الجو حارًّا في فصل الصيف، وكان ووكر، كعادته في الأيام الحارة، لا يرتدي سوى قميص وحفاض، وكان مستلقيًا على ظهره على الأريكة في حجرة التليفزيون، مرتديًا «تي شيرت» برتقالي اللون، ونظارتي الشمسية، والتي وضعتها هايلي على رأسه. هذا في حد ذاته جرأة؛ لأن ووكر مدمر للنظارات العادية والنظارات الشمسية على السواء، وبسرعة كان يكسر أذرعها ويحطم عدساتها. مؤخرًا أجرَتْ جوانا حوارًا مع روبرت إيفانز، منتج الأفلام الراحل، وفي ذلك الوقت كان إيفانز في السبعينيات من عمره، ولكنه كان لا يزال يمثِّل القطب البارز في هوليود الستينيات: نظارة شمسية ملونة، ولفاع العنق، ونجوم صغيرة على ذراعه، وصوت يبدو أنه وهن من التدخين والمال. لم يوقف إيفانز أيُّ شيء ولم يُربِكه أيُّ شيء أيضًا، وبمجرد أن شاهدت جوانا صور ووكر، بدأت تطلق عليه: ووكر إيفانز، وعلَّقت تلك الصور على خزانة المطبخ، كتذكرة بجماله. كانت تبدو عليه نظرة «لا شيء يوقف بوجل»، وأتخيل أنه كان يتذكر ناتالي وود. وحين أنظر إلى تلك الصورة الآن، أتذكر الغناء الذي كان يصدره في تلك الأيام (ولم يَعُدْ يُصدِره بعد ذلك): «را-را-را-را-را-را» والذي يبدو بوضوح أنه كان أسلوبه في سرد القصص، حين كان يعرف أن عليه الدور في الكلام. كان يمكن أن يكون متحدثًا في التليفون، يغري شخصًا ما بصفقة مغرية، وكان يبدو أنه لا يقاطعه أحد في هذا الحوار؛ إذ لم يكن ينطق كلامًا، بل مجرد نغمات.

figure

على أي حال، كانت لقطة معجزة في ذلك اليوم الحار في حجرة التليفزيون، ولم تستدعِ الصورة التالية في سلسلة الصور الجيدة إيفانز، ولكن الممثل الكوميدي درو كيري، الذي حلَّ منذ ذلك الحين محلَّ بوب باركر في تقديم برنامج «ذا برايس إِز رايت». إيفانز وكاري؛ الرجلان اللذان على ما يبدو كانت لديهما رغبة كبيرة في أن يكون لهما مكان في صناعة الترفيه، حتى إن كان ذلك يمثِّل إهانةً لتاريخهما.

في الصورة التي كان يبدو فيها مثل كيري، يبدو أكثر حرصًا وثقةً، ولكنه يستمع في حذرٍ لبعض التفاهات عبر مسجل الصوت. كان من الممكن لصورة طبيعية أن تجعلنا نتصور أنه طفل طبيعي.

figure

أُفضِّل صورَه التي التُقِطت في لحظات أكثر خصوصيةً له؛ فحين بلغ من العمر حوالي عام، استأجرنا كوخًا في جزيرة في خليج جورجيان، على بُعْد بضع ساعات شمال تورونتو. كان مكانًا منعزلًا على بُعْد ٤٠ دقيقة بالقارب من أقرب مَرسى قوارب، ويحيط به فقط ساكنو الأكواخ الآخَرين من الجزر الأخرى، ويمكن الوصول إليه فقط عن طريق الماء، وهو مكان هادئ جدًّا لدرجة أنني كنتُ أخشى عندما توجد رياح خفيفة أن يسمع ساكنو الأكواخ الآخَرون صراخ ووكر، أو حتى صياحي. ولكن هدوء المكان غيَّرَه؛ فهناك تغيَّرَ حاله، وأصبح أكثر ثقةً بنفسه، وأقل تشتُّتًا. أحيانًا كان يتطلع إلى أوقات الغروب البرتقالية في نهاية يوم صافٍ، مع هبوب النسيم، كما لو أنه كان يستطيع رؤية شيء على بُعْد ألف ميل بجوار مياه الخليج؛ المنظر الطبيعي الممتد. عرف المكان، وعرف ما يميِّزه على أي حال، حتى لو لم يكن يعرف أين يوجد على وجه التحديد، أو لم يتمكَّن من إيضاح ذلك. التقطنا صورةً له هناك، وهو بين ذراعَيْ أولجا، وهي المرة الوحيدة التي كانت فيها معنا هناك خلال سبع سنين (فقد كان المكان الوحيد الذي لا يمكن أن تذهب إليه؛ فهي تكره الثعابين، والجزيرة مليئة بالأفاعي ذوات الجرس)، بخصلة شعره الأمامية الغريبة الذهبية في ضوء غروب الشمس، أطلقت جوانا على الصورة اسم «ابن بالمعمودية»، وقد بَدَا هو كذلك. كانت هذه الجزيرة أوَّل مكان أتصور فيه أن لديه حياة داخلية، حياة خاصة مستقلة عن أي أحد فينا. هناك، بعد ظهيرة أحدِ الأيام، حين قَالَ الجميع بعد يوم من السباحة — النسخة الكندية للجنَّة — التقطَتْ له جوانا صورةً وهو على الأريكة الزرقاء الناعمة الموجودة في حجرة المعيشة، وشمس ما بعد الظهيرة تتوهَّج من خلال النوافذ المحيطة.

figure

يبدو طبيعيًّا تمامًا، صورة طبق الأصل من والده حين كان طفلًا، ومن جده قبله، وربما لهذا السبب أحببتها؛ فهي دليل على الرابطة التي تجمع بيننا. أرى فخذَيْه النحيفتين، وسمرة بشرته — سمرة البشرة! — وقد وضع رأسه على يديه، وركبتيه إلى أعلى، ويرتدي بنطالًا قصيرًا مربع النقش (وهو من ملابس هايلي التي لم تَعُدْ ترتديها)، وسويت شيرت أزرق. وهذه صورة قريبة جدًّا لما نعتقد أنه يفترض أن يكون عليه، وهي غير أمينة إلى حدٍّ ما.

figure

وفي صورتي المفضَّلة من بين كل الصور، كان عمره ست سنوات، وكان قد التحق حينها بمدرسة جديدة، وبدأ يتحسَّن. تبعد مدرسة بيفرلي العامة للأطفال المعاقين عقليًّا عشر دقائق بالسيارة من بيتنا، وتقع مباشرةً بجوار مكتب صغير كنتُ أمتلكه في تلك الأيام؛ فكان بإمكاني الوقوف بالخارج والنظر من فوق سورها إليه، وهو يلعب بالأرجوحة في ملعب المدرسة. كانت مدرسة رائعة، كبيرة ومفتوحة، ومصمَّمَة بِكوَّات في السقف ونوافذ منخفضة تناسب الأطفال الذين يقضون معظم يومهم وهم راقدون على ظهورهم. كانت هناك مساحة ملائمة للأطفال.

التُقِطت الصورة بعدما التحق ووكر بالمدرسة مباشَرةً. يقف ووكر في الحجرة الشمسية لبيتنا، يحملق بتركيز في الآلة الكاتبة اليدوية القديمة الخاصة بي، ويداه وأصابعه مبسوطة على المفاتيح. بالطبع كان ملمس المفاتيح على راحتيه المتململتين هو ما جذبه لفعل ذلك، مرونة المفاتيح والشعور بالقدرة على استخدام اليدين، ولكنه يبدو كما لو أنه يحرز تقدمًا، وهو وَهْم ليس غريبًا على مَن يتكسبون رزقهم من الكتابة. كان يلبس القميص الأحمر مربع النقش الذي أعطيته إياه، وهو مستعد أن يكتب على الآلة الكاتبة، ولديه الكثير ليقوله وبعينيه بريق الشخص المتحمس للقول. ربما قد رأى والديه كثيرًا ينحنيان بهذه الطريقة، وهو مشهد رائع؛ مَن يدري، قد يوضِّح لنا أن هذا حب استطلاع عبقري، لحظة صفاء في هذا الرأس المضطرب. أو هكذا أرى حتى يتبدَّد الجمال، والمساحة التي حول عينيَّ تبدأ في الأفول، ولا أستطيع النظر إلى الصورة مرة أخرى. هكذا الحال بالنسبة إلى كل لحظة من السعادة معه، هنالك لمحة من الحزن عندما تصل لنقطة ما حتمية فيها، تذكِّرك ﺑ … حسنًا، لا داعيَ لذلك، لا حاجة للخوض في هذا الأمر على نحوٍ عميقٍ، ولكن عليَّ أن أضع صوره جانبًا الآن؛ هذا أقصى ما أستطيع تحمله، لقد استغرق الأمر مني وقتًا طويلًا حتى أُبعد هذه الأفكار عني، ولا أجرؤ أن أدعها تعود ثانيةً.

figure

***

أثناء الأوقات العصيبة، كنا نذهب أنا وزوجتي مرتين أو ثلاثًا كلَّ أسبوع إلى المستشفى لأسباب كثيرة، منها: عدوى في الأذنين، ونوبات برد مصحوب بصعوبة في التنفس، وحالات إمساك طويلة، وحالات طفح جلدي، ونزيف، وجفاف وإمساك (على الأقل في مرة لا تُنسَى)، وآلام بالأسنان وأكثرها صراخ لا يتوقف. وذات مساء، كنت قد ذهبت إلى مستشفى الأطفال المرضى في الساعة الحادية عشرة والنصف صباحًا، وبقيت حتى منتصف الليل، وعدت في صباح اليوم التالي من الساعة التاسعة صباحًا وحتى الثانية عشرة.

الواقع يكون ثلاثي الأبعاد في جحيم قسم الطوارئ في مستشفى الأطفال. بدايةً، مستوى الضوضاء المعتاد يكون في الغالب ستة أطفال يصرخون في وقتٍ واحدٍ، وكل واحد يصرخ بنبرة ودرجة مختلفتين؛ وبوسع الموسيقار روسيني أن يؤلِّف أوبرا من هذا الصراخ. يتعامل طاقم المستشفى بحيوية مع أزمةٍ تلو الأزمة، هم آلات في أردية ذات لون أخضر وأزرق فاتح، يكرسون وقتهم بالكامل للعناية بصحة الأطفال، سواء الأطباء المقيمون الذين في غاية الحماس، أو الممرضات والممرضون الذين يتفانون في العمل ويتسمون بالهدوء الشديد، أو الأطباء الذين يتنقلون بين كل جنبات القسم، يحاولون ألَّا يتأثَّروا بسجال الصراخ والتبول والتقيؤ والألم الحادث. وبالطبع هناك الصوت الصاخب المماثل، والذي لا يمكن دائمًا أن تسمعه ولكن تستطيع أن تشعر به دائمًا كصوت زئير في أذنيك، وهو صوت قلق الآباء. بعض هؤلاء الآباء فظٌّ جدًّا بحيث يتحدثون بحدة مع الأطباء والممرضات، وهم يشعرون بتوتر شديد، ويدفعون أطفالهم قبل أطفالك؛ لأن مشكلتهم أكبر، أو لأنهم ينتظرون منذ فترة طويلة. هناك فئتان من الأمهات في قسم الطوارئ، الأولى تكره وجودَها في المكان، والأخرى تحب المكان في قرارة نفسها؛ لأنها في النهاية وسط أشخاص آخَرين يتفهمون حالة أطفالها. ويُعَدُّ قسم الطوارئ مهرجانًا اجتماعيًّا متكاملًا؛ إذ نجد الأطفال الأصحاء الذين يوجد لديهم بثور غريبة على أرجلهم البريئة (بسبب مرض في الدم)، والأمهات الوحيدات ومعهن أربعة أطفال شاحبين يعانون من سوء التغذية من منازل أستطيع أن أتصورها في ذهني، إضافةً إلى الأسلاك العديدة الممتدة في حجرة النوم (ودرجة حرارة الأصغر فيهم ١٠٢ لمدة أربعة أيام متصلة)، وعائلات محتشدة يرتدي أفرادها ملابس أنيقة وهم لا يألفون المشهد الدرامي للاستشارة التي تلي العمليات (حادثة معسكر، سكين في الرأس، تلف محدود في العصب البصري دون إضرار بالبصر أو الرأس، ولكن مع حدوث خلل مؤقت في حركة الذراع اليسرى).

مَن المحظوظون هذه المرة؟ مَن سيمكثون ومَن سيتنفسون الصعداء ويغادرون المستشفى؟

كان قلقي يذهب عني ثم يعود: هل هو مجرد برد؟ لا، هو سرطان. لا، هو برد … دائمًا ما كانت حالة ووكر تحيِّر الأطباءَ وكانوا يسألون دائمًا نفس الأسئلة، ويطلبون نفس التفاصيل مرات ومرات.

«نعم، هو يأخذ كل طعامه من أنبوب التغذية في البطن.»

«نعم، حاولنا إطعامه عن طريق الفم.»

«هيدرات الكلورال. نعم، بناء على وصفة طبية.»

«ليست المشكلة في أذنيه، أعرف ذلك؛ لأنني كنتُ هنا أمس بسبب أذنيه، المشكلة ليست في أذنيه؛ لأنه لا يصرخ بمثل هذه الطريقة إذا كان الألم فيهما.»

«نعم يا دكتور انتظرتُ، انتظرتُ خمسة أيام، وهو يصرخ طوال الوقت، قبل أن أفكِّر حتى في إحضاره إلى هنا.»

كان يوجد العديد من اللعب المحشوة التي على هيئة حيوانات في المتجر الكائن في ردهة مستشفى الأطفال المعروف الموجود في قلب المدينة العبقرية الرائعة! ومع ذلك فالمكان كان مليئًا بالأطباء الذين لا يمكنهم مساعدة ولدي. ونشأت لديَّ درجة من الشك نحو مجال الطب، والتي بَدَتْ لي بعدما أخبرني الطبيب الرابع على التوالي بشيءٍ أعرفه مسبقًا. أحيانًا يرون شكي ويتفقون معي، ويعترفون بهدوءٍ بعجزهم، الأمر الذي كان يجعلني أحبهم مرةً أخرى، وفي أحيان أخرى يلاحظون إحباطي، ويبتعدون عني.

تحلَّيْتُ بصبر كبير كصبر علماء الجيولوجيا. كنت أعرف المستشفى جيدًا، تمامًا كمعرفتي بقبو بيتي، كل خبايا المكان أعرفها؛ كأنسب مكان لوضع سيارتي في ساحة انتظار السيارات (الطابق الثاني، حتى قبل أن يكتمل الأول، بالقرب من المصعد الشمالي)، وأين يمكن ختم تذكرة موقف السيارات، وأفضل وقت تقف عنده في الصف للحصول على القهوة (قبل الساعة الثامنة إلا الربع في الصباح، أو بعد الساعة الحادية عشرة)، وكيف تتعامل مع طاولة صرف الأدوية في الصيدلية لتقليل وقت الانتظار للحد الأدنى. وحفظت كيف أصل إلى قسم العلاج الطبيعي وقسم أشعة الرنين المغناطيسي وقسم الأسنان، وعرفت ما يمكن أن أراه وأنا أتجوَّل في أدوار المكان؛ الأطفال المرضى بحالاتهم الغريبة، برءوس بحجم البطيخ والتي عليها جروح جراحية عميقة وطويلة حديثة ذات لون أحمر فاقع تمَّ تخييطها، والتي تمتد من الأذن إلى الأذن الأخرى، وأدوات لتقويم العظام وجبائر، وجلد أصفر مائل للرمادي وعيون واهنة خاضعة، ووهن أعمق وأكبر مما يمكن أن يصيب الكبار.

عرفتُ كيف أستجيب لتلك المواقف: أبتسم. ابتسامة لكل واحد منهم. لكن دون مبالغة، إذ كنت أعرف ماذا كان يعني أن يحاول أحد الأشخاص إرضاء ووكر، ولم أكن أريد هذه المعاملة الخاصة، ولكن مع ذلك فالأمر كان يتطلب الانفتاح والبُعْد عن العدوانية والخوف. كان الأمر أشبه بشكلٍ من أشكال التأمُّل، ولكنني كنتُ دائمًا أنظر، وأسأل في صمت: ماذا حدث هناك؟

بطريقة أو بأخرى، ورغم كل التوتر، كان قسم الطوارئ بمنزلة مصدرٍ للراحة والهدوء؛ لأن القسم نفسه كان يتسم بالهدوء؛ هدوء مباشِر وقائم على الحقائق، وخالٍ من مشاعر القلق. هنا في قسم الطوارئ القلقُ ممنوع: أنت الآن في وسطه، وقد وصل الأمر إلى أسوأ ما يمكن، وعليك أن تجتازه. تعرفتُ إلى أطباء اعترفوا لي بشكلٍ شخصي بالجاذبية الخفية للأدوية في قسم الطوارئ؛ فهم مشغولون جدًّا لدرجةٍ جعلتهم لا يفكِّرون في الحزن الذي يخيِّم على المكان كله، فعملهم لا يسمح بالاهتمام العميق بمشاعر الآخَرين، وهم متحررون في غفلتهم.

يمكن أن تجلس وتنتظر في هذا الهدوء لوقت طويل كأب، دون أن تنزعج. ستنظر حولك، وستجد التكنولوجيا في كل مكان، في العربات، تقنيات متطورة تسير على عجلات، ويتكرَّر الأمر عند رأس السرير من حجرة لأخرى، ونفس الأنابيب والزجاجات والصمامات الجديدة والنظيفة موجودة مرارًا وتكرارًا، وذلك بالطبع بسبب أن ضعفنا نحن البشر لا يتغير. عدد لا حصر له من أكياس جمع المخلفات البلاستيكية الصفراء التي يمكنها حمل أشياء ثقيلة، المعَدَّة كي تحمل أكياس الدم الفاسد وموزعات الأدوية البالية، هذه صناعة بأكملها (التخلُّص الآمِن!)، وأموال يمكن تحقيقها من مخلفات أمراض الجسم. الروائح: مطهر وقهوة وقيء وحلوى المافن وبياضات جديدة وبراز وقلق وخوف وأسًى. والأخير الأسوأ؛ رائحة جافة، مثل الأرض القديمة، والرصيف الساخن. وغسيل الأيدي، مرات ومرات، ورش مطهر اليد، وصوت القفازات البلاستيكية بينما تُفرَد عليها مادة التعقيم اللزجة، والطقس المقدس الخاص بالتعقيم، وجوقات من الصراخ، وصوت طقطقة النقالات، وأضواء سيارات الإسعاف التي تزعج الضحايا، والستائر التي تخفي يأسًا مجهولًا. والأسئلة المطروحة: هل يمكن الشفاء من هذا؟ هل يمكن أن يشعروا بمدى قلقي؟ والمقارنة الحتمية: هل طفلي أحسن حالًا من هذا الطفل؟

عبر كل ما سبق، تحمل جسم طفلك، وتحمل لحمه وحرارته قريبًا منك، مثل جلد من نار؛ لأن عليك أن تتعلق بحيث توجد الحياة. تدفعنا الحاجة إلى الطعام، وينزع الجنس عنا الحياء، ولكن الملامسة هي أصدق ما نحتاج إليه. ما عليك إلا أن تتعلق، ما عليك إلا أن تتعلق، ما عليك إلا أن تتعلق، ما عليك إلا أن تتعلق.

وبالتدريج، ودون أن تلحظ ذلك، يتغيَّر شيء، ولا يكون عليك أن تتعلق بشدة بعد ذلك، وإلا فلن يَعُودَ هناك ما يمكن أن تتعلق به؛ فالأزمة تمرُّ أو تُحَلُّ. الأمر كله لا يمكن الحديث عنه، ومع ذلك، وبعد حين، فمن المستحيل ألا تتحدث عنه مرارًا وتكرارًا.

إذا حالفك الحظ فسيسمحون لك أنت وطفلك بالمغادرة. أكبر شعور بالراحة عندما تغادر المستشفى في النهاية مرة أخرى في الصباح الباكر، قبل طلوع الشمس، وما زال رصيف الشارع رطبًا من الندى، وطفلك سليم مرة أخرى، حتى الآن. ويبدو أن العالم سيبدأ من جديد، وقبل أن تذهب لسيارتك — الطابق الثاني بالقرب من المصعد الشمالي — تضع خططًا مرة أخرى.

•••

طوال هذه السنوات، وفي ظل عدم استمتاعنا بنوم طبيعي، تشاجرنا أنا وزوجتي كثيرًا. ومثل معظم آباء المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد، تشاجرنا كثيرًا بشأن النوم أكثر من أي موضوع آخَر: مَن تمكَّنَ من النوم ومتى، ومَن لم يتمكَّن، ومَنِ استحق أن ينام أكثر ومَن لم يستحق، وهي في الغالب نفس المناقشة. وهي تجري كالتالي: في منتصف الليل، بالرغم من أن الدور على جوانا لتنام مع ووكر — ويحدث الأمر عينه حين يكون الأمر معكوسًا — لا أستطيع النوم وأتوجه إلى الطابق السفلي إلى حجرة المعيشة من أجل القراءة، وبعد خمس دقائق، أسمع جوانا: «لا، ووكر، لا!» وبعد دقيقة تظهر عند أسفل السلالم — عارية وما زال جلدها مسمرًّا خفيفًا (حتى في شهر يناير) ومنهكة. ظل ووكر مستيقظًا لمدة ثلاث ساعات وأخذ يلكمها في رأسها وينفجر في الضحك: «هل يمكن أن تأخذه؟»

أتنهَّد (هذا خطأ) وأقول (هذا خطأ آخَر): «ظلَّ مستيقظًا معي الليلة الماضية لمدة ثلاث ساعات متصلة في منتصف الليل.»

تقول غاضبةً: «انسَ الأمر … لا عليك! آسفة لطلب ذلك!»

أتبعها لأعلى، متراجعًا.

أتجاوزها وأصل إلى حجرة ووكر قبلها وأرقد بجانبه، والآن زوجتي المسكينة متعبة جدًّا وترفض أن تذهب. تصرخ، وأصرخ، وأغلق الباب. تأتي مرة أخرى، لذا أدفعها إلى الخارج، وأغلق الباب مرة أخرى، وأسنده بقدمي. لست في كامل أعصابي. وحين أفتح الباب مرة أخرى، أسمع هايلي، في حجرة نومنا (لعبة الأسرة الموسيقية التي لا نهاية لها لرعاية الولد) تسأل عمَّا يحدث، وأعتذر إلى أمها بشدة، مع أنه ليس بإخلاصٍ كليةً، ولكن أحيانًا في هذه المعارك السريعة قد يفي بالغرض.

لكن، هناك أوقات أخرى أيضًا، لحظاتٌ من السعادة المتواصلة. يجمعنا السرير نحن الأربعة في صباح يوم سبت، ووكر على ركبتيه، يعلو فوقنا جميعًا. ثمة شيء ملحوظ، كما ترى: ففي كل مرة يكون فيها سعيدًا، يكون في قمة سعادته. أما هايلي فهي راقصة باليه ماهرة ورقيقة، تتمايل بِوُوكر على أنغام الموسيقى من جهاز الاستريو، ووكر يبلغ القمر من شدة الفرح. هذه دقائق من حياته، وهي أحداث عادية بالنسبة إلى طفل عادي، ولكني أعرف قيمتها الحقيقية.

***

قبل أن يبلغ ووكر الثانية من عمره بوقت قليل، علمنا بإجراء دراسة عن متلازمة القلب والوجه والجلد في مستشفى فيلادلفيا المشهور للأطفال. وقدنا السيارة إلى هناك واستغرقت المسافة عشر ساعات، وفي نهاية يومٍ من الفحوصات قابلنا أخيرًا طبيبًا أخبرنا بشيء لم نكن نعلمه، وكان اسمه دكتور بول وانج، وهو طبيب أطفال متخصِّص في نمو الأطفال.

أجرى وانج سلسلة من الاختبارات — وكان رجلًا نحيفًا ذا جبهة عالية وصوت هادئ — وقدَّم إلى ووكر بعض الرسومات الخطية، ومصباحًا، ولغزًا. ألقاها ووكر على الأرض. وانتهى الطبيب من مهمته بعد ساعة. ثم تجول ووكر في المكان وتسلل إلى حجري.

قال وانج: «كما تعلمون، هناك ثلاثة مستويات عامة من التأخُّر المعرفي، أو التأخُّر بصفةٍ عامة؛ بسيط ومتوسط وشديد، والذي أحيانًا يُسمَّى حادًّا.»

فسألته جوانا: «وحالة ووكر تنتمي لأي مستوًى؟»

«إذا استمر ووكر على معدل نموه الحالي، فقد نشخِّص حالته على أنها تأخُّر عقلي متوسط كبالغ.»

قالت جوانا: «متوسط؟!» ووضعت يدها على فمها، وكانت تبكي بالفعل (لعلي أمسكت يدها الأخرى)، وأضافَتْ: «كنتُ أتمنَّى أن يكون بسيطًا، هل سيتمكن يومًا من القراءة؟ أو … قيادة سيارة؟»

«أشك في ذلك.» كانت تلك هي الأخبار السيئة، فما زال التأخُّر المتوسط كارثةً، ولا يمكن التأكُّد من أن حالته لن تسوء مع تقدُّمه في العمر، وسيحتاج إلى رعاية مدى الحياة، ودعمٍ في ترتيب أمور معيشته. وأضاف: «حتى الآن، لا توجد سوى معلومات ضئيلة ومحددة عن الأطفال المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد.» وذكر الطبيب أن معدل النمو العام لووكر هو نفس المعدل لطفل طبيعي في عمر الأشهر العشرة. أشهرٌ عشرة! أقل من نصف عمره! «بالطبع مع تقدُّمه في العمر، ستظهر الفروق على نحوٍ أكبر.»

تحوَّل وانج إليَّ وقال: «هل لديك أي أسئلة؟»

«سؤال واحد، استأجرنا كوخًا هذا الصيف لأول مرة، في شمال تورونتو، وهو مكان منعزل وهادئ جدًّا في جزيرة وليس حولنا أحد، ويبدو أن ووكر يحبه. وهذا يغيره، يهدئه. هذا المكان، والطريقة التي يهدئه بها، يعني الكثير لي. هل سأتمكن من شرح كل هذا له؟»

هزَّ وانج رأسه قائلًا: «ليس من الناحية المنطقية، واحتمال ألا تتمكن من ذلك، ولكن …» ثم توقَّف عن الكلام، وفكَّر ثم قال: «يبدو أنه يفهم ذلك بالفعل.» ثم سكت ثانيةً، وأضاف: «يقول البوذيون: إن الطريق إلى التنوير، إلى أن تكون كائنًا نقيًّا، هو أن تنفصل تمامًا بذهنك عن العالم الخارجي. لا أحاول أن أكون مبتذلًا، ولكن ووكر يعرف بالفعل كيف يفعل ذلك؛ فهو كائن نقي، قد يكون لديه تأخُّر في النمو، أو تأخُّر عقلي متوسط، ولكنه بهذه الطريقة، يسبق معظمنا بالفعل بمسافة كبيرة.»

كانت هذه أول مرة يتحدث فيها أحد عن أن لووكر موهبة ليست لدى أيٍّ منَّا.

•••

تدريجيًّا، بينما الروتين المستمر لرعايته ومراقبته ومنعه من إيذاء نفسه وتحفيزه أصبح مألوفًا، قلَّ خوفي، وتحوَّلَ حزني إلى وَحدة غير عادية. فلم يعد بإمكاني تخيل الحياة، معه أو من دونه.

بقدر ما حاولت التفكير في البدائل، لم أستطع أن أتخيَّل أني لا أرعاه كل يوم: لا يمكن تصوُّر يومٍ دون الاستيقاظ في الصباح، وتنظيفه، ومساعدته في ارتداء ملابسه، والذهاب به للمدرسة، والعودة به إلى البيت، والنحيب المتعب، والتغير المفاجئ ونوبات السعادة المشرقة، والتغذية، والتدريس الذي لا فائدة منه، والمرح، والمستشفيات والأطباء، والقلق المستمر، ومرات التجول الليلي. نكرِّر كل هذه الأمور كلَّ يوم حتى النهاية، مهما اختلفَتْ طريقة حدوث ذلك. ولم يكن هناك مكان يمكن أن نتحمل تكلفة وضعه فيه، ولم يكن هناك مكان نضعه فيه على أية حال.

عرض أصدقاؤنا أن يأخذوه، أن يمنحونا عطلة نهاية أسبوع من دونه، حدث ذلك مرتين في خلال ١٢ عامًا، وفي كل مرة يكون الزوجان مختلفين، من أصدقائنا الحميمين، وذلك لليلة واحدة كل مرة. عرضوا ذلك مراتٍ كثيرةً قبل أن نوافق؛ فرعاية ووكر أمر معقد لا تستطيع أن تطلب من شخصٍ ما أن يقوم به. وبغض النظر عن ذلك، ماذا عن أنابيب التغذية ومواد التغذية والأدوية، وضربه المستمر لنفسه وصراخه الذي لا يتوقف. حين أذهب به إليهم كنت أرى في أعينهم نظرة كلها حماس وتأهُّب، إلا أن هذه النظرة تختلف تمامًا بعد ٣٦ ساعة حين كنت أذهب لاستلامه، فأرى عليهم ذهولَ مَن استقبل ١٥٠ ضيفًا في منزله في عطلة نهاية أسبوع انهار فيها نظام الصرف الصحي كله، هذا الذهول الذي ذكرني بذهول ركاب الطائرة التي هبطت اضطراريًّا بسلام وبمعجزة في نهر هدسن منذ بضعة أسابيع. نعم، كان هذا حال أصدقائنا بعد عطلة نهاية أسبوع مع ووكر! أتفهَّم هذا كليةً، ولكن سأظلُّ دائمًا مدينًا لهم لأنهم حاولوا؛ حاولوا أن يصلوا إلى عمق البئر المظلمة التي نعيش فيها، ومساعدتنا في الخروج منها. لا أستطيع أن أخبرك بمدى عمق هذه البئر، والمسافة التي كان عليهم أن يقطعوها حتى يصلوا إلينا. لم أطلب منهم أن يفعلوا ذلك مرة أخرى؛ فالأمر لا طاقة لهم به، كما كنتُ أقول دائمًا لجوانا.

قالت ذات ليلة: «أتمنى أن يعرض علينا أصدقاؤنا أخذه مرات أخرى!»

كنا نتحدَّث في الفراش، في إحدى الليالي النادرة التي نام فيها ووكر مباشَرةً، فنوم بعضنا بجانب بعض في الظلام يُعَدُّ أمرًا نادرًا في ذلك الوقت، وهو أمر يبعث على الإثارة مرة أخرى. كنتُ أشعر بجلدها الدافئ مقابل جلدي، سعيدًا كنت بالإحساس الجديد نسبيًّا لوجود شخص كبير بجواري. كانت الحجرة مظلمة لدرجةٍ لم نستطع معها رؤية بعضنا بعضًا، ولكننا تحدَّثنا في هذا الظلام الدامس على أي حال؛ فأنت لستَ بحاجةٍ إلا إلى حديثٍ مخلصٍ، وشخصٍ يستمع إليك.

«أقصد أنه لم يعرض أيُّ شخصٍ من أسرتي أو أسرتك أن يأخذه لليلة واحدة، عرضت أمي ذلك مرة واحدة. هذا كل ما في الأمر.» صُدِمتُ، ليس من حقيقة ما قالت، ولكن من جرأة ما أشارَتْ إليه؛ أي أن نطلب من أحد أن يأخذ ووكر! مَن هي حتى تفكِّر في هذا! كان والداي في الثمانينيات من العمر، وكانا خائفين من ووكر، يخشيان أنهما لن يعرفا كيف يتصرفان معه. وكانت أخواتي يعشن في مدن نائية، وأخي الذي كان يعيش في بوسطن وشريكته فرانك عرَضَا عليَّ أن يأخذَا ووكر لبعض الوقت، ولكني لم أكن أرغب في أن أفرض نفسي عليهما؛ فليس عندهم أطفال، ويُعَدُّ منزلهم مكانًا مثاليًّا للتدمير. كانت أخت زوجتي عزباء وتعيش في لوس أنجلوس، وليس لنا أقارب يعيشون بالقرب منَّا، ولا مجتمع كبير في المدينة. لم تكن المشكلة في أن نطلب إلى غيرنا فعل هذا، بل كانت المشكلة أن نتصور هذا.

قلتُ لها: «أخذ أصدقاؤنا المقربون ووكر ليعيش معهم كما لو كان واحدًا من أطفالهم … كل هذه الأسابيع في الأكواخ، وحفلات العشاء في منازلهم. وليس عليهم فعل ذلك.»

«لكن لليلة واحدة؟ كنت سأفعل أكثر من ذلك لهم.»

«لكنكِ تعلمين ماذا يعني أن تقومي بهذا، لديكِ طفل مثل ووكر. لكن هم لا. معظم الناس يصيبهم الرعب.»

كنا نتحدث في الليل الدامس، وتتلامس أجسامنا، ونتذكر التوفيق والحظ السعيد.

الأمر لا طاقة لهم به.

في حفلات العشاء، كنا نأكل بالتناوب، أحدنا يأكل، والآخَر يتابع ويمسك بووكر، حتى يظل هادئًا، وإذا بدأ يهتاج ويصبح عدوانيًّا، أو بدأ يلكم رأسه على نحوٍ يخرج عن السيطرة، كنتُ أجلسه على كتفي أو أربطه في عربة الأطفال ونخرج، كنا نخرج ونعود بعد عشرين دقيقة. وإذا وجدتُ رائحةً تخرج من حفاضه، كنت أستبدلها بعيدًا. كنَّا ملتزمين بالحفاظ على الروتين والعادات المعتادة. «هو بخير.» يقولها الأصدقاء لي حين يدعوننا إلى العشاء أو لتناول شراب، ولكني أعرف صراخه الذي يشبه صوت المنشار الآلي، ولا أريد أن أكون مسئولًا عن إزعاج الآخَرين، ولا أريد منهم ألا يدْعونا مرة أخرى؛ لأنهم كل ما نملك من أصدقاء. وفي تلك الأيام كنت أرى أن ووكر انعكاس لي، ولم أرَ أنه كائن منفصل. وحين يكون ووكر هادئًا، كان ينتقل من ضيف إلى آخَر، زاحفًا إلى حجورهم، يلعب في ساعاتهم وأَسْوِرَتِهم، ويسيل لعابه على بنطلوناتهم وقمصانهم، كان يمثِّل تذكرة مستمرة ليس فقط بوجوده، ولكن بوجود كل الأطفال الذين هم على شاكلته، الذين كثيرًا ما نحاول أن ننساهم؛ ولهذا السبب سعينا لاختيار ضيوف حفلات العشاء بعنايةٍ. وإذا ارتبط بشخص ما، كنتُ أتدخل: «حتى لا يزعجك، سآخذه!» اعترَضَ كثيرون ودعوني إلى تركه معهم، لكن كثيرين لم يعترضوا؛ إذ يمكنك أن تلحظ التحفُّظ في عيون الفريق الأخير، وفي وقفتهم: يستمرون في الحديث، ولكنهم لا يقاومون تركه. مَن يمكنه أن يلومهم؟

كانت جوانا أفضل مني في هذا الموضوع: سمحَتْ للآخَرين بالاعتناء به، والتجول والجلوس معه، وبَدَا أنها شعرت أن هذا واجبهم، حقنا عليهم، في حين كنتُ بالفعل أُسرِع لآخذه من بين أيديهم، فأنا لا أريد لأحد أن يرفضه؛ لذا حاولت أن أحميه من الرفض من البداية، فأنا أحميه بهذه الطريقة؛ فلم أكن لأسمح لأحد بأن يجرحه، لأن فيه ما يكفي؛ لذا أحاول أن أغلِّف براءته بوجودي المستمر معه لحمايته من أي شيء، حتى من رفضه من قِبَل الآخَرين. فنحن معًا، أنا وهو، ولا يعنينا الآخَرون. يمكنك أن تهاجمني كما تشاء، ولكنك لن تستطيع الوصول إليه والمساس به بأي شكل. الأمر يشبه حالك عندما تتعرض لهجوم شديد: فأنت تختبئ، وتحتمي بمكان ما، وتمكث حتى يتوقَّف الهجوم، وهذا أقل ما يمكن أن أفعله كوالده، وكنت على الأقل أفعل ذلك.

لهذا كنَّا نأخذه معنا، في الطائرات وفي السيارة. كان التعامل معه في السيارة أسهل: كان هايلي وأولجا وووكر يجلسون في المقعد الخلفي، وأنا وجوانا في الأمام، وكنَّا نقسم كل ما نحتاجه إلى قسمين: الأشياء التي يمكن أن نحزمها ونضعها في شنطة السيارة، والمتعلقات التي يجب أن تكون قريبة منا، من أجل ووكر. وتشمل هذه المتعلقات: عربة الأطفال، وعلى الأقل عبوة واحدة كبيرة تحوي ٣٦ حفاض أطفال، وعلبة أو اثنتين من اللبن الصناعي الذي يستخدمه، ومبرد كولمان صغيرًا للأدوية، وطاقمين من الملابس وصدريات أطفال ومناديل عنق في حقيبة كبيرة واحدة (لأن لعابه كان يسيل وكان يتقيأ) من أجل الرحلة ذاتها، وحقيبة من اللعب وأدوات التسلية. هذا بخلاف الحقائب الأخرى والسرير/قفص اللعب الذي يمكن طيه. وإذا كنَّا في السيارة، فيمكننا أن نأخذ أشياءَ أكثر بالطبع؛ صندوقًا آخَر من اللعب و«وثَّابة» بلاستيكية، وهي عبارة عن شيء غريب بلاستيكي للتأرجح لونه أصفر وأخضر وأرجواني، وبه مقعد قماش معلَّق في المنتصف، حيث يمكنه الجلوس أو دفع نفسه للأمام في الحجرة. كان يحب هذا الشيء الغريب. كانت جوانا تسأله: «هل تحب القفز؟» كان يبتسم ابتسامة عريضة ثم يقفز كثيرًا.

كنَّا نأخذه معنا أيضًا في الرحلات الجوية، ولكن القيام بهذا كان أمرًا صعبًا حقًّا، وهذا نوع من السفر الصعب الذي كنَّا نقوم به فقط لنرى جوان وجيك — أمَّ جوانا وزوجَ أمها — في بنسلفانيا من أجل الاحتفال بأعياد الكريسماس (كنا نضع قفص لعب ووكر بين السريرين المتشابهين في حجرة الضيوف شديدة التدفئة، مع فتح النوافذ على مصراعيها حتى في فصل الشتاء، ونتولى رعايته معًا بالليل، ونحاول أن نُسكِته حتى لا نوقظ الآخَرين)، وكنا نذهب أيضًا إلى فلوريدا لزيارة منتجع والت ديزني العالمي. (اشترى جيك، وهو كاثوليكي مخلص، صكوك غفران باسم ووكر، وتوسَّلَ إلى بادري بيو، الممثِّل المحلي للقديسين.) ولم نكن ندري قطُّ إن كانت أذن ووكر ستستجيب وتجعله يصرخ بأعلى صوته، أو كونه في الطيارة سيجعله يصاب بالجنون (وتجعلنا نحن أيضًا)، أو إن كان بدلًا من ذلك سينام أو يرقد في المقعد ويحملق من النافذة في السحاب، وقد انطبعت على وجهه ابتسامة. لم نكن ندري قطُّ ذلك.

في الظروف الطارئة، كنا نستعين بجليسات أطفال، فحين تكون أولجا غير موجودة أو في إجازة، كما في ليلة رأس السنة والأعياد الكبيرة، كنا نستأجر جليسة أطفال من وكالات الرعاية المؤقتة المتخصصة في رعاية الأطفال المعاقين. كُنَّ جليسات أطفال ممتازات، وفي الغالب هادئات جدًّا، ولكن حتى تقابلهن أو تعرف مع مَن تتعامل، فالأمر يشبه قليلًا ترك طفلك مع حيوان لافقاري مستأجر. أقصد، مَن يمكن أن يكون متاحًا لرعاية أطفال في ليلة رأس السنة؟ كان كثير منهن أشخاصًا غريبي الأطوار. كان يصل شخص غريب، امرأة عملاقة عرجاء خجولة بشكل طبيعي عند الباب، وكنتُ أتظاهر أن أمرًا طبيعيًّا جدًّا في العالم أن أسلِّم ابني المعاق (وغالبًا ابنتي) لشخصٍ غريبٍ لمدة ست ساعات: «آه، أهلًا، أيها الكائن الغريب، كيف حالك؟ تشرفنا، تفضلي، أنا إين.»

وزمجرة مرعبة من الكائن الغريب تكون هي الرد الوحيد.

«أقدم لكِ … ووكر! هل يمكن أن تقول أهلًا، يا ووكر؟» بالطبع أعلم أنه لا يستطيع أن يقول أهلًا، ولكن ماذا كان من المفترض مني أن أقول؟ «هنا، يبدو أنكما متلائمان جدًّا.» بدلًا من ذلك، كنت أقول الشيء الوحيد الذي كنت أستطيع قوله: «دعيني أُرِكِ حجرته.»

بعد ذلك، كنَّا نبدأ الشرح المعتاد لروتين ووكر؛ هذا طعامه، وملابسه، وحفاضاته، وحجرة تبديل الملابس، وحجرته، وحجرة اللعب، وسريره. ثم هاك الروتين نفسه: يأخذ هذه الحقنة في ذلك الوقت، و٤ سنتيمترات مكعبة من هذا في ذلك الوقت، ثم علبتين من اللبن الصناعي كل أربع ساعات، وتعطينه إياها هكذا، رابطةً هذا الشيء بذلك الشيء، وهذه الأداة في تلك الفتحة، وهكذا.

كنا نقول: «تعرف هايلي كل تلك الأمور.» مشيرين إلى ابنتنا المحبوبة البالغة من العمر أربع سنوات، كان الأمر أشبه قليلًا بمحاولة شرح نظام سباكة منزل معقَّد كبير في خمس دقائق قبل أن نطير مسرعين خارج الباب، بالطبع كنَّا «نريد» أن نطير مسرعين خارج الباب.

بعد ذلك تُفرغ المرأة الغريبة … محتويات حقيبتها. حقيبتها؟ دائمًا ما كان هؤلاء الجليسات يحملن حقيبة سفر صغيرة بها أشياء غريبة؛ بخاخات وأجهزة استنشاق (خاصة بهن)، وزجاجة كريم لليد، ووجبات خفيفة (بما في ذلك في إحدى المرات رغيف خبز بأكمله؛ قالت جوانا: «ماذا ستفعل بعدما نذهب؟ هل ستقوم بنزهة؟») ووجدت إحداهن — والتي جاءت للبيت مرات عديدة — السلالم صعبة الصعود، وعدنا بعد منتصف الليل لنجدها في حجرة المعيشة، وووكر مستيقظ وبحالة جيدة، ودائمًا مستيقظ تمامًا. وكانت هايلي تفضِّل جليسات معينات؛ كالمرأة القاطنة في منطقة المقاطعات الساحلية الكندية التي كانت تحكي قصصًا حول الحياة في الريف، وأخريات مثل المرأة التي أصرت على أن تعطيها هايلي كل الحلوى الحمراء الموجودة في كيس حلوى، واحدة تلو الأخرى. كنا نعيش في عالم خاص بنا، عالم من صنع ووكر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠