الفصل الثامن

في الصيف الذي بلغ فيه ووكر الحادية عشرة، وهو يعيش في دار الرعاية، قرَّرْتُ ركوب سيارتي والسير بها، شعرت أني مدفوع — بالرغم من أن منجذب قد تكون أدق، فإنها قد تبدو غريبة — لكي أجد بعض الأشخاص الآخرين المصابين بنفس حالته في هذا العالم. يوجد مائة مثله فقط، وهم منتشرون في كل أنحاء العالم: أستراليا والدنمارك وبريطانيا واليابان والولايات المتحدة الأمريكية، وأقرب حالة كندية سمعت عنها تبعد ألف ميل في ساسكاتشون. عندما أفكر في هذا الأمر الآن، أرى أن دافعي كان التعلق بولدي، حتى ولو كنا قد سمحنا له بالانتقال لدار للرعاية.

أولى محطاتي كانت كاليفورنيا، واستغرق الأمر أسبوعين. لم تكن جوانا تمانع غيابي؛ فلم تقف قطُّ في طريقي حين أحاول العمل على الاقتراب أكثر من ووكر، وكان ذلك الأمر المعتاد، منذ الأيام الأولى حين كان صغيرًا وكانت تشعر بالخوف، وتحملته عنها في تلك الأيام الصعبة، حتى بدأت تحبه، وهذا ما أعطاني سعة من الوقت، أو ربما، كما قالت في إحدى الأمسيات: «أنظر لووكر كووكر، وإذا رأيتُ أطفالًا آخَرين مثله، فسأراه كطفل مصاب بمتلازمة.» كانت تفضِّل أن تراه باعتباره الوحيد من نوعه، وكنت أريد له أن يكون مثل غيره في العالم؛ أو العكس بالعكس، بالرغم من أنني لم أكن أدرك هذا في حينه.

***

من الصعب نسيان إيميلي سانتا كروز. كانت أول شخص مصاب بمتلازمة القلب والوجه والجلد — بخلاف ووكر — أشاهده في حياتي.

كان عمرها تسع سنوات، وكانت في أحضان أمها مُولي، في شرفة بيتهم المطلي باللونين الأبيض والأزرق في أرويو جراند، في منتصف الطريق إلى ساحل كاليفورنيا. وتقع أرويو جراند حيث تنحدر المزارع الصناعية لوادي ساليناس الجاف الحار إلى الساحل الأكثر برودةً والمحيط الهادئ. والوصول إلى هناك كان مثل الدخول إلى جوٍّ جديد أكثر رحمةً.

كانت إيميلي لا تختلف في شكلها عن المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد، شأنها شأن ووكر؛ فشعرها مجعد أسود، وعيناها مائلتان، وأصابع يدها كثيرة العقد، وجلدها سميك بني، لم أستطع التوقُّف عن التحديق في شكلها. فمثل ووكر، كانت نحيلة، ولا تستطيع التحدُّث، ولكن يمكنها التركيز بعينيها أكثر منه، وهي أقل خجلًا منه. شعرت بالارتياح عندما وجدتُ أحدًا مثل ولدي، ولكني صُدِمت عندما رأيت مدى بروز المتلازمة فيها؛ فلم يكن لديَّ حينها أيُّ ارتباط عاطفي بإيميلي، ولا حاجة إلى أن أجد «البنت التي بداخلها» أو أن أراها بغير ما هي عليه، ولذا رأيت ما هو موجود فقط؛ طفلة صغيرة محنية غير عادية فضولية تنتفض، مريضة ولكنها أيضًا يميزها مرضها. شكل بدائي من البشر، عيون بنية داكنة، وابتسامة عريضة مثل رفرف السيارة.

حتى بيتهم يشبه بيتنا، فكل سطح جرى إخلاؤه حتى ارتفاع ١٨ بوصة، وهو قدر ما كانت تستطيع أن تصل إليه إيميلي. مثل ووكر، كانت تحب أن تلقي بالأشياء على الأرض. كانت الألعاب منتشرة في حجرة المعيشة، نتيجة نشاطها الصباحي.

بعد أن دعتني مولي سانتا كروز إلى دخول بيتها وطلبت رؤية صور لابني، تحدَّثْنا لمدة ثماني ساعات دون توقُّف. كانت إيميلي أكثر حظًّا من ووكر في بعض الأشياء — فقد كانت تستطيع الأكل بنفسها — وأقل حظًّا في أشياء أخرى؛ فهناك قائمة معلَّقة على الثلاجة تُسجَّل فيها النوبات المرضية التي تتعرض لها، وقد كانت تمتد لعدة صفحات ولا توجد مسافة كبيرة بين الأسطر فيها، وتُدوَّن فيها البيانات بشكل يومي.

أحيانًا كانت تترك إيميلي كرسيها وتنحني على أربعٍ بجوارنا لتنظر إلى لعبة ما، وفي أحيان أخرى كانت تخدش جزءًا من الحائط بأصابعها. نفس صراخ الإثارة، ونفس الأصوات المعبرة عن الرغبة التي يصدرها ووكر.

كل ما أخبرتني به مُولي كان مألوفًا بالنسبة إليَّ؛ كانت إيميلي تحب النوم دون أن تُغطَّى ببطانية، وفي السنوات الثلاث الأولى، كانت تستيقظ كل ليلة ثلاث مرات. قالت مولي: «أرى أن الأطفال الذين لديهم إعاقة عصبية يحبون الاستيقاظ في الساعة الثالثة أو الرابعة صباحًا.» وقد كانت تحكم حياتهم المواعيد الطبية: اختصاصي العلاج الوظيفي واختصاصي التخاطب مرتين أسبوعيًّا، واختصاصي جراحة العظام كل ثلاثة إلى ستة أسابيع، وطبيب القلب مرة سنويًّا، وطبيب العيون مرتين في السنة، وطبيب الأعصاب أربع مرات في السنة.

كانت مولي تبلغ من العمر ٤٥ عامًا، وكانت تسير بطريقة منظمة في حياتها، نتيجة السنوات التسع التي قضتها في رعاية إيميلي طوال اليوم، والعمل في المساء في مطعم الأسرة في منطقة نيبومو القريبة. وكان عمر زوجها إرني ٥٦ عامًا، وقد كان يعمل اختصاصي خدمات لوجستية بالشركة التي تصنع منتج «سليم»، الذي يعمل على رتق ثقوب الإطارات. وكانت أخت إيميلي الكبيرة ليان تبلغ من العمر ١٨ عامًا.

بعد ساعة من حديثنا، بدأت إيميلي تحبني، ووضعت وجهها بالقرب من وجهي بحوالي بوصتين وتفحَّصَتْ دفتري؛ رسمتُ صورةً لها فنظرت إلى الصورة وبدأت تسعل، ثم ضحكت على سعالها. مررت بيدي على ظهرها: كان نحيفًا ونحيلًا، وعمودها الفقري عبارة عن سلسلة ظهر رفيعة، مثل ابني. إذا حدث أنِ استطاع البشر أن يكتشفوا حياةً متعاونة وطبيعية على الكواكب الأخرى، فلن أندهش إذا شعروا بنفس الطريقة التي شعرت بها بعد ظهر يومٍ مِلْؤه النسيم في كاليفورنيا بعد مقابلة إيميلي، قريبة ووكر بالوراثة. وأرى أن الأمر يسير؛ شعرت أن عالمه صار أقل انعزالًا عن ذي قبلُ، فولدي لم يَعُدْ وحيدًا في هذا العالم. كانت إيميلي تصفق وتصعد إلى كرسيها مرة أخرى وتبدأ في إحداث صوت معين بشفتيها، كانت تعتبره أكثر مرحًا مما أراه أنا، وكانت أكثر رشاقةً من ووكر، ولكنها من حين لآخَر كانت تتسلَّل إلى نفس الأماكن الخاصة التي يصعب الوصول إليها. وكانت مولي تتحدث إليها مثلما تتحدث إلى الآخَرين.

سألتُ مولي: «هل تظنين أنها تفهمك؟»

قالت مولي: «لا أظن أنها تفهم كثيرًا، ولكنها بدأت تفهم، وبخاصة في المدرسة، مع روتين كل يوم.»

كانت الدراسة على وشك البدء وذلك بعد أسبوع، وحين ذكرت مولي ذلك، بدت على وجهها نظرة متعطشة؛ فذهاب إيميلي إلى المدرسة يعني توافر فرصة للنوم.

الشيء الغريب أنه حين تتملكك اليقظة المستمرة الناتجة عن رعاية طفل مصاب بمتلازمة القلب والوجه والجلد، فمن الصعب أن تذهب. لاحظ إرني سانتا كروز — زوج مولي — هذا حين قضى هو ومولي أول عطلة نهاية أسبوع بعيدًا عن إيميلي، حين كان عمرها خمس سنوات. تركاها مع أخت مولي — كيت — التي تعيش في مكان يبعد ١٥ دقيقة عن وادي ساليناس، ليس بعيدًا عن والديها اللذين ينحدران من سلالة بعض المبشِّرين الأوائل الذين استقروا في كاليفورنيا، وحجز إرني حجرة في فندق كبير بالقرب من منتجع أفيلا هوت سبرينجز، وقد كان المكان في غاية الروعة. وتُعَدُّ هذه أول عطلة نهاية أسبوع لهما منذ خمس سنوات.

رغم ذلك، كان هناك شيء وحيد يشغل بال إرني؛ إيميلي. فكل بضع دقائق، تنتابه نفس الأسئلة: ماذا تفعل إيميلي الآن؟ هل هي تزيح الكتب من على الأرفف في حجرة المعيشة؟ أم هي بمفردها في حجرتها؟

نشأ إرني في مدينة ويتير، في كاليفورنيا، موطن ريتشارد نيكسون، والتحق بجامعة الولاية في مدينة تشيكو للحصول على درجة جامعية في التربية البدنية، وخدم في سلاح البحرية في اليابان وفيتنام، وكان يدرِّب فريقَ الكرة الطائرة للبنات في مدرسة أرويو جراند الثانوية بعد ظُهْر كل يوم، وكانت ليان ابنتُه الكبرى ضمنَ الفريق، وقد فُزْنَ بالبطولة الإقليمية مرتين، وببطولة الدوري ١٦ مرة. وعُرِض عليه تدريب بعض الكليات، ولكنه لا يريد أن يسافر بعيدًا عن إيميلي، فهو شخص مثابر جدًّا.

في فِناء منزلهم الخلفي في أرويو جراند كانت توجد سقيفة قديمة، وبجوارها كرسي قديم، وبجواره معتزل إرني. على أي حال، هذه إحدى الكلمات التي تصف المكان. (قالت مولي وهي تأخذني في جولة في المنزل: «يقول إنه يمثِّل هويته.» وبَدَتْ مرتبكةً وواثقةً في نفس الوقت. «يقول إنه يفضِّل هذا المكان».) سيارة بلاستيكية، وبعض الضفادع المطاطية، وسيارات دنكي اللعبة، ومفرمة لحم مليئة بنبات الصبار، ودلو جعة كورونا، وبعض أقنعة المايا، وأحذية رياضية قديمة خاصة بإيميلي مرسوم على موضع أصابع القدم فيها قلوب. كانت إيميلي، في تلك الأثناء، تسير حول الفِناء وتتسلل إلى نباتات الخُزامَى وتشمها وتقول: «به! وه! وه!» وكان إرني يحبُّ الجلوس على الكرسي بينما تلعب إيميلي في الفِناء الخلفي، ويمكنه الجلوس هناك في معتزله ويشاهد إيميلي وهي تتصرف على طبيعتها.

كان هذا بالتأكيد آخِر عام له في تدريب كرة الطائرة. قالت مولي: «أرى أن الإرهاق بدأ يظهر عليه بعض الشيء.» وكان إرني ومولي يستبعدان دائمًا فكرة إلحاق إيميلي بدار رعاية لذوي الاحتياجات الخاصة، ولكن هذا بدأ يتغيَّر. قالت مولي: «دائمًا ما نقول: إننا سنبقيها معنا بقدر ما نستطيع.»

قبل أن تبدأ في الحديث عن مثل هذه الأشياء، كنَّا في سيارتها، متَّجِهين لتناول العشاء في المطعم الذي كان يمتلكه والداها منذ سنوات عديدة. وقد بدأت ماكينات الري الآلي الطويلة في العمل في المزارع الكبيرة بجوار الطريق السريع، كما هي عادتها كل مساء، وينتشر الماء سريعًا فوق الحقول في الأفق مثل الأفكار الشاردة:

«لكننا بدأنا نفكِّر في ذلك. كنَّا دائمًا ما نقول، سيكون الأمر أفضل مع إيميلي العام القادم، ولكن هذا لم يحدث قط.»

***

المشكلة فيما يخص مجتمع المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد، كما اتضح لي، هي أن كلًّا منهم منعزل عن الآخَرين، رغم أنه يعرف كل واحد فيهم. على سبيل المثال، قابلت مولي وإرني وإيميلي سانتا كلوز من خلال بريندا كونجر، وكان الجميع يعرف بريندا.

في عام ١٩٩٢ وفي سن الرابعة والثلاثين، كان لبريندا كونجر زوج يُدعَى كليف، وابنة تبلغ من العمر عامين في حالة صحية جيدة، اسمها بيج، وكانت بريندا تعمل في وظيفة معلمة لذوي الاحتياجات الخاصة في مدينة بينجمتن، في جنوب وسط نيويورك. ثم حملت مرة أخرى.

هذه المرة، لم تسرِ الأمور على ما يرام؛ فقد وُلِد ابنها كليفي قبل ميعاده بثمانية أسابيع، ووفقًا للتكنولوجيا المتاحة في ذلك الوقت، لم يظهر لديه أي اختلالات كروموسومية، ولكنه كان يعاني من مشكلات أكبر. على سبيل المثال: لم يكن يستطيع التنفس، وقضى أول ٦٣ يومًا من حياته على جهاز تنفس صناعي في وحدة العناية المركزة. تقول بريندا: «كان أسوأ هاجس ينتابني كمعلمة لذوي الاحتياجات الخاصة، أن يكون لديَّ طفل معاق.» وتوقَّعَ الأطباء ألا يعيش الولد، وحتى لو عاش، فلن يتمكَّن من المشي أو الكلام. بالنسبة إلى بريندا، كان الأمر يمثِّل معاناةً شديدةً. بدأت تصلي، ولكن موضوع صلاتها هذه المرة لم يكن الموضوع المعتاد الخاص بالخلاص، بل كانت تهمس في نفسها: «خذ هذا الطفل عندك، وبسرعة.»

مرت الأيام والليالي والرؤية غير واضحة تمامًا. وفي النهاية، بعد متابعة طفلهما وهو يتنفس على جهاز التنفس الصناعي لأكثر من شهرين، قرَّرَ الزوجان كونجر والأطباء نَزْع جهاز التنفس الصناعي عن كليفي. أخبرت بريندا الصحيفة المحلية فيما بعدُ: «ويبدو أنه كان هناك ملاك حارس؛ لأنه في ذلك اليوم بدأ يتنفس بمفرده. كنت غاضبة جدًّا من الرب في ذلك اليوم؛ فلم يكن ذلك جزءًا من الخطة، ولكن في ذلك اليوم عرفت أن كليفي هو مَن كان يقود الخطة، وهو مَن كان يقوم بذلك فعلًا من اليوم الأول.»

انخرط الزوجان كونجر في تفاصيل الحياة اليومية لأسرة لديها طفل معاق، وفجأة لم يَعُدْ لديهما وقت وقلَّ مالهما. قالت بريندا: «نحن ننتمي إلى الطبقة المتوسطة، وأنا معلمة، وإذا لم تتساقط الثلوج، فلن يتحصَّل زوجي — الذي يملك محلًّا لأدوات التزلُّج على الثلوج — على مال.» وبلغ الطفل ثلاث سنوات قبل تشخيص الأطباء لحالته، ولم يفسر التشخيص كثيرًا: لم يكن كليفي سوى الحالة رقم ٢٢ من الحالات المصابة بمتلازمة القلب والوجه والجلد التي استطاعت بريندا أن تجدها في المراجع الطبية.

وُصِفت المتلازمة — أو على الأقل المجموعة الواسعة من الأعراض التي بَدَا أنها ترتبط بمظهر بدني محدَّد مثل حالة كليفي — بصورة علنية لأول مرة في مؤتمرٍ لمؤسسة مارش أوف دايمز في فانكوفر في عام ١٩٧٩، في عرض تقديمي بعنوان: «متلازمة تأخُّر عقلي جديدة تتميز باضطرابات في الوجه والجلد وشعر غير سويٍّ». إن تقديم هذا العرض التقديمي بَدَا كأنه معجزة صغيرة؛ إذ كان فريق علماء الوراثة الإكلينيكية المسئولون عن تحديد المتلازمة موزَّعين على أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية، واجتمعوا في الغالب بالمصادفة. وكان من ضمن أعضاء الفريق جون أوبتز، وهو عالم وراثة أسطوري قام بالفعل باكتشاف ستة أنواع جديدة من المتلازمات وتسميتها. ادَّعَى أوبتز أنه شاهَدَ أول حالة لمتلازمة القلب والوجه والجلد في منتصف ستينيات القرن العشرين، وبالرغم من ذلك لم تتم تسمية المتلازمة إلا في عام ١٩٨٦. ولم تجد كونجر سوى ١٢ ورقة بحثية ذكرت المتلازمة، معظمها كان مجرد تقارير مختصرة لحالاتٍ اكتُشِفت حديثًا، وكانت المتلازمة لغزًا وأمرًا غامضًا.

لم يوقف هذا كونجر. عندما تراها، تجدها نحيلة وتجد شعرها أشقر مائلًا للحمرة وعينيها قَلِقتين، وتعطي انطباعًا بوجود قائمتين أو ثلاث في ذهنها طوال الوقت؛ بكل الأشياء التي عليها أداؤها قبل الغروب. وفي العام الذي شُخِّصت فيه حالة كليفي، انتحَرَ أخوها كارل، لكن معاناتها مع ولدها غطت على تلك المأساة. وشرحت بريندا الأمرَ لي عندما قابلتها بعد ١١ عامًا قائلةً: «أنا محظوظة في تعاملي مع طفل مصاب بمتلازمة القلب والوجه والجلد، فهذه المتلازمة هي علاجي.»

في خلال ٢٤ ساعة من التشخيص، لاحظَتْ وجود إعلان في مجلة «إكسيبشنال بيرَنت» عن شيء يُسمَّى «شبكة أسر المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد». وبحلول عام ١٩٩٩، كانت بريندا تُدِيرها، وكان لا يزال هناك خمسون حالةً معروفة فقط من حالات المتلازمة، ولكن بريندا أرسلَتْ رسالة إخبارية لكلِّ مَن كتب إليها أو ردَّ على الإعلانات في مجلة «إكسيبشنال بيرَنت.»

في عام ٢٠٠٠، نظَّمَتْ أولَ تجمُّعٍ من نوعه لأُسَر المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد، والذي عُقِد في مدينة سولت ليك سيتي حتى يكون قريبًا من جون أوبتز، وحضرت مولي سانتا كروز أيضًا، مصطحبةً إيميلي. تتذكر مولي ذلك قائلةً: «قلت في نفسي حينها: «يا إلهي! هؤلاء الأطفال يشبهون ابنتي!» نعم، كان هذا رائعًا، لا يوجد أفضل من مقابلة شخص ما يشاطرني نفس الهموم.»

فيما بعدُ أصبحَتْ بريندا عضوة في مجلس إدارة شبكة بريندا، وحين علموا بأمر بحث لعالمة وراثة من سان فرانسيسكو، تُدعَى كيت روين، كانت تدرس متلازمة القلب والوجه والجلد، طلبَتْ منها مولي الحضورَ لمقر الشبكة. وبتشجيع من الدكتورة روين، استعانَتْ بريندا ومولي بفِرَق من آخِذي عينات الدم لأخذ عينات دم في مؤتمرات الشبكة، التي كانت تتم حينها كل عامين. وفي عام ٢٠٠٥، ومن خلال الحمض النووي الذي جمعوه من ٢٣ فردًا، حدَّدَتْ روين في النهاية الجينات المرتبطة بمتلازمة القلب والوجه والجلد، وأعلنت أن بريندا ومولي شركاء لها في هذا الاكتشاف، وهي المرة الثالثة فقط التي يُعلَن فيها عن قيام أشخاص من غير العلماء بالاشتراك في اكتشاف أحد الجينات. (نتيجةً لذلك، سيكون لشبكة بريندا — والتي أصبح اسمها المجموعة الدولية المعنيَّة بمتلازمة القلب والوجه والجلد — نصيب في أية براءات اختراع مستقبلية يتم تطويرها؛ نتيجةً لمشاركتها في اكتشاف تلك الجينات.)

تدير بريندا كونجر هذه الأيام عالَمَ متلازمة القلب والوجه والجلد من المكاتب المزدحمة للمجموعة الدولية المعنيَّة بمتلازمة القلب والوجه والجلد — وذلك من غرفة تقبع خلف سلالم الدور الثاني من منزلها. علاوة على ذلك فهي تُشرِف على موقع الإنترنت، حيث يناقش الآباء من كل أنحاء العالم الذين أحدُ أبنائهم مصابٌ بمتلازمة القلب والوجه والجلد، كلَّ الأمور بدءًا من علاج النوبات إلى متوسط العمر المتوقَّع، والذي حتى مع حسن الحظ لن يتجاوز منتصف العمر.

قالت مولي لي: «وهذا جيد بالنسبة إليَّ؛ لأني لا أريد لمولي أن تكبر في السن وأنا غير موجودة معها.»

وماذا عن كليفي كونجر، الذي قال الأطباء: إنه سيموت قبل عيد ميلاده الأول؟ هو يبلغ من العمر الآن ١٧ عامًا، ويذهب إلى المدرسة ويقرأ ويتحدث ويمكنه قيادة جرَّار.

***

حتى أقصر لقاء مع طفل آخَر مصاب بمتلازمة القلب والوجه والجلد كان مثل اكتشاف عنصر كيميائي جديد. كانت تعيش كوليجا توليولي وابنتها فاسي، في شقة صغيرة جدًّا في حي مشهور بالجرائم في مدينة ستوكتن، بكاليفورنيا، وكانت فاسي تبلغ من العمر عامين ونصف العام، وقضَتْ ٨٠ في المائة من عمرها في المستشفى. عند ولادة فاسي، كانت كوليجا أمًّا وحيدة لديها ابن عمره ثماني سنوات، واضطرت إلى ترك وظيفتها، وتدفع إليها ولاية كاليفورنيا الآن (باعتبارها ولايةً تقدُّميةً، فيما يتعلَّق بحالات الإعاقة) ٨٫٢٥ دولارات في الساعة لترعى ابنتها، ويتولَّى التأمين الصحي بقيةَ التكاليف الأخرى، ويوصل اللبن الصناعي إلى باب بيتها مباشَرةً. أخبرتني لوري كنت، الممرضة التي كلَّفتها الولاية برعاية البنت المعاقة: «أحيانًا في حالة وجود طفل ذي احتياجات طبية كثيرة، يكون من الأفضل أن تكون مُفلِسًا!»

***

كان أول شيء فعله دانيال هيس حين قابلني هو الصياح وإلقاء نظارته في غرفة المعيشة. كان هذا رد فعل مفهومًا؛ فقد قاطعْتُ إفطاره مع جده وجدته، اللذين كانا يزورانه من مدينة نيويورك. وكان هذا في جلين إلين، وهي ضاحية غنية في غرب شيكاجو، حيث يعيش دانيال مع أمه إيمي، ووالده ستيف، وأختيه الصغيرتين سارا ولورا.

كان دانيال المعجزة أحد المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد، وكان يبلغ من العمر ست سنوات، وكان يستطيع الكلام، وكان في المدرسة ويمكنه القراءة في مستوى مرحلته على نحوٍ أفضل من معظم زملائه، وكذلك كان بإمكانه أن يرتدي ملابسه بنفسه؛ كان يرتدي حذاء أخضر عالي الرقبة رائعًا جدًّا على شكل ضفدعة حين قابلته، ليخفي الآلام التي كان يعاني منها في الكاحل، لكن فيما يتعلَّق بعملية الأيض، فهو ليس محظوظًا جدًّا؛ فهو يعاني من قرح في الأمعاء وحساسية شديدة ومشكلات في المناعة وارتجاع مستمر ونوبات.

كانت إيمي، التي كانت على وشك الدخول في عامها الأربعين، عبارة عن كتلة من الثبات في العزم وكانت ذات شعر أشقر، وربما تُعَدُّ (كما تدَّعِي أمها) أكثر امرأة تنظيمًا في شيكاجو، وقد نشأت في ليك فورست بإلينوي، وفي مدينة هيوستن، وعمل والدها مديرًا تنفيذيًّا بإحدى شركات التأمين، وحصلت على درجة جامعية في الاقتصاد والأنثروبولوجيا من جامعة سانت لورانس، وتخرجت فيها عام ١٩٩٠، وتزوَّجت عام ١٩٩٩، وخططت للعمل في مجال الإعلانات. وزوجها ستيف كان يمتلك عدة مبانٍ، انتقلَتْ ملكيتها إليه بالوراثة.

في عام ٢٠٠١، وُلِد دانيال قبل ميعاد ولادته بأربعة أسابيع، ولم يستطع الرضاعة من ثدي إيمي، ولكنه كان طفلها الأول؛ فكيف كان لها أن تعرف؟ كان ينام ثلاث ساعات بالليل، ويعاني في التنفس ويتقيَّأ طوال الوقت، وشُخِّصت حالته بأنها متلازمة كوستلو، وهي طفرة جينية تشترك مع متلازمة القلب والوجه والجلد في كثيرٍ من الأعراض والمظاهر؛ كثير جدًّا بالفعل، لدرجة أنه عادةً ما يحدث خلط بين المتلازمتين، بالرغم من أن تأثيراتهما قد تختلف تمامًا. (غالبًا ما يكون لمتلازمة كوستلو أعراض أخف في الوجه وتأخُّر عقلي أقل، إلا أنها ترتبط أيضًا ببعض أشكال السرطان، الأمر الذي لا نجده في متلازمة القلب والوجه والجلد. اكتشفت كيت روين وعلماء آخَرون الجينات المرتبطة بمتلازمة كوستلو أيضًا.) تذكرت إيمي اليوم الذي شُخِّصت فيه حالته بوضوح شديد؛ وذلك لأن تشخيص الحالة على أنها متلازمة كوستلو فاجأها، ففي رأيها كانت هناك أشياء في دانيال لا تتناسب مع متلازمة كوستلو، وبالرغم من ذلك كان هذا هو التشخيص الوحيد وقتها، وكانت تخطِّط بالفعل لبحث التبعات بعد ظهر ذلك اليوم.

لكن في طريق العودة إلى البيت من عند الطبيب، وهي تمسك بيد دانيال في الشارع، التقت إيمي بالمصادفة امرأة كانت تعرفها، من خلال عملهما التطوعي معًا، ونظرت المرأة إلى دانيال وتغيَّرَ لون وجهها، وقالت: «أعرف صديقةً ابنُها يشبه ابنَك تمامًا.» وأرسلت إيمي صورة دانيال بالفاكس إلى صديقة صديقتها لحظة وصولها إلى البيت، فاتصلت المرأة على الفور وقالت: «ابنك مصاب بمتلازمة القلب والوجه والجلد.» وبدلًا من إعادة البحث عن متلازمة كوستلو، اتصلت إيمي بالتليفون ببريندا كونجر في ذلك المساء. ليست هذه قصة غريبة في عالم متلازمة القلب والوجه والجلد.

كانت صديقة صديقة إيمي هيس على صواب؛ كان دانيال مصابًا بمتلازمة القلب والوجه والجلد، ويثبت ذلك الجينات المشوهة. لم يخفِّفِ التشخيصُ الصحيح لحالة دانيال العبءَ الملقَى على عاتق إيمي، ولكن معرفة أن ابنها مصاب بمتلازمة ناتجة عن طفرة جينية عفوية، تقريبًا في لحظة الحمل، ساعَدَها بطرق أخرى. قالت: «أزال عني شعوري بالذنب للتسبُّب في تكوين طفل يعاني هكذا. كما تعلم، كانت تشغلني أسئلة من قبيل: «ما الذي فعلته خطأً؟ هل لأني وضعت طلاء أظافر وأنا حامل، فتسبَّبَتِ الأبخرة التي خرجَتْ منه في هذا؟ هل لأني كنت أقفز بالمظلات وقمت ببعض القفزات قبل أن أعرف أني حامل، وهكذا عانَى من نقص الأكسجين؟» لذا أراحني كثيرًا هذا التشخيص.»

أو على الأقل شعرت بشيء قريب من الشعور بالارتياح الذي يمكن أن يشعر به والد طفل معاق؛ لأنه حتى التشخيص الدقيق لا يمكن أن يزيل الإحساس القديم بالذنب الذي يرجع للأحداث الجينية العشوائية هذه التي حدثت منذ آلاف السنين؛ الفكرة الغريبة العالقة أنه دائمًا ما يكون هناك سبب لحدوث مثل هذه الإعاقة، وأنه عقاب، وبالتالي فهو مستحَق. عزا الأطباء الأوروبيون في القرن السادس عشر حالات التشوه والإعاقة هذه إلى الفقر (كما فعل السياسيون المحافظون في أمريكا الشمالية في العقد الماضي). وأصرَّ هيرودوت على أن سبب التشوُّه يرجع إلى الزواج من أشخاص لا يتمتعون بجمال معقول. ورأى مارتن لوثر، الذي كان يتصرف كثيرًا في خُرْقٍ، أن المتأخرين والمشوهين هم أقرباء الشيطان، كائنات مولودة في المكان الخاطئ؛ ولذا يجب أن نغرقهم. كانت إيمي هيس نتاجًا مثقفًا ومستنيرًا لعصر العلم والتقدُّم، ولكن الإحساس بالذنب القديم سارَ في مجراه على أي حال.

قالت لي إيمي في صباح يوم مشرق في شيكاجو: «كنت أحيا حياة سعيدة جدًّا جدًّا. لديَّ والدان رائعان، وصديقات حميمات، ووظائف ممتازة، ومدارس رائعة، وأرى أنه قد جاء دوري.»

إيمي أم محاربة، ولحسن حظ دانيال كافحت بالبحث. وقد تركت وظيفتها وتحوَّلت إلى باحثة طبية تعمل بدوام كامل، وأخضعته لأنواع عديدة من العلاجات؛ حتى وصَلَ الأمر لعشر جلسات علاجية كل أسبوع — منذ أن كان عمره شهرًا واحدًا وحتى بلغ سن الثالثة — كانت الدولة تدفع تكلفتها في الغالب من خلال برنامج التدخُّل المبكِّر للأطفال المتأخرين بنسبةٍ تزيد عن ٣٠ في المائة. قالت: «إنه بحاجةٍ إلى أي فرصة تتاح له، لم أُرِدْ له ألا يتعلم في مرحلة مهمة كهذه من مراحل عمره.» كانت هناك فترات يخضع فيها ووكر لشكل من أشكال العلاج الطبيعي على مدار اليوم، سواء أكان نائمًا أم على كرسي التغذية.

الطفل المعرَّض لخطر عدم القدرة على الكلام سيتمُّ في الغالب أولًا محاولة تعليمه لغة الإشارة، ولكي يتعلم هذه اللغة، على الطفل أن يكون راغبًا في التواصُلِ بالعين حتى يتمكَّنَ من رؤية الإشارات الصادرة عن الآخَرين. تعامَلَ معالجو دانيال المتخصصون في اللغة والتخاطب بالإشارة معه لمدة أربعة أشهر قبل أن ينظر إليهم دانيال، قبل أن يتخلَّوا عن الأمر في النهاية. كانت إيمي تحتفظ بسجلات مفصلة لكلِّ موعد طبي حضره ابنها، وكل دواء تناوَلَه. تنطوي متلازمة القلب والوجه والجلد على كثيرٍ من المفاجآت، ولكن الاهتمام المنظم لإيمي يُعَدُّ نموذجًا لكيفية التعامُل مع هذه المتلازمة والمتلازمات المشابهة، وفيما يخص الحصول على الخدمات، فلا ضرر من الاهتمام الزائد.

النتائج واضحة، يستطيع دانيال مشاهدة التليفزيون ويضحك؛ وإن كان انتباهه يتشتت بالتأكيد. له نفس الركبتين كثيرتي العقد مثل ابني، ولكنه يستطيع أن يركب السيارة مع والده ويقول له — مسلحًا بالإحساس المكاني اللافت للنظر الذي يسمح له بحلِّ ألعاب تركيب الصور المقطعة بالمقلوب: «أنذهب في طريقك، أم طريق ماما؟» عاش ستيف في جلين إلين طوال حياته، ودائمًا ما يأخذ الطرق الخلفية، في حين تلتزم إيمي التي تُعَدُّ وافدةً جديدة على تلك الضاحية، باستخدام الطرق السريعة. لاحَظَ ذلك دانيال، وعبَّرَ عن ذلك بالكلام. لم يتحدث مباشَرةً إليَّ قطُّ — كنتُ متطفلًا، وكان يشاهد التليفزيون — ولكنه ثرثَرَ مع الآخرين جميعهم. ومن بين كل الأمنيات التي تمنيتها لابني العزيز، كان التحدُّثُ ببضع كلمات هو أول أمنية أريدها أن تتحقق. أحب مشيته التي تشبه مشية فرانكنشتاين، ويديه الضعيفتين، وهما عزيزتان بالنسبة إليَّ بسبب ما فيهما من خلل. ولكن ماذا لو سمعته ينطق اسمه؟ ينادي على أخته بصوت عالٍ وواضح قائلًا: «هايلي!» بدلًا من «هاااا» التي يقولها من حين لآخَر؟ يقول: «ماما، أحبك.» ينبض قلبي لمجرد التفكير في الأمر. «تبًا لك، يا بابا!» سيكون مثل خطاب جيتسبرج بالنسبة إليَّ.

ليس هذا بسبب ما تعنيه الكلمات؛ فلغة الأطفال المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد الذين يمكنهم الكلام غالبًا ما تكون لها طابع مفتعل أو مصطنع باهت، شعور أدنى من الشعور الحقيقي؛ فهم يعنون ما يقولون، ولكن أحيانًا يتكوَّن لدى المرء انطباع بأنهم يستخدمون كلمات شخص آخَر في قولهم، وأن لغتهم مستعارة أكثر منها منتجة ذاتيًّا. ولكن على الأقل هي لغة، ودليل على الحياة الداخلية، وبرهان على أنهم يمكن أن يدركوا السياق، وأن لهم رغبات. لا أحتاج إلى أن يقول لي ووكر: «أحبك» لأعلم أنه يحبني، ولكنه إذا تحدَّثَ بكلمة، فسيُعَدُّ دليلًا على أن لديه شيئًا ليقوله، وأنه يريد أن يقوله، وأن هناك مغزًى لقوله، والرغبة قصد، والقصد أمل.

في خريف العام الذي بلغ فيه ووكر ١٨ شهرًا، جلست بجوار زوجتي أمام طاولة المطبخ وملأنا نموذج مقياس ماكارث لنمو الاتصال، وكان يتكوَّن من ثماني صفحات. وفقًا للمقياس، كان ووكر يفهم ١١٥ كلمة، منها: «هل تشعر بالجوع؟» و«افتح فمك»، «قبلة» و«مبلل»، و«مقزز» و«أنت» و«إفطار» و«قمر»، و«جيد»، ولكن ليس منها «سعيد»، و«مظلم» ولا «مكسور»، ولا حتى كلمة «سماء». بالطبع من المفيد ذكر أنني وجوانا ملأنا النموذج؛ فقد رأينا براعته في كل مكان، ولكنه في الواقع لم يَقُلْ شيئًا. تحلم جوانا وهايلي كثيرًا باليوم الذي يستطيع ووكر فيه أن يتكلم مثل محامٍ في قاعة محكمة. وفي تلك الأيام، تستيقظان منتشيتين مفعمتين بالإثارة. في ذهني، ندردش أنا وهو بلا توقف، ولكن في الحياة الواقعية، كان عاجزًا عن الكلام.

لذا كانت هناك أوقات في منزل هيس ذي الموقع الجميل والتنظيم الرائع لم أستطع فيها الكلام أنا أيضًا، بسبب الحسد والحزن، وحينها كنت أرغب في ركوب سيارتي فالطائرة وأطير مباشَرةً إلى ووكر. لو كان قد التحق ببرامج رعاية أفضل، وكان التدخُّل في حالته مبكرًا أكثر (بدأنا عندما بلغ ثلاثة أشهر)، وكانت لدينا أموال أكثر، وكان لديه أب أكثر نشاطًا وإخلاصًا — هكذا قلتُ في نفسي — ولو لم يكن قد وُلِد قبل ميعاده بخمسة أسابيع؛ ربما كان ووكر اليوم محظوظًا مثل دانيال. ماذا يحدث لو اختار أحدنا التوقُّفَ عن العمل تمامًا، وبقي في البيت لكي يكون والدًا ومقاوِمًا للإعاقة طوال الوقت؟

يعرف والدُ كلِّ طفل معاقٍ هذا الحسد الخفي، والشعور بالذنب المصاحب له، ولم يَعُدْ من المعقول (أو المنطقي) أن تصر على القول بأن على الوالد أن يبقى في البيت أكثر من إصرارك على القول بأن على إيمي هيس الالتزام بالخروج للعمل خارج منزلها. لقد قمتُ أنا وزوجتي بفعل كل شيء أشار إليه الأطباء والتقارير الطبية، بل وأكثر من ذلك. كنَّا نتبع ما يشير به علينا أطباء مستشفى الأطفال المرضى بتورونتو ومركز بلورفيو لإعادة تأهيل الأطفال، وهما اثنان من أفضل المؤسسات المتخصصة في طب الأطفال في العالم. وقد ألحقنا ووكر ببرامج للتدخُّل المبكر حين بلغ من العمر ثلاثة أشهر، وبدأ يستخدم لغة الإشارة عند سن الستة أشهر، ولكن لم يكن لأيٍّ من هذا أيُّ تأثير؛ فقد كانت الطبيعة — الحالة التي وُلِدَ بها — أقوى.

من الناحية العلمية، يعني تعرُّف كيت روين على الجين المسبِّب لمتلازمة القلب والوجه والجلد أنه يمكن إجراء اختبار متلازمة القلب والوجه والجلد للجنين وهو في الرَّحِم وإجهاضه إذا تأكَّد إصابته بها، وهكذا يمكن تجنُّب كل هذه الآلام. (ومع ذلك فالمرض نادر جدًّا مما يجعل هذا الاختبار يمثِّل عبئًا ماليًّا.) لن تفكِّر إيمي هيس حتى في ذلك وتصر قائلةً: «لم أكن لأفرط في دانيال.» ولكن حين نضغط عليها، تقرُّ بأنها لا تريد إنجاب أطفال آخَرين يعانون، ربما تتبنَّى طفلًا آخَر من ذوي الاحتياجات الخاصة «لأنه على الأقل حينها لن تكون لديها عقدة الذنب، بإنجاب مثل هذا الطفل وإخراجه للعالم.» فهي ما زالت تلوم نفسها على إنجابها لابنها، ولا تلقي باللوم على العالم للطريقة التي يتعامَل معه بها.

بالرغم من ذلك، يتمتع دانيال بحرية أكبر؛ فكثيرًا ما يتقرب إلى الغرباء في الشارع ويقول: «أهلًا، هل تحبونني؟»

هذا هو السؤال الحقيقي.

***

وأخيرًا، بعدما قابلتُ إيميلي سانتا كروز ودانيال هيس وآخَرين من خلال موقع متلازمة القلب والوجه والجلد لبريندا كونجر، سنحت لي الفرصة لمقابلة بريندا كونجر نفسها. وحين وصلتُ إلى فيستال بنيويورك، حيث تعيش كونجر وأسرتها، كان ابنها كليفي ينتظر بالباب، وبَدَا نسخةً أكثر لطفًا، وأقل مرضًا من ووكر؛ فشعره مجعد ويلبس نظارة، لكنه أنحف وأطول، يشبه نويل كوارد. وحين طرقت الباب اندفع نحوه كلبا العائلة اللابرادور، هنري وجاكسون.

قال كليفي: «ستؤذيك هذه الكلاب.» وضحك.

كانت هذه أول محادثة لي مع شخص مصاب بمتلازمة القلب والوجه والجلد.

قبل أي شيء آخَر، أراد كليفي رؤيةَ صورٍ لووكر، ثم ذهب لمساعدة أمه في تطرية الدجاج الذي تعده للعشاء. كانت شاشة التليفزيون العريضة في حجرة المعيشة تعرض السيد روجرز، مقدِّم برنامج الأطفال التليفزيوني الشهير، ذي الإيقاع البطيء. في ذلك الوقت كان عمر كليفي ١٥ عامًا؛ مراهق يشاهد السيد روجرز. كانت هناك علامات صغيرة مثل هذه، مجرد إشارات. استطاع أن يضرب الدجاج عشر ضربات، ثم كان عليه أن يتوقف، بعد أن أصابه الإنهاك. في هذا الوقت، لاحظت كم كانت ذراعاه نحيفتين، وكيف كان انتباهه غير منتظم.

اصطحبني في جولة في البيت، ويبدو أنه كان يفضِّل الطابق الثاني.

أشار إلى الركن الذي استطاعت بريندا كونجر من خلاله تغيير حياة المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد قائلًا: «هذا مكب (يقصد مكتب) ماما.»

«هذه هي الغرفة الجديدة»، مشيرًا إلى المكتب الذي أضافه والده.

أشار إلى الحمام، والدش، وستارة الدش الأهم بالنسبة إليه، وقال: «لا تفتح هذه!»

وسرنا في الجولة حتى الردهة.

أومأ كليفي قائلًا: «هذه حجرة ابنتي.»

«ابنتك؟ تقصد أختك.»

«تمام.»

لديه مشكلة في نطق حرف «الراء»، وتتميز لغته بهذا الطابع المفكَّك العارض، كما لو أنه يتلو من الذاكرة، أو من قائمة احتمالات في ذهنه. بعض أجزاء ذهنه كانت خالصةً له، والأجزاء الأخرى بَدَتْ كما لو أنه اشتراها مجمَّعَةً بشكلٍ مُسبَق من أحد المعارض، وقد وصف أطباء الأعصاب نفس هذا الملمح في العقل الطبيعي، أي النشاط المجتمعي المخطَّط له مسبقًا — ولكنه في حال كليفي بطيء، ويمكنك ملاحظة طريقة عمله.

حجرة نومه، ملاذه الخاص، كانت مزيَّنة برسومات لجرارات جون دير، التي يهتمُّ بها أيَّما اهتمام؛ فهي مهندمة، ومفيدة، وقوية. وهناك سجادة على الأرضية مرسوم عليها صورة جرار جون دير، وكذلك ورق الحائط والستائر وغطاء السرير، فضلًا عن مفتاح الكهرباء وعلبة المناديل الورقية وسلة المهملات، حتى طرف السلسلة التي تدير مروحة السقف كان يحمل صورة جرار جون دير.

مشينا خارج البيت، بينما كانت بريندا تنهي إعداد العشاء، وكان والده كليف يحدِّثني عن أيام المعاناة مع متلازمة القلب والوجه والجلد، قبل أن يعرف أي أحد عنها أي شيء، وكيف أنه علَّمَ كليفي التزلُّج عن طريق المشي على التل المخصَّص لتزلُّج المبتدئين، وهو يلبس حذاء التزلج لمدة عامين قبل أن يشعر كليفي بالارتياح الكافي لكي يجرِّب الزلاجة، وبينما كنَّا نحن الكبار مشغولين، تسلَّل كليفي إلى جرار جون دير المخصَّص للعمل في الفناء، فأدار المحرِّك وقاد الجرار خارج سقيفته، وتحرَّك به حول الفناء، وحين انتهى عاد به وبمقطورته إلى السقيفة. وقد قام بهذا ببراعة كبيرة.

قلتُ لوالده: «ليس باستطاعتي فعل ذلك.» وفجأةً جالت بذهني صورة لووكر وهو يقطف العنب. ربما يستطيع ووكر قطف العنب!

قال كليف: «هو أبرع في الركن الدقيق للمَرْكَبَات من أيِّ شاب بالغ من العمر ١٨ عامًا يحمل رخصة.» استغرق الأمر منه أربع سنوات كي يعلِّم ابنه قيادة الجرار، وقد بدأ كليف الأمر بجز الحشائش وهو يحمل الولد على ذراعيه.

في الساعة ٤٧ : ١٠ في تلك الليلة، أبعدت بريندا كليفي عن التليفزيون، وقالت له: «كليفي، حان وقت النوم.»

قال: «ماما.» لم يكن هناك أي شيء يدل على التأخُّر في نبرة الصوت هذه. «لماذا لا أسهر؟ فأنا مراهِق.»

كان يقوم بالأعمال الروتينية الحياتية بإتقانٍ. وبين ما كان يشعر به وما طُلِب منه أن يشعر به شعرت بوجود الولد الحقيقي، الذي كان لا يزال يتشكَّل. هل هذا من السمات المميزة للطفل المصاب بمتلازمة القلب والوجه والجلد؛ أن يظل يتشكَّل دائمًا ولا يتشكَّل أبدًا؟

حين نزلتُ لتناول طعام الإفطار في صباح اليوم التالي، وجدتُ كليف وكليفي مستيقظين منذ الساعة السابعة صباحًا، يُعِدَّان أطباق الأومليت الخاصة بأيام الآحاد. كان كليفي يرتدي بيجامة عليها صورة سبونج بوب، وكان يمشي متثاقلًا، وكان ضوء الصباح الخافت ينفذ من النافذة.

«سيد براون، أتريد عيش غراب في الأومليت؟»

قلتُ: «إين. نادِني بإين.»

«إين.» قالها بلا مبالاة، وانتهى الأمر بالنسبة إليه، فالأسماء لا تهم. «أتريد عيش غراب؟»

سألته: «هل أنت من محبِّي عيش الغراب؟»

«نعم.»

«وأنا أيضًا!»

صاح قائلًا: «نعم!» أعلم صيحة الفرح هذه من ووكر. فنادى على والده قائلًا: «هو من محبِّي عيش الغراب!»

توقَّفَ كليفي ثم قال: «ماذا عن المخللات؟»

قلتُ: «لا، لا أحب المخللات.»

«ماذا؟!» نظر إليَّ نظرة تعجُّب، النظرة التي تنظر بها لشخصٍ يعارض المعتقدات السائدة.

سألته: «هل أنت محب للمخللات؟»

«نعم!» قالها مرة أخرى بنفس الحماسة.

لعل هذا هو السبب وراء فعل ووكر لنفس الشيء أيضًا؛ حين كان يشعر بأننا متساويان، أو على الأقل نفكِّر بنفس الطريقة.

كان كل ما نحتاجه مترجِمًا، ولدًا يتحدث لغتي ولغته.

***

اكتشفتُ أن كثيرًا من آباء المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد يقضون معظم وقتهم على شبكة الإنترنت، فيتقابلون عبر المجموعة الدولية المعنيَّة بمتلازمة القلب والوجه والجلد، وعبر غرفة الدردشة الإلكترونية لبريندا كونجر، أو عبر قائمة بريدية. وكان الآباء الذين اكتشفوا أن طفلهم المولود حديثًا مصاب بمتلازمة القلب والوجه والجلد يندفعون إلى غرفة الدردشة مثل المسافرين المترنحين الذين وجدوا واحة بعد سنوات من التيه في الصحراء، وكانوا يخرجون من غرفة الدردشة كما لو أنهم يودِّعون أقاربهم الذين افتقدوهم لمدة طويلة:
مع خالص حبي
زوجة مالكوم مام إلى لويس ٩ جيمس ٧ إيمي ٤
تأكدت الإصابة بمتلازمة القلب والوجه والجلد

دائمًا ما كانوا يخرجون من غرفة الدردشة بالطريقة نفسها، وتعني عبارة «تأكدت الإصابة» التأكد من الناحية الوراثية، وهي أعلى درجات التأكُّد من إثبات حالة متلازمة القلب والوجه والجلد. وإذا تأكَّدَتْ إصابتك بالمتلازمة — أصبح الاختبار الوراثي لمتلازمة القلب والوجه والجلد متاحًا بحلول ربيع عام ٢٠٠٦ — يمكن تضمين الحمض النووي الخاص بك في الدراسات البحثية. كان الآباء يتوقون للتأكُّد من الإصابة بالمتلازمة؛ فبعض الأطفال تمَّ تشخيص حالاتهم إكلينيكيًّا بأنهم مصابون بمتلازمة كوستلو أو نونان القريبتين في مظاهر عديدة من متلازمة القلب والوجه والجلد، ولكن اتضح بعد ذلك من الناحية الوراثية أنهم مصابون بمتلازمة القلب والوجه والجلد، وهناك أطفال آخَرون أظهَرَ تشخيصهم إكلينيكيًّا أنهم مصابون بمتلازمة القلب والوجه والجلد ثم تبيَّنَت إصابتهم بمتلازمة نونان أو كوستلو من خلال الاختبار الوراثي. (يرى عدد قليل من علماء الوراثة أن متلازمة القلب والوجه والجلد ومتلازمة كوستلو ليستا متلازمتين منفصلتين على الإطلاق، ولكنهما مجرد أشكال مختلفة من متلازمة نونان، الأكثر شيوعًا.) ولم تُخرِج كونجر أيًّا من الأطفال الذين أُعِيدَ تشخيص حالتهم وظهر أنهم غير مصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد من شبكتها، ولكن هذا التشخيص الجديد كان في الغالب صادمًا لآباء هؤلاء الأطفال.

بلغ ووكر سن الخامسة قبل إنشاء موقع المجموعة الدولية المعنيَّة بمتلازمة القلب والوجه والجلد على الإنترنت، وقبل أن يبلغ سن العاشرة أنشأ آباء الأطفال المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد مجتمعًا على الإنترنت. وتُعَدُّ متابعة الرسائل في القائمة البريدية لمتلازمة القلب والوجه والجلد على مدار سنوات عديدة أشبه بمشاهدة بلدة صغيرة وهي تظهر إلى النور من ظلام مجرة عملاقة؛ فتشاهِد ضوءًا يومض، ثم ضوءًا آخَر ثم آخَر، وببطء، وببطء جدًّا تستحيل الأضواء قرية. وبدأت تظهر حالات متلازمة القلب والوجه والجلد في أماكن أخرى من العالم؛ في أستراليا ولبنان وهولندا، وحالة ثانية في كولومبيا البريطانية، بل وحالة ثانية في تورونتو.

عند قراءة القائمة البريدية لمتلازمة القلب والوجه والجلد تشعر كأنك تقرأ روايةً طويلةً مكتوبة على شكل رسائل. كان الوافدون الجدد يندفعون إلى المشهد، بانفعالاتهم والمعلومات التي يقدِّمونها، وكان القدامى يرحِّبون بهم ويطمئنونهم. ما لم يذكره أحدٌ هو كيف أن القصص تتشابه، وأن الشكاوى كانت تظل كما هي لسنوات دون تغيير، ودون علاج؛ كالأشياء المقلقة التي أكَّدَ الأطباءُ للآباء الجدد أنها ستزول، والتي كان يعرف معظمنا أنها في الأغلب لن تزول. أتذكَّر امرأةً اسمها كيت وصفَتْ بلغة عاطفية سمات ابنها الصغير، البالغ من العمر ثماني سنوات، والذي تأكَّد لتوِّه من إصابته بمتلازمة القلب والوجه والجلد، فكتبت تقول: «لا يستطيع ابني الكلام، وليست لديَّ فكرة إن كان سيتمكن من ذلك أم لا، ولكنه يعبِّر بطريقته عما يريده … أحيانًا يصاب بالإحباط فيعض يديه أو يلكم رأسه بعنف. هذه شخصيته، وهو يجلب المرح إلى حياتنا، ولكن للأمانة هناك أوقات أتمنى أن أكون أمه فقط وليس الممرضة أو مقدمة الرعاية أيضًا، ولا أضن بأي شيء يساعد في جعل حياته أفضل، ولكنها تشهد أوقاتًا صعبة في بعض الأحيان.»

المشكلة، كما يعرفها أي والد طفل مصاب بمتلازمة القلب والوجه والجلد لديه خبرة طويلة في هذا الشأن يقرأ رسالتها، أنه لا يوجد شيء يمكن أن يحسِّن حياته بدرجة كبيرة.

كانت قراءة رسائل القائمة البريدية تؤدِّي حتمًا إلى إجراء مقارنات، ولم تكن المقارنات فكرة جيدة قطُّ. لسارة وكريس، وهما زوجان من ماساتشوستس، ابنة اسمها ريجان تبلغ من العمر عامين ونصف العام، وهما يصفان حالتها كما يلي:

تتحدث ريجان وتستخدم لغة الإشارة. أعتقد أنها قالت «أيس كريم» الليلة، بالرغم من أنها لن ترغب أبدًا في تجربته، وهي تختار ما تأكل، ولكنها توسِّع من دائرة ما تأكله بالتدريج. وهي تشير إلى أطباق طعامنا وتقول: «مممممم»، ولكنها ترفض معظم ما نقدِّمه لها … ريجان متأخِّرة في النمو ومهارتها الحركية الأساسية أكثر تأخُّرًا بكثيرٍ من المهارات الحركية الدقيقة ومهارات التواصُل. لا تستطيع المشي أو الاستقرار في وضع الجلوس حتى الآن، ولكن يمكنها تحمُّل الوقوف، ويمكنها الزحف على مقعدتها، وفي الفترة الأخيرة فقط استطاعت سحبَ نفسها من وضع الجلوس إلى وضع الوقوف.

مَن الأفضل: حالة ريجان التي هي أفضل في التواصل، أم حالة ووكر الذي هو أفضل في الحركة؟ من المستحيل ألا تسأل نفسك هذا السؤال، ومن المستحيل أن تجيب. كانت الولايات المتحدة الأمريكية تسعى بجدية إلى توفير برامج حكومية إجبارية للتدخُّل المبكر لأي طفل بلغ من العمر ثلاثة أشهر وتظهر عليه الحاجة للحصول عليها. لم تكن مثل هذه البرامج متاحة حين كان ووكر طفلًا صغيرًا، وما زالت نادرة في مناطق كثيرة في كندا، وكان لكولومبيا البريطانية السبق فيما يتعلَّق بتوفير الترتيبات المعيشية وفقًا للاحتياجات، وتميَّزَتْ أونتاريو بتقديم خدمات الرعاية المؤقتة. وما لم يتوافر هو وجود برنامج يسهل الانضمام إليه ويكون مضمونًا وموثوقًا منه ومتسقًا للمساعدة ورعاية الأطفال المعاقين خلقيًّا. ولم يكن من الصعب استنتاج أن الأصحاء كانوا يرغبون في تجاهل هؤلاء الأطفال، أو على الأقل ألَّا يذكرهم أحدٌ بهم.

انضم بعض الآباء متأخرين إلى المجموعة الدولية المعنيَّة بمتلازمة القلب والوجه والجلد، بعد سنوات من ظنهم أن أبناءهم يعانون من متلازمات أخرى. كانت حالاتهم في الغالب الأكثر تعقيدًا، في ظلِّ وجود أعراض متداخلة. وتكون النتيجة أنك حين تقرأ رسائل القائمة البريدية قد تصادف شيئًا جديدًا تمامًا تشعر بالقلق نحوه. فهناك قصص درامية عجيبة، مثلًا أُنقِذَتِ امرأة تُدعَى ريني من إعصار مدينة نيو أورليانز في خريف عام ٢٠٠٨، بينما ابنتها هارلي المصابة بمتلازمة القلب والوجه والجلد كانت تصارع من أجل البقاء على قيد الحياة في المستشفى. أرسلت ريني بالمستجدات عبر الإنترنت تصف فيها حالتها كما لو أن هارلي ابنة الجميع، قائلة:

أهلًا بكم، يا أسرتي. ليس لديَّ سوى بضع دقائق للكتابة هذه المرة، ولست متأكدةً إذا كنتُ قد ذكرتُ هذا من قبلُ أم لا، ولكن الممرضات في المأوى الذي تُعالَج فيه هارلي ذكرنَ لي أن الهواء الداخلَ لرئتها اليسرى مصدره جهاز التنفس المساعد فقط … وقالت الممرضات: إنها يمكنها الخروج الليلة، ويمكن بعد أربعة أو خمسة أيام، ويمكن لهارلي أن تتغلب على الأمر مرة أخرى كما فعلت في كل المرات السابقة، ولكن يبدو أنهن لا يعتقدن أنها ستتمكن من ذلك؛ فهارلي في حالة سيئة حقًّا. لا تنسوها وإيانا بالدعاء. فليبارككم الرب!

في النهاية ماتت هارلي في شهر مارس عام ٢٠٠٩، وظلَّ آباء الأطفال الآخَرين المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد يكتبون إلى موقع كونجر لأسابيع بعد ذلك ما يثنون به على كفاحها ويحيون ذكراها. ومثلهم لم أقابل هارلي، ولكني علمت الكثيرَ عنها؛ فهي عضو آخَر من أعضاء أسرة ابني الأخرى.

ثم كانت هناك الموضوعات المحورية اليومية لرسائل القائمة البريدية: المناقشات المعتادة حول قنوات الأذن وشمع الأذن، ومسائل التغذية، ومستويات الصوديوم، وعلاج النوبات، ومشكلات البلوغ ومزايا وعيوب تأخيره من خلال العلاج بالهرمونات، وظهور التوحُّد المعقَّد ضمن أعراض متلازمة القلب والوجه والجلد (النسبة منخفضة ولكنها في تزايد)، وأنابيب التغذية، ومَن يستطيع المشي ومَن لا يستطيع، وما الذي يمكن فعله حيال ذلك، ومَن يستطيع الكلام ومَن لا يستطيع وما الذي يمكن فعله حيال ذلك، ومَن لديه شعر ومَن ليس لديه، ومَن يريد أن يتعرَّى ومَن لا يريد، وكيف نَشْغَلُ الأطفالَ، وما الذي يمكن أن يجعلهم ينامون. بعض الأمهات — مثل إيمي هيس — كنَّ يعرفن أكثر من أي طبيب، ولذلك، كنَّ كثيرًا ما يُستشرن من أجل المساعدة الطبية والفنية. كان ذكر مرض هيرشبرنج، وهو عبارة عن عيب خَلقي في الأمعاء الغليظة، يظهر لمرات قليلة ولكنها مخيفة؛ إذ يصبح فيه جزء من الأمعاء الغليظة دون خلايا عُقَدِية (بمعنى أن الأمعاء تفتقد الأعصاب المعوية الطبيعية التي تساعِد على حركة الأمعاء)، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى حدوث انسداد في الأمعاء، والذي بدوره أيضًا يؤدِّي إلى تضخُّمٍ دائمٍ في الأمعاء يُعرَف بتضخُّم القولون. يبدو الأمر مثل دوامة مرعبة لا فكاك منها. بشكل عام، يُعَدُّ التبرز واضطرابات الأكل أكثر الموضوعات مناقَشةً، إضافةً إلى أسماء العلاجات المضادة للإمساك، كميراللاكس ووكريستالوز ودولكولاكس، وأسمائها التجارية الخفيفة والعجيبة، مثل أسرة من الأخوات المغنيات المشهورات.

من حينٍ لآخَر كانت هناك ومضات من التبصُّر؛ فحين اعترفَتِ امرأة تُسمَّى روزان في كولورادو بشعورها باليأس والخزي بسبب تمنِّيها أن يكون طفلها طبيعيًّا، ردَّتْ عليها امرأة أخرى، تُدعَى ستايسي، بوضوح وعطف قائلةً:

أتفهَّم — شأني في ذلك شأن كل آباء المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد — التحديات التي تواجِه أطفالنا ذوي الاحتياجات الخاصة، وأعتقد أن أصعب شيء بالنسبة إليَّ كان التخلِّيَ عن حلم العيش في أسرة طبيعية. لم تُشخَّص حالة لوجان حتى بلغ سن الخامسة، وظللتُ طيلة العامين الأولين أردِّد لنفسي: «حسنًا، بعد علاج «هذا» ستكون حالته طبيعية، بعد علاج «هذا» ستكون حالته طبيعية!» وظللتُ أتعلَّق بأمل أنه سيكون مثل بقية الأطفال الآخرين. وكان يصيبني الضيق حين أسمع الأمهات الجدد يشتكين من أشياء كنتُ أستطيع فقط أن أحلم بها وآمل فيه (كأكل كل شيء متاح، وزيادة الوزن، والجري حولي في كل مكان … إلخ). أصابني «هوس شديد» عندما عرفت بنفسي المشكلات التي كان يعاني منها؛ فقد كان لديَّ ابن يحتاج إلى جراحات متعددة، ولا يأكل، ويتقيَّأ «كلَّ ما يتناوله» خمسَ مرات في اليوم، ولم يكن أي طبيب يستمع لشكواي أو يتفهَّم ما كنتُ أمرُّ به. في البداية شعروا أنني لم أكن أرعاه كما ينبغي، ثم في أحد الأيام حين بلغ عامين أدركت أني مهووسة جدًّا بالبحث عن مشكلته وبخوض هذه المعركة بنفسي لدرجة أنني لم أكن أحبه … لأن قلبي منفطر جدًّا بسبب أن حلمي بوجود [إنسان] «طبيعي» قد تحطَّمَ تمامًا؛ لذا بدأت من هنا تقبُّلَ لوجان كما هو، ولم أَعُدْ أفكِّر فيما ينبغي أو يستطيع أن يكون عليه، ولكن فيما «كان» عليه فعلًا. وبالرغم من الأيام الصعبة والتحديات، كانت هناك أيام «جميلة»، والآن أصبحت هذه الحياة بالنسبة إليَّ طبيعية، وأتمنى أن تكون أيسر في المستقبل.

حظًّا سعيدًا، ولن أنساكِ أنتِ وأسرتكِ

ستايسي

يأتي المساهمون المنتظمون في القائمة البريدية ويذهبون مع تقلُّب صحة أطفالهم، والتي كانت تتقلب بمعدل خطير، في حالة كل فرد. غضبت بعض الرسائل من التسلُّط والذعر الذي لم يكن في محله، وكانت هناك عدم رغبة ملحوظة بصفة عامة في الشكوى أو اليأس؛ أصحاب مدرسة «أنا المعذب فقط»، الاسم الذي تطلقه الأمهات الحازمات للأطفال المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد على معتادي الشكوى، رافضات الشكوى بوصفها أمرًا لا فائدة منه ونوعًا من الأنانية. وفي الوقت نفسه، هناك الكثير من الأمور الدينية في هذا المزيج؛ فنادرًا ما يمر يوم دون أن يشكر شخصٌ الربَّ على «نِعَمه» الباطنة في وجود «ملاكٍ» مصاب بمتلازمة القلب والوجه والجلد، ودون أن يصرَّ شخصٌ آخَر على أن الرب «يَهَب الأطفالَ المختلفين إلى الآباء المختلفين.»

كنت أتفهم القصد من وراء ذلك: أعطى ووكر حياتي شكلًا، وربما أعطاها معنًى، ولكنه أيضًا حوَّلها إلى جحيم. وفي أيام الجحيم كان يبدو الوعظ العاطفي الساذج عن الملائكة والاختلاف نوعًا واضحًا من خداع الذات، أشبه بعمل الفتيات القلقات اللاتي يسعين إلى تبرير ما يقمن به أمام مدرسة ثانوية ساخرة. لا تختلف الإعاقة عن السياسة أو حتى كرة القدم الجامعية؛ فهي تقسِّم الناسَ وتُسيِّسهم وفق حاجتهم، محوِّلةً تجربة سيئة لا سبيل للتعامل معها إلى موقف ثابت ومطمئن، ولكن تفاصيل حياة ووكر تكذِّب أي مسار كهذا.

تواصَلَتْ جوانا مع شبكة بريندا كونجر الخاصة بمتلازمة القلب والوجه والجلد منذ وقت مبكر، قبل ظهور الإنترنت. لكنها كانت حينها بحاجة شديدة للحصول على نصائح محددة، ومعلومات عن كريمات الجلد والعلاجات التي يكون لها تأثير مباشِر، وأخبرتني بعد سنوات بأنه: «كان هناك كلام كثير حول موضوع الرب والملائكة واعتبار الأطفال هبات من الله.» وكان من الصعب اعتبار ووكر هبةً من الرب، إلا إذا كان الرب ساديًّا ينتقم منَّا في شخص الولد الصغير! وبعد ذلك لم تَعُدْ جوانا تتواصل مع الشبكة، وسرنا في الطريق بمفردنا.

***

لانا فيليبس والدة جايمي فيليبس، وهي واحدة من خمسة أطفال شُخِّصت حالتهم على أنها متلازمة القلب والوجه والجلد في عام ١٩٨٦، وفي ذلك الوقت كان عمر جايمي عشر سنوات، وتعاملت لانا مع نفس الطفلة المريضة والمحطمة لمدة ٢٥ عامًا تقريبًا قبل ظهور الإنترنت، أو أي شبكة من شبكات دعم المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد ذات دور حقيقي؛ وكان هذا بالقرب من مدينة ويندول، أيداهو، والتي لم تكن الخدمة الطبية فيها متقدمة حينها.

تعرَّفْتُ على لانا عبر التليفون؛ لها صوت واضح ونقي مثل شيء نضر في يوم مشرق. كانت لانا ممتنة بأن جايمي ما زالت على قيد الحياة، وقد أدرك الأطباء وجود مشكلة من لحظة ولادة الطفلة، ولكنهم لم يستطيعوا تحديد المشكلة. فهي لم تكن تأكل. وأشارت إحدى الجارات على لانا بلبن الماعز والبطاطا الحلوة — فكلاهما يسهُل هضمه بالنسبة إلى الأطفال الذين يصعب إرضاؤهم، أو هكذا قالت جارتنا — لذا اشترت لانا ماعزًا وحلبتها وطهت كميات كبيرة من البطاطا الحلوة؛ ففوجئتْ أن جايمي أحبَّتْ هذا، وأصبحت أكثر قوةً. أما محاولة جعل جايمي تتكلم، فكانت أقل نجاحًا؛ فقد ذهبت لانا وزوجها مايك، الذي يمتلك شركة تأمين، بالسيارة إلى لوس أنجلوس كي يتم فحص جايمي في أحد المراكز الطبية التابعة لجامعة كاليفورنيا؛ وأشار الأطباء هناك إلى ضرورة عرضها على دكتور جون أوبتز، عالم الوراثة الشهير، في ويسكونسن، وحين فحص البنت بعد بضعة أشهر، أخبر الأطباءُ الحاضرين أنهم لن يروا في الغالب حالةً أخرى مثل حالة جايمي في حياتهم.

مرت سنتان قبل أن ينشر أوبتز وفريقه ورقتهم البحثية المبتكرة التي تحدِّد متلازمة القلب والوجه والجلد بوصفها متلازمة جديدة ومتميزة. واليوم الذي قرأَتْ فيه لانا هذه الورقة البحثية كان أول مرة ترى فيها صورة طفلٍ آخَر مصابٍ بمتلازمة القلب والوجه والجلد؛ فتولَّدَتْ لدى لانا فكرة أن نشر الورقة البحثية هذه سيؤدِّي إلى ظهور فيض من الحالات غير الموثَّقَة لمتلازمة القلب والوجه والجلد، وأن العلماء سيجعلونها تتواصل مع آباء الأطفال الآخرين المصابين بهذه المتلازمة، والعكس صحيح، حتى إنها أعطت لهم موافَقةً كتابيةً على مشاركة اسمها وعنوانها. لكن لم يحدث شيء، واحتفظ علماء الوراثة بهذه المعلومات لأنفسهم؛ لأسباب تتعلَّق بالحفاظ على سرية المعلومات الخاصة بالمرضى. لكن حين يكون لديك طفل مصاب بمرض نادر وغير معروف مثل متلازمة القلب والوجه والجلد، فإن «آخِر» شيء قد تفكِّر فيه هو سرية المعلومات الخاصة بك وبطفلك؛ فأنت تحتاج إلى أي مساعدة يمكنك الحصول عليها. ولكن هذا مثال للكيفية التي تجعلك بها الحياة مع طفل مصاب بمتلازمة نادرة منعزلًا عن الغير.

لمدة أربع سنوات، لم تسمع لانا أيَّ شيء عن الموضوع، وبَدَا الأمر كما لو أن المتلازمة قد تمَّ تحديدها وإعطاؤها اسمًا، ثم ذهبت طي النسيان؛ لذا فقد فعلَتِ الشيءَ الوحيد الذي يمكنها القيام به، وهو أنْ قضَتْ ساعات في إعادة قراءة التقرير المنشور، وفحص الصور نفسها مرات ومرات، وبَدَا لها أن ابنتها مصابة بأشد الأعراض، واعتقدت لانا أن السبب في أن أحدًا لم يتصل بها هو أنه لا أحدَ يريد مقابلة جايمي.

قبل أن تبلغ جايمي أربع عشرة سنة، اتجهت لانا للعمل ضمن برنامج «هيد ستارت»، وهو برنامج تعليمي قومي مُعَدٌّ للأطفال من خلفيات غير مستقرة ومحرومة، وعملت في المدرسة العامة المحلية، وفي أحد الأيام وصلت رسالة من الإدارة بأن هناك طفلة جديدة ستنضمُّ إلى فصلها، وأنها لم تبدأ المشي حتى بلغت سن الرابعة؛ مثل جايمي تمامًا.

بعد يومين، قابلت لانا البنت الجديدة. قالت لي لانا: «حين دخلَتْ هذه الطفلة إلى الفصل، لم أصدِّق عينيَّ، وعلى الفور قلت في نفسي: لو كنتُ عالمةً في الوراثة، لقلتُ: إن هذه الطفلة مصابة بمتلازمة جايمي، متلازمة القلب والوجه والجلد.» في أقرب وقت ممكن، اتصلت لانا بأم البنت وقد شُخِّصت حالتها أيضًا بأنها مصابة بمتلازمة القلب والوجه والجلد من قِبَل نفس طبيب الأطفال الذي شخَّصَ حالة جايمي، والذي لم يخطر على باله قط أن ينقل المعلومة للانا. بدلًا من ذلك، وفي مصادفة لا يمكن تصوُّرها (لا يوجد نمط جغرافي دالٌّ إحصائيًّا لحدوث حالات الإصابة بمتلازمة القلب والوجه والجلد)، وفي مكانٍ ناءٍ جغرافيًّا في الولايات المتحدة الأمريكية، دخلَتْ طفلةٌ مصابة بمتلازمة القلب والوجه والجلد إلى فصل امرأة لديها الطفلة الوحيدة المصابة بتلك المتلازمة التي يفصل بينهما آلاف الأميال. واعتبرت لانا أن هذا شيء يشبه المعجزة، من الناحية الإحصائية أو غيرها.

بالنسبة إلى لانا، كانت هذه المصادفة مصدر ارتياح كبير لها. قالت لانا: «هناك شيء قوي ومُرضٍ بشأن معرفة سبب كون طفلك على تلك الحال والتواصل مع الأسر الأخرى الذين لديهم طفل مثل طفلك.» وبالرغم من ذلك كانت الطفلة الجديدة أكثر تقدُّمًا بكثير من جايمي من ناحية النمو، وخشيت لانا أن أمها قد تتضايق من مقابلة جايمي، وهي شخص أكبر بكثير وتواجه تحديات أكثر صعوبةً، مما يُعَدُّ نذيرَ شؤم للمستقبل.

وكما هو متوقع، لم تعبِّر قطُّ أم الطفلة الأخرى المصابة بمتلازمة القلب والوجه والجلد عن رغبتها في التواصل معها، وسرعان ما غيَّرتِ الأسرة محل إقامتها. قالت لي لانا: «لكني تعاملت مع الطفلة، ورأيت أن هذه حالة متلازمة حقيقية.»

قبل أن تبلغ جايمي الحادية عشرة من عمرها، كانت رعايتها تمثِّل عبئًا كبيرًا على لانا وزوجها (خاصة أن لديهما ثلاثة أطفال آخَرين)، وذهبت لتعيش في إحدى دور رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة المتميزة في الولايات المتحدة الأمريكية، في أيداهو. قالت لانا: «كان هذا الأمر الأكثر تأثيرًا فيَّ والأصعب عليَّ في حياتي؛ إذ كان هذا مثل ثقب أحدثته في قلبي، وأرى أنه جزء من الصعوبة التي واجهتني حين فكَّرْتُ في إعادة محاولة التواصُل مع مجتمع متلازمة القلب والوجه والجلد.» وهو ما كان يذكِّرني باستمرارٍ بأن الآباء الآخَرين يعيشون مع أطفالهم المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد، ويمكنهم التعامل مع مشكلات المتلازمة.

عاشت جايمي في دار الرعاية لمدة ١٩ عامًا، حتى بلغت سن الثلاثين، وكانت ترى والدَيْها كل عطلة نهاية الأسبوع، بالرغم من أنهما يعيشان في مكانٍ يبعد ثلاث ساعات بالسيارة. لكن قبل عام من التواصُل مع لانا، مرضت جايمي؛ أُصِيبت بخليط معقَّد من الالتهاب الرئوي الإِنْتانِيِّ والوذمة اللمفاوية طرحها على فراش الموت لأربعة أشهر في وحدة العناية المركزة، وحين تعافت في النهاية، أخرجها لانا ومايك — وقد بلغَا من العمر حينها ٦١ عامًا و٦٢ عامًا على التوالي — من دار الرعاية، وعادا بها إلى البيت لتعيش معهما، بمساعدة اثنتين من مقدِّمات الرعاية اللتين تعملان بدوامٍ كاملٍ، وتدفع لهما الدولةُ ومايك من أرباحه من شركة التأمين. قالت لي لانا: «في عنبر الرعاية المركزة، بَدَا الأمر لي تقريبًا كما لو أني أنظر إلى شخص غريب، وأظن أني لم أحب هذا الشعور.» أرادت أن تحمي ابنتها. وفي وحدة العناية المركزة، أعطوا جايمي كمية من المورفين تكفي لتخدير شخصٍ يزن ٢٢٥ رطلًا ليوم كامل، ولكن مفعول المورفين انتهى بعد ساعتين؛ لذا خلعت أنابيب المحاليل الطبية. كانت تبلغ من الطول أربع أقدام وتسع بوصات وتزن ٩٦ رطلًا، ولم تستطع الكلام ولم تتدرب تدريبًا كاملًا على استعمال الحمام، ولكن كانت تمتلك إرادة حديدية.

أعطت عودة جايمي بعد عقدين من الزمن تقريبًا في دار رعاية لانا نظرة جديدة. قالت لي: «لم أعد أعيش حياتي من منطلق الخوف كذي قبل.» والآن جايمي في البيت طوال الوقت، وأدرك مايك ولانا أنها تفهم أكثر مما كانا يظنان؛ فلديها إشارات مفضَّلة لكلماتها المفضَّلة، ﮐ «حذاء» و«أكثر». ولا يدري أحد السبب لكن يبدو أن هاتين الكلمتين هما المفهومان الأكثر إشباعًا في حياتها الغريبة، شيء ترتديه كل يوم، وشيء ترغب فيه. قالت لانا: «تحصل على نتائج كثيرة جدًّا من إشارة «أكثر»!» وجايمي — التي لديها «عقلية» (كما تطلق عليها لانا) شخصٍ يبلغ من العمر من ١٨ شهرًا إلى عامين — تحب الرجال، «ففي الكنيسة مثلًا، عندما ترى شابًّا حسن المظهر يعجبها، أو رجلًا أكبر سنًّا، تجري نحوه وتمسك بذراعه وتقهقه.» كانت جايمي تبلغ من العمر ٣٣ عامًا عندما حكَتْ لي أمها هذه القصة.

لكن لانا لا تمانع في هذا. وقالت: «أشعر الآن بأنني أصبحت الشخصَ الذي طالما أردت أن أكون في الحياة؛ فأنا أتعامَل مع الأطفال الصغار، وتعلَّمت الصبر والتعاطف للتواصل مع الناس بغض النظر عن شكلهم، وكان كل هذا بسبب جايمي.» وتوقَّفَتْ برهة تفكِّر ثم واصلت الحديث. هي مورمونية مخلصة، وأخذت تتحدث عمَّا يُطلِق عليه أعضاء طائفتها «الخلود في الحياة الآخرة»، والجنة وعدالة الرب. «يومًا ما، سيكون لها جسم كامل وعقل كامل.»

مَن منَّا لا يريد الإيمان بذلك؟ فجايمي امرأة كبيرة بعقل طفل، غيَّرَتْ حياة لانا بالرغم من أنها عاشت حياتها سعيدة من دونها، وقد بدأ هذا التغيير — كما تتذكر لانا — يومَ دخلَتْ عليها في الفصل طفلةٌ أخرى مصابة بمتلازمة القلب والوجه والجلد. قالت: «بالنسبة إليَّ، كان هذا اللقاء مهمًّا جدًّا.»

باعتباري ملحدًا تقليديًّا إلى حدٍّ ما، لم تَرُقْ لي فكرةُ الخلود وبعض الكلمات مثل «معجزة»، ولكن يبدو أنها تقوم بدور مهم في حياة كثير من الناس الذين يتولَّون رعاية أطفال من ذوي الإعاقة، وهم يجدون في فكرة أن الرب اشتملهم بعنايته سبيلًا لاستيعاب ذلك العبء الذي ألقي على كاهلهم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠